← Адаб

Адаб · id 23138

الشعر في خراسان من الفتح إلى نهاية العصر الأموي

حسين عطوان

Полный текст (311 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أجار وسلم أهل البلا ... د والنازلين بأطرافها فصرت على الجند بالمشرقين ... لقوحا لهم در أخلافها١ فنحن على ذاك حتى تبين ... مناهج سبل لعرافها وحتى تبوح قريش بما ... تجن ضمائر أجوافها فأقسمت للمعبرات الرتا ... ع للغزو أوفى لأصوافها٢ إلى ما تؤدي قريش البطا ... ح أحلافها بعد أشرافها فإن كان من عز بز الضعيـ ... ف ضربنا الخيول بأعرافها٤ إذا ما تشارك فيه كبت ... خواصرها بعد إخطافها٥ فنحن على عهدنا نستديم ... قريشا ونرضى بأحلافها سنرضى بظلك كنا لها ... وظلك من ظل أكنافها لعل قريشا إذا ناضلت ... تقرطس في بعض أهدافها٦ وتلبس أغشية بالعراق ... رمت دلو شرق بخطافها٧ وبالأسد منا وإن الأسود ... لها لبد فوق أكتافها فإن حاذرت تلفا في النفا ... ر فالدهر أدنى لإتلافها فقد ثبتت بك أقدامنا ... إذا انهار منهار أجرافها٨

стр. 107

وجدناك برا رؤوفا بنا ... كرأمة أم وإلطافها١ وتشابه هذه القصيدة في الأغراض المشروحة فيها، والغايات المتوخاة منها، قصيدة خلف بن خليفة البكري، التي تمثلنا بها قبل قليل على وقوف يحيى بن الحضين البكري إلى جانب الخلافة، ورفضه التوقيع على الميثاق الذي أبرم بين عاصم بن عبد الله الهلالي، والحارث بن سريج التميمي. فإن المغيرة انضم إلى نصر، واتخذ جانب الخلافة في وقت مبكر. بل منذ اللحظة الأولى التي بدأ الأزد يتصدون فيها لنصر ويناوئونه، ويسعون للعبث بولايته، وإفساد الأمر عليه، إذ وهب نفسه للذب عن نصر، ونذر قبيلته للدفاع عن الخلافة دون أن يعبأ بمحالفة قومه للأزد، أو يمالئ جديع بن علي الكرماني، لأنه استشرف أن الظرف لا يحتمل التردد والتأجيل، ولا يسمح بالمماطلة والمراوغة. وتمنى لو حذا يحيى بن الحضين البكري حذوه، وحالف نصرا، فشد من أزره، وقوى موقفه، وهو يراجع الأمويين في تغافلهم عن قبيلته، وعدم انتفاعهم لها، وقلة اعتمادهم عليها، وتجاهلهم لقيمتها، وجحودهم لخدماتها، مع أهميتها وقدرتها، ومع ما لها من الأفضال العظيمة عليهم، والمواقف الكريمة منهم. ولكن البكريين الذين كانوا بمرو الروذ، ومرو الشاهجان، كان لهم موقف آخر من الأحداث، إذ لم يكفوا عن معارضة نصر، ولم يعزفوا عن معاونة جديع بن علي الكرماني، ولم يتمثلوا مصلحة الأمة إلا في زمن متأخر، فلم تغن مسالمتهم لنصر شيئا، ولم تجد مصافاتهم له نفعا، ولم يمنع تأييدهم له من تردي الأمر بخراسان، وانهيار الدولة الأموية. فقد تشغبت جماعة من الأزد على نصر بمرو الروذ سنة ست وعشرين ومائة، مدعين أنه لم يدفع لهم عطاءهم، فحذرهم من الفرقة، وذكرهم بأنهم "مسلحة٢ في نحور العدو"٣، فلم يهتموا لنصحه، ولم يطيعوا لرأيه، بل زادوا من عنادهم له، ومعاداتهم إياه. فتعمق الشعور بالمأساة المرتقبة نفوس بعض الشعراء

стр. 108

القيسيين، فإذا الحارث بن عبد الله بن الحشرج الجعدي يهيب بالعرب من القبائل المختلفة أن يتحدوا، ولا يألوا جهدا في تبصيرهم بعواقب الفتنة، فإنه يقول١: أبيت أرعى النجوم مرتفقا ... إذا استقلت تجري أوائلها٢ من فتنة أصبحت مجللة ... قد عم أهل الصلاة شاملها من بخراسان والعراق ومن ... بالشام كل شجاه شاغلها فالناس منها في لون مظلمة ... دهماء ملتجة غياطلها٣ يمسي السفيه الذي يعنف ... بالجهل سواء فيها وعاقلها والناس في كربة يكاد لها ... تنبذ أولادها وحواملها يغدون منها في ظل مبهمة ... عمياء تغتالهم غوائلها٤ لا ينظر الناس في عواقبها ... إلا التي لا يبين قائلها كرغوة البكر أو كصيحة ... حبلى طرقت حولها قوابلها فجاء فينا أزرى بوجهته ... فيها خطوب حمر زلازلها على أن عزل يزيد بن الوليد لمنصور بن جمهور الكلبي عن العراق، وتوليته عليها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، لأن أهلها كانوا يميلون إلى أبيه٥، وتثبيت الأخير لنصر على خراسان، أزعج الأزد، وحملهم على إظهار بغضهم لنصر، وتحديهم له، كما أثار الكرماني، الذي كان يكره نصرا، لأنه أحسن إليه، وحقن دمه في ولاية أسد ابن عبد الله القسري، ولأن نصرا لما ولي صرفه عن رئاسة الأزد، وصيرها لحرب بن عامر الواشجي، فمات حرب، فأعاد الكرماني عليها، فلم يلبث إلا يسيرا حتى عزله،

стр. 109

وصيرها لجميل بن النعمان١، وكان الكرماني يسعى للزعامة بكل الوسائل، حتى ليقال فيه: "إنه لو لم يقدر على السلطان والملك إلا بالنصرانية واليهودية، لتنصر وتهود"٢. فجعل يتربص بنصر، فهاجت المضرية، وألحت على نصر أن ينفيه أو يعتقله أو يقتله٣، فلم يمتثل لعواطفها الملتهبة، بل هدأ من غضبها، وتركه طليقا، حتى لا يتضاعف الموقف توترا وتفجرا، ثم إنه قبض عليه وحبسه، حين توثق من أنه يترصد له، ويذيع في الأزد أنه كان يخطط منذ زمن طويل للثورة على بني أمية، وأن غايته من طاعتهم أن يكبر ولداه ويقلدا السيوف، فيطلب بثأر المهالبة منهم٤. ففر بعد وقت قصير من حبسه، ومضى يستثير الأزد. حتى إذا تكاثروا انتحى بهم في مرج نوش، فقال خلف بن خليفة البكري٥: أصحروا للمرج أجلى للعمى ... فلقد أصحر أصحاب السرب٦ إن مرج الأزد مرج واسع ... تستوي الأقدام فيه والركب ومن غريب الأمر أن يؤلب هذا الشاعر البكري الأزد على الوثوب بنصر، وهو نفسه الذي دعا قبل عشر سنوات إلى ضرورة تضامن العرب من القبائل المختلفة وترابطهم، من أجل حماية الوجود العربي بخراسان، وفي سبيل المحافظة على الخلافة، ولكن استغرابنا سرعان ما يزول، فبكر خراسان لم تقطع صلاتها بالأزد، ولا تخلت عن أسلوب المناورة، فمن جهة ظلت تفي في هذه الفترة من الأزمة لحلفها مع الأزد، ليكون لها نصيب في السلطة إن انتصروا على مضر، ومن جهة ثانية ظلت ترقب تطور الفتنة، حتى إذا رأت أن من مصلحتها أن تتخذ قرارا بالانفصال عن الأزد، فعلت ذلك، لتحظى بغنيمة، وتفوز بحظ في الحكومة القائمة. وخلف بن خليفة إنما يلتزم بمنهج قبيلته السياسي، ويصدر عن خطتها المرحلية،

стр. 110

فقد استمرت بكر تساند الأزد على نصر ومضر منذ ابتداء النزاع إلى سنة تسع وعشرين ومائة، حين قتل الكرماني، فاختلف ميزان القوى، وانعكس اتجاه الأحداث، وأخذ الموقف يتمخض عن نتائج لم تكن متوقعة، حينئذ نظر زعيم بكر إلى موضعها وفائدتها، وقرر تبديل موقعها وموقفها، فانحاز إلى نصر ومضر، ليعزز مكانة قبيلته، ويضمن مستقبلها. ونزل نصر بباب مرو الروذ بإزاء الكرماني، واجتمع إليه أنصاره، غير أنهما لم يصطدما، بل جنحا للسلم وتصافيا١. ولكن عودة الحارث بن سريج التميمي إلى مرو الشاهجان سنة سبع وعشرين ومائة فجرت الأزمة ثانية، إذ كان الكرماني يضمر العداء لنصر، وإن أظهر أنه صالحه، فتعاقد مع الحارث على مقارعته معا إذا لم يعمل بالكتاب والسنة ولم يستمل أهل الخير والفضل٢. وزاد من تفجر الموقف أن فاز مروان بن محمد بالخلافة، فعين على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري، فكتب لنصر بعهده على خراسان، فبايع لمروان بن محمد، فثار الحارث، ونابذ نصرا، زاعما أن يزيد بن الوليد هو الذي أمنه، وأنه أصبح يتوجس من مصيره، فاقتتلا، واستولى سلم بن أحوز، قائد نصر، على أكثر أبواب المدينة ونواحيها٣، فقال المنذر الرقاشي البكري، ابن عم يحيى بن الحضين البكري يصف صبر القاسم الشيباني في قتاله لسلم٤: ما قاتل القوم منكم غير صاحبنا ... في عصبة قاتلوا صبرا فما ذعروا هم قاتلوا عند باب الحصن ما وهنوا ... حتى أتاهم غياث الله فانتصروا فقاسم بعد أمر الله أحرزها ... وأنت في معزل عن ذلك مقتصر فهذا الشاعر البكري لا يزال يفصح عن مناهضة قومه بمرو الشاهجان لنصر ومضر، ويعتد بصمود بعض قادتهم أمام سلم بن أحوز التميمي، لأنه يصدر عن رأي

стр. 111

قبيلته، ويسوغ سياستها، ويؤيد موقفها، شأنه في ذلك شأن خلف بن خليفة البكري. فتزلزل مركز الحارث، فساعده الكرماني، فاختل جانب نصر اختلالا شديدا فتقهقر إلى نيسابور، وانفرد الحارث والكرماني بالمدينة، ثم إنهما تنازعا فقتل الكرماني الحارث وصلبه، فخلت المدينة لأهل اليمن، فهدموا دور المضرية، ونهبوا أموالهم١. فقال نصر يعرب عن فرحته بمقتل الحارث، لما ألحق بالعرب من الضرر، ولما أنزل بمضر من المكروه والشر٢: يا مدخل الذل على قومه ... بعدا وسحقا لك من هالك شؤمك أردى مضرا كلها ... وعض على قومك بالحارك٣ ما كانت الأزد وأشياعها ... تطمع في عمرو ولا مالك ولا بني سعد إذا الجموا ... كل طمر لونه حالك٤ وكان لغلبة الكرماني على المدينة، وتدميره لمنازل المضريين، واغتصابه لأموالهم، وإهانته لهم وقع بالغ على نفوسهم، عبر عنه شعراؤهم من النساء والرجال بمرارة وحسرة. فهذه أم كثير الضبية تأخذ على بني تميم تقاعسهم وإحجامهم، وتتوجع لما تردت إليه أحوالهم، بحيث تحكم الكرماني فيهم، وتسلط عليهم، وتهددهم بالتبرؤ منهم إذا لم يهبوا لاسترداد المدينة، ولم يثوروا لشرفهم. فإنها تقول لهم٥: لا بارك الله في أنثى وعذبها ... تزوجت مضريا آخر الدهر أبلغ رجال تميم قول موجعة ... أحللتموها بدار الذل والفقر إن أنتم لم تكروا بعد جولتكم ... حتى تعيدوا رجال الأزد في الظهر

стр. 112

إني استحيت لكم من بذل طاعتكم ... هذا المزوني يجبيكم على قهر وهذا عباد بن الحارث يطالب نصرا بالمبادرة إلى استرجاع المدينة، ويشرح له وضعهم البائس، وموقفهم الحرج، فقد بطش بهم الأزد بطشا عنيفا، وقتلوهم تقتيلا، ويدعو على مضر بالهلاك إن لم تغضب لهم، ولم تسارع إلى إنقاذهم، يقول١: ألا يا نصر قد برح الخفاء ... وقد طال التمني والرجاء٢ وأصبحت المزون بأرض مرو ... تقضي في الحكومة ما تشاء٣ يجوز قضاؤها في كل حكم ... على مضر وإن جار القضاء وحمير في مجالسها قعود ... ترقرق في رقابهم الدماء فإن مضر بذا رضيت وذلت ... فطال لها المذلة والشقاء وإن هي أعتبت فيها وإلا ... فحل على عساكرها العفاء٤ وقال ينبه المضريين اللاهين عن خطر الأزد، ويظهرهم على استبعادهم لقومهم، لعلهم يتيقظون٥: ألا يا أيها المرء الذي ... قد شفه الطرب٦ أفق ودع الذي قد كنت ... تطلبه ونطلب فقد حدثت بحضرتنا ... أمور شأنها عجب الأزد رايتها عزت ... بمرو وذلت العرب فجاز الصفر لما كا ... ن ذاك وبهرج الذهب٧

стр. 113

فاستفزت هذه الصيحات والصرخات نصرا، فتحفز لاستخلاص المدينة من أيدي الأزد، ووجه إليها خيرة جيشه وقادته، فاصطدموا في حرب بطيئة مع الأزد وربيعة بقيادة الكرماني. وعلى الرغم من أنهم حاولوا اقتحام المدينة واحتلالها مرارا، واستماتوا في القتال، فإنهم لم يتمكنوا من دخولها واستعادتها. فاستمد نصر يزيد بن عمر بن هبيرة، والي العراق، ووصف له في أبيات من شعره ما شاع بخراسان من الاضطراب خلال العامين الماضيين، وحذره من خطورة الوضع، وأنه ينذر بعاقبة وخيمة إذا استمر في التدهور، ولم يعالج معالجة حكيمة حازمة، إذ يقول مستصرخا له١: أبلغ يزيد وخير القول أصدقه ... وقد تبينت ألا خير في الكذب إن خراسان أرض قد رأيت بها ... بيضا لو أفرخ قد حدثت بالعجب فراخ عامين إلا أنها كبرت ... لما يطرن وقد سربلن بالزغب٢ فإن يطرن ولم يحتل لهن بها ... يلهبن نيران حرب أيما لهب٣ فلم يمده بأحد، لأنه كان مشغولا بمجالدة الخوارج بالعراق٤، فاستغاث بمروان بن محمد في الشام، وأعلمه، "حال أبي مسلم، وخروجه، وكثرة من معه، ومن تبعه". وكتب إليه بهذه الأبيات يصور له الفتنة القائمة، والكارثة المحتومة، إن لم ينجده بمدد من عنده، وفيها يقول٥:

стр. 114

أرى خلل الرماد وميض جمر ... فيوشك أن يكون له ضرام فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب مبدؤها الكلام فإن لم تطفئوها تجن حربا ... مشمرة بشيب لها الغلام فقلت من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام فإن يقظت فذاك بقاء ملك ... وإن رقدت فإني لا ألام فإن يك أصبحوا وثووا نياما ... فقل قوموا فقد حان القيام ففري عن رحالك ثم قولي ... على الإسلام والعرب السلام١ ويقال: إن مروان لم ينجده، وإنما أشار عليه أن يعتمد على قوته، ويتصرف على قدر طاقته٢. ويقال: بل أرسل إلى هبيرة "يأمره أن ينتخب من جنوده اثني عشر ألف رجل، مع فرض يفرضه بالعراق من عرب الكوفة والبصرة، ويولي عليهم رجلا حازما، يرضى عقله وإقدامه، ويوجه بهم إلى نصر بن سيار". فاعتذر له، وكتب إليه "أن من معه من الجنود لا يفون باثني عشر ألفا، ويعلمه أن فرض الشام أفضل من فرض العراق، لأن عرب العراق ليست لهم نصيحة للخلفاء من بني أمية، وفي قلوبهم إحن"٣. وعندما عجز نصر عن السيطرة على الوضع بمرو الشاهجان، وقطع الأمل من مساعدة ابن هبيرة له، وفقد الرجاء في ضرب مروان بعثا إليه، أخذ يبث حملة إعلامية إلى العرب بالمدينة، مستثيرا لعواطفهم الدينية والقومية، فقد حث ربيعة على الانفصال عن الكرماني والأزد، والكف عن مناصرتهم على إخوتهم المضريين، وناشدهم أن يتآلفوا ليقفوا في وجه أبي مسلم الذي أصبح يهدد وجودهم ومصيرهم، وحذرهم كذلك من شيعته إذ وصفهم بأنهم غرباء دخلاء، لا ينتمون إلى العرب المشهورين، ولا إلى الموالي المعروفين، وراح يردد أنهم يعتنقون مذهبا مخالفا للإسلام، ومنافيا لكل ملة ونحلة مألوفة، وأنهم لا يبتغون سوى إبادة العرب، يقول٤:

стр. 115

أبلغ ربيعة في مرو وإخواتها ... أن يغضبوا قبل أن لا ينفع الغضب ما بالكم تلقحون الحرب بينكم ... كأن أهل الحجا عن فعلكم غيب١ وتتركون عدوا قد أظلكم ... فيمن تأشب لا دين ولا حسب ليسوا إلى عرب منا فنعرفهم ... ولا صميم الموالي إن هم نسبوا٢ قوم يدينون دينا ما سمعت به ... عن الرسول ولا جاءت به الكتب فمن يكن سائلي عن أصل دينهم ... فإن دينهم أن تقتل العرب فلم تكترث ربيعة لدعايته، ولم تبال بندائه، بل استمرت تدعم الأزد، وتشدد الكرماني في مخالفته لنصر، واحتياله للانتصار عليه، بتردده على معسكر أبي مسلم، وتواطئه معه، فخاف نصر أن ينحاز الكرماني بمن معه من الربعية واليمنية إلى أبي مسلم، فتكون نهايته، فلجأ إلى موادعته ومصالحته، ليفرق بينه وبين أبي مسلم، وبدءا يتفاوضان، فلما آنس نصر منه غفلة دس إليه ابن الحارث بن سريج في طائفة من الفرسان فقتله. وقد تباينت الآراء في مقتله. فمن قائل: إنه كان بإيعاز من نصر٣، ومن قائل: إنه لم يكن له علم به٤. ولكن نصرا يعترف في شعره بأنه دبر مقتله، ويصرح بأنه لم يرض عن مؤازرة ربيعة له، وانسلاخها عن الأزد، بعد أن استفحل الخطر المطبق عليه، واهتز موقفه، لأنها ناهضته في أول الأمر، وأعانت الكرماني، عن إصرار، يدفعها إلى ذلك منافستها للمضريين، وسعيها للاستيلاء على السلطة منهم، ورغبتها في قهرهم وتحطيمهم، إذ يقول٥: لعمري لقد كانت ربيعة ظاهرت ... عدوي بغدر حين خابت جدودها٦ وقد غمزت منا قناة صليبة ... شديدا على من رامها الكسر عودها

стр. 116

وكنت لها حصنا وكهفا وجنة ... يؤول إلى كهلها ووليدها فمالوا إلى السوءات ثم تعذروا ... وهل يفعل السوءات إلامريدها فأوردت كرمانيها الموت عنوة ... كذاك منايا الناس يدنو بعيدها١ فتأزم الوضع بعد هلاك الكرماني تأزما شديدا، وحين رأى العرب أن أبا مسلم هو الذي استفاد من انقسامهم واقتتالهم، تعاقدت عامة قبائلهم على المسالمة. ليشتغلوا بمجاهدة أبي مسلم. فتحللت ربيعة من حلفها مع الأزد، ومالت إلى نصر ومضر، تأمينا في أغلب الظن لمنفعتها وتمكينا لمصيرها. وراح يحيى بن نعيم بن هبيرة البكري يتوسط بين شيبان بن سلمة الحروري، حليف الكرماني، وبين نصر، ووفق في وساطته، فقد تهادنا، كما سالم علي بن جديع الكرماني نصرا. غير أن أبا مسلم نجح في تحريض ابن الكرماني على نصر، بتذكيره بقتل نصر لأبيه، وتعييره بمسالمته له، وسكوته عن المطالبة بثأره منه، فعاد إلى مقاتلة نصر٢، فتزلزت قوته، فانهزم إلى نيسابور، سنة ثلاثين ومائة، وخلصت مرو الشاهجان لأبي مسلم. ويقال إن نصرا بعث قبل وفاته بمدينة ساوه بين الري وهمذان بكتاب إلى مروان بن محمد، ضمنه أبياتا من شعره أنبأه فيها بخروجه عن خراسان، بعد أن بذل كل ما استطاع للسيطرة على الأمر، وضبطه وإحكامه، وأخبره أيضا بقيام الدولة العباسية: وبخطرها الذي أصبح ينذر بسقوطه وزواله بين يوم وآخر. وفيها يقول له٣: إنا وما نكتم من أمرنا ... كالثور إذ قرب للناخع٤ أو كالتي يحسبها أهلها ... عذراء بكرا وهي في التاسع

стр. 117

من مبلغ عني الإمام الذي ... قام بأمر بين ساطع إني نذير لك من دولة ... قام بها ذو رحم قاطع والثوب إن أنهج فيه البلى ... أعيا على ذي الحيلة الصانع١ كنا نداريها فقد مزقت ... واتسع الخرق على الراقع٢ وبذلك باءت بالفشل الخطوة السياسية العميقة التي اتخذها يحيى بن نعيم بن هبيرة البكري، بموادعته لنصر، ولم ترد على قبيلته شيئا من المكاسب التي توخاها منها، على نحو ما آتت خطوة يحيى بن الحضين البكري ثمارها حين أيد الخليفة على عاصم بن عبد الله الهلالي، والحارث بن سريج التميمي، وحققت لقبيلته أكبر الفائدة، لأنه غامر بوقوفه بقبيلته مع الكرماني زمنا طويلا، واستغل رجوعه إلى نصر ومضر في ظرف متأخر، ووضع متدهور فجنى على قبيلته وحلفائها، وقضى على مضر وحلفائها. ولو أن حرصه على وجود العرب وسيادتهم هو الذي أملى عليه أن يتخذ قراره النهائي بالانقطاع عن الأزد، لكان ينبغي عليه أن يتخذه منذ اشتعال الفتنة الأخيرة بين اليمنية والمضرية. ومما يرجع تفسيرنا لمواقف بكر تفسيرا سياسيا قبليا، ويغري به، هذا الالتحام الوثيق الذي نبصره بين مواقف قادتها من الأحداث وسيرها، ومواقف شعرائها. فقد كانوا عصبة واحدة متراصة متعاونة، لا يخالف أحدهم الآخر ولا يشذ عنه. ومرد ذلك فيما نعتقد وضوح تمثلهم لسياسة قبيلتهم، وصدورهم جميعا عنها، ودقة علمهم بمصلحتها، وإخلاصهم في العمل لها. فعندما كانت بكر ضالعة مع الأزد، دافع شعراؤها عن موقفها، وصوبوا رأي زعمائها، كما مر بنا عند خلف بن خليفة، والمنذر الرقاشي، وحينما آلت إلى نصر ومضر تشبث شعراؤها بخطتها، وانتصروا لها. ويظهر ذلك في قطعة من قصيدة رواها المرزباني لعمارة بن فراس الحنفي قالها بعد تحول قبيلته عن

стр. 118

الأزد والتحاقها بنصر. فهو ينعي فيها على العرب من ربيعة ومضر اصطدامهم وتصارعهم على السلطة، فإذا هم يفني بعضهم بعضا، وإذا النتيجة المحققة لتنازعهم استهلاكهم لقوتهم، وانحطاط مكانتهم، وسهولة وقوعهم فريسة في أيدي أعدائهم، وذلك قوله١: أمست ربيعة في مرو وإخوتها ... على عظيم من الأحداث والخطر يا ليت شعري بمرو الشاهجان غدا ... أي الأميرين من بكر ومن مضر يصلي بقتل ذريع في مغمضة ... حتى يصير ذليلا غير ذي نفر٢ أما قيس فكان رأيها في الأزمة غاية في الصراحة والصرامة، فقد وقفت بجانب تميم، ولم تشمت بها، لتغلب الأزد وبكر عليها، ولم تتردد في مناصرتها مع أنها قتلت عبد الله بن خازم السلمي، كما أنها مالت إلى نصر، ولم تفرح بانهزامه أمام الكرماني، ولم تتأخر عن مساندته٣، مع أنه جفاها وأبعدها٤ بعد أن رماه مغراء بن أحمر عند هشام بن عبد الملك بأنه شيخ متهالك لا يصلح للولاية٥. وكان موقف شعرائها مماثلا لموقفها، فقد تعالوا عن الحزازات والثارات، وقدمنا أن عبد الله بن الحشرج الجعدي حذر من النتائج الوخيمة للفتنة منذ بدايتها، ونضيف إلى ذلك أبياتا للمفضل بن خالد السلمي يعلن فيها أنه نهى الأزد عن التمادي في الفوضى والشغب حتى ينجوا جميعا من الهلاك، وأنه حين تبين له أنهم يتعظوا ولم يعتبروا انتقدهم، واتهم الكرماني بالتورط في المغامرة والمؤامرة، إذ يقول فيها٦: قد قلت للأزد قولا ما ألوت به ... نصحا وأعدت القول لو نفعا٧

стр. 119

يا معشر الأزد إني قد نصحت لكم ... فلا تطيعوا جديعا أيما صنعا فما تناهوا ولا زادتهم عظة ... إلا لجاجا وقالوا الهجر والقذعا١ يا معشر الأزد مهلا قد أظلكم ... ما لا يطاق له دفع إذا وقعا وواضح أن المنازعات التي احتدمت بين القبائل العربية بخراسان هي التي استغرقت أكثر الشعر الذي تصايح به الشعراء وهم يصفون مواقف قبائلهم منها. فقد استفرغوا معظم ما نظموه في الحديث عن معاداة عبد الله ابن خازم لبكر، ومخالفة تميم له، وفتكها به، وما نشأ عنه من تطاحن عشائرها، وفي الحديث عن اجتماع الأزد وبكر وتميم على خلع قتيبة بن مسلم، واغتيالها له، وما نجم عنه من ادعاء كل قبيلة منها أنها هي التي وثبت به، لأنها كانت أحرص على طاعة الخليفة، وفي الحديث عن الفتنة الأخيرة بين اليمنية والمضرية وأخطارها، وآثارها ونتائجها. ويؤكد هذا الشعر بمجموعه الحقائق التي أسسنا عليها تصورنا للمنافسة التي اشتدت بين تلك القبائل في الحكم، وهي أن العصبية القبلية والمحالفات الحزبية، وما ارتبطت به من المنافع السياسية والمادية كانت سبب كل خلاف وتباغض واقتتال، فقد سيطرت كل هذه العوامل على وجدان كل قبيلة، وحددت اتجاهها وسياستها، وحملتها على إهمال فكرة الأمة والوحدة، وإيثار مصلحة الجماعة على مصلحتها. فقلما أنار هذا الإحساس قلوب زعمائها وشعرائها، وقلما خفف من حميتهم لقبائلهم وحلفائها. وحتى من كانوا يتخلون عن عصبيتهم في بعض الأحيان، فقد كانوا لا يلبثون أن يعودوا إليها. ولكن لابد من التمييز بين موقف الأزد وبكر، وموقف تميم وقيس، فقد كانت القبيلتان الأوليان موتورتين، وكانتا مصدر الشغب والفوضى باستمرار، لأنهما كانتا تسعيان للسلطة، وتريدان استبعاد القبيلتين الأخريين.

стр. 120

تسجيل الغزوات الحربية: مر بنا أن السيادة العربية لم تتثبت بخراسان إلا بعد أن استأثر معاوية بالخلافة، وعين عماله على الأمصار، والتفت إلى تنظيم شئون الدولة المختلفة. وقد ظل العمال العرب مشغولين ببسط نفوذهم على مقاطعات خراسان، وتوطيد سلطانهم على نواحيها التي لم تذعن لهم حتى بداية النصف الثاني من القرن الأول. وبعد ذلك شرعوا يعدون العدة للفتوحات في إقليمين ملاصقين لخراسان، كانا يشكلان ثغريها الهامين، وهما إقليم ما وراء النهر١، وإقليم طخارستان٢. وكان الإقليم الأول هدفا شنوا عليه أكثر غاراتهم وأشدها، لسعته، وكثرة بلدانه، وتمرد أهله، ونقضهم للمواثيق التي طالما عقدوها مع العرب. وعلى نحو ما أوردنا الشعر الذي قيل في الأحداث الداخلية، والأزمات السياسية، منظما على الأعوام، لا مصنفا في أغراض فإننا نصنع الصنيع نفسه في الشعر الذي لهج به الشعراء والفرسان في الغزوات الحربية الخارجية، لكي يتلاءم مع المباحث السابقة، ويكون مكملا لها، ولكي نتتبع من خلاله سير حركة الفتوحات تتبعا تاريخيا، ونتبين مواقف الشعراء منها، وهل أهملوا بعضها، أو اهتموا بها جميعا، بحيث سجلوها في أشعارهم تسجيلا دقيقا، وعرضوا لكل تفاصيلها عرضا صادقا، في لحظة النصر، وساعة الشدة والهزيمة التي مني بها بعض القادة، وهل وضحوا دور كل قبيلة

стр. 121

وقائد فيها، وهل طبعت أشعارهم في هذا الموضوع بطابع القبلية والفردية، أو أنهم تناسوا قبائلهم وذواتهم، وتغلغلت في نفوسهم فكرة الأمة والوحدة، بحيث نوهوا بالقائد المظفر الموفق، ونقدوا القائد المغلب المخفق، سواء كان من قبائلهم وحلفائهم، أو من القبائل المنافسة لهم. وقبل أن نمضي في استقصاء هذه الأشعار، نود أن نقف قليلا عند الأشعار التي جرت على ألسنة الجند، وهم يكتسحون خراسان، ويحتلون مدنها، لما لها من أهمية تاريخية كبيرة، بل لأنها تفوق في دقتها واتساقها الروايات التي نقلها المؤرخون عن فتح العرب لخراسان، فهي تعطينا صورة واضحة لبداية الفتح، وأحداثه، وتطوراته، ونهايته، دون تخليط أو تقطع. وأول ما تشير إليه أشعار المقاتلين أن الفتح تم بقيادة الأحنف بن قيس التميمي، سنة اثنتين وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب، وأنهم غلبوا فيه على نيسابور، ومرو الروذ، ومرو الشاهجان، وطوس، وهراة، وبلخ، وقاتلوا الأتراك الذين أعانوا يزدجرد عليهم، وطاردوهم إلى حدود بلادهم. وفي ذلك يقول ربعي بن عامر التميمي١. وهو أحد الجند الأبطال الذين اشتركوا في القتال٢: ونحن وردنا من هراة مناهلا ... رواء من المروين إن كنت جاهلا٣ وبلخ ونيسابور قد شقيت بنا ... وطوس ومرو قد أزرن القنابلا٤ أنخنا عليها كورة بعد كورة ... نفضهم حتى احتوينا المناهلا٥ فلله عينا من رأى مثلنا معا ... غداة أزرن الخيل تركا وكابلا وحين زحف خاقان في جموع الترك لمساعدة يزدجرد، واحتل بلخ، وتقدم إلى

стр. 122

مرو الروذ، وعسكر على مشارفها، لاقاه الأحنف بن قيس التميمي١، وقتل ثلاثة من فرسانه، كانوا طليعة يضربون بالطبول، إيذانا بتحرك الجيش التركي، ليبدأ المعركة، وارتجز أبياتا وهو يتجسس على الترك، ويردي كل من خرج من معسكرهم، صور فيها دور القائد، وواجبه الذي ينبغي عليه أن ينهض به. ومنها قوله٢: إن الرئيس يرتبي ويطلع ... ويمنع الخلاء إما أربعوا٣ وقوله٤: إن على كل رئيس حقا ... أن يخضب الصعدة أو تندقا٥ إن لنا شيخا بها ملقى ... سيف أبي حفص الذي تبقى وبعد سنتين من خلافة عثمان بن عفان، تزايد بنو كنازا، وهم أخوال كسرى بنيسابور، فثاروا، وثنى أهل مرو الشاهجان، وثلث نيزك التركي فاستولى على بلخ، وألجأ من بها من العرب إلى مرو الروذ، وكان عليها عبد الرحمن بن سمرة، فكتب إلى عثمان بخلع أهل خراسان، وبالمثل وصف الشعراء الفرسان ثورة أهل خراسان، ونصحوا الخليفة أن لا يستهين بها. وسألوه أن يمدهم ببعث حتى يتمكنوا من قمع الخارجين عليهم، وفي ذلك يقول٦ أسيد بن المتشمس التميمي٧: ألا بلغا عثمان عني رسالة ... فقد لقيت عنا خراسان بالغدر

стр. 123

فأذك هداك الله حربا مقيمة ... بمروى خراسان العريضة في الدهر ولا تفترز عنا فإن عدونا ... لآل كنازءا الممدين بالجسر١ فندب عثمان عبد الله بن عامر عامله على البصرة، لنجدة العرب المحاصرين، فخرج على رأس حملة، وتولج خراسان من جهة الطبسين، وبث الجنود في كورها، فافتتحها في سنتين، وأعاد الولاة العرب عليها. فقال أسيد بن المتشمس التميمي يذكر استردادهم لخراسان، وخضوع أهلها لهم، وتجديدهم الصلح معهم٢: ألا أبلغا عثمان عني رسالة ... لقد لقيت عنا خراسان ناطحا رميناهم بالخيل من كل جانب ... فولوا سراعا واستقادوا النوائحا٣ غداة رأوا الخيل العراب مغيرة ... تقرب منهم أسدهن الكوالحا٤ تنادوا إلينا واستجاروا بعهدنا ... وعادوا كلابا في الديار نوابحا بل إن الشعراء أحاطوا بنهاية يزدجرد، فهم يذهبون إلى أنه انخلع قلبه من الخوف، حين رأى أبطالهم مقبلين على مرو الشاهجان، يتعقبونه ويلاحقون فلوله، فلجأ إلى طاحونة على نهر رزيق، فلقي حتفه بها، مما سهل الأمر لهم، ويسر عليهم استرجاع المدينة. وذلك قول٥ أبي بجيد نافع بن الأسود التميمي٦: ونحن قتلنا يزدجرد ببعجة ... من الرعب إذ ولى الفرار وغارا٧ غداة لقيناهم بمرو نخالهم ... نمورا على تلك الجبال ونارا

стр. 124

قتلناهم في حربة طحنت لهم ... غداة الرزيق إذ أراد جوارا ضممنا عليهم جانبيهم بصادق ... من الطعن ما دام النهار نهارا فوالله لولا الله لا شيء غيره ... لعادت عليهم بالرزيق بوارا وكل ذلك يوضح أن الشعراء الذين ساهموا في فتح خراسان واستعادتها كانوا أدق من المؤرخين الذين نقلوا وقائع الفتح إلينا. فقد رووها منظمة متوالية دون نقص أو تحريف أو تخليط. ولا غرابة في ذلك، فهم الذين صنعوها وبلوها، ومن أجل ذلك فإن أشعارهم ترتفع إلى مرتبة الوثائق الدقيقة التي يعتد بها أكثر من الروايات التاريخية التي حملها المؤرخون إلينا، فإن تلك الأشعار خالية من التناقض، بل إنها تصحح بعض الأوهام التاريخية، وتؤكد أن الفتح إنما كان سنة اثنتين وعشرين، وأن الفتح الثاني إنما كان استرجاعا لخراسان، وتمكينا للوجود العربي بها، بعد أن نكث أهلها. وأول ما يلقانا من شعر الغزوات الخارجية بيتان لمالك بن الريب التميمي١، الذي خرج مع سعيد بن عثمان بن عفان إلى خراسان، وغزا معه الصغد وسمرقند. ويبدو أن سعيدا تخاذل بعض التخاذل في مجابهة الصغد، وفضل الراحة على الجهاد، والصلح على الفتح، فلم تعجب سياسته مالكا، وهو الصعلوك الفتي الأبي، بل غاظته وأحنقته، فحثه على القتال حثا، ولكن يظهر أنه لم يستمع إليه، فازداد برما به، ونقمة عليه، وانبرى يعرض به تعريضا لاذعا، راميا له بالوهن، ورقة العقيدة، ونافيا إياه عن والده عثمان، صاحب الرأي السديد، والهمة العالية، والعزيمة القوية، ففيه يقول٢: ما زلت يوم الصغد ترعد واقفا ... من الجبن حتى خفت أن تنتصرا وما كان في عثمان شيء علمته ... سوى نسله في رهطه حين ادبرا

стр. 125

فلم يلق سعيد بالا إليه، بل استمر يسالم الصغد ويساومهم، فاتهمه مالك بقلة الفضل والخير، لكي يحمسه حتى ينقض على الصغد، ويحتل بلادهم، باعثا في نفسه الأمل باستعراضه للانتصارات العظيمة التي أحرزها جنوده في يوم طاسى ويوم النهر، اللذين أبلى فيهما مالك وغيره من المقاتلين أحسن البلاء، وتغلبوا على أعدائهم، يقول١: يا قل خير أمير كنت اتبعه ... أليس يرهبني أم ليس يرجوني أم ليس يرجو -إذا ما الخيل شمصها ... وقع الأسنة- عطفى حين يدعوني٢ لا تحسبنا نسينا من تقادمه ... يوما بطاس ويوم النهر ذا الطين ولم يزل به يحرضه على النضال حتى لاقى الصغد، وقارعهم مقارعة عنيفة انتهت بانتصاره عليهم، ودخوله مدينتهم. وأغار سلم بن زياد٣ على سمرقند إحدى وستين، ففتحها، وأنقذ فرقة إلى خجندة، وهي مدينة على شاطئ نهر جيحون، فانهزمت، وكان أعشى همدان أحد الجنود الغازين المغلوبين. فقال يصف أسفه لانكساره مع غيره من الجنود، ويتمنى لو أسر واستشهد ولقي وجه ربه٤: ليت خيلي يوم الخجندة لم تهزم ... وغودرت في المكر سليبا تحضر الطير مصرعي وتروحت ... إلى الله بالدماء خضيبا وفي سنة أربع وثمانين هاجم يزيد بن المهلب قلعة باذغيس بمقاطعة هراة، وكان نيزك ينزل بها. فتحين يزيد غرة منه، ووضع العيون عليه، فلما علم أنه خرج منها، خالفه إليها، فرجع نيزك وصالحه على أن يدفع إليه ما في القلعة من الخزائن، ويرتحل بعياله عنها. فقال كعب بن معدان الأشقري يصور علو القلعة الشاهق، الذي يطاول

стр. 126

عنان السماء، حتى إن أضواءها لتتراءى في الليل المظلم، كأنها النجوم المتلألئة، وكيف أن من تحصن بها امتنع على كل مهاجم. فلما تقدم إليها وطوقها وقع الذعر في قلوب أهلها، فأذعنوا له كارهين، وأدوا ما فرضه عليهم من الجزية صاغرين. ثم مضى يشيد بيزيد وغنائه في الملمات والحادثات، ذاهبا إلى أن الله هو الذى وفقه في محاصرة القلعة واقتحامها، وأنه شديد النكاية بأعدائه، كثير البر والرحمة بسائليه. يقول:١: وباغاديس التى من حل ذروتها ... عز الملوك فإن شا جار أوظلما ٢ منيعة لم يكدها قبله ملك ... إلا إذا واجهت جيشا له وجما ٣ تخال نيرانها من بعد منظرها ... بعض النجوم إذا ما ليلها عتما لما أطاف بها ضاقت صدورهم ... حتى أقروا له بالحكم فاحتكما فذل ساكنها من بعد عزته ... يعطي الجزى عارفا بالذل مهتضما ٤ وبعد ذلك أياما نعددها ... وقبلها ما كشفت الكرب والظلما أعطاك ذاك ولي الرزق يقسمه ... بين الخلائق والمحروم من حرما يداك أحدهما تسقي العدو بها ... سما وأخرى نداها لم يزل ديما فهل كسيب يزيد أو كنائله ... إلا الفرات وإلا النيل حين طما ليسا بأجود منه حين مدهما ... إذ يعلوان حداب الأرض والأكما ٥ وفي سنة خمس وثمانين غزا المفضل بن المهلب باذغيس مرة ثانية، ففتحها وأصاب مغنما، فقسمه بين الناس، فنال كل منهم ثمانية دراهم. ثم أغار على آخرون وشومان بما وراء النهر، فظفر وغنم، وفرق ما احتواه على الناس فقال كعب الأشقري قصيدة شخص فيها رجاحة عقله، وسماحة خلقه، وجلالة أعماله، وجوده الغمر، مما

стр. 127

جعله قبلة العرب من كل قبيلة، يغدون إليه يطلبون معروفه مستبشرين، وينصرفون عنه راضين بما أخذوا من نواله، ومما ممكنه من تحقيق النصر بشومان، فكان خير خلف لأبيه الذي بلغ شأوا لم يبلغه أحد١: ترى ذا الغنى والفقر من كل معشر ... عصائب شتى ينتوون المفضلا فمن زائر يرجو فواضل سيبه ... وآخر يقضي حاجة قد ترحلا إذا ما انتوينا غير أرضك لم نجد ... بها منتوى خيرا ولا متعللا إذا ما عددنا الأكرمين ذوي النهي ... وقد قدموا من صالح كنت أولا لعمري لقد صال المفضل صولة ... أباحت بشومان المناهل والكلا صفت لك أخلاق المهلب كلها ... وسربلت من مسعاته ما تسربلا أبوك الذي لم يسع ساع كسعيه ... فأورث مجدا لم يكن متنحلا وواضح أن كعبا ركز في قصيدتيه السابقتين على شخصية يزيد، وشخصية الفضل، وأثنى على سياستهما ومقدرتهما العسكرية الفائقة، وتغافل عن الجيش الذي احتمل أعباء الزحف إلى باذغيس وشومان وآخرون، وتكلف التضحيات حتى دخل تلك المدن، وتناسى كذلك القادة ورؤساء الأخماس الذين اشتركوا معهما في تلك المغازي الناجحة، مدفوعا إلى ذلك بعصبيته للأزد، الذين ينتمي هو ويزيد والمفضل إليهم. ولا تظنن أن تقاليد المدحة وما جرى عليه العرف فيها من الإشادة بالممدوح وأصله وعراقته، وتميزه لذلك من غيره هي التي جعلته يبرز دور المهالبة، ويهمل أدوار غيرهم من القادة والمقاتلين فنحن على شبه اليقين من أن تحزبه للأزد كان له التأثير الأكبر في لجاجته في إظهار دور المهالبة وتكبيره له، وفي تنويهه بوالدهم، واعتزازه به، وإعلائه إياه فوق كل العاملين، لمساعيه الجليلة، ومحامده الأصيلة، بل لأمجاده العظيمة التي لم تكن متنحلة لأننا حين درسنا شخصيته من خلال أخباره وأشعاره في الفصل الأخير، صح لنا أنها كانت تنطوي على عصبية جامحة للأزد.

стр. 128

ولعل أحدًا من ولاة خراسان لم يغز ولم يفتح مثلما غزا قتيبة بن مسلم، وفتح. فقد كان في كل عام من أعوام ولايته العشرة يتأهب في الربيع للإغارة على بلاد ما وراء النهر، وكانت الكتائب العسكرية العربية تأتيه من سائر مقاطعات خراسان ومدنها، وتتجمع بمرو الشاهجان، ثم تخرج للغزو تحت إمرته. وكان قائدا شجاعا لبقا بإدارة العمليات العسكرية وتوجيهها، فانتصر لذلك في أكثر المعارك التي خاضها في طخارستان، وخوارزم، وبخارى، وسمرقند، وفرغانة، واستعد في آخر سنة من ولايته للزحف نحو الصين. بل لقد أشرفت أول فرقة سيرها إليها على حدودها، إذ وصلت مدينة كاشغر، فكان الوالي الوحيد الذي مكن للعرب ببلاد ما وراء النهر، فقلده شعراء تميم، وقيس مدحا باقية على الدهر، مجدوا فيها فتوحاته، وخلدوا بها انتصاراته، واعترفوا له بالفضل والمقدرة الجبارة، وعدوه المحامي عن حقيقة العرب، المعلي لشأنهم، المدافع عن الإسلام، والناشر لكلمة الله في أنحاء الأرض القاصية، كما أكره بعض شعراء الأزد وبكر على الإقرار بكفاءته والمشاركة في الثناء على بطولاته. ففي سنة سبع وثمانين هاجم بيكند، وهي أقرب مدن بخارى إلى نهر جيحون، فاستجاش أهلها الصغد عليه، فكادوا يوقعون به، ولكن جنوده صبروا، وراح هو يستنهض هممهم فقاتلوا قتالا ضاريا، حتى غلبوا أعداءهم، وأدخلوهم في مدينتهم، فوضع الفعلة في أصلها ليهدمها، فسألوه الصلح، فصالحهم. ثم إنهم نقضوا الصلح، بعد أن ارحل عنهم، وقتلوا عامله عليهم، فعاد إليهم، وقارعهم شهرا حتى ظفر بهم، وفتح مدينتهم عنوة، وقتل كل من لاذ بها في جيشهم، فقال الكميت بن يزيد١: ويوم بيكند لا تحصى عجائبه ... وما يخاراء مما أخطأ العدد وفي سنة تسع وثمانين أغار على بخارى، ففتح راميشن، ورجع إلى مرو الشاهجان. فكتب إليه الحجاج يأمره بالهجوم على بخارى، فارتد إليها، ولم يكد يقطع النهر حتى تكاثف عليه الصغد، وأهل كس ونسف في طريق صحراوي، فناهضوه، فتغلب عليهم، ومضى إلى بخارى، فنزل خرقانة السفلى، فلقيه أهلها بجمع كثير، فجاهدهم.

стр. 129

يومين ثم انتصر عليهم، ولكنه لم يتمكن من وصول بخارى واحتلالها. فقال نهار بن توسعة البكري يذكر صبرهم، وصبر أعدائهم في القتال بخرقانة١: وباتت لهم منا بخرقان ليلة ... وليلتنا كانت بخرقان أطولا ولم يحفظ القدماء شعرا نظمه الشعراء في مهاجمة قتيبة لبيكند وبخارى، مع ما صادفه من مصاعب ومعاطب، حتى كاد يهزم، ومع أنه لم يحقق الغاية التي خطط لها قتيبة عندما زحف إلى بخارى. ومن السهل أن نتعلل بما به الباحثون في مثل هذه الحال، فنفترض أن الشعر الذي قيل في هاتين المعركتين ضاع غير أننا نضيف إلى ذلك أن الشعراء لم يكونوا قد ارتبطوا بقتيبة ارتباطا وثيقا، لجدة صلتهم به، وضعف معرفتهم له. وفي سنة تسعين تمرد نيزك طخارستان، وحرض ملوك بلخ، ومرو الروذ، والطالقان، والفارياب، والجوزجان على العصيان فأخذهم قتيبة بالعنف والشدة، حتى استرد بلادهم، وتوغل في طخارستان يتعقب نيزك إلى أن دخل شعب خلم المهلك، فمزق الجنود القائمين على حراسته، وطوق نيزك بالقلعة التي احتمى بها. وحينما عجز عن اقتحامها فاوضه في الصلح، فلما خرج إليه فتك به، وبابن أخيه، وبصول ولي عهد طخارستان فاستاء بعض العرب، واتهموا قتيبة بالمكر، ووجد ثابت قطنة شاعر الأزد المتعصب الموتور في ذلك فرصة، لكي ينصحه نصحا مشوبا بالطعن عليه، والهجاء له. إذ دعاه أن لا يركن إلى الخديعة في حروبه، لأنه إذا استفاد منها مرة فقد تهلكه مرة أخرى، فإنه يقول له٢: لا تحسبن الغدر حزما فربما ... ترقت به الأقدام يوما فزلت أما المغيرة بن حبناء التميمي فمدح قتيبة مدحا معجبا، لقمعه ثورة نيزك وقتله إياه، واسترسل يصفه بالعظمة والبطولة في النائبات والأهوال، وأنه الذائد عن ديار الإسلام المختار لكل خطب، المفرج لكل شدة، الذخر لكل كارثة، العدة لكل

стр. 130

حادثة. وأودع ذلك قصيدتين أولاهما تائية طويلة لم ينقل الطبري إلا مطلعها، وهو قوله١: لعمري لنعمت غزوة الجند غزوة ... قضت نحبها من نيزك وتعلت وثانيتهما ميمية سردها الطبري برمتها، وهي تجري على هذا النمط٢: لمن الديار عفت بسفح سنام ... إلا بقية أيصر وثمام٣ عصف الرياح ذيولها فمحونها ... وجرين فوق عراصها بمدام دار لجارية كأن رضابها ... مسك يشاب مزاجه بمدام أبلغ أبا حفص قتيبة مدحتي ... واقرأ عليه تحيتي وسلامي يا سيف أبلغها فإن ثناءها ... حسن وإنك شاهد لمقامي يسمو فتتضع الرجال إذا سما ... لقتيبة الحامي حمى الإسلام٤ لأغر منتجب لكل عظيمة ... نحر يباح به العدو لهام٥ يمضي إذا هاب الجبان وأحمشت ... حرب تسعر نارها بضرام٦ تروى القناة مع اللواء أمامه ... تحت اللوامع والنحور دوامي والهام تفريه السيوف كأنه ... بالقاع حين تراه قيض نعام٧ وترى الجياد مع الجياد ضوامرا ... بفنائه لحوادث الأيام

стр. 131

وبهن أنزل نيزكا من شاهق ... والكرز حيث يروم كل مرام١ وأخاه شقرانا سقيت بكأسه ... وسقيت كأسهما أخا باذام وتركت صولا حين صال مجدلا ... يركبنه بدوابر وحوام٢ فنحن نرى المغيرة بن حبناء التميمي يعظم اغتيال قتيبة لنيزك، ويزهو به، ويصوب ارتكابه له، وينفي أن يكون جرما وإثما كبيرا، ويقرر أنه كان نصرا باهرا للعرب والمسلمين، في حين نرى ثابت قطنة الأزدي، يأخذه على قتيبة، ويعيبه به، ويهون من قدره لإقدامه عليه. كذلك امتدح نهار بن توسعة البكري قتيبة لقضائه على الناكثين، وسوغ شدته عليهم، وعسفه بهم، فإنه إنما جازاهم ما يستحقون من العقاب، يقول٣: أراك الله في الأتراك حكما ... كحكم في قريظة والنضير قضاء من قتيبة غير جور ... به يشفى الغليل من الصدور فإن ير نيزك خزيا وذلا ... فكم في الحرب حمق من أمير وفي سنة ثلاث وتسعين استعان خوارزم شاه بقتيبة، ليؤازره في تثبيت عرشه، ويبطش بأخيه خرزاد الذي ثار عليه، ويقمع ملك خام جرد الذي ناصبه العداء، فسار قتيبة إلى خوارزم، فقتل أخوه عبد الرحمن ملك خام جرد، واستباح بلاده، وقبض هو على خرزاد، ودفعه إلى الشاه، ودخل مدينة فيل عاصمة خوارزم. فقال كعب الأشقري يسجل هذه الغزوة الموفقة، وكان يزيد بن المهلب حاصر المدينة في ولايته الأولى، فلم يقدر على فتحها، واستعصت عليه٤ فهجاه لذلك أقذع هجاء، ودمغه بالتقصير، وغمزه بأنه هو وإخوته وآباءه وأجداده لا يغنون في الحروب، لأنهم مزارعون محترفون، لا محاربون متمرسون، وأعلى قتيبة عليهم،

стр. 132

لرجولته ومضاء عزيمته، مما أتاح له إدراك ما عجزوا عن إدراكه، فقد قهر الترك، وغنم غنائم كبيرة وزعها بين جنوده، ورجا له طول العمر، حتى يفتح سمرقند مثلما فتح خوارزم١: رمتك فيل بما فيها وما ظلمت ... ورامها قبلك الفجفاجة الصلف٢ لا يجزئ الثغر خوار القناة ولا ... هش المكاسر والقلب الذي يجف٣ هل تذكرون ليالي الترك تقتلهم ... ما دون كازة والفجفاج ملتجف٤ لم يركبوا الخيل إلا بعدما كبروا ... فهم ثقال على أكتافها عنف منهم شناس ومرداذاء نعرفه ... وفسخراء قبور حشوها القلف٥ إني رأيت أبا حفص تفضله ... أيامه ومساعي الناس تختلف قيس صريح وبعض الناس يجمعهم ... قرى وريف فمنسوب ومقترف٦ لو كنت طاوعت أهل العجز ما اقتسموا ... سبعين ألفا وعز الصغد مؤتنف٧ وفي سمرقند أخرى أنت قاسمها ... لئن تأخر عن حوبائك التلف٨

стр. 133

ما قدم الناس من خير سبقت به ... ولا يفوتك مما خلفوا شرف وفي السنة نفسها أغار على سمرقند، وخاض على مشارفها وحدودها معركة طاحنة ضد الصغد، وأهل الشاش وفرغانة، فانكسروا أمامه أسوأ انكسار، فنزل مدينتهم، ولم يفارقها إلا بعد أن حطم الأوثان، وشيد مسجدا، وترك بها رابطة عربية. فقال كعب الأشقري يمجد بطولته وسطوته على أعدائه، ويعجب من كثرة غزواته التي لم يخذل في غزوة منها، ويعجب أيضا من وفرة ما يفوز به من النهاب فيها، ويصف ما ألحقه بالصغد من هزائم متتالية، فإذا هم مشردون عن ديارهم، وإذا هم بين والد جريح الفؤاد يتفجع لموت ولده، وابن كسير النفس، يصرخ لغياب أبيه١: كل يوم يحوي قتيبة نهبا ... ويزيد الأموال مالا جديدا باهلي قد ألبس التاح حتى ... شاب منه مفارق كن سودا دوخ الصغد بالكتائب حتى ... ترك الصغد بالعراء قعودا فوليد يبكي لفقد أبيه ... وأب موجع يبكي الوليدا كلما حل بلدة أو أتاها ... تركت خيله بها أخدودا وقد تزين لنا مقطوعتا كعب الظن بأنه تحول عن انحيازه لقبيلته تحولا شديدا، وأنه نزل عن تعاطفه السابق مع الأزد نزولا واضحا. ذلك أنه لم يقف فيها عند التفخيم لقتيبة فحسب، بل تعداه إلى التعريض بالمهالبة تعريضا قبيحا أزرى فيه بشرفهم وكرامتهم. وربما كان في ظننا شيء من الصحة، وربما عاد موقف كعب المفاجئ إلى فترات الهدوء القصيرة التي كانت تخف فيها جدة المنافسة بين القبائل العربية. وهي

стр. 134

السنوات التي كانت تقطعها بالإعداد للحرب، والانهماك في قتال الأتراك. فكانت المعارك تستولي على أوقاتها، وتسيطر على عقولها وأفئدتها وقلوبها، وتشغلها عن المسابقة والمشاحنة. ولكننا نحمل موقفه على أنه انحراف مؤقت وتخل قصير عن عقيدته، وفلسفته القبلية. فهو شاعر أزدي متعصب مغرور، كما استقام لنا بعد تحليلنا لشخصيته، وما يبدو من تغيره الطارئ يمكن أن يرد إلى انفعاله انفعالا شديدا، بانتصارات قتيبة الباهرة، لأنه "شاعر فارس خطيب معدود في الشجعان"١، ومثل هذه البطولات الرائعة لا بد أن تستثيره، وتخرجه عن طوره. وهذا هو الذي حدث، فيما نرجح، فقد سحرته فتوحات قتيبة سحرا أفضى به إلى هيجان عاطفي نسي معه شخصيته وفلسفته، ولم يتذكر فيه انتماءه لقبيلته. ومما يؤيد هذا التفسير أنه حينما رجع يزيد بن المهلب واليا على خراسان للمرة الثانية. وعلم أنه غضب عليه، وأضمر شرا له، لانتقاصه إياه، هرب إلى عمان، وأخذ يرسل القصائد إليه، يعتذر فيها عما فرط منه، ويعترف بأنه أذنب ذنبا عظيما، لجهله وتسرعه ويقرر أن قتيبة الذي كان يكره المهالبة، هو الذي استعداه عليه، وأغراه بعيبه٢. ولا بد من الإشارة إلى أن كعبا لم يفهم المديح والموازنة بين قتيبة ويزيد إلا فهما قبليا، ومن هنا انطلق يقارن بينهما مقارنة نعت الأول فيها بأنه صريح النسب، معروف العشيرة، وطعن في نسب الثاني، وسخر منه، كما وصف الأول بالفروسية، ورمى الثاني بطروئه عليها، وقلة خبرته بها. ثم نقض ما ادعاه من أن المهلب "لم يسع ساع كسعيه" وأنه "أورث مجدا لم يكن متنحلا". ورفع قتيبة عليه، زاعما أنه سبق بخيره ما قدمه الناس من خير، وفاق بشرفه ما خلفوه من شرف. وفي سنة أربع وتسعين اقتحم قتيبة الشاش، ووصل إلى خجندة وكاشان، وهما مدينتا فرغانة، فقال سحبان وائل القيسي يصور جهاده بخجندة، وكيف أنه كان

стр. 135

يشرف على رفاقه من المقاتلين، ويعيد تنظيمهم إذا تفرقوا، ويتقدمهم إلى حومة الوغى، ويحتز بسيفه رؤوس الأعداء. ولم ينس قتيبة فقد جعله سيد قيس، وأشاد بعطائه الجزيل الذي بز به أمثاله من رجال قيس، كما بزهم والده من قبل، وأشاد أيضا بسياسته الحكيمة، وعطفه على قيس، ورفقه برجالها، وأخذه لهم أخذا رحيما في كل الظروف. فباهت به غيرها من القبائل، وطاولت بمجده أعلى الجبال١: فسل الفوارس في خجندة تحت مرهفة العوالي٢ هل كنت أجمعهم إذا ... هزموا وأقدم في القتال أم كنت أضرب هامة العا ... تي واصبر للعوالي هذا وأنت قريع قيس ... كلها ضخم النوال٣ وفضلت قيسا في الندى ... وأبوك في الحجج الخوالي٤ ولقد تبين عدل حكمك ... فيهم في كل حال تمت مروءتكم ونا ... غى عزكم غلب الجبال٥ وفي سنة ست وتسعين بلغ قتيبة فرغانة، وأقام بها، وفتح كاشغر، وهي أقرب المدن الخاضعة للصين، وأرسل لملك الصين وفدا من عشرة رجال، انتخبهم من خيرة جنده، عليهم مشمرج الكلابي، وأمرهم أن ينقلوا إليه أنه "قد حلف أن لا ينصرف حتى يطأ بلاد الصين، ويختم ملوكها، ويجبي خراجها". فقابلوا الملك، وأبلغوه الرسالة، فهددهم وخوفهم، ثم استراضهم وأجازهم، وبعث معهم بتراب من تراب الصين، وبأربعة من أبنائها، وبجزية من حرير وذهب. فقبل قتيبة الجزية، وختم الغلمان، وردهم، ووطأ التراب٦ فقال سوادة بن عبد الله السلولي يمدح أعضاء

стр. 136

الوفد، لما تجشموا من الأخطار والشدائد، خاصا هبيرة بالثناء من دونهم، لأنه نهض بالمهمة التي كلف بها أحسن نهوض، وحقق الآمال التي عقدها قتيبة عليها١: لا عيب في الوفد الذين بعثهم ... للصين إذ سلكوا طريق المنهج٢ كسروا الجفون على القذى خوف الردى ... حاشا الكريم هبيرة بن مشمرج لم يرض غير الختم في أعناقهم ... ورهائن دفعت بحمل سمرج٣ أدى رسالتك التي استرعيته ... وأتاك من حنث اليمين بمخرج وكان لهذه المغازي المتصلة الموفقة التي ملأت أنباؤها الأسماع أصداؤها وآثارها في القبائل بالعراق، فقد عظمت بها منزلة القيسية، وسائر المضرية، وأخذت تكاثر بها اليمنية. وقد احتفظ الطبري بقصيدتين للكميت بن زيد الكوفي الذي عرف بعصبيته الشديدة لمضر٤. أما القصيدة الأولى فروى الطبري بيتا منها يباهي فيه الكميت بفتح قتيبة لسمرقند، لأنه رد الاعتبار والمكانة للقيسية والمضرية بالمدينة، بعد أن كانت منطقة نفوذ لليمنية، ومنذ أن أغار عليها سلم بن زياد بمعاونة المهلب بن أبي صفرة سنة إحدى وستين، يقول٥: كانت سمرقند أعقابا يمانية ... فاليوم تنسبها قيسية مضر وأما القصيدة الثانية فسرد قطعة منها، تحدث فيها الكميت عن غارات قتيبة على أهل خوارزم والصغد، وانتصاره عليهم، واحتيازه الأموال منهم، وتفريقه لها بين

стр. 137

جنوده. ورفعه درجات على سائر الناس الذين لا يجلبون على أقوامهم إلا المصائب والويلات. وامتدح إرادته الصلبة واجتياحه قلاع المشركين الحصينة، وتفانيه في سبيل نشر الدين الحنيف، وانتهى إلى الاعتداد بأعماله المجيدة، ومفاخرة الخليفة بضخامتها، وإلى التغني باخلاص القبائل المضرية للخلافة، وتأهبها الدائم لبذل كل ما تستطيع من قوة، وما تملك من مال من أجل إعلاء كلمة الله في جنبات الله يقول١: وبعد في غزوة كانت مباركة ... تردى زراعة أقوام وتحتصد٢ نالت غمامتها فيلا بوابلها ... والصغد حين دنا شؤبوبها البرد٣ إذ لا يزال له نهب ينفله ... من المقاسم لا وخش ولا نكد٤ تلك الفتوح التي تدلي بحجتها ... على الخليفة أنا معشر حشد٥ لم تثن وجهك عن قوم غزوتهم ... حتى يقال له بعدا وهم بعدوا لم ترض من حصنهم إن كان ممتنعا ... حتى يكبر فيه الواحد الصمد ويجدر التنويه بأن الشعراء ألحوا على باهلية قتيبة، وأبرزوا قيسيته وضخموها، سواء في ذلك شعراء الأزد، مثل كعب الأشقري، أو شعراء بكر مثل نهار بن توسعة، أو شعراء مضر مثل الكميت بن يزيد، وكأنما كانوا يعرفون ما يعتمل بنفسه، ويؤذيها من ضعة باهلة وخمولها بالقياس إلى القبائل الكبيرة النابهة التي تحدرت من قيس٦، فحاولوا حل عقدته النفسية، وتعويض ما يحسه من النقص، فعظموا باهلة، وأكدوا انتسابها إلى قيس، وجعلوها من خير قبائلها، ووصفوه بأنه خير رجالها، أو "باهلي قد ألبس التاج" و"قيس صريح" و"قريع قيس"، كما قالوا.

стр. 138

وهو على التحقيق كان من أكبر السادة الذين أنجبتهم باهلة، لا لأنه كان رجلا طموحا فحسب بل لأنه قرن طموحه أيضا بالسعي الموصول لبلوغ أقصى غايات المجد، فقام لذلك بدور بارز في خراسان، ولم يقم به عامل من العمال الذين سبقوه أو خلفوه عليها، إذ وطد السيادة العربية بها، كما ثبتها بما وراء النهر. ومن أجل ذلك وصفه ابن حزم بأنه "صاحب خراسان" ذو الآثار المشهورة"١. ويظهر بجلاء من المقطوعات والقصائد التي أنشدناها أن شعراء المضرية بخراسان والعراق ابتهجوا بغزوات قتيبة الداخلية، وفتوحاته الخارجية، ومجدوها، لأنهم اعتدوها نصرا لهم، وتعزيزا لمكانة قبائلهم. أما بعض شعراء الأزد وبكر فلم يستطيعوا التغاضي عنها، ولا نكران أهميتها، ولذلك رأينا كعبا الأشقري، ونهار بن توسعة البكري يشاركان في الإشادة بها، ولكنهما لم يتشبثا بتعظيمهما لها، وإنما تنصلا منه، فقد تنازل كعب كما قلنا عن موقفه من قتيبة، واعتذر منه، لأنه كان موقفا انفعاليا عاطفيا، وبالمثل تحلل نهار من مديحه له، ولم يتمسك به، لأنه كان مديحا مؤقتا اضطراريا٢. أما ثابت قطنة الأزدي فلم يصطنع أسلوب التقية، ولم يخف عداوته لقتيبة، ولذلك فإنه لم يرفع صوته بالثناء على أعماله ومنجزاته التي لا تجحد، وإنما ظل ساكتا عن الكلام، ووقف موقف المتفرج المشدوه المغيظ. حتى إذا علم أنه غدر بنيزك طخارستان وقتله، احتسب اغتياله له خطأ في الحرب، وراح يلومه ويقرعه، لكي ينفس عن حقده الدفين عليه. وفي سنة ثمان وتسعين هاجم يزيد بن المهلب جرجان، ومهد لاحتلالها بمحاصرة دهستان، إحدى نواحيها محاصرة شديدة، ثم نازل أهلها حينا، فلم يفلح في احتلالها، فأحكم الطوق عليها، وبث الجنود في كل جانب منها، وقطع المواد عن أهلها، فلما جهدوا ونهكوا بعث صول دهقانها إليه يسأله المصالحة على أن يؤمنه على نفسه وأهل بيته وماله، ويدفع إليه المدينة وما فيها. فصالحه ووفى له بما اشترطه

стр. 139

عليه، ودخل المدينة، فأخذ ما كان فيها من الأموال والكنوز والسبي شيئا لا يحصى، وقتل أربعة عشر ألف تركي صبرا١. وفي خلال مقاتلة جيشه لأهلها اشترك بنفسه في إحدى المعارك، وأبى أن يعتزل القتال، فباغته الترك، وكادوا يقضون عليه، فدافع عنه فرسان الأزد دفاعا مستميتا، وفيهم الحجاج بن جارية الختعمي، الذي ناضل من ورائه، وحمى ظهره حتى سلم، وانتهى إلى ماء، وكان عطش هو وجنوده فشربوا، وانصرف عنهم العدو، فقال سفيان بن صفوان الخثعمي يمن بذب الحجاج عنه حتى حماه وأنجاه من الهلاك، ومكنه من ورود عين الماء٢: لولا ابن جارية الأغر جبنه ... لسقيت كأسا مرة المتجرع وحماك في فرسانه وخيوله ... حتى وردت الماء غير متعتع٣ وفي سنة اثنتين ومائة استضعف الترك سعيد بن عبد العزيز، والي خراسان الملقب بخذينة، أي الدهقانة ربة البيت، لأنه كان رجلا لينا سهلا متنغما٤، فطمعوا فيه، وأغاروا على قصر الباهلي، وكان تابعا لوالي سمرقند، فاحتجزوا به مائة أهل بيت من العرب بذراريهم. فخافوا أن يبطئ عنهم المدد، فصالحوا الترك على أربعين ألفا، وأعطوهم سبعة عشر رجلا رهينة. فندب عثمان بن عبد الله الشخير، أربعين ألفا، وأعطوهم سبعة عشر رجلا رهينة. فندب عثمان بن عبد الله الشخير، والي سمرقند الناس للجهاد، وانتخب المسيب بن بشر الرياحي التميمي، وبعث معه أربعة آلاف من جميع القبائل، فسار معه منهم سبعمائة فارس، بعد أن عسكروا قبل مسيرهم، وعرضهم مرات، وبصرهم بهدفهم، وعرفهم بقوة عدوهم، إذ قال لهم: "إنكم تقدمون على حلبة الترك، حلبة خاقان وغيرهم، والعوض إن صبرتم الجنة، والعقاب النار إن فررتم، فمن أراد الغزو والصبر فليتقدم". فمضى بمن بقي معه منهم إلى القصر، فالتحموا مع الترك في موقعة ضارية استشهد فيها عدد من فرسانه المعدودين ولم يزالوا بالترك حتى هزموهم، ودخلوا القصر، وحملوا من فيه من

стр. 140

العرب وعادوا إلى سمرقند. فقال ثابت قطنة، وكان أحد الفرسان الذين ساهموا في استرداد القصر، كما قتل عظيما من عظماء الترك، يفتخر ببلائه في ساحة القتال، افتخارا صاخبا، ويذكر الحفاظ المر لفرسان بني تميم، وخلقهم الوعر في الحرب، خاصا رئيسهم المسيب بن بشر بأعطر الثناء١: فدت نفسي فوارس من تميم ... غداة الروع في ضنك المقام فدت نفسي فوارس اكنفوني ... على الأعداء في رهج القتام٢ بقصر الباهلي وقد رأوني ... أحامي حيث ضن به المحامي بسيفي بعد حطم الرمح قدما ... أذودهم بذي شطب حسام٣ أكر عليهم اليحموم كرا ... ككر الشرب آنية المدام٤ أكر به لدى الغمرات حتى ... تجلت لا يضيق بها مقامي فلولا الله ليس له شريك ... وضربي قونس الملك الهمام٥ إذا لسعت نساء بني دثار ... أمام الترك بادية الخذام٦ فمن مثل المسيب في تميم ... أبي بشر كقادمة الحمام كذلك تهاون سعيد بن عبد العزيز بعض التهاون في مجابهة الصغد، حتى اشتدت ثورتهم، وعم أذاهم العرب بسمرقند، فاستحثه جنوده وقادته على مقاتلتهم، واتهموه بأنه ترك الغزو٧. فتحفز وعبر النهر إلى سمرقند، وواجه الثائرين بها متخاذلا متراخيا، فلم يحرز نصرا كبيرا، فاستخفوا به، وكادوا يفنون كتيبة من بني تميم لولا استبسال من نجا من فرسانها في مقارعتهم، فضاق الجنود به، وسخطوا عليه

стр. 141

وضاعف برمهم به أنه كان إذا بعث سرية فأصاب جنودها وغنموا وسبوا، رد الذراري السبي، وعاقب السرية. فقال الهجري يهجوه هجاء مقذعا، فيه التحقير له، والتشنيع عليه، والتشهير به. وما من ريب في أن هجاءه يدل على حقيقة الرجل وسياسته، ويكشف عن رأي جنوده في قيادته العكسرية، وإدارته المدنية١: وأنت لمن عاديت عرس حفية ... وأنت علينا كالحسام المهند٢ فلله در الصغد لما تحزبوا ... ويا عجبا من كيدك المتردد فأقصاه عمر بن هبيرة الفزاري عن خراسان، وولاها سعيد بن عمرو الحرشي٣، فوصل إلى سمرقند والجنود العرب مطوقون، فحمسهم وشجعهم، ووعدهم بقيادة حازمة فخشي الصغد أن يفتك بهم، لأنهم تمرودا وأعانوا الترك في ولاية سعيد بن عبد العزيز، فرحلوا إلى فرغانة، ونزلوا بخجندة. فأسرع إليهم سنة أربع ومائة، وأوقع بهم، فاستسلموا له فقتل منهم ثلاثة آلاف، فيهم بعض رؤسائهم وأمرائهم، لأنهم غدروا ببعض الأسرى العرب، فقال ثابت قطنة يعبر عن سروره لما أنزل الحرشي بالصغد من العذاب٤: أقر العين مصرع كارزنج ... وكشين وما لاقى بيار وديواشني وما لاقى جلنج ... بحصن خجند إذ دمروا فباروا٥ وأعدم الحرشي كذلك دهقانا من دهاقين الصغد بمرو الشاهجان، وصلبه في الميدان. فقال أحد الرجاز يصف همة الحرشي القوية، وما أصاب الترك من البلاء على يديه، بعد أن ضيقوا على العرب٦:

стр. 142

إذا سعيد سار في الأخماس ... في رهج يأخذ بالأنفاس دارت على الترك أمر الكأس ... وطارت الترك على الأحلاس١ ولو فرارا عطل القياس ولما ولي أسد بن عبد الله القسري، قصر عن متابعة حركة الغزو والفتح فيما وراء النهر، فاكتفى بمهاجمة نواحي هراة الجبلية. ففي سنة سبع ومائة غزا الغور، فعمد أهلها إلى أثقالهم فصيروها في كهف ليس إليه طريق. فأمر باتخاذ توابيت، ووضع فيها الرجال، ودلاها بالسلاسل، فاستخرجوا ما قدروا عليه. فقال ثابت قطنة يمدحه٣: أرى أسدا تضمن مفظعات ... تهيبها الملوك ذوو الحجاب٣ سما بالخيل في أكتاف مرو ... توفزهن بين هلا وهاب٤ إلى غورين حيث حوى أزب ... وصك بالسيوف وبالحراب٥ هدانا الله بالقتلى تراها ... مصلبة بأفواه الشعاب ملاحم لم تدع لسراة كلب ... مهاترة ولا لبني كلاب فأوردها النهاب وآب منها ... بأفضل ما يصاب من النهاب وكان إذا أناخ بدار قوم ... أراها المخزيات من العذاب ألم يزر الجبال ملع ... ترى من دونها قطع السحاب بأرعن لم يدع لهم شريدا ... وعاقبها الممض من العقاب٦ وفي السنة التالية قطع النهر إلى الختل، فاستجلب أميرها خاقان، فتقهقر أسد إلى

стр. 143

ما دون النهر، فاتبعه خاقان، وأصاب الجند في الغزاة جوع شديد. ويقال: إنه رجع مغلولا إلى خراسان، فتغنى عليه الصبيان بأبيات من الرجز فضحوه بها، وتهكموا عليه فيها١. ويقال: بل ظهر على الختل، واكتسحها فأسر وسبى وغنم. ثم عطف على غورين سنة تسع ومائة فأوقع بأهلها. فقال ثابت قطنة يمدحه٢: أرى أسدا في الحرب إذا نزلت به ... وقارع أهل الحرب فاز وأوجبا٣ تناول أهل السبل خاقان ردؤه ... فحرق ما استعصى عليه وخربا٤ أتتك وفود الترك ما بين كابل ... وغورين إذ لم يهربوا منك مهربا فما يغمز الأعداء من ليث غابة ... أبى ضاريات حرشوه فعقبا٥ أزب كأن الورس فوق ذراعه ... كريه المحيا قد أسن وجربا٦ ألم يك في الحصن المبارك عصمة ... لجندك إذ هاب الجبان وأرهبا بنى لك عبد الله حصنا ورثته ... قديما إذا عد القديم وأنجبا ويبدو أن أسدا شن تلك الغارات على المنطقة الجنوبية الشرقية من خراسان، وما يجاروها من الختل، ليطهرها تطهيرا تاما، لأنه كان يعد للانتقال من مرو الشاهجان إلى بلخ. ومع أن غاراته لم تسفر عن نتائج هامة فإنها حركت ثابت قطنة، وأنطقته بعد أن صمت عن النظم ما يربو على عشرين عاما، وقعت فيها معارك كبيرة، وأحداث خطيرة، فإذا هو يهلل لغزوات أسد ويضخمها، ويكيل له المديح عليها، لما سبق إليه بها من مكاسب عسكرية ومادية، مدعيا أنه حطم جيوشا

стр. 144

جرارة، قادها إليه السبل وخاقان، وحقق انتصارات غريبة نادرة، عجز عن تحقيقها من سبقوه من الولاة. وهي انتصارات بعضها حقيقي يتمثل في ظفره بنمرون ملك غرجستان، وفي ظفره بأهل الغور والغورين، ولكنها تظل صغيرة، لا شأن لها بالنسبة إلى انتصارات قتيبة بن مسلم الكبيرة. وبعضه فيه شيء من التهويل، إن لم يكن ملفقا مختلفا، ولا سيما ما يتصل بهجومه على الختل، فإن المؤرخين لم يتفقوا على أن أسدا هزم السبل، وقهر خاقان، وإنما هم مختلفون في ذلك، فمنهم من يقول إنه قفل من الختل مدحورا، ومنهم من يقول: إنه عاد منصورا. وإنما فخم ثابت قطنة غزوات أسد ونفخ فيها، لأنه كان متحزبا له ولليمنية، ولأنه كان يريد أن يكاثر به القيسية، فقد رفع أسد مكانة الأزد بعد انحطاطها في ولاية قتيبة بن مسلم، والجراح الحكمي، وسعيد بن عبد العزيز، وسعيد الحرشي، كما أنه أحرز لهم مناصب عظيمة حازوا بها فوائد جليلة لم يستطع يزيد بن المهلب تحقيقها لهم، حين ولي خراسان بعد هلاك قتيبة بن مسلم، لأن ولايته كانت قصيرة لم تتجاوز السنتين. وفي سنة عشر ومائة خرج أشرس بن عبد الله السلمي إلى سمرقند ليقضي على فتنة الصغد والترك، فنزل بآمل، وأقام بها ثلاثة أشهر، وعبر قطن بن قتيبة الباهلي النهر في عشرة آلاف، فاندفع إليه الترك وحاصروه، فوجه إليه أشرس كتيبة ساعدته، وطردت الترك عنه، واستنقذت الأسرى من أيديهم. ثم اجتاز أشرس النهر إليه، وسير أمامه سرية بقيادة رجل اسمه مسعود أحد بني حيان، لتكون طليعة له، فأكمن الترك له كمينا، وقتلوا عددا من فرسانها. فرجع مسعود إليه مهزوما. فقال أحد الشعراء من الجند يهزأ به، ويسجل فضله١:

стр. 145

خابت سرية مسعود وما غنمت ... إلا أفانين من شد وتقريب١ حلوا بأرض قفار لا أنيس بها ... وهن بالسفح أمثال اليعاسيب٢ وفي العام ذاته ارتد أهل كردر من خوارزم عن الإسلام، فحاربهم رجال المسلحة العربية هناك، وبعث إليهم أشرس كتيبة من ألف رجل عونا لهم، فصاروا إليهم، وتمكنوا جميعا من ملاحقة الترك، وإخضاع أهل كردر. فقال عرفجة الدارمي التميمي هذين البيتين يبين دور بني تميم في مناجزة الترك، وفي رد أهل كردر إلى الإسلام، ويعجب من استيلاء سواهم من جنود القبائل الأخرى على غنائمهم وأسلابهم٣: نحن كفينا أهل مرو وغيرهم ... ونحن نفينا الترك عن أهل كردر فإن تجعلوا ما قد غنما لغيرنا ... فقد يظلم المرء الكريم فيصبر وفي سنة اثنتي عشرة ومائة كانت وقعة الشعب على مشارف سمرقند بين خاقان والجنيد بن عبد الرحمن المري٤. فانخذل الجيش العربي في بدايتها انخذالا مروعا، وفقد من جنوده أعدادا كبيرة لم يفقدها من قبل، واستشهد سورة بن الحر التميمي، عامل سمرقند، وهو في طريقه لإنقاذ الجنيد، وتخفيف وطأة الترك عليه. ومع أن الجنيد انتصر في نهايتها على خاقان، واقتحم سمرقند، وأخلى ذراري العرب منها، وحملهم إلى مرو الشاهجان، وأبقي المقاتلين فيها وحدهم، فإن نشوة النصر لم تنس العرب مرارة الهزيمة، لكثرة من هلكوا منهم، إذ يذكر الشعراء أن القتلى بلغوا خمسين ألفا، ولما لحق بهم، رجالا ونساء وأطفالا من العذاب. ومن أجل ذلك هتف الشعراء بالجنيد لائمين وناقدين وحاقدين لأنه لم يحتط للأمر، ولم يقدر قوة
следующие страницы →