[شرح ديكنقوز]
وتحريك نون نحن إنما هو للساكن وضمه إما لكونه ضميرا مرفوعا، وإما لدلالته على المجموع الذي حقه الواو "والأصل في" اطراد أمثلة لفظة "هو أن يقال هو هوا هوو" على ما هو مذهب البصريين؛ لأن الواو في هو والياء في هي من أصل الكلمة عندهم، وأما عند الكوفيين فللاشباع تقوية للاسم والضمير في هو الهاء وحدها بدليل سقوطها في التثنية والجمع والأول هو الأوجه؛ لأن حرف الاشباع لا يتحرك وأيضا حرف الإشباع لا يثبت في آخر الكلمة إلا لضرورة، وإنما حركت الواو والياء لتصير الكلمة بالفتحة مستقلة حتى يصح كونهما ضميرا منفصلا، إذ لولا الحركة لكانتا كأنهما للإشباع على ما ظن الكوفيون، ولهذا إذا أردت عدم استقلالهما أسكنت الواو والياء نحو إنهو وبهى "لكن جعل الواو ميما في الجمع" وقوله: "لاتحاد مخرجهما" وهو الشفة تعليل للقلب الخاص قدمه على تعليل مطلق القلب؛ أعني قوله: "ولكراهية اجتماع الواوين في الطرف" فإن الواو أثقل حروف العلة فيكون اجتماعهما ثقيلا مع أن اجتماع المجانسين مطلقا ثقيل وخاصة في الضمير؛ لأنه ضعيف بسبب إبهامه نظرا إلى ظاهر قوله جعل الواو ميما، وإلا فاللائق تأخيره "فصار" الجمع بعد الجعل المذكور "همو ثم حذفت الواو كما" أي كحذفها الذي "مر في ضربتمو" في أنه إنما واقع لعدم وجود اسم آخره واو ما قبلها مضموم "وحملت التثنية عليه" أي على الجمع في الجعل في الجعل المذكور، وإن لم يكن علة الجعل موجودة فيها طردا أو مشاكلة "وقيل" إمنا لم يبق الواو على حالها في التثنية "حتى" لا يقع الفتحة على الواو الضعيف وهي وإن كانت خفيفة بالنسبة إلى أختيها إلا أنها في نفسها حركة وهي ثقيلة، وإنما جعل ميما دون غيره لاتحاد مخرجهما مع أنه من حروف الزيادة وهو قوي فالأولى أن "يقع الفتحة على الميم القوي" المتحد المخرج بالواو "وأدخل الميم في أنتما" إذ الأصل أن يقال: أنت أنتا أنتو أنت أنتا أنتن بتخفيف النون "كما" أي كالإدخال الذي "مر في ضربتما" في أنه إنما وقع حتى لا يلتبس ألفه بألف الإشباع في الوقف "وحمل الجمع" للخطاب وهو أنتموا أنتمن "عليه" أي على أنتما في إدخال الميم وإن لم يوجد علة الإدخال فيه وبقي العمل فيهما كما في ضربتم وضربتن "ولا تحذف واو هو" وإن كان في آخر الاسم واو قبلها ضمة
стр. 37
[شرح ديكنقوز]
"لقلة حروفه من القدر الصالح" أي من المقدار الذي يصلح أن يكون ذلك المقدار كلمة وهو ثلاثة أحرف؛ حرف للابتداء به، وحرف للوقف عليه، وحرف للتوسط بينهما "وتحذف واو هو" جواز "إذا تعانق " هو "بشيء آخر" أي اتصل بأوله شيء آخر اتصال تعانق حتى يكون كجزء منه وعاملا فيه ويوجب كونه ضميرا متصلا من مضاف، نحو: غلامه أو حرف جر، نحو: له أو فعل، نحو: ضربه، وإنما قال: إذا تعانق ولم يقل إذا اتصل لئلا يرد عليه نحو "لهو البلاء، ولهي الحيوان" فإن اللام فيهما ليست بمعانقة معهما على ما فسرنا التعانق "لحصول كثرة الحروف بالمعانقة مع وقوع الواو في الطرف" وقبله ضمة، ولذلك لا تحذف ياء هو وإن تعانق بشيء آخر، بل تقلب ألفا كما يجيء "و" حينئذ "يبقى الهاء مضموما على حاله" قبل حذف الواو إن لم يمنع منه مانع "نحو له" وجاءني غلامه وضربه. واعلم أنهم لما أرادوا وضع المتصل الغائب في الضمير المنصوب اختصروه بفرديه من المرفوع المنفصل الغائب على ما هو مقتضى وضع المتصل فحذفوا حركة الواو والياء من هو وهي، ثم إذا اتصل بشيء فلا يخلو من أن يكون ما قبل الهاء متحركا أو ساكنا؛ فإن كان ساكنا فالجمهور على حذف الواو سواء كان الساكن حرف لين كعليه أو غيره كمنه؛ لأن الهاء حرف خفي فكأنه التقى ساكنان وابن كثير يثبت الواو والياء المنقلبة منه نحو عليهي ومنهو فكأنه نظر إلى وجود الهاء وإن كان متحركا يثبت الواو والياء المقلوبة منه نحو بهى ولهو وضربه؛ لأن الواو في حكم المعدوم بسبب إسكانه؛ لأن الحرف الذي أسكن كالميت فصار كأنه لم يوجد في آخر الاسم واو ولا يرد واو ضربتمو إذ هو ساكن من الأصل، وأما عدم ثبوتهما في الخط حينئذ فللحمل على ما سكن قبل الهاء فيه وبنو عقيل وكلاب يجوزون حذف الواو والياء حال الاختيار مع إبقاء ضمة الهاء وكسرتها نحو به وغلامه حملا له على الساكن فقوله: ويحذف إذا تعانق إلخ، إما إشارة إلى مذهب الجمهور في الساكن وإلى لغة بني لغة بني عقيل وكلاب في المتحرك أو المراد به الحذف من اللفظ في الكل والواو الثابت في المتحرك حينئذ يكون من إشباع الحركة لتحسين اللفظ بعد حذف الواو للعلة المذكورة، وأما إرادة الحذف من الخط فيأباه سياق الكلام "ويكسر الهاء" بعد حذف الواو من هو "إذا كان ما قبله" أي الهاء "مكسورا أو ياء ساكنة حتى لا يلزم الخروج من الكسرة" التحقيقية والتقديرية "إلى الضمة" التحقيقية وهو ثقيل بالوجدان "نحو" عبد "غلامه" فيما كان ما قبله مكسورا "وفيه" فيما كان قبله ياء ساكنة وعليه ولديه وأشباهها وأما ضم الهاء في "وما أنسانيه، وعليه الله" على قراءة عاصم في رواية حفص فلعله على لغة أهل الحجاز فإنهم يبقون ضمة الهاء على الأصل وإن كان ما قبلها ياء أو كسرة نحو بهو ولد يهو، وأما حذف الواو فيهما فلعله على مذهب الجمهور أو نقول لعل ضم الهاء فيهما للحمل على نحو منه "ويجعل ياء هي ألفا" فيصير هاء مع أن الأصل على ما هو مذهب البصريين أن يقال: هي هياهين ويجعل كسرة ما قبلها فتحة للألف إذا تعانق بشيء آخر نحو بها حتى لا يلتبس المؤنس بالذكر؛ لأن ضمير المذكر إذا ولي الياء أو الكسرة قلبت واوه؛ لأن الهاء حرف خفى فهو إذا حاجز غير حصين، وكأن الواو الساكنة وليت الكسرة أو الياء فقلبت ياء وكسرت الهاء لأجل الياء بعدها، فلو لم تقلب ياء هي ألفا لالتبس المؤنث بالمذكر في مثل: بهي وجعل في غيره ألفا أيضا طردا للباب نحو: لها، وإذا لم يكن ما قبل الهاء ياء أو كسرة فهو مضموم على
стр. 38
[شرح ديكنقوز]
ما كان عليه نحو له ومنه وغلامه وضربه "كما تجعل الياء" المتطرفة حقيقة أو حكما المكسور ما قبلهما ألفا للتخفيف "في يا غلامي" ويقال: "يا غلاما وفي يا بادية يا باداة" وغير الأسلوب في بادية حيث ذكر لفظة نحو إشارة إلى أن الياء فيه متطرفة حكما "وتجعل ياء هي ميما في التثنية" أي في تثنية هي ويجعل كسرة الهاء ضمة إتباعا للميم كما مر في ضربتما؛ يعني لم يترك الياء على حالها "حتى لا تقع الفتحة على الياء الضعيف مع ضعفها" أي مع بقاء ضعف الياء وعدم عروض القوة لها بأن أسكن ما قبلها كظبي وخصت الميم إتباعا لمذكره "وشدد نون هن"؛ لأن أصله همن "كما مر" من أن الأصل "في ضربتن" ضربتمن "واثنا عشر" نوعا من تلك الأنواع الستين "للمنصوب المتصل نحو ضربه" تقول ضربه ضربهما ضربهم ضربها ضربهما ضربك ضربكما ضربك ضربكما ضربكن ضربني منتهيا "إلى ضربنا" إلى آخرها على الفتحة لانتفاء علة الإسكان لما ذكر في ضربك "ولا يجوز فيه" أي في الضمير المتصل "اجتماع ضميري الفاعل والمفعول" أي ضميرين متصلين متحدين في المعنى "في مثل ضربتك" بفتح التاء "و" في مثل "ضربتني" بضم التاء؛ أي لا يجوز أن يقال: ضربتك وضربتني "حتى لا يصير الشخص الواحد فاعلا ومفعولا" به "في حالة واحدة" بل لو أريد ذلك يقال ضربت نفسك وضربت نفسي؛ فإن النفس بإضافتها إلى الضمير صارت كأنها غيره لغلبة مغايرة المضاف للمضاف إليه بخلاف مثل: ضربتك فإن الضميرين فيه متفقان معنى ومن حيث إن كل واحد منهما ضمير متصل "إلا" أي لكن يجوز ذلك الاجتماع "في أفعال القلوب نحو علمتك" بفتح التاء "فاضلا وعلمتني" بضم التاء "فاضلا؛ لأن المفعول الأول ليس بمفعول في الحقيقة"؛ لأن المفعول الذي تعلق به العلم في الواقع هو المفعول الثاني فذكر
стр. 39
[شرح ديكنقوز]
الأول إنما هو ليترتب الثاني عليه فلم يؤد الجمع بينهما إلى مكروه؛ لأنهما ليسا في نفس الأمر فاعلا ومفعولا "ولهذا" أي لأجل أن الأول ليس بمفعول في الحقيقة "قيل في تقديره" أي تقدير ما ذكر من علمتك فاضلا "علمت فضلك و" من علمتني" فاضلا "علمت فضلى" فيظهر بهذا التقدير أن الأول ليس بمفعول حقيقة "واثنا عشر" منها "للمنصوب المنفصل نحو إياه ضرب" تقول: إياه ضرب إياهما ضربا إياهم ضربوا إياها ضربت إياهما ضربتا إياهن ضربن إياك ضربت إياكما ضربتما إياكم ضربتم إياك ضربت إياكما ضربتما إياكن ضربتن إياي ضربت منتهيا "إلى إيانا ضربنا و" منها "اثنا عشر نوعا للمحرر المتصل نحو ضاربه" تقول ضاربه ضاربهما ضاربهم ضاربها ضاربهما ضاربهن ضاربك ضاربكما ضاربكم ضاربك ضاربكما ضاربكن ضاربني منتهيا "إلى ضاربنا" ولفظ المجرور كلفظ المنصوب المتصل وذلك بحمله عليه، وإنما حمل عليه؛ لأن المجرور مفعول أيضا لكن بواسطة، وإنما حمل على المتصل؛ لأن المجرور يجب أن يكون متصلا "وفي مثل ضاربي" أي في الجمع المذكر السالم إذا أضيف إلى ياء المتكلم "جعل الواو ياء"؛ لأن الواو والياء إذا اجتمعتا وكانت الأولى ساكنة قلبت الواو ياء؛ لأن مخرجي الواو والياء وإن تباعدا لكنهما يجريان مجرى المثلين لما فيهما من المد وسعة المخرج فكرهوا اجتماعهما كما كرهوا اجتماع المثلين، فقلبوا الواو ياء وأدغموها في الياء، وقيل: إنما قلبوا الواو ياء؛ لأنه لا يخلو من أن يكون الواو هي الأخيرة أو هي الأولى؛ فإن كانت الأولى فإنهم استثقلوا الخروج من واو لازمة إلى ياء لازمة؛ لأنه أثقل من الخروج من ضم لازم إلى كسر لازم، وهذا الخروج مستثقل فكيف بالخروج الأول، وإن كانت الأخيرة فإنهم استثقلوا الخروج من ياء لازمة إلى واو لازمة؛ لأنه أثقل من الخروج من كسر لازم إلى ضم لازم وهذا ثقيل، فكيف بالأول، وإنما اشترط أن تكون الأولى ساكنة ليمكن الإدغام وإنما جعل الانقلاب إلى الياء؛ لأنها أخف، وقيل: لأن الإدغام في حروف الفم أقوى لكثرتها، والواو من حروف الشفة وهي قليلة والإدغام فيها ضعيف "ثم أدغم" الياء المنقلبة في ياء المتكلم للجنسية ثم كسر ما قبل الياء لأجل الياء "كما" أي كالجعل والإدغام اللذين وقعا "في مهدي مهدوي" جعل الواو ياء ثم أدغم وكسر
стр. 40
[شرح ديكنقوز]
ما قبل الياء لما ذكر "والمرفوع المتصل يستتر في خمسة مواضع" جوازا في بعضها ووجوبا في بعضها، وقوله: "في الغائب" بدل من قوله: في خمسة لا غير وكذا المعطوفات؛ أي يستتر الضمير المتصل جوازا في الغائب المفرد من الماضي "نحو" زيد "ضربت" وفي المضارع نحو زيد "يضرب و" في الأمر نحو زيد لـ "يضرب و" في النهي نحو زيد "لا يضرب و" يستتر جوازا أيضا "في الغائبة" المفردة ماضيا "نحو" هند "ضربت و" مضارعا نحو هند "تضرب و" أمرا نحو هند "لتضرب و" نهيا نحو هند "لا تضرب و" يستتر وجوبا "في المخاطب" المفرد "الذي في غير الماضي" مضارعا "نحو" أنت "تضرب و" نهيا نحو أنت "لا تضرب" وإنما قيد بقوله في غير الماضي؛ لأنه لا يستتر في خطاب الماضي مطلقا كما يجيء، وأما في المخاطبة المفردة من غير الماضي ففيها خلاف فعند بعضهم يستتر فيها، وإليه الإشارة بقوله: "وياء تضربين علامة الخطاب وفاعله مستتر فيه عند" أبي الحسن "الأخفش" إجراء لمفردات المضارع مجرى واحدا في عدم إبراز ضميرها أو استنكار الكون ضمير المفرد؛ أعني الياء أثقل من ضمير المثنى أعني الألف مع أن القياس يقتضي أن يكون أخف، ويرد على قول الأخفش اجتماع علامتي الخطاب، اللهم إلا أن يقال: إن التاء تجردت للتأنيث كاللام في يا ألله فإنها مجردة للتعويض "وعند العامة" أي الجمهور "هي" أي ياء تضربين "ضمير بارز للفاعل" ولا مستتر فيه "كواو يضربون"؛ لأنه ضمير بارز ولا مستتر فيه وعلامة التأنيث والخطاب فيه عندهم هو الياء "وعين الياء" للفاعل "في تضربين للتأنيث" عندهم مع أن القياس أن يعين التاء له إلا أن علامة الخطاب في أوله؛ أعني التاء منعت من زيادة تاء أخرى "لمجيئه في هذي أمة الله للتأنيث" سواء كانت صيغة موضوعة للتأنيث أو كانت الياء بدلا عن الهاء في هذه "ولم يزد في تضربين" للفاعل بدل الياء "من حروف أنت" بكسر التاء مع أن القياس أن يزاد من حروفه؛ لأنه المضمر تحته "للالتباس بالتثنية في زيادة الألف" منها "واجتماع النونين" بغير فاصل "في زيادة النون" منها "وتكرار التاءين في زيادة التاء" منها "وإبراز الياء" في تضربين ولم يستتر "للفرق بينه" أي تضربين "وبين جمعه" وهو تضربن؛ إذ لو استتر الياء وقيل تضربن في المفردة والمخاطبة التبس بتضربن جمع للمخاطبة "ولم يفرق" بينه وبين جمعه "بحركة ما قبل النون" في تضربين على تقدير الاستتار وسكونه في الجمع "حتى لا يلتبس" نونه
стр. 41
[شرح ديكنقوز]
الذي هو الإعراب "بالنون الثقيلة" أو هو بالمذكر المؤكد بالنون الثقيلة "في الصورة" وإن لم يلتبس حقيقة إذ أحد النونين مخفف والآخر مشدد أو إحدى الكلمتين ملتبسة بالنون المخففة والأخرى بالثقيلة "ولا" يفرق أيضا "بحذف النون" من تضربين "حتى لا يلتبس بالمذكر" المخاطب خصه بالذكر وإن كان الالتباس بالمؤنث الغائبة حاصلا لمناسبة المؤنث المخاطبة وبالمذكر المخاطب في الخطاب ومناسبتها بالمؤنث الغائبة في التأنيث وإن كانت حاصلة إلا أن البحث لما كان في الخطاب اعتبر الالتباس بالمذكر والمخاطبة "و" يستتر الضمير المتصل وجوبا "في المضارع المتكلم" مطلقا "نحو" أنا "أضرب" في المتكلم وحده "و" نحن "نضرب" في المتكلم مع غيره "و" يستتر جوازا "في الصفة" مطلقا "نحو" أنا أو أنت أو هو "ضارب" أو نحن أو أنتما أو هما "ضاربان" أو نحن أو أنتم أو هم "ضاربون إلى آخره" أي أنا أو أنت أو هي ضاربة ونحن أو أنتما أو هما ضاربتان ونحن أو أنتن أو هن ضاربات "استتر" أي وقع الاستتار "في" الضمير "المرفوع دون المنصوب والمجرور؛ لأنه" أي المرفوع "بمنزلة جزء الفعل"؛ لأنه فاعل فجوزوا في باب الضمائر المتصلة التي وضعها للاختصار استتار الفاعل؛ لأن الفاعل وخاصة الضمير المتصل كجزء الفعل كما مر، فاكتفوا بلفظ الفعل كما يحذف من آخره الكلمة المشتهرة بشيء ويكون فيما أبقى دليل على ما أبقى كما في الترخيم، وليس المراد أن الدال على الفاعل هو الفعل، وإلا لزم أن يكون نحو: ضرب فعلا واسما؛ لأنه حينئذ كما دل على حدث مقترن بالزمان كذلك دل على ذات الفاعل غير مقترن بالزمان، فاشتمل على حقيقة الفعل والاسم وهما متضادان، بل المراد أن الدال على الفاعل هو ذلك الضمير إلا أنه استتر ولم يتلفظ به اكتفاء عنه في اللفظ بلفظ الفعل، وليس المراد أيضا من قولهم: إن الفاعل في زيد ضرب هو هو أن المقدر ذلك المصرح به؛ لأنه لا بد أن يكون ضمير المفرد أقل من ضمير المثنى مع أن لفظة هو أكثر من ألف الضمير في ضربا، وأيضا لو كان المنوي هو هو المصرح به لزم أن لا يجوز الفصل بين الفعل وبينه مع أن ذلك جائز، نحو: ما ضرب إلا هو، وإنما قالوا ذلك تجوزا منهم لضيق العبارة عليهم في ذلك؛ لأنه لم يوضع للضمير المستتر لفظ فعبر عنه بلفظ المرفوع المنفصل لكونه مرفوعا مثل المقدر
стр. 42
[شرح ديكنقوز]
"واستتر في الغائب" المفرد "والغائبة" المفردة "دون التثنية والجمع" منهما؛ لأنه لو استتر فيهما أيضا أو لم يستتر في المفردين أيضا يلزم الالتباس، ويفهم هذا من بيان رجحان الاستتار في الغائب والغائبة، واختص الاستتار بالمفرد "لأن الاستتار خفيف" وذلك ظاهر "فإعطاء الخفيف للمفرد السابق" لكثرة الاستعمال "أولى دون المتكلم" وحده أو مع غيره "و" دون "المخاطب اللذين في الماضي؛ لأن الاستتار" حالة "قرينة" أي مقرونة بالفعل ودالة على وجوده، فإن أحد المقارنين يلزمه الدلالة على وجود الآخر ولذلك سمى الدلالة قرينة، وهي من عداد الأسماء ولذلك دخلتها التاء لكنها "ضعيفة والإبراز قرينة" دالة عليه "قوية"؛ لأن الأصل كون الفاعل ظاهرا والبارز إنما هو نائب عنه ودال على وجود الفاعل دلالة قوية؛ لأنه قريب من الظاهر من حيث كونه ملفوظا والمستتر نائب عن البارز ودال على الفاعل دلالة ضعيفة؛ إذ لا يشارك الظاهر بوجه "فاعطاء الإبراز القوي للمتكلم القوي" لكونه مبدأ الكلام "والمخاطب القوي" لكونه منتهي الكلام "أولى" من إعطائه الغائب الضعيف الذي لا دخل له في تحصيل الكلام قوله في الغائب حاصل المعنيين الإفراد والغيبة، وقوله دون التثنية والجمع ناظر إلى الأول، وقوله دون المتكلم والمخاطب ناظر إلى الثاني وبدل من دون التثنية والجمع قيل: إنما استتر في الغائب والغائبة دون المتكلم والمخاطب اللذين في الماضي؛ لأنه لما كان مفسرهما لفظا متقدما في الأصل دون المتكلم والمخاطب أريد أن يكون ضمير الغائب أخصر من ضمير بهما فحذف اللفظ من المفرد؛ إذ لا أخف من المحذوف "واستتر في مخاطب المستقبل" المفرد المذكر "ومتكلمه" مطلقا، وإنما ذكر الاستتار فيهما، وإن كان حكمها مفهوما مما سبق من القيد بيانا لعلته وهي قوله: "للفرق" بينهما؛ أي في الماضي وبينهما؛ أي في المستقبل ولم يعكس؛ لأن الماضي أصل والإبراز قوي فأخذه، ولما ذكر عدم الاستتار في المخاطبة فيما يبق وبين سببه هناك لم يتعرض له هنا ولما ذكر أن وقوع الاستتار في بعضهما هو عريق أي أصل في اقتضاء الفاعل أعني الفعل وبين أن سبب الاستتار فيه ضعيف علم بالطريق الأولى أنه يقع الاستتار في الصفة التي هي أضعف من الفعل، وأنها غير عريقة في اقتضاء الفاعل، بل اقتضاؤها إنما هو لمشابهتها الفعل فلم يحتج إلى بيان سبب الاستتار فيها فلذلك لم يذكره "وقيل يستتر في هذه المواضع"
стр. 43
[شرح ديكنقوز]
الخمسة "دون غيرها لوجود الدليل فيها" دون غيرها "وهو" أي ذلك الدليل "عدم الإبراز في مثل" زيد "ضرب" أي عدم ظهور الفاعل؛ إذ لا بد أن يكون للفعل من فاعل ظاهر، وإن لم يكن فمضمر بارز، فإن لم يكن فمضمر مستتر، فلما لم يكن الفاعل في مثل ضرب في زيد ضرب ظاهرا ولا بارزا علم أن فاعله مستتر، فلما كان عدم الإبراز دليلا ضروريا أسند الحكم إلى دليل آخر فيما وجد فيه دليل آخر، وإن كان عدم الإبراز شاملا للكل فقال: "والتاء في مثل" هند "ضربت" فإنها تدل على أن فاعله مفرد مؤنث غائبة "والياء في" مثل زيد "بضرب" فإنها تدل على أن فاعله مفرد مذكر غائب مع عدم علامة التثنية والجمع "و" عينت التاء "في مثل" هند أو أنت "تضرب" غائبة ومخاطبة، فإنها تدل على أن الفاعل مفرد مؤنث غائبة أو مفرد مذكر مخاطب بحسب القرائن مع عدم علامة التثنية والجمعين نحو: يضربون ويضربن "والهمزة في مثل" أنا "أضرب" فإنها تدل على أن الفاعل متكلم وحده "والنون في مثل" نحو "نضرب" فإنها تدل على أن الفاعل متكلم مع غيره "وهذه" أي حروف المضارعة "الحروف ليست بأسماء" فلا تكون فواعل للأفعال المذكورة، وإنما ذكر هذا وإن لم يذهب أحد إلى أنها أسماء؛ لأنه لما ذكر أن التاء في ضربت بحركات التاء والنون في ضربن والألف في ضربا والواو في ضربوا والياء في تضربين أسماء، وكان مظنة أن يتوهم متوهم أن هذه الحروف أيضا أسماء رفع ذلك التوهم "والصفة" نفسها "في مثل" زيد "ضارب و" زيدان "ضاربان و" زيدون "ضاربون" يعني أن في لفظها ما يدل على من هي له فإن ضارب للمفرد المذكر وضاربان للمثنى المذكر وضاربون للجمع المذكر وكذا ضاربة وضاربتان وضاربت "ولا يجوز أن يكون تاء ضربت" بسكون التاء "ضميرا كتاء ضربت" بحركات التاء "لوجود عدم حذفها بالفاعل الظاهر نحو ضربت هند" ولو كانت التاء فاعلة لزم حذفها عند وجود الفاعلة الظاهرة؛ إذ لا يجوز أن يكون لفعل واحد فاعلان من غير عطف أو بدل "ولا يجوز أن يكون ألف ضاربان" وواو ضاربون "ضميرا ضاربين؛ لأنه يتغير في حالة النصب" نحو: رأيت ضاربين "و" في حالة "الجر" أيضا نحو: مررت بضاربين وضاربين "والضمير لا يتغير" بتغير العوامل "كألف يضربان وواو يضربون" تقول: زيدان يضربان زيدون يضربون في الرفع، ولن يضربا ولن يضربوا في النصب، ولم يضربا ولم يضربوا في الجزم "والاستتار واجب في افعل" مثل اضرب أمر للمخاطب "و" في مثل "تفعل" مخاطبا "و" في مثل "أفعل" متكلما وحده "و" في مثل "نفعل" متكلما مع غيره "لدلالة الصيغة" أي صيغة الفعل في
стр. 44
[شرح ديكنقوز]
فصل في المستقبل:
كل واحد منها "عليه" أي الفاعل المستتر، فإن التاء في تفعل يدل على الفاعل المخاطب وحكم افعل أمرا ولا تفعل نهيا وحكم تفعل مخاطبا؛ لأنهما مأخوذان منه، وإلى أن الهمزة في أفعل متكلما وحده تشعر بأن فاعله أنا، والنون في نفعل تشعر بأن فاعله نحن، فلا يحتاج في هذه الصيغ الأربع إلى العدول عن الاستتار الخفيف والإتيان بالضمير البارز "و" لما كان الاستتار واجبا في هذه المواضع الأربع "قبح" ظهور فواعلها مظهرا كان أو مضمرا وأن تقول "افعل زيد وتفعل زيد" أو لا تفعل إلا أنت "وأفعل زيد" ولا أفعل إلا أنا "ونفعل زيدون" أو لا نفعل إلا نحن وما ظهر في نحو: اسكن أنت تأكيد للمستتر لا فاعل، وأما في غير هذه الأربعة فالاستتار جائز، كما أشرنا إليه نحو زيد ضرب وضرب زيد وزيد ضارب غلامه.
المشهور فتح الباء بناء على أنك تستقبل الفعل الآتي بعد زمانك أو أن الزمان يستقبله، إلا أن الصحيح ومقتضى القياس على تسمية الماضي بالماضي كسر الباء "وهو أيضا" أي كالماضي "يجيء على أربعة عشر وجها، نحو: يضرب إلى آخره" أي إلى نضرب، تقول: يضرب يضربان يضربون تضرب يضربان يضربن تضرب تضربان تضربون تضربان تضربن أضرب نضرب "ويقال له" أي لما صدق عليه المستقبل من نحو: يضرب "مستقبل لوجود معنى الاستقبال" على أحد الوجهين المذكورين "في معناه ويقال له أيضا: مضارع"؛ لأن معنى المضارعة في اللغة المشابهة مشتقة من الضرع، كأن كلا الشبيهين ارتضعا من ضرع واحد فهما أخوان رضاعا، فلما ضارع المستقبل بالاسم قيل له مضارع، وإنما قلنا: إنه مضارع بالاسم "لأنه مشابه بضارب في الحركات والسكنات" وفي ترتيبهما فإن عدد الحركة والسكون في يضرب على عدد الحركة والسكون في ضارب وعلى ترتيبها فيه، وجمع السكنات للمشاكلة "و" مشابه في "وقوعه صفة للنكرة" فإنك كما تقول: مررت برجل ضارب، تقول: مررت برجل يضرب ولم يذكر مثاله اكتفاء بما ذكر في الماضي "وفي دخول لام الابتداء" عليه "نحو إن زيدا لقائم و" إن زيدا "ليقوم أو"؛ لأنه مشابه "باسم الجنس في العموم والخصوص" ولما كان ثبوت وجه التشبيه؛ أعني العموم والخصوص في كل من الطرفين؛ أعني المضارع واسم الجنس غير بينه بقوله: "يعني أن اسم الجنس يختص" الواحد "بلام العهد" بعد أن كان
стр. 45
[شرح ديكنقوز]
شائعا في أمته، فإنك إذا قلت: جاءني رجل يكون شاملا لكل ذكر من بني آدم جاوز حد البلوغ على سبيل البدل، فإذا قلت: فعل الرجل مشيرا إلى ذلك الرجل الجائي يختص بواحد منهم "كما يختص يضرب بسوف أو السين" فإن يضرب يصلح للحال والاستقبال فإذا دخل عليه أحد الحرفين المذكورين، وقيل: سوف يضرب أو سيضرب يختص بالاستقبال، وإذا دخل عليه اللام، وقيل: ليضرب يختص للحال، وإنما عرف السين إشارة إلى سين الاستقبال؛ لأنه يجيء لمعان أخر كالطلب والتحول والإصابة على صفة والوقف بعد كاف المؤنث، نحو: أكرمتك، والظاهر أن يقول؛ يعني كما أن اسم الجنس يختص بلام العهد يختص يضرب إلى آخره بأن يدخل أداة التشبيه في المشبه به، كما هو قاعدة التشبيه، إلا أنه عكس إيذانا بأن القصد في هذا التشبيه إلى الجمع بين الشيئين في أمر من غير قصد إلى إلحاق ناقص بكامل حتى إذا دخل أداة التشبيه في المشبه به ما ضر ذلك في المقصود كتشبيه غرة الفرس بالصبح وتشبيه الصبح بغرة الفرس متى أريد ظهور منير في مظلم أكثر منه من غير قصد إلى المبالغة في وصف غرة الفرس في الضياء والانبساط وفرط التلألؤ ونحو ذلك؛ إذ لو قصد شيء من ذلك لوجب جعل الغرة مشبها والصبح مشبها به؛ لأنه أزيد في ذلك ولما جاز عكسه، وأما تقديم المشبه به هنا فهو على قاعدة تقديمه في بيان تفصيل اتصاف الطرفين بوجه الشبه فإنه بصدد ذلك، وأما في نفس التشبيه فالقاعدة تقديم المشبه، مثلا إذا أردت تشبيه زيد بالأسد قلت: كما أن الأسد يتصف بغاية القوة ونهاية الجراءة وكما البطش والفتك يتصف زيد بها المشبه به ليعرف حاله أولا ثم يقاس حال المشبه عليه، ويحتمل أن يقال إنه لما جعل المشبه به مشبها للإيذان المذكور قدمه لكونه مشبها لا لكونه مشبها به "أو"؛ لأنه مشابه "بالعين في" مطلق "الاشتراك" فكما أن لفظة العين تشترك بين الجارية والباصرة وغيرهما ويشترك يضرب "بين الحال والاستقبال" فإن المستقبل يشترك بين الحال والاستقبال على الأصح "وزيدت على الماضي من حروف أتين حتى يصير" الماضي "مستقبلا" وإنما لم ينقص منه حتى يصير مستقبلا "لأن الماضي بتقدير النقصان منه يصير أقل من القدر الصالح" فلا يصلح أن يصير مستقبلا هذا في الثلاثي، وأما في غير الثلاث فحمل على الثلاثي في الزيادة
стр. 46
[شرح ديكنقوز]
"وزيدت" تلك الحروف "في الأول" من الماضي "دون الآخر" منه مع أن الآخر أولى بالزيادة "لأن المستقبل" إذا كان زيادته "في الآخر يلتبس بالماضي" أي بتثنيته في زيادة الألف وبغائبته في زيادة التاء دون مخاطبته؛ إذ لا وجه لإسكان اللام وتحريك التاء؛ لأنها ليست بضمير اللهم إلا أن يقال في الضرورة ويجمع مؤنثه صورة بزيادة النون ولم يزد الباء في الآخر، وإن لم يلتبس حملا للقليل على الكثير "واشتق" أي أخذ المستقبل "من الماضي" إن زيد عليه ولم يشتق الماضي من المستقبل بأن ينقص منه "لأن الماضي يدل على الثبات" والوقوع دون المستقبل وما يدل على الثبات أولى بالأصالة "وزيدت" أي وقعت الزيادة "في المستقبل دون الماضي" يعني لم يوضع المزيد للماضي والمجرد للمستقبل بل عكس "لأن" البناء "المزيد عليه" والظاهر أن يقول المزيد فيه إلا أنه لما اتفقت نسخ الكتاب عليه ووقع أيضا في عبارة غيره من الثقات وجب توجيهه بأن يقال المزيد على مع زيادة "بعد" البناء "المجرد و" الزمان "المستقبل" وكذا الزمان الحاضر "بعد زمان الماضي فأعطى السابق" وهو البناء المجرد "للسابق" وهو الزمان الماضي "و" أعطى "اللاحق" وهو البناء المزيد عليه "للاحق" وهو الزمان المستقبل والزمان الحاضر، ثم لما وجب المخالفة بين صيغتي الماضي والمضارع، وكان الفعل صادرا إما عن المتكلم وحده أو عنه مع غيره أو عن المخاطب أو عن الغائب طلبوا حروفا تدل على المضارعة، وعلى هذه المعاني جريا عن سننهم في طلب الإيجاز فوجدوا أولى الحروف بالزيادة حروف المد واللين لجريانها مجرى النفس واستئناس السامع بها لكثرة دورها في الكلام؛ إذ الكلام لا يخلو عنها أو عن بعضها؛ أعني الحركات فقسموا تلك الحروف على تلك الأفعال على ما تقتضيه المناسبة فشرع يبين أن أي حروف لأي فعل عينت وبين المناسبة بينهما وقال: "وعينت الألف" منها "للمتكلم وحده" أي للشخص الواحد الذي يتكلم مذكرا كان أو مؤنثا ثم حركوها ليتأتي الابتداء بها "لأن الألف" خارج "من أقصى الحلق وهو" أي أقصى الحلق "مبدأ المخارج" كلها "والمتكلم هو الذي يبدأ الكلام به" فناسبه "وقيل" إنما عينت الألف للمتكلم وحده "للموافقة بينه" أي الألف "وبين" أول حروف "أنا" الذي هو ضمير المتكلم "وعينت الواو للمخاطب" أصالة أي لجنس الشخص الذي يخاطب مذكرا كان أو مؤنثا واحدا كان أو اثنين أو جماعة "لكونه" أي الواو خارجا "من منتهى المخارج" كلها "والمخاطب هو الذي ينتهي الكلام به" فناسبه "ثم قلبت الواو تاء"؛ لأنها كثيرا ما تبدل من الواو نحو تراث وتجاه والأصل وراث ووجاه "حتى لا يجتمع الواوات" الثلاث وإن كان في كلمتين وهو مستكره؛ لأنه يشبه نباح الكلب وأما نحو: آووا ونصروا فليس فيه ذلك الاجتماع بمستكره؛ لأن قطع واو العطف عما قبلها لما لم يتعذر فيه صار كأن الواوات لم يجتمعن فيه، ولأن الواو الثانية فيه ساكنة فيندفع الثقل بالإدغام في الوصل "في نحو وووجل" برفع اللام أي فيما وقع فيه الفاء واوا وقلبت فيما لم يقع فيه الفاء واوا أيضا طردا للباب "في العطف" إحدى الواوات الأولى
стр. 47
[شرح ديكنقوز]
فاء الكلمة، وثانيها حرف المضارعة، وثالثها حرف العطف "ومن ثمة" أي ومن أجل استكراههم اجتماع الواوات "قيل الأول من كل كلمة لا يصلح لزيادة الواو" إذ قد تكون فاء الكلمة واوا فلو زيدت قبل الفاء واو وعطفت بواو أخرى يجتمع الواوات لا محالة واطرد في غيره وعطف على قوله قيل قوله "وأن واوا ورنتل أصل" وهو الداهية وزنه فعنلل كجعنفل، ثم أتبعوا الغائبة والغائبتين المخاطب لئلا يلتبس بالغائب والغائبتين بزيادة الياء كما هو اللائق، وإن كان يلتبس بزيادة الياء بالمخاطب، إلا أن هذا أسهل؛ إذ الالتباس بالأقرب أشكل، وإنما أتبعوها إياه دون غيره لاستوائهما في الماضي كما يجيء إن شاء الله تعالى، ولم يجعل جمع الغائبة بالتاء، بل بالياء كما هو مناسب للغائبة لعدم الالتباس بينه وبين جمع المذكر لحصول الفرق بينهما بالواو في أحدهما والنون في الآخر، نحو: يضربون ويضربن "وعينت الياء للغائب" أي لجنس الشخص المذكر الغائب؛ أي لغير جنس المتكلم والمخاطب ليشمل الحاضر الذي ليس بمتكلم ولا مخاطب سواء كان ذلك واحدا أو اثنين أو جماعة إلا أنه عدل عن هذا الأصل في الغائب والغائبتين لما عرفت "لأن الياء من وسط الفم والغائب هو الذي يذكر في وسط الكلام" الجاري "بين المتكلم والمخاطب" فناسبه "وعينت النون للمتكلم إذا كان معه غيره" مطلقا "لتعينها" أي النون "لذلك" أي للمتكلم مع غيره "في" الماضي نحو "نصرنا" فأتبعوا المضارع الماضي في ذلك "وقيل: زيدت النون" في المتكلم مع غيره "لأنه" أي الشأن "لم يبق من حروف العلة" التي هي أولى بالزيادة "شيء وهو" أي النون "قريب من حروف العلة في خروجها" أي النون "من هواء الخيشوم" وهو أقصى الأنف، وقيل: عينت النون له للموافقة بينه وبين نحن على قياس ما قيل في تعيين الأنف للمتكلم وحده ولذلك لم يذكره "وفتحت هذه الحروف" أي حروف المضارعة في جميع الأبواب "للخفة إلا في" أبواب "الرباعي" أي رباعي كان "وهو" أي الرباع "فعلل" وملحقاته "وفاعل وأفعل وفعّل" بتشديد العين فإنها مضمومة فيهن؛ لأن من جملتها الياء والكسر عليه مستكره فحمل الباقي عليه، وفي الفتح التباس لما سنذكره إن شاء الله تعالى فتعين الضم، و"لأن هذه الأربعة رباعية والرباعي فرع الثلاثي" في الاحتياج وقوله: "والضم أيضا فرغ الفتح" في الخفة فناسب الضم الرباعي من حيث الفرعية فأعطى له ليدل على ما قدرناه من قولنا: فإنها مضمومة فيهن "وقيل" إنما ضمت هذه الحروف في
стр. 48
[شرح ديكنقوز]
الرباعي "لقلة استعمالهن" أي لأبواب الأربعة وكثرة استعمال الثلاثي فاختص الضم بالأقل استعمالا والفتح بالأكثر استعمالا تعادلا بينهما، واعلم أن هذان الوجهين للترجيح بعد الوقوع، وأما وجه عدم كون القبيلتين على حركة واحدة هي الأصل؛ أعني الفتح فهو أنه لو فتح في مثل يكرم وقيل يكرم يلتبس بمضارع الثلاثي، ثم حمل عليه كل ما كان ماضيه على أربعة أحرف ولم يعكس؛ إذ في العكس يلزم الالتباس ولو في صورة بخلاف العكس فإنه لا التباس فيه أصلا "وتفتح" حروف المضارعة "فيما وراءهن" مما قل استعمالهن "لكثرة حروفهن" فلو ضمت فيهن يلزم زيادة الثقل ولم تكسر للثقل، ولما ذكرنا من جملتها الياء والكسر عليها مستكره "وأما يهريق فأصله يريق" بغير هاء من الإراقة "وهو من الرباعي" في الأصل "فزيدت الهاء" قبل الفاء "على خلاف القياس" فصار خماسيا بسبب الزائد والاعتبار إنما هو بالأصل فلم يوجد ضم حرف المضارعة في غير الرباعي "وتكسر حروف المضارعة" كلها "في بعض اللغات إذا كان ماضيه مكسور العين" كما في بعض الثلاثي المجرد "أو" كان ماضيه "مكسور الهمزة" كما في السداسي وبعض الخماسي "حتى تدل" كسرة حروف المضارعة "على كسرة عين الماضي" أو همزته "مثاله: يعلم وتعلم واعلم ونعلم" في مكسور العين، فإن ماضيها علم بكسر عين الفعل "ويستنصر وتستنصر واستنصر ونستنصر" في مكسور الهمزة، فإن ماضيها استنصر بكسر الهمزة "وفي بعض اللغات" وهو لغة بني أسد "لا تكسر الياء" فيما كان ماضيه مكسور العين أو مكسور الهمزة، بل يكسر غير الياء وإنما لم تكسر الياء "لثقل الكسرة على الياء" إلا إذا كان بعدها ياء أخرى فحينئذ يكسر أهل هذه اللغة الياء أيضا لتقوى إحدى الياءين بالأخرى، نحو: ييئس ويبخل فإنه على لغتهم فيما كان الفاء واوا في غير يبخل، وأما في يبخل فعلى استنائهم بالأخرى لا على أن كسر الياء مطلقا فيما يكسر عينه في لغتهم، فإنهم لما استثقلوا الواو بعد الياء في يوجل قلبوا الفتحة كسرة لينقلب الواو ياء ويزول ذلك الثقل، فلما صار الواو ياء وتقوى الياء بالياء كسروا الياء؛ لأن كسر الياء مطلقا من لغتهم "وعينت حروف المضارعة" في المضارع دون سائر حروفه "للدلالة على كسر عين" أو همزة الماضي" اكتفى بذكر العين عن ذكر الهمزة تعويلا على ما سبق ووجه التخصيص كون العين أصلا في الأصل "لأنها" أي حروف المضارعة "زائدة" والتصرف في الزائد أولى "وقيل" عينت تلك الحروف لتلك الدلالة؛ إذ لا مجال لغيرها لها "لأنه يلزم بكسر الفاء توالي الحركات" الأربع في غير الوقف وهو مرفوض "وبكسر العين يلزم الالتباس بين يفعل" بفتح العين "ويفعل" بكسر العين نحو يعلم ويضرب "وبكسر اللام يلزم إبطال الإعراب"
стр. 49
[شرح ديكنقوز]
إذ الكسر ثابت حينئذ على توارد العوامل فلا يظهر أثرها "وتحذف التاء الثانية جوازا في مثل: تتقلد وتتباعد وتتبختر" أي فيما اجتمع فيه تاءان في أول مضارع تفعل وتفاعل وتفعلل، وذلك حال كونه فعل المخاطب أو المخاطبة مفردا أو مثنى أو مجموعا، والغائبة المفردة والمثناة دون المجموع إحداهما حرف المضارعة والثانية تاء الباب، واختلف في المحذوف فذهب البصريون إلى أنه هو الثانية؛ لأن الأولى حرف المضارعة وحذفها مخل على ما حكي عن المبرد، وذهب الكوفيون إلى أنه هو الأولى؛ لأن الثانية للمطاوعة وحذفها مخل، ولأنها زائدة وحذفها أهون، واختار المصنف مذهب البصريين؛ لأن رعاية كونه مضارعا أولى؛ لأن الغرض من الاشتقاق إنما هو الدلالة على اختلاف المعنى باختلاف المعنى باختلاف الصيغ وأما المطاوعة وسائر معاني الأبواب فإنما هي بعد هذا الغرض ولأن الثقل إنما يحصل عند الثانية، وأما إثبات التاءين فهو الأصل لدلالة كل واحدة منهما على معنى، وفي قوله: تتقلد وتتباعد وتتبختر بصيغة المبني للفاعل إشارة إلى أن الحذف لا يجوز في المبني للمفعول اتفاقا من الفريقين؛ لأنه خلاف الأصل فلا يرتكب إلا في الأقوى وهو المبني للفاعل، ولأن المبني للفاعل من هذه الأبواب الثلاثة أكثر استعمالا من المبني للمفعول فالتخفيف به أولى، وهذان الوجهان يفيدان ترجيح المبني للفاعل على المبني للمفعول في الحذف، وأما وجه عدم شمول الحذف لهما فهو أنه لو حذفت التاء الأولى المضمومة من المبني للمفعول لالتبس بالمبني للفاعل المحذوف منه التاء؛ لأن الفارق هو التاء المضمومة ولو حذفت التاء الثانية لالتبس بالمبني للمفعول من مضارع فعل وفاعل وفعلل وذلك ظاهر، وإنما تحذف التاء الثانية في مضارع الأبواب الثلاثة "لاجتماع الحرفين من جنس واحد" وهو ثقيل "وعدم إمكان الإدغام" حتى يزول ذلك الثقل لرفضهم الابتداء بالساكن والحذف للتخفيف أولى من إبقاء المتجانسين وإدغامهما والإتيان بالهمزة، مع أن همزة الوصل لا تدخل المضارع؛ لأنه مشابه باسم الفاعل مشابهة تامة حكما لا تدخل عليه لعدم الاحتياج إليها لا تدخل على المضارع بخلاف الماضي؛ فإنه لما قل مشابهته باسم الفاعل جاز دخولها عليه، مثل: استخرج وأثاقل "وعينت التاء الثانية للحذف" مع أن ذلك الاجتماع الثقيل يزول عن توالي الحركات وعينت الفاء للسكون؛ لأن توالي الحركات لزم من زيادة الياء" وإذا لم يمكن إسكانه لرفضهم الابتداء بالساكن "فإسكان الحرف الذي هو قريب منه" أي بقرب الياء "يكون أولى" بالإسكان من غيره كأقرب القريتين في القسامة "ومن ثمة" أي ومن أجل أن إسكان الحرف الذي هو قريب من الحرف الذي لزم منه محذور أولى "عينت الباء في ضربن للإسكان" لئلا يجتمع أربع حركات متواليات فيما هو كالكلمة الواحدة كما مر "لأنه" أي الباء "قريب" أي يقرب "من النون الذي لزم منه" أي من زيادته "توالي الحركات الأربع وسوى بين صيغتي المخاطب والغائبة" مفردين أو مثنيين "في" المستقبل "نحو" أنت "أو هي تضرب" والمناسب ذكره في تعيين التاء للمخاطب إلا أنه لما كان له بحث طويل أخره إلى آخر بحث المستقبل بالنظر إلى أخواته "لاستوائهما" أي المخاطب والغائبة "في الماضي" في مجرد التاء لا في حركاتها وسكناتها "نحو أنت "نصرت" بفتح التاء "وهي نصرت"
стр. 50
[شرح ديكنقوز]
بسكونها، وإنما أورد المثال هنا من باب نصر مع أن عادته أن يورد من باب ضرب لكونه أصلا في الدعائم، إشارة إلى أن باب تصريفه جهة التقديم في الجملة، ولهذا قدمه بعضهم على باب ضرب نظرا إلى تلك الجهة لما سبق، وأنه ليس ساقطا عن درجة استحقاق التقديم بالكلية كسائر الأبواب، ولذا لم يقدم أحد شيئا منها "ولكن لا يسكن" ما به التسوية أعني "التاء في غائبة المستقبل" كما أسكن في الماضي "لضرورة الابتداء بالساكن" ولهذا قيل: إن غائبة المستقبل ليست بمبدلة من الواو كتاء المخاطب، بل هي تاء التأنيث الساكنة قدمت تفاديا بذلك من وقوع اللبس فلما قدمت حركت لتعذر الابتداء بالساكن، ولايبعد أن يكون ميل المصنف إلى هذا وأن يكون هذا سبب تأخيره ذكر التسوية بين المخاطب والغائبة "ولا يضم" ما به الاستواء فى الغائبة ليزول الاستواء "حتى لا يلتبس المعلوم" منها "بالمجهول" منها "فى مثل تمدح" أى فى باب تفعل بفتح العين "ولا يكسر حتى لا يلتبس المعلوم بلغة تعلم" فيها بكسر عين ماضيه وبفتح عين مضارعه "إن قيل يلزم الالتباس" بين المخاطب والغائبة "أيضا بالفتحة" أى كما يلزم الالتباس بالضمة والكسرة فلم اختير الفتحة "قلنا فى الفتحة موافقة بينها" أى بين الغائبة وبين أخواتها "فى اطراد الأمثلة" من المتكلم والمخاطب فإن حروف المضارعة مفتوحة فيها أو بين ما به الاستواء؛ أعني التاء وبين أخواتها من التاء والهمزة والنون فإنها مفتوحة فيها زيدت فيه "مع خفة الفتحة" بخلاف أختيها؛ إذ لا موافقة فيهما بين الأخوات ولا خفة أيضا "وأدخل فيها آخر المستقبل" يعني بعد الألف والواو والياء ويجوز إطلاق الآخر لما بعد هذه الحروف لشدة اتصالها بالفعل لكونها ضمائر الفواعل "نون" فى يفعلان وتفعلان ويفعلان وتفعلون وتفعلين عوضا عن الحركة فى يفعل ليكون ذلك النون فى كلها "علامة للرفع"؛ لأنه أول أخوات الاعراب لكونه علامة الفاعل ثم حذفوها حال الجزم حذف الحركة التى هى عوض عنها، وحملوا النصب على الجزم كما حمل النصب على الجر فى بعض الأسماء؛ لأنه فى الفعل بمنزلة الجر فى الاسم كما سيجىء إن شاء الله تعالى "لأن آخر الفعل" حقيقة "صار باتصال ضمير الفاعل بمنزلة وسط الكلمة" والإعراب لا يكون فى وسط الكلمة، ولم يمكن أن يجعل الضمائر حروف الإعراب؛ لأنها فى الحقيقة ليست من نفس الكلمة، ولم يمكن زيادة حروف المد لمكان الضمائر فزيدت
стр. 51
[شرح ديكنقوز]
حروف شبيهة بها وهو النون فجميع النونات الداخلة على المستقبل علامة للرفع "إلا نون يضربن وهي علامة للتأنيث" لا علامة الرفع، ولهذا لا تسقط في حالتي الجزم والنصب "كما" أي كما أن النون التي "في" الماضي نحو "فعلن" فإن نونه علامة للتأنيث لا علامة للرفع، ولا ينافيه كونه علامة للجمع أيضا "ومن ثمة" أي ومن أجل أن نونه علامة للتأنيث "يقال" يضربن "بالياء" دون التاء "حتى لا يجتمع علامتا التأنيث" وهي التاء والنون ونون ضربن تمحضت ضميرا وعلامة التأنيث تاؤه "والياء في تضربين ضمير الفاعل" عند الجمهور "كما مر" لا علامة الخطاب كما هو عند الأخفش، وعلامة الخطاب هو التاء فلا يلزم اجتماع علامتي الخطاب عندهم، فلا يرد نقضا على ما ذكرنا من امتناع اجتماع العلامتين مطلقا؛ إذ لا دخل في امتناع اجتماعهما لما أضيفتا إليه أعني التأنيث. ولما فرغ من البحث الذي تعلق بصيغة المستقبل ولفظه شرع فيما يتعلق بمعناه فقال: "وإذا دخل لفظ لم على المستقبل ينقل معناه إلى الماضي" وينفيه نحو: لم يضرب؛ أي لم يقع الضرب في الزمان الماضي "لأنه" أي لفظ لم "مشابه بكلمة الشرط" أعني أن لم من حيث اختصاصها بالفعل، فكما أن إن إذا دخل على الفعل ماضيا كان أو مضارعا ينقل معناه إلى المستقبل، كذلك كلمة م ينقل معناه بتلك المشابهة.
стр. 52
[شرح ديكنقوز]
" فصل: في الأمر والنهي: الأمر صيغة يطلب بها الفعل":
أي بفتح الفعل "من الفاعل" الغائب أو المخاطب خص المبني للفاعل بالتعريف لكونه الأغلب كما خصه ابن الحاجب في تعريف أمر المخاطب
стр. 53
[شرح ديكنقوز]
لذلك حيث قال صيغة يطلب بها الفعل من الفاعل المخاطب "نحو ليضرب إلخ" تقول: زيد ليضرب زيدان ليضربا زيدون ليضربوا، هند لتضرب هندان لتضربا هندات ليضربن واضرب أنت اضربا أنتما اضربوا أنتم اضربي أنت اضربا أنتما اضربن أنتن "وهو مشتق من المضارع" بلا واسطة ولذا أخره عنه وبواسطة المضارع مشتق من المصدر فلا ينافي قوله واشتقاق تسعة أشياء من كل مصدر؛ لأن المراد بالاشتقاق المذكور هناك أعم من أن يكون بالذات أو بالواسطة كما أشرنا هناك، وإنما كان هو مشتقا من المضارع دون الماضي "لمناسبة بينهما" أي بين الأمر والمضارع "في الاستقبالية" أي في انتساب معناهما إلى الاستقبال، وذلك ظاهر في المضارع وأما في الأمر؛ فلأن الطلب إنما يكون لما لم يحصل بعد ولا مناسبة بينه وبين الماضي، وهذا وجه التخصيص بالنسبة إلى الماضي، وأما أنه لم يشتق من المصدر ابتداء كالماضي فليكن أقرب إلى الضبط ولهذا ذهب السيرافي إلى أن اسمي الفاعل والمفعول مشتقان من الفعل "زيدت اللام في أمر الغائب" لطلب الفعل دون غيرها "لأنها من وسط المخارج" كما أن الغائب بين المتكلم والمخاطب في الكلام فناسبه اللام "و" الحال أن اللام "أيضا" أي كما أنها في وسط المخارج "من حروف الزوائد" والإضافة بيانية؛ أي من حروف هي الزوائد فتكون خالصة للزيادة "وهي" أي حروف الزوائد الحروف "التي يشملها" قوله:
يا أوس هل نمت ولم يأتنا ... سهو فقال اليوم تنساه
أو سألتمونيها أو أتاه سليمون، أو أتاه سليمان، أو آنست موليها، أو أمان وتسهيل "قول الشاعر" أبي عثمان المازني "هويت" من باب علم أي أحببت، وأما ما يكون من باب ضرب فهو بمعنى الصعود أو بمعنى السقوط "السمان" جمع سمينة يعني النساء السمان "فشيبنني" أي جعلتني تلك النساء أن أشيب قبل وقت الشيب بمقاساة الشدائد وتحمل الأحزاب والمصائب في مواصلتهن، واستمرت محبتي إياهن إلى أن شبت ويؤيده قوله: "وقد كنت قدما" بكسر القاف وسكون الدال بمعنى الزمان القديم "هويت السمان" وعين حروف الزيادة من بين حروف البيت بقوله: "أي حروف هويت السمان" أي هذه الحروف العشرة التي هي الهاء والواو والياء والتاء
стр. 54
[شرح ديكنقوز]
والهمزة والاعتبار، إنما هو بالكناية دون اللفظ، ولذلك قالوا وأتاه سليمان يشتملها واللام والسين والميم والألف والنون، وحكي أن أبا العباس المبرد سأل أبا عثمان المازني، فقال له: كيف تجمع حروف الزيادة؟، فأنشد البيت، فقال له: الجواب يرحمك الله، قال المازني: قد أجبتك مرتين يريد قوله: هويت السمان، وليس معنى زيادتها أنها تكون زائدة فى كل مكان، بل معناها أنه إذا أريد زيادة حرف فإنما يزاد منها لا من غيرها؛ إذ قد تكون أصولا ألا يرى أن حروف هويتها أصول كلها، وإنما يعرف كونها زائدة من كونها أصلا بأن تزن الأصلي بالفاء والعين واللام، وتخرج الزائد بلفظة لا يقابل فاء وعينا ولا ما تقول ضرب وزنه فعل، ويضرب وزنه يفعل، وضارب وزنه فاعل، ومضروب وزنه مفعول، ومكرم وزنه مفعل، واستخرج وزنه استفعل، وقضيب وزنه فعيل، وحمار وزنه فعال "و" على هذا "لا يزاد" فى أمر الغائب "من حروف العلة" مع أنها أولى الحروف بالزيادة "حتى لا يجتمع حرفا علة" إحداهما للأمر والثانية للمضارع "وكسرت اللام" أي لام الأمر مع أن من حق حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تبنى على الفتحة التي هي أخت السكون "لأنها مشابهة باللام الجارة" فى الصورة، وإنما شبهت بها "لأن الجزم فى الأفعال بمنزلة الجر فى الأسماء" أي بمقابلة الجر فيها؛ لأن فى الفعل الرفع والنصب فى مقابلة الرفع والنصب فى الأسماء وفى الاسم جر وليس فى الفعل لما عرف فى موضعه، بل فيه الجزم فيكون الجزم فى الفعل بمقابلة الجر فى الاسم بمنزلته فيكون الجازم بمنزلة الجار فجعل صورته مثل صورة الجار وعومل به معاملة الجار فى الاسم "أسكنت لام الأمر بالواو والفاء" يعني تسكين اللام بعد الواو والفاء أكثر لكون اتصالهما بما بعدهما أشد لكونهما على حرف واحد فصار الواو واللام بعده وحرف المضارعة وكذا الفاء معهما كلمة واحدة على وزن فخذ وكتف فتخفف بإسكان العين، وأما ثم فمحمول عليهما لكونها حرف عطف مثلهما، لكن لا يكثر السكون بعده كثرته بعدهما لكون حروفها أكثر من واحد "نحو وليضرب وفليضرب وثم ليضرب كما أسكن العين فى فخذ" للتخفيف أصله فخذ بفتح الفاء وكسر العين ويجوز فيه سكون العين مع فتح الفاء للخفة كما ذكره، ويجوز سكون العين مع كسر الفاء بنقل كسر العين إليها ويجوز كسر العين والفاء لكون حرف الحلق قويا فيتبع ما قبله، وكذا يجوز كل ما جاز في فخذ في كل ثلاثي عينه حرف حلق مكسور من اسم أو فعل نحو شهد "ونظيره" أي نظير لام الأمر في الإسكان "في الواو وهو بسكون الهاء" وفي الفاء فهو بسكون الهاء تشبيها له بما ضم عينه من نحو: عضد، فكما يقال: عضد يقال: وهو بالسكون "وحذف حرف الاستقبال في أمر المخاطب" بعد حذف اللام للتخفيف لكثرة استعماله؛ إذ أصل اضرب لتضرب باتفاق الفريقين كما سيجيء إن شاء الله تعالى وكان القياس في الأمر للفاعل المخاطب أن يكون باللام كالأمر الغائب؛ لأن الطلب في الأمر إنما هو بمعنى اللام؛ لأن اللام وضعت لذلك فيه وزيدت لأجله كما أشرنا إليه فكان قياس أمر الفاعل المخاطب أيضا أن يكون باللام، لكن لما كثر استعماله حذف اللام وحذف حرف المضارعة أيضا "للفرق بينه وبين مخاطب المستقبل" لا بينه وبين أمر الغائب بدليل قوله فيما سيأتي للفرق بينه وبين المضارع، وقوله: "وعين الحذف" أي حذف اللام وحذف حرف الاستقبال "في" أمر "المخاطب" دون أمر الغائب "لكثرة استعماله" أي لكثرة
стр. 55
[شرح ديكنقوز]
استعمال هذا الجنس، فالتخفيف به أولى ناظر إلى قوله وحذفت لا إلى قوله للفرق "ومن ثم" أي ومن أجل أن حذف اللام وحرف المضارعة في أمر المخاطب المعلوم لكثرة الاستعمال "لا يحذف" حرف الاستقبال "مع اللام في مجهوله" أي أمر المخاطب؛ أعني يقال: لتضرب باللام والتاء "لقلة استعماله" أي المجهول "واجتلبت همزة الوصل" وتخصيصها بالاجتلاب لكونها أقوى والابتداء بالأقوى أولى "بعد حذف حرف المضارعة إذا كان ما بعده ساكنا للافتتاح" أي ليمكن الابتداء؛ إذ الابتداء بالساكن متعذر، وأما إذا كان ما بعده متحركا فلا احتياج إليها، نحو: دحرج من تدحرج "وكسرت الهمزة" المجتلبة "لأن الكسر أصل في" تحريك "همزات الوصل"؛ لأنها زيدت ساكنة عند الجمهور لما فيه من تقليل الزيادة ثم لما احتيج إلى تحريكها حركت بالكسرة؛ لأنه أصل في تحريك الساكن؛ لأنه أبعد حركات الإعراب عن الإعراب لامتناع دخوله في قبيلتين من المعربات وهما المضارع وما لا ينصرف ودخول أخويه في المعربات كلها، فلما احتيج إلى التحريك حركت بما هو أقل وجودا في الإعراب وأكثر شبها بالسكون الذي وجد في بعض المعربات دون بعض، ولأن السكون والجزم عوض في الفعل من الكسرة في الاسم فعوض الكسر من السكون أيضا، ولأن وقوع اجتماع الساكنين كثير في الكلام بشهادة الاستقراء وللأفعال منه القدح المعلى، وناهيك نوعا الأوامر من الأفعال المشددة الأواخر وما ينجز منها بأنواع الجوازم، وعندك أن للأكثر حكم الكل فتقدمت الأفعال في اعتبار اجتماع الساكنين والاحتياج إلى التحريك، ومعلوم أن لا مدخل للجر في الأفعال فأفادت الكسر الخلاص من اجتماع الساكنين، وذلك ظاهر وكون الكسرة طارئة بحكم المقدمة المعلومة بخلاف أختيها؛ فإنهما يفيدان الخلاص فقط والمفيد لفائدتين أولى بأن يكون أصلا، فالكسرة أصل في تحريك الساكن، وإنما سميت المجتلبة للافتتاح همزة وصل؛ لأنها اجتلبت للتوصل بها إلى النطق بالساكن، ولذلك سماها الخليل سلم اللسان "ولم تكسر" الهمزة "في مثل اكتب" أي فيما كان عين المضارع فيه مضموما مع أنها همزة وصل، بل وضمت "لأنه" أي الهمزة أو الشأن والثاني أقوى من جهة المعنى وإن كان ضعيفا من جهة اللفظ؛ لأن حذف ضمير الشأن منصوبا ضعيف إلا أنه كثير في عبارات المصنفين "بتقدير الكسر" أي كسرها "يلزم الخروج من الكسرة" أي من كسرتها "إلى الضمة" أي إلى ضمة العين وهو ثقيل "ولا اعتبار للكاف الساكن" في المنع عن ذلك
стр. 56
[شرح ديكنقوز]
الخروج "لأن الحرف الساكن لا يكون حاجزا" أي مانعا "حصينا" أي قويا "عندهم" أي عند أهل هذا الفن "ومن ثم" أي ومن أجل أن الحرف الساكن لا يكون حاجزا حصينا "يجعل واو قنوة ياء ويقال قنية" مع أن ما قبلها ليس بمكسور إلا أن النون لما كان ساكنا جعل كأنه معدوم، وأن ما قبل الواو وهو القاف مكسور فقلبت الواو ياء "وقيل" لم تكسر الهمزة في مثل اكتب، بل "تضم للاتباع" أي لاتباعها للعين في الضم؛ لأن خفة الموافقة بين الأثقلين غالبة على ثقل المخالفة بين الثقيل والأثقل "وفتح ألف أيمن" أي همزته ويجوز إطلاق الألف على الهمزة، إما حقيقة بالاشتراك على ما قيل، وإما مجازا لكونها على صورتها في بعض المواضع كما سيجيء إن شاء الله تعالى، أو لكونهما متحدين ذاتا والاختلاف إنما هو بالعارض، ولذلك شبهوهما بالهواء والريح فكما أن الهواء إذا تحرك صار ريحا والريح إذا سكنت صارت هواء، فكذا الألف إذا تحركت صارت همزة والهمزة إذا سكنت ومدت صارت ألفا "مع كونه للوصل" بدليل سقوطه في الدرج، والأصل في ألف الوصل الكسر لما عرفت "لأنه جمع يمين وألفه للقطع"؛ لأنه ألف أفعل وألفه مفتوحة "ثم جعل للوصل" أي عومل معاملة ألف الوصل بأن أسقطت في الدرج "لكثرته" أي لكثرة أيمن استعمالا، وكثرة الاستعمال تقتضي التخفيف والتخفيف يحصل بالوصل؛ إذ بالوصل تسقط الهمزة في اللفظ ولا خفة مثل السقوط "وفتح ألف التعريف" مع كونه للوصل بدليل سقوطه في الدرج "لكثرته" استعمالا "أيضا" أي كأيمن. واعلم أن حرف التعريف عند سيبويه هو اللام وحده والهمزة للوصل فتحت مع أن أصلها الكسر لكثرة استعمال اللام، وعند الخليل أل كهل علامة للتعريف، وإنما حذفت عنده همزة القطع في الوصل لكثرة استعمال أل، وعند المبرد حرف التعريف هي الهمزة المفتوحة وحدها، وإنما زيدت اللام بعدها للفرق بين همزة التعريف وهمزة الاستفهام، إذا عرفت هذا فقول المصنف ألف التعريف يحتمل أن يكون إشارة إلى مذهب المبرد، والظاهر لإضافة ألف فقط إلى
стр. 57
[شرح ديكنقوز]
التعريف فعلى هذا معنى كلامه وفتح ألف التعريف لكونه للقطع؛ لأنه للتعريف لا للوصل إلا أنه عومل معاملة ألف الوصل بأن أسقط في الدرج لكثرة هذه الألف استعمالا، كما أن ألف أيمن عومل به معاملة ألف الوصل بأن سقط في الدرج لكثرته استعمالا، ويحتمل أن يكون إشارة إلى المذاهب الثلاثة ويكون إضافة الألف إلى التعريف لأدنى ملابسة كإضافة كوكب الخرقاء، وحينئذ معنى كلامه وفتحت الألف الملابسة للتعريف على تقدير كونها للوصل ولم تكسر مع أن الأصل فيه الكسر لكثرته؛ أي لكثرة استعمال اللام فخفف بالفتحة وفتح أيضا على تقدير كونه وحده للتعريف أو مع اللام؛ لأنه للتعريف إما وحده أو مع اللام وليس للوصل حتى يكسر إلا أنه عومل به معاملة ألف الوصل فأسقط في الدرج، كما أن ألف أيمن عومل به معاملة الوصل فأسقط في الدرج لكثرة استعمال الألف "وفتح ألف أكرم" مع أن ما بعد حرف المضارعة من تكرم ساكن وعين المضارع ليست بمضمومة "لأنه ليس من ألف الأمر" أي جنس الألف الذي زيد للأمر حتى يكسر "بل ألف قطع محذوف من تؤكرم" طرد اللباب يعني ليس ما بعد حرف المضارعة من تؤكرم ساكنا، بل متحركا في التقدير؛ إذ أصله تؤكرم بالهمزة لكون ماضيه على أكرم فجاءوا بالأمر على الأصل تفاديا لذلك عن الالتباس بين الأمر من الثلاثي المجرد وبينه من المزيد فيه؛ إذ لو قيل أكرم بكسر الهمزة التبس بالثلاثي المجرد، أو لأن علة حذف الهمزة وهي اجتماع الهمزتين أو الحمل على ما فيه اجتماع الهمزتين لما زالت بحذف حرف المضارعة من تؤكرم؛ إذ سبب الحمل فيه وجود حرف المضارعة ردوها إلى فتحها؛ لأن الاحتياج إلى همزة الوصل إنما هو عند الاضطرار وإنما "حذفت" الهمزة من تكرم "لاجتماع الهمزتين في أأكرم" فإنه مستكره "ولا تحذف ألف الوصل في الخط" مع أن الخط تابع للفظ "حتى لا يلتبس الأمر من باب علم" بكسر العين وتخفيفه "بأمر علم" بفتح العين وتشديده "فإن قيل يعلم بالإعجام" وهي الحركات والسكنات والنقطات والتشديدات والمدات جمع عجم كفرس وأفراس وهو ما يزول به العجمة وهي الالتباس والاشتباه "قلنا الإعجام يترك" تركا أو حينا "كثيرا" فحينئذ يحصل الالتباس
стр. 58
[شرح ديكنقوز]
"ومن ثم" أي ومن أجل أن الإعجام يترك كثيرا "فرقوا بين عمر" بضم العين وفتح الميم "وعمرو" بفتح العين وسكون الميم "بالواو" بأن يكتبوه في الثاني حالتي الرفع والجر دون النصب؛ لأن ألف التنوين تخلفه حالة النصب؛ لأنه منصرف بخلاف الأول ولم يعكس بأن يكتبوه في الأول؛ لأن الثاني خفيف وذلك ظاهر والزيادة في الخفيف أولى "وحذفت الألف" في الخط "في بسم الله" من بسم الله الرحمن الرحيم مع أنها ألف الوصل "لكثرة الاستعمال" وهي متداعية التخفيف "ولا تحذف" الألف "في اقرأ باسم ربك" من أنها في لفظ الاسم كما في بسم الله "لقلة استعماله" وإن كانت في لفظ الاسم "وينجزم آخره" أي آخر الأمر "في الغالب باللام إجماعا" أي أجمع النحاة من البصريين والكوفيين على انجزامه إجماعا أو حكموا بانجزامه مجمعين "لأن اللام مشابهة بكلمة الشرط" أعني إن؛ لأنها أصل الباب "في النقل" فكما أن إن ينقل معنى الماضي إذا دخل عليه إلى الاستقبال، نحو: إن ضربت ضربت كذلك اللام إذا دخل على الخبر ينقل معناه إلى الإنشاء، نحو: ليضرب زيد فلما شابهتها فيه عملت عملها وهو الجزم "وكذلك المخاطب" أي مثل أمر الغائب أمر المخاطب في كونه معربا مجزوما "عند الكوفيين؛ لأن أصل اضرب لتضرب" بالتاء كما هو القياس؛ لأن الدال على طلب الفعل إنما هو اللام كما سبق "عندهم" أي عند الصرفيين من البصريين والكوفيين "ومن ثمة" أي من أجل أن أصل اضرب لتضرب "قرأ النبي ﵇ فبذلك فلتفرحوا" بالتاء على الأصل المهجور موضع فافرحوا، وقيل: إن النبي ﵊ لما كان مبعوثا إلى الحاضر والغائب جمع بين اللام للغائب والتاء للحاضر "فحذفت اللام" من لتضرب أمرا للمخاطب "لكثرة استعماله" أي لكثرة استعمال جنس الأمر المخاطب بالنسبة إلى جنس أمر الغائب "ثم حذفت علامة الاستقبال" وهي التاء "للفرق بينه" أي بين أمر المخاطب "وبين المضارع المخاطب" إذ بعد حذف اللام من لتضرب بقي تضرب "فبقي الضاد ساكنا واجتلبت همزة الوصل" ليمكن الابتداء "ووضعت" الهمزة المجتلبة "موضع علامة الاستقبال" أعني التاء "فأعطى له" أي للموضع موضع علامة الاستقبال أعني الهمزة "أثر" أي حكم "علامة الاستقبال" وهو الإعراب وأما إعرابه بالجزم فباللام المقدرة إعطاء "كما" أي مثل أن "أعطى لفاء رب عمل
стр. 59
[شرح ديكنقوز]
رب في مثل قول الشاعر: فمثلك" أي فرب مثلك فحذف رب وأعطى للفاء عمله وهو الجر، وقوله: "حبلى" صفة مثل: "قد طرقت" أي طرقتها؛ أي أتيتها ليلا قوله: "ومرضع" أي ذات رضيع عطف على حبلى "فألهيتها" أي أشغلتها "عن" صبى لها "ذي تمائم" جمع تميمة وهي التعاويذ التي تعلق في عنق الصبى حفظا من إصابة العين، وقوله: "محول" أي أتى عليه حول كامل صفة ذي ولم يقل محولا لئلا يلتبس بما اشتق من الحوالة؛ أعني المحيل، وفي وصف تلك النساء بالحبل والإرضاع، وفي وصف الصبى بكونه ذي تمائم وذي حول وذي تمائم إشارة إلى كمال ميل النساء إليه، أما في الوصف بالحبل والإرضاع فظاهر، وأما في وصف الصبى بذي تمائم؛ فلأن التميمة إنما تجعل في عنق الصبي إذا كان في غاية الحسن وخيف عليه من إصابة العين، وأما في جمع التميمة؛ فلأن أهله لا يرضون ولا يكتفون بتميمة واحدة أو تميمتين لفرط محبتهم، وأما في الوصف بالمحول؛ فلأنه في تلك الحال يظهر منه الكلمات اللطيفة اللذيذة والحركات المرغوبة الشهية ما لم يظهر قبلها ولا يظهر بعدها فيكون محبوبا في القلوب أكثر مما كان قبلها وبعدها "و" أما "عند البصريين فهو" أي أمر المخاطب بغير اللام "مبني" على السكون "لأن الأصل في الأفعال البناء"؛ لأن المعاني الموجبة للإعراب؛ أعني الفاعلية والمفعولية والإضافة منتقية عنها فوجب أن تبنى، وهذا خلاف لا تظهر ثمرته إلا في إطلاق المجزوم على أمر الغائب، وإطلاق الجزم على سكونه، وفي إطلاق الموقوف على أمر المخاطب، وإطلاق الوقف على سكونه "وإنما أعرب المضارع" مع كونه من الفعل "لمشابهة" تامة "بينه وبين الاسم" كما مر فلا ينتقض بالماضي، وإنما بني الماضي على الحركة لمشابهة بينه وبين الاسم في الجملة؛ أعني وقوعه صفة للنكرة كما مر "و" لما "لم تبق المشابهة" بوجه من الوجوه "بينه" أي بين الاسم "وبين الأمر" للمخاطب "بحذف حرف المضارعة" لا في الحركات ولا في السكنات وهو ظاهر ولا في وقوعه صفة للنكرة ولأنه صار إنشاء الإنشاء لا يقع صفة إلا بتأويل بني على السكون الذي هو أصل في البناء "ومن ثمة" أي ومن أجل أن البناء لأمر المخاطب إنما هو بعدم بقاء المشابهة بحذف حرف المضارعة حكم بأنه معرب فيما لم يحذف منه حرف المضارعة حتى "قيل فلتفرحوا معرب بالإجماع" من الفريقين "لوجود علة الإعراب وهي حرف المضارعة وزيدت في آخر الأمر" مطلقا غائبا كان أو مخاطبا معروفا كان أو مجهولا "نونا التأكيد"
стр. 60
[شرح ديكنقوز]
إحداهما ثقيلة والأخرى خفيفة "لتأكيد معنى الطلب نحو ليضربن" للغائب "وكذلك ليضربن إلخ" على صيغة المعلوم أو المجهول، وكذلك زيدت في اضربن اضربان اضربن اضربن اضربان اضربنان للمخاطب، وكذلك لتضربن إلخ للمجهول أو المعلوم "أو فتح الباء" يحرك بالفتح في ليضربن مع أن أصله السكون "فرارا من اجتماع الساكنين" هذا علة التحريك، وأما تخصيص الفتح فللخفة والصيانة للفعل عن أخي الجر في الكسر وللاحتراز عن الثقل والالتباس في الضم "وفتح النون" الثقيلة إذ لا مجال للسكون الذي هو الأصل لمكان اجتماع الساكنين، ولا للضم والكسر لمكان الثقل فتعين الفتح "للخفة" والمناسبة للتشديد "وحذف واو ليضربوا" عند اتصال نون التأكيد به فقيل ليضربن "اكتفاء بالضمة" مع استطالة الكلمة بنون التأكيد وإن كان اجتماع الساكنين على حده "و" حذف "ياء اضربي" عنده فقيل: اضربن "اكتفاء بالكسرة" أيضا كذلك "ولم يحذف ألف التثنية اكتفاء بالفتحة" في ليضربان "حتى لا يلتبس" المثنى "بالواحد" في الوقف ولا الالتباس في فليضربوا واضربي للفرق بالضم والكسر "وكسر النون الثقيلة بعد ألف التثنية" مع أن أصلها الفتح للخفة "مشابهة"؛ أي لأجل المشابهة "بنون التثنية" في وقوعها بعد الألف، وهذه العلة موجودة في الألف الفاصلة فيعلم أن حكمها حكم ألف التثنية؛ إذ الاشتراك في العلة يوجب الاشتراك في الحكم، فلذلك لم يذكر حكم الألف الفاصلة "وحذفت النون التي هي تدل على الرفع في مثل هذ يضربان"؛ أي في الأمثلة الخمسة التي هي: يفعلان وتفعلان ويفعلون وتفعلون وتفعلين إذا دخل عليها نون التأكيد، وإنما أورد كلمة هل ليكون يضربان طلبا ويصير محلا لدخول نون التأكيد "لأن ما قبل النون الثقيلة يصير مبنيا"؛ لأنه إنما أعرب لمشابهته بالاسم، ولما اتصل به النون التي لا تتصل إلا بالفعل ورجح جانب الفعلية وصار الفعل بمنزلة جزء من كلمة كما في بعلبك وتعذر الإعراب سواء كان بالحرف أو بالحركة؛ إذ الإعراب في وسط الكلمة رد إلى ما هو أصل الفعل من البناء فحذفت علامة الإعراب لامتناع الجمع بين الإعراب والبناء ولم يحذف نون التأكيد؛ لئلا يبطل الغرض وهو التأكيد
стр. 61
[شرح ديكنقوز]
"وأدخلت الألف الفاصلة في ليضربان" أصله ليضربنن "فرارا من اجتماع النونات"؛ إذ لا يمكن حذف نون الجمع؛ لأنه ضمير الفاعل ولا حذف نون التأكيد للزوم بطلان الغرض فتعين الفصل بشيء واختص بالألف للخفة "وحكم" النون "الخفيفة" من حركات ما قبلها وحذف الضمير وحذف نون الإعراب معها "كحكم" النون "الثقيلة إلا أنها"؛ أي النون الخفيفة "لا تدخل بعد الألفين" ألف التثنية والألف التي وجب فرض دخولها قبل الخفيفة في الجمع المؤنث حملا لها على الشديدة وإن لم تجتمع النونات فيها؛ لئلا يلزم مزية الفرع على الأصل؛ إذ الأصل عدم الزيادة، ألا ترى أن يونس حين أدخلها في فعل الجماعة أدخل الألف وقال: اضربنان دون اضربن، وما قيل إن أصالة الثقيلة إنما هي عند الكوفيين ثم المناسبة المعلومة من قوانينهم تقتضي أصالة الخفيفة إلا أن التأكيد في الثقيلة أكثر، فالمناسبة أن يعدي من الخفيفة إليها ليس بشيء؛ لأن أصالة الثقيلة إنما هي فيما وضعت له؛ أعني التأكيد وهي كذلك إلا أن الثقيلة أفادته أكثر مما أفادته الخفيفة ولا شك أن ما يفيد معنى أصل في إفادة ذلك المعنى بالنسبة إلى ما دونه وأصالتها بذلك المعنى متفق عليه، وما نقل عن الكوفيين فإنما هو بمعنى أن الخفيفة مخففة من الثقيلة لا كلمة برأسها كما هو عند سيبويه، وقوله: مع أن الفرع لا يجب أن يجري على الأصل في جميع الأحكام صحيح إذا لم يلزم من عدم الجريان عليه مفسدة، وأما إذا لزم من عدم الجريان عليه فساد فلا كلام، وها هنا كذلك لما عرفته من لزوم مزية الفرع على الأصل، وقوله: فالمناسبة أن يعدي من الخفيفة إليها مدفوع بما ذكرنا من معنى الأصالة فقوله: "لاجتماع الساكنين على غير حده" شامل لفعل الاثنين وجماعة الإناث وذلك لا يجوز؛ لأن الروابط بين الحروف الحركات فإن فقدت في اثنين منها لا يمكن ربط أحدهما بالآخر ولا يجوز حذف أحدهما؛ إذ في حذف الألف من المثنى يلزم الالتباس بالواحد ومن جمع الإناث يلزم بطلان العمل واجتماع النونين وفي حذف النون يلزم البطلان الغرض وتحريك النون خلاف وضعها وحده؛ أي مرتبتة في الجواز التي لا يجوز أن يتجاوزها فيه ويجوز في غيرها هو أن يكون الأول حرف لين والثاني مدغما، وهذا لا يجوز بالاتفاق؛ لأن اللسان يرفع عنهما دفعة واحدة من غير مشقة والمدغم فيه متحرك فيصير الثاني من الساكنين كلا ساكن فلا يتحقق التقاء الساكنين الخالص سكونها وغير حده خلاف ذلك "وعند يونس" والكوفيين "تدخل" الخفيفة بعد الألفين "قياسا على الثقيلة" باقية على السكون عند يونس اعتبارا بمد الألف حركة كقراءة نافع محياي بسكون ياء الإضافة وصلا ومتحركة بالكسر للساكنين عند غيره، وعليه حمل قوله تعالى: "ولا تتبعان" بتخفيف النون وكسره على قراءة ابن عامر برواية ابن ذكوان "وكلتاهما"؛ أي كلا نوني التأكيد "تدخلات في سبعة مواضع لوجود معنى الطلب فيها" في الجملة ففي بعضها بحسب نفس الأمر ودلالته عليه إما
стр. 62
[شرح ديكنقوز]
مطابقية وهي الخمس الأول أو التزام وهو السادس، فإن القسم وإن لم يكن فيه معنى الطلب، إلا أن الغالب أن يقسم المتكلم على ما هو مطلوبه فيلزمه الطلب؛ أي طلب جوابه، وأما نحو قوله: والله لأعاقبن فمحمول على الغائب، وفي بعضها لا بحسب نفس الأمر بالمشابهة بما فيه من معنى الطلب في نفس الأمر وهو السابع، ثم إن الغائب إنما يطلب في العادة، وغالب الأمر ما هو مراده فكان ذلك مقتضيا لتأكيده؛ لأنه غرضه في تحصيله والطلب إنما يتوجه إلى المستقبل الغير الموجود، فالتأكيد لا يكون إلا في المستقبل، وقيل: الحاصل في الزمان الماضي لا يحتمل التأكيد، وأما الحاصل في الزمان الحاضر وهو إن كان محتملا للتأكيد بأن يخبر المتكلم بأن الحاصل في الحال متصف بالمبالغة والتأكيد لكنه لما كان موجودا وأمكن للمخاطب في الأغلب الاطلاع على ضعفه وقوته اختص نون التأكيد بغير الوجود والأليق بالتأكيد أعني المستقبل أحدهما "الأمر" مطلقا "كما مر" ليضربن واضرب وليضربن واضربن "و" ثانيهما "النهي" كذلك "نحو لا تضربن" ولا يضربن ولا يضربن "و" ثالثهما "الاستفهام" نحو: "هل تضربن و" رابعها "التمني نحو: ليتك تضربن و" خامسها "العرض" بفتح العين وسكون الراء "نحو: ألا تضربن" فالهمزة فيه للاستفهام دخلت على الفعل المنفي وامتنع حملها على حقيقة الاستفهام؛ لأن المخاطب يعرف عدم الضرب، فالاستفهام عنه يكون طلبا للحاصل فيتولد منه بقرينة الحال عرض على المخاطب وطلبه منه "و" سادسها "القسم"؛ أي جوابه "نحو: والله لأضربن" والجملة القسمية أعني أقسم والله إنشاء وجواب القسم أعني لأضربن خبر "و" سابعها "النفي" ويدخلها نونا التأكيد دخولا "قليلا مشابهة"؛ أي لأجل المشابهة "بالنهي" في الصورة وفي أنهما غير موجبين وفي كون حرفيهما لا "نحو لا تضربن والنهي" وهي صيغة يطلب بها الترك عن الفعل "مثل الأمر في جميع الوجوه" التي ذكرت من كونه مشتقا من المضارع وأحكام نوني التأكيد "إلا أنه"؛ أي لكن النهي مطلقا "معرب بالإجماع" من الفريقين لوجود حرف المضارعة فيه "ويجيء المجهول" وهو ما حذف فاعله وأسند إلى مفعوله "من الأشياء المذكورة" قوله: "من الماضي" وما عطف عليه بيان الأشياء المذكورة "نحو ضرب" زيد في ضربت زيدا "إلى آخره" ومر بزيد في مررت بزيد "ومن المستقبل نحو يضرب" زيد في يضرب خالد زيدا "إلى آخره" ومن الأمر نحو: ليضرب ومن النهي نحو: لا يضرب
стр. 63
[شرح ديكنقوز]
وإنما لم يذكرهما اكتفاء بذكر المستقبل؛ لأن صورتهما لما كانت صورته استغنى بذكره عنهما؛ إذ يعلم من الاشتراك في الصورة أن مجهولهما مثل مجهوله "والغرض من وضعه"؛ أي من وضع المجهول وإقامة المفعول مقام الفاعل "إما" التبيين "لخساسة الفاعل" وإظهار لها فإن نفس خساسة الفاعل لا تصح أن تكون غرضا من وضع المجهول وإقامة المفعول مقام الفاعل، بل منها إنما هو تبيين لخساسته وإظهار لها نحو: شُتم الأمير، إذا كان الشاتم شخصا خسيسا غير كفء للأمير، فيجعل ترك الفاعل تطهيرا للسان عنه "أو" تبيين "لعظمته" نحو ضُرِب اللص فيجعل تركه تطهيرا له عن اللسان "أو" تبيين "لشهرته" خوفا عليه "أو تبيين لجهالته" لذلك الفعل بحيث لا يتصور صدوره إلا عنه نحو: خُلِق الإنسان "واختص" المجهول "بصيغة فُعِل" بضم الفاء وكسر العين "في الماضي؛ لأن معناه"؛ أي معنى المجهول "غير معقول وهو إسناد الفعل إلى المفعول" والمعقول إسناد الفعل لمن صدر عنه أعني الفاعل "فجعل صيغته أيضا"؛ أي كمعناه "غير معقولة وهي فعل" ليناسب اللفظ المعنى، وقيل: إنما غير صيغة الفعل بعد حذف الفاعل؛ إذ لو لم يفعل لالتبس المفعول المرفوع لقيامه مقام الفاعل بالفاعل، وإنما اختير للمفعول هذا الوزن الثقيل دون المبني للفاعل؛ لكونه أقل استعمالا منه، وإنما غير الثلاثي في المجهول إلى وزن فعل دون سائر الأوزان لكونه معناه قريبا في الأفعال؛ إذ الفعل من ضرورة معناه ما يقوم به فلما حذف منه ذلك خيف أن يلحق في أوله وهلة النظر بقسم الأسماء فيحمل على وزن لا يكون في الأسماء، ولو كسر الأول وضم الثاني يحصل هذا الغرض إلا أن الخروج من الكسرة إلى الضمة أثقل من العكس؛ لأن الأول طلب ثقل بعد الخفة بخلاف الثاني "ومن ثمة"؛ أي ومن أجل أن صيغته فعل غير معقول "لا يجيء على هذه الصيغة كلمة في الأسماء" أصلا في كلام العرب "إلا وُعِل" بضم الواو وكسر العين وهو معز الجبل "ودُئل" بالضم والكسر أيضا وهو دويبة تشبه ابن العرس ولو كانت هذه الصيغة معقولة لشاعت في كلامهم "و" يجيء المجهول "في المستقبل على يُفعَل" بضم حرف المضارعة وفتح ما قبل الآخر "لأن هذه الصيغة غير معقولة أيضا؛ لأنها" أعني يفعل "مثل فعلل" بضم الفاء وسكون العين وفتح اللام الأولى "في الحركات والسكنات ولا يجيء عليه"؛ أي على فعلل "كلمة" في كلامهم "أيضا"؛ أي كما لا يجيء على
стр. 64
[شرح ديكنقوز]
فعل فتكون هذه الصيغة غير معقولة أيضا فيتناسب اللفظ والمعنى "ويجيء" المجهول "في" الأبواب "الزوائد من الثلاثي المجرد" كلها؛ أي مما زادت حروفه على ثلاثة أحرف، سواء كان رباعيا مجردا أو مزيدا فيه أو ثلاثيا مزيدا فيه "بضم" الحرف "الأول وكسر ما قبل الآخر في الماضي" نحو: دحرج وأكرم "وبضم" الحرف "الأول" أصلية كانت الضمة كما في الرباعيات أو عارضية كما في غيرها "وفتح ما قبل الآخر" أصلية كانت الفتحة كما في يتفعل ويتفاعل ويتفعلل، أو عارضية كما في غيرها "في المستقبل" نحو: يدحرج ويكرم ويتدحرج ويستخرج "تبعا للثلاثي" فيهما "إلا في سبعة أبواب، فإن أول المتحرك يضم مع ضم الأول" فيها في الماضي "ويكسر ما قبل الآخر وهي: تفعل وتفوعل" وعلم حكم تفعلل منهما "وافتعل وانفعل وافتعل واستفعل وأفعل" وحكم افعول وافعلل وافعنلل وملحقة علم منها "وضم الفاء في الأولين"؛ أي تفعل وتفوعل ولم يقتصر على ضم الأول فيهما "حتى لا يلتبسا"؛ أي الأولان ذكر المتعدد في هذه اللفظ على الإجمال كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ "بمضارع فعل" بالتشديد في تفعل "وتفاعل" في تفوعل في الوقف "وضم أول المتحرك منه في الخمسة الباقية حتى لا يلتبس" الماضي المجهول "والأمر" الحاضر "في الوقف؛ يعني إذا قلت: وافتعل بفتح التاء في" الماضي "المجهول في الوقف بوصل الهمزة" وقلت: "وافتعل في الأمر" الواو ها هنا مثله في وافتعل لا لعطف افتعل على افتعل؛ يعني إذا قلت: وافتعل وافتعل أحدهما في الماضي والآخر في الأمر ويحتمل أن يكون للعطف فيكون افتعل معطوفا على افتعل لا على وافتعل فيكون تقديره وافتعل "يلزم الالتباس فيلزم التاء" في الماضي المجهول "لإزالته "فقس الباقي" وهو الأربعة الأخيرة "عليه"؛ أي على افتعل.
стр. 65
[شرح ديكنقوز]
" فصل في اسم الفاعل ":
قال ابن الحاجب: وبه سمي بلفظ الفاعل الذي هو وزن اسم الفاعل عن الثلاثي لكثرة الثلاثي، فجعلوا أصل الباب له فلم يقولوا اسم المفعل والمستفعل وفيما قال نظر؛ لأنه ليس القصد بقولهم اسم الفاعل اسم الصيغة الآتية على وزن فاعل، بل إيراد اسم ما فعل الشيء وهو الفاعل لا المفعول، فإنه اسم من وقع عليه الفعل، والمستفعل بمعنى الذي فعل الشيء إذا لم يأت المفعل والمستفعل بمعنى الذي فعل الشيء بخلاف الفاعل؛ فإنه جاء بمعنى الذي فعل الشيء، وإنما أطلقوا اسم الفاعل على من لم يفعل الفعل كالمنكسر والمتدحرج والجاهل والضامر؛ لأن الأغلب فيما بني له هذه الصيغة؛ أي الصيغة التي تسمى في الاصطلاح اسم الفاعل أن يفعل فعلا كالقائم والقاعد والمخرج والمستخرج "وهو اسم" يتناول غير المقصود وقوله: "مشتق" بالذات "من المضارع" يخرج المصادر وأسماء الذوات، وإنما حكم بكونه مشتقا من المضارع دون غيره لموازنته إياه في الحركات والسكنات والمفهوم من كلام بعضهم أنه مشتق من الماضي فكأنه نظر إلى أن الماضي أصل بالنسبة إلى المضارع، وأن التصرف في الاشتقاق من الماضي أقل وقوله: "لمن قام به الفعل" في الجملة فيدخل فيه نحو: زيد مقابل عمرو أو أنا مقرب من فلان أو مبتعد منه أو مجتمع معه، فإن هذه الأحداث نسبة بين الفاعل والمفعول لا يقوم بأحدهما معينا دون الآخر إلا أن قيامه ينسب إلى ما ينسب إليه الحدث صريحا ولا يعتبر قيامه بما نصب إليه ضمنا فكأنه قام بأحدهما معينا ويخرج أسماء المفعول والموضع والزمان والآلة دون أفعل التفضيل؛ لأن زيادة الكرم مثلا كرم فيصدق عليه أنه قام به الفعل، والأولى أن يقول لما قام، وذلك لأن المجهول أمره يذكر بلفظ ما واسم الفاعل لم يوضع للشيء باعتبار كونه عاقلا، بل وضع لمعنى قائم بذات عاقلة كانت تلك الذات أو غير عاقلة، ولعله قصد تغليب العاقل على غير العاقل وقوله: "بمعنى الحدوث" بحسب الوضع فدخل فيه نحو: مؤمن وكافر وواجب ودائم وباق وضامر في فرس ضامر وعالم في الله عالم يخرج الصفة المشبهة؛ لأن وضعها على الإطلاق لا الحدوث ولا الاستمرار، فإن قصد بها الحدوث ردت إلى صيغة اسم الفاعل فيقال: في حسن حاسن الآن أو غدا، وكذلك يخرج أفعل التفضيل؛ لأن معناه ليس بمقيد بأحد الأزمنة كالصفة المشبهة فمعنى كريم وأكرم شخص ثبت له الكرم وزيادة لا أنهما حدثا له "واشتق" اسم الفاعل "منه"؛ أي من المضارع "لمناسبتهما"؛ أي لمناسبة كل واحد من اسم الفاعل والمضارع الآخر
стр. 66
[شرح ديكنقوز]
"في الوقوع صفة للنكرة وغير" من المشابهات التي مر ذكرها وأعمل المصدر المعرف باللام على غير القياس "وصيغته"؛ أي صيغة اسم الفاعل "من الثلاثي" المجرد صحيحا كان أو غيره "على وزن ضارب" غالبا؛ إذ قد يجيء على وزن فعول كصبور وفعيل كرحيم "و" إنما ترك هذا القيد على أنه سيذكر هذين الوزنين "حذف علامة الاستقبال من يضرب" لئلا يتوهم من أول الأمر أنه مستقبل "وأدخل الألف" للفرق بينه وبين الماضي وخص الألف بالزيادة من بين سائر حروف المد "لخفتها بين الفاء والعين؛ لأنه"؛ أي الإدخال "في الأول يصير" اسم الفاعل "مشابها للمتكلم" على تقدير فتح الألف الذي هو الأصل لخفته نحو: أنصر وأضرب وأعلم وعلى تقدير الضم مع كونه ثقيلا يلتبس بالأمر في الوقف وبالمتكلم المجهول في مثل: يعلم ويلزم النزول من الضمة إلى الكسرة في مثل: يضرب، وعلى تقدير الكسر يلتبس بالأمر في مثل: يضرب ويعلم، ويلزم الخروج من الكسرة إلى الضمة في مثل: نصر ولا مجال لإبقائه على السكون وأن الإدخال في الآخر يصير أنه مشابها بتثنية الماضي بعد تحريك الفاء للضرورة "وكسر عينه"؛ أي عين المضارع فيما لم يكن مكسورا وعلم منه حكم ما كان مكسورا، وهو الإبقاء على الكسر ولذا لم يذكره "لأنه"؛ أي اسم الفاعل "بتقدير النصب"؛ أي الفتح أطلق حركة الإعراب على حركة البناء على طريق الاستعارة للمشابهة الصورية؛ أي بتقدير نصب عين المضارع لاستقامة منه فيما لم يكن منصوبا اتباعا لما كان منصوبا حتى يكون كله منصوبا "يصير مشابها لماضي المفاعلة" وكان التزام الزيادة بعد حذف علامة الاستقبال لدفع الالتباس بالماضي وإن كان من غير هذا الباب فلو اختاروا هذه المشابهة لوقعوا فيما فروا منه "وبتقدير الضم" فيما لم يكن مضموما اتباعا لما كان مضموما "يثقل" اسم الفاعل "وبتقدير الكسر" فيما لم يكن مكسورا للاتباع "أيضا"؛ أي كتقدير النصب "يلزم الالتباس بأمر باب المفاعلة ولكن أبقى" اسم الفاعل "مع ذلك" الالتباس "للضرورة" واختيار الالتباس أولى من اختيار الثقل؛ لأن لغتهم سالمة عن كل بشاعة وثقلة "وقيل اختيار
стр. 67
[شرح ديكنقوز]
الالتباس بالأمر أولى" من اختيار الالتباس بالماضي "لأن الأمر" مأخوذ "من المستقبل والفاعل مشابه به" بل اسم الفاعل مأخوذ من المستقبل أيضا على ما ذكره المصنف، ولهذه المناسبة اختير اتحادهما في الصيغة "وتجيء الصفة المشبهة" باسم الفاعل مع أنها لمن قام به الفعل ولفظا؛ لأنها تثنى وتجمع وتؤنث كما أن اسم الفاعل كذلك، وهي اسم مشتق من فعل لازم لمن قام به فقط على معنى الثبوت، وقولنا فقط ليخرج أفعل التفضيل؛ إذ كما يقوم الفعل لمن اشتق له يقوم به الزيادة أيضا، وباقي القيود ظاهرة ولم يتعرض لتعريفها، وتعريف أفعل التفضيل لقرب تعريفها من تعريف اسم الفاعل حتى عدا عند أهل هذا الفن من اسم الفاعل ولذلك لم يعدهما في المشتقات من المصدر وأوردهما في فصل اسم الفاعل وإما قدمهما على بيان صيغة اسم الفاعل من غير الثلاثي؛ لأنهما مختصان بالثلاثي "على هذه الأبنية"؛ أي ليست صيغ الصفة المشبهة قياسية كصيغ اسم الفاعل والمفعول؛ لأنهم لم يجروا فيها على قياس يضبط بأصل كما في اسم الفاعل والمفعول، بل أتوا بها مختلفة الصيغ مع اتفاق صيغة الفعل في كثير منها، ولم يأت شيء منها على القياس إلا الألوان والحلي والعيوب الظاهرة، فإنها أتي بها على أفعل كأبيض وأبلج وأعور "نحو فرق" بفتح الفاء وكسر العين وهذا غالب من فعل بكسر العين "وشكس" بفتح الفاء وسكون العين من فعل مكسور العين "وصلب" بضم الفاء وسكون العين "وملح" بكسر الفاء وسكون العين "وجنب" بضمهما "وحسن" بفتحهما "وخشن" بفتح الفاء وكسر العين "وشجاع" بضم الفاء "وجبان" بفتحها وهذه السبعة من فعل مضموم العين ولذلك ذكر خشن
стр. 68
[شرح ديكنقوز]
"وعطشان" بفتح الفاء وسكون العين من فعل مكسور العين "وأحول" بفتح الهمزة والعين وسكون الفاء "وهو"؛ أي وزن أحول "مختص بباب فعل" مكسور العين "إلا ستة" منه فإنها "تجيء من فعل" بضم العين "نحو أحمق وأخرق وآدم وأرعن وأعجف وأسمر، وزاد الأصمعي" على هذه الستة "الأعجم و" قال إنه من فعل بالضم أيضا "قال الفراء: الأحمق من حمق" بكسر العين "وهو لغة في حمق" بضم العين "وكذلك"؛ أي كما أن حمق يجيء بالضم "يجيء خرق وسمر وعجف أعني فعل" بضم العين "لغة فهن"؛ أي في هذه الثلاثة يعني أن أصلها من فعل بالكسر إلا أنها لغة من فعل بالضم "ويجيء أفعل" بفتح الهمزة والعين وسكون الفاء "لتفضيل الفاعل" على غيره وهو المبني على أفعل لزيادة صاحبه على غيره فى المصدر المشتق هو منه فيخرج عنه نحو فاضل وزائد وغالب ويخرج عنه أيضا نحو طائل؛ أي زائد فى الطول على غيره، ويدخل فيه خير وشر لكونهما فى الأصل أخير وأشرر فخففا بالنقل والاستغناء لكثرة الاستعمال، وقد يستعملان على القياس فى لغة رديئة وعليها جاء قولها: صغراها شراها هذا من قول امرأة قالت لحليلها: إني أتماوت فإذا دفنوني فأتني ليلا فأخرجني واذهب بي إلى مكان لا يعرفنا أهله، ثم فعلت المرأة ما قالت وأخرجها الرجل، وانطلق بها أياما إلى مكان آخر ثم تحولت إلى الحي بعد برهة، فبينا هى ذات يوم قاعدة مرت بها بناتها فنظرت إليها الكبرى، فقالت: أمي والله، وقالت لها الوسطى: صدقت والله، قالت المرأة:
стр. 69
[شرح ديكنقوز]
كذبتما ما أنا لكما بأم، ولا لأبيكما بامرأة، فقالت لهما الصغرى: أما تعرفان محياها وتعلقت وخرجت بها، فقالت الأم عند ذلك: صغراها شراها، وإنما يجيء أفعل التفضيل الفاعل بشرط كونه "من الثلاثى" احترز به عن الرباعى المجرد والمزيد فيه فإنه لا يجيء منهما حال كونه "غير مزيد فيه"؛ أي فى الثلاثى بشرط كونه "مما ليس بلون ولا عيب ولا يجيء من المزيد فيه" ولا مما كان فى حكمه من الرباعى المجرد والمزيد فيه "لعدم إمكان محافظة جميع حروفها فى أفعل" إذا لم تحذف منه شيئا وإن حذفت الزوائد فقلت: هو أخرج من استخرج معلا يلتبس بأفعل من الثلاثى؛ أي لم يعلم أن المراد منه كثير الخروج أو كثير الاستخراج "ولا يجيء" أيضا "من لون ولا عيب"؛ أي لا يجيء من عيب على القياس ظاهرا كان العيب أو باطنا، وأما ما جاء من العيوب الباطنة من نحو: أجهل وأحمق وأضل، فهو على غير قياس فعلى هذا لا يحتاج إلى تقييد العيب بالظاهر كيف وقد عد الزمخشري وصاحب اللباب والمصنف وغيرهم أحمق من الشواذ مع أنه من العيوب الباطنة "لأن" الشأن "فيهما"؛ أي فى اللون والعيب "يجيء أفعل للصفة فيلزم الالتباس"؛ إذ لو جاء فيهما أفعل للتفضيل أيضا فقيل: أسود مثلا لم يعلم أن المراد ذو سواد أو زائد في السواد، وإن قصد تفضيل الزائد على الثلاثة وتفضيل اللون والعيب توصل إليه بأشد ونحوه مثل: هو أشد منه استخراجا وأحسن منه بياضا وأحسن دحرجة وأقبح وأقبح عمى
стр. 70
[شرح ديكنقوز]
"ولا يجيء" أفعل "لتفضيل المفعول حتى لا يلتبس" تفضيل المفعول "بتفضيل الفاعل"؛ إذ لو قيل اضرب لم يعلم أن المراد أكثر ضاربية أو أكثر مضروبية "فإن قيل لم لا يجعل على العكس" بأن يجيء أفعل لتفضيل المفعول دون تفضيل الفاعل "حتى لا يلزم الالتباس قلنا: جعله للفاعل أولى" من عكسه "لأن الفاعل مقصود" حيث لم يتم الكلام بدونه "والمفعول فضلة في الكلام"؛ لأن الكلام يتم بدونه فبناؤه للمقصود أولى "وأيضا يمكن التعميم في الفاعل دون المفعول"؛ إذ لا مفعول إلا وله فاعل في الأغلب ولا ينعكس فلو جعلوه حقيقة في المفعول لبقي اسم الفاعل مع أنه أكثر عريا عن معنى التفضيل إلا بالقرينة لعدم اللفظ الدال عليه حقيقة ويبقى كثير من الأفعال بلا تفضيل؛ لأن المفعول لا يجيء من اللوازم والفاعل عام "ونحو أشغل"؛ أي أثر مشغولية "من" امرأة "ذات النحيين"؛ أي الزقين وقصتها معروفة "لتفضيل المفعول وهو"؛ أي فلان "أعطاهم"؛ أي أكثرهم إعطاء للدينار "وأولاهم"؛ أي أكثرهم إيلاء؛ أي إعطاء للمعروف "من الزوائد"؛ لأنهما من المعطي والمولى بضم الميم وكسر العين "وأحمق"؛ أي أكثر حماقة "من هبنقة" اسم رجل وقصته معروفة "من العيوب شاذ لا يقاس عليه
стр. 71
[شرح ديكنقوز]
ويجيء اسم الفاعل على" وزن "فعيل نحو نصير" بمعنى ناصر "ويستوي فيه"؛ أي في فعيل "المذكر والمؤنث" في المفرد والتثنية والجمع في جميع الأوقات "إذا كان" فعيل "بمعنى المفعول" وذكر الموصوف "نحو" رجل "قتيل" وامرأة قتيل بمعنى مقتول ومقتولة "و" رجل "جريج" وامرأة جريح بمعنى مجروح ومجروحة، وأما إذا لم يذكر الموصوف فإنهما لا يستويان، بل يفرقان بالتاء خوف اللبس، نحو: مررت بقتيل فلان وقتيلته اكتفى في الالتباس بالفاعل بالقرائن؛ إذ الالتباس بالأقرب أشكل "فرقا"؛ أي يستويان فيه حينئذ للفرق "بين" الفعيل بمعنى "الفاعل و" بينه بمعنى "المفعول" مع أن القرينة حاصلة بالموصوف، ويعلم من هذا أن فعيلا إذا كان بمعنى الفاعل لا يستوي فيه المذكر والمؤنث سواء أجريا على الموصوف أو لا، تقول رجل نصير وامرأة نصير ومررت بنصير زيد أو نصيرة هند، هذا هو الأكثر والأقل أنه لا يلزمة الهاء ولم يعكس؛ لأن الأصل عدم الاستواء فأعطي للفاعل الذي هو الأصل "إلا إذا جعلت الكلمة" أعني فعيلا من عداد الأسماء" وقبيلتها دون الصفات وحينئذ لا يستوي في فعيل الذي بمعنى المفعول المذكر والمؤنث، بل يفرق بينهما بالتاء ليكون دليلا على النقل من الوصفية إلى الاسمية، وإن كان الموصوف مذكرا نحو: كبش ذبيح ونعجة "ذبيحة" وصبي لقيط "و" صبية "لقيطة" فذبيح اسم لحيوان مذبوحه وعلى هذا ونظيره إطلاق أحمر على شخص له حمرة وإرادة أنه شخص ذو حمرة، ويجوز إطلاقه على شخص آخر له حمرة فيكون حينئذ صفة وتسمية شخص له حمرة بالأحمر وإرادة ذلك الشخص الأحمر، فحينئذ لا يجوز إطلاقه على شخص له حمرة بهذا الوضع فيكون اسما "وقد شبه به"؛ أي بالفعيل الذي بمعنى المفعول "ما"؛ أي الفعيل الذي "هو بمعنى فاعل" فيستوي فيه المذكر والمؤنث لموافقته له في اللفظ نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ و"نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بمعنى قارب والقياس أن يقال قريبة؛ لأنه مسند إلى ضمير الرحمة، وقيل إن قريبا هنا إنما ذكر؛ لأن رحمة مصدر والمصدر المؤنث يجوز تذكيره حملا على لفظ آخر في معناه، فالرحمة بمعنى الترحم أو بمعنى ذو رحمة أو لأن في الكلام حذفا؛ أي أن رحمة الله شيء قريب أو أثر رحمة الله قريب هذا على الأكثر، وأما على الأقل فلا حاجة إلى التأويل "ويجيء" على وزن "فعول للمبالغة"؛ أي لمبالغة الفعل وتكثيره "نحو منوع" بمعنى كثير المنع "ويستوي فيه"؛ أي في فعول "المذكر والمؤنث إذا كان" فعول "بمعنى فاعل" وذكر الموصوف "نحو امرأة صبور ورجل صبور" بمعنى صابرة ورجل صبور بمعنى صابر
стр. 72
[شرح ديكنقوز]
اكتفاء في الفرق بين المذكر والمؤنث بالموصوف، واكتفاء بالقرائن في الفرق بين الفاعل والمفعول على قياس ما ذكر في الفعيل، وأما إذا لم يذكر الموصوف فلا يستوي فيه لئلا يقع الالتباس بين المذكر والمؤنث "ويقال في فعول بمعنى المفعول نحو: ناقة حلوب" وحلوبة بالتاء في المؤنث وذكر الموصوف أولا فرقا بين المذكر والمؤنث، وأما الفرق بين الفاعل والمفعول فموكول إلى القرائن كما في فعول بمعنى الفاعل إذا ذكر الموصوف، ولما كان الغرض الفرق بين المذكر والمؤنث بدخول التاء في المؤنث اكتفى في صور عدم الاستواء بذكر أمثلة المؤنث نحو: ذبيحة ولقيطة وحلوبة؛ إذ يلزم فيه بقاء المذكر على حاله "فأعطي الاستواء" بين المذكر والمؤنث "في فعيل" إذا ذكر الموصوف "للمفعول" الاستواء لأحدهما وعدم الاستواء للآخر فيهما ولم يعكس؛ لأن في الفعول ثقلا لاشتماله على الضمة والفاعل كثير الاستعمال لجريانه في الأفعال كلها والخفة فيه مطلوبة، ولا شك أن الاستواء خفة فأعطي لما هو كثير الاستعمال "ويجيء للمبالغة" في الفعل من الفاعل قوله: "نحو صبار" فاعل يجيء بفتح الصاد وتشديد العين "وسيف مجزوم" بكسر الميم وسكون الفاء وفتح العين أو بالجيم والخاء المعجمة والحاء الغير المعجمة وبالذال المعجمة في الكل، ومعناه واحد وهو القطع "وهو"؛ أي وزن مجزم "مشترك بين الآلة" كالمثقب، ولهذا ذكر السيف ليتعين كونه مثالا للمبالغة "وبين مبالغة الفاعل" كمجزم "وفسيق" بكسر الفاء وتشديد العين "وكبار" بضم الفاء وتخفيف العين كعجاب "وطوال" بضم الفاء وتشديد العين وهذا مشترك بين الجمع المذكر المكسر لاسم الفاعل وبين مبالغة الفاعل، ولم يذكر اشتراكه بينهما اكتفاء بإرشاده إليه في المجزم مع اشتهار أمره في الجميع "وعلامة ونسابة" بفتح الفاء وتشديد العين فيهما، وأورد مثالين إشارة إلى كثرة استعمال هذا الوزن بالنسبة إلى أخواتها التي بالتاء، ونحو: صبار لشهرة كثرة أمره في كثرة استعماله لم يحتج إلى الإشارة إليها "وراوية" بكسر العين "وفروقه" بفتح الفاء وضم العين "وضحكة" بضم الفاء وفتح العين "وضحكة" بضم الفاء وسكون العين لمبالغة اسم المفعول، والأولى تأخيره عن أوزان مبالغة اسم الفاعل أجمع إلا أنه لما ناسب ضحكة بالفتح أورده عقيبه "ومجذامة ومسقام ومعطير"
стр. 73
[شرح ديكنقوز]
بكسر الميم ويكون الفاء في الثلاثة "ويستوي المذكر والمؤنث في التسعة الأخيرة" وهو من علامة إلى معطير، إلا أنه في السبعة الأول بالتاء في المذكر والمؤنث، وفي الأخيرين بدون التاء فيهما "لقلتهن" في الاستعمال، فإنها تقتضي أن لا يكون الموصوف بها على الأصل الذي هو عدم الاستواء، ويعلم منه أن غيرها على الأصل الذي هو الفرق بالتاء بين المذكر والمؤنث "وأما قولهم مسكينة" بالتاء في المؤنث مع أنه على وزن معطير وهو من التسعة الأخيرة "فمحمول على فقيرة" حمل النظير على النظير؛ لأنه بمعناه وهذا "كما" حمل النقيض على النقيض وقالوا "هي عدوة الله" بالتاء "وإن لم تدخل الهاء"؛ أي التاء أطلق عليها الهاء لصيروتها هاء في الوقف "في فعول الذي للفاعل حملا له على صديقة" بفتح الصاد وتخفيف الدال، فإنه فعيلة بمعنى الفاعل، وقد سبق أن الهاء يدخل عليه، وإنما حملوه عليه "لأنه"؛ أي صديقة "نقضية"؛ أي عدوة في المعنى؛ لأنه ما ليس بعدوة "وصيغته"؛ أي صيغة اسم الفاعل "من" باب "غير الثلاثي" المجرد؛ أي مما يكون حروفه زائدة على ثلاثة أحرف مطلقا "على صيغة المستقبل"؛ أي مستقبل ذلك الباب كائنة "بميم مضمومة" موضع حرف المضارعة بعد حذفه "وكسر ما قبل الآخر" لفظا "نحو مكرم" أو تقديرا نحو مختار ومحمر تبعا لمستقبله فيما إذا كان المستقبل مكسور العين وتبعا لمكسور العين فيما لم يكن المستقبل فيه مكسور العين كمتدحرج ومتضارب ومتكسر "فاختير الميم" للزيادة "لتعذر" زيادة "حروف العلة" التي هي الأولى بالزيادة، أما الواو فلأنها لا تزاد في الأول كما مر، وأما الياء فلعدم الفائدة في زيادتها؛ إذ لا معنى لحذف الحرف ثم الإتيان بمثله ولو فعله يلزم الالتباس، وأما الألف فللالتباس بالمتكلم "وقرب الميم من الواو في كونها شفويا وضم الميم"؛ إذ لا مجال للكسر؛ لأن الحرف الذي أقيم هو مقامه؛ أعني حرف المضارعة إما مضموم كما في الرباعيات أو مفتوح كما في الخماسيات والسداسيات، فالوجه أن يضم أو يفتح، فاختير الضم دون الفتح "للفرق بينه"؛ أي بين اسم الفاعل "وبين" اسم "الموضع"؛ إذ لو فتح لالتبس باسم المكان من الثلاثي المجرد المكسور العين "ونحو: مسهب للفاعل على صيغة المفعول" والقياس مسهب بكسر ما قبل الآخر؛ لأنه "من أسهب ويافع" على وزن فاعل والقياس موفع بضم الميم وكسر ما قبل الآخر؛ لأنه "من أيفع شاذ" لا يقاس عليه "وبني ما قبل تاء التأنيث على الحركة في نحو ضاربة"؛ أي إذا اتصل بآخر اسم الفاعل مطلقا تاء التأنيث كضاربة ومكرمة مع أن اسم الفاعل معرب وقوله: "لأنه"؛ أي ما قبل تاء التأنيث "صار بمنزلة وسط الكلمة" باتصال التاء به والإعراب لا يجري في الوسط، فبني تعليل للبناء لا للبناء على الحركة "كما" كان آخر الكلمة "في" اتصال "نون التأكيد به" نحو اضربن "و" اتصال "ياء بالنسبة" نحو: بصرى بمنزلة وسط الكلمة مبني وإنما بني على الحركة مع أن الأصل في البناء السكون لعروض البناء "و" بني "على الفتحة للخفة".
стр. 74
[شرح ديكنقوز]
فصل: في اسم المفعول:
سمي العلم المفعول مع أن اسم المفعول في الحقيقة هو المصدر؛ لأن المراد المفعول به يقال: فعلت به الضرب؛ أي أوقعته عليه، لكنه حذف حرف الجر فصار الضمير مرفوعا فاستتر؛ لأن الجار والمجرور كان مفعول ما لم يسم فاعله "وهو اسم" جنس شامل لغير المقصود "مشتق" فصل يخرج الأسماء الغير المشتقة "من يفعل"؛ أي من المضارع مبنيا للمفعول يخرج اسم الفاعل والصفة المشبهة وأفعل التفضيل والفاعل وأسماء الزمان والمكان والآلة، وإنما اشتق من المضارع دون غيره تبعا لاسم الفاعل لمؤاخاة بينهما وقوله: "لمن وقع عليه الفعل" أو جرى مجرى الواقع عليه نحو: أوجدت ضربا فهو موجد وعلمت عدمت خروجك فهو معلوم يخرج أسماء التفضيل بمعنى المفعول، نحو: أعذر وألوم؛ لأن اشتقاقه من يفعل مبنيا للمفعول، لكن ليس باعتبار وقوع الفعل، بل باعتبار اتصافه بالزيادة على الغير وإن كان واقعا عليه أو نقول هذا القيد لتحقق الماهية لا للاحتراز "وصيغته من الثلاثي" المجرد "على وزن مفعول" غالبا، وإنما ترك هذا القيد اعتمادا على ما سبق من أن فعيلا وفعولا يجيء بمعنى مفعول، وإنما سمي به؛ لأنه اسم ما فعل به على قياس ما ذكرنا في اسم الفاعل "نحو مضروب وهو مشتق من يضرب" مبنيا للمفعول "لمناسبة بينهما" في الإسناد إلى مفعول ما لم يسم فاعله "وأدخل الميم مقام" الحرف "الزائد" للمضارعة بعد حذفه وحركة بحركة لكونه قائما مقامه "لتعذر" إدخال "حرف العلة" لما ذكرنا في اسم الفاعل من غير الثلاثي، وقرب الميم من الواو في المخرج الشفوي "فصار مضرب" بضم الميم وفتح الراء "ثم فتح حتى يلتبس بمفعول باب الأفعال" ولم يكسر لئلا يلتبس باسم الآلة "فصار مضرب" بفتح الميم والراء "ثم ضم الراء حتى لا يلتبس بالموضع" من يفعل ويفعل بفتح العين وضمها على تقدير فتح الراء وبالموضع من يفعل بكسر العين على تقدير كسرها "فصار مضرب ثم أشبع الضم لانعدام مفعل في كلامهم بغير التاء" وأما مفعلة بالتاء نحو مكرمة فكثير في كلامهم فتولد منها الواو "فصار مضروب وغير مفعول الثلاثي دون مفعول سائر الأفعال"
стр. 75
[شرح ديكنقوز]
أي باقي الأفعال في الألتباس على تقدير ضم الميم؛ أعني مفعول باب الأعال فتدبر "و" دون "الموضع"؛ أي لم يغير الموضع؛ إذ يلتبس به على تقدير فتح الراء وكسره مع أن بتغيير أحدهما يزول الالتباس "حتى يصير" مفعول الثلاثي "مشابها في التغيير باسم الفاعل" من الثلاثي "أعني غير الفاعل" من الثلاثي "من يفعل" بفتح العين "ومن يفعل" بضمها "إلى فاعل والقياس فاعل" بفتح العين من يفعل بفتح العين "وفاعل" بضم العين من مضموم العين يعني أن اسم الفاعل في الثلاثي، وإن كان مثل يفعل في مطلق الحركات والسكنات، لكنه ليس الزيادة في موضع الزيادة ولا الحركات في أكثرها كحركاته، نحو: ينصر فهو ناصر ويحمد فهو حامد ففيه تغيير، وأما اسم الفاعل من باب الأفعال فهو كمضارعه في كون الزيادة في موضع الزيادة وفي حركة العين فلا تغيير فيه " فغير المفعول"من الثلاثي "أيضا" كالفاعل "لمؤاخاة بينهما"؛ أي بين الفاعل والمفعول في تعلق الفعل بهما إما من جهة الصدور كما في الفاعل، وإما من جهة الوقوع كما في المفعول فيكون بين اسميهما أيضا فغير أحدهما كما غير الآخر على ما هو مقتضى المؤاخاة "وصيغته"؛ أي صيغة اسم المفعول "من غير الثلاثي المجرد" مطلقا "على صيغة" اسم "الفاعل" منه ملتبسا؛ لأنه "بفتح ماقبل الآخر" لفظا أو تقديرا تبعا لفعله "نحو مستخرج" بفتح العين ومختار أصله مختير بفتح العين والمصدر الميمي واسم الزمان والمكان من غير الثلاثي على صيغة اسم المفعول منه لمشابهة الزمان والمكان بالمفعول في كونهما محلا للفعل، فجعل اسمهما كاسمه واتحاد المصدر الميمي باسمهما في بعض الثلاثي، فجعل صيغته كصيغتهما.