← Адаб

Адаб · id 23141

البحث الأدبي بين النظر والتطبيق

علي علي صبح

Полный текст (143 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

التلخيص: لا يستغني الباحث في أعماله العلمية والأدبية عن تلخيص مقال أو بحث أو كتاب، لكي يعرضه في صورة موجزة وسريعة يحدد فيها منهج الآخرين في مؤلفاتهم والنتائج التي انتهوا إليها، ولهذا ينبغي أن يسير الباحث مترسما الخطوات التالية: ١- عرض موجز ودقيق عن المؤلف وعصره لبيان مكانته العلمية والأدبية مما يكون له أثر واضح في كتابه. ٢- عرض موضوع الكتاب وأهداف المؤلف من معالجة هذا الموضوع وطريقة نشره وتوزيعه وطبعته وتاريخها. ٣- منهج صاحب الكتاب في تناول بحثه فمثلا في الأدب هل سار على المنهج التاريخي؟ أو المنهج النفسي أو المنهج الفني أو المنهج التكاملي؟ أو غير ذلك؟ ٤- خطة الكتاب، وما سار عليه المؤلف من تقسيمه إلى فصول فقط أو أبواب يتفرع من كل باب فصول متعددة. ثم يعرض الباحث ما يتضمنه كل فصل من حقائق في إيجاز بأسلوب بعيد عن المبالغة والعواطف الذاتية والمشاعر المتدفقة وعن صور الخيال والأساليب الفضفاضة الواسعة. ٥- تحديد نوع المصادر والمراجع التي اعتمد عليها المؤلف وهل

стр. 37

كان متفقا معها؟ متتبعا خطواتها، وعلى ذلك لم ينته المؤلف إلى نتائج جديدة، لا لأنه أعاد وكرر لما في المصادر والمراجع السابقة عليه، أو سار المؤلف في عمله على نحو جاد وبناء، لأنه اتخذ هذه المراجع والمصادر أساسا ومنطلقا لتحقيق فكرة جديدة توصل إلى نتائج لم تكن موجودة من قبل. ٦- شخصية المؤلف داخل البحث: هل كان موضوعيا في تناول القضايا؟ أم كان يعبر عن تجربته الذاتية؟ فتحدث عن شخصه لا عن موضوع الكتاب؟ كذلك يحدد الباحث اتجاه المؤلف فقد يلتزم التحليل والنقد والموازنة، وقد يتجه إلى إثارة القضايا والمشاكل؛ لكي يشغل محتوى الكتاب بالرد، والنقاش والجدل. ٧- على الباحث في النهاية أن يعرض النتائج بإيجاز وبأمانة التي توصل إليها صاحب الكتاب، وأهمية هذه النتائج في مجال البحوث العلمية المعاصرة، ومدى ما أحدثته من آثار -في هذا الجانب العلمي. ٨- ينبغي على الباحث ألا تظهر شخصيته في عرض التلخيص ولا يعبر عن وجهة نظره نحو الكتاب الذي يقوم بتلخيصه إلا حينما يتخذ هذا المؤلف منطلقا وأساسا لبحثه الجديد؛ لكي ينطلق منه إلى آفاق جديدة لم تكن موجودة فيه. ٩- ولا يصح أن يتعرض الباحث حين ينقد الكتاب الملخص إلى شخص المؤلف، وإنما ينقد قضايا الكتاب مجردة عن صاحبها.

стр. 38

١٠- أن يكون نقد الباحث بناء وجادا ومثمرا ليثري الحياة العلمية بما هو نافع وجديد.

стр. 39

التحقيق: ومجال آخر في البحوث وهو التحقيقات لمخطوطات من كتب التراث العربي لإخراجها في مجال البحث والدراسة، وتيسر الاطلاع عليها بالتوضيح والطبع والنشر، وذلك في عمل شاق وجاد يحتاج إلى جهد كبير ودقة علمية في تحرير النصوص المخطوطة وتوثيقها في أمانة وتحقيق. فالأصول الأولى التي يتناولها الباحث في بحثه، ينبغي أن تكون صحيحة في نسبتها إلى صاحبها وفي متنها موثقة برواة ثقاة اشتهروا في التراث بالنزاهة والصدق والدقة والتحري، أمثال الأصمعي البصري، والمفضل الكوفي، وابن سلام الجمحي، وابن الأعرابي، وغيرهم، كما ينبغي أن يعرف الباحث الرواة الذين اهتزت فيهم هذه الثقة وطعنهم القدماء، أمثال حماد الراوية وخلف الأحمر، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وغيرهم. يقول المفضل الضبي: "قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده، فلا يصلح أبدا، فقيل له: وكيف ذلك؟ أيخطئ في روايته أم يلحن؟ قال: ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، لا ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها، ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه مذهب الرجل، ويدخله في شعره، ويحمل ذلك عنه في الآفاق؛ فتختلط أشعار

стр. 40

القدماء، ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك؟ وسلط حماد على الكوفة، كما ابتليت البصرة بخلف الأحمر وكذلك ما فعله علماء السير، مثل ابن إسحاق، الذي ذكره ابن سلام في قوله: وكان ممن أفسد الشعر وهجنه وحمل كل غثاء منه محمد بن إسحاق بن يسار مولى آل مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف، وكان من علماء الناس بالسير.. فقبل الناس الأشعار وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر، أوتى به فأحمله، ولم يكن ذلك له عذرا فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرا قط، وأشعار النساء فضلا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود؛ فكتب لهم أشعارا كثيرة وليس بشعر، وإنما هو كلام مؤلف معقود بقواف. ولذلك كان على الباحث أن يوثق الأصول بكل ملابساتها أثناء التحقيق، وحين يستشهد بها في بحثه العلمي، والتوثيق عندي ركن من أركان التحقيق؛ لأن توثيق الكلمة المحققة هو ذكرها كما وردت في الكتاب المحقق بخطئها كما هي، فالباحث بهذا يوثقها فيجمع بين التحقيق والتوثيق ليكون أمينا في عمله العلمي. الأصول الأولى في التحقيق: أولى النصوص بالتحقيق هي الأولى المنسوبة إلى صاحبها، التي كتبها بنفسه، أو أملاها على تلاميذه، أو أجازها بعد

стр. 41

أن أملاها، أو قرأها، مع إثبات ما يفيد ذلك في النسخة أو في غيرها من كتب التراث، وهذه النسخة تعد "النسخة الأم" أما النسخ التي أخذت عن الأم فتسمى "بالفروع" وتقدم النسخة الفرع عن أختها، إذا كانت أقدم في الزمن تاريخا، وأسبق في الكتابة والنسخ، وتعد هذه "الفروع" أصول ثانوية مع النسخة "الأم" اللهم إن فقدت "الأم" فتقدم أقدم النسخ الفرعية وأدقها في النسخ والإحاطة والتوثيق، وتصير هي النسخة "الأصل" وما عداها من "الفروع" تعد ثانوية. هذا إذا كانت الأصول والفروع منسوبة إلى كاتبها المعروف الثقة، فإن جهلت النسبة يكون ترتيبها على النحو الآتي: أولا: الأقدم تأريخا: ثانيا: إن انعدم التاريخ فيكون بالخط، فإن لكل عصر خطا يتميز به عن العصر الآخر، وهذا يحتاج إلى مهارة وحذق في معرفة الخطوط. ثالثا: فإن لم يتيسر التمييز بالخط، فالأمر يرجع إلى قدم الورق ونوعه فإن لكل عصر اتجاها عاما في استعمال نوع من الورق اشتهر في الكتابة أثناء العصر. ملحقات بالأصول الأولى: يلحق بالأصول الأولى ما نقله المؤلف في كتابه من المخطوطة سواء أتى على جميع المخطوطة أو على بعضها، فيعد هذا

стр. 42

المنقول أصلا في التحقيق إن لم توجد النسخة الأم، أو فرعا في التحقيق إن وجدت. أما النسخة المصورة عن المخطوطة فتكون كالأصل تماما الذي أخذت عنه الصورة، سواء أكان أما أو فرعا، وكذلك يلحق بالأصول النسخة المطبوعة التي فقد أصلها، ولم يستطع الباحث الوصول إليها، فتعد هذه النسخة المطبوعة أصل المخطوطة. وكذلك المسودات المكتوبة بخط المؤلف تكون نسخة ملحقة بالنسخة المبيضة للمؤلف، فهي الأصل، لأنها من حيث العرف هي النسخة التي يغلب عليها النضج والكمال، فالمبيضات في الغالب تعد عملا تاما في الإخراج. وإذا تكررت المبيضات، فتصدر عن صاحبها أكثر من مبيضة كما هو معروف في العصر الحديث بالطبعة الأولى والطبعة الثانية والثالثة وهكذا، فإن لم ينص المؤلف على التمييز بينها، فتعد المبيضات كلها نسخة أصلية واحدة، وإن نص على أحدها بأنها هي التي اعتمدها؛ لأنها اشتملت على تحقيقات ومراجعات وزيادات، مما جعلها كاملة دقيقة، فيؤخذ بقوله هذا، وتعد في نظرنا هي "الأصل" المقدم على غيره، وما عداه فهو ثانوي. وتكرار المبيضات أمر مشهور في كتب التراث، أشار إلى ذلك ابن النديم في الفهرست، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، وكذلك الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، وياقوت الحموي في

стр. 43

معجم الأدباء وغيرهم. توثيق العنوان: من العقبات التي تكابد المحقق تحقيق العنوان وتوثيقه، فهذا أمر شاق يحتاج منه إلى حذر وذكاء وخبرة في فن التحقيق؛ لأن الجهل بالعنوان يتخذ أشكالا تمويهية متنوعة، فتارة تسقط الأوراق التي تنص على العنوان، وتارة تظل كما هي، ولكن العنوان يكون مطموسا فيها، قد تآكلت حروفه، أو عبثت به الأيادي قصدا، فغيرته بعنوان آخر. فأما الحالة الأولى: حين تكون الأوراق التي تحمل العنوان مفقودة، سواء أكانت الورقة الأولى، أو كانت الأوراق التي تشتمل على مقدمة الكتاب، وغالبا ما يشير فيها المؤلف إلى عنوان كتابه، ومضمونه أو كانت الأوراق الأخيرة، التي تشير إلى انتهاء الكتاب المعنون بعنوان كذا، ويذكر المؤلف عنوانه، أو كانت في بعض الأوراق المفقودة داخل الكتاب، والتي قد تضطر المؤلف إلى أن يشير فيها إلى عنوان الكتاب. وعلى المحقق حينئذ أن يراجع هذه المواطن كلها في الكتاب بدقة وبحذر، مستخدما عمق تجربته في التحقيق، فإن لم يعثر على العنوان فيها، اتجه للبحث عنه في مظانه الأخرى، مثل كتب التراجم وكتب المؤلفات القديمة والحديثة للحموي، وابن النديم

стр. 44

وابن خلكان، والزركلي، وبروكلمان، وفؤاد سيزكين وغيرهم، وقد يتجه المحقق بخبرته وسعة اطلاعه إلى محتويات المؤلفات الأخرى، التي تكون مظنة الحديث عن هذا الكتاب ومؤلفه، وعنوانه ومضمونه ومحتوياته، وخاصة إذا كان صاحب الأصل المحقق مشهورا، فلا تخلو المصادر والمراجع من ذكره، وذكر مؤلفاته التي اشتهر بها. وأما الحالة الثانية: وهي طمس الحروف من العنوان، فالتحقيق له يكون أيسر من الحالة الأولى، فيستخدم المحقق النسخ المخطوطة الاخرى الأصلية والثانوية، ليجمع حروف العنوان الناقصة من كل النسخ، فإما عن طريق التحقيق في كل حرف ظاهر من كل النسخ، ليضعه في مكانه ويرتبه حسب موقعه، الذي أخذ منه، حتى يستكمل كل الحروف، فيبرز له العنوان واضحا. وأما عن طريق سد الخروم في العنوان، فتعينه النسخ الأخرى على سد الخروم في العنوان، حتى إذا ما تكاملت سد الثغرات، أخذت الحروف مكانها من العنوان، فيبرز واضحا أيضا، لأن كثرة النسخ المخرومة تعين على سد الثقوب، التي أذهبت ببعض الحروف للنسخ الموفورة. وأما الحالة الثالثة: وهي عبث الأيادي في تغيير العنوان وتبديله عن طريق التزييف

стр. 45

له فهذا أخطر من الحالة الثانية، لأن المزيف قد يستخدم وسائل التضليل والتمويه، بأن يناسب بين الخط والشكل والمداد حتى يزج بالباحث في متاهات الغموض، فيضل الوصول إلى حقيقة العنوان. وفي هذه الحالة يرجع المحقق إلى المظان المختلفة والمتنوعة التي ذكرتها في الحالة الأولى، حتى يصل إلى توثيق العنوان الحقيقي للكتاب، وهذا أيضا يحتاج إلى حذر ويقظة، وذكاء وخبرة بالتحقيق. توثيق المؤلف "صاحب الكتاب": من العقبات التي تقف دون الحقيقة أمام المحقق هي توثيق اسم المؤلف، والتحقيق من نسبة الكتاب إليه، فهذا أمر حدث فيه خلط كبير في كتب التراث القديم. فأما الحالة الأولى: وهي توثيق اسم صاحب الكتاب، فلابد من بذل الجهود العلمية والمحاولات الدقيقة بحذر وذكاء للوصول إلى صحة اسم صاحب الكتاب، وخاصة أن بعض عناوين الكتب قد تكون مشتركة بين كثير من المؤلفين، وللتحقيق من هذا يتخذ المحقق الخطوات التالية: ١- التحقيق من معرفة عنوان الكتاب يساعده كثيرا على معرفة

стр. 46

صاحب الكتاب، وذلك بمراجعة فهرست المكتبات والمؤلفات وكتب التراجم قديما وحديثا. ٢- فإن لم يصل إلى حقيقة الاسم عن الطريق السابق، فإنه يغوص في أعماق الكتب الأخرى، فقد يجد نصوصا متفرقة في بطونها منسوبة إلى هذا الكتاب المذكور، وقد تفرقت بعض نصوص في مصادر أخرى. ٣- التحقق من داخل الكتاب نفسه، فقد يرد فيه من النصوص والمصطلحات ما يدل على تعيين العصر، الذي كان يعيشه صاحب الكتاب، فإن لكل عصر طابعه ومصطلحاته، التي يتميز بها عن العصور الأخرى، ويعين هذا أيضا على التحقيق من اسم المؤلف. ٤- في أثناء تحقيق الاسم قد يصادف المحقق التصحيف والتحريف في حروفه مثل: الجوزي والحوزي، ومثل السكري والبكري، ولا مناص من البحث العلمي الشامل في مظانه، ولأدنى ملابسة. وأما الحالة الثانية: وهي تحقيق نسبة الكتاب إلى صاحبه فلا تقل في الجهد والذكاء والحذر والبحث العلمي الواسع عن الحالة الأولى، بل هنا أخطر، لأن الخطأ فيه يترتب عليه نسبة العمل العلمي إلى غير صاحبه، كما أخطأ بعض المحققين حين نسب كتاب

стр. 47

"شرح الأبيات المشكلة الإعراب" إلى علي بن عيسى الرماني "المتوفى سنة ٣٨٦"، فتبين أنه أخطأ في العنوان وأخطأ في هذه النسبة، ثم ثبت له أن اسم صاحب الكتاب هو أبو نصر الحسن بن أسد الفارقي المتوفى بعد الرماني بنحو قرن في سنة "٤٨٧هـ"١. وحدث مثل هذا في كتاب "العين" فقد تسرب الشك في نسبة الكتاب إلى صاحبه الخليل بن أحمد، هل هو صاحب الكتاب أم أحد تلامذته، أم غير ذلك، وإن كان الراجح نسبة الكتاب إليه، ومع ذلك لا يخلو "العين" من زيادات زيدت عليه بعد موت الخليل من تلامذته، أو من غيرهم وهذه الزيادات هي التي أدت إلى الشك في النسبة إليه، والذين رجحوا هذه النسبة، اعتمدوا على قدره العلمي، الذي اشتهر به في عصره مما يرجح نسبة هذا الكتاب إليه. كما ينبغي للمحقق أن يوثق النسبة عن طريق فهرست المكتبات، وكتب المؤلفين وكتب التراجم القديمة والحديثة فإنها كثيرا ما تنص على نسبة الكتاب إلى صاحبه. وكذلك مما يعين على التحقيق في نسبة الكتاب التناقض الذي يقع في نصوص الكتاب، أو التزييف أو المغالطات التاريخية؛ فالكتاب

стр. 48

الذي يتعرض لحوادث تاريخية، وقعت بعد موت صاحب الكتاب ينفي قطعا نسبة الكتاب إليه، مثل الخطأ في نسبة كتاب "تنبيه الملوك والمكايد" زيفا إلى الجاحظ، والدليل على التزييف أنه ورد به خطأ تاريخي في بعض أبوابه، حيث ذكر فيه باب "نكت من مكايد كافور الإخشيدي" وكذلك ذكر فيه "مكيدة توزون بالمتقى بالله" فهذه الأحداث وقعت بعد وفاة الجاحظ بعشرات السنين، فقد توفي عام "٢٥٥هـ" بينما عاش كافور الإخشيدي ما بين "٢٩٢-٣٥٧هـ" وعاش المتقي لله ما بين "٢٩٧-٣٥٧". تحقيق نصوص الكتاب: أولا: ترتيب النسخ المخطوطة: بعد أن تتجمع لدى المحقق جميع النسخ الأولى والمنقولة عن الأولى لا بد أن يمر بمرحلة دقيقة في تحقيق النصوص، وهي التمييز بين النسخ التالية المنقولة عن الأصل ويوازن بينها جميعا من حيث الدقة والتوثيق للنصوص، فربما تكون بعض النسخ التالية أدق من الأولى، وخاصة إذا كانت الأولى مسودات أو تكون النسخة الأولى الدقيقة قد اختفت وبقيت النسخة التالية التي نقلت عنها، وعند ذلك تكون هذه النسخة هي الأصل للنسخ كلها. وكذلك لا بد من فصل المسودات عن المبيضات، وإلغاء المسودة إذا كانت قاصرة دون المبيضة، فقد جرى في عرف

стр. 49

الباحثين والعلماء أن المبيضة هي العمل النهائي الذي يرضى عنه صاحبه، فإن تعددت المبيضات، فلا ينبغي أن تخدعنا المبيضة الوافية والمزيدة وإنما نجد البحث عن شيء آخر أهم في التوثيق والأمانة، وهي المبيضة المنسوبة إلى المؤلف، ولو كانت قاصرة وذلك عن طريق الروايات، التي تؤكد ذلك من خلال كتب التراجم وكتب الأخبار، وعن طريق التعرف على خط المؤلف حين يقارنه بخطه في كتب له أخرى، فإن تشابهت الخطوط، أو كاد الخط أن يتقارب فيهما أصبحت هذه المبيضة هي الأصل الأولى الذي يعتمد عليه المحقق. وقديما كان العلماء يدركون التمييز بين الخطوط، فهذا أبو حيان التوحيدي يقول حين ينقل من الجاحظ بعض نصوصه: ومن خطه الذي لا أرتاب فيه نقلت١. وفي هذه المرحلة أيضا لا بد من معرفة بعض المصطلحات والرموز التي استعملت عند القدماء إذا زادوا، أو نقصوا، أو سقطوا وذلك مثل "اللحق"، وكلمة "صح"، ومصطلح "التضبيب" أو "التمريض" أو "التصحيح". "فاللحق" زيادة في يمين الصفحة أو يسارها يشار إليه بخط معقوف من جانب واحد فقط مثل ثم يلحق بالزيادة كلمة "صح".

стр. 50

أما "التضبيب" فيستعمله القدماء في التنبيه على الأخطاء ويرمزون إليه بحرف "ص" وقد تنوب عنها كلمة التمريض أو التصحيح. وأحيانا يستعمل القدماء في الخطأ والسقوط المحو، أو الحك أو الضرب بخط١. وفي هذه المرحلة ليقيم المحقق النص الدقيق لا بد من معرفة دقيقة ومحيطة بالخط الإملائي، وخاصة في العصر الذي نسبت إليه المخطوطة، وهذا يحتاج منه إلى ترويض وممارسة طويلة لمعرفة الخطوط الإملائية، ورسمها الخاص بالنسخة المحققة، لأن الرسم للحروف والكلمات يختلف بين الكتابة الشرقية والمغربية. وعلى سبيل المثال فالحروف المهملة مثل "السين" لتتميز عن "الشين" فبعضهم يضع أسفلها ثلاث نقط، أو يكتب سينا صغيرة تحتها، وفي حالة جواز الإهمال والإعجام ينقط الحرف من أعلى ومن أسفل للتنبيه على جواز القراءتين، مثل وضع النقطة على "الصاد" ووضعها أسفلها في قولهم "المضمضة" فتقرأ على الوجهين. ومثل الشدة التي ترسم على الحرف كرأس "السين" هكذا "س" فقد يضعها البعض أعلى الحرف، والبعض الآخر يضعها أسفل الحرف.

стр. 51

وفي الكتابة المغربية القديمة تكتب الشدة كالعدد "٧" أو العدد "٨" حينا آخر. وكان أبو الأسود الدؤلي يضع النقط على الحروف أو أسفلها بدل الفتحة والضمة والكسرة؛ فالفتحة عنده تكتب نقطة أعلى الحرف، والضمة تكتب بين يدي الحرف، والكسرة ترسم بنقطة أسفل الحرف١ ولهذا يشير الجاحظ إلى المسئولية الضخمة في التحقيق فيقول: "ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفا أو كلمة ساقطة فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ، وشريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النقص، حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام"٢. ثانيا: بين التحقيق والتوثيق كل من التحقيق والتوثيق أمانة وأخلاق، وحذر وصير؛ لأن لكل عصر حرماته ومقدساته العلمية والأدبية والتاريخية، والكتاب يعطي صورا دقيقة لعصره بأمانة وصدق، لهذا كان على المحقق أن يحفظ للعصر حرماته ومقدساته، ولو كانت الحرمات والمقدسات تخالف الحقيقة، وتبتعد عن الصواب، لأنها بهذه السلبيات

стр. 52

تعطينا بأمانة حالة العصر وما انتهى إليه، فهو يمثل مرحلة تاريخية لها مكانها المتميز في أطوار التاريخ. فالتحقيق تعالج فيه النصوص معالجة دقيقة كما وضعها صاحبها، ويكتب في صدق وأمانة كما كتبها بلا زيادة ولا حذف، ولا إصلاح ولا تغيير، ولا تبديل، ولا خطأ، ولا تصحيح، فلا يصح أن ينزل بأسلوب المؤلف، ولا يأتي بأسلوب أعلى منه، لأن الغاية من التحقيق هو أداؤه بأمانة تقتضيها حقائق التاريخ، ولس التحقق تحسينا للنص ولا تصحيحا لأخطائه، لأنه حكم على عصر المؤلف، وتأريخ للحياة التي كان يعيشها آنذاك؛ فحين تحقق الكلمة تكون بنقلها كما هي؛ فيكون المحقق قد نسبها إلى صاحبها ووثقها، وهذا هو معنى التوثيق، فهو من أركان التحقيق. وعلى ذلك فالنص لا بد أن ينقل كما هو بأمانة وصدق في متن التحقيق، ويعالج المحقق الغموض والأخطاء بعيدا عن متن المخطوطة، وذلك في الحاشية أو الهامش، أو في آخر الكتاب مفصولا عن متنه. فأما معالجة الغموض فيرجع إلى الشكل في كتابة الكلمة، وإلى اتجاه الخط الإملائي فيها كما سبق أن وضحنا؛ فينص في غير المتن على شكل الحركات في الكلمة، كأن يقول: إن النقطة أسفل هذه الكلمة يراد بها الكسرة، وتلك طريقة المؤلف للكتابة في هذا العصر وهكذا.

стр. 53

وقد يرجع الغموض إلى إيهام كلمة أو تعسرها على الإدراك فيكشف المحقق عن ذلك في غير المتن، وقد ينتج الغموض عن بعض المصطلحات التي اشتهرت في عصر المؤلف، لكنها ظهرت بغموضها للقارئ، وحينئذ فلا بد من توضيحها في الهامش. وأما تصحيح الأخطاء في الإعراب وفي تصحيح الأساليب التي وردت في المتن؛ فيتم ذلك في الحاشية، أو الهامش، ويكون المحقق دقيقا في تصحيحها بدون تعرض لشخص المؤلف، وكذلك الأمر في توضيح الأسلوب والكشف عن حقيقته، وبيان الغرض منه ليرفع من مستوى أسلوب المخطوطة ما يسمو إليه الباحث المحقق، كل ذلك جائز في الحاشية أو الهامش مراعاة للأمانة العلمية، وإن استعمل ذلك في متن المخطوطة تكون من الخيانة العلمية التي تتنافى مع روح البحث العلمي والتحقيق الأمين. وأما التوثيق في متن المخطوطة فله مجال آخر أيضا، حيث يكون له دوره في تحقيق الخطأ الذي يقع في شواهد القرآن الكريم، فيلزم التصحيح في متن التحقيق مع التنبيه في الهامش على الخطأ وعلى الآية وعلى السورة، كما ورد في القرآن الكريم لأن له من القداسة ما لا تقبل فيه المجاملة، لنحافظ بأمانة على الخطأ في المتن، فترك الخطأ هنا يكون مزلقة، وعدوانا على قداسة القرآن. وإن رأي البعض أن يؤدي الشاهد القرآني بخطئه، وهذا رأي مرجوح وبعيد عن الصواب، ذكر ذلك الخلاف ابن كثير:

стр. 54

وأما إذا لحن الشيخ فالصواب أن يرويه للسامع على الصواب وهو محكي عن الأوزاعي، وابن المبارك، والجمهور، وحكي عن محمد بن سيرين، وأبي معمر عبد الله بن سخيرة أنهما قالا: يرويه كما سمعه من الشيخ ملحونا، قال ابن الصلاح: وهذا غلو في مذهب اتباع اللفظ. وعن القاضي عياض أن الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ أن ينقلوا الرواية كما وصلت إليهم، ولا يغيروها في كتبهم، حتى في أحرف من القرآن استمرت الرواية فيها على خلاف التلاوة، ومن غير أن يجيء ذلك في الشواذ كما وقع في الصحيحين والموطأ، لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على ذلك عند السماع وفي الحواشي.. ثم قال: وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل أن أباه كان يصلح اللحن الفاحش، ويسكت عن الخفي السهل"١. وعلى المحقق مراعاة القراءات القرآنية، التي اشتهرت، وهي أربع عشرة قراءة مشهورة، لأن المؤلف قد يختار قراءة معينة هي محل الاعتبار والاستشهاد بالآية، فتبقى كما هي في المتن كما ذكرها المؤلف. وإن وقع الخطأ في متن الحديث، فيقتضي التوثيق أن تبقى الرواية كما هي، حين وضعها المؤلف في المتن، فهو وحده هو الذي يتحمل أمانة روايته، وعلى المحقق أن يقوم بتخريج

стр. 55

الحديث، لتوضيح مكانته من القوة أو الضعف، وذلك في الحاشية والهامش لا في متن الكتاب المحقق، على أن ابن كثير رأى أن يلحق المحقق في نص الحديث ما هو معلوم فقط، حتى يستقيم النص، وذلك في المتن، لا في الهامش، قال ما نصه: وإذا سقط من السند أو المتن ما هو معلوم، فلا بأس بإلحاقه، وكذا إذا اندرس بعض الكتاب، فلا بأس بتجديده على الصواب١. مثل قول النبي ﷺ : "وأن يحب المرء لا يحبه لله"، فيكتب الصواب في المتن هكذا "وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله" كما ورد صحيحا، وهكذا. وأما توثيق الأشعار والحكم والأمثال والأعلام والبلدان وسواها فيجب أن تبقى في المتن كما هي، ثم يقوم المحقق بتخريجها على الوجه الصحيح، ونسبتها إلى قائلها، أو تحديد موقع البلد من الإقليم المعلوم في التاريخ، وينص على المصدر الذي اعتمد عليه في ذلك والصفحة التي استقى منها، ويكون موطنه في الهامش والحاشية لا في متن التحقيق. ثالثا: سعة الاطلاع ينبغي على المحقق أن يكون واسع الاطلاع، تمرس على الأسلوب

стр. 56

الذي شاع في عصر المؤلف، صاحب الكتاب المحقق، وقرأ كثيرا عن طريقة التعبير الذي غلب على تأليفه؛ فهذا يعيينه على الوصول إلى الحقيقة والصواب في تحقيق المتن. وكذلك ينبغي أن تشمل اطلاعاته على معالجة الموضوعات التي تتصل بموضوع الكتاب، أو القريبة من موضوعاته؛ فهي تعينه على أداء التحقيق بدقة وأمانة، وعلى ذلك فلا بد من الاطلاع على هذه المصادر والاعتماد عليها، ومن أهمها كتب المؤلف المخطوطة والمطبوعة، والمختصرات والشروح والتهذيبات، التي ترتبط بالنسخة المحققة أدنى ارتباط. وكذلك الكتب التي اعتمدت عليها هذه المخطوطة، فهي تحتفظ بالنصوص الأصلية، التي استعانت بها، والمصادر التي استمد منها صاحب المخطوطة أفكاره وقضاياه ونصوصه، فإن ذلك يلقي الضوء على مضمون النسخة واتجاهها، والقضايا التي عالجها ومنهجه فيها والجديد الذي وصل إليه. وكذلك ينبغي قراءة الكتب التي عاصرت صاحب المخطوطة وتناولت موضوعها، وما يتصل بهذا الموضوع. ثم يعتمد أيضا على المعاجم اللغوية مثل معاجم الألفاظ، لسان العرب لابن منظور، وتاج العروس للزبيدي، والتذكرة لداود الأنطاكي، والمفردات لابن البيطار، ومن المعاجم الحديثة معجم الحيوان للمعلوف، ومعجم النبات لأحمد عيسى

стр. 57

والمصطلحات العلمية، مثل مفاتيح العلوم للخوارزمي. ومنها معاجم المعاني مثل المخصص لابن سيده، وفقه اللغة للثعالبي. ومنها معاجم الأساليب، مثل جواهر الألفاظ لقدامة بن جعفر، والألفاظ الكتابية للهمذاني. ومنها كتب المعربات، مثل المعرب للجواليقي، وشفاء الغليل للخفاجي، ومنها المراجع النحوية، مثل همع الهوامع للسيوطي وحاشية الصبان على الأشموني وغيرها. ومنها المراجع العلمية وهي تختلف باختلاف المخطوطة، فإن كانت في الأدب؛ فيعتمد الباحث على كتب الأدب في القديم وفي الحديث، وإن كانت في النحو، فيستوعب المحقق كتب النحو في القديم والحديث وكذلك بقية العلوم. وسعة الاطلاع تقتضي من الباحث أن يكون على إلمام ومعرفة بآفات التصحيف والتحريف في المخطوطات القديمة؛ فيستوعب كتاب "التصحيف والتحريف" للحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري "٢٩٣-٣٨٢هـ" وهو من أقدم المؤلفات في هذا الميدان، وكذلك "الجمهرة" لابن دريد، وكتاب "المزهر" للسيوطي، وكتاب "نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر" لابن حجر، وكتاب البيان والتبيين "للجاحظ، وكتاب "التنبيهات على أغاليط الرواة" لعلي بن حمزة البصري المتوفى سنة "٣٧٥هـ".

стр. 58

وجمهرة العلماء لا تفرق بين التصحيف والتحريف؛ فهما معا بمعنى واحد؛ فيطلق كل منهما على كل تغيير في الكلام ينشأ من تشابه صور الخط، سواء أكان هذا التشابه في الحروف مثل الدال والراء، أو في النقط التي على الحروف مثل الجيم والحاء والخاء، فيعد كل ذلك تصحيفا وتحريفا. لكن ابن حجر في نخبة الفكر يفصل بينهما؛ فالتصحيف عنده يكون في الخلط بين نقط الحروف المتشابهة في الشكل كالسين والشين، والباء والتاء والثاء، فهذه الحروف واحدة لا يفصل بينها إلا النقط، والالتباس فيها يسمى تصحيفا. وأما التحريف فيرجع إلى الالتباس في شكل الحروف مثل الميم والقاف والفاء، والدال والراء، فتحرف كتابة الراء مثلا وتكتب على صورة الدال، وهكذا وهو ما يسمى عند ابن حجر بالتحريف١. وينبغي على المحقق أيضا أن يكون على دراية واستقراء بالكتب التي تبحث في "المؤتلف والمختلف" فمنها ما يبحث في أسماء الرجال مثل ما كتبه الدارقطني "المتوفى في ٢٨٥هـ" والخطيب البغدادي "المتوفى ٤٦٣هـ" وابن ماكولا "المتوفى ٤٧٧هـ" وغيرهم، ومنها ما يبحث في أسماء الشعراء كصنيع الآمدي "المتوفى ٣٠٧"، ومنها ما يبحث في القبائل كصنيع محمد بن حبيب "المتوفى ٣١٥هـ" وغيرهم.

стр. 59

الفصل الثاني: اختيار موضوع البحث الأدبي استقراء الموضوعات السابقة ... الفصل الثاني: اختيار موضوع البحث الأدبي من المراحل الصعبة التي تمر بالباحث هي مرحلة اختيار الموضوع للدراسة؛ لأن الاختيار سيبنى عليه نتائج خطيرة؛ فإما أن ينزل الباحث بالموضوع ويعد لاغيا لا وزن له ولا قيمة في الوسط العلمي والأدبي، وإما أن يرتفع بصاحبه إلى سماء المجد ويحلق في الآفاق مع المجددين والعباقرة من الباحثين، المبتكرين. لذلك كان على الباحث أن يتريث كثيرا في اختيار موضوعه حتى يتجنب مواطن الزلل، وها هي الصعوبات التي سيواجهها وقت الاختيار. استقراء الموضوعات السابقة: قبل أن يختار الباحث موضوع الدراسة يتجه أولا إلى الجامعات والمعاهد ومراكز البحوث، جامعة جامعة ومعهدا معهدا ومركزا مركزا، ثم يقوم باستقراء كامل للموضوعات التي سجلت في الأدب ونقده، مع الدقة في بيان الموضوع المسجل لأن الخطأ في كلمة واحدة تغير الموضوع تغييرا تاما، وكذلك مراعاة تاريخ التسجيل واسم صاحبه وتاريخ إجازته ودرجته العلمية. يقوم بهذا العمل الدقيق في كلية آداب الإسكندرية، وكلية

стр. 60

آداب جامعة القاهرة، وكلية آداب جامعة عين شمس، وكلية دار العلوم، ومعهد الدراسات العربية، وكليات اللغة العربية بجامعة الأزهر، وفي غيرها من الجامعات الأخرى، وفي مراكز البحوث المختلفة، ومراكز الدراسات الأدبية ودور النشر وغيرها. فإذا اطمأن الباحث إلى حصر الموضوعات المسجلة والمنشورة والتي قتلها الباحثون دراسة، ينبغي عليه أن يفكر في موضوع جديد، أو يستنبط من نتيجة لأحدى الموضوعات المسجلة موضوعا يتناوله بالبحث والدراسة. وقد يكون في بعض الموضوعات المسجلة قصور لم يستطع صاحبها أن يوفيها حقها من الدراسة؛ فهل يجوز الكتابة في مثل هذه الموضوعات؟ نعم يجوز إذا وثق الباحث من نفسه ومن قدرته على إبراز خصائص جديدة والوصول بها إلى نتائج جديدة للموضوع، كأن عليه أن يختاره ويضع له الخطة التي يسير عليها لتحقيق هذه النتائج. أما إذا لم يستطع، فالأولى له أن يتركه ويبحث عن موضوع آخر، يحقق فيه نتائج جديدة؛ ليسهم بها في بناء الفكر الإنساني، وينبغي أن يضع نصب عينيه أثناء الاختيار هذه الأمور: أولا: أن يحدد اتجاهه في الأدب من استعداد لدراسة النصوص الأدبية، وتحليلها، والتعرف على القيم الفنية فيها أو استعداد للدراسات النقدية، وفهم لمقاييسه وقواعده، واستعداد

стр. 61

لدراسة الناحية التاريخية في الأدب، التي تحتاج منه إلى اتساع وعمق بثقافة العصر واتجاهاته وحضارته وتراثه، أو استعداد للدراسات المقارنة في الأدب، وعليه أن يتسلح ببعض اللغات الأجنبية، ويكون مجيدا لها، لكي يسهل عليه معرفة مواطن التأثر والتأثير بين الآداب بعضها بالبعض الآخر بلغتها القومية والعالمية. ثانيا: وإذا استطاع الباحث أن يحدد ميله واتجاهه، أخذ يقرأ الكثير من المصادر والمراجع التي تخدم موضوعه وتدور حوله ولو لأدنى ملابسة، حتى يكون نفسه تكوينا أدبيا شاملا ويهذب ذوقه؛ فيكون حكمه صادقا، ويرهف شعوره ويثري خواطره وتصبح قراءاته هذه كأنها قبس من روحه وقطعة من لحمه ودمه، كل هذا لكي يسير في بحثه على بصيرة وهدى، ويأمن مزالق التيه والضلال. ثالثا: أن يختار موضوعه من عصر أدبي معين كالعصر الجاهلي أو العصر العباسي أو العصر الحديث، ولا يصح بحال أن يجعل العصر الأموي كله مثلا موضوعا لدراسته، فهذا ما لا يقره عقل، ولا تجدي نتائجه مهما كانت لوجود ثغرات كثيرة تفوت الباحث، ولضعف التحليل للقضايا الأدبية ولغزارة الإنتاج الأدبي، بل ينبغي على الباحث أن يختار جانبا واحدا لشاعر واحد، مثل جرير أو عمر بن أبي ربيعة، أو التشبيه والتصوير عند الشاعر ذي الرمة، أو يختار

стр. 62

فن رثاء الحضارات عند البحتري، أو الموسيقى في شعره أو التزامه بعمود الشعر، أو يختار من ابن الرومي القصص الشعري عنده -أو الفكرة- أو الوحدة الفنية في نتاجه الشعري، وهكذا ترى أن الشاعر الواحد قد يكون نتاجه الأدبي صالحا لعدة موضوعات. رابعا: وعلى الباحث أن يختار موضوعه من مكان معين وإقليم محدد، فنرى بعض الباحثين يختار الغزل في عصر بني أمية، ودولة بني أمية واسعة ممتدة الأطراف، تشمل الحجاز والشام والعراق ومصر، ولم يكن الغزل يتصف بسمات واحدة، بل كان للحجاز غزل يختلف عن غزل العراق، وعن غزل أهل الشام، وهكذا ... ولذلك ينبغي على الباحث أن يختار الغزل لإقليم واحد مثل إقليم الحجاز، بل يضيق بموضوعه أكثر من هذا؛ فيختار الغزل عند شاعر واحد فقط مثل الغزل عند عمر بن أبي ربيعة، بل ينزل في التحديد أكثر؛ فيحدد نوع الغزل: الغزل الماجن مثلا، أو الغزل العذري أو غير ذلك؛ لأن الموضوع كلما ضاق وانحسر كان أكثر صلاحية للبحث وطواعية للدراسة، وإفادة للغير، وإثراء للإنتاج الأدبي. خامسا: أن يراعى الباحث وفرة المراجع والمصادر للموضوع الذي يختاره، بحيث تعينه على تكوين رسالة علمية لها قيمتها من حيث الكيف، والوصول إلى نتائج قوية لا من حيث الكم وعدد الصفحات.

стр. 63

التجاوب الفكري والنفسي مع الموضوع المختار: سبق القول بأن اختيار الموضوع ليس أمرا سهلا، بل على العكس مما يتصوره الكثير؛ فهذه المرحلة من أشق المراحل وأخطرها على الباحث؛ فهي تحتاج منه إدمان القراءة، والاستغراق في الاطلاع، ويتردد إلى الموضوع الذي يبحث عنه، ويبحث عن مدى حبه له وميوله الشديد لاستيعابه، وشغفه بجوانبه المختلفة، بل يشعر كلما قرأ أن ميوله إليه تزداد، وعاطفته فيه تتضاعف وخواطره في الموضوع تغني وتتسع، ويحس أيضا في نفسه أنه يملك عقلا يرد به كل معترض، ويدفع به كل رأي مضاد، وسوف يكون هو في بحثه الفارس المجلى الذي يقف دون بحثه مدافعا بحق، ومناقشا بصدق ودقة، ومدللا ومبرهنا على كل ما يدور في الأذهان والعقول. وهذا التجاوب الفكري والنفسي مع الموضوع المختار الذي تحدث عنه يدفع الباحث بالضرورة إلى: أولا: أن الاستغراق في القراءة عن الموضوع تكشف للباحث مدى حبه له، وتجاوب عاطفته حتى يشعر بأن موضوعه أصبح بينه وبينه صلة وثيقة، ونسب قديم يتجاوب معه ويدافع عنه ويتصدى دونه. ثانيا: أن الاستغراق في الاطلاع وتعميق الموضوع تكشف له مدى استعداده الفكري له، فالباحث المتعجل قد يختار موضوعا

стр. 64

لا يتفق مع استعداده الفكري؛ فيختار مثلا موضوعا في الأدب المقارن وهو في نفس الوقت لا يجيد إلا اللغة العربية فقط، ويعد الباحث فاشلا في اختياره هذا الموضوع؛ لأن مثل هذه الموضوعات تحتاج من الباحث إلى إتقان عدة لغات مع العربية؛ فلا بد له من تعميق فكره بالآداب الأخرى بلغتها التي يجيدها بنفسه، حتى يتعرف على جوانبه المختلفة فيستطيع أن يحدد مواطن التأثر والتأثير، وينبغي ألا يخدع الباحث نفسه في الاكتفاء بتراجم الآداب الأخرى؛ لأن الترجمة تكون في الغالب تجربة شخصية قد تخضع للهوى والزيف أو الإسراف والطيش، ودقة البحوث العلمية تعتمد على الترجمة الذاتية التي ترجع إلى الباحث ذاته لا إلى النقل عن الآخرين الذين ترجموا عن الأدب الأجنبي. وقد يتعجل الباحث فيختار موضوعا في بعض القيم الفنية في النقد وخاصة الموضوعات التي لا تزال لغزا قد حام حولها النقاد، ولم يصلوا إلى جوهرها الحقيقي مثل موضوع الصورة الأدبية، فالباحث سيعيش في متاهات وتشويش فلسفي، يخرج منه بغير فائدة ما لم يكن مقتنعا فكريا ونفسيا بهذا الموضوع، ويشعر من خلال قراءاته وتجاربه في البحث عنه أن لديه القدرة على أن يقف ثابتا ومحققا أمام هذه التيارات الغامضة في الموضوع، وإذا لم يستطع أن يتبين ذلك في نفسه؛ فعليه أن يختار قيما نقدية أخرى تكون واضحة ومحددة، أو يختار بحثه في تاريخ الأدب أو دراسة غرض من أغراض الشعر وما شاكل ذلك، مما يكون له صدى قوي في نفسه وفكره.

стр. 65

ثالثا: أن كثرة التأمل والاستغراق الطويل للتعرف على الموضوع في جوانب نفس الباحث يمنعه من التردي في التقليد للآخرين لفكرة ما، ويتخلص من المتابعة والانقياد لآراء الغير، ويأمن الباحث من الانخداع ببريق الموضوعات من بعيد، ويصبح ذا رأي مستقل يعبر عن شعوره وفكره لا عن عاطفة الآخرين وأفكارهم؛ فيتمكن من الموهبة التي تناقش وتضيف في مناقشتها أفكارا جديدة، ومن الملكة التي تصوغ من صاحبها شخصية مستقلة لها اتجاهات الحر، ورأيها الفريد ومحاولاتها الجادة، ونتائجها الطريفة. وهذا ما يجعل شخصية الباحث بعيدة عن التبعية تتجنب العول على الآخرين، وجدير بهذا أن يتصف بالباحث المبتكر والعالم الحر، والمدقق الأصيل في بحوثه وكتاباته. رابعا: أن التأمل الطويل في اختيار الموضوع الناشئ عن كثرة القراءة يعطي الباحث القدرة على تحديد الموضوع الذي يتناسب مع الوقت المحدد له، ومثل ذلك لو كان مبتعثا في الخارج أو لظروفه الصحية أو العائلية، وغير ذلك مما يقتضي الوقت الوجيز المتعارف عليه في الدراسات العليا وهو مدة سنتين على الأقل. وهذه الحالة تدفع الباحث إلى اختيار الموضوع الذي يتناسب مع قصر الوقت أو امتداده، حتى لا تقصر همته في منتصف الطريق، أو يعرض موضوعه عرضا سيئا في عجلة، مما يجعله

стр. 66

هدفا للطعن والخلل والنقد الذي يذهب به في طيات الزمن ويختفي وراء التاريخ. خامسا: إن كثرة القراءة ودأب الباحث في التعرف على موضوع يتفق مع مزاجه ونوع ثقافته قد تكشف للباحث أن الموضوع المعنى فقير المادة، قليل المصادر، هزيل المراجع بحيث لا تفيد أصوله شيئا في الموضوع، وهنا يرجع الباحث منذ البداية عنه؛ ليختار موضوعا آخر، حتى لا يضيع الوقت سدى، لهذا كله نرى أهمية الاستغراق في الاطلاع والتأمل في القراءة أثناء الاختيار والمعايشة للموضوع، حتى تتكشف للباحث حقيقة نفسه وفكره، ويتعرف على درجة تجاوبه الفكري والنفسي مع الموضوع ونوعية هذا التجاوب؛ ليسلم في النهاية من المزالق والعقبات التي تصادف الباحث كثيرا في طريقه الطويل. وليس معنى ذلك أن يستقل الباحث كل الاستقلال باختيار الموضوع والتعرف عليه من خلال القراءة، بل على الباحث أن يشرك أستاذه المشرف معه في كل خطوة من الخطوات السابقة، وهذا ما يدفعني أن أكشف عن صلة الأستاذ المشرف بالباحث.

стр. 67

موقف المشرف على البحث: رأينا أن التقليد للآخرين في اختيار الموضوع يعد خطيرا في باب البحوث، وأن الانقياد للغير والاستسلام له بموضوع مفروض عليه، يعوق الباحث الجاد عن الوصول إلى الحقيقة، ويمنعه من الوصول إلى نتائج علمية أصيلة وجادة مبتكرة. لذلك ينبغي الحذر كل الحذر من أن يفرض الأستاذ المشرف على الباحث موضوعا يعيشه منذ البداية ولأول وهلة وبمجرد لقاء معه أو لقاءين، ومناظرة أو مناظرتين، حتى لا يتصف هذا العمل بالعجلة والتسرع، وبخاصة للناشئة من الباحثين الذين يغريهم هذا الصنيع، لأنه سيعفيهم من القراءة ويريحهم من عقبات البحث عن الموضوع، ومرارة التحصيل في سبيله، ليأخذه الناشئ على عجل فرحا، فقد وفر عليه أستاذه المشرف جهدا ووقتا، حتى إذا جاء، لم يجد شيئا، ووجد الله عنده فوفاه حسابه، وهنا يعود ثانية بعد ضياع الوقت ليكشف عن الموضوع بنفسه ونشاطه العلمي في البحث والقراءة والدراسة. ولكن مهمة الأستاذ المشرف لا أصفها بالسلبية على هذا النحو بل عندي أنه سيتقلد مهمة صعبة شاقة هو نفسه سيحاسب عليها مثل الباحث تماما في ميزان الدقة من القضايا العلمية وعند العلماء والباحثين بعد إجازة الباحث. ولذلك ينبغي على الأستاذ المشرف أن يكون دقيقا مستوجبا

стр. 68

لهذه المهمة ومقدرا حجمها وخطورتها، يتابع الباحث متابعة طويلة وعميقة في حركاته وتصرفاته، واطلاعاته وقراءاته، ثم يعقد معه مناظرات حول الموضوع الذي اختاره الباحث ويناقشه فيه مناقشة دقيقة يتعرف من خلالها على مدى استعداده ودرجة استيعابه واقتناعه، وقوة حجته وفصاحة بيانه، وبراهينه التي تدل على حبه للموضوع، وتعلقه به، وينبغي على الأستاذ المشرف، أن يعقد له فوق ما سبق اختبارات عديدة، بحيث يكلف الطالب بالبحث عن جزئية في الموضوع يتكلف الباحث فيها مشقة، ويركب أمرا صعبا وذلك في فترة وجيزة، وذلك لعدة اختبارات، فإن نجح الباحث فيها، واجتازها عن حب واقتناع وعمق، وتحصيل مأمول، كلفه الأستاذ المشرف في النهاية بعمل خطة لبحثه، لكي يتعرف من خلالها أيضا على صلاحية هذا الموضوع له وعلى قدرة الباحث للسير فيه، وعلى درجة تحصيله لأن الخطة للبحث إذا قام بها الباحث تكون بشير خير، وتدل نوعا ما على هيامه بموضوعه واقتناعه الفكري به وإلمامه بالموضوع بصفة عامة. هذا الاتجاه أفضل من فرض موضوع على الباحث، وأدق من توقيعه على خطة موضوعة تمر على عجل يقبلها الباحث في استسلام وتبعية من غير معايشة لموضوعه، ولا اقتناع فكري ونفسي كما وضحت ذلك بالتفصيل. وإذا تبين للأستاذ المشرف الاستعداد القوي للباحث بما

стр. 69

سبق من لقاءات ومناظرات، واختبارات، وتدريبه في متاهات البحث والدراسة وهو يتابعه ويسدد خطاه ويوجهه إلى مصادر البحث ومواطنه؛ وبذلك يقع على الأستاذ المشرف مهمة صعبة بعد ذلك، وهي المتابعة في إصرار لكل خطوة يخطوها الباحث، وأن يتعرف عليها قبل أن يدونها ثم على الطريقة التي صاغها فيها، ثم على النتائج التي انتهى إليها الباحث في كل خطوة، وفي النهاية يتابع الباحث ظهور كل جديد يطرأ على الموضوع، ويوجه الباحث إليه؛ لأن الخطأ في البحث بعد هذه المعاناة لا تنسب إلى الباحث فحسب، بل يشاركه فيه الأستاذ المشرف، لأن هذا دوره الحقيقي والجاد، والمنتج.

стр. 70

بين العنوان والخطة والمنهج: بعد اقتناع كل من الأستاذ المشرف والباحث بالموضوع على النحو السابق يلزم علينا أن تتعرف على الطريقة المثلى في إعداد العنوان للموضوع، ثم الخطة له والمنهج الذي سيتبعه الباحث في طريقه الطويل حين يعرض الموضوع، ومن خلال ذلك نتعرف على الفرق بين الخطة والمنهج، وخاصة بعد أن ظهر الخلط بينهما كثيرا في التعبير. ١- فأما العنوان فيقوم الباحث بإعداده على النحو التالي؛ فيكتسب أولا اسم الجامعة التي ينتسب إليها، مثل جامعة الأزهر وثانيا يكتب اسم الكلية التي يتبعها مثل كلية اللغة العربية

стр. 71

وثالثا القسم الذي ينضم إليه الباحث، والذي يتصل بموضوعه مثل قسم الأدب والنقد، ورابعا أن يكتب الموضوع الذي اختاره مثل الموسيقى في شعر البحتري، وخامسا يكتب الدرجة العلمية التي سيحصل عليها بهذا الموضوع مثل درجة الماجستير أو درجة الدكتوراه، وسادسا العام الجامعي الذي سيحصل فيه على الدرجة العلمية مثل عام "١٣٩٣-١٣٩٤هـ" و"١٩٧٤-١٩٧٥" وسابعا اسم صاحب الرسالة، وثامنا يكتب اسم الأستاذ المشرف على الرسالة إذا كان واحدا أو أكثر من واحد، فيكتب الباحث أسماءهم أيضا للمشاركة في هذه المسئولية العلمية. ٢- وأما الخطة: فهي تلك الأبواب والفصول التي تخضع لطبيعة الموضوع والأفكار التي تدخل في كل فصل، ويقوم الأستاذ المشرف بتوجيه الباحث فيها والتقديم والتأخير حسب تجربته العملية الطويلة. وليس معنى ذلك أن الباحث ملتزم بهذه الخطة؛ فقد يكون من الجائز تعديلها والتقديم والتأخير بل الحذف والزيادة، وذلك يرجع إلى عدة أسباب: أ- التعمق في الموضوع والتعرف الحقيقي عليه، وهذا يؤدي بدوره إلى التقديم أو التأخير والحذف والزيادة. ب- ظهور بحوث جديدة في الموضوع مما يضطر الباحث إلى الحذف أو التعديل. ج- ظهور مناهج جديدة في الدراسة، وهذا له أثره في

стр. 72

تعديل الخطة حسب نوعية هذا المنهج الذي سيسير عليه الباحث. ٣- وأما المنهج في البحث فإنه يختلف عن الخطة كثيرا بل يغايرها كل المغايرة، ولئلا يتكرر الخلط بينهما ويتورط الباحث في التلبس بالخطأ فيهما، وفي الفصل بينهما فإني سأوضح الفرق بينهما. فالخطة في البحث كما عرفنا مما سبق؛ وهي تختلف عن المنهج؛ لأن الأخير هو الطريقة والقواعد العامة التي يسير عليها الباحث في كل الأفكار والفصول والأبواب، وعلى الباحث في منهجه أن يسير في اتجاه واحد، ويضع أمام بصره بين الحين والآخر هذا الاتجاه الذي اختاره الباحث؛ ليطبقه في كل خطوة من خطوات البحث لئلا يحيد عنه قيد أنملة حتى نهاية المطاف في البحث. والمنهج في القديم بمعنى البحث أو المعرفة أو النظر وليس هذا هو المقصود منه، ولكن معناه قد اتضح كثيرا في عصر النهضة الفكرية والأدبية الحديثة، فصار المعنى للمنهج هو الطريق المؤدي إلى الغرض المطلوب، على الرغم من تخطي الكثير من المصاعب والعقبات، أو بمعنى أوضح هو مجموعة من القواعد العامة المصوغة من أجل الوصول إلى الحقيقة، أو هو فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة، أما من أجل الكشف عن الحقيقة، حين نكون جاهلين بها، أو من أجل البرهنة عليها

стр. 73

للآخرين حين نكون عارفين لها، والأول يسمى منهج التحليل أو الاختراع، والثاني يسمى بالتركيب أو منهج التأليف أو منهج المذهب١. ونظرا إلى هذا المفهوم للمنهج فقد تعددت أنواعه في مختلف العصور بين القديم والحديث تبعا للثورات الفكرية والابتكارات العلمية الحديثة، والنهضات الفلسفية، وتعدد المذاهب الأدبية والنقدية في كل عصر، وبخاصة في العصر الحديث. وعلى ذلك فإنني أكتفي بلمحة سريعة لأنواع المناهج في البحث والدراسة وبخاصة في البحث الأدبي بالذات: أولا: المنهج المنطقي الذي يقوم على الاستدلال وإقامة البراهين الناتجة عن تقديم مقدمات مسلمة تنتهي إلى نتيجة منطقية يقطع بها العقل ويسلم عندها. وهذا المنهج لحرفيته وجفافه لا يستطيع الباحث أن يلتزم بنصه في بحثه، بل يستعين بروحه واتجاهه حتى يسلم من ذلك الجفاف الذي يلحق المقدمات والمسلمات والبراهين المنطقية، كما هو المألوف في علم المنطق، ولهذا السبب اتجه علماء المناهج إلى ابتكار مناهج جديدة تخضع لعلوم حديثة طرأت على العصر تبعا للنهضات العلمية والأدبية الحديثة.

стр. 74

ثانيا: منهج العلوم الطبيعية ويتحدد هذا المنهج عند علماء الطبيعة بعد النهضة الحديثة في العلوم الطبيعية، ويريدون بذلك تطبيق قوانين هذه العلوم على الدراسات الفلسفية والبحوث الأدبية، لأنهم لا يسلمون بالحكم الذي يرجع إلى الذوق فهو يختلف من شخص لآخر بدون ضابط دقيق، وعلى ذلك فالناقد والأديب عليه أن يطبق في بحوثه قوانين ثابتة لا تخضع لذوق ولا لهوى؛ ولهذا فقد طبقوا على الأدب منهج علم الأجناس والأنواع، فالفنون الأدبية كالأنواع البشرية تنمو وتأخذ أطوارا في تدرج ورقي كالإنسان تماما، وأن كل طائفة من الشعراء تدخل في نوع معين لاتفاقهم جميعا في منابع واحدة في الجنس والعصر والبيئة المشتركة. ثالثا: منهج العلوم الاجتماعية وهو الذي يعتمد على ربط الأدب بالمجتمع، لأن الأدب في حقيقته إنما هو تعبير عن المجتمع وتصوير لقضاياه ومشاكله، وإيجاد للحلول المناسبة التي يساعد الأدب على حلها، أو يعمل على إسعاد المجتمع في أسلوب أدبي مشوق، وتصوير بارع يستولي على النفس. والعزلة في الأدب تجعله لا قيمة له ولا وزن، فالأدب يوزن بقدر صلته بالمجتمع وتصويره للواقع الذي يعيش فيه الشاعر، ويسمى بالأدب "الملتزم" وليس معنى ذلك أن يتحول الشاعر إلى عالم أو واعظ لا شخصية له في فنه

стр. 75

ولا ذاتية له في شعره، ولكن الشاعر ينبغي أن تكون له شخصيته وفرديته بحيث تذوب قضايا المجتمع في نفسه، وتتحول لاقتناعه بها وإيمانه من أجلها تتحول إلى قطعة من لحمه، وفورة من دمه، ولهيبا من عاطفته، وحرارة من شعوره ونبعا من خواطره وأفكاره، وبهذا يصور المجتمع من خلال شخصيته الشعرية وذاتيته المنتجة. رابعا: المنهج النفسي، ويستخدم فيه النقاد منهج علم النفس الحديث، إذ يطبقون العلل النفسية والعقد الشخصية والأمراض الوراثية والجسدية على الفن الشعري والأدب العربي؛ فيربطون بين الشعر وبين نفسية صاحبه ربطا يكشفون به عن أمراض الشاعر، وعن علله النفسية وذلك مثل صنيع بعض المحدثين في كتاباتهم كالعقاد في كتابه المشهور "ابن الرمي حياته من شعره" والمازني في كتابه "حصاد الهشيم" حين درس ابن الرومي وشعره. خامسا: المنهج الفني ويتناول فيه الباحث التعرف على مصادر الجمال في البحث الأدبي، وهل هذا الجمال يرجع إلى المعنى أو إلى اللفظ المفرد أو إلى النظم أو إلى الصورة الكلية للقصيدة بأكملها، ثم يحدد خصائص الجمال في كل ما تقدم، أو أنه يكتفي في الإحساس بالجمال فقط من غير أن يتعرف أسبابه ودواعيه، كما وصف ذلك اثنان من كبار النقاد العرب القدامى وهما القاضي ابن عبد العزيز الجرجاني والآمدي، حينما عرضا هذه الأبيات التي يهتز لها السامع
следующие страницы →