العرب في النقد الأدبي القديم، وهو صاحب الوساطة القاضي عليبن عبد العزيز الجرجاني، وإن اشترك معه غيره في قضية الحلاوة كالآمدي، وعبد القاهر، وابن خلدون، وغيرهم.
يقول القاضي الجرجاني: "وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحسن، وتستوفي أوصاف الكمال، وتقف بالتمام بكل طريق، ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن، والتئام الخلقة وتناسب الأجزاء، وتقابل الأقسام، وهي أحظى بـ "الحلاوة"، وأدنى إلى القبول، وأعلق بالنفس، وأسرع ممازجة للقلب، ثم لا تعلم -وإن قايست واعتبرت ونظرت وفكرت -لهذه المزية سببًا، ولما خصت به مقتضيًا، ولو قيل لك كيف صارت هذه الصورة وهي مقصرة عن الأولى في الإحكام والصنعة، وفي الترتيب والصبغة، وفيما يجتمع أوصاف الكمال، وينتظم أسباب الاختيار، أحلى وأرشق وأحظى وأوقع، لأقمت السائل مقام المتعنِّت المتجانف، ورددت المستبهم الجاهل، ولكن أقصى ما في وسعك، وغاية ما عندك، أن تقول موقعه في القلب ألطف، وهو بالطبع أليق، كذلك الكلام منثوره ومنظومه، ومجمله ومفصله، تجد منه المحكم الوثيق، والجزل القوي، والمصنع المحكك، والمنطق الموشح، قد هذب كل التهذيب، وثقف غاية التثقيف، وجهد فيه الفكر، وأتعب لأجله الخاطر، حتى أضحى ببراءته عن المعايب، واحتجز بصحته عن المطاعن، ثم تجتد لفؤادك عنه نبوة، وترى بينه وبين ضميرك فجوة"١.
ثم يضرب صورة للجميل المثقل بالبديع من البيان، والمكتظ بشتَّى فنون البديع، وصور أدبية أخرى لما هو دون ذلك، مجردة من هذه
стр. 37
الأثقال والأحمال من علم البيان وعلم البديع، تعتمد على اللفظ السهل القريب، والنظم الخالي من الصنعة والتهذيب، حتى كادت أن تخلو من صور البيان ومحسنات البديع، ولا تجد الصورة الأدبية لها طريقًا إلى القلب، ولا تهز وترًا من أوتار العاطفة، بينما تجد للصورة الأدبية الثانية لها سحرًا وبراءة في القلب؛ فتستريح إليها النفس، وتنشي العاطفة لها نشو، وتهتزّ لها طربًا؛ فيقول القاضي: "وقد تغزَّل أبو تمام فقال:
دعني وشرب الهوى يا شارب الكأس ... فإنني للذي حسيته حاسي
لا يوحشنك ما استسمجت من سقمي ... فإن منزله من أحسن الناس
من قطع أوصاله توصيل مهلكتي ... ووصل ألحاظه تقطيع أنفاسي
متى أعش بتأميل الرجاء إذا ... ما كان قطع رجائي في يدي باسي
فلم يخل بيت منها من معنى بديع، وصفة لطيفة، طابق وجانس، واستعار فأحسن، وهي معدودة من المختار من غزله -وحق لها-، فقد جمعت على قصرها فنونًا في الحسن، وأصنافًا من البديع، ثم فيها من الإحكام والمتانة والقوة ما تراه، ولكن ما أظنك، تجد له من سورة الطرب، وارتياح النفس ما تجده لقول بعض الأعراب:
стр. 38
أقول لصاحبي والعيس تهوى ... بنابين المنيفة فالضمار
تمتع من شرير عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار
ألا حبَّذا نفحات نجد ... وريا روضه غب القطار
وعيشك إذ يحلّ القوم نجدا ... وأنت على زمانك غير زار
شهور ينقضين وما شعرنا ... بإنصاف لهن ولا سرار
فأما ليلهنَّ فخير ليل ... وأقصر ما يكون من النهار
فهو كما تراه بعيد عن الصنعة، فارغ الألفاظ، سهل المأخذ، قريب التناول"١.
стр. 39
قضية الجلال:
فالجمال والحلاوة بالمفهوم النقدي عند النقاد على النحو السابق، يتعرضون لهما بالنقد والتحليل للأدب العربي، الذي يصدر عن الأدباء والشعراء في العصور الأدبية المختلفة: العصر الجاهلي، وصدر الإسلام، والعصر الأموي، والعصر العباسي، والعصر الأندلسي وعصر الدويلات والإمارات، وعصر الممالك، والعصر العثماني، والعصر الحديث؛ فيتخذون في تحليلهم الأدبي والنقدي لفنون الأدب
стр. 40
وعناصرها الفنية مقاييس النقد وقواعده ومصطلحاته النقدية، التي يتعاون فيها الذوق الأدبي مع مقاييس النقد، وحين يجد الناقد النص الأدبي غير غني بمقوماته الجمالية؛ لأنه اشتمل على عناصر جمالية يخفى عليه معظمها أو كلها، أو هي عناصر كثيرة خفية يهتزُّ لها الذوق الأدبي، ولا يستطيع أن يقف على جميع أسبابها ومسبباتها، فلا يملك إلا أن يحكم على جميع أسبابها ومسبباتها، ولا يملك إلا أن يحكم على النصّ الأدبي بالحلاوة، وهي صفة تسمو في الحكم عليه بالجمال وحدَّه؛ لأن النقاد تعاملوا مع النصَّ الأدبي للشاعر والأديب لإثبات جماله، وحلاوته بالمصطلحات النقدية التي أجمع عليها النقاد في جميع العصور، وهذا أمر متعارف عليه ومقبول في أحكامهم النقدية، بل لا بد منه في أدب البشر ونقده، وخاصة في المحيط الإنساني والبشري؛ لأن النص الأدبي صادر عن الإنسان وعن البشر، والتعامل معه أمر مألوف ومتعارف عليه بالتحليل والنقد وتطبيق المصطلحات النقدية، التي يستخدمها الناقد الأدبي، وهو أيضًا -كالمبدع- من الأناسي والبشر، وهو مقياس معروف ومألوف في أعراف البشر ومحيطه الإنساني.
لكن الأمر مختلف تمامًا مع كلام الله وكتابه المقدس القرآن الكريم، فلا مجال هنا للمقارنة والموازنة إطلاقًا، فالنص الأدبي صادر عن الإنسان المخلوق، والقرآن الكريم أبدعه الخالق، خالق الإنسان والكون كله، ما نعلمه وما لا نعلمه، فقد أقسم الله بالقرآن الكريم في أول سورة فصلت، فقال تعالى: ﴿حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ١-٣] ، وهو كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه
стр. 41
ولا من خلقه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١-٤٤] ، وأقسم في أول سورة الزخرف، فقال تعالى: ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ١-٣] .
ولما كانت هذه القضية مختلفة تمامًا؛ فإنه يلزم بالضورة بلا جدال ولا مناقشة على سبيل الحتم والوجوب، أن نتعامل مع كتاب الله ، وقرآنه العزيز المحكم بما يتفق مع قداسته وربانيته، لأنه عزَّ على البشر والجن أن يأتوا بمثله، مبهورين بإعجازه وبلاغته، بل عجزوا على أن يأتوا بآية واحدة، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
لذلك ينبغي إذا ما أردنا أن نعبر عن انبهارنا بآية، وعن إعجابنا بها، فلا يصح أن نكتفي بما نتعامل به مع النص الأدبي للبشر، فنحكم عليه بالجمال فقط لوضوح أسبابه وعناصره الجمالية المألوفة، ولا بالحلاوة فقط، التي جمعت بين أسباب الجمال وانبهار الذوق الأدبي، بل يجب أن يكون التعامل مع القرآن الكريم بأسمى من كل ذلك، وهو أن نصفه
стр. 42
بـ "الجلال"، لا بالجمال والحلاوة فقط؛ لأن الله تعالى وحده، ﷻ هو الذي يتصف بـ"الجلال"، ولا يتعارض هذا مع وصف النبي ﷺ لربِّه بالجمال في الحديث الشريف: "إن الله جميل يحب الجمال" فالموقف هنا مختلف تمامًا، لأنه ﷺ يرد على سؤال اعترض به السائل لعدم فهمه الصحيح للكبر فقال: "إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا"، فردَّ عليه الرسول ﷺ منكرًا فهمه للكبر وموضحًا له مفهومه الصحيح فقال: "الكبر بطر الحق وغمط الناس"، وأسباب الاختلاف أيضًا فيوصفه لله تعالى بالجمال كثيرة، منها أن النبي ﷺ لا يحكم على آية من كتاب الله ، ومنها التقريب لمفهوم الكبر بما يتعامل معه السائل من المحسات ومن مظاهر الواقع المألوف، حتى يقرب المعنى إلى عقله فيتضح معناه، وكذلك الأمر لا يختلف في التفسير عن وصف الله بالطيب في حديث شريف: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا"، فهو مختلف تمامًا، فالطيب للتمييز بين ما هو حلال أو حرام، كما أن الجميل والطيب ليسا من أسماء الله الحسنى، فهو "الجليل" ﷻ .
والأمر أيضًا مختلف كثيرًا عما صدر من الكافر الوليد بن المغيرة حين حكم على الآيات التي سمعها من النبي ﷺ بالحلاوة والطلاوة، لأن هذا الوصف صادر عن كافر معاند، لا من مؤمن يؤمن بالله تعالى، ولابكتابه المقدس، فلا يملك الوليد مع إعجاز القرآن الكريم، إلا أن يصفه بهذه الكلمات على الرغم من أنفه، فقال: "والله لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وإنه يعلو ولا يعلو ... ما يقول هذا بشر".
стр. 43
ولما راجعه قومه لعناده بعد أن وقع في مأزق بهذا الحكم على القرآن الكريم وهو سفير عنهم، أخذ يفكر في التراجع عنه، ويفكر في طريقة الخلاص من هذا المأزق، فقال: إنه سحر يؤثر، وإن صاحبه لساحر، يفرق بين المرء وأهله، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا، سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ١٦-٢٥] .
لهذا قد اختلط الأمر عند كثير من النقاد في نقدهم، فكانوا يصفون الأدب الإنساني والبشري أحيانًا بالجمال والحلاوة، وحينًا بالجلال، كما أنهم فعلوا ذلك حينما تعاملوا مع القرآن الكريم كتاب الله العزيز الحكيم، فعبروا بالجمال والحلاوة وحدهما، وهذا لايكفي مطلقًا مع كتاب الله ﷻ ، وقليلًا ما يتعاملون معه في أحكامهم وإعجابهم بالجمال والحلاوة والجلال جميعًا، كالشأن عندهم في تعاملهم مع النص الأدبي للبشر، وهذه المنزلة تسمو على السابقة كثيرًا، لكنهم في الغالب لم يقصروا صفة الجلال دون غيره من الجمال والحلاوة على القرآن الكريم وحده، وإنما تعاملوا بالثلاثة دون تمييز بينها في نقدهم للنصوص الإنسانية.
لذلك أرى أن قضية "الجلال" ينبغي أن تكون مقصورة على القرآن الكريم وحده، فهو كتاب الله ﷻ المقدس، ولا ينبغي أن نتعامل بها في الحكم على غيره مطلقًا؛ لأن كلام الخالق المبدع وكتابه المقدس يختلف -بلا موازنة ولا مقارنة- مع أدب مخلوقاته، فالمفاضلة
стр. 44
هنا ليست على بابها، بل مفاضلة فريدة مطلقة بديعة، لأنها مفاضلة هنا بلا نظير ولا تنظير، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ، فالنص البشري خاضع للذوق الأدبي الذي يختلف من عصر وناقد إلى عصر وناقد آخر، فلا تزال فيه الحقيقة غائبة، مهما بلغ القمة؛ لأن الكمال لله وحده، وكتاب الله ﷻ القرآن الكريم هو الحقيقة وهو الحق المبين، الذي تقشعر منه الجلود، وتخر له الأذقان سجدًا في دموع وخشوع وذلة وتسليم، قال تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا، قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا، وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا، وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٥- ١٠٩] .
لذلك كان البشر هم موطن التمييز والأفضلية؛ لأن منهم أولوا العلم من الذين آمنوا؛ فهم جديرون بحمل أمانته وتكليفه، حتى يتفاضلوا على الملائكة الذين يعبدون الله بالليل والنهار لا يفترون، وتقاصرت دونهم العوالم الأخرى عاجزة، لا تستطيع حملها، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] ، لذلك اختص التصوير القرآني بالجلال، وهي الصفة
стр. 45
والسمة السامية والعليا التي تتلاءم مع الإعجاز في القرآن الكريم، الذي تقاصر دونه أرباب البلاغة والفصاحة، حين وصلوا باللغة العربية وأدبها إلى القمة في البلاغة، حتى سمت وشرفت بين اللغات الأخرى بالقرآن الكريم، كما قال حافظ إبراهيم:
وسعت كتاب الله لفظًا وغاية ... وما ضقت عن آي به وعظات
стр. 46
الإعجاز في التصوير القرآني
مدخل
...
الإعجاز في التصوير القرآني:
كان النظم أحد وجوه الإعجاز في القرآن الكريم عند كثير من العلماء والنقاد قبل الإمام عبد القاهر الجرجاني، الذي أفاض فيه، وفصل القول فيه تفصيلًا وتحليلًا يقوم على العمق والاستيعاب والتذوق الأدبي، فتحقق على يديه من التضويح الدقيق لمفهوم النظم، وتحديد لأصوله وقواعده وسماته وخصائصه، مع التفسير والتحليل والتطبيق وغير ذلك، مما لم يكن موجودًا على مثاله من قبل، ولا عند السابقين عليه في تعرضهم لقضية النظم، واعتمد عبد القاهر في كل ذلك على ذوقه الأدبي المحنَّك والمرهف، وحسَّه النقدي المعمور بالتجارب والممارسة والاستيعاب، والتراكم الفكري والثقافي والعملي والروحي، مما أدَّى إلى إصابته وتوفيقه في التعرف على مصادر الجمال في النص الأدبي، وعلى روعة الجلال في القرآن الكريم، بصورة عميقة ودقيقة، وشاملة، لم تكن عند الذين سبقوه من النقاد والعلماء بهذه الكيفية، بل كانت دونها بكثير، وخاصة في كتابيه المشهورين: "دلائل الإعجاز"، و"أسرار البلاغة".
تحدَّث عبد القاهر عن الصورة الأدبية في موضعين، الموضع الأول: في فصل قضية النظم، التي شغلته كثيرًا، حتى يظن القارئ أنه لم يخرج عنها، ولم يتعدَّ إطارها، لكن من تأمل في تحليله، وأمعن النظر في عرضه وتطبيقاته، لوجده يتحدث عن الصورة الأدبية حديثًا عميقًا، لم يعهد من قبل؛ فهي تتولد عنده من خيوط النظم، وتستمد روافدها من العلاقات بين أجزاء النظم وأركانه، كما يظهر ذلك من خلال حديثه عن النظم، يقول: "واعلم أنك إذا رجعت إلى نفسك علمت علمًا لا
стр. 47
يعترضه الشك، أنه لا نظم في الكلم ولا ترتيب، حتى يعلق بعضها ببعض، ويبني بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب تلك، وإذا كان كذلك، فعلينا أن ننظر إلى التعليق فيها والبناء، وجعل الواحدة منها بسبب من صاحبتها ما معناه وما محصوله"١.
ويوضح ذلك أكثر فيقول: "إنك ترى الرجل قد يهتدي في الأصباغ، التي عمل منها الصورة والنقش في ثوبه، الذي نسج إلى ضرب من التخير والتدبر في أنفس الأصباغ، وفي مواقعها ومقاديرها، وكيفية مزجها لها، وترتيبها إياها، إلى ما لم يهتد إليه صاحبه، فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب، وصورته أغرب، وكذلك حال الشاعر في توخِّيهما معاني النحو ووجوهه، التي علمت أنها محصول النظم"٢.
الموضع الثاني: عندما عرض عبد القاهر قضية السرقات الأدبية تعرض للصورة الأدبية، فوضح أن التغاير في عرض وأسلوب المعنى الواحد بأسلوب آخر يكون حتمًا نتيجة للاختلاف في هيئة الصورة الأدبية، في أسلوب كل من الشاعرين، مع أن المعنى الأصلي كان واحدًا، ولا يمكن أن يتم الاتفاق إلا في حالة واحدة؛ وذلك حينما يغيّر الشاعر المتأثر واللاحق كل لفظ عند الشاعر السابق بلفظ يشبه الأول في المعنى، وهكذا في بقية الألفاظ، حتى يتحقق الإنفاق التام بين اللاحق والسابق، لأن الشاعر الثاني واللاحق والمتأثر لم يعرض المعنى في صورة جديدة.
стр. 48
لذلك نجد عبد القاهر يتَّهم من سبقه بالخطأ في فهم الصور؛ فيقول: "وجدتهم قد قالوا ذلك من حيث قاسوا الكلامين على الكلمتين؛ فلما رأوا، إذا قيل في الكلمتين أن معناهما واحد، لم يكن بينهما تفاوت، ولم يكن للمعنى في أحدهما حال، لا يكون له في الأخرى، ظنوا أن سبيل الكلامين هذا السبيل، وقد غلطوا فأفحشوا؛ لأنه لا يتصور أن تكون صورة المعنى في أحد الكلامين أو البيتين؛ مثل صورته في الآخر البتة، اللهم إلا أن يعمد عامد إلى بيت، فيضع مكان كل لفظة منه لظفة في معناها، ولا يعرض لنظمه وتأليفه، كمثل أن نقول في بيت الحطيئة:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
ذر المفاخر لا تذهب لمطلبها ... واجلس فإنك أنت الآكل اللابس
وما كان هذا سبيله كان بمعزل من أن يكونبه اعتداد ... ولا أن يجعل الذي يتعاطاه بمحل من وصف، بأنه أخذ المعنى، وذلك لأنه لا يكون بذلك صانعًا شيئًا، يستحقّ أن يدّعي من أجله واضع كلام، ومستأنف عبارة، وقاتل شعر"١.
لذلك انقسم عنده من تناول معنى متحدًا إلى قسمين: قسم يكون فيه أحد الشاعرين قد أخفق في تصويره، لأنه أتى بالمعنى غفلًا ساذجًا، وترى الآخر قد أخرجه في صورة تروق وتعجب، وقسم ترى فيه شاعرًا
стр. 49
منهما، قد صنع في المعنى وصور١.
فالإمام عبد القاهر كما ترى قد قصر النظم على التصوير الأدبي، بحيث لا يتعدَّاه إلى غيره، وجعل النظم بهذه الكيفية هو الوجه في الإعجاز القرآني، لكنني أختلف معه في هذا التعميم والإطلاق، لأن النظم من وجهة نظري قد يكون حقلًا خصبًا للتصوير الأدبي؛ إذا اجتمعت فيه روافد البلاغة وعناصر الجمال في الأدب، وقد يكون النظم خاليًا من كل ذلك، فلا يكون موطنًا للتصوير الأدبي؛ فيعتمد على أسلوب علمي، ونظم كلمات دقيقة في معناها اللغوي، بحيث لا تتعدَّد المعاني في اللفظ، ولا يتراسل بالإيحاء والظلال، بل تؤدي الألفاظ في النظم معانيها اللغوية والحقيقة بدقة وإحكام، لتنتهي إلى نتيجة علمية بحتة، أو برهان عقلي يعتمد على مقدمات محدودة، ومسلمات يقينية، لا تفسح لإيحاء أو تلميح، ولا تتراسل بظلال أو أضواء، بل تكون واضحة صريحة، ونافذة دقيقة في أداء معانيها؛ فلا يستطيع أحد أن ينكر أن هذا الأسلوب العلمي قائم على النظم بين الألفاظ على النحو السابق، كما لايستطيع أحد أن يستمد من روافده صورة أدبية، أو يتولد منه تصوير أدبي بحال، وقضية النظم بهذه الكيفية والعموم عند عبد القاهر كانت أحد وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، مما جعلني اختلف معه في إطلاقه وعمومه على النحو الذي وضحته آنفًا.
لذلك جعلت التصوير القرآني واحدًا من الوجوه المتنوعة للإعجاز في القرآن الكريم، بل يعدُّ عندي من أدقِّ الوجوه في الوقوف على أبعاده، وفي معرفة أسرار الجلال فيه، لأن روافد التصوير القرآني
стр. 50
وعناصره كثيرة ومتنوعة، فلا تقتصر على الخيال بصوره المختلفة في أبواب "علم البيان"؛ كالتشبيه، والمجاز، والاستعارة التصريحية والمكنية، والكناية، مما يدخل في مفهوم الصورة الأدبية ومقوماتها عند معظم النقاد في العصر القديم والعصر الحديث، ولا تقتصر على روافد الصورة المستمدة من أبواب "علم المعاني" كالتقديم والتأخير والحذف والذكر والتعريف والتنكير والقصر والالتفات وغيرها، كالشأن في مفهوم الصورة الأدبية عند النقاد في النقد القديم، وخاصة عند عبد القاهر الجرجاني، ولا تقتصر على الروافد المستمدة من الإيقاع والموسيقى الداخلية والخارجية والنسق، كالشأن في مفهوم الموسيقى في النقد القديم والحديث معًا، بل روافد التصوير القرآني تعتمد عليها وعلى غيرها، فهي أعظم من ذلك وأكثر من ذلك مما نعلمه وما لا نعلمه، والله ﷻ وحده يعلمه، كالإعجاز في تصوير الحقائق العلمية والقيم التشريعية والقيم الخلقية وغيرها مما سنوضحه في الفصول اللاحقة إن شاء الله تعالى، بل التصوير القرآني أجل من ذلك حينما تقشعر القلوب من جلاله، فيغمر العاطفة والوجدان والشعور والعقل بالجلال والرهبة والرغبة والهيبة والخوف، كما وضحنا ذلك في الفرق بين الجمال والحلاوة والجلال، حينذاك يقف الإنسان عاجزًا عن معرفة مصادره المحسوسة، لكن يعدها واحدة بعد الأخرى، فيضطر أن يعترف بالجلال الذي امتلأ به قلبه ووجدانه، وامتلك عليه عقله وعوارفه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] ،
стр. 51
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] .
لهذا آثرت التعبير مع القرآن الكريم بـ" التصوير القرآني"، لتفرده بالإعجاز فيه، فهو أسمى ما عرفه البلغاء على الإطلاق قديمًا وحديثًا وفي كل عصر، على أن ينسب التصوير إلى القرآن؛ فينسب المصطلح إلى أصله، وما هو له، ويتصف الموصوف وهو "التصوير" بصفته وهو "القرآني" ليتصف بصفاته، وتنسحب عليه سماته وخصائصه، فنقول: "التصوير القرآني، ليكون خبرًا تتم به الفائدة، أي: "هذا هو التصوير القرآني"، أو يضاف "تصوير" إلى "القرآن"، فتقول: "تصوير القرآن"؛ فيأخذ المضاف حكم المضاف إليه، ويتصف بسماته وخصائصه، ليكون خبرًا تمَّ به الفائدة، أي: "هذا هو أدب القرآن"، أو خبرًا عن سمات الإعجاز، والتقدير: "الإعجاز في التصوير القرآني"، وهو عنوان الكتاب وأشرت إليه في مقدمته، فهذا أو ذاك هو الصنيع الوحيد والصحيح والأدق والأولى بجلال القرآن وقدسيته؛ لأنه كلام الله الخالق، وكتابه المقدس، وهو يختلف تمامًا عن كلام خلقه من البشر، وليس أدب القرآن مثل أدب خلق الله من الناس، حينئذ يكون التصوير منسوب إلى مصدره الإلهي الأعظم، فهو مختلف عن غيره من التعبيرات والمصطلحات النقدية في أدبهم، وعن الأوصاف التي وصف بها النقاد "التصوير القرآني" من القيم الفنية والبلاغية في الأدب والنقد، وأختلف معهم في كل ذلك؛ فئلا أعبّر مثهلم كما يعبرون فيقولون: "التصوير الأدبي في القرآن الكريم"؛ لأن هذا السلوك يقتضي تطبيق هذا المصطلح النقدي في الأدب الإنساني للبشر على
стр. 52
القرآن الكريم، وعلى تصويره، مما يجعل القرآن الكريم -معاذ الله تعالى- نصًّا أدبيًّا مثل غيره من النصوص الأدبية شعرًا ونثرًا، يجري عليه أحكامها سواء بسواء، وهذا من وجهة نظري مرفوض عندي بكل مقومات الرفض ووسائله، لأنه لا يتناسب مع قداسة القرآن الكريم، لأنه لا يصح أن يوضع في مجال الموازنة، ولا المعادلة، ولا المقارنة، ولا التفاضل، حتى ولو عبر بعض النقاد بأن القرآن الكريم هو النص الأدبي الأول، مما يقتضي أن ما بعده الثاني والثالث؛ فقد وضعه في كفف الموازين النقدية مع النصوص الأدبية؛ لخلق الله ﷻ كما يقول أحدهم بالنص: "منذ بدء الحياة الإسلامية، إذن أخذ القرآن مكان الصدارة بصفة كونه" النص الأدبي الأول "لهذه الأمة"١، ويقول أيضًا في موطن آخر: "ودارس القرآن من الوجهة الأدبية عليه ثانيًا أن يذكر أن القرآن نصّ أدبي، بل هو كتاب الأدب العربي الأول"٢.
وإذا تسامح بعضهم -وهو دون الأولى والأفضل- في قولهم: "التصوير الأدبي في القرآن الكريم"، وهو يريد أن يستخرج سمات القرآن في الصورة الأدبية، التي تختلف عن غيرها من التصوير الأدبي؛ فهذا أيضًا عندي غير مقبول، لأن هذا المصطلح يكون قاصرًا وغير دقيق وواضح، لأن القائل به قد وضعه في مقام سؤال، يحتاج إلى إجابة تكشف الغموض فيه، وبه تتم الفائدة كالشأن في خبر المبدأ، فإذا قلت: التصوير الأدبي في القرآن الكريم، يترتب عليه أسئلة، وهي: ما سمات هذا التصوير؟ وما صفته التي تريد تحديدها؟ وما مقوماته وعناصره؟
стр. 53
وما أشبه ذلك من الأسئلة، فتأتي الإجابة مكملة للمصطلح، وعلى سبيل المثال تقول: التصوير الأدبي في القرآن الكريم معجز، أو سماته هكذا، وهكذا، وهكذا، وهو مرفوض أيضًا، ولا يصح أن نتعامل به مع كتاب الله المقدس حتى لو جعله بعضهم عنوانًا لبحثه أو كتابه المنشور.
وكذلك ما جاء على مثال: "الصورة الأدبية في القرآن الكريم" من المصطلحات النقدية التي تعامل بها النقاد مع الأدب ونقده بصفة عامة مثل:
"التصوير الفني في القرآن"١، و"الفن القصص في القرآن"٢، و"القرآن ... ونظرية الفن"٣، و"من الوجهة الأدبية في دراسة القرآن الكريم"٤، و"التعبير الفني في القرآن الكريم"٥، وغيرها من المصطلحات عند كثير من النقاد المحدثين والمعاصرين، فإنهم يقولون: "الموسيقى في القرآن"، و"الإيقاع في القرآن"، و"الأسلوب في القرآن"، و"التعبير في القرآن"، و"النظم في القرآن"، و"الوحدة العضوية في القرآن"، و"الفن في القرآن"، و"البيان في القرآن"، و"الوجدان الفني في القرآن"، وهكذا في بقية المصطلحات النقدية في الدراسات الأدبية والنقدية في الأدب العربي الحديث ونقده؛ فما خلا كتاب في النقد الأدبي الحديث تعرَّض للقرآن إلا تجد فيه مثل هذه التعبيرات والمصطلحات النقدية، التي يتعامل بها النقاد مع كتاب الله
стр. 54
المقدس ﷻ "القرآن الكريم".
ولا أقول الأولى والأفضل والأدق، بل أقول: الصحيح والحق، ألا نتعامل مع القرآن الكريم بهذه المصلطحات النقدية، كما وضحت ذلك في التعبير بـ "التصوير الأدبي في القرآن الكريم" للأسباب التي ذكرتها بالتفصيل، ولدفع الغموض والنقص والقصور الظاهر في التعبير بها؛ فنقول مع القرآن الكريم:
"التصوير القرآني"، و"الأسلوب القرآني"، و"النظم القرآني" و"التعبير القرآني"، و"الموسيقى القرآنية"، و"الإيقاع القرآني" و"النسق القرآني"، و"البيان القرآني"، و"القصص القرآني"، و"الوحدة القرآنية" وهكذا مع جميع المصطلحات النقدية، فتكون على سبيل ذكر الموصوف والصفة المنسوبة إلى القرآن كما سبق، أو على سبيل الإضافة، إضافة المصطلح إلى القرآن "تصوير القرآن"، وقد وضحت ذلك.
ومن هنا تتحول المصطلحات النقدية من مفهومها العام بعد نسبتها إلى القرآن الكريم، إلى مفهوم مقيد بالقرآن، يضفي عليها قدسيته وجلاله وروحه وسماته وخصائصه؛ فتكون مصطلحات قرآنية، لا أدبية ولا نقدية، لأن القرآن الكريم كلام الله الخالق ذي الجلال والإكرام، ومهما بلغت فنون الأدب القمة، فهي صادرة عن خلق الله من البشر؛ فقد أبدعه الله تعالى، وخلقه في أحسن تقويم.
والقرآن الكريم حين خاطب العقل والشعور والعاطفة والوجدان، والروح والقلب جميعًا، خاطبها بأجل الوسائل في التعبير، فبهرها بـ "التصوير القرآني"، التي تلتقي فيه كل روافد الإعجاز، ليكشف عنها
стр. 55
أروع كشف، في جلاء ووضوح، وتأثير وإقناع في التصوير القرآني قمة الإعجاز، لأنه بمعناه الواسع العميق والشامل الثري بقيمه الكثيرة، يفيض بكل ذلك، فهو جسد وروح معًا، لا ينفكّ أحدهما عن الآخر، ولا نقصد بالتصوير كما وضحت قبل ذلك الصور التقليدية والجزئية التي اقتصرت على ألوان البيان، كالتشبيه والاستعارة والكناية وغيرها، أو اقتصرت على اللفظ والعبارة، أو اقتصرت على النظم في علاقة الكلمات بمعانيها وترابطها، دون الأبعاد النفسية والشعورية، التي يعلمها خالق النفس والشعور ، بل الأمر أعمق من كل ما سبق، وأرحب أفقًا، إن التصوير القرآني كائن حي خالد، يلتقي فيه ما اجتمع في الإنسان من كل وسائل الحياة في ارتباط شكله بمضمونه جملة وتفصيلًا، وما وراء ذلك من مشاعر النفس وخوالجها، وعواطلها والصدق فيها، بل الحقيقة الكبرى التي يعلمها الله وحده وغيرها من مقومات التصوير وعناصره، التي تملك زمام التأثير على النفس وتدفع صاحبها إلى الاقتناع العقلي على سبيل الاعتقاد الصادق، والإيمان الراسخ.
والتأثير والإقناع هما الغاية من الإعجاز في التصوير القرآني، وبهما تحول الوليد بن المغيرة من معاند فاتك إلى مهزوم ضعيف، يسترحم محمدًا ﷺ ، ويضع كفه على فمه الشريف فزعًا مذعورًا ويقول: "أمسك عليك يا ابن أخي"، ثم يذهب إلى صناديد الكفر، الذين كانوا ينتظرون منه الفتك به والقضاء عليه؛ فإذا بالحق ينطق به قلبه وعقله، وينطلق على لسانه، ليجري مجرى المثل والحكمة، وإن كان المثل من الكافر فيصف التصوير القرآني بقوله: "إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى"،
стр. 56
وصدق الله العظيم إذ يقول تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] .
стр. 57
من التصوير القرآني:
تلاحم الموسيقى والمعاني والقيم:
الإعجاز في الموسيقى القرآنية لا يصدر عن أوتار وآلات يعزف عليها الفنان بأنامله وأعضائه التي أعدت لذلك إعدادًا مدروسًا، لكنها تصدر عن حروف اللغة المتحركة والساكتة والمهموسة والمجهورة والرقيقة والغليظة الشديدة وحروف القلقلة، وعن البناء الصوتي للكلمة القصيرة أو الطويلة، والسلسلة، والسهلة العذبة، والفخمة الجزلة القوية؛ لانسجام الحروف في الكلمات والتلاؤم الصوتي بين العبارات المختلفة لتشكل صورة موسيقية تامة، ولحنًا قرآنيًّا متكاملًا لبناء صورة قرآنية تتآزر مع المعاني والقيم الخلقية لتحقيق الغاية من التصوير القرآني المعجز، فإذا قرأت قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠] ، فالموسيقى القرآنية هنا تنوعت في آية واحدة، حين صورت أصحاب الكهف وهم يسرعون في البحث عن ملجأ يحميهم من طغيان دقيانوس الظالم المشرك الذي أصرَّ على قتلهم، لتمسكهم بعقيدة التوحيد، فتوعدهم بالقتل إذا استمروا في التوحيد، حتى لجئوا إلى كهف آمن يحميهم من القتل، فلما أطمأنت أنفسهم وهدأت أنفاسهم في خضوع وتأن وخشوع في دعائهم، استجاب الله تعالى لهم، فكان الإعجاز في الموسيقى القرآنية، التي صورت السرعة في البحث عن مأوى يحفظهم من القتل خلال أصواب وحركات وسكنات الحروف، والتراكيب وتآلفها السريع المناسب، ليكون الفرق واضحًا فيما لو جاء في غير القرآن -حين لجأ الفتيان إلى الكهف-؛ لأن "إذ" تعتمد على حرفين
стр. 58
فقط في حركة وسكون بدون حرف اللين -وهو الياء- يمتد معه الصوت في "حين" والمعنى واحد، وكذلك "أوى" تألفت فيها أصوات الحروف السريعة الخفيفة في الحركة والسكون، فلا تستطيع أن تتأنى وتتريث مطلقًا مثل التريث في "لجأ" وهما بمعنى واحد، وكذلك السرعة والخفة في موسيقى الفتية في حركة وسكون، مع أنها مكونة من خمسة حروف، وفي صيغة جمع التكسير التي تدل على القلة، لا "الفتيان" التي تمتد موسيقاها وتدل على جمع الكثرة المتعارض مع حقيقة عددهم، ليندلف الجميع بسرعة إلى الكهف، فلايستطيع القارئ لهذه الآية أن يتريث فيها، بينما يضطر إلى التريث على الرغم من أنفه في التصوير القرآني في بقية الآية، حين استقر أصحاب الكهف في كهفهم فأمنوا غدر الملك وأعوانه، فأخذوا يدعون الله تعالى في تأنٍّ وخضوع وتريث تصورها الحروف والكلمات ذات الحركات الوئيدة، وحروف اللين التي يمتد معها النطق الطويل، وكثرة الشداد الثقيلة التي يتوقف فيها النطق تمامًا، وقواعد التجويد كالغنة وجهارة الحروف وثقلها على اللسان في قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ إنه الإعجاز في تصوير الموسيقى القرآنية البديعة.
стр. 59
إبداع في تصوير النوم المعجزة:
قال تعالى في سورة الكهف: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف: ١١] ، في هذه الصورة القرآنية البديعة إعجاز في حروفها وكلماتها وصيغها وتراكيبها اللغوية، فقد صور القرآن الكريم سرعة استجابة دعائهم، فأنجاهم من ظلم الملك دقيانوس، وأنقذهم من الشرك الذي دعاهم إليه، وحفظهم من القتل حين وفقهم الله تعالى إلى
стр. 60
كهف، آية وكرامة لهم تخدلهم إلى الأبد، لا يستطيع أحد أن يصل إليهم بأذى على الرغم من أنهم قد ناموا فيه ثلاثمائة وتسع سنين، وهي كرامة تتحقق لأولياء الله الصالحين، كما سيضح ذلك من خلال التصوير القرآني لهذه الآية الكريمة.
ودلائل الإعجاز في ذلك جرت في الحروف والكلمات والأسلوب والصور التي شكلت الصورة الكلية المعجزة، فالتصوير القرآني في "الفاء" وهو حرف يدل على عظيم منزلتهم عند الله تعالى، يدل على الترتيب بسرعة الاستجابة لهم، والتعقيب بلا تريث، على العكس من "ثم" التي تدل على التريث والتراخي، ثم تأمل الصورة القرآنية في قوله: ﴿فَضَرَبْنَا﴾ التي تدل على تكريمهم حين حفظهم في الكهف بالنوم، من أن تمتد إليهم أيادي الملك وأعوانه، ولا تصلح "أنامهم"، لأن في الضرب دلالة أخرى غير النوم، وهي المجازاة والإيحاء بالعقاب، وهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، لأن معاني الضرب في اللغة الإيذاء والإقامة والتثبيت والنوم، وفي هذا التصوير دلالة على أنهم ليسوا بأنبياء؛ لأن النبي لا يفرُّ من المواجهة في الدفاع عن عقيدة التوحيد، بل كانوا أولياء، لأنهم لجئوا إلى العزلة عن الناس، والإيواء إلى الله تعالى.
وتأمَّل الإعجاز في هذه الصورة القرآنية في قوله تعالى: ﴿عَلَى آذَانِهِمْ﴾ والشأن القريب عند الإنسان في مفهوم النوم أن يكون الضرب على الأعين لا على الآذان، فتنطبق الأجفان، ولا تتحرك الأحداق، لكن الإعجاز ينأى عن ذلك المتعارف، ليصور النوم الحقيقي لا الظاهري، فيجعله ضربًا على الآذان فلا يسمع النائم أحدًا، لا على الأعين، فقد
стр. 61
يتناوم النائم، فيغمض عينيه وهو مستيقظ يسمع من حوله كنوم الذئاب والثعالب، وقد ينام حقًّا وهو مفتوح العينين كما عند بعض الناس في العادة، لكن الضرب على السمع هو المقياس الحقيقي للنوم، يجعل النائم لا يسمع أحدًا مطلقًا، فالنوم الحقيقي يكون بالضرب على المسموعات لا على المرئيات، فكانت هذه الصورة القرآنية مبهرة للعقول، وأكثر إثارة للعواطف القوية، وإحياء للمشاعر الصادقة، وتعميرًا للوجدان المتدفق.
أما كلمة "سنين" تدل على كثرتها، حتى بلغت أكثر من ثلاثمائة سنة، لا "سنوات" التي تدل على ثلاث فأكثر قليلًا، إنه الإعجاز في التصوير القرآني الخالد.
стр. 62
الكهف إبداع بياني وجغرافي:
قال تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] ، هذه الآية الكريمة تصور موقع الكهف على سطح الأرض، وتحدد اتجاه بابه الذي لم يقتصر على الجهات الأربع، وهي الشمال والجنوب والشرق والغرب، بل يضيف أربعة أخرى، وهي الشمال الشرقي والغربي والجنوب الشرقي والغربي، ويظهر ذلك من خلال التصوير القرآني بالحروف والكلمات، وبالصور المتنوعة.
أما دلالة ذلك على موقع الكهف من سطح الأرض فهو الإعجاز لأنه أكثر دقة من حقائق التاريخ، ومن لوحة فنية تبدعها ريشة الفنان
стр. 63
بالألوان والأحجام والأشكال والرسوم والمواقع، وموقعها من خطوط العرض والطول، بل حققت ذلك أكثر عن طريق الحروف والكلمات والصور الحية المتحركة، تجد ذلك في أربع كلمات: "ترى -الشمس- إذا- طلعت"، تصور الشمس الساطعة طول العام لا تغيب أو تحجب بل ترسل أشعتها الضوئية الدافئة من مطلعها إلى مغربها، لأن الرؤية هنا بصرية، جاءت عن طريق العين الباصرة، والتنصيص على الشمس يؤكد ظهورها الدائم، فلا يتطرق احتمال الاختفاء فيما لو جاءت ضميرًا مستترًا أو ظاهرًا أو كنائيًّا.
تأمَّل إيثار "إذا" التي تدل على أزمنة طلوع الشمس، فهي تصور حقيقة يقينيَّة لا تتخلف، تأكدت من الدلالة اللغوية عند علماء اللغة، على العكس من التعبير بـ"إن" التي وضعت للشك، والتقليل والظن، ومن "حين" وهي زمانية، يتطرق إليها الاحتمال والظن للإبهام فيها، لكن "إذا" قاطعة في ظهور الشمس على اليقين والتحقيق.
وتأمل الصورة القرآنية التي تدل على الظهور والإشراق في "طلعت"، أي ظهرت وأشرقت على سبيل الحقيقة، بحيث لا تغيب إلا إذا غربت، وظهور الشمس بهذه الصورة لا يتأتى حول القطب الشمالي ولا الجنوبي، لأنها تغيب شهورًا ليلًا، وتظهر شهورًا نهارًا، كما لايتأتى على خط الاستواء لأنها تختفي في الصيف لكثرة الغمام والأمطار في هذه المواقع، ولا يتأتى ذلك على مدار الجدي، فقد أثبت التاريخ أن الرسالات السماوية لم تظهر في هذه المواقع، ولا يتأتى ذلك إلا على مدار السرطان، فتظل الشمس ساطعة طول العام، كما أثبت التاريخ أن مواقع السرطان غرب مصر خالية من الرسالات، فلم يبق إلا مواقع
стр. 64
السرطان في الشرق من مصر إلى العراق، وأثبت التاريخ أن الكهف كان جنوب الشام في الأردن، وقد أعلنت الأردن اكتشافه من أكثر من عشر سنوات، وأما موقع باب الكهف فهو في الشمال الشرقي، نوضحه بعد ذلك في هذه الآية الكريمة١.
стр. 65
التكييف الرباني لأهل الكهف:
قال تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] ، هذه الآية الكريمة تصور موقع باب الكهف من الجهات على باب الكهف، ومن ذلك أطلق على الضيف زائرًا، لأنه يمكث مدة قليلة عند المضيف، ومن المعهود ألا تتجاوز ثلاثة أيام، وأطلق على الشهادة الآثمة شهادة الزور، لأن من يشهد بها يتمسك بها قليلًا ثم يتحول إلى الحق بعد أداء المهمة الآثمة، كذلك الشمس إذا طلعت تمكث على بابه في الصباح عن يمين الواقف الذي يرى باب الكهف حتى تأخذ طريقها إلى كبد السماء، فتتحول عن الباب، وتلك منه ربانية تحفظ أهل الكف من لفح الشمس القاتل لهم وهم نائمون، فيصابون بالحمَّى والموت، ومن قيظ البرد فلا يتعرضون للبرد القارص فيهلكون.
هذه المدة القصيرة تكفيهم من الحرارة الدافئة الهادئة، ومن الأشعة المتنوعة التي تحفظ جسدهم من البلى، وهكذا تتجدَّد الوقاية
стр. 66
والحماية كل يوم في الصباح، والصورة القرآنية في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ ، فالشمس أثناء الغروب تمنع أشعتها الحرارية والضوئية عن باب الكهف على سبيل القطع، لأن الدلالات اللغوية والتصويرية لحروف "تقرضهم" وصيغتها تصور القطع والمنع عن شمالالواقف على باب الكهف، ولا يصل من أشعتها شيء مطلقًا وقت الغروب، بل تبتعد تمامًا، ولا يتأتى مكث الشمس فترة وجيزة عند الطلوع على باب الكهف، وانقطاعه عنه تمامًا وقت الغروب، إلا إذا كان الباب ناحية الشمال مائلًا إلى الشرق قليلًا، أي في الجهة المعروفة عند الجغرافيين بالشمال الشرقي.
ولا يتأتى ذلك إذا كان الباب في غير هذه الجهة، لأن أشعة الشمس في جميع الجهات الأخرى تصل إلى أعماقه وتستمر مدة أطول من التزاور سواء أكان الكهف على مدار السرطان أو الجدي أو خط الاستواء، علاوة على القطبين الشمالي والجنوبي، وصورة الخريطة توضح ذلك، وتقرب الصورة لغير المتأمل للحروف والكلمات١، لذلك كان خاتمة التصوير القرآني بما يثير العجب في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّه﴾ ،أي من عجائب قدرته ودلائل إعجازه، حين وفق أولياءه لهذا الموقع العادي الذي اجتمعت فيه خصائص الموقع المنيع إلى حدِّ الإعجاز في التصوير القرآني كرامة لأصحاب الكهف أولياء الله الصالحين: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ .
стр. 67
كلب أهل الكهف:
قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨] .
بالحروف والكلمات والصور المتنوعة بلغت هذه الصورة القرآنية حد الإعجاز الرباني، يعجز عنها العبقري في فن الرسم والتصوير والنحت، مهما استخدم أدوات اللوحة الفنية المتألقة التي عبر فيها بالألوان والأشكال والأحجام والأضواء والظلال، فلن تعط أكثر من لقطة واحدة، تجمدت على حركة ولون وشكل وضوء وظل واحد، لا يتكرر أبدًا ولا يتجدد مع المكان والزمان، ولا مع الفكر والثقافة، لكن الصورة القرآنية تتجدَّد مع الأزمان والأجيال الخالدة، فالتعبير بالفعل المضارع في "تحسبهم، ونقلبهم" يعطي الحركة المتجددة من حين لآخر، لأن أصحاب الكهف ليسوا أمواتًا بل أحياء، لكنهم يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال، وتتجدد الألوان المتنوعة للنائم ما بين حمرة وصفرة وقتام، وتأمل صورة الكلب يحرسهم وهو يقظان، لا مستلقيًا على ظهره، ولا مضطجعًا، بل متوقزًا دائمًا يحملق بعينيه، ويقعي على رجليه، باسطًا ذراعيه على باب الكهف، فليس بعيدًا حتى يهملهم، ولا جبانًا يأنس إليهم في داخله. وفي صيغة اسم الفاعل في "باسط" ما يدل على دوام حراسته وعدم انقطاعه عنها لحظة واحدة.
مثل هذه الصورة المزعجة غير المألوفة في عرف البشر، تجعل الجريء لو أشرف من بعيد يفرُّ مذعورًا فلا ينظر وراءه.
стр. 68
ومن المعروف أن المطلع على المنظر المخيف يعتريه الخوف أولًا ثم يفرُّ بعد ذلك، مما يتوهم أن هذه الصورة القرآنية في الظاهر تخالف الواقع، لكن المتأمل قليلًا يجدها تصور الحقيقة والواقع معًا، لأن المناظر الرهيبة تبث أوائل الفزع، وهذا يكفي ليكون حافزًا للفرار والجري، وكلما تخيل فظاعة المنظر ازداد خوفًا وجريًا، فيتكاثر الرعب في القلب حتى يتملئ عن آخره، لذلك عبرت الصورة القرآنية، بالامتلاء، لا بمجرد الخوف، لأن أول الخوف معلوم للمتلقي، فلايحتاج إلى ذكره بلاغة وإيجازًا، فقال تعالى: ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ ، إنه الإعجاز القرآني في التصوير البديع الرباني: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] .
стр. 69
عدد أهل الكهف:
قال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف: ٢٢] ، قال شيخ المفسرين حبر الأمة عبد الله بن العباس، حين عقب على تفسيرها، أن عليًّا بن أبي طالب ﵁ من القليل الذين ألهمهم الله الصواب في تفسيرها، لأنه وصل إلى حقيقة العدد بأنهم سبعة وثامنهم كلبهم، عن طريق الإعجاز في التصوير القرآني بالحروف والكلمات والصور، وذلك حين عبر القرآن الكريم بالصورة الأولى لقول بعضهم في المستقبل: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ ، أنه لم يفصل بين الثلاثة والأربعة، ولا بين الخمسة والستة بالواو، التي تقتضي
стр. 70
المغايرة، ثم تكاملت الصورة القرآنية بالحكم القاطع، وهو أن ما سبق تخمين وغير واقعي ولا حقيقي، حين حكم عليه القرآن الكريم بمخالفة الحقيقة، لأنه رجم بالغيب وافتراء عليه، فالله وحده عالم الغيب والحقيقة، وذلك في قول الله تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْب﴾ .
وفي الصورة القرآنية الثانية عبر القرآن الكريم عن قول بعضهم الآخر: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ ، ويظهر الإعجاز في تصوير العدد الحقيقي لهم في بلاغة صورتين، الأولى تشكلت من حرف واحد، وهو حرف العطف هنا، ولم يأت هناك، وتدل صورته البليغة على أن ما جاء بعده يغاير ما ورد قبله، وهو احتمالات التخمين السابقة المخالفة للحقيقة، لأنها رجم بالغيب، فإذا كان ما قبل حرف العطف غير صحيح، فيلزم بالضرورة أن ما بعده يكون صحيح العدد، وهو الحقيقة، وهي سبعة وثامنهم كلبهم، حتى ينفق ذلك مع الوضع اللغوي لمعنى حرف العطف.
ثم تأكدت هذه الحقيقة بالصورة القرآنية الثانية في قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ لدلالتها المعجزة على أن علم الله بعددهم سبق المخلوقات فيفهمهم لحقيقة العدد الصحيح، لأن من وفقهم الله لنور العلم وحقائقه، ليس كل العلماء، وإنما الخيار منهم ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ لذلك كان علي بن أبي طالب من القليل كما قال عبد الله بن العباس ﵁، وجاءت آيات كثيرة تدل على التغاير والنقيض كما بين ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ في قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥] .
стр. 71
وَازْدَادُوا تِسْعًا:
قال الله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥] ، يظهر في هذه الآية الكريمة الإعجاز في التصوير القرآني المستمد من الحقيقة والواقع المجردين من ألوان الخيال المختلفة تشبيهًا أو استعارة أو كناية، التي تقوم عليها الصورة الأدبية عند معظم النقاد.
فالصورة القرآنية هنا مع تجردها من الخيال بلغت حدَّ الإعجاز في صورتين، الأولى: مستمدة من حقيقة علمية انتهى إليها علماء الفلك في حساب السنين الهجرية والميلادية في قوله تعالى: ﴿وَازْدَادُوا﴾ ، فقد جرت العادة في ذكر هذا العدد بدون هذه الزيادة، بأن يقال: ثلاثمائة وتسع سنين، ظنًّا بأنها لا تضيف جديدًا، بل وقعت استطرادًا في التعبير العلمي، لكن الحقيقة غير ذلك، فالتعبير بالزيادة مع المغايرة في حرف العطف يدل على الفرق بين الأيام الزائدة في السنة الميلادية عن السنة الهجرية، فالثلاثمائة سنة ميلادية تقل في مجموعها عن السنة الهجرية بتسع سنين زيادة في مجموعها، وهو الإعجاز العلمي في عرف علماء الفلك حديثًا.
أما الصورة القرآنية مستمدة من الواقع، فالشأن في النائم، بعد بذل جهد طويل فيسهر متواصل حين يأوي إلى فراشه أن يقطع ساعات فوق عادته اليومية، ليعود إليه نشاطه، ويسترد قواه، فإذا ما استيقظ بعد ذلك لا ينهض واقفًا فجأة، وإلا سقط على الأرض، بل لا بد من دقائق تمهيدًا للانتقال من السكون إلى الحركة، فيظل في فراشه شبه يقظان تتقلب يمينًا وشمالًا ويحرك يديه ورجليه، حتى يدبَّ النشاط في البدن،
стр. 72
وتتنفس فيه الحركة بين السكون المطبق، ليتهيأ للوقوف دون أن يقع، كالشأن فيمن ينزل من سيارة متحركة، فلا بد أن يتحرك في اتجاهها حتى لا ينكبَّ على وجهه، فما بالك بأصحاب الكهف، الذين قطعوا في النوم أكثر من ثلاثمائة سنين، فهم بالضرورة محتاجون، لكي يقفوا على أرجلهم، أن يتقلبوا في حركات متنوعة إلى مدة تتناسب مع هذه السنوات الطويلة، قد صورها القرآن الكريم بتسع سنوات لها طبيعة مختلفة، يتبدد فيها السكون بالحركة المتتابعة تمهيدًا للقيام، مما يقتضي الإعجاز في قوله تعالى: ﴿وَازْدَادُوا﴾ ؛ لأن طبيعة السنوات التسع تختلف تمامًا عن المدة السابقة.
إنه الإعجاز في التصوير القرآني، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ .
стр. 73
تقديم السمع ... على البصر:
جاء ختام قصة أصحاب الكهف بقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦] ، ليقتضي الإعجاز تقديم البصر على السمع هنا، لاعتماد القصة على مشاهد كونية في الطبيعة غنية بالمظاهر الفاتنة، والألوان الساحرة التي تشرق عليها الشمس صباحًا وتغرب عنها مساء، فتأخذ بالبصر كل مأخذ لا بالسمع، قال تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٧] ، لذلك كان التصوير القرآني لرؤى هذه المشاهد بالبصر أولًا، ولأن الأمر هنا مختص بالله لا بالبشر، فسبحانه وتعالى يستوي لديه المسموعات والمبصرات على سبيل الانكشاف التام، فلا
стр. 74
يخرج شيء من علم الله القديم الشامل، كما تقدم السمع في سورة طه: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [آية: ٤٦] ، بعد قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] ، ولمقتضى الحال.
لكن الكثير الغالب أن يأتي السمع مقدمًا على البصر بالنسبة للعباد، لأنه أبلغ إعجازًا في مقام انتفاعهم بالعلم والتلقي، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] ، وكذلك استفادتهم في معاشهم وهدايتهم، ويرجع تقديم السمع للعباد إلى أسباب، أهمها: أن الوليد يكتمل سمعه قبل بصره، فيسمع ما حوله بعد مولده مباشرة قبل أن يفتح عينيه ويرى، وأن المسموعات تتراسل إلى الأذن من كل الجهات، من الأمام والخلف، أو اليمين واليسار، أو من أعلى وأسفل، وقد يغمض اليقظان عينيه فلا يرى أحدًا، لكنه يسمع من حوله، بينما البصر لا تتأتى فيه الرؤية إلا من جهة واحدة وهي الجهة المقابلة.
وكذلك الانتفاع بالسمع في مقام الهدايات أكثر من البصر الذي يقتصر على القراءة فقط، بينما السامع قد يكون أميًّا لا يقرأ، كما أن السمع لا تقف دونه حواجز، بينما يتعرض البصر لموانع تحجز عنه المرئيات، جاء ذلك كثيرًا في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦] وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣] ، وغيرها كثير.
ولم يأت السمع متأخرًا عن البصر مع العباد إلا نادرًا لغرض
стр. 75
بلاغي أيضًا، كما فيقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] ، فقد تأخر السمع هنا المعطل فيهم ليكون مجاورًا لتشبههم بالأنعام في عدم الاستفادة من السماع، ليشتركوا معهم في الغفلة والضلال.