← Адаб

Адаб · id 23141

البحث الأدبي بين النظر والتطبيق

علي علي صبح

Полный текст (143 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمات مقدمة الطبعة الأولى ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الأولى: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفصح الخلق أجمعين، في هذه المحاضرات تناولت بالتحليل موضوعًا يهم طالب العلم، ولا يستغني عنه باحث، مهما كان بحثه في العلوم والآداب، وهو: "معالم البحث الأدبي" فذكرت فيه معنى البحث، وأهميته في نمو الفكر الإنساني، وشروطه وطبيعته وأنواعه، وعقباته، وجميع المراحل التي يجتازها الباحث، حتى يصل إلى نهاية بحثه، ويحقق فيه النتائج الجديدة، التي ينشدها كل باحث من عمله، ليؤدي دوره في بناء الفكر الإنساني، ويسمو بأمجاد ماضيه، ويسجل للأجيال من بعده واجبه المقدس في الحياة، نحو العلم والإنسانية. وتوخيت الحديث في البحث الأدبي بخاصة لسببين: أولا: هذه الدراسة وثيقة الصلة بلغتنا العربية وقواعدها وعلومها وآدابها وبلاغتها. ثانيا: قواعد البحث وأسسه ومنهجه عامة وشاملة، يصح تطبيقها على الفنون والآداب، واللغات والعلوم، يلتقي فيها غالبا فن الأدب، وعلم النحو، والبلاغة، والتاريخ والفلسفة، وسائر العلوم سواء بسواء. وبهذا الجهد المتواضع أسأل الله أن ينفع به والله ﵎ ولي التوفيق. علي علي صبح

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثانية: الحمد لله الذي هذب النفوس بمبادئ الإسلام، وطهر القلوب بنور القرآن، وشرح الصدور بعقيدة الإيمان، وهدى العقول بمنهج الشريعة الإسلامية. ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ ، ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ، ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ . والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ أدبه ربه فأحسن تأديبه ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ ، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ، اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الأطهار وأصحابه الأبرار، الذين انتهجوا نهجه وسلكوا طريقه ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ . هذا هو منهج الإسلام في التعليم والبحث والدراسة يعتمد على أسس علمية مستقيمة جاء بها التشريع الإسلامي، تقوم على الملاحظة والمتابعة والاستقراء والتأمل والتدبر والعقل ثم المعرفة والعلم والاعتقاد، ثم العمل والسلوك، ثم الشكر لله عز وجل

стр. 3

الذي أسبغ عليه هذه النعم ظاهرة وباطنة قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ ... ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ ... ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ... ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ .... ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ... ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ... ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ... ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .

стр. 4

وغيرها من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي لا تزال تحث الإنسان على أن يرى وينظر، ويتأمل ويعقل، ويتابع ويتدبر ويدرس ويناظر، ويبحث ويعلم، ليصل إلى الحقيقة عن طريق مسلماتها ومقدماتها. هذا هو منهج الباحث والعالم في دراسته وبحثه، يتخذ الأسس والمعالم في الاستقراء والتحصيل والبحث في قضية علمية أو أدبية، يعالج مشاكلها ومتاهاتها حتى يصل إلى نتائج علمية نابعة من الدراسة والنظر، وإلى حقائق أدبية ناتجة عن المتابعة والتحليل، وبذلك يقدم عملا علميا جادا ودقيقا. وتقتضي المعرفة والدراسة أن يميز الباحث بصفة عامة بين التحقيق والتوثيق، وبين البحث والرسالة والمقال، وبين الكتاب والموسوعة وبين التلخيص والتقرير. وتقتضي أيضا أن يتعامل الباحث مع المصادر والمراجع في جمع المادة العلمية على أسس ينبغي تحقيقها في شخصيته العلمية؛ ليسير في دراسته على منهج علمي في اختيار الموضوع، وتحديد الخطة والمنهج، والتعرف على المصادر والمراجع والدوريات وكيفية القراءة والاطلاع، وطرق جمع المادة وتدوينها، والحنكة في الصياغة والأسلوب والدقة في عرض الأصول والهوامش والحواشي والفهارس، وغير ذلك مما يتصل بمعالم البحث الأدبي، ليكون العمل العلمي جديدا وجادا، يضيف إلى المكتبة العلمية والأدبية نتائج جديدة يؤدي بها الباحث واجبه نحو الفكر الإنساني والحضارة الإسلامية

стр. 5

العربية؛ فيحيا به عصره حين يأخذ دوره في مراحل الرقي والتقدم، ويعد طورا من أطوار التاريخ الإنساني والأدبي والعلمي والله ولي التوفيق. علي علي صبح

стр. 6

الفصل الأول: البحث مدخل ... الفصل الأول: "البحث" البحث عن الشيء هو الوقوف على مفهومه والوصول إلى حقيقته والتعرف على جوانبه المختلفة، تقول: بحث الشيء إذا نقب فيه ومحص أجزاءه، لينتهي فيه الباحث إلى حقيقته يوضح جوهره ويسبر أغواره، ويجلي عناصره وأفكاره. ثم أطلق البحث على كل عمل أدبي أو علم يقوم به الباحث ليكشف عن الحقيقة في قضية أدبية أو فكرة علمية أو ظاهرة شعرية، ولذلك يعد البحث أو الرسالة من باب الدراسات الدقيقة التي تعرض تقريرا علميا متأنيا، يوضح الحقيقة لظاهرة أدبية أو نظرية علمية، كما يعد من الأعمال الجادة التي تنتهي إلى حكم دقيق في قضية شعرية، وقد انتهى الباحث إلى نتيجة طبيعية لفكرة علمية، أو مشكلة اجتماعية، أو ظاهرة أدبية، أو قضية شعرية. وقد يكون البحث كتابا يتسع لمئات الصفحات فيقسمه صاحبه إلى أفكار، يضع لكل فكرة فصلا حتى آخره، أو يقسمه إلى أبواب، كل باب يحتوي على فكرة عامة تندرج تحتها معان جزئية كثيرة، يصلح كل معنى لبناء فصل مستقل ينبع من الفصل السابق ويمهد للاحق، وجميع الفصول تدور حول فكرة الباب، وكل باب في الكتاب يلتقي مع موضوع البحث.

стр. 7

وكذلك الأمر لو كان البحث رسالة يتقدم بها طالب للحصول على درجة علمية مثل درجة التخصص "الماجستير" أو درجة العالمية "الدكتوراه" فالطالب يقسم موضوع رسالته إلى فصل فقط، أو إلى أبواب تضم من خلالها فصولا تتلائم مع فكرة كل باب فيها. وقد يكون البحث مقالة، وعلى الكاتب هنا أن يلتزم التركيز والإيجاز والدقة والإشارة، بلا تقسيم للمقالة إلى أبواب أو إلى فصول، وإن قسمها إلى أفكار وعناصر من خلال مقدمة وعرض ونتيجة مرتبة على أفكار نامية؛ لينتهي إلى الحقيقة التي ينشدها في مقاله، ويوضح مكنونها لقرائه. وقد يكون البحث موسوعة، وعلى الباحث هنا أن يتناول موضوعه في أجزاء كثيرة تتسع له، وقد تربو أجزاء الموسوعة فوق العشرين جزءا، وكل جزء بدوره يعتمد على فصول فقط، أو على أبواب تندرج تحتها فصول، على النحو السابق في الكتاب. وتعد الموسوعة دائرة معارف لتنوع أفكارها وشمول تراكيبها، فالبحث الدقيق يعتمد على فكرة جزئية أو يقوم على موضوع محدد يسبره الباحث، ويكشف جوانبه، أما الموسوعة فإنها تشمل موضوعات غزيرة متألفة لأدنى ملابسة، وتضم قضايا شتى موصولة بأسباب واهية قريبة أو بعيدة. وقد يكون البحث تحقيقا لنص أدبي أو لمخطوط من كتب التراث العربي القديم، فيكون الباحث على بصيرة تامة ووعي دقيق بكيفية التحقيق ووسائله المختلفة، وعلى خبرة واسعة بالخطوط والمؤلفات القديمة ومناهج الكتاب والمعاجم والتراجم، وتاريخ الأدب ومراحله، والعصور الأدبية ورجالها وأعلامها، ودور الكتب والنشر وخزائن المخطوطات، ودورها في جميع أنحاء العالم، وتلك مهمة شاقة، تحتاج إلى وقت طويل وجهد متواصل، في صبر ودأب حتى يتسم العمل بالجدة والأمانة، والبحث العلمي الدقيق.

стр. 8

مادة البحث: وتختلف مادة البحث باختلاف موضوعه؛ فقد تكون في علم من العلوم، مثل علم الفلسفة أو الاجتماع، أو مثل علم الفقه أو التوحيد، وقد تكون في فن من الفنون مثل فن الأدب أو فن الشعر أو في قضية من قضايا النقد الأدبي. وعلى ذلك فالموضوع العلمي له مادته المستقلة التي تخضع له، والموضوع الأدبي له مادته الأدبية المتميزة التي تحمل خصائصه وسماته، وإن كان الحديث هنا سيكون عن مادة البحث الأدبي في اللغة العربية على سبيل المثال؛ ليكون صالحا للتطبيق على أي مادة في بحث العلوم الأخرى والفقه والبلاغة والتاريخ. ومادة البحث الأدبي تعتمد على جملتها على الأدب شعرا كان أو نثرا، ونحن نعلم أن للشعر فنونه من الشعر الغنائي والشعر الموضوعي والشعر التمثيلي والمسرحي، وله أغراضه من مدح ووصف وغزل ورثاء وغير ذلك، وللنثر الأدبي ألوانه وأنواعه من مقال

стр. 9

أدبي، ورسالة، وخطبة، وقصة، وأقصوصة، ومسرحية نثرية وفن السيرة الأدبي وغيرها. والأدب فن إنساني رفيع يصور مشاعر الإنسان وعواطفه ويجسد خواطر النفس وأحاسيسها؛ فيخرج في صورة جذابة ولوحة فنانة تشد الانتباه وتوقظ المشاعر، وتحرك العواطف وتثير الانفعالات، لأن الأدب وبخاصة الشعر تحمل الكلمة فيه إيحاءات نثرية فوق معناها اللغوي، ويفيض عليها بمدلول شعوري ينبع من شعور الأديب التي يجيش بالعواطف الحارة ومن نفسه المفعمة بالخواطر والأحاسيس. فالعقل حينما يسجل حقائق التاريخ، أو يقرر قضية في المنطق، أو يحدد معنى لغويا في اللفظ، فإنه يجرد اللفظ من كل الملابسات الحسية والتخييلية، التي أفادها اللفظ من كثرة الاستعمال، وما أفاضت عليه المشاهد والأحداث في الحياة من إيحاءات وإشارات، فكلمة "تضرم" و"تطفئ" في صورة ابن الرومي "للأخرق" التي يقول فيها: وأخرق تضرمه نفخة ... سقاها وتطفئه تفلة فأخلاقه تارة وعرة ... وأخلاقه تارة سهلة فالكلمة الأولى "تضرم" عند المؤرخين والمناطقة واللغويين تفيد الزيادة في الاشتعال، والكلمة الثانية عندهم "تطفئ" تفيد خمود النار وانطفاءها، وحين اختارهما ابن الرومي في الصورة الأدبية، أضاف إلى معناهما المجرد معان كثيرة، وإيحاءات متعددة من مشاهدهما الحسية، التي وضعت من أجلها هاتان

стр. 10

الكلمتان، ثم ما اكتسبه كل منهما منذ نشأته، حتى أخذ مكانه من التصوير عند الشاعر، فإن الكلمة في هذه الفترة اكتسبت كثيرا من الملابسات والمشاعر المختلفة، وبقدر استيعاب الشاعر والناقد الأدبي لهذه المشاهد والملابسات يكون غناء الكلمة وثراؤها الشعوري والتاريخي. فابن الرومي بهذين اللفظين وحدهما يصور حقيقة الأخرق وطبيعته المتوفرة: هو نار في خلاء مترام سواء أكان وعرا أو سهلا، إن تنسمت رياحه قليلا اضطرمت هذه النار وعم اشتعالها، واتسع ضررها، وجلبت المخاوف والآلام، وخيم الموت على المؤمل منهما النفع؛ لأنه لا حاجز في الخلاء، ولا ساتر يصد عن النار الرياح إن نشطت، ومع ذلك تنطفئ النار بالرذاذ الذي يتطاير من الأفواء، إن سكتت عنها النسيم، ثم نتخيل بعد ذلك ألفاظ البيتين وهي: "تضرم، نفخة، سقاها، تطفئه، تفلة، وعرة، سهلة" متنوعة الملابسات والخيالات، فقد انتقل بناء ابن الرومي فعلا بهذه الألفاظ إلى الواقع المحسوس في صحراء اجتمعت فيها تلك المشاهد في البيتين؛ لتتجلى فيهما صورة الأخرق؛ فهو إنسان يتراءى لبني جنسه بالخير الذي يعود على المجتمع، ولكنه إذا استثير لأتفه الأسباب كان هو الشر المستطير، فلا بيقي ولا يذر كما تراه متفتح الأوداج، سريع الحركات مدمر الضربات، طائش اللب، لا ينطوي إلا على شر خبيث لنفسه ولمجتمعه. هذه هي صورة الأخرق في مدلولها الشعوري، كما جسمها

стр. 11

اللفظ المحسوس، وما يتميز به في الشعر من مدلول شعوري عنه في التاريخ والمنطق واللغة وسائر العلوم. والأدب أيضا لا يعتمد على العقل وحده كالشأن في غيره من العلوم، ولكنه يعتمد على العقل والخيال معا، لأن الخيال لغة العاطفة الحارة، ولسان الشعور الحي الفياض، كما أن الحقيقة لغة العقل والفكر، والخيال والعقل غير متناقضين، بل هما يسيران معا جنبا إلى جنب في الكشف عن جوهر الحقائق، والخيال الحيوي المنتج هو المرحلة القوية النابضة للوصول إلى الحقائق، والوسيلة الجيدة في الكشف عن أسرارها، لأنه هو الصلة القوية في الإنسان العاجز عن إدراك الحقيقة، يهتك به أستارها المحجبة التي تند عن الأفهام؛ فهو يعمل ليحقق ما يصبو إليه المتخيل من آمال حرم منها في واقعه الذي يعيشه، وما لا يستطيع الواقع أن يحققه له. والخيال ملكة في نفس الأديب تحقق التوازن بين الأشياء وتؤلف بين المتناقضات وتوفق بين المتعارضات، وتمزج بين الإحساس الجديد الطارئ، وبين القديم المخزون في النفس، وتركب بين الواقع المرئي المشاهد، وبين الواقع المذاب في الذهن، وتنظم بين الانفعال العادي، وبين الدرجة العالية منه؛ ليتم من وراء ذلك تأليف الصور المختلفة للخيال، التي يؤمها الأديب في بناء جديد، نتج عن علاقات جديدة من الأشياء المأخوذة من الواقع بالتغيير في أحجامها وأشكالها

стр. 12

وعناصرها وتراكيبها، فالأديب لا يقنع بالعلاقات بين الأشياء المصورة كما هي في الواقع، ولا يقتصر على فهمها وبيانها فقط كالشأن في الخواطر العقلية، ولكنه يغيرها ويقيم غيرها أو يبدل في بعضها، أو يضيف علاقات جديدة، يبث فيها من روحه وتنبض بحيوية من قلبه، وتنتظم من شعوره الذاتي وإحساسه المفرد. وبملكة الخيال يحس الشاعر بالحياة والحركة والروح في كل شيء، ويتردد أصداء ذلك في نفسه، وتشف عن روحه؛ فيشعر بوشوشة الأغصان التي تكشف عن أسرار الجمال بمقدم الربيع، فالأديب الحق هو الذي يؤثر في النفس بخياله الرائع؛ فيستخدم الأشكال والألوان، في نسق عجيب، وتصوير بديع، ليظهر الأدب في صور أزهى من الواقع، وأقوى من الطبيعة في ألوانها وأشكالها المنثورة هنا وهناك. والأدب أيضا يعتمد على عنصر آخر لا يوجد في العلوم، وهو الموسيقى، إذ بها يتميز عن العلوم في باب التعبير بالكلمة، والموسيقى تعبير رمزي عن شعور أو عاطفة أو انفعال نبع اللحن فيه من أوتار خاصة، وعلى نحو خاص، وهي في ذاتها فن مستقل له أصوله، ولكن الإيقاع فيه ليس مقصورا عليه، بل لقد نالت الفنون الأخرى حظا منه، يختلف كل فن فيها من حيث الشكل والنوع، والدرجة، والوضوح. فشكل الإيقاع في الرقص تعتمد على حركات الجسد وتوقيعاته المختلفة، وفي الرسم رقعة وألوان وأضواء وظلال، وفي التمثال

стр. 13

تمايز بين أجزائه المختلفة، وفي الأدب صوت ينبع من كلمات تستقبله أذن الناقد، ويحكم عليها بذوقه الأدبي وحسه اللغوي. ومن حيث النوع؛ فنرى الإيقاع في الرقص حركات وتوقيعات مختلفة، وفي الرسم وثبة تدل على حيوية اللوحة، وفي التمثال توفز ولو في بريق عينيه أو فغر فاه، وفي الأدب حركات وإيقاعات تفيض بوحي ومخزون شعوري، تتمثل في حروف صائتة، أو علاقات صامتة. ومن حيث درجة الإيقاع فقد تعنف الدرجة في الرقص وتنساب حسب اللون المعروض، ولكنها تنتهي بانتهاء الموقف أو المشهد، وفي الرسم والتمثال تقدر درجة الحركة فيهما بلمحة أو لحظة من الزمن، وفي الأدب تختلف فيه درجة الإيقاع حسب الغرض، وتبقى ما بقي النص متداولا بين الناس. ومن حيث وضوح الإيقاع فتراه في الرسم والتمثال، يكاد يكون الإيقاع غامضا فيهما، مما يحتاج إلى دقة ملاحظة للوقوف عليه، والرقص أكثر وضوحا منهما، وإن كان دون الأدب في الوضوح بحكم أن لذته لا يستغني عنها إنسان، فيها يتعامل ويعيش بين مجتمعه، فالإنسان اجتماعي بطبعه؛ فغير المتعلم من عوام الناس يدرك مدى خفة إيقاع الكلمة وثقلها على سمعه، وقبول ذوقه لها ونفرته منها. والموسيقى بأنواعها في الأدب عنصر أساسي كبير فيه، وركن أصيل تعتمد عليه، فلو تجرد منها الشعر فقد قيمته، وخرج من دائرة الأدب إلى دائرة

стр. 14

أخرى تهتم بتوصيل الحقيقة على أي وجه، من غير إثارة للمشاعر، وبالإيقاع في الشعر يكتمل الشكل الفني له، بحيث يعد من عيوب الأدب الذي يأخذ بتلابيب النفس، ويكون موطن الدراسة والتحليل والنقد. والنفس بطبيعتها متألفة الأجزاء، منسقة الأعضاء وفي صورتها الجميلة التي هيأها الله لها، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ لهذا الانسجام التام فيها، واستواء الخلق المتكامل لها تستجيب النفس لنظائرها في الحياة، والتي تتشابه معها في الوجود، يقول الرسول الكريم ﷺ : "الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف". وعلى ذلك تكون النفس أشد استجابة للأشياء المنسقة التي تقوم على نظام رتيب، وإيقاع موزع في تناسب وتناسق، لأن الإيقاع والموسيقى من أقوى الظواهر التي تستجيب إليها النفس من غير وعي ولا شعور، كالشأن في الخيال وهو ظاهرة غامضة أيضا نوعا ما؛ فإنه يجذب النفس إليه لسحر كامن فيه، وسيظل كل من الخيال والموسيقى لغزا غامضا محيرا، يكتفي الناقد في توضيحه بالتعرف على إيحائه وإشارته، والإيحاء والإشارة من أقوى عوامل التأثير في النفس، بل هما من الوسائل الحية التي تنقل ما في النفس من المعاني والمشاعر والعواطف.

стр. 15

والأدب أيضا يعتمد على العاطفة مثل اعتماده على الخيال والموسيقى؛ فالعاطفة في الأدب تقف إزاء العقل، وتمتزج بألوان الفكر فيه، وتقوم المشاعر أيضا بتعميق الأفكار وإثرائها، وإضفاء الحيوية والقوة في جزئياتها، وعلى ذلك فلا يستطيع الأديب أن يثير العاطفة في الآخرين، إلا بعمل مشحون بالعاطفة والمشاعر، وكل منهما في نفسه وثيق الصلة بالإيقاع، ووثيق الصلة أيضا بالخيال للغموض الذي يلفها جميعا. والمادة في البحث الأدبي تختلف باختلاف ذوق الباحث وبميوله الذاتية والأدبية، وإيثاره لاتجاه معين ولون خاص من مواد الأدب التي يجيد الكتابة فيه، ويسبر أغواره، ليصل في دأب إلى الحقيقة التي ينشدها في بحثه، ولا تخرج المادة المختارة في البحوث الأدبية غالبا عن هذه الموضوعات، التي قد تكون صالحة للدراسة والبحث؛ وهي: ١- عصر أدبي معين: مثل العصر الجاهلي أو عصر صدر الإسلام أو العصر المملوكي وهكذا. ومثل هذا الموضوع له خطورته وعقباته التي تقف دون الباحث لتحقيق المراد؛ بسبب سعته وشموله لقضايا تصلح كل قضية منها لأن تكون بحثا مستقلا. ٢- البحث عن "شاعر" معين من الشعراء في أي عصر من العصور الأدبية، فيختار الباحث مثلا البحتري أو ابن الرومي أو أحمد شوقي، أو إبراهيم ناجي وغير ذلك، ولا يخلو هذا النوع من الاعتساف أحيانا؛ لأن الشاعر المترجم له قد يكون مكثرا

стр. 16

وعبقرية فذة في إنتاجه الأدبي، وقيمه الفنية الغنية بالدراسة مثل أبي الطيب المتنبي، وحينئذ يختار الباحث جانبا واحدا من قيمه الفنية الكثيرة، وهذا أقرب إلى الأصالة في البحوث والجد في تناولها. ٣- البحث في "موضوع" خاص من موضوعات الأدب مثل غرض من الأغراض الشعرية، وفن من فنونها كالشعر السياسي في العصر الأموي، أو النقائض الشعرية فيها، أو الشعوبية وأثرها في الشعر العباسي، أو أدب الكدية وأثره في اللغة العربية، أو ظاهرة التكسب عند شاعر، أو الوطنية، أو التيار الإسلامي أو الحب العذري، أو الجانب القصصي، وما شابه ذلك. ٤- البحث عن ميلاد نظرية جديدة في الأدب العربي، مثل الصنعة في الشعر العباسي، أو التصوير عند ابن الرومي أو الالتزام عند الشاعر عبد الحميد، أو نظرية "الفن للفن" أو "الفن للحياة" في الشعر العربي وهكذا. ٥- تحقيق "مخطوطة" في الأدب من التراث العربي القديم فيقوم بتوثيقها، والموازنة بين نسخها المختلفة، ويتعرف على أقدمها وأقربها إلى صاحبها، ويجمع الأخبار الخاصة بها من خلال كتب التراجم والموسوعات الأدبية، التي تحدثت عنها، وقد يكون التحقيق لنص أدبي في العصر الجاهلي والعباسي، فيقوم الباحث بتوثيقه ونسبته إلى قائله، وشرحه وتفصيله وتحليله ونقده، وتوضيح قيمه الفنية، ويربط بين خصائصه الدقيقة وبين

стр. 17

خصائص الأدب في زمنه. ٦- البحث عن فن من فنون النثر الأدبي مثل فن المقالة ونشأته في الأدب العربي، أو فن القصة أو المسرحية النثرية، وفن السيرة الأدبي، وقد يكون البحث عن جنس أدبي في فن الشعر مثل المسرحية الشعرية عند شوقي، أو الشعر القصصي عند عمر بن أبي ربيعة، وغير ذلك، وقد يكون عن اتجاه أدبي كالقصة الواقعية أو التاريخية أو التحليلية، أو البناء الفني في القصة عند نجيب محفوظ، أو عند المازني، أو تيمور. ٧- البحث عن "مدرسة" من مدارس الشعر أو النثر الأدبي مثل مدرسة المحافظين في الشعر الحديث في العصر الحديث، أو "مدرسة الديوان"، أو "مدرسة أبولو"، وغير ذلك، أو في أدب الرحلات وسواها.

стр. 18

الأسس التي ينبغي تواجدها عند الباحث: الباحث الدقيق في دراسته والدارس المجيد في بحثه ينبغي أن تتحقق فيه أسس تعين على الدقة، وتجتمع في نفسه دعائم تكشف عن أصالته، وتتميز بها شخصيته عن غيره، فيما لو كتب هو وغيره في موضوع واحد، وهذه الأسس هي: ١- أن يكون الباحث واسع الاطلاع موفور الثقافة، جم المعارف، خاض غمار المصادر والمراجع التي تتصل بموضوع بحثه ولو لأدنى ملابسة، وقرأها قراءة شاملة، ووقف طويلا عند كل فكرة

стр. 19

من أفكاره وأطال النظر متأنيا في كل فكرة، وهو يقوم آنذاك بالتحقيق والتحليل والتطبيق والاستنتاج، فإذا كان موضوع البحث في العصر الأموي "النقائض في الشعر الأموي"، فينبغي على الباحث فيه أن يتناول كل الأصول القديمة التي عاصرت الموضوع، والأصول التي جاءت بعد ذلك طوال العصر العباسي من مصادر كثيرة مثل "النقائض بين جرير والفرزدق" لأبي عبيدة، وكذلك "النقائض بين جرير والأخطل"، ومن الموسوعات "الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني" وسوى ذلك، وينبغي على الباحث استقراء المراجع الحديثة التي كتبت عن الموضوع مثل تاريخ النقائض في الشعر العربي، لأحمد الشايب وغيرها. ٢- اليقظة التامة، والحذر الشديد من آراء الآخرين، وتجنب التقليد فيها، فلا يسلم الباحث بها كحقيقة واقعة، بل ينبغي أن يكون شديد الحذر من كل رأي، يقظا في كل اتجاه، وعلى وعي تام بالآراء التي قيلت حول الموضوع، وعلى بصيرة نافذة لفهم الحقائق، والبعد عن التزييف والتقليد. ٣- أن يشفع الباحث آراءهم في البحث بالأدلة القوية والبراهين الساطعة التي ترد الخصم، ويذكر العلل والأسباب التي تقف دون المعارضين لرأيه، وذلك في أسلوب قوي يملك عليهم مشاعرهم، وتصوير بارع ينفذ إليهم من كل منافذ الإدراك من عقل وحس وعاطفة ووجدان. ٤- أن يقف الباحث على النتائج وأصالتها وعناصر الجدة فيها

стр. 20

التي انتهى إليها الباحث قبله في موضوعه، ويتأكد من صدق هذه النتائج وفاعليتها وقتها وصلتها الوثيقة بالموضوع، ثم يبدأ من حيث انتهى إليه الغير، ليصل إلى نتائج جديدة، فيكون عملا علميا جديدا من نوعه، خلع عليه ثوب الجدة والابتكار، وإلا اتصف بحثه بالتكرار والتقليد، والمعاودة والتزييف. ٥- أن تبرز شخصية الباحث من خلال عرضه لموضوعه، وأن تظهر بصماته في كل فصل من فصوله، فالبحث الدقيق والرسالة الجيدة هي التي تحمل القارئ لكي يتعرف على شخصية صاحبها من خلال جزئياتها وأفكارها وأسلوبها ونتائجها وغير ذلك، مما يدل على أصالة الباحث وقدرته على الكتابة وعلى موهبته الفنية في التفسير والتدليل، وأصالة الباحث وظهور شخصيته هما من العوامل الأولى في نجاح البحث وجودته. ٦- أن تكون لديه ملكة لتذوق الشعر والأدب حتى يكون حكمه صادقا وصحيحا؛ إذا حكم على قيمة فنية من القيم الشعرية، وهذه الملكة تتكون في النفس من كثرة المران والمتابعة في دراسة النصوص الأدبية، والوقوف التام على النظرات النقدية في كل عصر من العصور الأدبية، ثم التعرف على المذاهب النقدية الحديثة واتجاهاتها لفهم التصوير الأدبي، هذا إلى جانب حفظه لكثير من النصوص الأدبية جاهلية وإسلامية وأموية وعباسية ونصوص من الشعر الحديث، ويكون الأساس الأول "وهو سعة الاطلاع" له أثره الكبير في تعميق ذوقه وثرائه الفكري، كما يساعد حفظ النصوص الشعرية وفهمها على ذوقه المفعم بالعواطف والمشاعر، وبهما يحدد العواطف والمشاعر في النصوص الأدبية الذي هو موضوع الدراسة والبحث.

стр. 21

أغراض البحث: الدراسات الجديدة هي أساس النهضة الفكرية وركائز الحضارة، والبحوث المبتكرة من دعائم التقدم العلمي والرقي الأدبي، ولولا ذلك لتبلد الإحساس والشعور، وعجز العقل واللسان، ودارت كل أمة حول نفسها ونظرت تحت أقدامها، وفي هذا قتل للمعرفة التي عن طريقها يسخر العقل الكائنات لخدمة البشر على أحدث أشكالها، وفي هذا موت للمشاعر التي بها يهذب الأدب إحساس الجماهير، ويعمق إدراكهم ويدخل إلى عقولهم من منافذ الوجدان والعاطفة والشعور، وجميعها يخضع لها العقل ويستجيب لها الفكر، وفي هذا أيضا دعوة إلى العجز والتبلد، والكسل والتنطع، فيتوقف سير التقدم، ويتقيد الانطلاق الحضاري والرقي الفكري. لذلك كله، كان الغرض من الدراسات العلمية نهوض الأمم وشحذ الهم، وكان الهدف من البحوث الأدبية والرسائل العلمية الحركة الدائبة للعقل البشري؛ فيحل مشكلة، ويضع نظرية، توفر على الإنسان جهدا ومالا ووقتا؛ أو تحريك العاطفة والشعور ليهذب الأديب عواطف الآخرين ومشاعرهم، ويسمو بأصحابها إلى درجة من

стр. 22

الرقي البشري والتهذيب الأخلاقي؛ حتى يكون مواطنا صالحا وإنسانا مهيئا لخدمة نفسه وأهله ووطنه والإنسانية كلها. ومن هنا نرى الباحث حين يدرس يختار موضوعا من تراثه الأدبي والعلمي القديم فيعمل على تحقيقه وبعثه من جديد، وهو بهذا العمل يحيي أمجاد أمته ويزيل الغبار عن حضارة ماضيه، ويسمى هذا العمل في ميدان البحث بالتحقيق، وعلى الباحث أن يوضح بالدراسة القيم التي اشتمل عليها السفر المحقق ورأيه القوي المدعم بالبراهين في ذلك. وقد يتجه الباحث إلى حل مشكلة أدبية قديمة عجز دونها النقاد القدامى لتوفر الدواعي والأسباب لديه، أو دراسة قضية نقدية لم تتضح قبله، وعليه حينئذ أن يعرض القضية كما هي، يضع لها الحلول المدعمة بالأدلة والأقيسة العقلية، ثم يوضح العوامل التي استعان بها في حل القضية، وهل هذه العوامل نبعت من عصر الباحث ولم تتيسر للنقاد القدامى؛ أو كانت موجودة عندهم ولكنهم لم يفطنوا إليها، وهكذا حتى يصل إلى جوهر القضية ويقف القارئ على حقيقتها. وقد يتناول الباحث موضوعا جديدا لم يسبقه إليه أحد؛ فيوضح نشأته ونموه وقيمته ونتائجه الفعالة؛ التي أسهمت في الرقي الأدبي والعلمي، ويؤيد هذا بقوة الإقناع وروعة التأثير. وقد يعرض الباحث مدرسة أدبية جديدة أو مذهبا نقديا جديدا، فيبين أصوله ورواده وأثره، وغير ذلك من الدراسات الدقيقة التي تكشف عن أصالة المدرسة وعراقة المذهب وشخصية الباحث. وقد يضيف البحث والدرس إلى الأدب والنقد فنا أدبيا جديدا لم يكن موجودا من قبل ذلك، مثل فن المسرحية الشعرية على يد إمامها شوقي، ومن سار على دربه مثل عزيز أباظة وغيره، فيقف هذا الفن الشعري بجوار الفنون القديمة، كالغزل والمديح وغيرها.

стр. 23

الفرق بين الكتاب والرسالة والمقالة والتقرير والتلخيص والتحقيق مدخل ... الفرق بين الكتاب والرسالة والمقالة والتقرير والتلخيص والتحقيق: يشمل البحث والدراسة هذه الأنواع وهي "الكتاب" والرسالة و"المقالة" و"التقرير" و"التلخيص" و"التحقيق" لأن المؤلف للكتاب، والباحث للرسالة الجامعية، والكاتب "للمقالة" وغيرها، كل هؤلاء يتخذ كل الوسائل العلمية للبحث والتنقيب، حتى يتحقق لموضوعه أو فكرته تفوقا وتأثيرا في النفوس، وأثرا قويا في التوجيه والإصلاح أو التهذيب والبناء أو الإضافة والجدة والابتكار. وهذا هو ما نحسه في الظاهر، ولكن هذه الدراسات وإن اتفقت فيما تقدم إلا أن لكل واحد منها سمات تميزها عن الآخر، وخصائص تنفرد بها عما سواها؛ لتكون حدا فاصلا بينها وبين غيرها.

стр. 24

الكتاب: قد يختار الباحث موضوعا واسعا يشمل أكثر من قضية أدبية، أو يمتد فيشمل عصرا أدبيا كله أو عصرين، مثل الكتب الدراسية المقررة في تاريخ الأدب أو النصوص الأدبية؛ فنرى كتابا يشمل العصر الجاهلي والعصر الإسلامي، وآخر يشمل العصر الأموي والعباسي الأول، والعصر الواحد في جانب الرسائل الجامعية يصلح لرسائل علمية كثيرة تتجاوز المئات أو تزيد مثل العصر الأموي أو العصر العباسي الأول. وهذا ما لا يجوز في عرف الرسالة وإن جاز في سوق الكتاب الذي يجمع ما تفرق؛ ليقارن ويوازن، ويحدد الخصائص والسمات للمضمون والشكل بكل عناصرهما. وليس من الضروري لمؤلف الكتاب أن يقف عند جزئية من جزئياته قاضيا عادلا يحكم في كل أمر، ويستخدم ذوقه وفكره، بل يكتفي أحيانا بحشد الآراء وسوق المقولات حول موضوعه، مع تعقيبات لا تكشف عن جرأة أو كشف جديد غالبا إلا في القليل النادر لبعض القضايا العارضة.

стр. 25

الرسائل الجامعة والبحث العلمي: والأمر في الرسالة الجامعية يختلف كثيرا عن الكتاب؛ إذ الباحث هنا يناقش كل فكرة ويدلي فيها برأيه وذوقه، وينصب نفسه حكما في كل نتيجة يصل إليها مقدرا في نفسه أنها ستكون موضع النقد والتجريح؛ لذلك يعمل جاهدا على أن يكون حكمه ورأيه مدعما بالأدلة التي تقنع الآخرين، ويعرضه في إطار علمي وتصوير أدبي يملك مشاعر المعارضين ويقنعهم، وبذلك يضيف جديدا إلى التراث القومي، ويرسي لبنة في بناء الفكر الإنساني الذي يعمل كل باحث على أن يشارك في نهضته ورقيه. والنتائج التي يصل إليها الباحث في رسالته الجامعية تعد قسما مشتركة بينه وبين المشرف؛ إذ هما معا يتحملان مسئولية كل النتائج، بينما مؤلف الكتاب هو وحده الذي يتحمل مسئولية كل فكرة فيه، لأن المؤلف يرجع إليه الأمر وحده فيما كتب. والرسالة الجامعية لا يجوز نشرها قبل إجازتها عن طريق تشكيل لجنة علمية من بينها الأستاذ المشرف، تناقش الباحث في محفل عام، فإن أجازت اللجنة رسالته واستحق عليها درجة علمية كان من حقه أن ينشرها للقراء. وأما المقالة فلها خصائص كثيرة التي تميزها عن أختيها السابقتين الرسالة والكتاب، وستتضح سماتها من خلال فكرة موجزة عنها وعرض سريع لمفهومها ونشأتها وأنواعها وأهميتها وخصائصها.

стр. 26

المقالة: اختلف النقاد في تحديد مفهوم المقالة، فقد وضعوا لها تعاريف تدل على مدى فهم الناقد لها ودرجة شموله لجزئياتها. فقد وردت تعريفات لها مختلفة؛ فنراهم يقولون أنها قطعة مؤلفة متوسطة الطول، وتكون عادة منشورة في أسلوب يمتاز بالسهولة والاستطراد، وتعالج موضوعا من الموضوعات وكأنها تعالجه -على وجه الخصوص- من ناحية تأثر الكاتب به١ وجاء في فنون الأدب٢: أنها في صميمها قصيدة وجدانية سيقت نثرا، لتتسع لما لا يتسع له الشعر المنظوم.. وأن الأسلوب الجيد في المقالة يجب أن يكون ذاتيا لا ينبني على أساس عقلي ولا يبسط حقائق موضوعية. وغير ذلك من مفاهيم لها، ونقادنا المحدثون يصفونها بقولهم: إنها قطعة نثرية محدودة الطول والموضوع، تكتب بطريقة عفوية سريعة، خالية من التكلف والرهق، وشرطها الأول أن تكون تعبيرا صادقا عن شخصية الكاتب٣. ويرى العقاد أنها تكتب على نمط المناجاة والأسمار وأحاديث الطرق بين الكاتب وقرائه، وأن يكون فيها لون من ألوان الثرثرة أو الإفضاء بالتجارب الخاصة والأذواق الشخصية٤. أو أنها كلام ليس المقصود به التعمق والتركيز، وهي في مدلولها الحديث ثرثرة بليغة محببة، يبدأ صاحبها ولا يعرف كيف ينتهي٥، أو أنها لا تستوفي الحقائق كلها وإنما يختار

стр. 27

كاتب المقال جوانب من الموضوع الذي يطرقه للبحث والنظر ويسلط عليه أضواء فكرة، ويلونها بلون شخصيته، وهو في هذا العرض يكشف عن مدى قدرته الفنية ... بل يستلزم كذلك القدرة على انتقاء المواد المناسبة، وإنماء فكرة وتحديد الهدف، والمقالة قبل كل شيء عمل فني يستدعي إتقانه والتبريز فيه اقتران الموهبة بالممارسة والتجربة، فتلتقي حينئذ في كاتب المقال الصفات العقلية بالمزايا الشخصية، لأنها -أي المقالة- تعبير عن وجهة نظر خاصة١. وغير ذلك من التعريفات التي تحدد عناصرها وتوضح أفكارها، وأرى أن المقالة نمط تعبيري حي، يتجاوب مع أحداث الحياة، وبها نتعرف على ملامح كل جديد، وخصائص كل محدث من سياسة وأدب ونقد واجتماع وعلوم، في أقرب وقت وبأقل جهد يبذله، وعناصر المقالة هي: أ- تجنب المقدمات الطويلة. ب- وضوح الفكرة وطرافتها. ج- حسن العرض وجمال النسق. د- الاستدلال عليها والانقياد لها طوعا. هـ- الاعتماد على عناصر التشويق التي تتفتح لها مغالق النفس.

стр. 28

و ألا يظهر الكاتب في المقالة متحيزا لرأي أو مذهب أو منساقا لهوى. س- أنها فن نثري تقف بجوار القصة والأقصوصة والمسرحية والرسالة والخطبة. نشأتها وأطوارها: والمقالة بمفهومها الفني الحديث السابق تكاد لا توجد في أدبنا العربي القديم إن صح أن يقال: إنها تمثل بهذا المفهوم البناء الفني لها الأخير والحديث معا. وكانت قديما توجد على هيئة رسائل تكتب في شتى النواحي الأدبية والإخوانية والفكاهية، في الجوانب السياسية والاجتماعية والعلمية وفي الغزل والمديح والوصف وغير ذلك، وتتمثل في الرسائل الإخوانية والعلمية والنقدية كرسالة عبد الحميد الكاتب، التي يضع فيها الأسس والقواعد للكتابة الديوانية، فهي شبيهة بالمقالة السياسية، ورسائل الجاحظ في فصول كتابه "البخلاء" وهي مقالات فكاهية تنم عن روح الجاحظ الخفيفة العذبة، وصحيفة بشر بن المعتمر المشهورة. وكذلك الأمر عند أبي حيان التوحيدي في "مقابساته" أو "الإمتاع والمؤانسة" فعبرت مقالاته فيهما عن غريزة الفكر، وهي جميلة العرض دقيقة الموضوع.

стр. 29

ولما كان العصر الحديث قد دخلت فيه الصحافة النشاط الإنساني، وأصبح الفن الصحيفي قوي التأثير واسع الانتشار سريع الإفادة -اهتم بالمقالة، ونمت في ظلاله، وتحدد مفهومها الفني الشامل في أرقى درجة عرفت من يوم ميلاده في أدبنا العربي القديم، وكان للصحافة أثر كبير في المقالة: أ- قربت الصحافة لغة المقالة من الجماهير فطوعت أسلوبها وآلات تراكبيها. ب- أصبح لها رواد يحددون خصائصها، ويهذبون متونها وإمامهم في ذلك الشيخ محمد عبده. ج- أصبحت المقالة هي المسايرة الحية في نقل التشريعات والأوامر والتوجيهات من الحكومة إلى الرعية. د- تعدد الصحف والمجلات التي اشتملت على المقالة السياسية والأدبية والاجتماعية والعلمية مثل "الوقائع المصرية، وادي النيل، الوطن، مرآة الشرق، روضة الأخيار" ومن كتابها رفاعة رافع الطهطاوي وعبد الله أبو السعود. ثم صحف الأهرام، مصر، التجارة، الفلاح، الحقوق ومن كتابها الشيخ محمد عبده، ومحمد المويلحي، وسعد البستاني، ومحمد عثمان جلال، وعبد الرحمن الكواكبي وغيرهم. ثم صحف السفور، اللواء، الاستقلال، السياسة، البلاغ، الأخبار، الأسبوع، المصري، الأساس، الدستور" ومن روادها

стр. 30

عبد الحميد حمدي ومحمد فريد وجدي، ومحمود عزمي ومحمد حسين هيكل، وعبد القادر حمزة وأمين الرافعي والمازني وغيرهم، هذا بالإضافة إلى المجلات الأدبية والعلمية التي انتشرت في جميع العالم الإسلامي والعربي. وفي هذه الصحف وعلى أيدي هؤلاء الرواد تحددت خصائص المقالة، وأصبحت فنا أدبيا له رونقه وسحره في النفوس، وأصبحت رائجة كرواج الأقصوصة والقصة، بل أكثر رواجا منهما، لأنها لا يخلو منها موضوع يقال، سواء أكان موضوعا في النقد أو الأدب أو الاجتماع أو السياسة أو العلم؟ وانتهت المقالة في أطوارها المختلفة بتحديد ملامحها التي سبق أن ذكرتها والتي ستظهر أكثر حينما نعرض أنواعها وخصائص كل نوع. أنواعها: وتتنوع المقالة إلى نوعين: وهي المقالة الذاتية والمقالة الموضوعية ولكل منها أقسام سأوضحها بالتفصيل: ١- المقالة الذاتية: وهي التي تعتمد على عاطفة الكاتب وشعوره فهو يتحدث عن ذات نفسه أمام خاطرة أو مشهد أو حدث؛ ليصور انطباعه الذاتي لهذه الأمور.

стр. 31

وأن يسير الكاتب فيها على غير النسق المنطقي، وإن كان في تسلسل ونمو بالفكرة حتى ينتهي إلى آخرها، وألا يثير الجدل والنقاش في التصوير، وألا يعتمد على التوجيه والإرشاد وإلا دخلت في إطار المقالة الموضوعية، وتتركب المقالة الذاتية من: أ- المضمون: وهو الفكرة والمشهد أو الحدث الذي أثاره الكاتب وجعلها موضوع حديث في المقالة. ب- القالب: وينبني فيها على أمرين: ١- التصميم: وهو التصوير التركيبي لها والتخطيط البنائي الذي يضعه الكاتب نصب عينيه بين حين وآخر حتى ينتهي إلى الخاتمة. ٢- الأسلوب: ويتحدد في انتقاء الكلمة واختيار العبارة والتنسيق بين التركيب، وملائمة الإيقاع للموضوع. أقسام المقالة الذاتية: ١- المقالة الشخصية: وهي التي تعبر عن ذات الشخص وعواطفه ومشاعره. ٢- في النقد الاجتماعي: وهي التي تقوم بنقد العادات والتقاليد في المجتمع. ٣- المقالة الوصفية: وتعتمد على دقة الملاحظة، فيتعاطف فيها الكاتب مع عناصر الطبيعة، ويبعث الحياة فيها من روحه فيحبها وتحبه ويشعر بها وتشعر به.

стр. 32

٤- في وصف الرحلات: وهي المقالة التي تسجل العالم الجديد والاكتشافات الجديدة. ٥- مقالة السيرة: وهي ترجمة للإنسان الحي أو صوره له كما هو في الواقع بين الناس مثل مقالات "المازني، العقاد، طه حسين، البشري". ٦- المقالة التأملية: وهي التي تصور مشكلات الحياة الدقيقة وأسرار الكون الخفية، ونوازع النفس البشرية مثل أحمد أمين في مقاله "الحظ". ٢- المقالة الموضوعية: وهي العمل الذي تختفي فيه شخصية الكاتب وتبرز المادة فيها مدروسة لها عناصرها التي لا دخل للعاطفة فيها، وتخضع لخطة منهجية تتسم بالدقة والوضوح والاستنتاج، والترقيم والتدليل. تركيبها: وتتركب من: ١- المقدمة التي تبنى على مسلمات ومعارف لدى القراء لا تحتمل منهم إنكارا، أو تصادف اعتراضا، مع مراعاة صلتها الوثيقة بالموضوع وقربها للأفهام. ٢- العرض ويشتمل على العناصر الرئيسية للموضوع سواء أدت إلى نتيجة واحدة، أو تعددت نتائجها، لا يضير شيئا ما دامت العناصر خاضعة للفكرة الرئيسية والغرض منطقيا أو واقعيا ومؤيدا بالبراهين.

стр. 33

٣- الخاتمة: وهي نتيجة المقالة وثمرتها، ولا بد أن تكون النتيجة طبيعية فيها، مقتنعة واضحة، صريحة. أقسامها: ١- المقالة النقدية: وهي التي تناولت موضوعات النقد الأدبي والإصلاح الاجتماعي، وكانت تظهر في مجلة "البيان" لعبد الرحمن البرقوقي و"الرسالة" للزيات، ومن أشهر رجالها العقاد وطه حسين، والمازني وشكري وغيرهم. ٢- المقالة الفلسفية: وهي التي تعرض شئون الفلسفة، وتقوم بالتحليل والتفسير والقضايا الغامضة، مثل مقالات أحمد لطفي السيد، وزكي نجيب محمود. ٣- المقالة التاريخية: وتعتمد على الروايات والأخبار، والحقائق لتحصيلها وتنسيقها وتفسيرها وعرضها عرضا تاريخيا دقيقا. ٤- المقالة العلمية: وتتناول نظرية علمية أو مشكلة تحتاج إلى التعرف عليها وعرضها عرضا علميا موضوعيا مثل مقالات دكتور أحمد زكي. ٥- مقالة العلوم الاجتماعية: وهي التي تعرض شئون السياسة ومسائل الاجتماع، ومشكلات الاقتصاد عرضا موضوعيا يعتمد على الأرقام والإحصائيات الدقيقة والموازنات، بالتحليل والتعليل والوضوح والبعد عن الخيال والتصوير البياني وترك المحسنات المتكلفة

стр. 34

التقرير: يتعرض الباحث في حياته العلمية لمواقف تقتضي منه أن يرفع تقريرا عن عمل علمي أو أدبي أو إحصائي أو عمل ميداني، أو غير ذلك؛ ليعطي صورة كاملة ودقيقة في إيجاز عن أحد هذه المجالات المختلفة لأهداف يقتضيها البحث العلمي أو الحياة العلمية في المجال الميداني، وعلى ذلك ينبغي رعاية ما يأتي: أولا: الخصائص الفنية للتقرير ١- اختيار الألفاظ الدقيقة التي تعبر عن المعنى بوضوح فلا يحتاج من القارئ إلى تأمل أو روية. ٢- ينبغي أن تكون الجمل قصيرة الفقرات، ولا يعتمد على الجمل الطويلة الممتدة، مع التنسيق بينها بعلامات الترقيم. ٣- ألا تطغى العواطف الحارة والمشاعر المتدفقة على عرض الحقائق في التقرير، بل ينبغي أن يتجرد من العواطف الشخصية والمشاعر الذاتية، حتى تتصف الحقائق فيه بالموضوعية. ٤- ألا يفسح للخيال طريقا للتعبيرات بصوره البيانية كالاستعارة والتشبيه والكناية والمجاز، فإن هذه الصور، تخفي الحقيقة وتجعلها غامضة غير واضحة؛ فتحتاج إلى وقت طويل للتعرف عليها، وهذا لا يتلاءم مع منطق الوضوح في عرض التقرير. ٥- عرض الحقائق كما هي في الواقع بلا زيادة أو نقصان ليكون العمل جادا ومثمرا.

стр. 35

٦- ينبغي أن يعرض التقرير في إطار محدد، يحتوي على فقرات منسقة حسب اختلاف الموضوعات؛ لينفرد كل موضوع بفقرة متميزة ومستقلة. ٧- ينبغي أن يستخدم الأرقام والإحصائيات الدقيقة بعد الاستقراء الشامل والدقيق. ٨- لا بديل عن الإيجاز والتركيز في عرض حقائق التقرير، بحيث تؤدي الجملة ما يراد منها في أضيق الحدود، ومن أقرب الطرق من غير تكرار أو إطناب أو تفصيل أو تعليق أو اهتمام بالحواشي والهوامش. ٩- أن تكون له مقدمة تشتمل على موضوع التقرير في لمحة سريعة لا تتجاوز عدة أسطر. ١٠- ألا يغيب عن خاطر الباحث لحظة أنه مسئول عما يحتويه التقرير من حقائق تطابق الواقع في مجال البحث. ثانيا: شخصية الباحث في التقرير ١- عرض النتائج التي توصل إليها الباحث بإيجاز في نهاية التقرير، وذلك من خلال الحقائق المعروضة في موضوعه. ٢- حصر الملاحظات العامة التي تعبر عن وجهة نظره في مجال البحث بإيجاز. ٣- عرض المقترحات التي تجعل عمله جادا ودقيقا ومثمرا بحيث يصحح فيها الأخطاء ويحدد المقتضيات والأهداف.

стр. 36

التلخيص: لا يستغني الباحث في أعماله العلمية والأدبية عن تلخيص مقال أو بحث أو كتاب، لكي يعرضه في صورة موجزة وسريعة يحدد فيها منهج الآخرين في مؤلفاتهم والنتائج التي انتهوا إليها، ولهذا ينبغي أن يسير الباحث مترسما الخطوات التالية: ١- عرض موجز ودقيق عن المؤلف وعصره لبيان مكانته العلمية والأدبية مما يكون له أثر واضح في كتابه. ٢- عرض موضوع الكتاب وأهداف المؤلف من معالجة هذا الموضوع وطريقة نشره وتوزيعه وطبعته وتاريخها. ٣- منهج صاحب الكتاب في تناول بحثه فمثلا في الأدب هل سار على المنهج التاريخي؟ أو المنهج النفسي أو المنهج الفني أو المنهج التكاملي؟ أو غير ذلك؟ ٤- خطة الكتاب، وما سار عليه المؤلف من تقسيمه إلى فصول فقط أو أبواب يتفرع من كل باب فصول متعددة. ثم يعرض الباحث ما يتضمنه كل فصل من حقائق في إيجاز بأسلوب بعيد عن المبالغة والعواطف الذاتية والمشاعر المتدفقة وعن صور الخيال والأساليب الفضفاضة الواسعة. ٥- تحديد نوع المصادر والمراجع التي اعتمد عليها المؤلف وهل

стр. 37

كان متفقا معها؟ متتبعا خطواتها، وعلى ذلك لم ينته المؤلف إلى نتائج جديدة، لا لأنه أعاد وكرر لما في المصادر والمراجع السابقة عليه، أو سار المؤلف في عمله على نحو جاد وبناء، لأنه اتخذ هذه المراجع والمصادر أساسا ومنطلقا لتحقيق فكرة جديدة توصل إلى نتائج لم تكن موجودة من قبل. ٦- شخصية المؤلف داخل البحث: هل كان موضوعيا في تناول القضايا؟ أم كان يعبر عن تجربته الذاتية؟ فتحدث عن شخصه لا عن موضوع الكتاب؟ كذلك يحدد الباحث اتجاه المؤلف فقد يلتزم التحليل والنقد والموازنة، وقد يتجه إلى إثارة القضايا والمشاكل؛ لكي يشغل محتوى الكتاب بالرد، والنقاش والجدل. ٧- على الباحث في النهاية أن يعرض النتائج بإيجاز وبأمانة التي توصل إليها صاحب الكتاب، وأهمية هذه النتائج في مجال البحوث العلمية المعاصرة، ومدى ما أحدثته من آثار -في هذا الجانب العلمي. ٨- ينبغي على الباحث ألا تظهر شخصيته في عرض التلخيص ولا يعبر عن وجهة نظره نحو الكتاب الذي يقوم بتلخيصه إلا حينما يتخذ هذا المؤلف منطلقا وأساسا لبحثه الجديد؛ لكي ينطلق منه إلى آفاق جديدة لم تكن موجودة فيه. ٩- ولا يصح أن يتعرض الباحث حين ينقد الكتاب الملخص إلى شخص المؤلف، وإنما ينقد قضايا الكتاب مجردة عن صاحبها.

стр. 38

١٠- أن يكون نقد الباحث بناء وجادا ومثمرا ليثري الحياة العلمية بما هو نافع وجديد.

стр. 39

التحقيق: ومجال آخر في البحوث وهو التحقيقات لمخطوطات من كتب التراث العربي لإخراجها في مجال البحث والدراسة، وتيسر الاطلاع عليها بالتوضيح والطبع والنشر، وذلك في عمل شاق وجاد يحتاج إلى جهد كبير ودقة علمية في تحرير النصوص المخطوطة وتوثيقها في أمانة وتحقيق. فالأصول الأولى التي يتناولها الباحث في بحثه، ينبغي أن تكون صحيحة في نسبتها إلى صاحبها وفي متنها موثقة برواة ثقاة اشتهروا في التراث بالنزاهة والصدق والدقة والتحري، أمثال الأصمعي البصري، والمفضل الكوفي، وابن سلام الجمحي، وابن الأعرابي، وغيرهم، كما ينبغي أن يعرف الباحث الرواة الذين اهتزت فيهم هذه الثقة وطعنهم القدماء، أمثال حماد الراوية وخلف الأحمر، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وغيرهم. يقول المفضل الضبي: "قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده، فلا يصلح أبدا، فقيل له: وكيف ذلك؟ أيخطئ في روايته أم يلحن؟ قال: ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، لا ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها، ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه مذهب الرجل، ويدخله في شعره، ويحمل ذلك عنه في الآفاق؛ فتختلط أشعار

стр. 40

القدماء، ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك؟ وسلط حماد على الكوفة، كما ابتليت البصرة بخلف الأحمر وكذلك ما فعله علماء السير، مثل ابن إسحاق، الذي ذكره ابن سلام في قوله: وكان ممن أفسد الشعر وهجنه وحمل كل غثاء منه محمد بن إسحاق بن يسار مولى آل مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف، وكان من علماء الناس بالسير.. فقبل الناس الأشعار وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر، أوتى به فأحمله، ولم يكن ذلك له عذرا فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرا قط، وأشعار النساء فضلا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود؛ فكتب لهم أشعارا كثيرة وليس بشعر، وإنما هو كلام مؤلف معقود بقواف. ولذلك كان على الباحث أن يوثق الأصول بكل ملابساتها أثناء التحقيق، وحين يستشهد بها في بحثه العلمي، والتوثيق عندي ركن من أركان التحقيق؛ لأن توثيق الكلمة المحققة هو ذكرها كما وردت في الكتاب المحقق بخطئها كما هي، فالباحث بهذا يوثقها فيجمع بين التحقيق والتوثيق ليكون أمينا في عمله العلمي. الأصول الأولى في التحقيق: أولى النصوص بالتحقيق هي الأولى المنسوبة إلى صاحبها، التي كتبها بنفسه، أو أملاها على تلاميذه، أو أجازها بعد
следующие страницы →