← Адаб

Адаб · id 23138

الشعر في خراسان من الفتح إلى نهاية العصر الأموي

حسين عطوان

Полный текст (311 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وضاعف برمهم به أنه كان إذا بعث سرية فأصاب جنودها وغنموا وسبوا، رد الذراري السبي، وعاقب السرية. فقال الهجري يهجوه هجاء مقذعا، فيه التحقير له، والتشنيع عليه، والتشهير به. وما من ريب في أن هجاءه يدل على حقيقة الرجل وسياسته، ويكشف عن رأي جنوده في قيادته العكسرية، وإدارته المدنية١: وأنت لمن عاديت عرس حفية ... وأنت علينا كالحسام المهند٢ فلله در الصغد لما تحزبوا ... ويا عجبا من كيدك المتردد فأقصاه عمر بن هبيرة الفزاري عن خراسان، وولاها سعيد بن عمرو الحرشي٣، فوصل إلى سمرقند والجنود العرب مطوقون، فحمسهم وشجعهم، ووعدهم بقيادة حازمة فخشي الصغد أن يفتك بهم، لأنهم تمرودا وأعانوا الترك في ولاية سعيد بن عبد العزيز، فرحلوا إلى فرغانة، ونزلوا بخجندة. فأسرع إليهم سنة أربع ومائة، وأوقع بهم، فاستسلموا له فقتل منهم ثلاثة آلاف، فيهم بعض رؤسائهم وأمرائهم، لأنهم غدروا ببعض الأسرى العرب، فقال ثابت قطنة يعبر عن سروره لما أنزل الحرشي بالصغد من العذاب٤: أقر العين مصرع كارزنج ... وكشين وما لاقى بيار وديواشني وما لاقى جلنج ... بحصن خجند إذ دمروا فباروا٥ وأعدم الحرشي كذلك دهقانا من دهاقين الصغد بمرو الشاهجان، وصلبه في الميدان. فقال أحد الرجاز يصف همة الحرشي القوية، وما أصاب الترك من البلاء على يديه، بعد أن ضيقوا على العرب٦:

стр. 142

إذا سعيد سار في الأخماس ... في رهج يأخذ بالأنفاس دارت على الترك أمر الكأس ... وطارت الترك على الأحلاس١ ولو فرارا عطل القياس ولما ولي أسد بن عبد الله القسري، قصر عن متابعة حركة الغزو والفتح فيما وراء النهر، فاكتفى بمهاجمة نواحي هراة الجبلية. ففي سنة سبع ومائة غزا الغور، فعمد أهلها إلى أثقالهم فصيروها في كهف ليس إليه طريق. فأمر باتخاذ توابيت، ووضع فيها الرجال، ودلاها بالسلاسل، فاستخرجوا ما قدروا عليه. فقال ثابت قطنة يمدحه٣: أرى أسدا تضمن مفظعات ... تهيبها الملوك ذوو الحجاب٣ سما بالخيل في أكتاف مرو ... توفزهن بين هلا وهاب٤ إلى غورين حيث حوى أزب ... وصك بالسيوف وبالحراب٥ هدانا الله بالقتلى تراها ... مصلبة بأفواه الشعاب ملاحم لم تدع لسراة كلب ... مهاترة ولا لبني كلاب فأوردها النهاب وآب منها ... بأفضل ما يصاب من النهاب وكان إذا أناخ بدار قوم ... أراها المخزيات من العذاب ألم يزر الجبال ملع ... ترى من دونها قطع السحاب بأرعن لم يدع لهم شريدا ... وعاقبها الممض من العقاب٦ وفي السنة التالية قطع النهر إلى الختل، فاستجلب أميرها خاقان، فتقهقر أسد إلى

стр. 143

ما دون النهر، فاتبعه خاقان، وأصاب الجند في الغزاة جوع شديد. ويقال: إنه رجع مغلولا إلى خراسان، فتغنى عليه الصبيان بأبيات من الرجز فضحوه بها، وتهكموا عليه فيها١. ويقال: بل ظهر على الختل، واكتسحها فأسر وسبى وغنم. ثم عطف على غورين سنة تسع ومائة فأوقع بأهلها. فقال ثابت قطنة يمدحه٢: أرى أسدا في الحرب إذا نزلت به ... وقارع أهل الحرب فاز وأوجبا٣ تناول أهل السبل خاقان ردؤه ... فحرق ما استعصى عليه وخربا٤ أتتك وفود الترك ما بين كابل ... وغورين إذ لم يهربوا منك مهربا فما يغمز الأعداء من ليث غابة ... أبى ضاريات حرشوه فعقبا٥ أزب كأن الورس فوق ذراعه ... كريه المحيا قد أسن وجربا٦ ألم يك في الحصن المبارك عصمة ... لجندك إذ هاب الجبان وأرهبا بنى لك عبد الله حصنا ورثته ... قديما إذا عد القديم وأنجبا ويبدو أن أسدا شن تلك الغارات على المنطقة الجنوبية الشرقية من خراسان، وما يجاروها من الختل، ليطهرها تطهيرا تاما، لأنه كان يعد للانتقال من مرو الشاهجان إلى بلخ. ومع أن غاراته لم تسفر عن نتائج هامة فإنها حركت ثابت قطنة، وأنطقته بعد أن صمت عن النظم ما يربو على عشرين عاما، وقعت فيها معارك كبيرة، وأحداث خطيرة، فإذا هو يهلل لغزوات أسد ويضخمها، ويكيل له المديح عليها، لما سبق إليه بها من مكاسب عسكرية ومادية، مدعيا أنه حطم جيوشا

стр. 144

جرارة، قادها إليه السبل وخاقان، وحقق انتصارات غريبة نادرة، عجز عن تحقيقها من سبقوه من الولاة. وهي انتصارات بعضها حقيقي يتمثل في ظفره بنمرون ملك غرجستان، وفي ظفره بأهل الغور والغورين، ولكنها تظل صغيرة، لا شأن لها بالنسبة إلى انتصارات قتيبة بن مسلم الكبيرة. وبعضه فيه شيء من التهويل، إن لم يكن ملفقا مختلفا، ولا سيما ما يتصل بهجومه على الختل، فإن المؤرخين لم يتفقوا على أن أسدا هزم السبل، وقهر خاقان، وإنما هم مختلفون في ذلك، فمنهم من يقول إنه قفل من الختل مدحورا، ومنهم من يقول: إنه عاد منصورا. وإنما فخم ثابت قطنة غزوات أسد ونفخ فيها، لأنه كان متحزبا له ولليمنية، ولأنه كان يريد أن يكاثر به القيسية، فقد رفع أسد مكانة الأزد بعد انحطاطها في ولاية قتيبة بن مسلم، والجراح الحكمي، وسعيد بن عبد العزيز، وسعيد الحرشي، كما أنه أحرز لهم مناصب عظيمة حازوا بها فوائد جليلة لم يستطع يزيد بن المهلب تحقيقها لهم، حين ولي خراسان بعد هلاك قتيبة بن مسلم، لأن ولايته كانت قصيرة لم تتجاوز السنتين. وفي سنة عشر ومائة خرج أشرس بن عبد الله السلمي إلى سمرقند ليقضي على فتنة الصغد والترك، فنزل بآمل، وأقام بها ثلاثة أشهر، وعبر قطن بن قتيبة الباهلي النهر في عشرة آلاف، فاندفع إليه الترك وحاصروه، فوجه إليه أشرس كتيبة ساعدته، وطردت الترك عنه، واستنقذت الأسرى من أيديهم. ثم اجتاز أشرس النهر إليه، وسير أمامه سرية بقيادة رجل اسمه مسعود أحد بني حيان، لتكون طليعة له، فأكمن الترك له كمينا، وقتلوا عددا من فرسانها. فرجع مسعود إليه مهزوما. فقال أحد الشعراء من الجند يهزأ به، ويسجل فضله١:

стр. 145

خابت سرية مسعود وما غنمت ... إلا أفانين من شد وتقريب١ حلوا بأرض قفار لا أنيس بها ... وهن بالسفح أمثال اليعاسيب٢ وفي العام ذاته ارتد أهل كردر من خوارزم عن الإسلام، فحاربهم رجال المسلحة العربية هناك، وبعث إليهم أشرس كتيبة من ألف رجل عونا لهم، فصاروا إليهم، وتمكنوا جميعا من ملاحقة الترك، وإخضاع أهل كردر. فقال عرفجة الدارمي التميمي هذين البيتين يبين دور بني تميم في مناجزة الترك، وفي رد أهل كردر إلى الإسلام، ويعجب من استيلاء سواهم من جنود القبائل الأخرى على غنائمهم وأسلابهم٣: نحن كفينا أهل مرو وغيرهم ... ونحن نفينا الترك عن أهل كردر فإن تجعلوا ما قد غنما لغيرنا ... فقد يظلم المرء الكريم فيصبر وفي سنة اثنتي عشرة ومائة كانت وقعة الشعب على مشارف سمرقند بين خاقان والجنيد بن عبد الرحمن المري٤. فانخذل الجيش العربي في بدايتها انخذالا مروعا، وفقد من جنوده أعدادا كبيرة لم يفقدها من قبل، واستشهد سورة بن الحر التميمي، عامل سمرقند، وهو في طريقه لإنقاذ الجنيد، وتخفيف وطأة الترك عليه. ومع أن الجنيد انتصر في نهايتها على خاقان، واقتحم سمرقند، وأخلى ذراري العرب منها، وحملهم إلى مرو الشاهجان، وأبقي المقاتلين فيها وحدهم، فإن نشوة النصر لم تنس العرب مرارة الهزيمة، لكثرة من هلكوا منهم، إذ يذكر الشعراء أن القتلى بلغوا خمسين ألفا، ولما لحق بهم، رجالا ونساء وأطفالا من العذاب. ومن أجل ذلك هتف الشعراء بالجنيد لائمين وناقدين وحاقدين لأنه لم يحتط للأمر، ولم يقدر قوة

стр. 146

خصمه، فباء لذلك بالخسران في أول معركة، واقرأ هذه الأبيات لابن السجف المجاشعي، فإنها تكشف عما عاناه العرب هناك من الكرب والأذى والهوان، إذ يقول مخاطبا هشام بن عبد الملك١: أذكر يتامى بأرض الترك ضائعة ... هزلى كأنهم في الحائط الحجل٢ وارحم وإلا فهبها أمة دمرت ... لا أنفس بقيت فيها ولا ثقل٣ لا تأملن بقاء الدهر بعدهم ... والمرء ما عاش ممدود له الأمل لاقوا كتائب من خاقان معلمة ... عنهم يضيق فضاء السهل والجبل٤ لما رأوهم قليلا لا صريخ لهم ... مدوا بأيديهم لله وابتهلوا٥ وبايعوا رب موسى بيعة صدقت ... ما في قلوبهم شك ولا دغل٦ فابن السجف يرفع تقريرا إلى هشام بن عبد الملك عن بداية معركة الشعب، يوضح فيه ما حاق بهم من الهزيمة والعار، وكيف أنهم كانوا قلة ضعيفة بالقياس إلى عدوهم وضخامته، حتى أحبط كل محاولاتهم للخلاص منه، وشد عليهم، فإذا هم لا يملكون له دفعا، ولا يستطيعون منه انفكاكا، وإذا هم يتضرعون إلى الله أن ينجيهم ويكتب لهم السلامة، كما يطلب إلى هشام أن يتدبر الأمر مليا، ويتخذ قرارا حازما يحفظ من سلموا منهم، ويبقيهم على قيد الحياة، ويحذره من أنهم إذا هلكوا كان هلاكهم نذيرا بفنائه بعدهم. أما الشرعبي الطائي فرفع تقريرا آخر عن نتائج المعركة إلى خالد بن عبد الله

стр. 147

القسري والي العراق، بين فيه قوة خصمهم، ونكايته بهم، وما أصاب النساء من الفزع والهلع، وما وقع على بعضهن من الأسر والسبي، حتى أخذن يستغثن ولا من مغيث، وبين فيه كذلك تخاذل الجنود وتقاعسهم، ووصم قائدهم بالخسة والدناءة وهو تقرير حزين مؤثر، تكاد النفس تذوب منه حسرة وألما، وهو يتوالى على هذه الشاكلة١: تذكرت هندا في بلاد غريبة ... فيا لك شوقا هل لشملك مجمع تذكرتها والشاس بيني وبينها ... وشعب عصام والمنايا تطلع بلاد بها خاقان جم زحوفه ... وجيلان في سبعين ألفا مقنع إذا دب خاقان وسارت جنوده ... أتتنا المنايا عند ذلك شرع هناك هند ما لنا النصف منهم ... وما إن لنا يا هند لفي القوم مطمع٢ ألا رب خود خدلة قد رأيتها ... بسوق بها جهم من الصغد أصمع٣ أحامي عليها حين ولى خليلها ... تنادي إليها المسلمين فتسمع تنادي بأعلى صوتها صف قومها ... ألا رجل منكم يغار فيرجع ألا رجل منكم كريم يردني ... يرى الموت في بعض المواطن ينفع فما جاوبوها غير أن نصيفها ... بكف الفتى بين البرازيق أشنع٤ إلى الله أشكو نبوة في قلوبها ... ورعبا ملا أجوافها يتوسع فمن مبلغ عني الوكا صحيفة ... إلى خالد من قبل أن نتوزع٥

стр. 148

بأن بقايانا وأن أميرنا ... إذا ما عددناه الذليل الموقع١ هم أطمعوا خاقان فينا وجنده ... ألا ليتنا كنا هشيما يزعزع وأما خالد بن المعارك العبدي المعروف بابن عرس، فرفع تقريرا ثالثا مفصلا إلى خالد، ضمنه أساه ولوعته لما حل بالجيش العربي من الدمار، فإذا أفراده مقتلون مصرعون، وإذا نساؤهم يبكين ويستصرخن. وعاب فيه على الجنيد جهله وتعجله. وفجاجة رأيه، وسوء تدبيره، وهجاه هجاء مقذعا، وشهر بأخطائه تشهيرا، ودعا عليه بالموت، لأنه ورطهم في معركة لا قبل لهم بها يقول٢: أين حماة الحرب من معشر ... كانوا جمال المنسر الحارد٣ بادوا بآجال توافوا لها ... والعائر المهمل كالبائد٤ فالعين تجري دمعها مسبلا ... ما لدموع العين من ذائد انظر ترى للميت من رجعة ... أم هل ترى في الدهر من خالد كنا قديما يتقى بأسنا ... وندرأ الصادر بالوارد حتى منينا بالذي شامنا ... من بعد عز ناضر آبد٥ كعاقر الناقة لا ينثني ... مبتدئا ذي حنق جاهد فتقت ما لا يلتئم صدعه ... بالجحفل المحتشد الزائد٦ تبكي لها إن كشفت ساقها ... جدعا وعقرا لك من قائد٧ تركتنا اجزاء معبوطة ... يقسمها الجازر للناهد٨

стр. 149

ترقت الأسياف مسلولة ... تزيل بين العضد والساعد تساقط الهامات من وقعها ... بين جناحي مبرق راعد إذ أنت كالطفلة في خدرها ... لم تدر يوما كيدة الكائد١ إنا أناس حربنا صعبة ... تعصف بالقائم القاعد أضحت سمرقند وأشياعها ... أحدوثة الغائب والشاهد وكم ثوى في الشعب من حازم ... جلد القوى ذي مرة ماجد٢ يستنجد الخطب ويغشى الوغى ... لا هائب غس ولا ناكد٣ ليتك يوم الشعب في حفرة ... مرموسة بالمدر الجامد٤ تلعب بك الحرب وأبناؤها ... لعب صقور بقطا وارد طار لها قلبك من خيفة ... ما قلبك الطائر بالعائد لا تحسبن الحرب يوم الضحى ... كشربك المزاء بالبارد٥ أبغضت من عينك تبريحها ... وصورة في جسد فاسد جنيد ما عيصك منسوبه ... نبعا ولا جدك بالصاعد٦ خمسون ألفا قتلوا ضيعة ... وأنت منهم دعوة الناشد٧ لا تمرين الحرب من قابل ... ما أنت في العدوة بالجامد قلدته طوقا على نحره ... طوق الحمام الغرد الفارد٨

стр. 150

قصيدة حبرها شاعر ... تسعى بها البرد إلى خالد وفي سنة تسع عشرة ومائة غزا أسد بن عبد الله القسري في ولايته الثانية الختل، فاستغاث أميرها بخاقان، فأقبل في جموع الترك، وخاض النهر إلى الجوزجان، بعد أن قطعه أسد راجعا إلى خراسان، فدارت بين الفريقين معارك متصلة ساعد فيها الحارث بن سريج التميمي خاقان، فكسر أشد شوكتهما في إحداهما، فوليا الأدبار إلى طخارستان العليا، ومنها إلى بلاد الترك. فارتجز ابن السجف المجاشعي هذه الأرجوزة يمدح بها أسدا، وينوه بما أنجز من انتصار رائع. وهو يقول فيها١: لو سرت في الأرض تقيس الأرضا ... تقيس منها طولها والعرضا لم تلق خيرا مرة ونقضا ... من الأمير أسد وأمضى أفضي إلينا الخير حين أفضى ... وجمع الشمل وكان رفضا ما فاته خاقان إلا ركضا ... قد فض في جموعه ما فضا يا بن سريج قد لقيت حمضا ... حمضا به يشفى صداع المرضى وقال أبو الهندي التميمي٢، وكان رحل إلى خراسان بأخرة من عمره، يمدح أسدا، مثنيا على سلامة تقديره، وحسن تأتيه للأمور، ومبرزا ما كان لهزيمته خاقان من أثر في صيانة أمن العراق، وحماية بيت الله الحرام، وواصفا إيقاعه بالترك، وكيف لم ينصرف عن قتالهم إلا بعد أن شتت جموعهم، وخلفهم بين عظيم مصروع، وجرح مطروح، يلفظ أنفاسه الأخيرة، وأسير صاغر ينتظر العقاب،

стр. 151

وفار مذعور يخشى الموت، ناعيا على القبائل المضرية المختلفة تخاذلها وترددها، حتى أغرت خاقان بالهجوم على غرب خراسان٣: أبا منذر رمت الأمور فقستها ... وساءلت عنها كالحريص المساوم فما كان ذو رأي من الناس قسته ... برأيك إلا مثل رأي البهائم أبا منذر لولا مسيرك لم يكن ... عراق ولا انقادت ملوك الأعاجم ولا حج بيت الله مذ حج راكب ... ولا عمر البطحاء بعد المواسم فكم من قتيل بين سان وجزة ... كثير الأيادي من ملوك قماقم١ تركت بأرض الجوزجان تزوره ... سباع وعقبان لحز الغلاصم٢ وذي سوقة فيه من السيف خطة ... به رمق حامت عليه الحوائم٣ فمن هارب منا ومن دائن لنا ... أسير يقاسي مبهمات الأداهم٤ فدتك نفوس من تميم وعامر ... ومن مضر الحمراء عند المآزم هم اطمعوا خاقان فينا فأصبحت ... حلائبه ترجو احتواء المغانم ومن الغريب أن يتغاضى ابن السجف المجاشعي التميمي عن تعصب أسد للأزد٥، ويحمد له معروفه، وتأليفه بين العرب، ويمجد إراداته وبسالته وردعه لخاقان والحارث بن سريج. والأغرب أن لا يقف أبو الهندي التميمي عند تعظيمه له، فقد تجاوزه إلى تقريع تميم وغيرها من القبائل القيسية، متهما لها بالتهاون وقلة المبالاة. ولكن إذا عرف السبب، بطل العجب، كما يقولون. فشعراء تميم إنما وقفوا هذا

стр. 152

الموقف من قبيلتهم وحلفائها، لأنهم قصدوا به إلى التكفير عما ارتكبته من خطأ جسيم حين أيدت المعاهدة التي عقدت بين عاصم بن عبد الله الهلالي، والحارث بن سريج، وارتضت ما اقترحاه على هشام بن عبد الملك من شروط حتى يظلا تابعين لحكومته، طائعين لسلطته، كما أنهم لجوا في انتقادهم للحارث بن سريج، الذي ينتسب إلى قبيلتهم، ليتبرأوا من جرائمه، ويتحللوا من مسؤولية مخالفته لخاقان، واشتراكه معه في محاربة العرب بخراسان. ولم يحفظ القدماء شعرا كثيرا في غزوة نصر بن سيار آخر ولاة خراسان لما وراء النهر، بالقياس إلى ما حفظوه من أشعار غزيرة في غزوات الولاة السابقين، مع أنه شن حملة قوية على سمرقند والشاش وفرغانة، وقتل كورصول خليفة خاقان. فكل ما عثرنا عليه من الشعر الذي قيل في حملته الناجحة بيتان لأبي نميلة صالح بن الأبار، هتف بهما عند رجوع نصر سالما بعد أن قاومه كورصول التركي مقاومة عنيفة، ومنعه من عبور نهر الشاش، وهو يقول فيهما١: كنا وأوبة نصر بعد غيبته ... كراقب النوء حتى جاده المطر أودى بأخرم منه عارض برد ... مسترجف بمنايا القوم منهمر٢ وصفوة القول في الأشعار التي لهج بها الشعراء في الوقائع الحربية بخراسان وطخارستان والختل، وخوارزم، وبخارى، وسمرقند، والشاش، وفرغانة، أن تيار العصبية يلتقي فيها بتيار القومية التقاء ضعيفا متقطعا، فإن الفردية والقبلية والحزبية هي الصفات الغلابة عليها، والظواهر المميزة لها. وهي صفات وظواهر تتضح بصورة عامة في اعتداد الشعراء الفرسان ببطولاتهم في القتال، وأدوار قبائلهم وحلفائهم في النضال. ولكنها تظهر بقوة عند شعراء الأزد وبكر وعبد القيس، فقد رأينا كعبا الأشقري، وثابت قطنة الأزديين يكبران أعمال يزيد بن المهلب، وأخيه المفضل، وأسد القسري تكبيرا استعراضيا أرادا به على أقل تقدير إحداث شيء من التوازن بين

стр. 153

منجزات الولاة الأزديين واليمنيين، وبين منجزات الولاة القيسيين، وأرادا به كذلك مباهاة القبائل القيسية ومضاهاتها، ووجدنا الشاعر الأول يفخم فتوحات قتيبة بين مسلم، ثم يتخلى عن تفخيمه لها، ويرى أنه زلة وقع فيها، أما الشاعر الثاني فوقف منها ذاهلا ضائقا حاسدا. حتى إنه لم يقل شيئا في الثناء عليها، بل سعى لتشويهها، والتشنيع على صاحبها. وبالمثل تنصل نهار بن توسعة البكري حليف الأزد من إشادته بها. ولا بد أن نسجل على شعراء هذا الحلف أنهم هولوا الخسائر والأضرار التي لحقت بالعرب في معركة الشعب، وشكوا الجنيد بن عبد الرحمن المري إلى خالد بن عبد الله القسري، والي العراق، وشككوا في كفاءته ومقدرته، مع أنه ظهر في النهاية على خاقان، وانتصر عليه انتصارا عزيزا. وكأنما كان ابن عرس العبدي، والشرعبي الطائي يبتغيان من التهويل والتشكك الطعن في الجنيد، وحمل خالد القسري على نصح هشام بن عبد الملك بإعفائه من ولاية خراسان. وصحيح أننا رأينا عند شعراء قيس وتميم شيئا من العصبية في إشادتهم بانتصارات قتيبة بن مسلم، وخاصة عند سحبان وائل، وسوادة بن عبد الله السلولي القيسيين، غير أنهم لم يبالغا فيها، ولم يكاثرا اليمنية والربعية لها. وأكثر من ذلك فقد لاحظنا في تمجيد المغيرة بن حبناء التميمي لفتوحات قتيبة وانتصاراته أبعادا قومية إسلامية، فقد اعتد قضاءه على نيزك طخارستان تمكينا للعرب، ودفاعا عن المسلمين. ونادرا ما كان شعراء الحلفين المتنافسين يفيئون إلى الرشد والصواب. ويرتفعون إلى مستوى التفكير في المصلحة العامة، ولا يخضعون لعصبيتهم لقبائلهم، وهم يقدرون النتائج المهمة الناجمة عن غزوات الولاة الناجحة وآثارها في المحافظة على سيادة أمتهم. بل إنهم كانوا إذا اهتدوا إلى هذه الأفكار ولمعت بخواطرهم وخيالاتهم، يستشرفونها من خلال انفعالاتهم العاطفية بالمعارك الحربية الموفقة التي كانت ترضي في نفوسهم نزعات الحرب والفروسية، كما مر بنا عند ثابت قطنة الأزدي، حين مدح سعيدا الحرشي لبطشه بالصغد، أو من خلال مصالح قبائلهم وحلفائهم، كما مر بنا عند ابن السجف المجاشعي التميمي، وأبي الهندي التميمي، حين مدحا أسدا القسري، ونوها بصده لخاقان وللحارث بن سريج.

стр. 154

موضوعات أخرى تقليدية: وفي الشعر الذي أنشأه الشعراء العرب بخراسان في أيام بني أمية أربعة فنون قديمة لم نتحدث عنها حتى الآن، وهي المديح، والهجاء، والفخر، والرثاء. ويلاحظ أن المقطوعات والقصائد التي أفردها الشعراء لكل فن منها قليلة، كما أن كل الأشعار التي خصصوها لها لا تعدل نصف الأشعار التي نظموها في الحديث عن الأحوال الداخلية، والغزوات الخارجية. أ- المديح: أما المديح فهم يحتذون فيه على المثال الجاهلي، إذ يرددون فيه المعاني التي رددها الشعراء الجاهليون في مدائحهم، ويخلعون على ممدوحيهم الصفات التي خلعها الجاهليون على سادتهم وأشرافهم. فهم يشيدون بأصل الممدوح العريق، وكرمه الغمر، وشجاعته في الحروب، وسماحته وحلمه. ولكنهم يضيفون إلى هذه المعاني التقليدية معاني جديدة مستمدة من الحياة الإسلامية وقيمها، إذ يضفون على ممدوحيهم صفات التقوى والعدل والصلاح، والتفاني في سبيل نشر الدين، والفتك بالأعداء المشركين، وطبيعي أن هذه المعاني الجاهلية والإسلامية لا تجتمع في كل مدحة، فقد يلح الشاعر في مدحته على المعاني الجاهلية، وقد يركز على المعاني الإسلامية، وقد يراوح بينهما جميعا، خضوعا لحالته النفسية، وثقافته الشخصية، التي كانت تقوم في أصلها على عنصر الثقافة الجاهلية، وعنصر الثقافة الإسلامية.

стр. 155

ففي هذه المقطوعة يظهر كعب الأشقري بسالة يزيد بن المهلب، وقد لقيه الترك في خمسمائة فارس، وقطعوا عليه الطريق، وهو يسير في ستين فارسا من كس بما وراء النهر، وكان أبوه يقيم بها سنتي إحدى وثمانين واثنتين وثمانين، إلى مرو الشاهجان، حيث مات أخوه المغيرة، خليفة أبيه، والقائم بأعماله. فجالدهم أشد جلاد وأعنفه، دون أن يتغلب عليهم، أو يتغلبوا عليه، ولم يزل كل فريق منهم يهاجم الآخر، ويكر عليه، حتى أسدل الظلام أستاره، تفرق الترك عنه وواصل سيره. وكعب لا يطلعنا على بطولة يزيد فحسب، وإنما يطلعنا على بطولة فرسانه، فهو يكبر فيه صلابته، ويكبر في فرسانه عزيمتهم، وكيف أنهم لم ينكصوا عن مقاتلة الترك مع كثرة عددهم، فقد صمدوا لهم، وصدقوا في منازلتهم، معرضين أنفسهم للخطر، ورامين أفراسهم على الهلاك. يقول١: والترك تعلم إذ لاقى جموعهم ... أن قد لقوه شهابا يفرج الظلما٢ بفتية كأسود الغاب لم يجدوا ... غير التأسي وغير الصبر معتصما٣ نرى شرائج تغشى القوم من علق ... وما أرى نبوة منهم ولا كزما٤ وتحتهم قرح يركبن ما ركبوا ... من الكريهة حتى ينتعلن دما٥ في حازة الموت حتى جن ليلهم ... كلا الفريقين ما ولى ولا هربا

стр. 156

ويثني عبد الملك بن سلام السلولي على يزيد بن المهلب أيضا لكثرة ما ساقه إليه من النوال حتى أغناه، ولطول ما رعى الضعفاء، وواسى البؤساء في أيامه حتى انتعشوا؛ قارنا ثناه عليه بالدعاء له باليمن والخير جزاء لما قدم من معروف يقول١: ما زال سيبك يا يزيد بجوبتى ... حتى ارتويت وجودكم لا ينكر٢ أنت الربيع إذ تكون خصاصة ... عاش السقيم به وعاش المقتر٣ عمت سحابته جميع بلادكم ... فرووا وأغدقهم سحاب ممطر فسقاك ربك حيث كنت مخيلة ... ريا سحائبها تروح وتبكر٤ ويقول حاجب بن ذبيان المازني يمدح يزيد بشدة بأسه، وتمرسه بالقيادة والقتال في الصغر والكبر، وينوه بقهره لأعدائه، وترفقه بأصدقائه٥: كم من كمي في الهياج تركته ... يهوى لفيه مجدلا مقتولا٦ جللت مفرق رأسه ذا رونق ... عضب المهزة صارما مصقولا٧ قدت الجياد وأنت عز يافع ... حتى اكتهلت ولم تزل مأمولا كم قد حربت وقد جبرت معاشرا ... وكم امتننت وكم شفيت غليلا٨ أما الفرات الشني٩ العبدي فيشيد بجرأة قتيبة بن مسلم، وصحة شكيمته،

стр. 157

وكبر همته، وقلة مبالاته بالموت، واكتراثه للحياة في الحرب، حين يجبن المترددون، ويعتمدون على غيرهم، مما هيأ له الظفر بأعدائه من الصغد ظفرا مستمرا باهرا، والسبق إلى أبعد غايات المجد والسؤدد، وإدراك ما لم يدركه غيره من العلا والرفعة، فإذا بطولاته وفتوحاته حديث الناس في كل مجلس. يقول١: يرى الموت من عادى قتيبة مجهرا ... وليس بوقاف ولا بمواكل٢ ولكنه سمح بنفس كريمة ... بذول لها يوم التفاف القنابل٣ حوى الصغد حتى شاع في الناس ذكره ... ونال التي أعيت على المتطاول٤ والأغلب أن الفرات يشهر بيزيد بن المهلب في قوله: "ونال التي أعيت على المتطاول"، لضآلة غزواته وانتصاراته بالقياس إلى قتيبة بن مسلم، ولكثرة ادعائه وغروره من ناحية، وكيدا له، ونكاية به، لأنه فضل الأزد عن حلفائها من بكر من ناحية أخرى. وظل الفرات يفي لقتيبة، ويجهر بتقديره له، حتى بعد اغتياله، وقيام يزيد بن المهلب بالولاية، مع ما كان يعرضه له إخلاصه لقتيبة من احتمال بطش ابن المهلب به. فقد سئل عنه وعن يزيد، فرفض ذمه، وتقديم يزيد عليه، لأنه كان يؤمن بعظمته، وبوجوب الثبات على المبدأ مهما تكن العواقب، فاعترف لذلك بفضل الرجلين دون خشية من لوم، أو رهبة من عذاب، وإن كان قد تخلص من المأزق تخلصا بارعا بتسويته بينهما، وجعله كلا منهما نظيرا لصاحبه، فهما عنده جوادان مشهوران يلوذ بهما كل محتاج، وفارسان مغواران يرمي كل منهما بنفسه في معترك

стр. 158

الحرب. ويقاتل قتال الأبطال، لاتصافهما بالشهامة والإباء، وحرصهما على العمل الصالح. يقول١: سأنطق حقا فيهما إذ سألتني ... وليس أخو حق كحيران جاهل هما البحران للعافين والمبتغي القرى ... وليثا عرين عند وقع المناصل٢ هما يردان الموت لا يرهبانه ... إذا ضج منه كل أشوس باسل٣ حياء وبذلا للنفوس وحسبة ... بكل سريجي وأسمر عاسل٤ والأرجح أن الفرات وقف موقفه الجسور الناقد ليزيد، لأنه عير الأزد وبكرا في ولايته الثانية بخيرات المهالبة وأفضالهم عليهم، لسكونهم عن قيام وكيع بن أبي سود التميمي بالحكم بعد مقتل قتيبة بن مسلم، وعدم احتجاجهم عليه، ولأنه تحزب للأزد تحزبا بينا، وأطرح بكرا، وقرب أهل الشام وخراسان٥. وحين أعمر أسد بن عبد الله القسري مدينة بلخ، وأسكن بها الجنود العرب الذين كانوا ينزلون من قبل بالبروقان، مدحه أبو البريد البكري لبنيانه إياها، وتأمينه الجنود بها، مما نفى عنهم الخوف والفزع، وأدخل في قلوبهم الطمأنينة والسكينة، بعد أن كانوا ظاهرين للعدو بالبروقان، ورجا أن تكون له دار عز ومنعة وبركة، ومضى يشيد بسياسته العادلة لرعايته الجنود ومحافظته على أرواحهم، وعنايته بشؤون الناس، وتلبية حاجاتهم، فنال بذلك رضوان ربه. يقول٦: إن المباركة التي أحصنتها ... عصم الذليل بها وقر الخائف

стр. 159

فأراك فيها ما أرى من صالح ... فتحا وأبواب السماء رواعف١ فمضى لك الاسم الذي يرضى به ... عنك البصير بما نويت اللاطف يا خير ملك ساس أمر رعية ... إني على صدق اليمين لحالف الله آمنها بصنعك بعدما ... كانت قلوب خوفهن رواجف٢ ومع ما سدده شعراء اليمن وربيعة إلى الجنيد بن عبد الرحمن المري من سهام الهجاء الجارحة، وما صبوه عليه من اللعنات لأنه ورط الجيش العربي في فاتحة معركة الشعب، ثم هزم خاقان في خاتمتها، فإننا نرى بعض شعراء عبد القيس يمدحونه مستشعرين فيما يبدو دقة الظرف الذي ناهض فيه الترك وصعوبته، ومقدرين أنه لم يزحف إلى سمرقند بمحض إرادته بل سار إليها مرغما، وجر إليها جرا، ليحرر العرب المحاصرين بها، وممن مدحوه منهم أبو الجويرية عيسى بن عصمة العبدي، وهو ينوه في مقطوعة حبرها فيه بأصالة محتده، وشرف أسرته، وما عرف به بنو مرة على طول التاريخ من صفح عند المقدرة، وغناء في الشدة، واستشهاد في ميادين القتال، وبذل للأموال. يقول٣: بيت بناه سنان ثم شيده ... بحيث طنب في أثنائه الكرم الصافحون بأحلام إذا قدروا ... والضاربون إذا ما اعصوصب القتم٤ القتل ميتتهم والجود عادتهم ... والحلم والعزم من أخلاقهم شيم ومن الشخصيات الممدحة نصر بن سيار. فهذا ثابت قطنة يطوقه مدحة كفاء عطفه عليه، ذلك أن المجشر بن مزاحم السلمي، أمير حرب سمرقند لأشرس بن

стр. 160

عبد الله السلمي، حبس ثانيا، لأنه ساند الأعاجم عندما ثاروا منادين بإسقاط الجزية عنهم بعد إسلامهم، ولم يزل في السجن حتى قدم نصر واليا على المجشر بسمرقند، فألطفه وأحسن إليه. ثم حمله إلى أشرس بمرو الشاهجان، فجدد حبسه بها. وهو يقرر في مدحته له أنه كان دائما يثق به، ويرجو الخير منه، ويبجل موهبته الإدارية الفذة، وخبرته العسكرية الواسعة، مما أتاح له أن يعود من كل غزوة غانما. ويعترف بأنه أغاثه حين تخلت عشيرته عن نصرته، وتنكر له أقرب رفاقه. بل تربصوا به الدوائر، معلنا أنه لم يسيء ولم يجرم ولم يخرج على السلطان لتضامنه مع الأعاجم المطالبين بحقوقهم المشروعة، حتى يزج به في ظلمات الحبس. يقول١: إذ كان ظني بنصر صادقا أبدا ... فيما أدبر من نقضي وإمراري٢ لا يصرف الجند حتى يستفيء بهم ... نهبا عظيما ويحوي ملك جبار وتعثر الخيل في الأقياد آونة ... تحوي النهاب إلى طلاب أوتار حتى يروها دوين السرح بارقة ... فيها لواء كظل الأجدل الضاري٣ لا يمنع الثغر إلا ذو محافظة ... من الخضارم سباق بأوتار٤ إني وإن كنت من جذم الذي نضرت ... منه الفروع وزندي الثاقب الواري٥ لذاكر منك أمرا قد سبقت به ... من كان قبلك يا نصر بن سيار ناضلت عني نضال الحر إذ قصرت ... دوني العشيرة واستبطأت أنصاري وصار كل صديق كنت آمله ... ألبا علي ورث الحبل من جاري

стр. 161

وما تلبست بالأمر الذي وقعوا ... به علي ولا دنست أطماري١ ولا عصيت إماما كان طاعته ... حقا علي ولا قارفت من عار ومع إقراره بفضل نصر عليه، وتعريضه بالمجشر لأنه أساء إليه فإن استعلاءه نفسه لم يغب عن خاطره، لأن عقدة الشخصية الكاملة ينميها شعوره بالأصل الأزدي الكريم، والعز اليمني القديم، تملكت على فكره وتحكمت بخياله ولذلك فإنها لم تكن تقفز إلى خلده وهو يشيد بالمهالبة، ويفاخر بهم، بل كانت تقفز إليه وهو يمدح أنصار المضريين، ويعترف بجميلهم عليه، كأنما لم يكن يريد أن يطأطئ رأسه لهم، ولا أن يكون أقل منهم، حتى وهو يشكر لهم ما قدموا إليه من خير، وما أسبغوا عليه من عطف. وهذا خالد بن المعارك العبدي المعروف بابن عرس يقلد نصرا مدحة أخرى، إجلالا له، وتقديره لبلائه، فقد ناضل خاقان وجيشه عن الجنيد بن عبد الرحمن المري نضالا شديدا حتى وزعهم عنه، وكفهم عن سائر الجنود العرب الذين كانوا معه، ونجاهم من الدمار، فاستحق لهذا الموقف العظيم أن يلقب "بفتى نزار كلها" أو كما يقول٢: يا نصر أنت فتى نزار كلها ... فلك المآثر والفعال الأرفع٣ فرجت عن كل القبائل كربة ... بالشعب حين تخاضعوا وتضعضعوا يوم الجنيد إذ القنا متشاجر ... والنحر دام والخوافق تلمع٤ ما زلت ترميهم بنفس حرة ... حتى تفرج جمعهم وتصدعوا فالناس كل بعدها عتقاؤكم ... ولك المكارم والمعالي أجمع

стр. 162

وهذا أبو نميلة صالح بن الأبار، مولى بني عبس يمدح نصرا بعد أن عين واليا على خراسان، وكان أبو نميلة خرج مع يحيى بن يزيد العلوي، ولم يزل معه حتى قتل بالجوزجان، فوجد عليه نصر لذلك. فأتى عبيد الله بن بسام صاحب نصر، فأنشد بين يديه هذه القصيدة مصورا فرقه وقلقه حتى استشفع له ابن بسام عنده، ومنوها بخصال نصر الحميدة من شهامة، وصرامة، وصلابة، ووقارة، ورزانة، يقول١: قد كنت في همة حيران مكتبئا ... حتى كفاني عبيد الله تهمامي نايدته فسما للمجد مبتهجا ... كغرة البدر جلى وجه إظلامي فاسم برأي أبي ليث وصولته ... إن كنت يوم حفاظ بامرئ سامي تظفر يداك بمن تمت مروءته ... واختصه ربه منه بإكرام ماضي العزائم ليثي مضاربه ... على الكريهة يوم الروع مقدام لا هذر ساحة النادي ولا مذل ... فيه ولا مسكت إسكات أفحام٢ له من الحلم ثوباه ومجلسه ... إذا المجالس شانت أهل أحلام وحينما استولى الأزد وأهل اليمن على مرو الشاهجان، وطردوا نصرا عنها، واشتطوا في تعذيب المضريين وتقتيلهم واغتصاب أموالهم، امتدح أبو بكر بن إبراهيم عليا، وعثمان، ابني جديع الكرماني، بقصيدة طويلة، أثنى فيها عليهما، لأنهما اقتديا بأبيهما، وحاولا بلوغ شأوه، ووصفهما بالكرم والسماحة والتقى والورع والكمال والبأس، مما سهل لهما قهر نصر، وقتل الحارث بن سريج، يقول٣: إني لمرتحل أريد بمدحتي ... أخوين فوق ذرى الأنام ذراهما سبقا الجياد فلم يزالا بخعة ... لا يعدم الضيف الغريب قراهما يستعليان ويجريان إلى العلا ... ويعيش في كنفيهما حياهما

стр. 163

أعني عليا إنه ووزيره ... عثمان ليس يذل من والاهما جريا لكيما يلحقا بأبيهما ... جري الجياد من البعيد مداهما فلئن هما لحقا به لمنصب ... يستعليان ويلحقان أباهما١ ولئن أبر عليهما فلطالما ... جريا فبذهما وبذ سواهما فلأمدحنهما بما قد عاينت ... عيني وإن لم أحص كل نداهما فهما التقيان المشار إليهما ... الحاملان الكاملان كلاها وهما أزالا عن عريكة ملكه ... نصرا ولاقى الذل من عاداهما نفيا ابن أقطع بعد قتل حماته ... وتقسمت أسلابه خيلاهما والحارث بن سريج إذ قصدوا له ... حتى تعاور رأسه سيفاهما أخذا بعفو أبيهما في قدرة ... إذ عز قومهما ومن والاهما ومزاوجة الشعراء في هذا النماذج من المدائح بين معاني المديح الموروثة والمستحدثة واضحة، وإن غلبت عنايتهم بالصفات الجاهلية على عنايتهم بالصفات الإسلامية في مدحه دون أخرى. فمثلا تطغى المعاني التقليدية في مدحتي كعب الأشقري، وحاجب بن ذبيان المازني ليزيد بن المهلب، ومدحة أبي الجويرية للجنيد، ومدحتي ابن عرس وأبي نميلة لنصر بن سيار. فقد اهتم هؤلاء الشعراء بإبراز شدة احتمال ممدوحيهم في النزال والطعان، ومروءتهم وكرمهم في قرى الضيفان، وأنسابهم التي تميزوا بها عن الأقران، وتظهر المعاني التجديدية في مدحتي الفرات الشني لقتيبة بن مسلم ويزيد بن المهلب، ومدحة عبد الملك بن سلام السلولي لابن المهلب، ومدحة أبي البريد لأسد القسري، ومدحة ثابت قطنة لنصر بن سيار، إذ كشفوا فيها عن مواساة هؤلاء العمال للفقراء، وبرهم بالضعفاء، وعن اشتغالهم بأمر الناس والجنود، وعملهم من أجل توفير الضرورات لهم، وحمياتهم من خطر العدو، وعن سهرهم على حراسة الثغور، وذبهم عن المسلمين، وجهادهم لتحقي هذه الغايات جهادا

стр. 164

صادقا، لم يكونوا يبتغون منه عرض الدنيا، بل كانوا يرجون به رضا الله وثواب الآخرة. ولا بد من التنبيه على أن شعراء الأزد وربيعة تعصبوا في مدائحهم للولاة وكبار الرجال اليمنيين، سواء في تضخيمهم لفروسيتهم، وتهويلهم لمنجزاتهم. كما يستخلص ذلك من مدحة كعب الأشقري ليزيد بن المهلب، أو في قيامهم بالترويج لهم، والدعاية الحزبية لسياستهم، كما يستنتج ذلك من مدحة أبي البريد البكري لأسد القسري، إذ وصفه فيها بأنه "خير ملك ساس أمر رعية"، مع أنه كان منحازا للأزد انحيازا استطار شره في آخر ولايته حتى إن أبا البريد نفسه، لم يستسغه ولم يطق الصبر عليه، فشكا منه، وندد به١، أو في إعرابهم عن سرورهم لظفرهم بالمضريين، كما يبدو ذلك في مدحة أبي بكر بن إبراهيم لابني الكرماني. ولم يمدح شعراء الأزد الولاة القيسيين وأشياعهم، إلا ثابت قطنة، فإنه أشاد بنصر بن سيار، لأنه أسعفه في الشدة، إشادة رد بها بعض معروفه إليه، وطاوله فيها مطاولة واضحة صريحة. ونوه شعراء ربيعة بالولاة القيسيين وأتباعهم، إما استفزازا للولاة الأزديين لأنهم تحزبوا للأزد، وأغفلوا حلفاءها من بكر، كما يستظهر ذلك من مدحتي الفرات الشني لقتيبة بن مسلم، وإما لمنافقتهم واسترضائهم، حتى يغفروا لهم ميلهم للولاة اليمنيين كما يستشف ذلك من مدحة أبي البريد البكري لنصر بن سيار، فقد مدح أسدا القسري قبله. ولم يثن شعراء مضر على الولاة والقيسيين وحدهم، بل أثنوا عليهم، وعلى الولاة الأزديين، على نحو ما يتضح في مدحتي عبد الملك بن سلام السلولي، وحاجب بن ذبيان المازني ليزيد بن المهلب، مما يدل على نقاء نفوسهم، وخلوها من الأحقاد والضغائن.

стр. 165

ب- الهجاء: وأما الهجاء فتعددت أنواعه، لاختلاف أسبابه وغاياته. فنوع منه سلطه الشعراء على العمال المترددين المتاونين الذين كانوا ينتوون الغزو، ويتجهزون له، ويشرعون فيه، ثم يعودون مدحورين منه. وكأنما كان الشعراء بالمرصاد لهؤلاء الولاة الخائبين، يراقبون خططهم العسكرية، ونتائج معاركهم، فإذا نجحوا فيها احترموهم، وقدروا ما حققوه من مكسب حربي، ومغنم مادي، وإذا فشلوا فيها صبوا عليهم جام غضبهم، وسلقوهم بألسنة حداد، معيرين لهم، ومشهرين بهم. والأغلب أن الشعراء لم يبتغوا من هذا النوع من الهجاء الحط من قيمة مهجويهم فحسب، وإنما كانوا يبتغون منه أيضا إلهاب عزائمهم واستثارة عواطفهم، ليتلافوا أسباب ضعفهم وتقصيرهم، ويضاعفوا استعدادهم وجدهم، ويحتاطوا لكل طارئ، من أجل أن ينتصروا في المعارك اللاحقة، وليكون هجاؤهم لهم عبرة ونكالا للولاة والقادة في المستقبل. وسبق أن أنشدنا أبياتا لمالك بن الريب التميمي هجا فيها سعيد بن عثمان بن عفان، عندما هادن الصغد، وجنح إلى مفاوضتهم، دون أن يجدد مهاجمته لهم، أو يشدد حصاره لمدينتهم١. وأنشدنا مقطوعة ثانية للشاعر الهجري هجا فيها سعيد بن عبد العزيز حينما قطع النهر، وقد تجمع الترك باشتيخن من قرى سمرقند، فحاربهم وانتصر عليهم، ثم كف عن محاربتهم خوفا وجبنا، فصالوا عليه وهزموه وأكثروا القتل في أصحابه٢. ونضيف إلى هذين الشاهدين مقطوعتين أخريين في هجاء أمية بن عبد الله، الذي لم يفلح في غزو ما وراء النهر فلاحا كبيرا، لعجزه وتخاذله من ناحية، ولاشتغاله بإخماد فتن بكير بن وشاح التميمي من ناحية أخرى. ففي سنة سبع وسبعين تهيأ للإغارة على بخارى، وعلى موسى بن عبد الله بن خازم بالترمذ، واجتاز النهر، فبلغته أخبار ثورة ابن وشاح عليه بمرو الشاهجان، وخلع الناس له، فقفل إلى مرو

стр. 166

الشاهاجان، وأهدر دم ابن وشاح، ثم أعدمه، وهدد عقاب اللقوة الغداني التميمي١، لأنه حرض وشاح على الثورة. فهجاه اللقوة بهذه المقطوعة هجاء فاحشا عرض فيه به لانهزامه أمام أبي فديك الخارجي بالبحرين قبل أن يلي خراسان، وتخاذله في مجابهة الصغد ومكافحة موسى بن عبد الله بن خازم السلمي، وتنمره على العرب، وتحكمه في رقابهم، وحذره من مغبة إسرافه في تهديده له، واستخفافه به، معلنا أنه إذا استمر فيهما فإنه سيقود إليه جيشا ضخما يودي به. يقول٢: إن الحواضين تلقاها مجففة ... غلب الرقاب على المنسوبة النجب٣ تركت أمرك من جبن ومن خور ... وجئتنا حمقا يا ألأم العرب٤ لما رأيت جبال الصغد معرضة ... وليت موسى ونوحا عكوة الذنب٥ وجئت ذيخا مغذا ما تكلمنا ... وطرت من سعف البحرين كالخرب٦ أوعد وعيدك إني سوف تعرفني ... تحت الخوافق دون العارض اللجب٧ يخب بي مشرف عار نواهقه ... يغشى الكتيبة بين العدو والحبب٨ وفي السنة نفسها عبر أمية النهر للغزو، فحوصر حتى جهد، وأشرف جنوده على

стр. 167

الهلاك، فانصرف إلى مرو الشاهجان، فقال عبد الرحمن بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة يهجوه بهذه المقطوعة هجاء وخزه به وخزا لأنه استهان به فيه، وحقره، حتى إنه لم يجد فائدة في مراجعته أو لومه١: ألا بلغ أمية أن سيجزى ... ثواب الشر إن له ثوابا ومن ينظر عتابك أو يرده ... فلست بناظر منك العتابا محا المعروف منك خلال سوء ... منحت صنيعها بابا فبابا ومن سماك إذ قسم الأسامي ... أمية إذ ولدت فقد أصابا ونوع ثان من الهجاء كانت بواعثه وأهدافه شخصية، كأن يتعقب الوالي المنحرف من الشعراء ويحده، أو أن يقطع لأحدهم عهدا على نفسه ثم ينقضه ويغدر به، فحينئذ كان الشاعر ينقض على الوالي انقضاضا يقطعه به تقطيعا، إذ كان يسلبه كل فضيلة يتغنى بها العربي، وينسب إليه كل رذيلة ينفر منها السيد الأبي، انتقاما لنفسه منه. ومثال ذلك أن أبا السفاح عمرو بن قرثع التغلبي٢، راود امرأة لأمية بن عبد الله عن نفسها، فجلده أمية، فهجاه أبو السفاح هجاء وصمه فيه بالعبودية والخسة والشح إذ يقول له٣: قريش كرام يا أمية سادة ... وأنت بخيل يا أمي مسود تجود لمن تخشى شذاة لسانه ... وغيرك يعطي راغبا ويجود٤ إذا راغب يوما أتاك منعته ... وإن خفته بالجود منك عتيد٥ وأنت إذا حرب تسامت فحولها ... حيود هيوب للقاء ندود فغضب أمية عليه وطارده، فاستخفى أبو السفاح منه، ولم يزل متواريا عنه، حتى عزل وقدم المهلب بن أبي صفرة، فأمنه، فظهر، فقتله مولى لأمية، ولم يطلب

стр. 168

المهلب بدمه فكان ذلك مدعاة لهجاء عمرو بن عمرو بن قرثع المهلب وابنه يزيد، وكان هجاء خبيث اللسان، فشنع على المهالبة تشنيعا مقذعا، ومنه قوله في المهلب١: فهلا منعت من قد أجرته ... ولم يمس لحما بينهم يتمزع أأعطيته الميثاق ثم خذلته ... وكنت لئيما من خيالك تفزع فلا تذكرن فجرا فلست بأهله ... وجارك ثاو عرضه يتضعضع فلو كنت حرا يا مهلب لم تكن ... ذليلا وفي كفيك عضب موقع٢ ولكن أبى قلب أطيرت بناته ... عليك فما تخزى ولا تتقنع تجللت عارا يا مهلب فالتمس ... لنفسك عذرا والعذور مجدع غدرت أبا السفاح عمرو بن قرثع ... واسلمته لما بدا الموت يلمع ولو مت دون التغلبي حفيظة ... لقلنا كريم جاره ما يروع أرأيت إليه كيف جرد المهلب من كل صفة حميدة يعتد بها العربي الكريم؟ أرأيت إليه كيف عراه من الإباء والوفاء، وجعله عاهرا لا يتستر ولا يتحفز؟ أرأيت إليه كيف أظهر لؤمه، لتهاونه في منع جاره من الموت، وتخاذله عن المطالبة بدمه بعد أن قتل؟ وإنه مهما يعتذر عن جرمه، ومهما يحتل لتسويفه فلن يمحو ما لحقه من الخزي والعار. وحتى لو اعتذر عنه فإنه يظل صغيرا، فثمة فرق كبير بين المدافع عن حرمة جاره، الهالك من دونه، وبين المقصر عن حمايته، المعلل لتقصيره فالأول معظم مذكور، والثاني مذموم محقور. وعلى هذا النحو مضى ابن قرثع يتصرف في هجائه للمهلب وولده، ويشقق في

стр. 169

معاني هجائه لهما، ويفتن في عرضها، حتى فضحهما، إذ يقول ليزيد بن المهلب١: أنت كز اليدين منتخب القلب ... لئيم الفعال غير نضار٢ وأبوك الذي تضاف إليه ... عاجز الرأي زنده غير واري لستما فاعلما إذا القوم نادوا ... لنزال وبارزوا في الغرار٣ بصبورين حين تحتد الحر ... ب ولا سابقين في المضمار٤ ويقول له٥: جدك يرعى غنما حزتها ... فانعم ولا تشق أبا خالد ونم على فرشك مستضعفا ... لأشهدن يوما مع الشاهد وإذا كان ابن قرثع ألح في المقطوعة الأولى على تقليد الجوار، وما يتكلفه العربي الشهم من تضحية في سبيل الحفاظ على من اعتصم به، وبسط هذا التقليد بسطا، واتخذه أساسا للإزراء بالمهلب، فإنه ركز في المقطوعة الثانية على قيمة الكرم، إذ نفاها عن المهلب وولده، ودمغهما بالبخل والدناءة، والتخلف عن غايات العظماء، كما استغل في المقطوعة الثالثة فكرة المنزلة الاجتماعية، فوصف ابن المهلب بوضاعة مكانته، وجعله معنيا برعاية الأغنام، شأنه في ذلك شأن جده، مشغولا بالقيام عليها، قاعدا عن السعي إلى المعالي. وما من ريب في أن ابن قرثع عرف كيف ينفس عن حقده على المهالبة، وكيف يثأر لأبيه منهم، لأنهم لم يهبوا لحمايته، ولم يطالبوا بدمه، فقد جرحهم تجريحا، بل لقد مزقهم تمزيقا بسهام هجائه التي راشها نحوهم، ووقعت منهم في الصميم.

стр. 170

ويصح أن ندخل في الهجاء الشخصي الأهاجي التي تراشق بها الشعراء بسبب تنافسهم في الجوائز والمراكز عند الأمراء. وأشهر ما يروى من ذلك الهجاء الذي اتصل بين المغيرة بن حبناء التميمي، وزياد الأعجم مولى عبد القيس. فقد اجتمعا مع كعب الأشقري عند المهلب بن أبي صفرة، ومدحوه جميعا، فوهب زيادا غلاما فصيحا لينشد عنه شعره، لأنه كان ألكن لا يفصح، فظن المغيرة أنه فضله عليه، فراجعه، وبلغ زيادا ما كان منه فهجاه بقوله١: أرى كل قوم ينسل اللؤم عندهم ... ولؤم بني حبناء ليس بناسل٢ يشب مع المولود مثل شبابه ... ويلقاه مولودا بأيدي القوابل ويرضعه من ثدي أم لئيمة ... ويخلق من ماء امرئ غير طائل٣ تعالوا فعدوا في الزمان الذي مضى ... وكل أناس مجدهم بالأوائل لكم بفعال تعرف الناس فضله ... إذا ذكر الأملاء عند الفضائل٤ فغازيكم في الجيش ألأم من غزا ... وقافلكم في الناس ألأم قافل وما أنتم من مالك غير أنكم ... كمغرورة بالبو في ظل باطل٥ بنو مالك زهر الوجوه وأنتم ... تبين ضاحي لؤمكم في الجحافل٦ فأجابه المغيرة بقوله٧: أزياد إنك والذي أنا عبده ... ما دون آدم من أب لك يعلم

стр. 171

فالحق بأرضك يا زياد ولا ترم ... ما لا تطيق وأنت علج أعجم١ أظننت لؤمك يا زياد يسده ... قوس سترت بها قفاك واسهم علج تعصب ثم راق بقوسه ... والعلج تعرفه إذا يتعمم ألق العصابة يا زياد فإنما ... أخزاك ربي إذ غدوت ترنم واعلم بأنك لست مني ناجيا ... إلا وأنت ببظر أمك ملجم نهجو الكرام وأنت ألأم من مشى ... حسبا وأنت العلج حين تكلم ولقد سألت بني نزار كلهم ... والعالمين من الكهول فأقسموا بالله ما لك في معد كلها ... حسب وإنك يا زياد مؤذم٢ لقد حاول زياد أن يعيب المغيرة من جهة نسبه وحسبه، ففتح له بابا واسعا يهجوه منه، إذ كان زياد أعجميا مولى لعبد القيس، وكان المغيرة عربيا تميميا، وابن عبد القيس من تميم شرفا وعظمة! ولم يزل المغيرة يأتيه من هذا الباب معرضا بعجميته، وأنه لا يمكن أن يبلغ مبلغ العرب الأصلاء الصرحاء، مهما تعرب، وكيفما اصطنع التعرب، وكيفما شد العمامة على رأسه، ومهما يحمل من الأقواس والسهام، لأن لسانه يفضحه ويدل على أصله، حتى لم يبق فيه بقية من كرامة أو عزة، وحتى أذل مواليه من عبد القيس، لأنهم شجعوه على هجائه، فرضخوا له، وتبرأوا إليه منه، على أن يكف عن هجائهم٣. واحتدمت منافرة ثانية بين ثابت قطنة الأزدي، وحاجب بن ذبيان التميمي، في مجلس يزيد بن المهلب، لتسابقهما إلى الصلات السنية والمكانة الأدبية. ذلك أن حاجبا وفد على يزيد فمدحه، فأمر له بدرع وسيف ورمح وفرس٤، فاستاء

стр. 172

ثابت، ثم إنه مدح يزيد مرة أخرى، وسأله، فلبى له ما طلبه١، فحسده ثابت، وهجاه بقوله٢: أحاجب لولا أن أصلك زيف ... وأنكم مطبوع على اللؤم والكفر وإني لو اكثرت فيك مقصر ... رميتك رميا لا يبيد يد الدهر فقل لي ولا تكذب فإني عالم ... بمثلك هل في مازن لك من ظهر فإنك منهم غير شك ولم يكن ... أبوك من الغر الجحاجحة الزهر٣ أبوك ديافي وأمك حرة ... ولكنها لا شك وافية البظر٤ فلست بهاج وابن ذبيان إنني ... سأكرم نفسي عن سباب ذوي الهجر٥ فهو يقذفه بسقوط النسب، وخبث الطبع، وفساد الدين، ويعبث به عبثا ظاهرا في سائر هجائه له، فهو يوثق نسبه في مازن، ولكنه ينفي أن يكون أبوه من سادتها النابهين المقدمين، أو أن يكون له فيها سند قوي، ويستمر في العبث به، زاعما أن أباه نبطي، وأن أمه عربية، غير أنه ينكر عليها أن تكون مسلمة، لأنها لم تختتن. فهاج حاجب، ولم يقنع بهجاء ثابت والأزد وحدهم، بل عمم بهجائه أهل اليمن جميعهم، راميا لهم بالضعف والخمول، ومفضلا عليهم الزنج نسبا ومكانة، وواصفا إياهم بالصغار، وأنهم يهتضمون القهر، ويستنيمون للهوان، ولا يطيرون لنجدة جيرانهم، بل يتركونهم للغزاة، وأفحش في هجائه لهم، إذا اختتمه باتهام نسائهم بأنهن رغيات يأتيهن كل من أرادهن، يقول٦:

стр. 173

دعوني وقحطانا وقولوا لثابت ... تنح ولا تقرب مصاولة البزل١ فللزنج خير حين تنسب والدا ... من ابناء قحطان العفاشلة الغرل٢ أناس إذا الهيجاء شبت رأيتهم ... أذل على وطء الهوان من النعل نساؤهم فوضى لمن كان عاهرا ... وجيرانهم نهب الفوارس والرجل ولم يزل بثابت يهجوه كلما أخطأ أو أساء حتى لطخه بكثير من النقائص، وحد من غلوائه وكبريائه. ونوع ثالث من الهجاء دوافعه أو مقاصده قبلية أو حزبية، فهو يعود من ناحية إلى تناقض مصالح الحلف الواحد، وتفسخ قبائله، وتصارعها وتعازلها وانطواء كل قبيلة منها على نفسها. ومن الشواهد على ذلك الهجاء الذي تقاذف به كعب الأشقري، وزياد الأعجم بسبب شر وقع بين الأزد وعبد القيس، وحرب سكنها المهلب، وأصلح بينهم، وتحمل ما أحدثه كل فريق على الآخر، وأدى دياته٣. ومنه قول كعب يهجو عبد القيس بالخمول، ويتنصل من انتسابه إليها عن طريق أمه٤: إني وإن كنت فرع الأزد قد علموا ... أخزى إذا قيل عبد القيس أخوالي فهم أبو مالك بالمجد شرفني ... ودنس العبد عبد القيس سربالي وقوله يسمها بضعة منزلتها، وضعفها، وأنها لا تثور للدفاع عن محارمها وأعراضها، ولا تغني في المحن٥: لعل عبيد القيس تحسب أنها ... كتغلب في يوم الحفيظة أو بكر٦ يضعضع عبد القيس في الناس منصب ... دني وأحساب جبرن على كسر

стр. 174

إذا شاعر أمر الناس وانشقت العصا ... فإن لكيزا لا تريش ولا تبري١ ففند زياد أقواله، وألصق بالأزد كل العيوب التي ألصقها بعبد القيس، وغلا في تحقيره لهم، إذ ادعى أنه لا يعلم بوجودهم على وجه الأرض، وأنهم إن وجدوا، فهم قليلون منسيون لا يزيدون ولا يتكاثفون، بل يبقون ثابتين على قلتهم وضياعهم، وهم أيضا ليس لهم نسب يذكر، ولا أثر يعرف، ولا خير يعجب، بل لقد جعلهم لا يساوون نعلا من نعال عبيد عبد القيس. يقول٢: نبئت أشقر تهجونا فقلت لهم ... ما كنت أحسبهم كانوا ولا خلقوا لا يكثرون وإن طالت حياتهم ... ولو يبول عليهم ثعلب غرقوا قوم من الحسب الأدنى بمنزلة ... كالفقع بالقاع لا أصل ولا ورق٣ إن الأشاقر قد أضحوا بمنزلة ... لو يرهنون ببغلي عبدنا غلقوا٤ وعلى الرغم من أن زيادا ليس عربيا أصلا، وإنما هو مولى، فكانت أعجميته موطن ضعفه الذي وجه إليه المغيرة بن حبناء التميمي هجاءه، فأصابه في مقتله، وخفف من سلاطته وغطرسته، حين اختلفا وتهاجيا، كما قدمنا، فإن زيادا هو الذي استفاد في هجائه لكعب من فكرة العروبة والأصالة، إذ راح يعيب الأزد بأنهم موال، وأنهم أعجام، أسلموا، واستعربوا، واستلحقوا ببعض القبائل العربية ليعرفوا وينبه ذكرهم، يقول٥: هل تسمع الأزد ما يقال لها ... في ساحة الدار أم بها صمم إختتن القوم بعدما هرموا ... واستعربوا ضلة وهم عجم٦

стр. 175

واستمر يستعلي على كعب بعراقة عبد القيس، ومفاخرها الصادقة الذائعة بين الناس، يقول١: لئن نصبت لي الروقين معترضا ... لأرمينك رميا غير ترفيع٢ إن المآثر والأحساب أورثني ... منها المجاجيع ذكرا غير موضوع٣ والمهم أن كلا منهما كان يؤمن بأنه يناضل عن نفسه وقومه، فحين شكا كعب زيادا إلى المهلب، فدعاه وعاتبه. قال له٤: "اسمع ما قال في وفي قومي، فإن كنت ظلمته فانتصر، وإلا فالحجة عليه، ولا حجة على امرئ انتصر لنفسه وحسبه وعشيرته! ". وهو يعود من ناحية أخرى إلى محافظة كل قبيلة من قبائل الحلف الواحد في أوقات السلم على كيانها، وشعورها بأنه ينبغي أن يكون لها احترامها ووزنها، وأن لا تتحكم القبيلة معها في سياستها، ولا تزور عنها، ولا يعيرها رجالها بما حققوا من المكاسب لها. وانصع مثال على ذلك، هذه المقطوعة لنهار بن توسعة البكري في هجاء يزيد بن المهلب٥: لقد صبرت للذل أعواد منبر ... تقوم عليها في يديك قضيب رأيتك لما شبت أدركك الذي ... يصيب رجال الأزد حين تشيب بخفة أحلام وقلة نائل ... وفيك لمن عاب المزون معيب فقد فهم نهار أن ابن المهلب تطاول على بكر، ومن عليها، ووقف منها موقف المراقب والمحاسب. لأنها بايعت -كما بايع الأزد- وكيع بن أبي سود التميمي، بعد اغتيال قتيبة بن مسلم. فتصدى له وسخر منه سخرية موجعة، ذاهبا إلى أنه تنفخ

стр. 176

وادعى الفضل لأنه شاخ، فإن من تقدمت به السن من الأزد يفسد عقله، ويخلط تفكيره، ولذلك فإن الناس لا يحملون ما يهذي به محمل الحد، بل يصفحون عنه، ويشفقون بسببه عليه. وهو يعود من ناحية ثالثة إلى اعتقاد أفراد كل قبيلة أو حلف بوجوب تحزب الوالي لهم، وخصه إياهم بالمناصب، لأنه ينتسب إليهم، ولأن فترة حكمه هي الفرصة المتاحة لهم، لتعويض ما فقدوه من المراكز والمنافع في الفترات الماضية. وأسطع شاهد على ذلك هذه المقطوعة لثابت قطنة في هجاء أسد القسري١: أرى كل قوم يعرفون أباهم ... وأبو بجيلة بينهم يتذبذب إني وجدت أبي أباك فلا تكن ... ألبا علي مع العدو تجلب٢ أرمي بسهمي من رماك بسهمه ... وعدو من عاديت غير مكذب أسد بن عبد الله جلل عفوه ... أهل الذنوب فكيف من لم يذنب أجعلتني للبرجمي حقيبة ... والبرجمي هو اللئيم المحقب٣ عبد إذا استبق الكرام رأيته ... يأتي سكيتا خاملا في الموكب٤ إني أعوذ بقبر كرز أن أرى ... تبعا لعبد من تميم محقب ذلك أن أسدا قلد ثابتا ولاية سمرقند في إمارته الأولى، ثم أعفاه منها وولاها عيسى بن شداد البرجمي التميمي، وجعله المسؤول الأول عنها، وثابتا الرجل الثاني بعده. فثار لنقص أسد درجته، لأنهما يتحدران من أصل واحد، ما يقضي أن يثبته ويرفعه لا أن يخفض منزلته. وهذه المقطوعة لأبي الأنواح مطرف الهجيمي٥، في هجاء نصر بن سيار٦:

стр. 177

ألا أبلغ أبا ليث رسولا ... علانية وليس من السرار أإن أدنيت أو أعطيت قصرا ... ووافقت المعيشة في قرار ظللت علي من أشر تنزى ... ستعلم في الكريهة من تجاري١ فذر أهل الحروب فلست منهم ... وراجع صفق كفك في التجار٢ فتلك تجارة إن قلت فيها ... صدقت حديثها ليست بعار وإنما ذم أبو الأنواح نصرا بأنه حديث النعمة، طارئ على الرئاسة، هيوب في القتال، بارع في التجارة، لأنه أهمله، ولم يبوئه المنصب الذي كان يستحقه أو الذي كان يطمع فيه، ولأنه كان رأس بني تميم في أيامه بخراسان، كما أنه كان ينتظر منه أن يقربه أو يحابيه، لأنه من كتلة بني تميم وأعوانهم. وظاهر أن أسلوب الهجاء عند العرب بخراسان لم يختلف عن أسلوب شعراء العراق، فكلهم اتكأوا في جانب كبير من أهاجيهم على المثالب التي اتكأ عليها الشعراء الهجاؤون في الجاهلية، إذ عابوا مهجويهم بوضاعة النسب، ودناءة الحسب، وبالبخل وشدته، وبالإحجام وقلة البلاء في الحروب، وبالجهل وخفة العقول، وبالغدر والتحلل من المواثيق، وإن كان بعض شعراء خراسان قد طعنوا في إسلام بعض مهجويهم، واتهموهم بضعف العقيدة، كما مر بنا عند مالك بن الريب التميمي في هجائه لسعيد بن عثمان، شأنهم في ذلك شأن شعراء العراق، الذين تشككوا في إسلام بعض مهجويهم، ورموهم بفساد الدين. ويحسن أن نشير إلى أن شعراء الحلفين المتعارضين لم يشتبكوا في معارك هجائية لأسباب قبلية أو حزبية، بل لأسباب شخصية وفنية، نشأت عن تسابقهم إلى المكانة الأدبية، كما رأينا في الخصومة التي احتدمت بين زياد الأعجم، والمغيرة بن حبناء التميمي وفي الخصومة التي ثارت بين ثابت قطنة الأزدي، وحاجب بن ذبيان التميمي. ولكن شعراء الحلف الواحد، وخاصة شعراء الأزد، وبكر وعبد

стр. 178

القيس هم الذين شجر الخلاف بينهم، واختصموا، وبالغ بعضهم في هجاء بعض، وفي هجاء زعمائهم، لأن قبائل هذا الحلف، وإن اتحدت لاشتراكها في الهدف السياسي، وهو منافسة قيس وتميم، فإنها كانت متباغضة متحاسدة، وكانت كل قبيلة منها تحس ذاتها، وتقدم مصلحتها على مصلحة غيرها، وفي اصطدام كعب الأشقري بزياد الأعجم، وفي هجاء نهار بن توسعة البكري ليزيد بن المهلب، وهجاء ثابت قطنة لأسد القسري ما يفصح عن تنافرها وتناحرها. أما شعراء قيس وتميم فلم يشتبكوا في معارك هجائية، ولم يهاجموا أمراءهم إلا نادرا، كما يتضح في سخط أبي الأنواح الهجيمي على نصر بن سيار، لأنه جفاه، ثم إنهم هم الذين انتقدوا الولاة المترددين الخائبين في الحروب، لاستنهاض هممهم وتحميسهم، حتى يفوزوا في الغزوات التالية، على نحو ما استظهرنا ذلك من هجاء مالك بن الريب التميمي لسعيد بن عثمان بن عفان، ومن هجاء عقاب اللقوة التميمي، وعبد الرحمن بن خالد القرشي لأمية بن عبد الله الأموي. جـ- الفخر: وأما الفخر فتطور به الشعراء بخراسان تطورا فرقه عما كان عليه في الجاهلية، فهم لم يتمجدوا فيه بأنسابهم وقبائلهم ومآثرهم، ولا بمنعتها وعزتها ولا بأخذها الثأر لأبنائها، ولا بنجدتها للمستصرخين، ولا بحمايتها للمستجيرين، ولا بإطعامها للمحتاجين، وإنما تمجدوا فيه بمواقف قبائلهم من الأحداث العظام التي كانت تؤثر في حاضر الأمة، وتقرر مصيرها، فقد تغنوا فيه بنضالها في سبيل العرب والمسلمين، وبإخلاصها للجماعة والخليفة، وإن سقطت إلى قصائدهم بعض عناصر الفخر الجاهلية، فإنها تكون قليلة ضيئلة، كما أن الشاعر الذي كان يبدأ بالمكاثرة بنسبه وماضي قومه، هو الذي كان يقود خصمه إلى مفاخرته بأصوله، وأحساب قبيلته. ولا مفر من التنويه بأن شعراء القيسية والمضرية لهم أكثر القصائد الفخرية، وأنهم هم الذين أعطوا القصيدة الفخرية العربية بخراسان مضمونها الجديد، وهو

стр. 179

مضمون يعود إلى إحساس شعراء هذه القبائل بأنهم لا يعيشون وحدهم، ولا لقبائلهم، ولا للدفاع عن حماها وذمارها، بل لأنفسهم ولغيرهم، وللحفاظ على حقيقتهم، وحقيقة القبائل الأخرى، وإن اختلفت معهم وزاحمتهم. ثم إن القبائل العربية بخراسان، وإن ظلت منظمة تنظيما قبليا، وبقيت كل قبيلة منها متمسكة بكيانها، فإن وظيفة هذا التنظيم القبلي كانت في جوهرها وظيفة عسكرية فكل قبيلة كانت أشبه بلواء عسكري تصارع مع سواها من ألوية القبائل جيش الترك في حروب مستمرة طاحنة، كانت تلتهم كل متراجع ومحجم. وهي حروب لم يكن النسب أو الحسب يقدم فيها للإنسان شيئا، وإنما الذي كان يغني عنه حقا قتاله واستبساله وصموده في المآزق، وتفانيه مع أفراد قبيلته، وتعاونه مع سائر أفراد الألوية الأخرى. ومن أجل ذلك صفت هذه الحروب الدائمة الضارية نفوس شعراء المضرية ونفوس جنودها من رواسب الفخر الجاهلية، وفتحت أمامهم آفاقا جديدة للفخر، هي آفاق الاعتداد بمصارعة الأعداء، والثبات في ميدان التضحية والفداء، وآفاق التمجد بما يحرزه الجندي وأفراد لوائه من نصر عزيز للجماعة. وحتى إن افتخر الشاعر الفارس من القيسية وسائر المضرية بشخصيته، لتنافسه مع غيره من كبار الشخصيات في المجد والسعي إلى السلطة، فإنه كان يفتخر بجهاده من أجل الأمة، وحرصه على تجنيبها الأخطار والدمار، وإن تمدح بقبيلته لتسابقها مع سواها من القبائل إلى الإمارة، فإنه كان يتمدح بدفاع فرسانها عن وجود العرب وما اضطلعوا به من أعمال ماجدة، وما حققوه من فتوحات خالدة نفعت جميع العرب، ورفعت من مكانتهم. ومهما تضق دائرة الفخر، وتبد فيها بعض مظاهر الفردية والعصبية، فإنها لا تتحول عند شعراء المضرية كافة إلى صورة ثانية عن الفخر الجاهلي، وإنما تصبح من قبيل الرد المشروع على تبجح شاعر مغرور موتور من الأزد، استحكمت في نفسه الكراهية لهم، وتمكنت منها الأطماع، فانزلق إلى التنفخ القبلي، وجاوزه إلى الوعيد والتهديد.

стр. 180

ومن أدق القصائد تمثيلا لصورة الفخر الجديدة، هذه القصيدة للأصم بن الحجاج الباهلي، وهي تتوالى على هذا النمط١: ألم يأن للأحياء أن يعرفوا لنا ... بلى نحن أولى الناس بالمجد والفخر نقود تميما والموالي ومذحجا ... وأزد وعبد القيس والحي من بكر نقتل من شئنا بعزة ملكنا ... ونجبر من شئنا على الخسف والقهر سليمان كم من عسكر حوت لكم ... أسنتنا والمقربات بنا تجري٢ وكمن من حصون قد أبحنا منيعة ... ومن بلد سهل ومن جبل وعر ومن بلدة لم يغزها الناس قبلنا ... غزونا نقود الخيل شهرا إلى شهر مرن على الغزو الجرور ووقرت ... على النفر حتى ما تهال من النفر٣ وحتى لو ان النار شبت وأكرهت ... على النار خاضت في الوغى لهب الجمر تلاعب أطراف الأسنة والقنا ... بلباتها والموت في لجج خضر٤ بهن أبحنا أهل كل مدينة ... من الشكر حتى جاوزت مطلع الفجر ولو لم تعجلنا المنايا لجاوزت ... بنا ردم ذي القرنين ذي الصخر والقطر ولكن آجالا قضين ومدة ... تناهى إليها الطيبون بنو عمرو فمع أن الشاعر كان ممزق النفس، مفرق العواطف، موزع الفكر، لما كان يحسه من الألم والحزن الشديد، بعد مقتل قتيبة بن مسلم الباهلي غيلة بفرغانة، فإنه لم يفتخر في قصديته إلا بسياسة قتيبة الحازمة وقيادته الصارمة، فإذا كل القبائل بخراسان تذعن له، لأنه كان يقوم المعوج منها، ويعاقب المذنب فيها، وإذا هو ينجز بها ولها الانتصار. وهو يذكر سليمان بن عبد الملك بما أحرز قتيبة من الفتوحات في أثناء ولايته، فلقد جعل غايته فيها غزو ما وراء النهر فأباد الجيوش الجرارة،
следующие страницы →