Полный текст (208 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وكذل تدل إضافة ضميره ﷺ إلى أمته على اعتزازه بها، وحبه لها وحرصه عليها قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
٣- الصورة الأدبية البليغة في قوله: "يدعون"؛ فهي تدل على أسرار جمالية كثيرة، وهي أن أمتنا أمة الدعوة للتوحيد والإسلام والسلام، وكذلك هي أمة معروفة مشهورة بين الأمم بصفاتها المتميزة الكثيرة، لأنهم يدعون بمعنى يعرفون بذلك، وكذلك عموم الفاعل في بناء الفعل للمجهول في "يدعون"، يدل على أن شهرتها ليست بين الأمم فحسب، بل شهرتها عامة تشمل الجن والإنس والملائكة، وكل ما يعلمه الله ولا يعلمه أحد سواه.
بلاغة التصوير الفني في قوله: "غرًّا محجلين من آثار الوضوء" فقد تنوعت في هذه العبارة الأسرار البلاغية اللطيفة منها:
١- تشبيه النور الإلهي الذي يشمل الوجه والكفين والقدمين والجسد كله بالبياض الناصع في غرة الفرس الأسود وتحجيله، وذلك في صورة مستمدة من الواقع الذي يعيشه المسلم، ويتعامل معه صباحًا ومساءً؛ ليكون ذلك أكثر تأثيرًا في النفس وأعظم وضوحًا؛ فهي محسة من الواقع.
٢- وفي هذه العبارة أيضًا توحي بصورة أخرى جاءت على سبيل الكناية، لتدل على أن الغرة والتحجيل في جبهة الفرس وقدمه ليست هي المرادة؛ بل المراد المعنى الكنائي البعيد وهو النور الإلهي الشامل الذي ينتشر في المحشر من الأمة المحمدية كلها، مما يشير الأمم كلها، وتتعجب من قوته وشدته، فيدفعهم ذلك للسؤال عنه، نتيجة لإسباغ
стр. 37
الوضوء والإحسان في صلاته، فهم لا يقتصرون على الأعضاء ونورهم يسعى بين أيديهم، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ وقال أيضا: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
بلاغة التصوير الأدبي في التعبير بقوله: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل"، والأسرار البلاغية الجميلة في هذه الصورة الفنية، تدل على إذكاء روح المنافسة والتسابق في إحسان الوضوء، والحرص عليه وعلى الصلاة عمود الدين، والإتقان في ذلك حتى يسبق كل واحد الآخر، في أن المنافسة والتسابق على الاستطاعة حسب وفرة المال والماء والوقت والجهد، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ، وهذا ما يوحي به التوازن والتعليق بين أسلوبي الشرط والجزاء، بمعنى أنه إذا توفر الشرط وهو: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته" وجب تحقيق الجزاء على سبيل الأمر والوجوب، وهو ما يدل عليه أسلوب الجزاء من الأمر في قوله: "فليفعل".
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- فضل أمة محمد ﷺ على غيرها من الأمم فهي ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ .
٢- تتميز أمة محمد ﷺ يوم القيامة كذلك بميزة أخرى تعرف بها بين الخلق كافة، وهي نور الغرة والتحجيل، وذلك من آثار الحرص على الوضوء والصلاة والمنافسة فيهما.
٣- يستحب إسباغ الوضوء بالزيادة في غسل العضوين الواجب والمفروض، لأن ما يتم الواجب إلا به فهو واجب.
٤- جواز مدح المسلم حين يعود عليه المدح بالخير، ويدفعه إلى الإقبال على العمل الصالح إلا إذا خشيت الفتنة والاغترار بنفسه.
٥- تبشير أمة محمد ﷺ بمرضاة الله ، وأنها أكثر الأمم عددًا؛ فقلما تجد مسلمًا لم يتوضأ للصلاة.
٦- بالإضافة إلى ما ذكر في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 38
بعثتم ميسرين لا معسرين:
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: "قام أعرابي في المسجد فبال، فتناوله الناس فقال لهم النبي ﷺ : "دعوه وهريقوا على بوله سجْلًا من ماء أو ذَنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".
بلاغة التصوير الأدبي في قوله ﷺ : "قام أعرابي في المسجد فبال، فتناوله الناس" ترجع إلى أسرار جمالية متنوعة: فالتعبير بقوله: "قام أعرابي" فيه دلالة على أن الأعرابي كان قد أدى الصلاة في المسجد قبل البول، فلما ألحَت عليه الحاجة، اضطر أن يبول في المسجد، والضرورات تبيح المحظورات، فلم يقصد ذلك ابتداء، ويؤكد ذلك ما جاء في رواية أخرى: "أن أعرابيًا دخل المسجد ورأى رسول الله ﷺ مع أصحابه فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا؛ فقال النبي: "لقد تحجرت واسعًا" فلم يلبث أن بال في ناحية المسجد ... وفيه دلالة أيضًا على أن هناك فرقًا بين "الأعرابي" الذي يسكن في البادية فطبيعته الجفوة، وبين العربي الذي تحضر بأعراف المدنية، لذلك فلا غرابة من صنيع هذا الأعرابي، الذي لم يهيئ نفسه للصلاة والمكث في المسجد.
стр. 39
وفي ذكر المسجد بالألف واللام دلالة على أن هذا الحكم خاص بالمسجد المعد لذلك بالبناء، ولا يطلق على الخلاء بدون بناء لتعرضه للشمس والماء والهواء؛ لأن المسجد له حرمته وتعظيمه، وفي التعبير الفني بالفاء في قوله: "فتناوله الناس" التي وضعت للترتيب والتعقيب؛ دلالة على المسارعة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في الحديث الشريف: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده.." إلخ.
وتجد روعة التصوير البلاغي أيضًا حين قال النبي ﷺ : "دعوه وهريقوا على بوله سَجْلًَا من ماء أو ذنوبًا من ماء" من خلال صور فنية متنوعة:
١- جمال التصوير الفني بالفاء في صورة: "فقال لهم النبي ﷺ : "دعوه ... " إلخ يدل على شفافيته وسرعة بديهته في رد إنكارهم؛ وتوجيههم إلى الأسلوب الأمثل في الدعوة إلى سماحة الإسلام في رفق ورعاية للضرورات البشرية.
٢- وجاءت الصورة الفنية البليغة الثانية: "وهريقوا عليه سجْلا من ماء" لتؤكد سماحة الإسلام في الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، فأمر المعترضين عليه أن يقوموا هم لا الأعرابي بأن يصبوا ماء على مكان البول؛ فهذا يكفي لطهارة المكان وترضية الأعرابي، وفيه دلالة أيضًا على أن الأرض التي لا تصل إليها الشمس لا تطهر إلا بالماء؛ لأن صب الماء عليها يبعد النجاسة عن سطحها، وفي قوله: "على بوله" دلالة على صب الماء من أعلى دون أن يقلب التراب ولا يأتي على كل جوانبه من أسفل.
روعة التصوير الأدبي في قوله: "فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" تعتمد على أسرار بلاغية رائعة في صور فنية جميلة: منها
стр. 40
التصوير الفني لسماحة الإسلام ويسره بأسلوب القصر والتوكيد في قوله: "إنما بعثتم ميسرين"، وذلك في صورتين أدبيتين: الأولى التصوير الفني المؤكد بإنما، والثانية: التوكيد بقصر التيسير والسماحة على أمة محمد ﷺ ؛ فالمعنى أن التيسير مقصور على أمتكم أنتم وحدكم لا على غيركم، وذلك في قوله: "إنما بعثتم ميسرين"، وفي هذا أيضًا توجيه للأمة كلها؛ ليبلغوا عنه في حضوره وفي غيابه، كما جاء في حديث آخر: "يسروا ولا تعسروا" وفي قوله: "هلك المتنطعون" أي المتشددون.
وكذلك بلاغة التعبير في صورة النفي بعد الإثبات: "ولم تبعثوا معسرين" بعد قوله: "إنما بعثتم ميسرين"، وفي هذا التصوير الفني تأكيد على القيم الأخلاقية والتشريعية السابقة في سماحة الإسلام ويسره، لذلك كرر أسلوب النفي بعد الإثبات، لإثبات هذه القيم بالحجة والدليل، حتى يقتنع المتلقي بنفي العسر وهو النقيض لإثبات اليسر في الإسلام، على سبيل المبالغة بتصوير اليسر بصور متعددة كالرفق بالجاهل، وتقديم أخف الضررين، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ وقال أيضًا: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- الأرض النجسة يطهرها الماء عند الفقهاء، وقد تطهر الأرض بالشمس والهواء عند بعضهم، أما في المسجد أو المنزل فلا بد من الماء لعدم التعرض للشمس، بالإضافة إلى حرمة المسجد وقداسته فيلزم فيه الماء.
٢- الغسالة طاهرة لأنها تبعد النجاسة عن سطح الأرض.
٣- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع الرفق بالجاهل في ذلك حتى يتعلم.
٤- التحرز عن النجاسة، وأنها تزول عند زوال المانع؛ فإذا زالت بالماء أصبح مكانها طاهرًا.
٥- تقديم أخف الضررين، فقد يضر الإنسان احتباس الماء إذا تأخر، مما يدل على سماحة الإسلام ويسره؛ وحرصه على سلامة الإنسان؛ بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي في الحديث الشريف.
стр. 41
التيمم:
أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعِلتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة".
بلاغة التعبير النبوي الشريف "بخمس" ترجع إلى أن هذه الصيغة لها دلالات كثيرة، أولًا: أن التنكير في "خمسًا" يدل على التعظيم أي فهذه "خمس" عظيمة لا تكون إلا لعظيم، وليس هناك في البشر أعظم من محمد ﷺ رسوله العظيم، وثانيًا: أن التنكير هنا أيضًا يدل على العموم والشمول، فيدخلُ في الخمس غيرها مما اختص الله به نبينا محمدًا ﷺ ، مما ورد في أحاديث أخرى، سواء دخل بعضها في مفهوم كل واحدة من الخمس مثل: "أعطيت مفاتيح الأرض، وجعلت أمتي خير الأمم"؛ فإنهما يدخلان في مفهوم الثانية في هذا الحديث، وهي: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" وهكذا، أو دخل في مفهوم العموم بصفة عامة، لأن ذكر
стр. 42
الخمس لا يتعارض مع ما ذكر في أحاديث أخرى، لأن الأحاديث تكمل بعضها بعضًا، ولكل موقف ما يتلائم معه، والبلاغة تقتضي عدم جمعها في حديث واحد، حتى لا يقع النسيان بين العدد الكثير. ثالثًا: أن هذه الخمسة غير مقصودة ومحددة بذاتها، فهي لا تنفي ما ورد في أحاديث أخرى، ولا تتعارض معها، فقد وردت عشرة، وقيل غير ذلك إلى ستين، لأن الرسول ﷺ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ فكلما أوحى إليه بشيء ذكره في حديث وهكذا، وفي حديث أبي هريرة زاد خصلتين: "وأعطيت جوامع الكلم وختم بي النبيون"، وفي حديث آخر "جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وأعطيت هذه الآيات من سورة البقرة عن كنز تحت العرش"، وعند أحمد "أعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعلت أمتي خير الأمم"، وعند البزاز: "غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأعطيت الكوثر، وإن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فما دونه، وكان شيطاني كافرًا فأعانني الله تعالى عليه فأسلم" وغيرها.
بلاغة التصوير الأدبي في قوله: "وجعلت لي الأرض مسجدًا طهورًا" تعود إلى صور بلاغية متنوعة، منها: إيثار بناء الأفعال للمجهول لا للمعلوم في كل الأفعال، مثل "جُعلَت"، أُعطِيتُ، لم يُعطَهن -نصرت - حلت- ولم تُحل، ويُبعَث وبُعثت ... إلخ" فلم يأت لفظ الجلالة "الله" صريحًا، بل كان مضمرًا، وقام مقامه نائب الفاعل، فقال: "وجعلت لي الأرض" ولم يقل: "وجعل الله لي الأرض"؛ لأن المقام هنا مقام الفخر والعُجب بهذه الخصوصيات، التي اختص بها دون غيره، وحياء الرسول ﷺ وأدبه وخلقه يمنعه، من أن يقع منه الفخر؛ مع ذكر لفظ الجلالة صريحًا وفي كل مرة، لذلك أكد نفي الفخر عنه صراحة في حديث آخر: "لا أقولهن فخرًا" لابن عباس ﵄، ومنها: أسلوب القصر
стр. 43
والتأكيد في تقديم الجار والمجرور في قوله: "وجعلت لي الأرض" والأصل: وجعلت الأرض لي، لإفادة قصر ذلك على النبي وحده، فقد جعلت له الأرص خاصة من بين البشر، وأسلوب القصر يؤكد هذه الخصوصيات، ومنها: إفادة التخصيص بعد التعميم في قوله: "مسجدًا وطهورًا، فالتعبير "بالمسجد" نكرة يفيد شمول الأرض كلها بلا قيد ولا شرط، وهذا هو العموم، والتعبير "بالطهور" يفيد التقييد والتخصيص، فليس كل تراب الأرص صالحًا للتيمم، بل التراب الطاهر، وليس كل موقع في الأرض صالحًا للصلاة، بل الأرض الطاهرة التي يغلب على الظن بأنها طاهرة، إذن فالتخصيص هنا يقتضي تحقيق شروط وأركان الطهارة وصحة الصلاة.
التصوير الأدبي في بلاغة الأسلوب النبوي الشريف في قوله: "فأيُّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل" يعود إلى صور فنية بليغة منها: أسلوب الشرط والجزاء البليغ، الذي يقوم على التناسق الموسيقي المتوازن بين جملة الشرط، وهي: "أدركته الصلاة"، وبين جملة الجواب والجزاء في "فليصل"، وهذا النسق الموسيقي يشد الانتباه، ويثير المشاعر والوجدان؛ بالإضافة إلى ما يفيد من ترتب الجزاء على فعل الشرط، فيستحق المصلي الطائع سقوط الفريضة ومضاعفة الأجر عليها، وعبر بالرجل دون المرأة، لأنه مسئول عنها وقيّم عليها، يعلمها ما تعلم؛ فالزوج راع وهو مسئول عن رعيته، وكذلك بلاغة التعبير بإضافة الأمة إليه ﷺ تشريفًا وتعظيمًا لها "أمتي" فهي خير أمة أخرجت للناس، والإضافة أيضًا تقتضي طاعة الله ورسوله فيما أمر ونهى، حتى ينالوا هذا الشرف العظيم، وبلاغة الأسلوب في قوله: "أدركته الصلاة" في نسبة الإدراك إلى الصلاة، ولم يقل: "أدرك المسلم الصلاة" لإفادة أن الصلاة وسائر التشريعات هي تلاحق المسلم الغفلان عن سعادته بين حين وآخر، وتسارع
стр. 44
بتوجيهه إلى إدراك الصلاة قبل فوات الأوان وحينئذ لا ينفع الندم، وهو ما يدل على عظمة التشريع الإسلامي وسماحته. وغاياته السامية من السعادة في الدنيا والآخرة، ذلك هو الفوز الكبير.
التصوير الأدبي الجميل في بلاغة الأسلوب، الذي يدل على عموم الفاعل في صيغة الفعل المبني للمجهول في قوله: "نصرت بالرعب، وجعلت لي الأرض وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وبعثت إلى الناس عامة" ليشمل الفاعل الحقيقي الخالق. وهو الله ، وهو المنعم بهذه الميزات على نبيه محمد ﷺ ؛ فهو وحده المختص بها، وكذلك يشمل سبب الاستحقاق لها، وهو النبي ﷺ بما قدم من عمل وفضل لا يقوى عليه أحد غيره، وما بذله من جهد وتحمل لا ينهض به أحد سواه، مع رحمته بأمته وحبه لهم، فلم يدع على أعدائه كالأنبياء السابقين بالتدمير العام، لأن لكل نبي دعوة على قومه الضالين، وغيرها من الفضائل التي تجعله سببًا لما اختص به من هذه المميزات والنعم، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ وقال أيضًا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وقال أيضًا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
التصوير الفني في بلاغة التعبير وروعته في قوله: "نصرت بالرعب" فلم يقل: نصرت بالسيف والسلاح ولا بالقتل والعنف والتنكيل، كما يدعي ذلك أعداء الإسلام بأن الإسلام انتشر بحد السيف والقتال، وإنما سبب الأسباب في نشره والانتصار على أعدائه يرجع إلى ضعف نفوسهم؛ وفساد عقيدتهم وسوء سلوكهم وأخلاقهم، فتمتلئ قلوبهم بالرعب والخوف من المؤمنين، أهل الحق والعدل والخير، وغيرها من الصفات، التي
стр. 45
تجعلهم أقوياء أعزة، لا يخشون أحدًا إلا الله، فيصاب العدو بالضعف والجبن والرعب، لا عند ملاقاة المسلمين في ساحة القتال فحسب، بل قبل ذلك بزمن بعيد، ومسافات طويلة يقطعها المسلمون سيرًا في شهر، لكي يتمكن الأعداء من مراجعة أنفسهم، ويعودوا إلى رشدهم، فيعلنوا إسلامهم، ويتمسكوا بتعاليم الإسلام، ويرجعوا عن الظلم والعدوان، حتى لا يتعرضوا للجهاد لرفع الظلم والعدوان والفساد، فما أعظم سماحة الإسلام في الأمن والسلام؟
التصوير الأدبي الرائع في بلاغة التعبير عن السماحة واليسر في قوله: "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، فهو يدل على كمال الشريعة الإسلامية، التي تلاءمت مع نضج العقل البشري واكتماله، وفي قوله: "بعثت إلى الناس عامة" كذلك ترى الروعة والجمال في الصورة الفنية الأولى؛ لأنها كناية عن السماحة واليسر في تعاليم الإسلام، فلم تقتصر الطهارة للعبادة على الماء فحسب؛ بل تصح بالتيمم بضرب الأرض بكفين، يمس بها وجهه وذراعيه، فيرتفع عنه الحدث الأصغر والأكبر، ويصير طاهرًا عند الله وعند الناس، وكذلك الصلاة لا تقتصر على المساجد المبنية فحسب، كالشأن في غيرها فلا تصح الصلاة إلا فيها، بل سماحة الإسلام ويسره تجعل الصلاة مقبولة في جميع بقاع الأرض، كما في قوله: "فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل".
وكذلك تجد الروعة في الصورة الفنية في قوله: "وبعثت إلى الناس كافة" فهي كناية عن صلاحية الشريعة الإسلامية لجميع الناس، ولكل الأجيال والأزمان إلى قيام الساعة، لأن الإسلام اتفق مع طبيعة العقل البشري بعد نضوجه واكتماله، فقد بلغت النفس البشرية مبلغ الكمال في الوعي والعاطفة والوجدان، وتطابقت تعاليمُها مع مقتضيات حياته،
стр. 46
واتسعت لعقله ووجدانه، فلا تحتاج إلى تغيير من وقت لآخر، كالشأن في القوانين الوضعية، ولا تختص بجنس بشري دون آخر. كالشأن في رسالات المرسلين السابقين لأقوالهم، بل هي صالحة لكل الأجناس، وفي كل العصور إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- رد فرية انتشار الإسلام بالسيف والقتل؛ بأن الله ألقى الرعب والخوف في نفوس أعدائه، وبما توج به نبيه محمدًا ﷺ بالهيبة والنصر.
٢- عموم رسالة الإسلام للإنس والجن في مختلف البيئات والأزمان.
٣- ثبوت الشفاعة العظمى لسيدنا محمد ﷺ .
٤- فضل سيدنا محمد ﷺ على جميع الأنبياء والرسل وفضل أمته على غيرهم من الأمم.
٥- صحة التيمم بتراب الأرض، التي تصح الصلاة عليها كالمساجد سواء بسواء، مما يدل على سماحة الإسلام ويسر تعاليمه.
٦- التمتع بالغنائم وصحة تملكها، فقد أحلها الله سبحانه للأمة الإسلامية بعد أن كانت محرمة عند الأمم السابقة.
٧- جواز التحدث بنعم الله على عباده اعترافًا بفضله لا رياء وفخرًا أو تطاولًا: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ .
٨- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 47
المؤمن لا ينجس:
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب قال: فانخسنتُ منه فذهبت فاغتسلت، ثم جئت فقال: "أين كنت يا أبا هريرة"؟ قال: كنت جنبًا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: "سبحان الله إن المؤمن لا ينجس".
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن توقير الصحابة ﵃ لرسول الله ﷺ مهابة له وحياء منه، كما ورد في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب قال: فانخسنت منه فذهبت فاغتسلت ثم جئت" فقد دل هذا التصوير الأدبي البليغ على قيم أخلاقية وتشريعية سامية، منها حرص النبي ﷺ على أمته واهتمامه بهم، حتى وهو في الطريق، مما أثار انتباه أبي هريرة؛ فاختفى عنه حياء منه أن يلقاه وهو جنب، ومنها تلك الصورة الفنية التي تدل على المسارعة إلى الطهارة من الجنابة؛ من خلال الفاءات الثلاثة التي وضعت للترتيب والتعقيب السريع في قوله: "فانخسنت منه فذهبت فاغتسلت"، ثم القيم الخلقية والصحية في التريث بعد الاغتسال، حتى لا يتعرض المتطهر للأذى، من خلال التصوير الفني بـ "ثم جئت"، التي وضعت للتأني والتراخي، ثم تصوير شيمة الحياء عند الصحابة لحرصهم على تلقي الأحكام، وهم في أجمل وأكمل حال مهابة له وتوقيرًا، وحرصهم أيضًا على معرفة أحكام الشريعة فيما يقع لهم من أحوال، مما جعل أبا هريرة يعود بسرعة ليتلقى الحكم الشرعي، بعد ما آثار اختفاؤه انتباه النبي ﷺ .
التصوير الفني في بلاغة التعبير عن السؤال لمعرفة دوافع اختفاء أبي هريرة في قوله: "أين كنت يا أبا هريرة"؟ فقال: "كنت جنبًا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة" فكانت الصورة الأدبية الأولى تعبر عن إنكار النبي ﷺ لاختفاء أبي هريرة، وليس السؤال عن صنيعه في قوله: "أين كنت"؟ وفيها أيضًا دلالة على أدب الرسول؛ لأنه لم يسأله عن سبب الاختفاء وإنما سأله عن مكانه، وتدل الصورة الفنية الثانية عن توقير النبي
стр. 48
لأصحابه؛ ومحبته لهم، حينما ناداه بكنيته "يا أبا هريرة"، وتدل الصورة الفنية الثالثة في "كرهت أن أجالسك"، على الاهتمام والحضور القلبي والعقلي، وعلى المشاركة الإيجابية في ذلك، لدلالة صيغة المشاركة والمفاعلة على التجاوب بين الحاضرين بكل طاقاتهم الفكرية والعاطفية والنفسية والعملية، وهذا يدل على صدق إيمانهم، وإيثار نبيهم بالمحبة لقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ، ولقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وفي الحديث الشريف: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده".
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن التعجب من اختفاء أبي هريرة وجهله بالحكم الشرعي في قوله: "سبحان الله إن المؤمن لا ينجس"، وذلك في الصورة الأدبية الأولى: "سبحان الله"؛ فهي تدل على التعجب من حال أبي هريرة كيف يخفى عليه هذا الأمر، فطهارة المؤمن ينبغي أن تكون معروفة بالبداهة؛ فلا تخفى على أحد، فطهارة المؤمن ينبغي أن تكون معروفة بالبداهة؛ فلا تخفى على أحد، وكذلك تدل الصورة الفنية الثانية في "سبحان الله" على التنزيه والاستعظام لله ، والتقديس له سبحانه وتعالى عما يصفون، ثم الصورة الفنية الثالثة "إن المؤمن لا ينجس" التي تدل على أن طهارة المؤمن حيًا أو ميتًا أمر معروف ومقرر لا يجهله أحد، ولا يقبل الجدل أو الإنكار، لذلك جاء بمؤكدات، فعبر "بإنما" للتوكيد، وباسمية الجملة التي تدل على الثبات والدوام، الذي لا يقبل التغيير ولا التحويل، ثم بتسليط النفي على الخبر الذي تتم به الفائدة، ليكون كالدليل على الحكم المدعوم بالدليل القاطع فقال: "لا ينجس" لإفادة عموم الحكم بعدم النجاسة، لأن المؤمن في ذاته لا ينجس حيًا ولا ميتًا، أما إذا أصابته نجاسة من خارج جسده فعليه أن يتطهر منها
стр. 49
بالماء، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ فالمراد نجاسة العقيدة بالكفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- توقير الصحابة ﵃ للرسول ﷺ ؛ فلا يلتقون معه إلا وهم على أكمل وجه، وأجمل صورة في عفة وطهارة وتوقير.
٢- يستحب الإسراع برفع الجنابة بالغسل ولا مانع من جواز تأخير الغسل وقضاء بعض الحاجات قبل رفعها بلا حرج في ذلك.
٣- حياء النبي ﷺ وحسن أدبه، وجمال قوله، وبلاغة حديثه في تأليف قلوب المؤمنين، وإشاعة المودة بينهم، وللاهتمام بهم.
٤- جواز تنبيه الإنسان لأموره بطريق غير مباشر دفعًا للحرج وتجملًا وأدبًا.
٥- مفتاح العلم المسألة فيستحب السؤال عن أمر، ليعرف حكمه الشرعي والحقيقي، واستحباب مجالسة العلماء على طهر ونظافة وعفة ورشاقة.
٦- ذكر الله تعالى وتسبيحه عند الدهشة، والتعجب تنزيهًا لله تعالى وتعظيمًا.
٧- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 50
الجمعة عيد المسلمين:
أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أشهد على رسول الله ﷺ أنه قال: "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيبًا إن وجد".
التصوير الأدبي لبلاغة الأسلوب النبوي الشريف في الاحتفاء بعيد المسلمين الأسبوعي يوم الجمعة المبارك؛ يعود إلى تنوع الصور البلاغية الجميلة، منها دلالة أداة التعريف، وهي "ال" في "الغسل" على الشمول والاستغراق؛ فيشمل تعميم الجسد كله بالماء الطاهر؛ وإزالة ما عليه من أوساخ حسية كالتراب والعرق والبول والغائط وغيرها من النجاسات، وما في الجسد من حدث معنوي كالجنابة أو الحيض أو النفاس وغيرها، وغسل ما على الجسد، من ملابس تشربت العرق والتراب والأوساخ، ليكون الثوب طاهرًا نظيفًا كالجسد تمامًا، لأنه ليس بمعقول أن يطهر الجسد ثم يعود إلى ثيابه المتسخة فيضطر أن يغتسل مرة أخرى، وهذا المعنى يتناقض مع الغرض من الحديث الشريف في الطهارة والنظافة؛ في الاحتفاء بعيد المسلمين الأسبوعي ومنها التنصيص على يوم الجمعة بالذات؛ لأن اليوم يتكرر مع بقية أيام الأسبوع؛ فيهمل المكرر ليتميز غيره؛ للدلالة على أن الغسل لا بد أن يكون لصلاة الجمعة، تبدأ من الفجر؛ فلا قيمة خلقية وتشريعية لها بعد صلاة الجمعة؛ ولا قبل الفجر؛ للمفارقة بلوازم الصلاة من السواك والطيب، ومنها قوله: "واجب" أي كالواجب تمامًا في الكيفية وكرم الأخلاق، ورعاية للذوق السامي والنظافة، وكمال الزينة وحفاظًا على الصحة ومقاومة المرض، وليس واجبًا في الحكم، بل سنة مؤكدة عند جمهور العلماء؛ لقوله ﷺ فيما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"، ومنها قوله: "على كل محتلم"، فيشمل البالغ العاقل رجلًا كان أو امرأة، ليخرج الصبي، فلا يتأكد في حقه لما رواه ابن حبان: "من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل".
بلاغة الأسلوب النبوي الشريف في التصوير الأدبي الرائع للاحتفاء
стр. 51
بالعيد الأسبوعي بكمال الزينة، وتمام مظاهر الجمال والحسن ابتهاجًا بالعيد، وذلك في صورة فنية بليغة، منها إيثار الفعل المضارع في قوله: "يستن" و"يمس" للدلالة على تكرار الاستنان بالسواك كثيرًا في اليوم وتجديده، واستمراره، وتكرار مس الطيب والمسك كثيرًا في اليوم، وتجديده واستمراره، وخاصة في يوم الجمعة عيد المسلمين، لدلالة صيغة المضارع في الوضع اللغوي على التجدد والحدوث والاستمرار، ومنها دلالة معنى الفعل "يستن" على تدليك الأسنان بالسواك أو غيره؛ لأن الأسنان مشتقة من سنّ واستنَ والاستنان وغيرها؛ فلا يلزم السواك في جميع الأحوال، ويصح غير السواك من الفرشاة مقترنًا بالمعجون، على العكس من السواك دون اعتماد على شيء، وما أشبه ذلك؛ لأن الفعل يدل على موضع الاستنان وليس السواك، وأما حديث السواك: "لولا أن أشق عليكم لأمرتكم بالسواك عند كل صلاة"؛ لأنه لم يوجد آنذاك إلا هو، والأمر مختلف بعد ذلك؛ فقد تنوعت أشكاله حسب التقدم الحضاري، الذي لا يتعارض مع حضارة الإسلام المتجددة، وإن كان السواك أفضل لاحتوائه على مواد تقتل البكتريا، ومنها الصورة البلاغية في التعبير عن التطيب بالرائحة الزكية في معنى الفعل "يمس" من الطيب أو المسك وما شابه ذلك من كل طيب كزيوت الورود والياسمين والفل وغيرها، والاقتصار على المس دون الدهان ولا السيلان؛ ولا الإغراق والشمول ولا الإسراف فيه، فإن ذلك يضر بالجلد، وربما تنشأ عنه أنواع من الحساسية، وغيرها من الأمراض الجلدية كما نبه إلى الطيب الحديث الشريف، لذلك يكفي مجردُ المس الرقيق واللطيف الخفيف، وتلك هي بلاغة النبي ﷺ وجوامعُ كلمه التي تصور الإلهامات الربانية، يتميز بها من بين البشر جميعًا. "إن وُجد" أي الطيب دفعًا للحرج، لأنه لا يتيسر لكل الناس، بينما السواك ميسور ومتاح للجميع، حتى بالإصبع الخشنة، إن لم يجد.
стр. 52
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- صلاة الجمعة غير واجبة على الصبي غير البالغ.
٢- غسل صلاة الجمعة بصفة عامة سنة مؤكدة، وواجب على الجنب وكل محتلم.
٣- يستحب في العيد الأسبوعي للمسلمين لبس الجديد أو النظيف الطاهر، واستعمال الطيب والسواك.
٤- يكفي من الطيب المس لا الإسراف والسيلان، حتى لا يضر الجلد.
٥- المتابعة في الاستنان بالسواك أو غيره، ومس الطيب إن تيسر ذلك.
٦- الاحتفاء بيوم الجمعة لتجديد الطاقة في الجسم والنفس؛ لأنه عيد للمسلمين.
٧- كذلك الأمر فيما لو حضرت النساء صلاة الجمعة فعليهن من الغسل الواجب والمسنون.
٨- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 53
من بنى مسجدًا:
أخرج البخاري عن عثمان بن عفان ﵁ عند قول الناس فيه حين بنى مسجد رسول الله ﷺ قال: إنكم أكثرتم، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنة".
التصوير الفني في بلاغة الأسلوب النبوي الشريف في قوله: "من بنى مسجدًا" حين تقول الناسُ على الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁، معترضين على تجديد المسجد النبويِّ وتوسيعه؛ فرد عليهم إنكارهم
стр. 54
واعتراضهم بالنص الصريح مدعومًا بالدليل الواضح حين قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بني مسجدًا ... " إلخ الحديث، وهذا يتفق مع قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ، إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ أجمع العلماء على أن عمارة المساجد تكون بالبناء والتجديد والتوسعة والزيادة والتجميل والتعليم والذكر، بدليل الواو قبل الصلاة في الآية؛ فإنها تقتضي المغايرة أي أن العمارة غير الصلاة، التي هي سبب تعمير بيوت الله تعالى.
وبلاغة التعبير بـ "مَنْ" تشمل كلَّ قادرٍ على المشاركة في البناء رجلًا أو امرأة صغيرًا أو كبيرًا، بنفسه وجهده أو بماله وأدواته، أو بقوله وحث الآخرين، كما يقتضي بناء المسجد كله أو بعضه، مهما قل حجمه، كما جاء في رواية ابن خزيمة عن جابر: "ولو كمفحص قطاة" بأن كانت الزيادة بمقدار مفحصها التي تضع بيضها فيه، وهذا ما يفيده التنكير في قوله: "مسجدًا" على أي هيئة من الهيئات السابقة.
التصوير الأدبي في بلاغة الأسلوب في قوله: "يبتغي به وجه الله"، فصيغة الفعل "يبتغي" لها دلالتان، الأولى دلالة الوضع اللغوي، ومعناها الحب النابع من القلب لا من اللسان ولا من الجوارح، والثانية: دلالة المضارعة في الفعل على استمرار الحب وتجدده مع الأيام والعمر، وهذا ما يدل عليه المضارع، وفي تعلق الفعل -بمعنى الحب القلبي- إلى متعلقاته. "يبتغي به وجه الله" قمة البلاغة النبوية، في الدلالة على الإخلاص والصدق، لأنه الحبُّ القلبي الخالص لا لحاجة مادية ولا لغرض دنيوي أو
стр. 55
انفعال وقتي، بل يعتمد على قيم سامية فهو شكرٌ لله تعالى على نعمائه، وطاعة وعبادة وتقديس لذاته مصداقًا لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ .
التصوير الفني في بلاغة الحديث الشريف في قوله: "بنى الله له مثله في الجنة"، فقد اعتمد التعبير على النسق الإيقاعي الجميل، والتوازن الموسيقي الجذاب، مما يهز العاطفة، ويثير الوجدان، لأنه يصدر عن أنغام تصدر عن طرح المقدمات في قوله: "من بنى مسجدًا"، وهو أسلوب الشرط، الذي يؤدي إلى استلزام الحكم، وحتمية النتيجة، والقرار، في أسلوب الجواب والجزاء، في قوله: "بنى الله له مثله في الجنة"، وهذه صورة فنية تجمع بين العاطفة والفكرة، وتتلاحم فيها الخواطر بالوجدان، ليكون الحكم فيها ملزمًا وقاطعًا، وهو تبشير من يعمر مساجد الله تعالى بالجنة أولًا، ومضاعفة الأجر فيها ثانيًا، وبلاغة التعبير بالمثل في الآخرة، لا يقتصر على نظير ما بُني في الدنيا فقط، فإن دلالة المثل الوضعية في اللغة، تجاوز ذلك بكثير، لأن المثل في الحديث الشريف له معانٍ منها: المعنى اللغوي وهو النظير، وقد يتكرر، ولا يقتصر على مرة واحدة، ومنها: المعنى البلاغي، وهو إضافة "مثل" النكرة إلى ضمير الهاء، بمعنى العموم والشمول، ليدل على تعدد المثل، فلا يقتصر على مدة واحدة، ومنها: المعنى البلاغي، وهو إضافة "مثل" النكرة إلى ضمير الهاء، بمعنى العموم والشمول، ليدل على تعدد المثل، فلا يقتصر على مدة واحدة، ومنها: المعنى الاصطلاحي في الشريعة الإسلامية، وهو مضاعفة الطاعة والعمل الصالح إلى أكثر من عشرة أمثال كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- فضل بناء المساجد وتعميرها وتوسعتها والتجديد فيها.
стр. 56
٢- المساجد بيوت الله في الأرض فهي أولى بالبناء والتعمير والتجديد.
٣- حث المسلمين على تعمير المساجد وبنائها؛ فله مثلها في الجنة، ويضاعف الله تعالى لمن يشاء أضعافًا مضاعفة.
٤- أن يكون التعمير والبناء ابتغاء مرضاة الله لا رياء وتظاهرًا.
٥- السير على سنن الصحابة رضوان الله عليهم والسلف الصالح والتابعين، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .
٦- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 57
الصلاة أحب الأعمال إلى الله تعالى:
أخرج البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها"، قال: ثم أي قال: "بر الوالدين" قال: ثم أي، قال: "الجهاد في سبيل الله"، قال: حدثني بهن رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني".
التصوير الأدبي في بلاغة الأسلوب النبوي الشريف في أحب الأعمال إلى الله في قوله: "الصلاة على وقتها"؛ فجاء التعبير عن الصلاة بالألف واللام لإفادة أن هذه الصلاة هي المعهودة في الشريعة الإسلامية، بأركانها وشروطها وكيفيتها وهيئتها، وليست كأي صلاة، ولا بمعناها اللغوي فقط وهو الدعاء، وإنما هي بمفهومها في الاصطلاح الشرعي، وكذلك يفيد التعريف "بأل" أيضًا معنى الاستغراق في عدد فرائضها الخمس في أوقاتها المشروعة؛ في الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وسننها المتنوعة حسب كل فريضة.
стр. 58
ثم بلاغة التصوير الفني في قوله: "على وقتها" للدلالة على معان سامية وقيم أخلاقية منها: ما تفيده من العلو والرفعة بعد الدخول في الصلاة، يرتقي فيها المصلي إلى الحضرة الربانية، ليخاطب الله مباشرة، وأسمى ما يتمناه أن يكون كذلك، ومنها: طاعة الله بأدائه الفرائض وهو أحب الأعمال إلى الله سبحانه، كما في الحديث القدسي الشريف: "ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ... " إلخ، ومنها خلق الالتزام والنظام والنظافة والطهارة والوحدة والمتابعة والتقدير، وغيرها من القيم الإسلامية، ومنها أنه قدم الصلاة على ما بعدها، لأنها عماد الدين، فعبادة الله تعالى ومحبته مقدمة على طاعة الوالدين كما في قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ .
التصوير الأدبي: في بلاغة التعبير عن أحب الأعمال في الإجابة على السؤال الثاني بقوله: "بر الوالدين"؛ فالقيمُ الأخلاقية هنا متنوعة، تشمل الطاعة في غير معصية، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ ، وهذا يقتضي الإيمان الكامل، معتمدًا على مقوماته التشريعية، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ، وكذلك يقتضي البر بذل المال عن محبة وإخلاص لا رياء لا لغرض دنيوي، بل لذوي القربى وأولاهم الوالدين وللمستحقين، وبذل النفس لتقويمها على الطاعة والعبادة والصبر كما في بقية آية البر السابقة في قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ .
стр. 59
التصوير الأدبي في التعبير عن إجابة السؤال الثالث عن أحب الأعمال إلى الله تعالى في قوله: "الجهاد في سبيل الله"، وبلاغة التعبير بالجهاد تدل على قيم أخلاقية سامية، وهي جهاد النفس في مقاومة هواها وشيطانها، وعلى الكسب الحلال لتقوى على طاعة الله، وتترفع عن الحرام وذل السؤال، وتصون العرض، وهذا الجهاد أفضل من بذل النفس في ساحة القتال، لأنه هو الجهاد الأكبر كما ورد في الأثر الصحيح، وقصة الرجل الذي رده النبي ﷺ عن صفوف المقاتلين في إحدى غزواته قائلًا له: "هل لك من والدين كبيرين"؟ قال نعم قال: "إذن ففيهما فجاهد".
وكذلك بلاغة التصوير الفني في قوله: "في سبيل الله"، فهي تشمل قيمًا أخلاقية كثيرة، لا تقصر الجهاد على ساحة القتال فحسب، بل تشمل كل عمل خالص لوجه الله تعالى؛ فبذل الجهد والسعي في تحصيل المال المشروع وإنفاقه في وجوهه المشروعة، وعلى صاحبه ومن يعولهم وعلى المحتاجين، وفي مصارف الخير كالتعليم والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمشروعات التي تعود على المسلمين والإسلام بالقوة والعزة والتقدم والرقي، كل ذلك في سبيل الله.
وبلاغة الترتيب من هذه الأعمال الثلاثة جعلت أعمال الجهاد في سبيل الله السابقة في المرتبة الثالثة بعد الإيمان بالله وعبادته، وبعد بر الوالدين، لأن المرتبة الثالثة باطلة لا تنفع صاحبها بدونهما معًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ .
القيم الخلقية والتشريعية في هذا الحديث الشريف:
١- حرص الصحابة ﵃ على التزود بالعلم وبالسؤال، وهو مفتاحه، وعلينا أن نقتدي بهم في ذلك مع الاقتصاد في الأسئلة خوفًا من الملل.
стр. 60
٢- تأدب الصحابة ﵃ في مخاطبة النبي ﷺ مما يدل على محبتهم له مما يجعلنا نقتدي بهم في ذلك.
٣- الحث على أداء الصلاة في أفضل أوقاتها لأنها عماد الدين.
٤- تعظيم الإحسان إلى الوالدين والبر بهما وطاعتهما في غير معصية الله تعالى.
٥- تعظيم الجهاد بأنواعه المختلفة والترغيب فيه؛ لأنه من أحب الأعمال إليه.
٦- تفاوت الأجر عند الله تعالى للأعمال الصالحة حسب منزلتها عند الله .
٧- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 61
وجبت شفاعتي:
أخرج البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة".
بلاغة الأسلوب النبوي الشريف في قوله ﷺ : "من قال حين يسمع النداء" فقد جاء التعبير بـ "مَن"، ليدل على العاقل البالغ المكلف ذكرًا كان أو أنثى، وعبر بالقول للدلالة على التلفظ بالنداء قولًا مسموعًا، فلا يصح أن يجري على القلب سرًا، بل لا بد من الجهر والعلانية، وما أبلغ التعبير بالفعل المضارع لإفادة التكرار والتجدد والاستمرار، وما دام المؤمن مكلفًا لم يسقط عنه التكليف، فلا بد أن يردده حين يسمع النداء في اليوم والليلة
стр. 62
عشر مرات، خمسًا لأذان الفريضة وخمسًا لإقامتها، وبلاغة التعبير "بالنداء" في الدلالة على وجوب التلبية لأمرين، للمناجاة بهذا الدعاء المأثور، وللاستجابة بأداء الجماعة في بيوت الله التي يصدر منها النداء، لأن صيغة النداء تقتضي الاستجابة للمنادى وتلبية ندائه؛ لذلك ذهب بعض الفقهاء إلى وجوب صلاة الجماعة للفريضة في المساجد، ولو من باب فرض الكفاية، إذا قام بها بعضهم سقط عن الباقين، وذهب آخرون إلى أنها سنة مؤكدة، ويؤكد الوجوب حديث مسلم عن ابن عمر ﵄ فقد ورد بصيغة فعل الأمر في قوله: "قولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي".
التصوير الأدبي في التعبير بالمناجاة لله تعالى والصلاة على النبي ﷺ في قوله: "اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته"، وذلك في صور بلاغية متنوعة منها الأسلوب الإنشائي الذي يدل على النداء، ومناجاة الله بلفظ الجلالة أي يا الله، وبلفظ الرب أي يا رب، فقد جمع الأسلوب الإنشائي بين الألوهية والربوبية، وهما أساس التوحيد وجوهر العقيدة الإسلامية، ومنها الأسلوب الخبري الذي يدل على التعظيم في اسم الإشارة "هذه"، وفي دلالة أداة التعريف على الاستغراق والكمال في "الدعوة التامة" و"الصلاة القائمة"، وتأكد هذا الاستغراق والكمال بوصف الدعوة بالتامة، ووصف الصلاة بالقائمة أي الباقية، قال الطيبي: الدعوة التامة من أول النداء إلى محمد رسول الله، والصلاة القائمة هي الحيعلة. ومنها الصورة البلاغية التي قامت على الأسلوب الإنشائي المثير، الذي تتفتح له منافذ الإدراك في النفس المتنوعة، فتتمكن قيمها الخلقية منها كل التمكن، لأنه قام على الإثارة والإقناع، وذلك في أسلوب الأمر
стр. 63
الذي يدل على الدعاء والمناجاة، لا على وجوب تنفيذ المطلوب، فالله وحده هو الآمر الناهي في قوله: "آت محمدًا الوسيلة وابعثه مقامًا محمودًا"، وما أبلغ التعبير بالوسيلة أي المنزلة العالية في الجنة التي لا تنبغي إلا له، والتعبير بالفضيلة أي المرتبة الزائدة على المخلوقين، ثم ما أروع التعبير بالتنكير في قوله: "مقامًا محمودًا" للدلالة على التعظيم بما يتلاءم مع منزلة الرسول العظيمة عند الله ، فمقامه يحمده الأولون والآخرون، وأكد هذا التعظيم فجاء الوصف بجملة اسمية، وهي "الذي وعدته" كما ورد في القرآن الكريم: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُودا﴾ ، وهو مقام الشفاعة العظمى.
التصوير الأدبي في بلاغة أسلوب الشرط والجزاء في قوله: "من قال ... حلت له شفاعتي يوم القيامة" في صور فنية بليغة منها: ذلك التناسق الموسيقي في الإيقاع المتوازن بين جملة الشرط وهو "من قال حين يسمع النداء" إلخ، وبين جملة الجواب والجزاء في قوله: "حلت له شفاعتي"، فيحرك به المشاعر، ويهز الوجدان العامر بالإيمان الصادق، وبلاغة التعبير بقوله: "حلت له" بمعنى وجبت له الشفاعة، لأن التعبير بـ "حلت" أبلغ من "وجبت" فلا تجب الشفاعة للعباد على الله تعالى ولا على رسوله ﷺ ، بل هي تفضل وزيادة لمن ﵃، فيشفع لهم بعد أن يأذن الله له: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وإضافة الشفاعة للنبي محمد ﷺ تدل على أنها خاصة به من بين عباد الله وأنبيائه؛ فلا تكون لغيره كما ورد في الأحاديث الصحيحة أن الخلق يطلبون الشفاعة من الرسل السابقين؛ فلا يملكون لأنفسهم شيئًا، ويدفعونهم إلى خاتم الأنبياء والمرسلين، وبلاغة التقييد بيوم القيامة للدلالة على أن الشفاعة خاصة بها ولا تكون لأحد في الدنيا.
стр. 64
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- تشريع ترديد صيغة الأذان وقت الصلاة فنقول مثل ما يقول المؤذن.
٢- مشروعية الصيغة التي تقال عقب الأذان كما وردت في هذا الحديث الشريف.
٣- المأثور لمن استحق الوسيلة والفضيلة وهي أعلى منزلة في الجنة ﷺ .
٤- من يحرص على ترديد الأذان والتعقيب عليه بهذا الدعاء المأثور استحق الشفاعة من الشفيع الحبيب ﷺ .
٥- الحرص على أداء الصلاة في جماعة على خلاف بين الوجوب العيني أو الكفائي والسنة المؤكدة.
٦- بالإضافة إلى ما ذكر في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 65
الركوع قبل الصف:
أخرج البخاري عن أبي بكرة ﵁ أنه انتهى إلى النبي وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال:
"زادك الله حرصًا، ولا تعد" وفي رواية قال: "أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف"؟ فقال أبو بكرة: "أنا".
بلاغة الأسلوب النبوي الشريف في قوله ﷺ : "أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف"؟ فقال أبو بكرة: "أنا" ترجع إلى صور بلاغية متنوعة، فالصورة الأولى تعبر عن قيم خلقية وتشريعية مستمدة من هذا المشهد للصلاة، فالصورة الأولى قامت على الاستفهام في قوله: "أيكم"؛ وليس هنا على حقيقته وهو طلب الإجابة عن السؤال، لأن مقتضى
стр. 66
البلاغة أن يكون الاستفهام للإنكار؛ فالنبي يشعر بما حدث أثناء الصلاة بصرف النظر عمن وقع فيه منه الحدث؛ لأن الحكم الشرعي يتعلق بالفعل، لا بذات الشخص، فهو قيمة خلقية وتشريعية عامة للمسلمين؛ فقد أنكر النبي ﷺ على أبي بكرة هذا الصنيع، بدليل أنه قال له بعد ذلك: "لا تعد" لمثل هذا، والصورة الثانية في قوله: "الذي ركع دون الصف" تدل على شعور النبي ﷺ بما حدث من الركوع قبل الصف وأحس به، وإن لم يره بعينيه، ولم يعرف شخصية الراكع؛ فهو يحتاج إلى الرؤية، وهذا الإحساس والشعور المبهم، يصوره اسم الموصول "الذي" المبهم لأنه لا يدل على تحديد شخص بعينيه، والصورة الثالثة في قوله ﷺ : "ثم مشى إلى الصف"؛ فهي تصور قيمًا تشريعية، يدل عليها حرف العطف "ثم"؛ فهو يدل على التراخي والنهي عن السرعة، مما يدل على أن الاطمئنان في الركوع ضروري وركن من أركان الصلاة، بحيث لا تصح إلا به، وتدل على قيمة ثانية، وهي أن الحركة القليلة كالمشي لا تبطل الصلاة؛ لأنها خطوة أو خطوتان، وتدل على قيمة تشريعية ثالثة، وهي أن الركعة تحسب إلى الركوع لا بعد ذلك، وكذلك صلاة الجماعة عند بعض الفقهاء وإن كان الجمهور يرى قبيل التسليم ولو لحظة.
التصوير الأدبي لبلاغة الأسلوب النبوي الشريف في قوله ﷺ : " زادك الله حرصًا ولا تعد" من خلال صور بلاغية نبوية اتصفت بما اختص به النبي ﷺ بجوامع الكلم من بين أنبياء الله ؛ فالتصوير الأدبي هنا؛ وإن كان موجزًا؛ لكنه يضم صورًا بلاغية، تحمل قيمًا أخلاقية وتشريعية كثيرة، وهي غنية بروافدها وعناصرها التصويرية، وذلك من الجملة الخبرية في قوله: "زادك الله حرصًا"؛ فهي تدل على الدعاء للصحابي الجليل، وهو الشأن في الجملة الإنشائية لا الخبرية؛ لكنها بلاغة الرسول
стр. 67
- ﷺ ، ومن الجمل الإنشائية، قوله: "ولا تعد"؛ فليس النهي هنا يدل على كراهية التحريم عند الجمهور، بل يدل على كراهة التنزيه، بدليل دعاء النبي للصحابي بزيادة حرصه، ولو كان للتحريم، لما دعا له الرسول ﷺ ، وسبب كراهة التنزيه، حتى لا يتشبه في مشيه راكعًا بالبهائم، وذلك لا يليق بحال المصلي، وفي هذا أيضًا دلالة على قيم تشريعية أخرى، وهي ألا صلاة لمنفرد خلف الصف. أي صلاة تامة لما رواه ابن خزيمة "لا صلاة لمنفرد خلف الصف" وهو رأي الجمهور، وإن ذهب أحمد وإسحاق وابن خزيمة إلى التحريم، وكذلك عدم المنافاة بين إقرار الرسول لفعل الصحابي، وبين تصويب الفعل، وأيضًا صحة النية حالة الخطأ مع صحة تصحيحه بعد ذلك، وعلى المأموم أن يتبع الإمام في الحالة التي هو عليها، وغيرها من القيم الخلقية والتشريعية، التي دلت عليها روافد التصوير الأدبي، وعناصره من الأساليب الخبرية والإنشائية السابقة، كما ظهر ذلك واضحًا من جوامع كلم النبي ﷺ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- عدم المعارضة بين إقرار الرسول ﷺ وبين تصحيح خطئه في الدخول إلى صلاة الجماعة بركوعه قبل الصف.
٢- صحة النية حال الخطأ ودوامها بعد تصحيح الخطأ بعد ذلك.
٣- على المأموم أن يتبع الإمام في الحالة التي هو عليها.
٤- الحرص على صلاة الجماعة بدليل دعاء النبي ﷺ لأبي بكرة ﵁.
٥- أن المداخلات الخارجية في الصلاة لا تبطلها، وخاصة ما يقع اضطرارًا؛ لكن على المصلي أن يسد منافذها حسب طاقته، كلما أمكن بالحضور مع أقوال الصلاة وأفعالها وأركانها وسننها وهيئتها.
٦- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 68
لا تخفروا الله في ذمته:
أخرج البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: "قال رسول الله ﷺ : "من صلي صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته".
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن المسلم الذي أدى الصلاة واستقبل القبلة، وأكل الذبيحة المشروعة؛ يعتمد على أسرار بلاغية، تضفي على الأسلوب النبوي الشريف الجمال والروعة، التي تهذب النفس البشرية بالقيم الأخلاقية والتشريعية السامية، تصور معالمها الصور الفنية المتنوعة هنا، فترى الصورة الفنية البليغة في قوله: "من صلى صلاتنا"؛ فعبر بـ "من" لتشمل الرجال والنساء في جميع الأحوال، ثم عبر عن الصلاة بالفعل "صلى" أي صلاها بالفعل، ولم يقل أداها أي أداة لا على سبيل التحقيق والإتقان، ولم يقل أقامها، فقد يقيم الإنسان الصلاة ولا يصليها كاملة، وأضيفت الصلاة إلى ضمير المشرع في "صلاتنا" لأن صلاة الإسلام تختلف عن صلاة الديانات الأخرى كالمسيحية واليهودية والمجوسية وغيرها؛ فقد دلت على الصلاة المشروعة التي شرعها الله ورسوله، وتحددت معالمها وهيئتها وأركانها وعددها والفريضة والمسنونة، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ وفي الحديث الشريف: "أول ما يحاسب عليه المرء الصلاة فإن صلحت صلح سائر عمله وإن فسدت فسد سائر عمله"، وكذلك الصورة البليغة في قوله: "واستقبل قبلتنا"، فقد نص عليها الحديث الشريف، مع أنها داخلة في الصلاة، ليدل التصريح بالقبلة الواحدة على قيم أخلاقية أخرى، وهي الوحدة والترابط؛ لأن القبلة واحدة
стр. 69
والبيت الحرام واحد، والعقيدة واحدة، والعاطفة الإسلامية واحدة، ولأن الأمة كالجسد الواحد، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ .
وكذلك الصورة الفنية في قوله: "وأكل ذبيحتنا" بالإضافة إلى ضمير الجلالة ورسوله الكريم، للدلالة على أن اللحم لا بد أن يكون مشروعًا، وليس كأي لحم من حيث حله وجنسه ونوعه وشروطه وذكر اسم الله عليه، وليدل على الترابط والوحدة بين بني الإنسان، قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ .
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير بقوله: "فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله"، فاسم الإشارة هنا "وذلك المسلم" يدل على تعظيم من أدى هذه المناسك على النحو المشروع، فهو يستحق الثواب العظيم والرعاية من الله تعالى ورسوله الكريم في الدنيا والآخرة، ويستحق شرف المعاهدة مع الله ورسوله في وعدهما بالأمن والأمانة والحفظ والرعاية والأجر العظيم، والله لا يخلف الميعاد: ﴿إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ، وفي الحديث القدسي الشريف "من أدى الصلاة لوقتها وحافظ عليها، ولم يضيعها فله عليَّ عهد أن أدخله الجنة، ومن لم يؤدها لوقتها ولم يحافظ عليها؛ فليس له علي عهد إن شئت عذبته، وإن شئت غفرت له" وأكد هنا العهد بتكرار الذمة مع الله ورسوله؛ لأنه كان يكفي الاقتصار على ذكرها مرة واحدة لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ .
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير في قوله: "فلا تخفروا الله في ذمته"؛
стр. 70
فعبر الحديث الشريف "بفاء" السببية؛ للدلالة على حث المسلمين على الالتزام بالقيم الأخلاقية والتشريعية في هذا الحديث الشريف، فلا يصح بحال أن يكون المسلم سببًا في نقض العهد والأمان، الذي قطعه مع الله ورسوله الكريم ﷺ ؛ لأن الفاء هنا وضعت للسببية في اللغة العربية، ثم أكد ذلك بصورة فنية أخرى حين عبر "بلا" الناهية، ليجمع بين الأمر كما ورد في هذا الحديث الشريف، والنهي عن الخيانة ونقض العهد في قوله: "فلا تخفروا" أي لا تخونوا أنفسكم بنقض العهد وخيانة الذمة لتدمير القيم السامية وكفران النعم الجليلة التي أنعم الله بها عليكم، كما لا تخونوا الله في ذمته وعهده، وأضاف الذمة إلى الله وحده هنا، للدلالة على الوعيد والعقاب الشديد من الله وحده، فهو الذي يختص بالعذاب والعقاب قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- تعظيم شأن الصلاة؛ فهي عماد الدين، تنهى عن الفحشاء والمنكر.
٢- تعظيم شأن القبلة وتعظيم حرمتها؛ لأنها رمز وحدة الأمة الإسلامية، ولا تصح الصلاة إلا باستقبالها.
٣- ذكر الله تعالى في الذبيحة، ترفع عنها الحرمة؛ فيحل للمسلم أكلها؛ فلا يحل دمه لأحد.
٤- من استقام على هذه الأعمال الثلاثة وعمل بها مخلصًا لله، فله عهد من الله تعالى وأمان ومن رسوله ﷺ ومن المؤمنين.
٥- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 71
السكينة والوقار عند الصلاة:
أخرج البخاري عن أبي قتادة ﵁ قال: "بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ سمع جلبة الرجال، فلما صلى قال: "ما شأنكم" -بالهمزة أي حالكم- حيث وقع منكم الجلبة؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: "فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا".
التصوير الأدبي في بلاغة الحديث الشريف: حين انتهى من الصلاة، بعد أن سمع النبي ﷺ جلبة في المسجد، توجه إليهم يسألهم مستنكرًا "ما شأنكم"؛ فأجابوه: أن سبب الهرج والمرج هو استعجال الصلاة خوفًا من فوات الجماعة وحرصًا على ثوابها، فقال النبي ﷺ : "فلا تفعلوا إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة"، وذلك في تصوير فني بليغ، جمع بين عناصر الجمال من إثارة الوجدان، وحرارة العاطفة، والإقناع العقلي بالنهي القاطع عن الجلبة والعجلة، لا على الحرص في صلاة الجماعة، في صورة فنية تعتمد على الأسلوب الإنشائي، ليصدر حكمًا قطعًا لا شك فيه، في تصوير بليغ للقيم التشريعية السامية، النابعة من "الفاء" التي تدل على الترتيب والتعقيب، ومن النهي القاطع "بلا" الناهية، الداخلة على الفعل المضارع "فلا تفعلوا" في تصوير أدبي يدل على الزجر والردع المستمر في جميع الأحوال، وكذلك تحريك العاطفة والوجدان والعقل بتصوير فني يعتمد على أسلوب الشرط والجزاء، في نسق إيقاعي متوازن، ليترتب الحكم والقرار في جملة الجواب: "فعليكم بالسكينة" على المقدمات في جملة الشرط السابقة "إذا أتيم الصلاة" بحيث يكون الحكم قاطعًا على سبيل التحقيق واليقين؛ فلا يقبل النقض ولا المخالفة، ثم أكد الحكم
стр. 72
باستعمال أداة شرط، وضعت للحقيقة والاستمرار الزماني في لغتنا الجميلة، وهي "إذا" للدلالة على قيم تشريعية أخرى، وهي التأكيد والحث على أداء الصلاة فريضة واجبة، وكذلك الترغيب في أدائها جماعة، والالتزام بالوقار والسكينة في بيت الله تعالى، وطاعة الله تعالى في أوامره ونواهيه وغيرها من القيم السامية.
التصوير الفني لبلاغة الأسلوب في قوله: "فما أدركتم فصلوا"، يقوم على الروافد البليغة، فعبر بالفاء في قوله: "فما أدركتم" للدلالة على تفسير النهي عن الضجيج، وتوضيح الأمر في أداء الجماعة، والتزام الوقار والسكينة في قوله السابق: "فلا تفعلوا إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة"، وهذا التفسير صادر عن "الفاء" الموضوعة للتفسير والتوضيح في بلاغة لغتنا الخصيبة، والمعنى فإذا فعلتم ذلك "فما أدركتم مع الإمام فصلوا معه، وما فاتكم فأتموا"، وكذلك بلاغة التعبير عن قيم الحرص على الصلاة والجماعة والسكينة بقوله: "أدركتم"؛ لأن الإدراك هنا يدل على عدم التكلف والمشقة، وألا يبذل جهدًا فوق الطاقة، فمهما قل المدرك فهو كاف في أداء الجماعة، لأن الأعمال بالنيات يضاعف عليها الأجر والثواب كما في الحديث: "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ... "، ولقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ ، واعتمد الأسلوب البلاغي أيضًا على تحريك العاطفة وتعمير الوجدان بالأمن والإيمان، من خلال النسق الإيقاعي والموسيقى بين أسلوب الشرط في قوله: "فما أدركتم" وأسلوب الجزاء والجواب في قوله: "فصلوا"، لتصدر حكمًا مفروضًا، هو الصلاة حسب الطاقة في إدراك الجماعة من غير جلبة ولا عجلة في قوله: "فما أدركتم".
стр. 73
التصوير الأدبي في القول النبوي الشريف: "وما فاتكم فأتموا" فقد جمعت هذه العبارة الموجزة من روافد التصوير وعناصره ما يعبر عن قيم تشريعية كثيرة كالنسق الموسيقي بين الشرط والجزاء لتحريك العاطفة وتعمير العقل والوجدان، ليكون أكثر فهمًا وتحصيلًا واقتناعًا وإيمانًا، ثم عبر عن الغائب بلفظ يدل على العموم وهو "ما" ليتسع لأي مقدار من الفائت، مهما قل أو كثر، فهما سواء في تحقيق ثواب الجماعة، كما دل عليه جواب الشرط في قوله: "فأتموا"، بمعنى أكملوا الصلاة وحدكم. ولدلالة التمام على كمال الصلاة وثواب الجماعة، وفيه دلالة أيضًا على أن ما أدركه المأموم مع الإمام هو آخر صلاته، وعلى المأموم أن يقرأ السورة بعد الفاتحة، لأنها أول الصلاة حتى لا يفوته ثوابه، قال أبو حنيفة بالجهر، واستحب الشافعي عدم الجهر، وفيه دلالة أيضًا على أن صلاة الجماعة تحصل بالركوع الأخير، لقول النبي ﷺ فيما رواه أبو بكرة ﵁ أنه انتهى إلى النبي وهو راكع قبل أن يصل إلى الصف؛ فذكر ذلك للنبي فقال: "زادك الله حرصًا ولا تعُد".
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- الحرص على السكينة والوقار في الإتيان إلى الصلاة بلا جلبة أو صخب.
٢- تنبه المصلي لما يحدث في المسجد من غير كلام وهو في الصلاة لا يفسد صلاته.
٣- تعليم الإمام الأحكام للمأموم إذا وقعت منه مخالفة.
٤- إدراك الجماعة يتم لمن أدرك أي جزء من الصلاة قبل التسليمة الأولى.
٥- ذهب الجمهور إلى أن من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة كما في هذا الحديث، وقيل لا تحسب ركعة لفواته القيام وقراءة الفاتحة.
٦- بالإضافة إلى ما ذكر في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 74
إذا نعس أحدكم:
أخرج البخاري عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه".
التصوير البلاغي في هذه الصورة الأدبية: "إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب النوم" يرجع إلى أسرار بلاغية، تضفي جمالًا وسحرًا على الأساليب الفنية الآتية:
١- فالصورة الفنية في عبارة "إذا نعس" تدل على تحقق النعاس، ولا يكفي فيه مجرد الشك أو الخوف أو الترقب أو الإحساس أو التخمين أو الفرض أو الاحتمال؛ فإن ذلك كله لا يكون سببًا في انصراف المصلي عن صلاته بل يجب أن يتيقن من تغشي النعاس على سبيل اليقين فعلًا، فلا يستطيع أن يقاومه أو يدفعه، وهذا ما يفيده التصوير "بإذا"، التي تدل على اليقين بخلاف التعبير "بإن" التي تفيد الشك والاحتمال فيما لو قيل: "إن نعس أحدكم".
٢- الصورة البليغة في قوله: "أحدكم وهو يصلي" تدل على أن هذا الحكم عام لا يختص بالرجال فحسب، فلم يقل: نعستم أو نعستنّ، وإنما عبر عن الجميع "بأحد" ليشمل الرجال والنساء والصغار والكبار والقوي والضعيف من باب التغليب، ثم انظر إلى الصورة الفنية الثالثة في قوله: "وهو يصلي"، جاءت في موقع الحال من الناعس؛ لتدل على أن هذا الحكم خاص بالمصلي وحده، لا ينطبق على كل ناعس، بل الحكم مقيد ومختص بالناعس في الصلاة.
وتدل أيضًا، على أن الدعاء أثناء الصلاة بالخير أو الشر يكون أكثر
стр. 75
قبولًا واستجابة من الدعاء خارج الصلاة، لأنها تنقل المصلي إلى الحضرة الربانية، ليخاطب ربه مباشرة، بعد أن انقطع عما حوله بقوله الله أكبر من كل كبير، وأولى من غيره، مهما كانت منزلة المصلي قبل الصلاة وبعدها.
٣- وكذلك الصورة الفنية في بلاغة التعبير بقوله: "فليرقد حتى يذهب عنه النوم" ترجع إلى أسرار جمالية نابعة من طرق الأسلوب العربي البليغ الذي يدل على التوازن، وترتب النتائج على المقدمات، في تصوير فني جذاب شيق غير جاف، بل يعتمد على إثارة العاطفة والشعور والوجدان بأسلوب الشرط في قوله: "إذا نعسك أحدكم" على سبيل التحقيق، وبين أسلوب الجزاء الذي صير النتيجة أمرًا حتميًا، فأصبح واجبًا لا بد من تنفيذه وتحقيقه وهو ألا يتم صلاته، بل يجب أن يتركها وينصرف عنها لوقت اليقظة، ليدل أسلوب الجزاء في قوله: "فليرقد" على الأمر والإلزام، ولا يكفي من النوم، غفوة أو غفوتان، بل لا بد من الراحة التامة، حتى يذهب عنه النوم وهذا ما يدل عليه التصوير الفني بقوله: "حتى" الغائية للصورة الفنية في قوله ﷺ : "حتى يذهب عنه النوم" أي لتحقيق الغاية من النوم المريح.
وإنك لتعجب من هذا التصوير الأدبي الرائع في بلاغة التعبير عن عدم ضبط الإدراك؛ ليقطع المصلي الحضور الرباني مع الله سبحانه في الصلاة بسبب النعاس، وذلك في قوله: "فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر، فيسب نفسه" في تصوير فني تنوعت أساليبه البلاغية، التي تدل على سماحة الإسلام وحرص النبي ﷺ على أمته، ومحبته لهم ورحمته بهم، حتى لا يتعرضوا لما يضرهم، لذلك جاء التصوير الفني على سبيل التوكيد أولًا في قوله: "فإن أحدكم"؛ ليحثهم على اتباع ما أمرهم به بلا تردد أو إنكار، وثانيًا: تكرار التوكيد في صورة
следующие страницы →