المجلد الأول
مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم:
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ ، بعثه ربه بالحق هاديًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، أرسله رحمة للعالمين، فكان ﷺ دعوة خليل الله إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .. ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ .. ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد ﷺ بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة وجاهد في سبيل الله حق جهاده، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأبرار والتابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشى ربه.
وبعد ...
فإن أفضل الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة في النار، فقد تفضل الله عليه، وعلى أمته خير أمة آخرجت للناس بالذكر الحكيم: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ .. ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ
- ﷺ ورفع ذكره وثبت به فؤاده، فإذا بين القرآن وتحدث عنه، فإنه يبين قيمه الخلقية والتشريعية في بيان أخاذ، وتصوير نبوي شريف، وذلك في أحاديثه النبوية والقدسية الشريفة، فما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، قال ﷺ : "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي" اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه والتابعين الذين نهجوا نهجه وسلكوا طريقه فكانوا منارة للعالمين وهدى للسالكين ﵃، أدعو الله أن ينفع بهذا الكتاب: "التصوير النبوي للقيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف"١ وأن يكون شفيعًا لنا ولوالدينا وأهلينا يوم الدين إنه سميع قريب مجيب إنه نعم المولى ونعم النصير.
في شوال ١٤٢٢هـ الموافق يناير ٢٠٠٢م.
علي علي صبح
стр. 4
الفصل الأول: الإسلام والإيمان
الأعمال بالنيات:
أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
منزلة النية ومكانتها السامية من الأعمال:
منزلة النية من الأعمال والأقوال كمنزلة الروح والرأس من الجسد، فلا قيمة للأقوال والأعمال ولا ثواب عليها إلا إذا اقترنت بالنية، لتكون ابتغاء مرضاة الله ، كالشأن في الجسد يكون جثة هامدة، لا وزن له ولا حياة إلا بملازمة الروح له، فالروح هو حياة الجسد وحيويته وإنسانيته، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تؤكد على أن النية ابتغاء وجه الله هي الأساس في قبول الأعمال والإثابة عليهما، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ، ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾
стр. 5
وغيرها: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ ، ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ لذلك كان هذا الحديث من جوامع الكلم. قال الإمامان الشافعي وابن حنبل: هذا الحديث ثلث الإسلام، ينتظم أركانًا ثلاثة، عمل الجنان وهو القلب، وقول اللسان، وفعل الجوارح.
التصوير الأدبي في الحديث:
لمكانة النية من الأقوال والأفعال في تعبير بلاغي، يفوق بلاغة العرب، حتى صار هذا الحديث الشريف من جوامع الكلم، يجمع ثلث شريعة الإسلام في ألفاظ قليلة، ومن الصور البليغة قوله: "إنما الأعمال بالنيات" أسلوب قصر يقصر قبول الأقوال والأعمال والإثابة عنها ونفع صاحبها على النية وحدها؛ فهي أساس القبول وحده، فلا ينجو صاحبها إلا بها، كما يتضمن أسلوب القصر دعم الحكم بالحجة والدليل لتأكيده ونفي ما سواه، لأن المراد: لا تقبل الأعمال إلا بالنية، كما يتضمن أسلوب القصر هنا التعريض بكل من لا يعمل عملًا لغير وجه الله، فهو غير مقبول، ومن بينهم مهاجر أم قيس الذي هاجر إلى المدينة للزواج منها كما نص الحديث على ذلك فمن كانت هجرته إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.
ومن الصور الأدبية البليغة أيضًا قوله: "وإنما لكل امرئ ما نوى" فهو أسلوب قصر تضمن المعاني البليغة السابقة، إلا أنه زاد عليها بلاغة وقوة، جاءت من التكرار بصورة أخرى لتؤكد المعاني السابقة، وفي التكرار تأكيد وتقوية لما يهدف إليه الحديث الشريف، وفيه أيضًا ذلك التناسُق الموسيقي والإيقاعُ المتوازن في التصوير مما يثير الانتباه، ويوقظ الحسن والوجدان، ويحرك المشاعر، فتتفتح لقبوله منافذ الإدراك المختلفة في النفس، فتستقر فيها، وتزداد تصديقًا وإيمانًا بقيمها السامية.
стр. 6
ومن الصور البليغة أيضًا التعبير "بما الموصولة" في قوله: "ما نوى" لإفادة العموم والشمول لكل ما ينويه الإنسان من الخير أو الشر، قولًا أو فعلًا أو عملًا أو تقريرًا وغير ذلك، فالإنسان محاسب على كل ما يصدر عنه صغيرًا كان أو كبيرًا، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ .
ومن الصور الأدبية البليغة أيضًا، ما يفيد الإيضاح بعد الإبهام، ليزداد المراد من القيم السامية في الحديث الشريف تأكيدًا، وحثًّا على اتباعه وحرصًا على تنفيذه، وجاء الإبهام في قوله: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" ثم وضح الحديث الشريف هذا الإبهام والإجمال بالتفصيل في قوله: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" والمراد بالهجرة ليس الانتقال من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة فحسب، بل تشمل الهجرة من المعاصي والفواحش والمفاسد إلى الطاعات والطيبات والصالحات، وفي ذلك يرتقي التصوير البلاغي فيجعل من يهجر المعاصي إلى الطاعات، مثل من هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة في الثواب والأجر سواء بسواء، لأن هذا هو الجهاد الأكبر الذي أشار إليه الرسول ﷺ بعد أن رجع من غزوة في سبيل الله، فقال: "هو جهاد النفس بالهجرة من المعاصي إلى الطاعات".
ومن الصور الأدبية البليغة تكرار لفظ الجلالة ولفظ الرسول وإظهارهما، وكان يغني عنها الضمير الذي يعود على ما سبق، لتعظيم الهجرة وتعظيم المهاجر إليه وهو الله ورسوله في قوله: "فهجرته إلى الله
стр. 7
ورسوله"، بينما لم يكرر الاسم الظاهر في الهجرة إلى الدنيا أو المرأة ولم يظهرها، بل اكتفى بالضمير العائد عليها في قولها: "فهجرته إلى ما هاجر إليه"، للتحقير والتهوين من شأن هذه الهجرة، لأنها في غير ابتغاء وجه الله وفي غير مرضاته، وكذلك مع الدنيا، لذلك قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ . وقال النبي ﷺ : "ما تركت من بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء".
القيم التشريعية والأخلاقية في الحديث الشريف:
١- لا ثواب في القول والعمل إلا بالنية والإخلاص فيها، أما الغافل والناسي والمخطئ لا يحاسب على النية، كما أن الأفعال العادية لا تحتاج إلى نية كالجلوس والقيام والمشي في ذاته إلا إذا اقترن بما أمر الله تعالى به أو نهى عنه.
٢- ما يتصل بالقلب والعاطفة والمشاعر لا يحتاج إلى نية كالخشية والخوف والتوبة والتصديق والمحبة وما أشبه ذلك.
٣- معرفة الحكم وشروط الصحة في العبادة قبل التطبيق والعمل؛ لأن صحة العبادة تترتب على النية، فإذا انقطعت النية أثناء العبادة بطلت.
٤- سجود التلاوة يحتاج إلى نية عند الجمهور لأنه عبادة.
٥- يدخل في مفهوم الهجرة التاريخية الهجرة من المعاصي والمحرمات إلى الطاعات وأعمال الخيرات والسعي على المعيشة ليعف النفس عن السؤال، وتقوى على فعل الطاعات.
٦- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 8
حلاوة الإيمان:
أخرج البخاري عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه من سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار".
التصوير البلاغي: المستمد من وحي المعاني الوضعية للأسلوب في هذا الحديث الشريف في صور أدبية متنوعة منها: كلمة "ثلاث" جاءت منكرة، تنوعت فيها مصادر الجمال، فتجد فيها الإبهام، والمراد به إثارة انتباه السامع، وتشويقه للبيان الكاشف في قوله بعد ذلك: "أن يكون الله ورسوله أحب إليه من سواهما".. إلخ، فتتمكن في النفس وتستقر في الأعماق، ليظل رصيدًا شعوريًا وزادًا روحيًا، يقاوم تقلبات الزمن وصراعات الحياة، وتجد فيها أيضًا معاني التعظيم والإكبار، أي فهي ثلاثة عظيمة الشأن، وقوية في صدق الإيمان وسعادة النفس، وتجد فيها كذلك معاني العموم والشمول، فهي ثلاث في العدد، لكن شاملة النفع، تعم جميع أنواع البر والطاعة لله ، ولرسوله ﷺ ، وكلمة "حلاوة الإيمان" تفيد التذوق الحسي والمعنوي، فأما الحلاوة الحسية فحقيقة واقعة في القلب السليم من أمراض الغفلة والهوى؛ فيتذوق طعم الإيمان ويتنعم به، كما يتذوق اللسان حلاوة العسل ولذة الحلاوة، وكما يتلذذ القلب بالطاعات، ويستعذب المشقات، ويُؤْثر ذلك على أغراض الدنيا ومتاعها الحسي الفاني، وأما الحلاوة المعنوية تكون في الاقتناع والرضا بشريعة الله؛ فيحب الطاعة وينفر من المعصية، فلا يجد في النفس حرجًا مما قضى الله، ولا يبحث عن علاج لمشكلاته في غير ما جاء به التشريع الإلهي،
стр. 9
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ .
وتجد أسلوب القصر والتأكيد في قوله: "لا يحبه إلا لله" ليفيد قصر حب المرء على أن يكون لوجه الله وابتغاء مرضاته، فيلتزم فيه طاعته، ويكف عن معصيته، منزها عن المقاصد المادية والأغراض الدنيوية، قال يحيى بن معاذ ﵁: "لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء"، بل يقتصر حب المرء على أن يكون لله ولرسوله على سبيل التأكيد، فلا يتعداه إلى غير ذلك بحال، وكذلك وحي الكلمات في "أحَبَّ" بأفعل التفضيل. واختيار كلمة يُكْرَهُ ويُقْذَفُ، والظرفية بحرف الجر "في" وغيرها.
التصوير الفني: في بلاغة الأسلوب البياني المستمد من ألوان الخيال البديعة، تتخذ صورًا أدبية حية ومؤثرة في القلب والعقل والوجدان، وذلك في صورة "حلاوة الإيمان"، تقوم على الاستعارة بالكناية، حين شبِّه الإيمان بالحلاوة الحسية للعسل وغيره، بجامع ميل القلب وتمتعه باللذة والحب والرضا، معبرًا بالحلاوة كناية عن العسل والثمرة الطيبة من شجرة طيبة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ .
وعبر بحرف الجر "في" بدلًا من "إلى" في قوله: "يعود في الكفر ويقذف في النار"؛ لأن الشأن في الفعلين هنا "يعود" و"يُقْذََف" يتعديان بحرف الجر "إلى"، لا "بفي" الظرفية التي جاءت هنا على سبيل الاستعارة، للدلالة على الاستقرار في أعماق النار، حين يتمكن الظرف من المظروف؛ ليكون ذلك أعظم تنفيرًا منهما، وأشد ترهيبًا من عواقبهما الوخيمة.
стр. 10
أما الصورة البيانية في تشبيه كراهية العودة إلى الكفر بكراهية القذف في النار، فهي تصور بشاعة الكفر وفظاعته، لأن الكفر أمر قد لا يهتم به الكافر لغفلته عن ضرره واستغراقه في لهوه، فالكفر ليس محسوسًا ولا مجسدًا تجسيدًا عينيًا يحذر منه العبد، ويخافه إلا إذا انغمس في عقاب محسوس، يعانيه في الدنيا كما يعاني لهيب النار، التي تحرقه ويتفحم بها جسده، وأنها في الآخرة ستكون أشد عذابًا وأنكى، لأن صفة المشبه به -وهو كراهية النار- أبلغ وأقوى في الحس من المشبه، وهو كراهية الكفر، ليدرك العبد فظاعة الكفر والنار، وبشاعة الضلال والعذاب فيهما، نعوذ بالله الرحمن الرحيم من شرهما معًا.
القيم التشريعية والخلقية في الحديث الشريف:
١- تربية المسلم على العزة والترفع والسمو، فإذا أحب لا يحب إلا ابتغاء مرضاة الله ورسوله، وإذا كره لا يكره إلا لله ورسوله، فتكون محبة الله ورسوله ﷺ في الطاعة أمرًا ونهيًا مقدمة على ما عداهما خالصة لوجهه الكريم لا من أجل نعمة عليه أو متاع الحياة الدنيا.
٢- أن تكون محبة المؤمن للمؤمن خالصة في الله ولله تعالى لا لغرض أو مصلحة أو عرض من متاع الدنيا، وطمعًا في جاه أو سلطان، أو منصب أو مال.
٣- أن يتحلى المؤمن بمكارم الأخلاق وكريم الشيم مترفعًا عن الرذائل والمكاره.
٤- الإيمان الصادق يملأ القلب بالنعيم واللذة فيمقت الكفر، ويفزع منه كما يخشى العذاب الأليم ولهيب النار المحرقة.
٥- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 11
كمال الإيمان:
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" زاد مسلم: "فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق".
بلاغة التعبير بالإيمان دون غيره:
أما أسرار روعة التصوير الأدبي والفني في إيثار بلاغة التعبير بالإيمان، دون غيره من مراحل الإسلام فتعود إلى: أن الإيمان هو مرحلة الكمال والصدق والإخلاص في العمل، ابتغاء مرضاة الله ، لا يشوبها الرياء أو التظاهر أو النفاق في مرحلة الإسلام حينًا، لأن المسلم قد يصلي ويصوم ويزكي في الظاهر، وليس لوجه الله بعكس المؤمن، لأن الإيمان يزيد حتى يصل إلى أسمى درجاته وهو الإحسان، وهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، كما جاء في حديث جبريل، حين سأل عن مراحله مُرتَّبة حسب تمامها وكمالها، فالإسلام أولًا ثم الإيمان ثم الإحسان، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ .
وعبر عن الإيمان أيضًا بأداة التعريف "أل"، لبلاغة الدلالة على مكملات الإيمان أي الإيمان الكامل، لأن أداة التعريف تفيد استغراق قيم الإيمان، وتشمل جميع مكملاته كما نقول: الرجل، أي الذي اكتملت صفات رجولته وقيمها، وكمال الإيمان يجمع بين مكملاته من الإقرار والتصديق والعمل والإخلاص؛ لذلك فسره الحديث بأن الإيمان بضع وستون شعبة، وجاءت زيادة مسلم في روايته لتوضح مكملاته أكثر في قوله: "أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"؛ فقد
стр. 12
حصرها كثير من العلماء ومنهم أبو حيان التوحيدي؛ فجعلوا هذه الشعب تتفرع إلى ثلاثة؛ أولًا: أعمال القلب وهي المعتقدات والنيات في أربع وعشرين خصلة كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وما يتصل بالقبر، وبيوم القيامة والتوبة والخوف والرجاء وهكذا، ثانيًا: أعمال اللسان في سبع خصال: التلفظ بالشهادة، وتلاوة القرآن، والعلم، والدعاء، والذكر ... إلخ، ثالثًا: أعمال البدن في ثمان وثلاثين خصلة: كالتطهر والصلاة والصيام.. إلخ، ومجموعها تسع وستون خصلة كما قال القاضي عياض.
بلاغة التعبير عن كمال الإيمان بقوله: "بضع وستون شعبة":
ترجع روعة التصوير البلاغي في هذه الفقرة إلى أسرار فنية وجمالية منها: اختيار كلمة "بضع" دون غيرها مثل نيف، لدلالة بضع على العدد من ثلاثة إلى تسعة، بينما نيف، من واحد إلى ثلاثة غالبًا، وبإضافة التسع إلى الستين يكون المجموع تسعًا وستين؛ أي: سبعين قيمة إسلامية، هي التي تكمل الإيمان لأن كمال الأعداد سبعة، ومضاعفاتها سبعون وسبعمائة وسبعة آلاف، وهكذا فالسبعة هي نهاية العدد وكماله، وما بعده مكرر ومعطوف ومضاف إليه، لذلك كانت الأراضين سبعًا والسموات والأسبوع سبعًا، وكمال الاستغفار سبعين وهكذا، ومن هنا جاءت رواية أخرى لمسلم "بضع وسبعون شعبة" للدلالة على الغاية ونهاية الكثرة.
ومنها التعبير بالبضع للدلالة على شرف قيم الإسلام وعزتها ونفاستها؛ لأن البضع هو أعز شيء يحافظ عليه الإنسان وأشرفه وأنفسه؛ فهو موطن الشرف والعزة والنفاسة، وهي من معاني البضع في اللغة العربية ومنها التعبير البلاغي بقوله: "شعبة"، فجاءت الصورة الأدبية على
стр. 13
سبيل التشبيه والتصوير الحسي؛ ليكون أقوى تأثيرًا وأسرع نفاذًا إلى القلب والنفس، فقد شُبه الإيمان ومكملاته بالشجرة الضخمة وشعبها، التي تحمل كل شعبة فروعًا وأوراقًا وأزهارًا وثمارًا، فشبه الإيمان بأصل الشجرة جذوعًا وسيقانًا، وشبه مكملات الإيمان بالسبعين شعبة، وما تحمل كل شعبة، وجاء هذا التشبيه التمثيلي البليغ على سبيل الاستعارة بالكناية؛ فحذف المشبه به وهو الشجرة وطوى ذكرها، وأثبت شعبها وفروعها وغيرها من مستلزمات الشجرة على سبيل المجاز والتخييل؛ لأن التصوير بالمحسنات من الواقع بالشجرة أبلغ تأثيرًا في النفس من تصوير الإيمان بالمعاني الذهنية المجردة.
بلاغة التعبير بقوله: "والحياء شعبة من الإيمان":
ذكر الحديث الشريف الحياء وخصه بالذكر دون غيره من السبعين، لأن الحياء يشمل جميع شعب الإيمان الثلاث، وما يتفرع عنها وهي أعمال القلب وأعمال اللسان وأعمال البدن؛ لأن معنى الحياء هو الخلق السامي الذي يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، لذلك ورد في حديث آخر "الحياء خير كله" لأن الحياء من الله ألا يراك حيث نهاك؛ لأن الله يراقبك ويراك وهو المراد من الحديث الشريف: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وأخرج الترمذي قول رسول الله ﷺ : "واستحيوا من الله حق الحياء" قالوا: إنا نستحي والحمد لله فقال: "ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء، أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى؛ فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء" قال الطيبي: أفرد الحياء بالذكر بعد دخوله في الشعب، كأنه يقول هذه شعبة واحدة من شعبة، فهل تُحْصَى شعبُه كلها
стр. 14
هيهات هيهات، أي كثيرة لا تحصى وتؤكد ذلك رواية مسلم: "أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق".
القيم التشريعية والخلقية في الحديث الشريف:
١- كمال الإيمان الذي ينجي صاحبه ويسعده يقوم على اتباع ما أمر الله تعالى به، واجتناب ما نهى الله عنه.
٢- شعب الإيمان كثيرة ومتنوعة ما بين شعب عليا ووسطى ودنيا، فعلى المؤمن أن يحرص عليها.
٣- الحياء أعظم شعب الإيمان، "فلا إيمان لمن لا حياء له"، والإيمان والحياء مقترنان".
٤- الإيمان ينقص ويزيد، حتى يصل إلى قمته، وهو الإحسان وهو العروة الوثقى.
٥- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 15
الإيمان الكامل:
أخرج الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : "من يأخذ عني هذه الكلمات؛ فيعملُ بهن أو يُعْلِمُ من يعمل بهن"؟ فقال أبو هريرة قلت: أنا يا رسول الله فأخذ بيده فعدَّ خمسًا فقال:
"اتّقِ المحارم تكنْ أعبدَ الناس".
وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس.
وأحسنْ إلى جارك تكنْ مؤمنًا.
وأحبَّ للناس ما تحبُّ لنفسك تكنْ مسلمًا.
ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب".
التصوير الأدبي في بلاغة التوازن بين الشرط والجزاء على سبيل اللزوم والجزم كما تستلزم المقدمةُ النتيجة على سبيل الإلزام والتحقيق، وخاصة إذا صدرت عن النبي ﷺ الصادق الأمين: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ وذلك في استخدام أسلوب الشرط والجزاء في الصور الأدبية الخمسة البليغة، التي وردت في الحديث الشريف على سبيل الجزم والتحقيق، وأعانت على ذلك روافد بلاغية أخرى وهي ورود فعل الشرط بصيغة الأمر مثل: اتق وارض.. إلخ ومعناها أيضًا الجزم والتحقيق، ودلالة جواب الشرط على الأمر وإن جاء على صيغة الفعل المضارع، مثل: تكن أعبد الناس، وتكن أغنى الناس" وهكذا، وكذلك انتقاء أفعال غزيرة القيم السامية، لا يقوى عليها غيرها مما يقوم مقامها، مثل كلمة "اتق" فهي تتضمن قيمًا سامية شريفة كثيرة، لا تدخل تحت الحصر ولا تغني عنها في ذلك كلمة: ابتعد أو تجنب، وكذلك اختيار كلمة "وارْضَ" فالرضا هو الغاية السامية من التقوى، وكذلك كلمة "أحْسِنْ" والإحسان قمة الإيمان قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ، وكذلك كلمة "أَحِبَّ" والنهي عن كثرة الضحك؛ لأن الإسراف فيه يميت القلب، فالإسلام يحث على التفاؤل والترويح عن النفس بالابتسامة والضحك ساعة بعد ساعة لكي لا تمل النفس، فإذا ملّت كلت وسئمت وتشاءمت، ولا طيرة ولا تشاؤم في الإسلام.
التصوير الأدبي في بلاغة الإيقاع القوي، والموسيقى المتدفقة الهادرة، مما يتلاءم مع القيم السامية التي تحث عليها شريعة الإسلام في هذا الحديث الشريف؛ فتأمل الإيقاع الصوتي في الحروف والكلمات، فهو إيقاع قوي
стр. 16
جازم يُلْزِمُ المؤمن بالقيم، وهو واثق من عظيم الثواب وأفضل الجزاء، وذلك في الإيقاع الصوتي النابع من صيغ الأمر الكثيرة في "اتق وارض وأحسن وأحبَّ" وصيغة النهي في "ولا تكثر من الضحك" وكذلك الإيقاع الصوتي الجازم القوي الصادر من ترتب جملة الجواب والجزاء على الشرط في توازن واتزان مثل: اتق المحارم تكن أعبد الناس، وهكذا في الصور البلاغية الخمسة، فكأنَّ الإنسان يضع بيده شيئًا هنا بينما يضع بيده الأخرى شيئًا هناك، في اتساق وتوازن واتزان، تلك هي الإيقاعات القوية التي تثير العقل والعاطفة، وتحرك الانتباه والمشاعر والأحاسيس.
ثم تأمل الإيقاع الصوتي والتدفق الموسيقي في صيغ أفعل التفضيل، وذلك في هذه التقاسيم: "أعبد الناس" و"أغنى الناس" ثم ما يوحي به التقسيم الموسيقي في قوله: "تكن مؤمنًا" من التدفق في الإيقاع والجزم والقطع، مع أنه ورد في صيغة الفعل المضارع الذي يتراوح معناه بين الحال والاستقبال، ثم تأمل الموسيقى المتراخية الممتدة والإيقاع الهادي العميق في تصوير الحب وموت القلب النابعان من كثرة حروف اللين والتضعيف في الشدات، وأيضًا كلمة "مسلمًا" لتسلم النفس من العقد والعلل النفسية مما يتناسب مع قيم الحب التي تتسم بطبيعة العمق ودوام الصدق والإخلاص والسلامة، ومما يتلاءم أيضًا مع إحياء القلب وبعثه بعد جموده وموته من كثرة الضحك وتراخي عضلاته وامتدادها من التواصل فيه.
القيم التشريعية والخلقية في الحديث الشريف:
١- أن يتحول العلم إلى منهج وسلوك في الحياة؛ فيعمل الإنسان بما علم، حتى يعود عليه وعلى المسلمين بالسعادة: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .
стр. 17
٢- اتقاء المحارم واجتناب المحرمات هو أفضل العبادات؛ لأنه يمكن صاحبه من اتباع الأوامر؛ فيجمع بين ما أمر الله به وما نهى عنه؛ فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
٣- أفضل الناس وأغناهم من يعف نفسه، ويرضى بما قسم الله له ويقنع بعطاء الله في كل شيء؛ فلا يظلم ربك أحدًا.
٤- إذا كان مؤمنًا حقًا فعليه أن يحسن الجوار، ويعامل جيرانه بالحسنى وهم كما في قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ .
٥- امتلاء القلب بالمحبة للناس بمثل ما تحبه لنفسك، حتى يشيع الأمن والتعاون والرخاء والترابط والوحدة، فتكون الأمة قوية عزيزة ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
٦- روحوا عن أنفسكم ساعة فساعة، حتى لا تكل النفس فتمل، ولا تكثروا من الضحك وتتمادوا فيه؛ فإن ذلك يميت القلب، فلا يحيا ولا يتجدد نشاطه إلا بالقليل ترويحًا عن النفس؛ فيقوى ويتجدد نشاطه من حين إلى آخر.
٧- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 18
النخلة كالمسلم:
أخرج البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي"؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله، قال: "هي النخلة".
بلاغة التصوير الأدبي في ضرب المثل: جاء الحديث الشريف على سبيل ضرب المثل من الواقع الذي يعيش فيه الإنسان؛ فقد جمع في المثل بين النخلة وما يتعلق بها من الثمار والجريد والليف، والساق ودوامِ الخضرةِ طوال العام، والإيواء إلى ظلها وقاية من الحر وحلاوة الثمر، وتستريح الأذنُ إلى حفيف السعفِ والجريد وغيرها مما هو مألوفٌ، وبين المسلم وما يصدر عنه من الطاعات وعمل الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكلاهما يُشبِه الآخر في دوام الانتفاع وعمومه.
لكن الشأن في ضرب الأمثال أن يكون المشبهُ به هو المحس في الواقع كالشجرة هنا، ويكون المشبهُ هو المسلم، حتى تتجسم المعاني المجردةُ في صورة محسوسةٍ تدرك بجميع الحواس، وهي شجرةُ النخيل، فهي هنا تقديرًا في موقع المشبه هنا؛ لأنها أقربُ إلى الفهم من المعاني المجردة في المسلم وهو المشبه.
لكن روعة البلاغة في الحديث الشريف أنْ جاء التشبيهُ التمثيلي مقلوبًا، فكان المشبهُ هو النخلةُ المحسوسةُ، والمشبهُ به هو المسلمُ، للدلالة على أن المسلم أبلغُ في صفاته المعنوية والخلقية من النخلة المحسوسة للتصريح بأن المسلم أعزُّ عند الله وعند الناس، وأن النخلة مع أنها شبيهةٌ به في جميع منافعها إلا أن منافع المسلم أكثر منها؛ لاستكثاره من الخير والعمل الصالح والتمسك بالفضائل، والتحلي بمكارم الأخلاق والتخلي عن القبيح والصفات الذميمة، علاوة على تميزه عن الخلائق بالعقل والتكليف.
بلاغة التصوير الأدبي في العرض القصصي بأسلوب الحوار: حينما عرض النبي ﷺ على الصحابة ﵃ سؤالًا عن شجرةٍ لا يسقط
стр. 19
ورقها، وذكر لهم بعض خصائصها التي تلتقي فيها صفات المسلم، لكي يحرك العقل والمشاعر، وينمي الذكاء في النفس، ويتنافس المتلقي مع غيره في المهارات العقلية، لتعميق التجارب الإنسانية في الحياة، والكشف عن أعماق الخبرة والحنكة في فهم أسرار الواقع، مما دعا كل المستمعين أن يتسابقوا في عرض خبراتهم في الحياة، وإظهار ذكائهم وقدراتهم العقلية والفكرية، فانطلق كل واحد يفسرها حسب خبرته وتجاربه الفكرية والعلمية والواقعية في الحياة، ويذكر نوعًا من الأشجار الكثيرة التي انتشرت في البوادي، وتنوعت أشكالها وأنواعها في الصحراء والوديان وعلى الجبال، لكن هذه الإجابات المتنوعة ابتعدت عن المطلوب، ولم تتفق مع صفات الشجرة المطلوبة، التي رمز إليها الرسول ﷺ ببعض صفاتها، حتى يحرك الأذهان وينمي الذكاء ويعمق التفكير، وابتعدوا جميعًا عن النخلة ورسول الله يتلقى الإجابات بصدر واسع وقلب مفتوح، ما عدا الراوي عبد الله بن عمر الذي خطر في باله وهداه تفكيره وذكاؤه وعمقُ تجربته هنا إلى أنها النخلةُ، فكاد أن ينطق ويعلن عما دار في عقله وخلده، ليسمع رسول الله ﷺ الإجابة الصحيحة، لكن حياءه منعه من أن يعلن ذلك، وحوله كبار الصحابة ﵃، ومنهم شيخ الإسلام أبو بكر الصديق، وأعدل أهل الأرض بعد رسول الله الكريم والده عمر بن الخطاب وغيرهما ﵃ هيبة منهم وتوقيرًا لهم، وخاصة وفي كل مرة يطرح هذا السؤال بصفات أخرى، ويتلقى الإجابة غير الصحيحة، ثم يزيدهم بعض الصفات لها، حتى تكون أكثر وضوحًا كما ورد في رواية: "إنها لا ينقطع ثمرها ولا يُعدم نيله ولا يبطل قطعها"، وفي رواية ثانية: "لا يسقط لها أبلمة - أي: خوصة - كما لا يسقط لمسلم دعوة"، وفي رواية رابعة:
стр. 20
"إن من الشجر ما بركته كبركة المسلم" فعجزوا، حتى قالوا: حدثنا عنها يا رسول الله، فقال مجيبًا عن السؤال بعد هذا الحوار القصصيَّ الشيق، الذي اشتركت فيه الشخصيات القصصية المختلفة، قال ﷺ : "إنها النخلة"، لأنها كالمسلم ينتفع بجميع أجزائها المتنوعة كالثمرة والجريدة والليف والخوص والعرجون حتى النوى في علف الدواب، والظلال، لأن المسلم كله خير، كما ورد في الحديث الشريف: "المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير".
القيم التشريعية والخلقية في الحديث الشريف:
١- الترغيب في اختبار الذكاء والتفكير، وتحريك العقل بالألغاز لظهور الشخصية وإبداء الرأي.
٢- تقريب المعاني إلى العقل بالتصوير وضرب الأمثال.
٣- الترغيب في الحياء، وتوقير الكبير، ومجالسة الكبار وأهل العلم والمنازل السامية.
٤- النخلة أفضل أنواع الشجر لقلة تكاليفها، وعموم منافعها، وطيب ثمرتها.
٥- المسلم متعدد المنافع كثير الفضائل، لا يقتصر خيره على نفسه، وإنما يتعداه إلى غيره من المسلمين، وإلى كل ما خلق الله .
٦- بالإضافة إلى ما ذكرته في التصوير النبوي في الحديث الشريف.
стр. 21
بين المسلم والمهاجر:
أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه".
بلاغة التصوير الأدبي في قوله: "المسلم من سلم المسلمون" عبر الحديث الشريف بالمسلم وهو دون المؤمن في الظاهر، لأن بلاغة المقام ومقتضى الحال يُؤْثِر التعبير بالمسلم؛ لأنه جاء مقيدًا بما بعده وهو: من سلم المسلمون، فالذي لا يتعرض لأذى، بل للمحبة وتمني الخير، يكون مسلمًا كاملًا، أي مؤمنًا محسنًا في إيمانه، وهذه قمة البلاغة، لأن التعبير بالمؤمن لا يحتاج إلى قوله: "من سلم المسلمون" لعدة أمور:
أولًا: حتى لا يوصف الحديث بالحشو والزيادة ورسول الله أبلغ العرب، ثانيًا: لأن بلاغة الحديث الشريف تقتضي التصريح بهذا القيد؛ لأنه أبلغ من الإضمار لما فيه من التصريح بالسلامة، ثالثًا: ليدخل في المسلمين كل الناس: المسلم والمؤمن والمحسن من باب أولى، وكذلك يدخل فيه غير المسلم؛ لأن من استأمنه جماعة المسلمين على أرضهم، أخذ حكم المسلمين من الأمن والسلامة؛ لذلك كان حرف "من" في موقعه من الحديث، قد بلغ الغاية في بلاغة التصوير الأدبي عن هؤلاء جميعًا، لما يفيده من العموم والشمول، فهو يشمل المؤمن والمسلم وغير المسلم في ديار المسلمين، وتلك هي بلاغة المصطفى ﷺ ، التي تصور سماحة الإسلام وعدالته، ولا يخفى علينا أن التعبير بالمسلم يشمل الذكر والأنثى والصغير والكبير.
بلاغة التصوير الأدبي في قوله: "من لسانه ويده": أجمع علماء البلاغة على أن هذا الحديث من جوامع الكلم، التي اختص بها من بين الأنبياء جميعًا، لأن اقتصاره على اللسان واليد؛ في التصوير الأدبي لكل ما يقع من الإنسان؛ قولًا أو فعلًا بلغ القمة في بلاغة الإيجاز، فاللسان هو الذي يعبر عما في النفس، وهو أبلغ من التصوير بالقول، الذي لا يشمل خروج
стр. 22
اللسان من الفم استهزاء؛ فليس قولًا، ولأن الإنسان يحاسب على ما يصدر من اللسان، ولا يعاقب على نية الشر والأذى قبل ترجمتها باللسان، لذلك كان اللسانُ ملاك الأمور كلِّها كما قال النبي ﷺ وهو يعلم معاذ ﵁: "هل أدلك على ملاك الأمر كله"، قال معاذ: بلى يا رسول الله قال: "أمسك عليك هذا" وأشار إلى لسانه فقال معاذ: وهل نحن يا رسول الله مؤاخذون بما نتكلم، فقال: "وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم".
وقدّم اللسان على اليد، لأن الأذى باللسان، يشمل من في الماضي والموجود في الحاضر، والحادث في المستقبل بعد ذلك. بخلاف اليد فالإيذاء بها خاص بالموجودين، اللهم إلا إذا كان عن طريق الكتابة فقط.
وبلاغة الرسول ﷺ في اقتصاره الإيذاء على اليد فقط، دون بقية الجوراح التي يحصل الأذى بها، لأن معظم الأفعال إنما يتحصل باليد في الغالب، إذ بها يكون البطش والقطع والوصل والأخذ والمنع، لذلك قيل لكل عمل، وإن كان بغير اليد: "هذا مما عملته أو جنته أيديهم" وبلاغة التعبير باليد، يُدْخِلُ اليد المعنوية كالاستيلاء على حق الغير بغير الحق؛ لذلك كانت اليد تطلق على كل فعل ينسب إليها، قال الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ .
بلاغة التصوير الأدبي في قوله: "والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" وفي هذه الفقرة تعددت ألوان البلاغة، فأصبح الحديث الشريف كالروضة، ضمت ألوانًا وأنواعًا مختلفة، تناغمت فيها الأنواع وتناسقت بينهما الأشكال والألوان، ويظهر هذا التناسقُ بين الأنواع المختلفة، والتآلفُ بين الألوان المتنوعة، فيما أطلق عليه علماء البلاغة الجناس والطباق والمقابلة،
стр. 23
فأما الجناس فقد كان في اتحاد الألفاظ مع اختلاف المعاني، فكان بين لفظي المسلم وسَلِم، ولفظي: المهاجر وهجر، التي أشاعت ألوانًا من التناسق بين أنغام الحروف ونسقها الإيقاعي، مما يثير الانتباه، ويحرك العواطف والمشاعر، وأما الطباق فتجده بين المسلم والمهاجر، وبين سلم وهجر ونهى، وبين لسانه ويده، والتضادُّ بين معاني كل لفظين، يعطي تنويعًا وتلوينًا وتعميقًا للمعاني، حتى تتمكن من النفس أيما تمكن، وأما التقابل فكان بين هذين الفقرتين، بين: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" و"المهاجر من هجر ما نهى الله عنه" فالتقابل هنا بين الإيجاب والسلب وبين الأمر والنهي، يدل على أن الحديث الشريف جمع بين الأوامر والنواهي جميعها؛ لذلك كان من جوامع الكلم.
انظر إلى بلاغة التصوير الفني بالمهاجر، وهي تدل على المشاركة على العكس من كلمة الهاجر وهو المراد في الأصل، للدلالة على أن الإنسان دائمًا في صراع بين الخير والشر، وبين النفس الأمارة بالسوء والنفس الطيبة، وكذلك بلاغة التصوير البلاغي باسم الموصول في "من هجر"، لأن الإنسانية تقتضي عموم ذلك بين الإنسان مسلمًا كان أو غير مسلم، وكذلك ما تفيده بلاغة العموم في قوله: " ما نهى الله عنه"؛ لأنه لا فرق بين المنهي عنه حقيرًا كان أو عظيمًا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ .
القيم التشريعية والخلقية في الحديث الشريف:
١- أراد الرسول ﷺ أن يطمئن من لم يهاجر من المسلمين بعد انقطاع الهجرة؛ بأن هجرة المعاصي تعد هجرة؛ فالمهاجر من هجر المعاصي.
٢- كمال الإسلام لا يتحقق إلا بالأصول والفروع، وكل ما به كمال الإيمان.
٣- الإيمان يزيد بالطاعات وعمل الخيرات، وينقص بالتقصير فيها.
٤- الإسلام دين السلام والسماحة؛ فهو يحث على كف الأذى عن الناس جميعًا ونشر المحبة بينهم.
٥- جمع الحديث الشريف بين المحافظة على حقوق الله تعالى وحقوق عباده.
٦- بالإضافة إلى ما ذكر في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 24
بين المؤمن والفاجر:
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع من حيث أتتها الريح كفأتها، فإذا اعتدلت تكفَّأ بالبلاء، والفاجر كالأَرْزَةِ صمَّاءَ معتدلة، حتى يقصمها الله إذا شاء".
بلاغة التصوير الأدبي في ضرب الأمثال: من أبلغ الأساليب في هذا الحديث الشريف أن النبي ﷺ عرضه على سبيل ضرب الأمثال، فقال: "مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع" لأن بلاغة المثل ترجع إلى مقومات تسمو إلى أقوى الصور البلاغية وهي:
١- أن المثل يستمد عناصره من الواقع المحسوس كالزرع والريح والأرزة الصماء، فلا تدركُ بالعقل وحده، بل تشترك معه الحواس المختلفة، كالرؤية بالعين الباصرة، فترى سيقان الزرع وفروعه وأوراقه وأزهاره وثماره وحركته وألوانه، وتدركه بالسماع؛ فتسمع الأذن حفيف أوراق الزروع واصطكاك الريح بالأرزة الصماء وقصمها، وتدركه باللمس أيضًا لتشعر بالنعومة أو الخشونة، وبالشم لروائحه وبالتذوق لمطعوماته وغير ذلك مما يدرك بالحواس الكثيرة مع العقل.
٢- أن المثل يعتمد في بلاغته
стр. 25
على الإيجاز لألفاظ لا تتجاوز المشبه والمشبه به، لكنها ثريةٌ بالمعاني والمشاعر والقيم الكثيرة، التي تختلف في تفسيرها من شخص إلى آخر، ومن وقت لآخر.
٣- أن المثل يحول الفكرة إلى حكمة، يتمثل بها الناس في كل الأحوال والمقامات المختلفة، فَيُضْربُ به على حاله بلا تغيير مهما اختلفت مضاربُه، فأصبح هذا المثل في الحديث الشريف حكمة، يتمثل بها الحكماء في أقوالهم، قال تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ .
البلاغة في تصوير المؤمن بالخامة من الزرع: روعة التصوير الأدبي في بلاغة الحديث الشريف، تظهر حين صور النبي ﷺ المؤمن في صورة الخامة من الزرع، أي الطريُّ اللينُ الذي لا يتقصف، بل تستجيب للريح وتتماثل معه ذهابًا وإيابًا، فإذا اشتدت عليها كَفَأتها حتى تمر العاصفة، ثم تعود إلى ما كانت عليها من الاعتدال، وانظر إلى بلاغة لفظ الريح لا الرياح، لأن الريح لا تكون إلا في التمحيص والفتنة والعذاب، قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ بينما الرياح تكون طيبات مبشرات بالخير، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
والبراعة في هذا التشبيه التمثيلي البليغ، حين شُبه بالخامة رِضا المؤمن بقضاء الله وقدره، ليتقبله بصدر رحب وقلب مفتوح، فلا يكفرُ ولا يسخطُ ولا يغضبُ ولا يتمرد، بل يتلقى ذلك صابرًا محتسبًا راضيًا، فيزداد إيمانًا على إيمانه، وتسمو منزلته عند ربه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ مثله في هذا مثل الزرع الطري
стр. 26
اللين، الذي يتمايل مع الريح ذهابًا وإيابًا، حتى إذا مضت عاد إلى اعتداله، وكيف لا يرضى المؤمن، وهو عبده وعلى أرضه وتحت سمائه، قال الله تعالى في الحديث القدسي الشريف: "فمن لم يرض بقضائي فليخرج من تحت سمائي وليتخذ ربًا سواي" وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ .
البلاغة في تصوير الفاجر بالأرزَة الصماء: وروعة التصوير الأدبي في بلاغة هذا الحديث الشريف، حين صور النبي ﷺ الفاجر بصورة الأرزة الصُّلبة الصماء، فالريح لا تقصُمها ولا تحركها كالفاجر، لا يبتليه الله تعالى بالفتنة والتمحيص، بل يظل بمنجاة عن الابتلاء والاختبار؛ ليمهله الله حتى إذا أخذه، أخذه أخذ عزيز مقتدر؛ فيقصمه بشدة مثل شجرة الأرزة، تظل صامدة أمام عواصف الريح، حتى تأتيها عاصفة فتقصمُها مرة واحدة، لأن الله تعالى يملي للفاجر من التيسير في الدنيا، ليزداد عسرًا وشدة في استخراج روحه وهلاكه في الآخرة، وتظهر البلاغة حينما اختفى لفظ الريح مع الفاجر، لأنه لا يستحق أن يتعرض للابتلاء والتمحيص من الله تعالى، على العكس من عبده المؤمن، قال تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌْ﴾ .
القيم التشريعية والخلقية في الحديث الشريف:
١- المؤمن سهل لين، وليس معاندًا قاسي القلب، فهو رقيق المشاعر يتعاطف مع غيره ويتعاون معه، ولا يضر أحدًا.
стр. 27
٢- يستقبل المؤمن المقتدر حينما يتعرض لقدر الله تعالى وقضائه بالصبر والرضي، والاحتساب عند الله بلا جزع أو سخط أو غضب أو اعتراض، لأنه يؤمن بالقدر خيره وشره.
٣- والفاجر عنيف معاند قاسي القلب، لا يلين ولا يتعاطف مع الآخرين، وكلما تعرض للشدة ازداد عنفًا وعنادًا.
٤- أن الله تعالى يملي للفاجر ويمهله، حتى إذا طغى وتجبر أخذه أخذ عزيز مقتدر، وعذبه عذابًا شديدًا يوم تشخص فيه الأبصار.
٥- بالإضافة إلى ما ذكر في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 28
من أخطر صور النفاق: ذلاقة اللسان وحلاوة الحديث:
رُوِيَ عن رسول الله ﷺ قال: "إني لا أخاف على أمتي مؤمنًا ولا مشركًا، أما المؤمن فيمنعه الله بإيمانه، وأما المشرك فيُقْمِعُه الله بشركه، ولكني أخاف عليكم كلَّ منافق الجَنان، عالم اللسان، يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون" تعددت روايته.
في هذا الحديث الشريف تصوير أدبي بليغ للنماذج البشرية في ثلاث صور بليغة؛ فأما الصورة الأولى: فلا يخاف منها النبي ﷺ على أمته من بعده وهي التعبير البلاغي عن المؤمن فقال: "فأما المؤمن فيمنعه إيمانه"، ليكون له حارسًا أمينًا وصادقًا على اللسان والقلب، في النية والقول والعمل، فلا يقول ما لا يفعل، ولا يظهر ما لا يخفي، ولا يتلون بألوان مختلفة، بل يخلص القلب واللسان والعمل لله وحده، فيعبر عنه بصدق وأمانة وإخلاص، لا يأتي هؤلاء بوجه، ولا هؤلاء بوجه، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ، وأما الصورة الثانية: التي لا
стр. 29
يخاف النبي ﷺ على أمته منها، فهي التعبير البلاغي عن المشرك فقال: "وأما المشرك فيُقْمُعُه الله بشركه" لأن الله تعالى يتولى أمره؛ فيحاربه وينصر المسلمين عليه، ويخزيه فلا يستطيع أن يخدع المؤمن، لأن المؤمن يكون دائمًا على حذر منه، فلا يتمكن منه أبدًا في جميع الأحوال، لذلك قيل: عليك أن تخشى العدو مرة والصديق ألف مرة، وأما الصورة الثالثة التي يخاف النبي ﷺ على أمته منها: فهي التعبير البلاغي عن منافق القلب عالم اللسان، يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون؛ فهو عذب اللسان، ناصع الفكرة، قوي الحجة، يقلب الحقائق، ويلفقُ الباطل، ويجعله في صورة الحق، ويُزِّور المسلمات، ويخلع عليها لباسًا غير لباسها الحقيقي، في أسلوب هادئ، يضفي على صاحبه ثوب الوقار والحكمة، في حديث عذب ولسان رطب، يعبر عن تجربة حياة، يفتلها من خبرة محنك بالدواهي والأحاييل، وذلك في أسلوب عصري، ممزوج بما يتفتح له العقل، وتقبل عليه النفس من مغريات الحياة، ومقتضيات الإنسان في مجتمعه الجديد، فهو يملك زمام الحيل، يرد بها كل اتهام، يسخر لها شباك الدُّهاة، ليصطاد بها صيده، ثم يصل به الزيف والضلال إلى أن يجعل الله تعالى شاهدًا على قوله، فيقول المنافق في ختام حديثه: الله يعلم أني صادق فيما أقول، أو أن الله شاهد على ما أقول، وغيرها من عبارات الافتراء والتلفيق، ولقد عبر الحديث الشريف عن التصوير القرآني لهذا النموذج البشري الخطير، يقول : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ فإذا حقق مراده أفسد في الأرض بإيقاع العداوة بين الناس، فتنعدم الثقة، وتنتشر البغضاء، فيحاول تدمير المجتمع، قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ
стр. 30
اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ؛ لذلك ورد في حديث آخر رواه البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ يصور خصومته: "أبغض الرجال إلى الله تعالى الألد الخصم" وعن أبي الدرداء فيما رواه ابن حنبل، قال النبي ﷺ : "كفى بك إثمًا ألا تزال مماريًا، وكفى له ظلمًا ألا تزال مخاصمًا، وكفى بك كذبًا ألا تزال محدثًا إلا حديثًا في ذات الله "، وأحيانًا في المجتمع الذي تصدع بظاهرة النفاق، يلمع هذا النموذج البشري الخطير، فتتسلط عليه الأضواء زيادة في التعمية، ويتصدى لدعوة الإصلاح والتقويم، ويتصدر المجالس والاجتماعات، يدير الحوار الخادع، لا يبتغي من وراء ذلك إلا الشهرة وذيوع الصيت، ليصل إلى أغراضه من أقرب طريق، وفي أسرع وقت، وهؤلاء صورهم القرآن في أصح صورة، ليفضح أمرهم فتبور تجارتهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ، وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ .
في هذه الأحاديث الشريفة التي عبرت عن المنافق الخطير كما ورد في القرآن الكريم، فحددت صفاته وأبزرت معالمه، لكنه مع ذلك لا يخفى على المؤمن؛ فيستعين على فضح أمره ببصيرته النافذة وذكائه وفطنته، كما قال الرسول ﷺ : "المؤمن كيس فطن" فيفطن إلى تزييفه وتلفيقه
стр. 31
فيقرعه الحجة بالحجة، ويأخذ بيديه إلى الحق والحقيقة من أقرب طريق، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ، وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ .
القيم التشريعية والخلقية في الحديث الشريف:
١- تحذير النبي ﷺ لأمته من المنافقين، فهم أخطر النماذج البشرية من الفاسقين والمشركين وأعداء الإسلام، لذلك توعدهم الله بأشد أنواع العذاب: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا﴾ .
٢- لا يخشى على المسلم من المؤمنين لأن المؤمن لا يؤذي أحدًا، ولأن إيمانه يمنعه من ذلك، فهو أمين يتقي الله ويخشاه، ويخاف عذابه "لا إيمان لمن لا أمانة له"، "لا يؤمن أحد حتى يأمن جاره بوائقه".
٣- كما أنه ﷺ لا يخشى على المسلمين من المشركين بالله ؛ لأن الله تكفل بخزيهم وقمعهم؛ إنما يمهلهم ليأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ولن يفلتوا من عذابه لا في الدنيا ولا في الآخرة.
٤- حدد النبي ﷺ صفات المنافقين حتى يحذرهم المسلمون، ووضح علامات النفاق ليفطنوا إليها، فيحذروهم، من هذه العلامات أن المنافق يظهر ما لا يخفيه، فتختلف أقواله وأفعاله عما يسره في قلبه، متخذًا في ذلك بيانًا خلابًا في بلاغة القول، وفنون الأحاديث وأساليب الخداع والدهاء؛ فيخدعهم بما يعرفون؛ لكنه يفعل ما ينكرون.
٥- بالإضافة إلى ما ذكر في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 32
الفصل الثاني: الوضوء والصلاة
الوضوء يمحو الخطايا:
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا، ما تقول ذلك يُبقي من درنه"؟ قالوا: لا يُبقي من درنه شيئًا، قال: "فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا".
التصوير البلاغي المستمد من المعاني الوضعية في اللغة العربية لهذا الحديث الشريف: تنوعت مصادره الجمالية، فالصورة الأولى: أوحت بها همزة الاستفهام "أرأيتم"؛ فقد أفادت معان كثيرة فوق المعنى الوضعي لها في اللغة، وهي الإجابة عن هذا السؤال منها: إثارة انتباه السامع لأهمية موضوع الصلاة والاستعداد لها بالطهارة والغسل، فهي عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، لأنها تربية بدنية وروحية وأخلاقية واجتماعية، ومنها: إفادة التقرير والثبوت، فليس المرادُ بالاستفهام الإجابة عن السؤال فحسب، بل المراد أيضًا أن هذه التربية البدنية، والقيم الخلقية والاجتماعية، أمر ثابت ومقرر، لمن أدى الصلاة بعد الاغتسال والوضوء خمس مرات في اليوم والليلة، ومنها: أن الاستفهام بالهمزة وهي حرف مفرد يفيد التحقيق والحق والحقيقة، فلا مجال هنا للتردد والظن، مما تضمته بنية "هل" من احتمال هذه الظنون، بمعنى أن من اغتسل خمسًا للصلوات المفروضة فجزاء فاعلها محو الذنوب حقًا وحتمًا لا مرد فيه، لأنه وعد الله، والله لا يخلف الميعاد، وكذلك الأمر في الاستفهام الثاني في قوله: "ما تقول ذلك يُبقي من درنه؟ ". والصورة
стр. 33
الثانية: في تخصيص الفعل المضارع دون الماضي والأمر، في قوله: "يغتسل، ويبقي، ولا يبقي، ويمحو" للدلالة على تكرار الغسل وتجدده واستمراره، وما أجمل العموم في لفظ "يغسل" غير المقيد، وبلاغته العميقة في تنوع الغسل، ليشمل جميع البدن أو معظمه، أو الاقتصار على أعضاء الوضوء فقط، وللدلالة على طهارة تجدد الأوساح الحسية في البدن والثوب، والمعنوية من الطهارة النفسية والقلبية، فهو متجدد مع المرات الخمس، وللدلالة على استمرار محو الذنوب في يمحو بها الخطايا في العمر كله، لتجدد الغسل والصلاة المفروضة كل يوم، وكذلك الحال في الصور البلاغية المستمدة من وحي اللغة في "أرأيتم -ونهرًا- وكل يوم- ومن درنه- والصلوات الخمس- وبها الخطايا".
التصوير الفني في بلاغة الأسلوب البياني المستمد من ألوان الخيال، يتخذ منها صورًا حسية مؤثرة في النفس والقلب والعقل والوجدان. سواء أكانت صورًا جزئية أو كلية، فأما الصور الجزئية فمنها: المجازُ المرسلُ في "يغتسل فيه"، فليس المرادُ أن يغتسل في امتداد النهر كلِّه، يَسْبَحُ فيه من أوله إلى آخره، بل المراد في جزء منه، لتوحي الكلية في النهر بشمول الجسد وكمال الطهارة، ومنها: الاستعارة المكنية في كل من "يبقى من درنه، ولا يبقى.." فهي تفيد بأن النهر له تأثير فاعل كالإنسان؛ لتنظيف الجسد وتطهيره، فيشتمل على البدن خمس مرات، حتى لا يبقى من درنه شيء، ومنها: صورة الاستعارة التصريحية في "يمحو بها الخطايا" "من درنه شيء"، ومنها: صورة الاستعارة التصريحية في "يمحو بها الخطايا" لأن الخطايا أمر معنوي، والمحو لا يكون إلا للحسي، فجاءت في صورة محسوسة للتأكيد على غفرانها كلها، سواء الصغائر منها أو الكبائر على الأرجح عند العلماء، ومنها: صورة التشبيه التمثيلي فقد شُبِّه الاغتسال خمس مرات؛ لإزالة الأوساخ الحسية والنفسية بأداء الصلوات الخمس،
стр. 34
يمحو بها الذنوب، للتأكيد على تشريع الغسل والصلوات معًا، فهما مرتبطان بطاعة الله ومرضاته. وأما الصورة الكلية البديعة فقد وردت في أقصوصة طريفة ومثيرة، نسج فيها الخيال أحداثًا حسية ومشاهد حية، لتحريك العاطفة وإثارة العقل وتنشيط الوجدان واشتياق القلب، فجاءت في صورة حكاية جرت في العادة، وقامت مشاهدها المتنوعة فيما بين منزل مقام على نهر واسع ومتجدد، بجوار منازل أخرى، يغتسل المقيمون فيها كل يوم خمس مرات، في كل مرة يزيل الأوساخ من البدن والثوب، ثم يتبعها بالصلوات الخمس، ويدور الحوار بين شخصيات القصة، الراوي الذي سمع من الرسول ﷺ والمتحدث والسائل والمجيب، والمستمعون وهم كثيرون، يفكرون في السؤال ويحاولون الإجابة، كل ذلك في أحداث محسوسة، ومشاهد حية ومتحركة في قصة قصيرة بليغة.
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- الحث على أداء الصلوات في أوقاتها، والحرص عليها في مواقيتها الموزعة على اليوم، يجعل القلب دائمًا موصولًا بذكر الله وشكره معظم اليوم أو نصفه، تجدد نشاطه الروحي، والإيماني.
٢- أثر الوضوء والصلاة معًا في طهارة المسلم ورشاقته ونظافته معنويًا ونفسيًا من الشواغل والذنوب، وحسيًا وجسديًا من الأوساخ والجراثيم والأمراض؛ ليظل المسلم قويًا ونشيطًا.
٣- منزلة الصلاة بين غيرها من أركان الإسلام؛ فهي عماد الدين، تنهى عن الفحشاء والمنكر: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ .
وفي الحديث الشريف: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له".
٤- مشروعية ضرب الأمثال لتقريب المعاني والقيم إلى العقول والقلوب وتحريك العواطف.
٥- بالإضافة إلى ما ذكر في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 35
الغر المحجلون:
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أمتي يُدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء" فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل.
بلاغة التصوير الأدبي: في التعبير عن تميز الأمة الإسلامية بين الأمم يوم القيامة على غيرها، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ ، فامتازت شريعتها بالسماحة والتوسط والاعتدال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ ، وهذا الفضل والتميز يرجع إلى روعة التصوير الأدبي من الحديث الشريف في قوله: "إن أمتي يُدْعَوْن يوم القيامة"، فيقوم على صور بليغة متنوعة:
١- صورة التأكيد "بإن" فهي لا تقبل الجدل والحوار، فلا راد لحكم الله تعالى، ولا مجال لمنكر أو معترض، لأنه حكم وتقرير إلهي محمدي.
٢- الصورة الفنية الصادرة من قوله: "أمتي"؛ فهي تدل على أمة محمد ﷺ خاتم النبيين وسيد المرسلين، وأفضل الخلق أجمعين وقائد الغر المحجلين، وهي الأمة الإسلامية إلى قيام الساعة.
стр. 36
وكذل تدل إضافة ضميره ﷺ إلى أمته على اعتزازه بها، وحبه لها وحرصه عليها قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
٣- الصورة الأدبية البليغة في قوله: "يدعون"؛ فهي تدل على أسرار جمالية كثيرة، وهي أن أمتنا أمة الدعوة للتوحيد والإسلام والسلام، وكذلك هي أمة معروفة مشهورة بين الأمم بصفاتها المتميزة الكثيرة، لأنهم يدعون بمعنى يعرفون بذلك، وكذلك عموم الفاعل في بناء الفعل للمجهول في "يدعون"، يدل على أن شهرتها ليست بين الأمم فحسب، بل شهرتها عامة تشمل الجن والإنس والملائكة، وكل ما يعلمه الله ولا يعلمه أحد سواه.
بلاغة التصوير الفني في قوله: "غرًّا محجلين من آثار الوضوء" فقد تنوعت في هذه العبارة الأسرار البلاغية اللطيفة منها:
١- تشبيه النور الإلهي الذي يشمل الوجه والكفين والقدمين والجسد كله بالبياض الناصع في غرة الفرس الأسود وتحجيله، وذلك في صورة مستمدة من الواقع الذي يعيشه المسلم، ويتعامل معه صباحًا ومساءً؛ ليكون ذلك أكثر تأثيرًا في النفس وأعظم وضوحًا؛ فهي محسة من الواقع.
٢- وفي هذه العبارة أيضًا توحي بصورة أخرى جاءت على سبيل الكناية، لتدل على أن الغرة والتحجيل في جبهة الفرس وقدمه ليست هي المرادة؛ بل المراد المعنى الكنائي البعيد وهو النور الإلهي الشامل الذي ينتشر في المحشر من الأمة المحمدية كلها، مما يشير الأمم كلها، وتتعجب من قوته وشدته، فيدفعهم ذلك للسؤال عنه، نتيجة لإسباغ
стр. 37
الوضوء والإحسان في صلاته، فهم لا يقتصرون على الأعضاء ونورهم يسعى بين أيديهم، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ وقال أيضا: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
بلاغة التصوير الأدبي في التعبير بقوله: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل"، والأسرار البلاغية الجميلة في هذه الصورة الفنية، تدل على إذكاء روح المنافسة والتسابق في إحسان الوضوء، والحرص عليه وعلى الصلاة عمود الدين، والإتقان في ذلك حتى يسبق كل واحد الآخر، في أن المنافسة والتسابق على الاستطاعة حسب وفرة المال والماء والوقت والجهد، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ، وهذا ما يوحي به التوازن والتعليق بين أسلوبي الشرط والجزاء، بمعنى أنه إذا توفر الشرط وهو: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته" وجب تحقيق الجزاء على سبيل الأمر والوجوب، وهو ما يدل عليه أسلوب الجزاء من الأمر في قوله: "فليفعل".
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- فضل أمة محمد ﷺ على غيرها من الأمم فهي ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ .
٢- تتميز أمة محمد ﷺ يوم القيامة كذلك بميزة أخرى تعرف بها بين الخلق كافة، وهي نور الغرة والتحجيل، وذلك من آثار الحرص على الوضوء والصلاة والمنافسة فيهما.
٣- يستحب إسباغ الوضوء بالزيادة في غسل العضوين الواجب والمفروض، لأن ما يتم الواجب إلا به فهو واجب.
٤- جواز مدح المسلم حين يعود عليه المدح بالخير، ويدفعه إلى الإقبال على العمل الصالح إلا إذا خشيت الفتنة والاغترار بنفسه.
٥- تبشير أمة محمد ﷺ بمرضاة الله ، وأنها أكثر الأمم عددًا؛ فقلما تجد مسلمًا لم يتوضأ للصلاة.
٦- بالإضافة إلى ما ذكر في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 38
بعثتم ميسرين لا معسرين:
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: "قام أعرابي في المسجد فبال، فتناوله الناس فقال لهم النبي ﷺ : "دعوه وهريقوا على بوله سجْلًا من ماء أو ذَنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".
بلاغة التصوير الأدبي في قوله ﷺ : "قام أعرابي في المسجد فبال، فتناوله الناس" ترجع إلى أسرار جمالية متنوعة: فالتعبير بقوله: "قام أعرابي" فيه دلالة على أن الأعرابي كان قد أدى الصلاة في المسجد قبل البول، فلما ألحَت عليه الحاجة، اضطر أن يبول في المسجد، والضرورات تبيح المحظورات، فلم يقصد ذلك ابتداء، ويؤكد ذلك ما جاء في رواية أخرى: "أن أعرابيًا دخل المسجد ورأى رسول الله ﷺ مع أصحابه فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا؛ فقال النبي: "لقد تحجرت واسعًا" فلم يلبث أن بال في ناحية المسجد ... وفيه دلالة أيضًا على أن هناك فرقًا بين "الأعرابي" الذي يسكن في البادية فطبيعته الجفوة، وبين العربي الذي تحضر بأعراف المدنية، لذلك فلا غرابة من صنيع هذا الأعرابي، الذي لم يهيئ نفسه للصلاة والمكث في المسجد.
стр. 39
وفي ذكر المسجد بالألف واللام دلالة على أن هذا الحكم خاص بالمسجد المعد لذلك بالبناء، ولا يطلق على الخلاء بدون بناء لتعرضه للشمس والماء والهواء؛ لأن المسجد له حرمته وتعظيمه، وفي التعبير الفني بالفاء في قوله: "فتناوله الناس" التي وضعت للترتيب والتعقيب؛ دلالة على المسارعة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في الحديث الشريف: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده.." إلخ.
وتجد روعة التصوير البلاغي أيضًا حين قال النبي ﷺ : "دعوه وهريقوا على بوله سَجْلًَا من ماء أو ذنوبًا من ماء" من خلال صور فنية متنوعة:
١- جمال التصوير الفني بالفاء في صورة: "فقال لهم النبي ﷺ : "دعوه ... " إلخ يدل على شفافيته وسرعة بديهته في رد إنكارهم؛ وتوجيههم إلى الأسلوب الأمثل في الدعوة إلى سماحة الإسلام في رفق ورعاية للضرورات البشرية.
٢- وجاءت الصورة الفنية البليغة الثانية: "وهريقوا عليه سجْلا من ماء" لتؤكد سماحة الإسلام في الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، فأمر المعترضين عليه أن يقوموا هم لا الأعرابي بأن يصبوا ماء على مكان البول؛ فهذا يكفي لطهارة المكان وترضية الأعرابي، وفيه دلالة أيضًا على أن الأرض التي لا تصل إليها الشمس لا تطهر إلا بالماء؛ لأن صب الماء عليها يبعد النجاسة عن سطحها، وفي قوله: "على بوله" دلالة على صب الماء من أعلى دون أن يقلب التراب ولا يأتي على كل جوانبه من أسفل.
روعة التصوير الأدبي في قوله: "فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" تعتمد على أسرار بلاغية رائعة في صور فنية جميلة: منها
стр. 40
التصوير الفني لسماحة الإسلام ويسره بأسلوب القصر والتوكيد في قوله: "إنما بعثتم ميسرين"، وذلك في صورتين أدبيتين: الأولى التصوير الفني المؤكد بإنما، والثانية: التوكيد بقصر التيسير والسماحة على أمة محمد ﷺ ؛ فالمعنى أن التيسير مقصور على أمتكم أنتم وحدكم لا على غيركم، وذلك في قوله: "إنما بعثتم ميسرين"، وفي هذا أيضًا توجيه للأمة كلها؛ ليبلغوا عنه في حضوره وفي غيابه، كما جاء في حديث آخر: "يسروا ولا تعسروا" وفي قوله: "هلك المتنطعون" أي المتشددون.
وكذلك بلاغة التعبير في صورة النفي بعد الإثبات: "ولم تبعثوا معسرين" بعد قوله: "إنما بعثتم ميسرين"، وفي هذا التصوير الفني تأكيد على القيم الأخلاقية والتشريعية السابقة في سماحة الإسلام ويسره، لذلك كرر أسلوب النفي بعد الإثبات، لإثبات هذه القيم بالحجة والدليل، حتى يقتنع المتلقي بنفي العسر وهو النقيض لإثبات اليسر في الإسلام، على سبيل المبالغة بتصوير اليسر بصور متعددة كالرفق بالجاهل، وتقديم أخف الضررين، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ وقال أيضًا: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- الأرض النجسة يطهرها الماء عند الفقهاء، وقد تطهر الأرض بالشمس والهواء عند بعضهم، أما في المسجد أو المنزل فلا بد من الماء لعدم التعرض للشمس، بالإضافة إلى حرمة المسجد وقداسته فيلزم فيه الماء.
٢- الغسالة طاهرة لأنها تبعد النجاسة عن سطح الأرض.
٣- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع الرفق بالجاهل في ذلك حتى يتعلم.
٤- التحرز عن النجاسة، وأنها تزول عند زوال المانع؛ فإذا زالت بالماء أصبح مكانها طاهرًا.
٥- تقديم أخف الضررين، فقد يضر الإنسان احتباس الماء إذا تأخر، مما يدل على سماحة الإسلام ويسره؛ وحرصه على سلامة الإنسان؛ بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي في الحديث الشريف.