← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23142

التصوير القرآني للقيم الخلقية والتشريعية

علي علي صبح

Полный текст (351 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا، مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا، وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف: ١-٣] ، ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ١-٣] ، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] ، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا، وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٨، ٨٩] ، ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢- ١٩٥] ، ﴿حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ١-٣] ، ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ

стр. 2

بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] ، ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ١-٤] ، ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ١-٤] . والصلاة والسلام على أفصح الخلائق أجمعين آثره ربه بجوامع الكلم، فكان خلقه القرآن الكريم ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] ، ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦-١٩] ، ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا، قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا، وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا، وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٥- ١٠٩] ، اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه- والتابعين رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه، ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ

стр. 3

هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥] ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد ... فهذه الآيات الكريمات وغيرها في كتاب الله ﷻ صريحة ودامغة، يقسم الله فيها بمواقع النجوم على أن القرآن تنزيل من رب العالمين: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٦- ٨٠] ، فالكتاب والتنزيل والفرقان ﴿لَقُرْآنٌ كَرِيم﴾ ، ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١- ٤٢] ؛ فليس أدبًا عربيًّا، لكنه "أدب قرآني"، وليس فنًّا قصصيًّا، ولكنه "قصص قرآني"، وليس شعرًا ولا نثرًا فنيًّا، ولا سحرًا ولا كهانة، ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ، وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٤٠- ٥٢] ، وليس تصويرًا فنيًّا، ولا تصويرًا في القرآن، بل هو "تصوير قرآني"، وأسلوب قرآني، ونظم قرآني، وبيان قرآني، ونسق قرآني، وإيقاع قرآني، وموسيقى قرآنية، لأن صفة "القرآنية"

стр. 4

منحت الموصوف صبغة القرآن الكريم: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨] ؛ فتردّ كل احتمال يمسّ قداسة القرآن: كلام الله المقدس ﷻ ، وآثرت أن يكون الإعجاز في "التصوير القرآني" عنوانًا لكتابي هذا، لا "النظم القرآني" ولا "الأسلوب القرآني" إلى آخر ما ذكرناه؛ لأن "التصوير القرآني" للقيم الخلقية والتشريعية يشمل كل ما سبق، وأكثر منه، فهو حقًّا "الإعجاز"، وضحت ذلك في الفصل الأول مناقشًا هذه القضية، مبينًا ما تتركه التعبيرات الأخرى للنقاد من احتمالات لا تتفق مع قداسة القرآن الكريم بالتصريح الواضح الدامغ، حتى لا أترك منفذًا لاحتمال أو جدل أو مناقشة؛ لأنه "تصوير قرآني" مدعمًا ذلك بالدراسة لكثير من الصور القرآنية، القائمة على التحليل والتطبيق؛ لبيان الإعجاز في "التصوير القرآني" للقيم الخلقية والتشريعية، ثم انتقلت من الفصل الأول إلى عرض قضايا كبرى في "التصوير القرآني"؛ فتناولت في الفصل الثاني "التصوير القرآني" لليل والنهار، وفي الفصل الثالث "التصوير القرآني" للصيام والصوم، وفي الفصل الرابع "التصوير القرآني" لأدب النشء وتربيته في القرآن الكريم والسنة الشريفة، وفي الفصل الخامس القيم الخلقية والتشريعية في المعاملات الإسلامية في القرآن الكريم والسنة الشريفة. وهذا الكتاب يتخذ منهجًا واضحًا في بلاغة التصوير القرآني، التي وصلت إلى حد إعجاز البشر على أن يأتوا بآية من مثله. ودلالته على القيم الروحية والخلقية والتشريعية في الصور القرآنية المعروضة، فإذا تعرضت لبعض الحقائق الكونية والإنسانية من آيات تقترب من ألف آية، بالتنبيه على إشارات عامة تفتح المجال للعلماء والمتخصصون على أن

стр. 5

يفسّروا هذه الحقائق الثابتة -لا المفترضة- من خلال إشارات التصوير القرآني إلى طليعة التقدم العلمي في كل عصر، بما لا يتعارض مع تفسيرات السابقين ولا اللاحقين؛ لأن هذه الإشارات والتأويلات يجب ألا تقصر القرآن الكريم عليها فقط؛ فلا يتعدَّاه إلى غيرها، ولا تطلق الأحكام إطلاقًا عامًّا على سبيل الجزم واليقين، بحيث لا يتجاوزه إلى حقائق أخرى تتجدَّد مع الزمان والمكان والأجيال، كالشأن في القرآن الكريم الكتاب المقدس الخالد. هذا المنهج يفتح المجال للتفكير والبحث والتقدم العلمي القائم على القيم الروحية والخلقية في كل عصر إلى يوم القيامة، وهو ما حثّ عليه القرآن الكريم والسنة الشريفة، لأن حقائق القرآن ثابتة لا تخضع لنظرية علمية أو تفسير كوني أو إنساني يختلف من عصر إلى عصر، وعلى سبيل المثال ما قبل في تفسير إشارة التصوير القرآني لحركة الشمس في مجرة فلكها في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨] ، فهذا التأويل لإشارة الآية مقبول في عصرنا، ولايتعارض مع الحقيقة العامة في القرآن الكريم، ولا مع جميع مراحل تفسيرها قديمًا وحديثًا، ولا تقصر الآية عليها؛ فلا تتعدَّاه في المستقبل إلى غيرها من الإشارات والتأويلات، التي سيصل إليها التقدم العلمي في المستقبل، حين يفسر العلماء جريان الشمس في مجرة فلكها تفسيرًا علميًّا آخر، لا يتعارض مع ما سبقه من إشارات وتأويلات، وهكذا في غيرها من الحقائق الكونية، التي يشير إليها التصوير القرآني المعجز، لتقدم العقل البشري وعلومه في كل عصر، ولا تتعارض مع نص قرآني مطلقًا.

стр. 6

هذا المنهج قد أشار إليه التصوير القرآني في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩] ، ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] ، ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] ، ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج:؛ ٥٤] ، ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢] ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٧] ، ﴿نُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] ، وغيرها من الآيات التي جاءت صريحة في هذا المنهج الرباني مما لا يحتاج إلى شرح أو تعقيب على ما ذكرناه. وقد فسر ابن كثير "م ٧٧٤هـ" قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فقال: "أي ستظهر لهم دلالاتنا وحججنا على كون القرآن حقًّا منزلًا من عند الله على رسوله ﷺ بدلائله خارجية في الآفاق من الفتوحات، وأن هذه الآية تشير إلى

стр. 7

بعض الحقائق في علوم الأحياء والتشريح، وجاء في تفسير الطبري "٢٥/ ٥" أن ابن زيد السلفي قال: آفاق السماوات نجومها وشمسها وقمرها اللائي يجرين، وآيات في أنفسهم". وينكر الداعية الإسلامي الشيخ محمد متولي الشعراوي على الذين يحاولون ربط القرآن الكريم بنظريات علمية مكتشفة: "ويحاولون إثبات القرآن الكريم بالعلم، والقرآن ليس في حاجة إلى العلم ليثبت؛ فالقرآن ليس كتاب علم، ولكنه كتاب عادة ومنهج، ولكن الله علَّم أنه بعد عدة قرون من نزول القرآن الكريم سيأتي عدد من الناس ويقول: انتهى عصر الإيمان، وبدأ عصر العلم، والعلم الذي يتحدَّثون عنه قد بينه القرآن الكريم كحقائق كونية منذ أربعة عشر قرنًا" "معجزة القرآن -الجزء الأول- مؤسسة أخبار اليوم مصر ١٩٩٣م"، ويقول الأستاذ عبد الرزاق نوفل: "أثبت التقدم الفكري في العصر الحديث أن القرآن كتاب علمي جمع أصول كل العلوم والحكمة ... وكل مستحدث في العلم نجد أن القرآن قد وجه إليه النظر أو أشار إليه" "القرآن والعلم الحديث -مؤسسة دار الشعب بالقاهرة ١٩٨٢م"، ويشير الدكتور محمد ناظم نسيمي إلى أن العلوم الكونية من صناعة وزراعة وطب وغيرها، ليست نصوصًا مفصلة في القرآن الكريم، فإذا أشار إليها القرآن، يريد أن يوجه الإنسان إلى الإيمان بالخالق، مبدع هذه الكائنات، وما فيها من خواص الطبيعة وقواعد العلم؛ فيحيا في عقيدة صحيحة، وتفكير سديد، وسلوك قويم "مع الطب في القرآن الكريم -مؤسَّسة القرآن بدمشق- الطبعة الأولى ١٩٨٤م"، ويقول الدكتور مصطفى محمود: "إن القرآن كلام الله الذي لا نهاية لمعانيه، وهو كتاب جامع ... ولهذا فإنه احتمل أكثر من من منهج في التفسير؛ فهناك التفسير

стр. 8

البياني ... والتفسير العلمي الذي يركز على الآيات الكونية في الفلك والطب والأجنة، وعلى معطيات الموضوعية العلمية، وهناك التفسير الإشاري ... إلى آخره، ولكل منهج من هذه المناهج مكانة، وكلها مكملة لبعضها البعض، والاجتهاد فيها لا ينتهي، ونظرًا لكثرة المعلومات المتاحة في العصر العلمي الذي نعيشه، أخذ التفسير العلمي مكان الصَّدارة؛ إذ وجدنا آيات القرآن تتوافق مع كل ما يجد من معارف ثابتة. وهو يرد على المعترضين بحجة العلم وعدم ثباته" "التفسير العلمي للقرآن بين المؤيدين والمعارضين -تحقيق بمجلة المسلمين ١٤٠٢هـ- ١٩٨١م"، والشيخ عبد المجيد الزنداني أمين عام هيئة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة، له كتب عديدة في مجال الإشارات العلمية للقرآن الكريم، وبحوث منشورة في مؤتمراتها بمكة المكرمة. وعندنا في مصر جمعية الإعجاز العلمي للقرآن والسنة، أشهرت برقم ٩٢٤ عام ١٩٨٨م، اتخذت لها منهجًا في التفسير العلمي للقرآن الكريم، يقوم على ضوابط هي بإيجاز: ١- تجميع الآيات التي تعالج قضية واحدة. ٢- مراعاة تعدد معاني الألفاظ. ٣- خضوع التفسير لدلالات اللغة العربية وقواعدها. ٤- عدم العدول عن حقيقة اللفظ إلى مجازه كلما توفر. ٥- الاستعانة بالتفاسير السابقة مع استبعاد الخرافات والإسرائيليات الموجودة في بعضها. ٦- عدم تعارض التفسير المقترح مع نصِّ قرآني.

стр. 9

٧- التثبت من حقائق العلم قبل استخدامها في التفسير وعدم إقحامها في غير موضعها. ٨- القرآن الكريم هو الذي يحكم على صحة أو بطلان النظريات العلمية. ٩- الاستعانة بتفسير القرآن للقرآن. ١٠- استحالة التعارض بين آيات القرآن مع بعضها، أو بين آيات القرآن وصحيح الحديث الشريف، أو بين القرآن والحقائق الكونية المثبتة "كتاب الإعجاز في القرآن والسنة ص٩، صدَّ عن جمعية الإعجاز العلمي للقرآن والسنة بجمهورية مصر العربية، عدد١ عام ١٩٩٧ برقم إيداع ٣٩٤٧". جزى الله تعالى عني وعن الإسلام وعن القرآن الكريم أستاذي الجليل الأستاذ الدكتور: محمد نايل أحمد، عميد كلية اللغة العربية، فقد عرضت عليه بعض الموضوعات لتسجيلها بحثًا للعالمية "الدكتوراه" عام ١٩٦٩م، وكان من بينها موضوع: "الصورة الأدبية في القرآن الكريم" وإذا به ينزعج، فينض قائمًا وهو يقول: أنت أنت تكتب في هذا الموضوع، قطعنا شوطًا طويلًا من حياتنا وكنا نخشى أن نقدم على مثل هذه الموضوعات في القرآن الكريم، ولما هدأت أنفاسه وضع يده اليمنى على منكبي، وهو يحدثني في هدوء: أترك هذا الموضوع الآن لوقت لاحق، وفكر في موضوع آخر، وليكن "الصورة الأدبية في شعر أبي تمام أو المتنبي أو ابن الرومي"، وتحوَّلت عن ذلك، واخترت: الصورة الأدبية في شعر ابن الرومي بحثًا "للدكتوراه"، وحمدت الله

стр. 10

- على هذا الموقف الذي أرشد مجرى التفكير في حياتي العلمية؛ فقد أفادني كثيرًا في بحثي في "الصورة الأدبية في شعر ابن الرومي" بصفة عامة، فنشرت أكثر من كتاب، وبدأت اتحرى الكتابة في القرآن الكريم من هذا التاريخ والموقف الرشيد، حتى خرج هذا الكتاب بعد أن نشرت بحوثًا كثيرة في هذا الشأن، منها بحث نشر بعنوان: "التصوير القرآني" لا الأدبي في القرآن الكريم١، ثم رقيت به مع بحوث أخرى إلى درجة "أستاذ" في الأدب والنقد عام "١٩٨٣م"، ثم توالت البحوث على هذا النحو، وكلما أقدمت على نشر هذا الكتاب، راجعت نفسي فيما كتبت مرات ومرات، وأخيرًا استخرت الله فأقدمت على نشره في رمضان المباكر عام "١٤٢١ هـ" داعيًا الله أن يجنبنا الزلل، وأنا أردِّد قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وداعيًا الله أن ينفع به، وأن يكون لي ولوالدي ولأساتذتي ولأهلي في ميزان حسناتنا، وأن يكون القرآن الكريم لنا شفيعًا يتآزر مع شفاعة سيدنا محمد ﷺ في الدين والدنيا والآخرة، إنه نعم المولى ونعم النصير، فهو القائل وقوله الحق: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] .

стр. 11

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه والتابعين -رضي الله عنهم ورضوا عنه. هذا وبالله تعالى التوفيق. في ليلة السبت: ٢١٧ من رمضان المبارك ١٤٢١هـ الموافق: ٢٣ من ديسمبر ٢٠٠٠م علي علي صبح الأستاذ في كلية اللغة العربية بالقاهرة رئيس قسم الأدب والنقد والعميد الأسبق جامعة الأزهر الشريف

стр. 12

الفصل الأول: معالم التصوير القرآني القرآن: المعجزة الخالدة فضل الله أمة محمد ﷺ خير الأمم بمعجزة خالدة، تؤيّد رسالته إلى يوم القيامة، وهي القرآن الكريم، بينما غيرها من المعجزات له وللأنبياء السابقين ﵈ أيدت نبوتهم ورسالتهم إلى أقوامهم ساعة حدوثها، لكي يؤمنوا، دون استمرار ودوام، فلا يبقى لها أثر بعد نبيهم لقومه أو لأقوام غيرهم، مثل معجزات نجاة إبراهيم من النار، وقلب عصا موسى حية، وإحياء الموتى لعيسى ﵈، وانشقاق القمر وتسبيح الحصى لسيدنا محمد ﷺ ، قد أدت دورها تأييدًا للرسالة ساعة حدوثها، ثم انتهى دورها إلى الأبد من غير أثر خالد لا كمعجزة القرآن الكريم الخالدة. أما مظاهر الاختلاف بين معجزة القرآن الكريم وغيرها فهي كثيرة، فالقرآن الكريم لم يكن لقوم معينين دون غيرهم، بل كان تشريعًا للعالمين كافة، وللناس جميعًا، فلا زال عطاؤه كاملًا ومتجددًا، وسيظل إلى الأبد يعطي لكل جيل، وزمان عطاء يختلف باختلاف الأجيال والأزمان، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] ، تكفَّل الله تعالى بحفظه وتقديره حتى من العاصي والكافر، كما تكفل باستمرار العمل به حفظًا ومنهجًا وتشريعًا وسلوكًا إلى قيام الساعة: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . والقرآن الكريم كلام الله المقدس، وكتاب الحق الخالد، شرح الله تعالى به الصدور، وأحيا به القلوب، وأيقظ العقول، وأرشد عباده من الضلال إلى الهدى، وأخرجهم من الظلمات إلى النور:

стр. 13

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥، ١٦] ، وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "ألا إنها ستكون فتنة، فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ عنه الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرَّدّ، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ ، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم". وسيظل الكتاب الخالد الذي لا تنفد كلماته إلى الأبد: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] ؛ فكتاب الله المقدس هو القيم على الخلق بشيرًا ونذيرًا، متمسكون به، ماكثين عليه في استقامته بلا عوج إلى الأبد، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا، مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا

стр. 14

وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف: ١-٣] . وهذه المعجزة الكبرى الأبدية، تحدَّى بها الرسول ﷺ المعاندين من الإنس والجن، وهم أرباب الفصاحة والبلاغة، بعد أن انتهت إليهم صولتها، وجولتها، فبلغوا فيها القمة حتى تميَّزوا بها بين الشعوب والأجناس، لكنهم عجزوا عن التحدِّي والمجاراة مبهورين ببلاغته وسحره، وظلوا كفارًا معاندين مكابرين، يهذون في لجاجة وعناد، كما صورهم القرآن الكريم: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] ، بل بلغوا في الخصومة والجدل أنهم ادعوا افتراء أن يأتوا بمثله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١] ، وقالوا أيضًا: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] ، وتحدَّى الإنس والجن على أن يأتوا بمثله فعجزوا: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] ، ولما عجزوا تحدَّاهم على أن يأتوا بعشر سور مفتريات: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣] ، بل ترخص لهم في أن ياتوا بسورة واحدة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] ، بل أقر أبلغ بلغائهم بالتسليم والاعتراف بأنه ليس من كلامهم ولا من شعرهم ولا من خطبهم، ولا من كلام الإنس ولا الجن، لأنه هزَّ أعماق نفوسهم

стр. 15

وغيَّر حياتهم وعقيدتهم، فقد أسلم عمر بن الخطاب وهو من أشدهم عنادًا وحربًا على الإسلام، كما في قصته المعروفة مع أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد، بعد أن سمع خبابًا ﵁ يتلو عليهما القرآن من سورة طه؛ فاقشعرَّ جسده، واطمأن قلبه بذكر الله، فأعلن إسلامه بعد أن قال: "ما أحسن هذا الكلام وأكرمه"، وهذا أبلغ الكفار المعاندين الوليد ابن المغيرة، أرسله قومه ليتحدَّى الرسول ﷺ في بلاغة أقواله؛ فيعود إليهم مدحورًا بعد أن سمع القرآن الكريم يقول لهم: "فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا برجزه ولا بقصيده، ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي نقول شيئًا من هذا"، وفي رواية: "والله لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وإنه يعلو ولا يعلى...... ما يقول هذا بشر"١. ومثل هذا قول عتبة بن ربيعة حين سمع القرآن الكريم: يا قوم لقد علمتم أني لم أترك شيئًا إلا وقد علمته وقرأته وقلته، والله لقد سمعت قولًا، والله ما سمعت مثله قط، ما هو بالشعر ولا بالسحر ولابالكهانة"٢. وبعد عنادهم وإخراجهم المسلمين من مكة وعدوانهم عليهم، ندموا على ذلك، وآمنوا به وصدقوه، وأصبحوا جند الله تعالى في الأرض شرقًا وغربًا، يدافعون عنه ويقاتلون في سبيله؛ لأنه كتاب الله المقدس، ومعجزته الخالدة.

стр. 16

وجوه الإعجاز اهتمَّ العلماء قديمًا وحديثًا بالتعرُّف على وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، وسمو بلاغته المعجزة، وأخرجوا في ذلك مؤلفات وبحوثًا كثيرة، اختصت به، ومن أشهرها: "إعجاز القرآن" لأبي عبيدة "م ٢٠٧هـ"، وكتاب "نظم القرآن" للجاحظ "م ٢٥٥هـ"، وكتاب "إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه" لأبي عبد الله محمد بن يزيد الواسطي "م ٣٠٦هـ"، وشرحه عبد القاهر الجرجاني في كتابه "المعتضد"، وكتاب "نظم القرآن" لابن الإخشيد، وكتاب "نظم القرآ،" لابن أبي داود "م ٣١٦هـ"، وكتاب "إعجاز القرآن" للرماني "م ٣٨٣هـ"، وللإمام الخطابي "م ٣٨٨هـ"، وللقاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني "م ٤٠٣هـ"، وكتاب "دلائل الإعجاز" لعبد القاهر الجرجاني "م ٤٧١هـ". وكذلك ألف في إعجازه: فخر الدين الرازي "م ٦٠٦هـ"، وابن الإصبع "م ٦٥٣هـ"، والزملكاني "م ٧٢٧هـ"، والقاضي عياض في كتابه "الشفاء"، والسيوطي في كتابه "الإتقان"، ومصطفى صادق الرافعي في كتب وبحوث منها "إعجاز القرآن" "م ١٩٣٧م"، والدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه "النبأ العظيم" "١٨٩٤- ١٩٥٨م"، والشيخ محمد متولي الشعراوي في كتابه "معجزة القرآن"، والأستاذ سيد قطب في كتابيه "التصوير الفني في القرآن"، و "في ظلال القرآن الكريم"، والأستاذ عبد الرزاق نوفل في كتبه "والله والعلم الحديث"، و "الإسلام والعلم الحديث"، و "القرآن والعلم الحديث"، و "الإعجاز العددي في القرآن الكريم" عدة أجزاء، والأستاذ بديع

стр. 17

الزمان سعيد النورسي التركي "م ١٩٦٠م" في كتابه: "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز"، والدكتور محمود ناظم نسيمي السوري في كتابه: "مع الطب في القرآن الكريم"، والشيخ عبد المجيد الزنداني في بحثه: "المعجزة العلمية في القرآن والسنة"، وكتابه: "توحيد الخالق"، والدكتور مصطفى محمود في كتابه: "القرآن محاولة لفهم عصري"، والدكتور منصور حسب النبي في كتابه" الكون والإعجاز العلمي للقرآن"، وكتاب "القرآن الكريم والعلم الحديث"، وكتاب "الإشارات القرآنية للسرعة القصوى والنسبية"، وله أيضًا: "موسوعة المعارف الكونية في ضوء القرآن -للفتيان"، والدكتور عبد الله عبد الرزاق سعود في كتابه "العسل من الإعجاز الطبي في القرآن"، والدكتور عبد الغني الراجحي في كتابه: "الأرض والشمس في منظور الفكر الإسلامي"، والدكتور محمد أحمد الغمراوي في كتابيه: "الإسلام في عصر العلم"، و "سنن الله الكونية"، وصلاح الدين خشبة في رسالته: "العلم والإيمان"، ومحمد محمد إبراهيم في رسالته "إعجاز القرآن في علم طبقات الأرض"، وعلي عبد العظيم في كتابه: "في ملكوت السماوات والأرض"، وحنفي أحمد في كتابيه: "التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن" و"معجزة القرآن في وصف الكائنات"، والدكتور محمد صدقي في كتابه: "علم الفلك والقرآن"، والشيخ محمد بخيت المطيعي في كتابه: "تنبيه العقول الإنسانية لما في آيات القرآن من العلوم الكونية والعمرانية"، والدكتور عبد العزيز باشا إسماعيل في كتابه: "الإسلام والطب الحديث"، وعبد الله فكري باشا في كتابه: "القرآن ينبوع العلم والعرفان"، والغازي أحمد مختار باشا في كتابه "سرائر القرآن"، ومحمد عفيفي الشيخ في كتابه: "القرآن

стр. 18

الكريم وعلوم الغلاف الجوي"، ومحمد توفيق صدقي في كتابه: "دروس سنن الكائنات"، وعمربن أحمد الملباري في كتابه: "إعجاز القرآن في مسألة اللؤلؤ والمرجان"، ومحمد بن أحمد الإسكندراني في كتابيه: "كشف الأسرار النورانية في النبات والمعادن والخواص الحيوانية"، و "البراهين البينات في بيان حقائق الحيوانات"، والدكتور عبد الله شحاته في كتابه: "تفسير الآيات الكونية"، والعلامة وحيد الدين خان في كتابه: "الإسلام يتحدى"، ومصطفى الدباغ في كتابه: "وجوه الإعجاز"، والدكتور محمد جمال الدين القندي في كتابه: "الله والكون"، ومحمد عبد القادر الفقي في كتابه: "القرآن الكريم وتلوث البيئة"، والدكتور محمد يوسف حسن في كتابه: "قصة السماوات والأرض"، والدكتور عبد الحميد محمد عبد العزيز في كتابه: "الإنسان بين الحقائق القرآنية والمعارف الطبية"، والدكتور عبد العليم عبد الرحمن خضر في كتبه: "الظواهر الجغرافية بين العلم والقرآن"، "هندسة النظام الكوني في القرآن"، "الماء والحياة بين القرآن والعلم"، "المدخل الإيماني للدراسات، الكونية"، وتوفيق محمد عز الدين في كتابه: "دليل الأنفس بين القرآن والعلوم الحديثة"، واللواء المهندس أحمد عبد الوهاب في كتابيه "العلوم الذرية المدنية في التراث الإسلامي"، "خاصية النظام بين الكون والقرآن"، والدكتور كارم السيد غنيم في "رحلة مع الجراد"، "عجائب العنكبوت"، "الإشارات الكونية في القرآن الكريم بين الدراسة والتطبيق"، "حاشية الحليب في ضوء القرآن وسنة الحبيب"، ورءوف أبو سعدة في كتابه: "العلم الأعجمي في القرآن مفسرًا بالقرآن"، والدكتور محمد السعيد إمام في كتابه: "حديث الإسلام عن الأشجار"، والدكتور محمد البار

стр. 19

في كتبه: "خلق الإنسان بين الطب والقرآن"، "الخمر بين الطب والفقه"، "تحريم الخنزير" "دورة الأرحام" والدكتور الطاهر توفيق في كتابه: "القرآن والإعجاز في خلق الإنسان"، وعبد المنعم السيد عشري في كتابه: "تفسير الآيات الكونية في القرآن"، والدكتور توفيق علوان في كتابه: "معجزة القرآن في الوقاية من مرضى دوالي الساقين"، والدكتور محمد عثمان الخشت في كتابه: "وليس الذكر كالأنثى من منظور الإسلام والعلوم الحديثة"، وعبد الحميد محمود في كتابه: "المعجزة والإعجاز في سورة النمل"، والدكتور محمد علي البنبي في كتابه: "نحل العسل بين القرآن والطب"، وكذلك الدكتور أحمد شوقي إبراهيم، والدكتور عبد الحليم منتصر، والدكتور دسوقي الفنجري، والدكتور زغلول راغب النجار، والدكتور محمد أحمد الشهاوي، والمهندس مصطفى بدران، والدكتور أحمد حسنين القفل، والدكتور علي علي المرسي، وغيرهم كثيرون، وانتهوا جميعًا في مؤلفاتهم إلى أن جوانب الإعجاز في القرآن الكريم ووجوهه كثيرة لا تدخل تحت الحصر، وقد تظهر له وجوه أخرى في المستقبل لا يعلمها إلا الله سبحانه، لأنه يتجدد مع مقتضيات كل عصر، ويلبي احتياجات المجتمعات المتنوعة والمتجدة إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، ومنها: ١- كان القرآن الكريم معجزًا لإخباره عن المغيبات للأمم السابقة في الماضي البعيد، بعد انقطاع الصلات والأخبار، فيخبرنا عن الأنبياء والرسل والصالحين، وعن أقوامهم البائدة، وعن شرائعهم وكتبهم المقدسة، وأحوالهم معهم، وعاقبة أمرهم، وعرضها وتصويرها في القرآن الكريم بطريقين عن طريق القصص القرآني، وعن طريق عرض

стр. 20

أخبارهم وتأريخها في تصوير قرآني بديع مثل قصة نوح وإبراهيم وهود وصالح وشعيب وموسى وعيسى وغيرهم ﵈، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١] . ٢- للإخبار عن المغيبات التي ستقع في المستقبل؛ فقد أخبر القرآن الكريم عن هزيمة الروم من الفرس، ثم انتصارهم عليهم، وحينئذ ينتصر المؤمنون عليهم، فقال تعالى: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: ١- ٥] ، وأخبر عن انتصارات الإسلام بعد الهجرة مباشرة في بدر، فقال تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ، وفي فتح مكة، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] . ٣- وكذلك ما انتهى إليه العلم الحديث من نظريات علمية مثل: دوران الأرض وكرويتها، وعلم الأجنة، والجلود مصدر الإحساس، واختلاف البصمات، وغيرها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] ،

стр. 21

وقال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُون﴾ [الذاريات: ٢١] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] ، وقال تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤] . ٤- الإعجاز في التشريع للفرد والأسرة والمجتمع والأمة، والأمم في العقيدة والعبادات والمعاملات والأخلاق والآداب، وفي التفكير والعلوم النفسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والسياسية والعسكرية والعلاقات الدولية، وغيرها من القيم التي تغذِّي القلوب والعقول، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٧، ٢٨] ، وقال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] ، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥] . ٥- الإعجاز في استمرار جلاله، ودوام إبداعه، وتجدُّد تلاوته دون سأم أو ملل، بل يبدو في كل مرة بشكل جديد، وبمعنى بديع،

стр. 22

وبروح قوية، مما يشجِّع على إعداته وتكراره ما دام حيًّا، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] . ٦- يرجع الإعجاز إلى دقة نظمه، وجلال أسلوبه، وكمال بنيانه، ودقة إحكامه، وتمام إتقانه، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢- ١٩٥] . ٧- يرجع إعجازه إلى قدسيته دون تبديل أو تحريف، أو حذف أو إضافة، أو تعديل أو تغيير، كما حدث للتوراة والإجيل وغير ذلك مما اعترف به اليهود والنصارى، وكشف عنه القرآن الكريم؛ لكنه مرَّ عليه خمسة عشر قرنًا، وظل كما أنزله الله ، لأنه تكفَّل بحفظه وقدسيته، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ، وقال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦- ١٩] . ٨- وذهب بعضهم إلى القول بالصرفة، وهو أن الله قد حفظ كتابه

стр. 23

من أيدي العابثين، فصرف عنه كل من يتعدى عليه بالعبث والمعارضة والتحدي والتبديل والتغيير، وهذا الوجه دون الوجوه السابقة، وأضعفها جميعًا، حتى أنكره جمهرة العلماء والبلغاء. ٩- الإعجاز اللغوي والعلمي والإصلاحي والتهذيبي والاجتماعي كما أشار إلى ذلك الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه: "النبأ العظيم". ١٠- الإعجاز العددي في القرآن الكريم كما أشار إلى ذلك في الأجزاء التي أصدرها ونشرها عبد الرزاق نوفل. ١١- ويرجع الإعجاز أيضًا إلى "التصوير القرآني"، وهذا الوجه هي الذي دعاني إلى التفكير في تاليف هذا الكتاب منذ عام "١٩٦٩ م"، حتى شاء الله تعالى أن يرى النور بعد تردُّده طويل، ومتابعة دقيقة، وحذر شديد، ودراسة شاملة قديمًا وحديثًا، لأن التصوير القرآن يجمع بين معظم الوجوه السابقة من حيث القيم الفنية، والقيم الخلقية والتشريعية، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ، وأقسم الله تعالى بتفصيل آياته، وإعجاز بيانه، وتصويره القرآني، فئقال تعالى: ﴿حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ١-٣] ، وقال تعالى: ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ١-٤] ، وقال تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ

стр. 24

إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ١-٣] ، وهذا الوجه في التصوير القرآني هو موضع هذا الكتاب، سنعرضه في فصوله المختلفة بالدراسة والتفصيل -إن شاء الله تعالى-.

стр. 25

حقيقة التصوير القرآني ١: بين الأدب القرآني والأدب العربي: لا يشكُّ عاقل لحظة واحدة ألَّا مجال للموازنة ولا المقارنة بين الأدب القرآني، وفنون الأدب العربي ونقده، فشتَّان بين كلام الله الأزلي، وبين كلام خلقه الذي أبدعهم وخلقهم، فمهما بلغت اللغة العربية قمَّة البلاغة على يد أربابها صقلًا وتهذيبًا وحضارة، فقد عجزوا عن مجاراة القرآن الكريم ومعارضته بعد أن تحدَّاهم، إذن فلا تصحُّ الموازنة ولا المقارنة بحال بين الأدب القرآني وبين أدبهم العربي. فالقرآن الكريم كلام الله ﷻ مبدع الكون كله، والأدب العربي كلام البشر المخلوقين، فكل منهما يتميز بخصائص ينفرد بها عن الآخر، ويتضح ذلك أكثر حينما نقف على أطوار كلمة "الأدب" منذ نشأتها حتى صارت تشمل جميع الفنون الأدبية المختلفة من شعر ونثر فني، فقد انتقلت من المعنى الحسي والواقعي لها قديمًا، وهو بمعنى "المأدبة" التي يلتقي على مائدتها أهل الجودة والكرم وذو الأخلاق الفاضلة، إلى المعنى الأخلاقي المجرد عن الحس، وهو ما يحسن من الأخلائق والمكارم والفضائل، قال عتبة بن ربيعة لابنته هند عن أبي سفيان: "يؤدب أهله ولا يؤدبونه؛ فقالت له: سآخذه بأدب

стр. 26

البعل"١، وقال النعمان بن المنذر في رسالته إلى كسرى: "وقد أوفدت أيّها الملك رهطًا من العرب لهم فضل في أحسابهم وآدابهم"٢. وفي العصر الإسلامي أخذت كلمة "الأدب" معنى إضافيًّا جديدًا يجمع بين التهذيب الأخلاقي والتعليم والتربية الخلقية والعلمية والسلوكية، فقد جاء في الحديث الشريف عن النبي ﷺ : "أدَّبني ربي فأحسن تأديبي"، وقال أيضًا: "إلزموا أولادكم وأحسنوا أدبهم"، وفي الأثر عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ﵁ قال: "طفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار"، وقال أيضًا لابن عباس ﵁: "هل تروي لشاعر الشعراء، قال: ومن هو؟ قال: الذي يقول: ولو أن حمدًا يخلد الناس أخلدوا ... ولكن حمد الناس ليس بمخلد قلت: ذاك زهير، قال: فذلك شاعر الشعراء، قلت: وبم؟ قال: لأنه لا يعاظل في الكلام، وكان يتجنب وحشي الشعر، ولم يمدح أحدًا إلا بما فيه"؛ والشعر فن فنون الأدب عندهم، وقال عن لامية العرب للشنفري ﵁: "علموا أولادكم لامية العرب، فإنها تعلمهم مكارم الأخلاق"٣. وترددت كلمة "الأدب" كثيرًا في العصر الأموي بمعنى التعليم، وتحصيل العلم، قال معاوية ﵁: "اجعلوا الشعر أكبر همكم وأكثر

стр. 27

آدابكم"، واشتهرت في هذا العصر طبقة المعلمين، الذين كانوا يؤدِّبون أبناء الخلفاء والأمراء والولاة بالأخبار واللغة ورواية الشعر والخطب والقصص الأدبي والوصايا الأدبية والأمثال العربية، وأطلق عليهم آنذاك لقب: "المؤدبين" و"الأدباء"، قال عبد الحميد الكاتب، الذي اشتهر بأدب الكتابة: "بدئت الكتابة بعبد الحميد، وخُتمت بابن العميد"، قال في رسالة الكاتب: "فتنافسوا يا معشر الكتاب في صنوف الآداب"، ومن هنا نشأت حرفة "الأدب"، وقال الخليل بن أحمد عن الأدباء: "لأنهم كانوا يتكسبون بالتعليم"١. وفي العصر العباسي اهتمَّ العلماء والرواة بالكتاب؛ فتنوعت الدراسات عندهم، فكانت تشمل: النحو والصرف وعلوم اللغة والاشتقاق والبلاغة والعروض والقافية وعلم الأخبار والأنساب وتاريخ الأمم، فكان يطلق عليهم وعلى الشعراء لتكسُّبهم بالأدب: "الأدباء"، قال الجواليقي في شرح أدب الكتاب: "اصطلح الناس بعد الإسلام بمدة طويلة على أن يسموا العالم بالنحو والشعر وعلوم العرب: "أديبًا"، ويسموا هذه العلوم "الأدب"، وذلك كلام مولد؛ لأن هذه العلوم حدثت في الإسلام"٢. وأصبحت كلمة "الأدب" تطلق على الموسوعات في سائر العلوم شعرًا ونثرًا ولغة وبلاغة وتاريخًا ونحوًا وصرفًا، وغيرها كـ"البيان والتبيين" للجاحظ "م ٢٥٥هـ"، و "الكامل" للمبرد "٢٨٥ هـ"، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه الأندلسي "م ٣٢٨هـ"، و "الأمالي"

стр. 28

لأبي علي القالي "م ٣٥٦هـ"، ولما كان القرن الرابع الهجري، أصبح "الأديب" يطلق على الشاعر والكاتب والناقد فقط، قال ابن خلدون في حد الأدب: "هذا العلم لا موضوع له، وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته، وهي الإجادة في فني المنظوم والمنثور على أساليبهم ومناهجهم، فيجمعون لذلك من كلام العرب ما عساه تحصيل به الملكة من شعر عالي الطبقة، وسجع متساوٍ في الإجادة"١. وهكذا ظلَّ الأدب في العصر الحديث يطلق على الشعر والنثر الفني الجيد، الذي يترك المتعة الفنية عند القارئ والمتلقي، وما يتصل بهما من تاريخ الآداب ونقدهما والعلوم والثقافة؛ فالأدب عند الدكتور طه حسين هو مأثور الكلام نظمًا كان شعرًا أو نثرًا، ومؤرخ الأدب لا يكتفي بمأثور الكلام، وما يتصل به من علوم ومن دراسة تاريخ العقل الإنساني وتاريخ العلوم والفلسفة والفنون٢، ويقول الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي: "فالأدب هو كل كلام عبَّر عن معنى من معاني الحياة وجلًا صورة من صورها بأسلوب جميل، ولفظ بديع فتثير معانيه العاطفة، وتستثير بلاغته الإعجاب. فإن أجود البيان نثره ونظمه ما صدر عن الطبع وجاء عفو القريحة من غير تكلف ولا استكراه ولا إغراب، ومتى كان الكلام جيدًا على هذا النحو فهو الذي نسميه أدبًا"٣. والأدب يختلف من عصر إلى عصر، لذلك قسمه الأدباء والنقاد إلى عصور أدبية على النحو التالي: العصر الجاهلي، وعصر صدر

стр. 29

الإسلام، والعصر الأموي، والعصر العباسي الأول، والعصر العباسي الثاني، والعصر الأندلسي، وعصر الدويلات، وعصر المماليك، والعصر العثماني، والعصر الحديث، والأدب المعاصر. هذه الأطوار المختلفة للأدب وتاريخه ونقده، تنوَّعت واختلفت من حيث المفهوم والأصول والقواعد والفنون، بل أصبحت تختلف من عصر إلى عصر، حسب تنوع الروافد والعلوم والثقافات والتيارات المختلفة، لذلك صار الأدب العربي ونقده خاضعًا للتغيرات والعصور والبيئات، لا يثبت على حال، ولا يستقر على أصول ولا مصطلحات وقواعد؛ لأنه صورة للحياة فيكل عصر، وقطعة منها، يتردَّد صداها في نفس الأديب، فيصورها حسب الاتجاهات الأدبية والنقدية المعاصرة، ثم يميّز الناقد الأدبي بين الجيد منها والرديء، حسب مطابقة الأدب لمقاييس النقد الأدبي الجيد ومصطلحاته في كل عصر؛ فيصفه بالجودة والإحسان، أو مخالفته لهذه القواعد والمصطلحات؛ فيصفه بالرداءة. تلك هي طبيعة وخصائص الأدب العربي ونقده؛ فهي خاضعة للتغيير والتجديد والتحديث، لأنها نتاج البشر المخلوق، الذي لا يثبت على حال، بل يزدهر ويتقلَّب بين سائر الأحوال والثقافات؛ فهذه الخصائص الفنية لأدبه وكلامه، وهما على النقيض تمامًا لكلمات الله العليا، والأدب القرآني المقدس؛ فليس من المنطق المستقيم التسوية في الموازنة بينهما، ولا يقبل العقل والوجدان والحس أن يتعامل معهما على السواء؛ بل لكلٍّ مجاله وسماته وخصائصه التي ينفرد بها عن الآخر، كما يتضح ذلك أكثر في توضيح الأدب القرآني.

стр. 30

الأدب القرآني: أعتقد أنه من المسلمات، التي لا تقبل الجدل ولا المناقشة أن وصف الأدب بالقرآنيّ كالعنوان، أو إضافته إلى القرآن الكريم مثل قولنا: "أدب القرآن" تضفي على الأدب سمات القرآن وخصائصه؛ فيُتخذ طريقًا ومنهجًا مخالفًا للأدب العربي ونقده، ولا يظن عاقل أن نتعامل مع أدب القرآن، كما نتعامل مع الأدب العربي ونقده، فهذا شيء آخر ومختلف تمامًا. والقرآن مصدر "قرأ"، مثل: "غفر غفرانًا"، ثم صار اسمًا وعلمًا على كتاب الله المقدس لأمة محمد ﷺ ، كما اتفق علماء اللغة على أن "قرأ" تشتمل على معاني الجمع والتلاوة؛ لأن من يتلو صفحة، يجمع بين حروفها وكلماتها قبل أن يتلوها، لذلك ذهب ابن عباس ﵁ إلى أنها بمعنى التلاوة، أي قرأت الكتاب بمعنى تلوته، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [الإسراء: ٧١] ، ورأيه لا يختلف عن رأي قتادة ﵁ من أن "قرأ" بمعنى الجمع والتأليف، فما أعدّ الكتاب إلا ليقرأ؛ لذلك جمع بينهما القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧-١٨] ، وفسَّرها ابن عباس ﵁: أي: إن علينا جمعه وتلاوته عليك، فإذا تلوناه فأتبع تلاوته. فهما لا يفترقان، بل يتعلَّق أحدهما بالآخر، ولا ينفصل أحدهما عن الآخر، فهما متلازمان، فالقرآن اسم للتنزيل كما جاء في القاموس المحيط، وورد القرآن باسم الكتاب كثيرًا، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: ١] ،

стр. 31

ومرَّة بالذكر، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ، ومرة بالفرقان، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] ، ومرة بالتنزيل، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] . وفضل كتاب الله المقدس، وكلام الله تعالى على سائر الكلام، كالفرق بين الخالق والمخلوق، لقول الله تعالى في الحديث القدسي الشريف: "من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله تعالى على سائر الكلام كفضل الله على خلقه"، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢] ، ويقول فيه الرسول ﷺ : "إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم"؛ لأنه القرآن الكريم كلام الله المقدس، وكتابه المنزل، ليس نثرًا ولا سجعًا ولا كهانة ولا شعرًا، بل هو قرآن كريم تنزيل من رب العالمين، قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ، وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الحاقة: ٤١- ٤٨] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٩] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: ٧٧- ٨٠] .

стр. 32

وعلى ذلك فليس القرآن شعرًا، ولا سجعًا، ولا نثرًا فنيًّا، ولا غير ذلك من كلام البشر، وليس نصًّا أدبيًّا، كما يطلق عليه بعض النقاد في دراساتهم، وما دام كذلك فلا يصح مطلقًا أن يخضع لمصطلحات النقد الأدبي، التي نقيس بها جودة الأدب العربي والإسلامي ورداءته، لنحكم على آداب البشر بالجودة والرداءة، لأن الأدب القرآني بلغ في سموه إلى حد الإعجاز، مما تتعطل معه مقاييس البشر ومصطلحاته النقدية في ميزان الأدب؛ ليقفوا على عناصر الجمال وأسبابه ومسبباته، ويتذوقوا مواطن الحلاوة، ويشعروا بها، لأن الجلال -لا الجمال ولا الحلاوة- في الأدب القرآني لا يحتاج إلى مقاييس الناقد الأدبي ومصطلحاته للوقوف على الإعجاز في التصوير القرآني، وهذا يحتاج إلى توضيح لقضية الجمال والحلاوة والجلال.

стр. 33

الجلال والحلاوة والجمال قضية الجمال: اهتم النقاد قديمًا وحديثًا بقضية الجمال الأدبي في الشعر والنثر الفني في جميع فنونهما وأقسامهما المتنوعة، التي تضع النص الأدبي في منزلة من الجودة والرداءة حسب درجة الجمال وتوافر شروطه ومقوماته وأسبابه وعناصره، وغير ذلك من الوسائل الفنية المحسة، التي يكاد يجمع عليها النقاد وعلماء البلاغة واللغة والعروض، واتفاقهم جميعًا على مبادئ وقواعد ومسلمات وافقت العقل والذوق الأدبي معًا؛ فالنص الأدبي الجيد والجميل، لابدَّ أن يشتمل على مسلمات اتفق عليها النقاد، فأصبحت أصول النقد وقواعده في اللغة والأسلوب؛ فيكون فصيحًا بليغًا، صحيحًا في اشتقاقه وإعرابه ومصادره، ومتفقًا مع موازين

стр. 34

العروض وبحوره وقوافيه، ومعتمدًا على قواعد علوم البلاغة الثلاثة وأصولها، وهي علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع قديمًا، وعلم الأسلوب حديثًا، وأن يلتزم الشعر بأصوله وعناصره، فلا يخرج عن عمود الشعر العربي، الذي أجمع عليه النقاد، ولا عن أطواره المختلفة في كل عصر، وأن يتفق الأدب مع فنون النثر الفني وأقسامه وأنواعه، فلا تخرج عن منهجها وأنواعها، وعناصرها ومقوماتها الفنية، وخصائصها في الرسالة والوصية والخطبة، والمقامة والقصة والأقصوصة والرواية والمسرحية، والمقالة وفن السيرة الأدبي وأدب الرحلات وغيرها. فإذا استوفى النص الأدبي هذه القواعد والأصول الفنية، وتعرف عليها الناقد الأدبي، واستخراجها بذوقه الأدبي؛ واحدة بعد الأخرى من خلال تحليله الأدبي والنقدي، عند ذلك يصف النص الأدبي ويحكم عليه بالجمال والجودة؛ فإذا افتقدها حكم عليه بالرداءة والقبح والسقوط، وعلى سبيل المثال لا الحصر: كالخطأ في الإعراب والاشتقاق اللغوي، أو الخروج على قواعد وأوزان البحور الشعرية والموسيقى الخارجية والداخلية، أو جاء التشبيه غريبًا، والاستعارة شاذة، والكناية لغزًا أو أحجية، وغير ذلك مما يتعرض له النقاد قديمًا وحديثًا، مثل: بشر بن المعتمر، وابن سلام، وابن قتيبة، وقدامة، والجاحظ، والقاضي الجرجاني، والآمدي، وابن طباطبا، والرماني، وعبد القاهر الجرجاني، وغيرهم فيكتبهم ومؤلفاتهم المشهورة والمعروفة، وكذلك الأمر في النقد الحديث مما لا يحتاج إلى ذكر.

стр. 35

قضية الحلاوة: انتهى النقد الأدبي إلى أن الجمال في الأدب له قواعد وعناصر وأصول تقوم على الأسباب والمسبّبات، والعلل والتعليل، وإقامة الأدلة والمقارعة بالحجة والدليل، حتى ينتهي الأمر بالقبول والتسليم، أو بالرفض والإنكار والجدل، لكن قضية الحلاوة في النقد الأدبي تختلف عنها كثيرًا، فقد يكون الناقد مبهورًا بحلاوة النص بحاسته النقدية وذوقه الأدبي؛ فيحكم عليه بأن جودته وصلت إلى القمة عند الجميع؛ فإذا اجتمع النقاد على أن يستخرجوا منه عناصر الجودة، فلا يجدون منها إلا القليل من أصول وقواعد قضية الجمال، لكن الأسباب الرئيسة التي سمت به إلى الحلاوة، إذا فتشوا عنها؛ فلن يجدوا منها سببًا حسِّيًّا، يعدونه على أصابع اليد الواحدة، ولا دليلًا يدفعون به الخصوم، ولا حجة ترد المنكرين؛ لكنه على الرغم من أنفه يحكم الناقد والخصم على النص الأدبي بالحلاوة دون أن ينتزع منه عناصرها ومقوماتها، ودون أن يقف على سبيل التحديد والحصر على أسباب الحلاوة، ويخفق تمامًا في الوقوف على الأسباب والمسببات كلها، ويفتقد في المناقشة أن يستنجد بأدلة يحتج بها، أو يعتمد على تعليل يقنع به الخصوم، وتراه في كل محاولاته ينتهي القول بالحكم عليه بالحلاوة، التي تنطبق على كل أطرافه وحواشيه، ولا ينهض بحال أن يصفه بالرداءة والقبح، وإلا كان مفتقدًا لمقاييس النقد الأدبي، وحاسة الذوق الفني، وتجد ذلك واضحًا عند الأدباء والشعراء، وعند الشعراء النقاد حين يتعرضون لنصوصهم الأدبية، وقد ناقشت ذلك في كتابي: "الصورة الأدبية ... تأريخ ونقد"، وسأكتفي بموقف واحد فقط أعين القارئ فيه على توفير الجهد في البحث والدراسة والفهم والتحصيل والإقناع، هذا الموقف لناقد كبير من النقاد

стр. 36

العرب في النقد الأدبي القديم، وهو صاحب الوساطة القاضي عليبن عبد العزيز الجرجاني، وإن اشترك معه غيره في قضية الحلاوة كالآمدي، وعبد القاهر، وابن خلدون، وغيرهم. يقول القاضي الجرجاني: "وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن، وتستوفي أوصاف الكمال، وتقف بالتمام بكل طريق، ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن، والتئام الخلقة وتناسب الأجزاء، وتقابل الأقسام، وهي أحظى بـ "الحلاوة"، وأدنى إلى القبول، وأعلق بالنفس، وأسرع ممازجة للقلب، ثم لا تعلم -وإن قايست واعتبرت ونظرت وفكرت -لهذه المزية سببًا، ولما خصت به مقتضيًا، ولو قيل لك كيف صارت هذه الصورة وهي مقصرة عن الأولى في الإحكام والصنعة، وفي الترتيب والصبغة، وفيما يجتمع أوصاف الكمال، وينتظم أسباب الاختيار، أحلى وأرشق وأحظى وأوقع، لأقمت السائل مقام المتعنِّت المتجانف، ورددت المستبهم الجاهل، ولكن أقصى ما في وسعك، وغاية ما عندك، أن تقول موقعه في القلب ألطف، وهو بالطبع أليق، كذلك الكلام منثوره ومنظومه، ومجمله ومفصله، تجد منه المحكم الوثيق، والجزل القوي، والمصنع المحكك، والمنطق الموشح، قد هذب كل التهذيب، وثقف غاية التثقيف، وجهد فيه الفكر، وأتعب لأجله الخاطر، حتى أضحى ببراءته عن المعايب، واحتجز بصحته عن المطاعن، ثم تجتد لفؤادك عنه نبوة، وترى بينه وبين ضميرك فجوة"١. ثم يضرب صورة للجميل المثقل بالبديع من البيان، والمكتظ بشتَّى فنون البديع، وصور أدبية أخرى لما هو دون ذلك، مجردة من هذه

стр. 37

الأثقال والأحمال من علم البيان وعلم البديع، تعتمد على اللفظ السهل القريب، والنظم الخالي من الصنعة والتهذيب، حتى كادت أن تخلو من صور البيان ومحسنات البديع، ولا تجد الصورة الأدبية لها طريقًا إلى القلب، ولا تهز وترًا من أوتار العاطفة، بينما تجد للصورة الأدبية الثانية لها سحرًا وبراءة في القلب؛ فتستريح إليها النفس، وتنشي العاطفة لها نشو، وتهتزّ لها طربًا؛ فيقول القاضي: "وقد تغزَّل أبو تمام فقال: دعني وشرب الهوى يا شارب الكأس ... فإنني للذي حسيته حاسي لا يوحشنك ما استسمجت من سقمي ... فإن منزله من أحسن الناس من قطع أوصاله توصيل مهلكتي ... ووصل ألحاظه تقطيع أنفاسي متى أعش بتأميل الرجاء إذا ... ما كان قطع رجائي في يدي باسي فلم يخل بيت منها من معنى بديع، وصفة لطيفة، طابق وجانس، واستعار فأحسن، وهي معدودة من المختار من غزله -وحق لها-، فقد جمعت على قصرها فنونًا في الحسن، وأصنافًا من البديع، ثم فيها من الإحكام والمتانة والقوة ما تراه، ولكن ما أظنك، تجد له من سورة الطرب، وارتياح النفس ما تجده لقول بعض الأعراب:

стр. 38

أقول لصاحبي والعيس تهوى ... بنابين المنيفة فالضمار تمتع من شرير عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار ألا حبَّذا نفحات نجد ... وريا روضه غب القطار وعيشك إذ يحلّ القوم نجدا ... وأنت على زمانك غير زار شهور ينقضين وما شعرنا ... بإنصاف لهن ولا سرار فأما ليلهنَّ فخير ليل ... وأقصر ما يكون من النهار فهو كما تراه بعيد عن الصنعة، فارغ الألفاظ، سهل المأخذ، قريب التناول"١.

стр. 39

قضية الجلال: فالجمال والحلاوة بالمفهوم النقدي عند النقاد على النحو السابق، يتعرضون لهما بالنقد والتحليل للأدب العربي، الذي يصدر عن الأدباء والشعراء في العصور الأدبية المختلفة: العصر الجاهلي، وصدر الإسلام، والعصر الأموي، والعصر العباسي، والعصر الأندلسي وعصر الدويلات والإمارات، وعصر الممالك، والعصر العثماني، والعصر الحديث؛ فيتخذون في تحليلهم الأدبي والنقدي لفنون الأدب

стр. 40

وعناصرها الفنية مقاييس النقد وقواعده ومصطلحاته النقدية، التي يتعاون فيها الذوق الأدبي مع مقاييس النقد، وحين يجد الناقد النص الأدبي غير غني بمقوماته الجمالية؛ لأنه اشتمل على عناصر جمالية يخفى عليه معظمها أو كلها، أو هي عناصر كثيرة خفية يهتزُّ لها الذوق الأدبي، ولا يستطيع أن يقف على جميع أسبابها ومسبباتها، فلا يملك إلا أن يحكم على جميع أسبابها ومسبباتها، ولا يملك إلا أن يحكم على النصّ الأدبي بالحلاوة، وهي صفة تسمو في الحكم عليه بالجمال وحدَّه؛ لأن النقاد تعاملوا مع النصَّ الأدبي للشاعر والأديب لإثبات جماله، وحلاوته بالمصطلحات النقدية التي أجمع عليها النقاد في جميع العصور، وهذا أمر متعارف عليه ومقبول في أحكامهم النقدية، بل لا بد منه في أدب البشر ونقده، وخاصة في المحيط الإنساني والبشري؛ لأن النص الأدبي صادر عن الإنسان وعن البشر، والتعامل معه أمر مألوف ومتعارف عليه بالتحليل والنقد وتطبيق المصطلحات النقدية، التي يستخدمها الناقد الأدبي، وهو أيضًا -كالمبدع- من الأناسي والبشر، وهو مقياس معروف ومألوف في أعراف البشر ومحيطه الإنساني. لكن الأمر مختلف تمامًا مع كلام الله وكتابه المقدس القرآن الكريم، فلا مجال هنا للمقارنة والموازنة إطلاقًا، فالنص الأدبي صادر عن الإنسان المخلوق، والقرآن الكريم أبدعه الخالق، خالق الإنسان والكون كله، ما نعلمه وما لا نعلمه، فقد أقسم الله بالقرآن الكريم في أول سورة فصلت، فقال تعالى: ﴿حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ١-٣] ، وهو كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه
следующие страницы →