Полный текст (208 стр.). Показаны 176–208 · переход к 181.
стр. 176
بالحياة وهام بها فالمال من ميل القلب إليه وحبه حبًا جمًا: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ ، ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ ، ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ قَتُورًا﴾ ، ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ وفي الحديث الشريف: "منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال"، "ولو أعطي ابن آدم واديًا من مال لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب" وغير ذلك كثير مما يجعل الإنسان حريصًا على إنفاقه، كما حث على اكتسابه من حلال، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ ، ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ .
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن الإنفاق والبخل في هذا الحديث الشريف:
أولًا: شبه الإنفاق والبخل -وهما من المعاني المجردة- بصورة مادية محسوسة بالثوب أو الدرع من الحديد، قد يحمي صاحبه من الهلاك إذا كان منفقًا، أو يكون سببًا في هلاكه والقضاء عليه إذا كان بخيلًا، وفي هذه الصورة الأدبية القائمة على التمثيل المعنوي بالمحسوس، وتشبيه المتخيل بالمادي المحس، يضفي على المعاني الكثيرة فيه جمال المبالغة مع الإيجار، وروعة البيان وسحره مع التركيز والإيحاء؛ لأن النفس تتعلق بالمادي والمحسوس، وتفتتن به أكثر من المعنى المجرد لغموضه وإبهامه، فالمادي يدرك بجميع الحواس، وهي كثيرة مع العقل والعاطفة والوجدان، والمعنوي لا يدرك إلا بالعقل فقط، لذلك كان التجسيم للإنفاق والبخل في هذا الحديث الشريف أبلغ تصويرًا وأقوى بيانًا.
стр. 177
ثانيًا: عبر الحديث عن الإنفاق في صورة أدبية بليغة، تتكون من رجل لبس درعًا من الفولاذ أو الحديد، يحيط بصدره، كلما حرك نفسه بالجهاد وكثرة الإنفاق طال الدرع، حتى كان سابغًا على جميع بدنه، يشتمل عليه كله ليحفظه؛ وينجيه من الهلاك، ويزداد في حجمه كما وكيفًا؛ فيزداد خيرًا ووفرة وبركة؛ وطهرًا وعمرًا ونسلًا وأولادًا؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ، ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ ، ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ، قال النبي ﷺ : "ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وينزل ملكان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الثاني: اللهم أعط ممسكًا تلفًا"، ويقول أيضًا: "حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع"، "من أراد أن ينسأ له في أجله؛ ويبارك له في عمره وولده وماله؛ فليصل رحمه" أي بالمال وغيره من القربات والهدايا.
ثالثًا: عبر عن البخل والشح في صورة أدبية محسة بليغة؛ تتكون من رجل لبس درعًا من الفولاذ أو الحديد يحيط بصدره، فكلما أمسك عن الإنفاق شحًا وبخلًا؛ أطبق بحلقاته وتلابيبه على صدره ممزقة؛ وعلى أنفاسه فأزهقها، وعلى روحه فخنقها، حتى يكاد أن يموت، فيحاول أن يوسعها فتزداد ضيقًا واختناقًا، حتى تزهق روحه، فيترتب على ذلك اكتناز المال وجموده، وهلاك النفس وتعذيبها، وحرمان الأولاد والناس، وقصر العمر والفقر في المال وقلة النسل والولد؛ والعزلة والبغض
стр. 178
والكراهية، ومثله كمثل من فقأ إحدى عينيه، وقال بأن النظر بهما في وقت واحد إسراف، ومثل قول ابن الرومي في وصف البخيل:
يقتر عيسى على نفسه ... وليس بباق ولا خالد
فلو يستطيع لتقتيره ... تنفس من منخر واحد
ومصداقًا لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ، ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ، ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ، وفي الحديث الشريف: "خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق"، وقوله: "اتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم"، وقوله في مال البخيل: "يمثل له يوم القيامة بشجاع أقرع يأخذ بلهزمتيه ويقول: "أنا مالك أنا كنزك"، "وتصفح له صفائح من نار تصب فوق رأسه"، ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- حث الإسلام على الجود وأثنى على الجواد الكريم؛ لأن الكرم والصدقة تعود على المنفق بالخير في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة.
٢- حذر الإسلام من الشح والبخل وذم الشحيح والبخيل فإن الشح يهلك صاحبه، والبخل يقضي على البخيل في الدنيا، أما في الآخرة فهما محرومان من الثواب والرضوان، فلا يغني في الدنيا ولا ينفع في الآخرة.
٣- الصدقة تمحو الذنوب، والكرم يذهب بالخطايا، وتنقي المنفق من الدنس والحقارة والعار والخزي والعقاب.
٤- أن الله سيزيد المنفق خيرًا وحسنًا في الدنيا والآخرة، ويمقت البخيل، ويفضح الشحيح، ويعذبهما في الدنيا بالذل والضعف والهوان والضيق والقلق، وفي الآخرة بالعقاب والعذاب والحرمان من رحمة الله تعالى ورضوانه.
٥- يحث الحديث الشريف على جواز ضرب الأمثال، وتجسيم المجردات وتشخيص المعاني، لتوضيحها ونفاذها إلى القلب والعقل والبصيرة.
стр. 179
منابع الخير والحب في الإنسان:
أخرج ابن حبان والبيهقي عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس"، قيل: يا رسول الله، من أين لنا صدقة نتصدق بها؟ فقال: "إن أبواب الخير لكثيرة؛ التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق، ويسمع الأصم، ويهدي الأعمى، وتدل المستدل عن حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على نفسك، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم من طريق الناس صدقة، وهديك الرجل في أرض الضالة لك صدقة".
الصدقة الحسية والنفسية: بلاغة الرسول ﷺ أخرجت الصدقة من إطارها المادي التقليدي إلى آفاق رحبة فسيحة، لتتسع إلى معان كثيرة وقيم إنسانية سامية، تتنوع فيها منابع الخير والحب، والمودة والإخاء في النفس البشرية، فلو اقتصرت الصدقة على الجانب المادي وحده؛ للتطهير من الشح وإعانة الفقراء والمحتاجين؛ لتعطلت وتوقف مدها خلال الاكتفاء الذاتي في بعض العصور، كما أشار إلى ذلك رسول الله ﷺ ، حين تبحث عن الفقير، لتعطيه الصدقة فلا تجد، كما حدث في زمن عمر بن عبد العزيز ﵁، فلم يجد واليه في أفريقيا فقيرًا، يعطيه الزكاة بعد
стр. 180
أن جمعها؛ فالصدقة بالمفهوم المادي، صرح اقتصادي ما دام الفقر موجودًا، ويتوارى دورها خلال الاكتفاء الذاتي، لكن بلاغة هذا الحديث الشريف، جعل الصدقة لا تتوارى مطلقًا، بل تظل حية شاخصة في كل حين لما تقتضيه الضرورة من التصدق عن النفس كل يوم؛ شكرًا لله على نعمائه الكثيرة، فخرجت عن إطارها المادي إلى قيم نفسية وإنسانية سامية، جاءت بالتفصيل في هذا الحديث، لأن أبواب الخير كثيرة، لا يدخل تحت حصر، جاءت في تصوير بلاغي عجيب، يصل إلى أعماق النفس وأصداء الوجدان، لتوقيع ألحان صافية، يحرك بها العوطف والمشاعر، فيأخذ بالعقول والألباب، ذلك في صور بليغة منها:
التصوير البلاغي للنفس الإنسانية وهي تحرك مشاعرها بالعرفان بالجميل، وبالشكر على النعيم والنعم الإلهية، فيلهج اللسان والقلب بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ، ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ .
التصوير البلاغي للنفس الإنسانية وهي تحرك مشاعرها بالخير والحب والإخاء، وهي صدقة معنوية فترفع البلاء والمحنة والعذاب عن أخيه الإنسان، وعن المجتمع المسلم؛ فيلهج لسانه بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ ، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
التصوير الأدبي للنفس الإنسانية وهي تحرك مشاعرها بالخير والحب والإخاء والتعاون؛ وهي صدقة معنوية فتميط الأذى عن الطريق، فترفع
стр. 181
الحجر والعظم والشوكة، حتى لا يتعثر بها إنسان، فيدمى قدمه وجسده، أو حيوان أعجم فتؤذيه، لأنه كان سيحزن لإيذاء أخيه، ويفرح لنعمائه، فذلك هو الإيمان الصادق، لقوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، وهل هناك رابطة أقوى من المودة والألفة والحب، قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ ، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ .
التصوير البلاغي للنفس الإنسانية وهي تحرك مشاعرها بالخير والحب والإخاء، وهي صدقة معنوية، فيسمع الأصم، ويهدي الأعمى، ويدل المستدل على حاجته، ويسعى في حاجة اللهفان المتسغيث، ويتعاون بذراعيه مع الضعيف، ويهدي الضال، فهي صدقة نفسية، ومبادئ إنسانية سامية، تربط المجتمع بالحب والتعاون والإخاء والمودة، والوحدة والترابط، فلا فرق بين الضعيف والقوي، ولا بين السليم السوي والعاجز المعان، ولا بين البصير والأعمى، ولا بين السميع والأصم، ولا بين الخبير المحنك والضال، ولا بين المستغني واللهفان المستغيث، مثلهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا.
التصوير الأدبي البليغ للنفس الإنسانية وهي تحرك مشاعرها بالخير والحب والمودة، وهي صدقة شعورية ووجدانية وعاطفية، في قوله ﷺ : "وتبسمك في وجه أخيك صدقة"، فيدخل البهجة والسرور في نفس أخيه فربما قد حزبه أمر، ويغشاه هم أو غم، فتشاركه فيه لتخرجه منه بتلك الابتسامة الرقيقة، فتنزعه مما هو فيه من حزن أو غضب وهم، فرق كبير
стр. 182
في ذلك بين النفوس المريضة بالتأزيم والتزمت، والعابسة المقطبة المكشرة وبين غيرها، فإنها تترك الأسى والكبت والحزن والجفوة والجفاء والأذى، قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- حرص النبي ﷺ على تعليم أمته، فحثهم على شكر الله على نعمه الظاهرة والباطة بالصدقة كل يوم؛ لتغشاهم رحمته ورضوانه.
٢- إن الصدقة في الإسلام نوعان؛ مادية: كالأموال والأعيان والعقارات والمأكولات والمشروبات وغيرها من الغني الميسور، ومعنوية وتجمعها أبواب الخير وهي كثيرة جاء بعضها في هذا الحديث، للدلالة على نظائرها ممن لا يملك صدقة مادية، تزيد عن حاجته، ومن تلزمه نفقتهم.
٣- أعظم الصدقات المعنوية من أبواب الخير هي: التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٤- من الصدقات المعنوية والخلقية إماطة الأذى عن الطريق، مثل إقالة العثرات عن الطريق، وتمهيده ونظافته من القاذورات والمهملات، ومنع الدخان والأصوات المزعجة والعالية، وعدم تلويث الهواء بما يؤذي الإنسان من العوادم والغازات المضررة.
٥- ومنها أيضًا تعليم الأصم، وتمكينه من ممارسة حياته المألوفة، فيتعلم ويقرأ ويشارك المجتمع من حوله، فلا يعيش معزولًا عنه بالعزلة والغربة.
٦- ومنها أيضًا إرشاد الأعمى والضال إلى الطريق الصحيح وتوجيهما إلى مقصدهما، وملاطفتهما في الحديث، وتعليمهما وفتح أبواب المشاركة مع المجتمع من حولهما، حتى لا يشعر بالغربة والعزلة.
٧- ومنها أيضًا إعانة المستغيث والضعيف، فتسعى معهما، حتى ترد عنهما الأذى، وتدفع عنهما الشر، الذي يحيط بهما، ما دمت قادرًا على ذلك بلا ضرر ولا ضرار.
٨- ومنها أيضًا حسن المعاملة للآخرين، بطلاقة الوجه وحسن الاستقبال وإشراق الوجه بالابتسامة، بلا عبوس ولا تكشير، ولا اشمئزاز ولا إعراض.
стр. 183
حسن المعاملة في الإسلام:
روى جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: "يرحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى، وإذا قضى".
السماحة في حسن المعاملة: في هذا الحديث الشريف تظهر سماحة الإسلام، فالرسول الكريم ﷺ يدعو ربه مبتهلًا إليه، أن يرحم المؤمن السمح في كل معاملاته فيحسن المعاملة في البيع والشراء، كما يحسن المعاملة في قضاء الدين، الذي عليه بالحسنى، واقتضاء الدين الذي يكون له عند الآخرين، فيمهله حتى يستطيع رده، أو يتنازل عنه؛ فيتصدق عليه لإعساره، بل هذا خير له، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وفي الحديث الشريف: "من أنظر معسرًا أو وضع له أظله الله في ظل عرشه، ومن سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة، فلينفس عن معسر، أو يضع له" وأخذ يصور مواطن السماحة في حسن المعاملة تصويرًا أدبيًا في تعبير بلاغي نبوي شريف.
التصوير الأدبي في بلاغة الرسول للتعامل بالحسنى مع الناس:
أولًا: عبر عن السماحة في صورة بلاغية تتضمن الدعاء منه ﷺ لمن يتعامل بها، ودعاؤه مستجاب في كل الأحوال، فيرحمه الله تعالى في
стр. 184
الدنيا والآخرة، لأن السماحة سخاء في النفس وكرم في الخلق، ولين في الطبع، تربي المسلم على حسن المعاملة.
ثانيًا: صور النبي ﷺ من يستحق الرحمة من الله في تعبير بلاغي فريد، حين جعل السماحة هي الرجل نفسه، والرجل هو السماحة نفسها، لا فرق بينهما فقال: "يرحم الله رجلًا سمحًا"، كما نقول للقاضي: العدل، أي: أنه العدل نفسه، فكلاهما سواء.
ثالثًا: عرض النبي ﷺ السماحة في البيع في صورة أدبية بلاغية عميقة، تتناول الأخلاق السامية في المعاملة، وتعتمد على القيم النبيلة في التجارة، وفي رعايتها صلاح حال الأفراد والمجتمع لضرورة تبادل المنافع بين الناس بالبيع والشراء، والأخذ والعطاء، فلا يبالغ البائع في الربح، بل يقنع باليسير منه، فيكثر الإقبال عليه، وتروج تجارته، ويتحقق له الغنى والثراء، أما الذين يبالغون في الربح من أهل الفظاظة لا السماحة، ينفرون الناس من التعامل معهم، فتبور تجارتهم، وتكسد ساحتهم، وينتهون إلى الإفلاس فيحل عليهم الغضب لا الرحمة.
ومن السماحة في البيع أن يحدد ثمن بضاعته، حتى لا يتعرض لكثرة المساومة والحلف لترويج سلعته، وقد ذم القرآن الكريم الذين يروجون سلعتهم بالأيمان الغموس، ويشترونها بالحلف الكاذب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقد امتدح النبي ﷺ التاجر الصادق فقال: "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء"، وتقتضي السماحة من البائع عدم الغش أو البخس في الكيل والميزان، مما يتنافى مع المروءة فذلك عين الكذب، قال النبي ﷺ : "من غشنا فليس منا".
стр. 185
رابعًا: عرض النبي ﷺ السماحة في الشراء بصورة أدبية بليغة على سبيل التحقيق، حين عبر بإذا، التي تفيد الحقيقة لا الشك أو التردد أو الكذب، كما تفيد السماحة في الشراء على سبيل الحقيقة في وقوع فعل الشراء في الماضي، الذي يدل على تحقق الوقوع، أي لا بد منه، فقال: "سمحًا إذا اشترى"، فيكون سهل المساومة في شرائه، سمحًا في تقويم البضاعة والسلعة فلا يبخس قيمتها، ولا يعمل على تطفيف الميزان والكيل وزيادته، فإن ذلك سحت، وأكل الأموال بالباطل، قال تعالى: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ .
خامسًا: عبر النبي ﷺ عن السماحة في اقتضاء الدين وقضائه؛ في صورة أدبية بليغة في قوله: "سمحًا إذا اقتضى وإذا قضى" فعبر أيضًا بإذا وبالفعل الماضي على سبيل التحقيق في الوقوع والتنفيذ، فيكون الدائن "سمحًا" في قضاء حقه، يطلب دينه في لين لا في فظاظة وغلظة، ولا خصومة وشدة، بل دعاه أن يتخلى عن الدين، لإ عسار المدين وجعل ذلك من زكاة ماله من سهم الغارمين مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وأما السماحة في قضاء الدين؛ فعلى المدين أن يبرّ بوعده في رده في الموعد المحدد، إذا كان قادرًا وحيث لا يضطر إلى أسلوب المماطلة فهي ظلم يخل بالمروءة والسماحة، قال ﷺ : "مطل الغني ظلم"، وقال أيضًا: "أعطوه دينه أعطوه إن خيركم أحسنكم قضاء" ورفع في منزلة السخي فقال: "السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد عن النار".
стр. 186
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- من خصائص الإسلام السماحة والتسامح، والرقة واللطف واللين، فليس فظًا ولا غليظًا ولا عنيفًا ولا إرهابيًا، ولا متشددًا ولا عسيرًا، ولا معقدًا ولا متعنتًا.
٢- يحث الإسلام على السماحة في البيع والشراء بلا جدال ولا قسم ولا حلف ولا غبن ولا غش، ولا تطفيف في الكيل والميزان، ولا مبالغة في الثمن ولا في الربح.
٣- حث الإسلام على السماحة في اقتضاء الدين أو الحصول عليه من المدين فلا تكلفه ما لا يطيق، بل يمهله، حتى يستطيع قضاءه، أو يتصدق عليه به من سهم الغارمين، دون أن يشعره بالإهانة أو الإذلال؛ لأن هذا حق للسائل والمحروم على الغني.
٤- حث الإسلام على السماحة في قضاء الدين لصاحبه؛ فيعطيه إياه في موعده، ولا يماطل فيه إذا كان قادرًا على أدائه، بل يتبعه بالشكر والتقدير والعرفان بالجميل، حتى يشجعه على أن يتعاون مع غيره بسد حاجته، وقرضه ما يحتاج إليه ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
٥- من اتصف بالسماحة في هذه الأمور، استحق الدعاء له من الرسول ﷺ ، ودعاؤه مستجاب، فلا يصح أن يحرم الإنسان نفسه من رحمة الله تعالى ورضوانه.
стр. 187
التمتع بالطيبات بلا رياء.. ولا كبر.. ولا إسراف:
أخرج البخاري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: إن النبي ﷺ قال: $"كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة".
روعة التصوير الأدبي في بلاغة التعبير بالأمر في هذا الحديث الشريف، حين عبر النبي ﷺ عن الأكل والشرب واللبس والتصدق بفعل الأمر على سبيل الوجوب، أي لا بد منه للإنسان، ولا يستطيع أن يستغني عنها كلها؛ لأن الامتناع عنها يؤدي إلى الهلاك، فحرم الله عليه التهلكة، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ وقال أيضًا: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ، كما يجب أن يكون قوي الجسد ليقوى على طاعة الله فيما أمر ونهى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ، كما يجب أن يكون قويًا عزيزًا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وكما يجب على المؤمن أن يتصدق مما زاد عن ذلك لتحقيق غايتين شريفتين؛ الأولى: استحقاقه الجنة في الآخرة، والثانية: في الدنيا وهي أن يحفظ نفسه من فتنة المال ومن اللهو واللعب والزينة والإسراف والتفاخر، وترد عنه شرَّ المال من الحسد والحقد والبغضاء من المحروم والحاسد، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وفي الحديث الشريف: "ليس لك يا بن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأبقيت".
روعة التصوير الفني في بلاغة التعبير بعدم الإسراف ليحث على التوسط والاعتدال في الأوامر السابقة من المأكل والمشرب والملبس والتصدق، وقيدها بذلك، وانتقى لها من بين الأساليب العربية "عدم الإسراف" لتتلاءم مع التصرفات البشرية مُستمدًا بلاغته النبوية الشريفة من بلاغة القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا
стр. 188
يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ، وتظهر روعة البلاغة النبوية في هذه الكلمة الموجزة لتصور حرص الإسلام على القيم الخلقية السامية، التي يحافظ بها المؤمن على قوة جسده، وعزة نفسه بعدم الإسراف في المأكل والمشرب، فلا يتعرض للتخمة والكسل والمرض، كما في الحديث الشريف: "بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان ولا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه"، وفي آخر "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع"، وكذلك عدم الإسراف في الملبس لصيانة جسده وحفظه، فيظهر في أجمل صورة، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ ، وفي الحديث الشريف: "إن الله جميل يحب الجمال"، وفي إسراف الملبس ما يعين على تدمير الاقتصاد وحرمان الغير، وإثارة الحقد والبغضاء عند المحرومين، وكذلك لا يسرف في الصدقة، بل يتوسط حتى يذر أولاده أغنياء من بعده لا يتكففون الناس، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ وخير الصدقة التي ينفقها الإنسان على نفسه وأهله وولده ومن تلزمه نفقتهم، قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ .
روعة التصوير الأدبي لبلاغة الحديث في التعبير بقوله: "ولا مخيلة" أي: بدون كبر وخيلاء ومفاخرة، فالبلاغة في هذه العبارة مع إيجازها؛ تتضمن قيمًا خلقية كثيرة؛ أولًا: أن المخيلة في المأكل والمشرب والملبس والتصدق؛ تعود على الإنسان في الدنيا والآخرة بالغرور والفساد، والضرر وإثارة الحقد والبغضاء والحسد، فتدمره وتهلكه كما ورد في الحديث القدسي: "العظمة ردائي والكبرياء إزاري فمن نازعني أحدهما
стр. 189
أخذته ولا أبالي"، وقال تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ وفي الحديث الشريف: "ولا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرّ ثوبه خيلاء" وفي حديث آخر: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا، قال: "الكبر بطر الحق وغمط الناس".
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- حافظ الإسلام على النفس البشرية وحذر من تعريضها للهلاك، ومن أسبابه الامتناع عن أكل الطيبات، وعن تناول المشروبات المشروعة والتزين بالثوب الجميل.
٢- لذلك حث الإسلام على أن يحافظ على النفس والجسد القوي فأمر على سبيل الوجوب بالطعام والشراب واللباس، بلا إسراف ولا تظاهر أو كبرياء، وبلا مبالغة أو تطاول.
٣- كما حث الإسلام على الصدقة أيضًا على سبيل الوجوب، وذلك فيما زاد عن حاجته وحاجة من تلزمه نفقتهم، سواء أكانت هذه الصدقة فرضًا، كالزكاة المفروضة بأركانها وشروطها، أم كانت نفقة في سبيل الله، فلا يكنزها في بيته، بل يقيم بها مشروعات زراعية أو صناعية أو اقتصادية عامة، يعود نتائجها على أمته الإسلامية والمجتمع من حوله فتعتز بها عن حاجتها لغير المسلمين، وتقوى بها الإنفاق والاستثمار والإنتاج في سبيل الله، على سبيل الوجوب أيضًا لأن الله حرم كنز المال كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ .
٤- حرم الإسلام الإسراف في كل شيء في المال والطعام والشراب واللباس لأنه السبب في تدمير الأسر والأمم وهلاكها.
٥- تحريم الكبر والعجب، والتظاهر والرياء والمباهاة والتطاول؛ فهي آفة التقدم والثراء، ومعاول الهلاك والتدمير.
стр. 190
لا تغضب:
أخرج أبو داود عن عطية السعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ".
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن الغضب في هذا الحديث الشريف يستمد روافده من فصاحة الكلمات في جزالتها وفخامتها وعنف الدلالات الصوتية لحروفها، وبلاغة الألفاظ في خصوبة معانيها وعمق أبعادها وما توحي به من المقاومة والشدة والصراع؛ لكي تعبر عما يهدف إليه الحديث الشريف من العنف والتمرد، والقوة والصراع والمقاومة والدفاع.
تجد ذلك هنا في كلمات كثيرة منها: "إنّ" وتكررت ثلاث مرات لزيادة التأكد وعنف المقاومة والصراع، وكذلك كلمة "الغضب" وما يتضمن معناها من الغليان والهيجان والثورة والشدة والعنف، وكذلك كلمة الشيطان، وتكررت مرتين للزيادة والتأكيد في معانيها، وما توحي به من التمرد والغواية والإفساد والعداوة والحقد والفتنة، وكذلك كلمة النار وما تدل عليه من الاشتعال واللهيب المحرق، والماء وطغيانه المدمر.
تلك الكلمات تصور الصراع العنيف بين هوى النفس وغواية الشيطان، وما يدور بينهما من المقاومة العنيفة والدفاع العنيد في ثورة وغليان حتى ينتصر أحدهما على الآخر.
التصوير الأدبي لبلاغة الأسلوب والنظم في تشخيص الغضب وآثاره المدمرة، تجد ذلك في بنية الأسلوب النبوي الشريف، ودقة النظم البليغ،
стр. 191
حين عبر بهذه الصور البليغة على النحو التالي جاءت العبارة الأولى: "إن الغضب من الشيطان"، تحمل شحنات من التحذير والتخويف والترهيب والتعبئة النفسية والروحية لمقاومة الانفعال، وهوى النفس ومصارعة الشيطان، وذلك عن طريق روافد التصوير الأدبي المختلفة، التي تتفجر من معاني الغضب وعداوة الشيطان للإنسان بمؤكدات ثلاثة هي: إنّ، واسمية الجملة وتعريف الغضب والشيطان، لكي ترد كل إنكار تتفتح له كل منافذ الإدراك، وتسد عليه كل الأبواب، ثم تأتي العبارة الثانية: "وإن الشيطان خلق من نار"؛ لتؤكد المعاني والقيم الخلقية في العبارة الأولى بمؤكدات، هي "إنّ" واسمية الجملة وتعريف الشيطان والنار، وتكرار كلمة الشيطان مرة صريحة، وأخرى بضميره الذي يعود عليه في عبارة "خلق من النار"، ثم الوعيد والفزع الشديد من ذكر النار، وما تحمل من قيم التخويف والإنذار والعذاب، وجاءت العبارة الثالثة لتؤكد السابقتين، وهي "إنما تطفأ النار بالماء" لكن التأكيد هنا بأسلوب بلاغي آخر ومتنوع، وهو أسلوب القصر "بإنما"؛ ليحسم أمر الغضب والشيطان، فيسدُ عليه كل منافذ الغواية والتأثير، فأكد جازمًا وقاصرًا كفاية الماء على إخماد النار وتدميرها، فلا تترك لها أثرًا مطلقًا على سبيل اليقين والتحقيق، ثم تؤكده "بإذا" في العبارة الأخيرة وهي: "فإذا غضب أحدكم فليتوضأ"، فقد أفادت وأكدت اليقين والتحقيق لما تفيده "إذا" من التحقيق لا الشك، وما يفيده أسلوب الشرط والجزاء من الجزم واليقين، بعد إذا، لأن الوضوء مترتب على الغضب بإزالته لا محالة، ترتب الجزاء على الشرط قطعًا بلا تخلف أو تأخير.
روعة التصوير الفني في جمال الإيقاع وتدفق الموسيقى وعنفها: من الروافد الجمالية في بلاغة هذا الحديث الشريف جمال الإيقاع، وتدفق الموسيقى وعنفها مما يتلاءم مع قيمه الخلقية، تجد ذلك في الإيقاع الثقيل
стр. 192
للأصوات الثقيلة في الحروف التي تكونت منها الكلمات، وهي حروف الغين والضاد في الغضب، والشين والياء والطاء في الشيطان، والخاء واللام والقاف والنون والطاء والهمزة والميم والغين والضاد وغيرها في بقية العبارات، وكذلك الوقع الشديد من تكرار الشدات على بعض الحروف في معظم الكلمات، مما يتلاءم مع معاني الغضب والشيطان والنار الثقيلة على النفس والمخيفة للإنسان.
كما تجد التدفق الهادر المخيف في موسيقى العبارات، وتراكم الأبعاد والمسافات الزمانية والمكانية في توازن هذه العبارات وتتابعها في الضغط والعنف على النفس حتى ينقطع "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار من الماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ"، فكل عبارة من هذه تنوء بكثرة من الشحنات الموسيقية الثقيلة والبطيئة، الصادرة من كثرة الشدات والمدات في حروف اللين، وبطء الكلمات وثقل الحركات عما يتناسب مع سماحة الغضب ورذالة الشيطان وخبثه وكيده، لذلك كله أكد النبي ﷺ محذرًا من الغضب، في أحاديث كثيرة منها؛ أن رجلًا قال له: أوصني فقال: "لا تغضب" فردد مرارًا "لا تغضب"، وقال أيضًا: "اتقوا الغضب فإنه جمرة توقد في قلب ابن آدم، ألم تروا حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه"، وقال أيضًا: "ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"، وقال تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- يحافظ الإسلام على النفس والجسد في الإنسان، فيجب على الإنسان أن يكون لطيفًا راضيًا لا عنيفًا متمردًا، وأن يكون هادئًا متأنيًا، لا ثائرًا عجولًا، وغير ذلك مما يحفظ عليه روحه ونفسه الصافية، وجسده القوي "فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف..".
стр. 193
٢- لذلك جعل الله الغضب من الشيطان، لأنه شر وحقد وضغينة يحيكها الشيطان للإنسان فهو عدو له مبين، يتصدى له بالإيقاع والتصدي والذلة والهوان والكيد، فهو يجري من النفس كمجرى الدم في العروق.
٣- يحدد الرسول ﷺ ملامح الغضب وصفاته، فهو يحول جسد الإنسان ووجهه إلى جمرة من اللهب والنار، فكأنه يستمد ذلك من طبيعة خلق الشيطان، فهو من النار لا من الطين.
٤- لذلك حث الرسول ﷺ على أن يطفئ المؤمن من هذه الجمرة المتقدة من النار بالماء، فيقوم ليتوضأ به؛ فإن ذلك هو السبيل في تدمير الغضب وإطفائه، حتى تنصرف النفس عنه.
٥- ليس التحول عن الغضب بالماء فحسب، بل بتغيير الحال والوضع الذي عليه الغاضب، فيصلي إذا كان متوضئًا، أو يقوم إذا كان جالسًا، أو يجلس إذا كان قائمًا، أو يخرج من البيت، أو يدخل في مكان آخر، وبصفة عامة يغير الوضع الذي هو عليه، كما في أحاديث أخرى في مقامات أخرى.
стр. 194
حرية الرأي:
قال النبي ﷺ : "لا يكن أحدكم إمَّعَةٌ، يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن وطِّنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم".
قضايا الحديث الشريف:
الإسلام يحذر من التقليد الأعمى والتبعية المطلقة: ينفر الإسلام من التقليد الأعمى، والتبعية المطلقة بدون وعي أو تقويم، بل يحث الإسلام على حرية الفكر في شئون الحياة المختلفة، يدرسها دراسة واعية ودقيقة،
стр. 195
ويبحث جوانبها المختلفة، ولا يكتفي بتقليد الآخرين في آرائهم، ولا يكون تابعًا لغيره في فكره ورأيه على إطلاقه، بل يكون له موقف من هذا، يهتدي إليه بعقله بإثبات الدليل، واستشارة الغير والموازة بين الآراء المختلفة حتى ينتهي إلى الرأي الصحيح، الذي يتجرد فيه من التقليد والتبعية المطلقة، لذلك حذر الحديث الشريف من الإمعة، الذي يقلد الناس بدون وعي في إحسانهم وإساءتهم، مستمدًا هذا التحذير من القرآن الكريم، الذي يذم ذلك قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ، وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ .
فالمقلد والتابع بلا شخصية ولا رأي، لا يقوم على التصديق والاعتقاد، بل هو كالناعق يهيم بكل صيحة، ويسمع كل ناعق، ويطير وراء كل هيعة.
الاعتداد بالرأي وحرية التفكير: يحث الإسلام في هذا الحديث الشريف على الاستقلال بالرأي والاعتداد بالنفس، ويدعو إلى حرية التفكير السديد، ويرغب في التأمل الصائب والروية والتثبت، بل لا يعتد إلا بالتصديق والاعتقاد الكامل، حتى تتحول الفكرة والآراء إلى عقيدة تقوم على التصديق والاعتقاد، وهذا هو معنى "وطنوا أنفسكم"، فيمعن الإنسان الفكر ويقلب الآراء، ويتثبت من الصحيح والخطأ والدليل الواضح، وباستشارة الآخرين وتفيند آرائهم، فيتتبع ما يحسنه الناس، ويطرح ما يخطئون فيه فلا يتبعهم في مساوئهم وفسادهم وغيهم وضلالهم، وهذا ما يتفق مع منهج القرآن الكريم في الحث على التأمل والنظر، والترغيب في البحث والدراسة في الحياة والكون وقضايا الإنسان،
стр. 196
ومقتضيات حياته، ليتعرف على الحق والحقيقة، ويكشف الباطل والزيف والضلال، ويقف على دلائل قدرة الله وإبداعه في خلقه ومخلوقاته ليزداد إيمانًا وتصديقًا، ويعمل على الإصلاح والبناء القوي، ويرتقي بالمجتمع إلى مدارج الرقي والتقدم والحضارة، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ وقال أيضًا: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ... ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ .
الشورى وحرية الرأي: لا تتعارض الشورى مع الحرية في الفكر والاعتداد بالرأي، لأن استشارة الآخرين، وتفنيد آرائهم، ودراستها وبحث فكرهم، والموازنة بين الآراء المختلفة، كل ذلك يعين على حرية التفكير الواعي المدروس، ويسدد الرأي الصائب، ويهدي إلى الفكرة الصحيحة، ويصل بكل ذلك إلى جوهر الحقيقة المدعومة بالأدلة، ووجهات النظر المختلفة، لأنها نبعت من خلال تجارب متنوعة، ومناظرة بين الآراء المختلفة، وتمييز بين الفكر الصالح والطالح، لذلك سميت سورة في القرآن الكريم بالشورى تحث عليها وترغب فيها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- يحرم الإسلام التقليد الأعمى بدون وعي أو إدراك، بل لا بد من التصديق والاعتقاد والقناعة والفهم.
٢- كما يحرم التبعية للغير، القائم على إعادة ما يجري على ألسنة الناس من العبارات المعتادة، وهي التبعية المطلقة، بأن يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، من غير اعتقاد واقتناع، أو تأمل ومشورة.
стр. 197
٣- لذلك يحث الإسلام على الاقتناع والاعتقاد، والروية والتأمل والتثبت والتمكين من الصحة أو الخطأ، المدعم بالدليل والحجة والقناعة، ومستمدًا من المشورة، وتبادل الرأي ووجهة النظر "من اجتهد فأصاب فله أجران فأخطأ فله أجر".
٤- إذا اعتمد المؤمن على ما رغب فيه الإسلام من الوسائل السابقة فإنها تؤدي بالتالي إلى أنه يتبع الناس في إحسانهم، ويتجنبهم في إساءتهم لذلك تستقيم حياته، وتكون له شخصيته المتميزة بالرأي والقناعة والتصديق.
стр. 198
بين الغبطة والحسد:
أخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله مالًا؛ فلسط على هلكته في الحق، ورجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها".
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن الحسد المحمود وهو الغبطة في قوله ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين" فالصورة البلاغية الأولى تقوم على أسلوب التأكيد "بلا" النافية، والاستثناء "بإلَّا" لإثبات الحكم وتقريره مدعومًا بالدليل، وتقوم على أسلوب القصر، حين قصر الاثنين فقط على هذا النوع من الحسد وهو الغبطة، وما عداها يقع فيه الحسد المحرم، الذي نهى الله عنه في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ ، بل أمرنا أن نستعيذ منه في كل وقت وحين في سورة الفلق، والصورة الفنية الثانية تقوم على الأسلوب المجازي وهو الكنانة، فليس المراد منه الحسد في قوله: "لا حسد إلا في اثنتين"، وهو المعنى القريب وهو محرم، بل كنى بذلك عن حسد محمود، وهو الغبطة وهي أن يتمنى المغتبط مالًا يهلكه في الحق مثل غيره، وأن يكون مثل غيره من العلماء والحكام؛ ليعلم الحكمة؛
стр. 199
وينفع الناس بعلمه، وهذه الغبطة محمودة، وأما الحسد المذموم، وهو أن الحاسد يتمنى زوال النعمة عن غيره، لتكون له وحده فقط، وأما المنافسة فهي أشرف من الغبطة والحسد، لأنها ضرب من التفوق في ساحة العمل والعلم الجاد؛ ليبذل كل واحد أقصى طاقاته، ليتفوق على غيره، وهو ما يحث عليه الإسلام في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
التصوير البلاغي في قوله ﷺ : "رجل أتاه الله مالًا"، تدل على التعظيم للرجل الموصوف بهذه الصفة، أي رجل عظيم، ولأن المال ليس ماله، وإنما هو مال الله يؤتيه من يشاء: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وكذلك التنكير في قوله: "مالًا" أي كثيرًا، يزيد عن حاجته؛ فتجب فيه الزكاة والنفقة في سبيل الله، والصورة الفنية الثانية في قوله: "فسلط على هلكته في الحق" فالتعبير بالفاء للتعقيب السريع؛ للتصرف في المال بالإنفاق والصدقة والاستثمار لمصلحته ولمصلحة المسلمين، حتى لا يتورط في كنزه المحرم، ثم عبّر ببناء الفعل للمجهول حتى تتنوع الفواعل ليكون أعم من فاعل واحد، فدوافع البذل والعطاء عنده كثيرة، منها نفسه الطيبة، وحب عمل الخير، وتوفيق الله له بالبذل والنفقة، وحث أهل الخير له على النفقة والعطاء والكرم، ومقتضيات المجتمع الإسلامي وحاجاته الملحة إلى التعاون؛ والتكامل لبناء الاقتصاد الإسلامي بناء قويًا وعزيزًا، وغيرها من الدوافع الكثيرة؛ التي تدخل في دلالات عموم الفاعل، والصورة الفنية الثالثة في "هلكته في الحق"؛ فلا يقتر في ماله شحًا وبخلًا أو حرصًا، ولا يسرف فيه وفي الحرام البين المذموم، متناقضًا مع الحلال البين المحمود المشروع لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ وقوله تعالى أيضًا: ﴿وَآتِ ذَا
стр. 200
الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ .
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير الرائع في قوله: "ورجل أتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" فالتنكير في "رجل"، لتعظيم منزلته عند الله وعند الناس، فليس هناك أفضل من عالم حكيم بهذه الصفات، وعبّر عن الحكمة معرفة بالألف واللام، لإفادة أنها حكمة معهودة وشاملة نابعة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، تقوم على منهجهما من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل جوانب الحياة، فليس المراد بالحكمة والعلم أن يكون مقصورًا على العلوم الشرعية فحسب، بل الشرع يحث على العلوم الأخرى في شتى المجالات الزراعية والصناعية والهندسية والطبية والرياضية والتكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية والفلكية، وغيرها من العلوم التي يحتاجها المسلمون في مختلف العصور، ليكونوا أقوى الأمم وأعزها؛ لتبلغ في تنافسها الدولي القمة في التفوق العلمي والأخلاقي والاقتصادي والمادي النابع من القيم الأخلاقية والمثالية السامية، وهذا هو مجال التنافس العالمي والعولمي اليوم، وقد حث عليه هذا الحديث الشريف منذ أربعة عشر قرنًا في جوامع كلمه ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- تحريم الحسد في الإسلام هو الذي يقوم على الإيثار والأنانية والإضرار بالمحسود، وذلك في جميع وجوهه ما عدا وجهين فقط لا حسد فيهما مذموم؛ بل هما من باب الغبطة أو الحسد الممدوح، ألا وهما الغني الذي جمع ماله من حلال ومصدر طيب، وأنفقه في حقه كما أمر الله تعالى، والعالم الحكيم الذي يعمل بعلمه.
стр. 201
٢- أن الثراء والغنى من الله ، يضعه الله تعالى فتنة واختبارًا لعبده ليشكر أو يكفر، فمن شكر الله تعالى جمعه من المصادر الطيبة الحلال، وأنفقه فيما أمر الله ، مبتعدًا عما نهى عنه. فلا يقع فيه الحسد، ومن كفر جمعه من المصادر الخبيثة الحرام، وأنفقه فيما يغضب الله أمرًا ونهبًا أو حبسًا واكتنازًا، وهذا يقع فيه الحسد المذموم والبغض والكراهية والعياذ بالله تعالى.
٣- العلم والحكمة من فضل الله على عبده، فمن اصطفاه الله لها، فتعلم وعلم الناس، وتعلم وعمل بما تعلم؛ فكان قدوة حسنة لغيره، فهذا الوجه لا يقع فيه الحسد المذموم؛ بل تغبطه الناس على هذه النعمة الجميلة، أما من تعلم الحكمة بلا سلوك أو عمل ليتظاهر بها كبرًا وترفعًا وغنى؛ فهذا الوجه يقع عليه الحسد المذموم، وكراهية الناس لصاحبه وبغضهم له.
стр. 202
مجلس العلم:
أخرج البخاري عن أبي واقد الليثي ﵁ أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله ﷺ ؛ فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبًا، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؛ أما أحدهم فأوى إلى الله فأواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه".
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن جماعة كبيرة تنوعت إلى ثلاث جماعات، حسب تصرفاتها من مجلس العلم، في قوله: "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة، أما أحدهم فأوى إلى الله فأواه الله" تدل هذه الصورة الفنية
стр. 203
على قيم أخلاقية سامية، منها صورة أداة العرض والإثارة لأمر هام يحمل قيمًا تعليمية للناس، وذلك في قوله: "ألا أخبركم" عما أوحى الله إليَّ من أمر هؤلاء النفر: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ ، ومنها صورة النفر الثلاثة تدل على أنهم ليسوا ثلاثة رجال فقط، بل هم ثلاثة نفر، والنفر هم جماعة دون العشرة، وهذا يدل على أنهم ثلاث جماعات، تنوعت حسب تصرفاتهم من مجلس العلم؛ فمنهم جماعة أوت، وثانية استحيت، وثالثة أدبرت، والصورة الفنية في قوله: "أما أحدهم فأوى إلى الله فأواه الله" فكلمة "أحدهم" أي أحد الجماعات الثلاثة أوت إلى الله، فبلاغة "أوى" تدل على السرعة والحرص على القرب من الرسول ﷺ ، وفي سرعة الإقبال عليه وعلى العلم، دلالة على سرعة الإقبال على الله ومحبته؛ لأن "أوى" تجمع بين معاني الإسراع إلى الجلوس والإقبال والتلقي أكثر من التعبير بغيره، مثل: لجأ وقعد وجلس وغيرها، والصورة الفنية في قوله: "فأواه الله" بمعنى أن الله كان أسرع في الاستجابة في تفضله بالرحمة والرضوان؛ لدلالة فاء التعقيب السريع على ذلك، ثم انظر إلى الأسلوب البديع في المشاكلة والمجانسة بين الفعلين "أوى"، مع اختلاف الفاعل والمعنى، ليثير الانتباه ويوقظ الذهن والوجدان عن طريق التناسق بين اللفظين مع اختلاف المعنى؛ فأوى الأولى بمعنى الجلوس، والثانية بمعنى الرحمة من الله تعالى بالجالس ورضوانه عليه.
التصوير البلاغي في قوله ﷺ : "وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه" يدل على قيم أخلاقية سامية، حين عبر عن النفر الثاني بأن اتخذوا موقفًا آخر، فآثروا الحياء وترك المزاحمة حياء من النبي ﷺ ، وممن حضروا قبلهم، أو حياء من ترك الجلسة العلمية كما فعل النفر الثالث، فجلسوا حيث انتهت بهم حلقة العلم، وفيه دلالة أيضًا على استحباب المزاحمة في
стр. 204
طلب العلم، حثا عليه وترغيبًا فيه، بشرط عدم الضرر والإيذاء، وعدم الفوضى والجلبة، وعدم التعدي على حقوق السابقين بعد أخذ مواقعهم من الجلسة العلمية لقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار"، وقوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" وما أروع المجانسة في هذه الصورة الفنية بين الفعلين "استحيا" مما يثير الانتباه ويوقظ العقل والوجدان، ليكون أكثر إيمانًا واقتناعًا مع اختلاف المعنى فيهما، فالأول بمعنى انكسار يعتري الإنسان خوفًا من الذم، والثاني وهو "استحيا الله منه" ومعناه ليس كذلك، بل المراد منه لازمه، وهو الرحمة والقبول ورفع العقاب عنه.
التصوير الفني في بلاغة قوله: "وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه"؛ في صور فنية تعبر عن قيم تشريعية، تحذر فيها المسلم من الجهل والإعراض عن العلم، والنفور من الجماعة، وتفرقها؛ لترغيبه في العلم والإقبال عليه، والوحدة والترابط والحرص على الطاعة أمرًا ونهيًا، وذلك في تصويره الفني الرائع "فأعرض فأعرض الله عنه" بمعنى فأدبر عن المجلس وترك العلم والرحمة والرضوان، وآثر الجهل والسخط والعقاب، فاستحق ذلك، لأنه منافق أخبر النبي ﷺ بذلك عن الله تعالى، لحديث أنس ﵁: "فاستغنى فاستغنى الله عنه"، وفي ذلك جواز الإخبار عن أهل المعاصي زجرًا لغيرهم، وليس هذا من باب الغيبة المحرمة، ولا يخفى ما في هذه الصورة الفنية البديعة من التجانس بين الفعلين، فأعرض الأولى بمعنى أدبر وولى وترك المجلس، وأعرض الثانية بمعنى مختلف تمامًا، وهو الغضب والسخط والعقاب الشديد من الله تعالى، فالمعاني مختلفة والألفاظ متجانسة في الحروف والحركات؛ لتكون الصورة الفية أجمل إيقاعًا وأقوى تأثيرًا واقتناعًا، إنها بلاغة من اختص بجوامع الكلم ﷺ .
стр. 205
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- المساجد بيوت الله في الأرض وموطن الصفاء الروحي والحكمة والعلم والعبادة، فهي مصدر الإشعاع والتعليم والعبادة والتهذيب.
٢- حرص الصحابة على التعليم والأخذ عن النبي ﷺ ، فكانوا خير الناس وخير القرون والسلف الصالح ﵃ أجمعين.
٣- موقف الناس من تلقي العلم والجلوس في مجالسه ثلاثة، أفضلهم جميعًا هو الذي يزاحم إلى مجلس العلماء، ويسرع إلى الاغتراف من علمهم، ويحرص على المتابعة والتلقي والفهم، والمنافسة والتقدم على غيره في تحصيله، وأوسطهم هو الذي يقبل على مجالسه حيثما كان هو، وفي أي موقع من مجالسة، بلا مزاحمة أو تدافع أو منافسة؛ فهو يجلس حين ينتهي به المجلس، دون بحث عن فرجة قريبة أو مكان ملاصق للعالم؛ فالأول منهما أوى إلى الله فأواه الله، وتغشاهم بفضله ورحمته، ورفع منزلتهم عند الله لأنهم اختاروا الأفضل والأولى، وأما الثاني فلم يحرمه الله من رحمته؛ لأنه استحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث الذي ترك المجلس وأعرض عنه فأعرض الله تعالى عنه وغضب عليه.
٤- في هذا الحديث الشريف يحث الإسلام على التفوق العلمي، وعلى المنافسة فيه، لأنه دين العلم والتفوق البشري والعلمي؛ فبه يعتز المسلمون وينتشر الإسلام، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، لذلك فضل الله تعالى رسوله بالعلم والحكمة على سائر البشر: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ .
стр. 206
ثبت الموضوعات:
الصفحة الموضوع
٣ تقديم
الفصل الأول: الإسلام والإيمان
٦ الأعمال بالنيات
١٠ حلاوة الإيمان
١٣ كمال الإيمان
١٦ الإيمان الكامل
١٩ النخلة كالمسلم
٢٢ بين المسلم والمهاجر
٢٦ بين المسلم والفاجر
٢٩ من أخطر صور النفاق: ذلاقة اللسان وحلاوة الحديث
الفصل الثاني: الوضوء والصلاة
٣٣ الوضوء يمحو الخطايا
٣٦ الغر المحجلون
٣٩ بعثتم ميسرين لا معسرين
٤٢ التيمم
٤٧ المؤمن لا ينجس
٥٠ الجمعة عيد المسلمين
٥٣ من بنى مسجدًا
٥٦ الصلاة أحب الأعمال إلى الله تعالى
٥٩ وجبت شفاعتي
стр. 207
تابع ثبت الموضوعات:
٦٢ الركوع قبل الصف
٦٥ لا تخفروا الله في ذمته
٦٨ السكينة والوقار عند الصلاة
٧١ إذا نعس أحدكم
٧٣ التجوز في الصلاة شفقة
الفصل الثالث: الصوم والحج
٧٧ شهر عظيم مبارك
٨٠ شهر الصبر والمواساة
٨٣ الصيام جنة
٨٩ من لم يدع قول الزور
٩٤ من صام رمضان
٩٦ القرآن والصيام يشفعان
٩٩ النهي عن الوصال
١٠٢ فمن رغب عن سنتي فليس مني
١٠٥ الصيام كالجهاد
١٠٩ الصيام والقيام كالحج
١١٢ اليد العليا
١١٥ الحج وفطرة الله تعالى
١١٨ العمرة إلى العمرة والحج المبرور
١٢١ الحج مرة واحدة
١٢٤ الوقوف بعرفة
стр. 208
تابع ثبت الموضوعات:
١٢٧ قضاء الحج
١٣٠ من خطبة الوداع
١٣٣ أربع أعجبنني
١٣٦ الحج من المال الطيب لا الخبيث
الفصل الرابع: حسن المعاملة
١٤٠ الحلال والحرام والشبهات
١٤٣ سفينة النجاة في الدنيا والآخرة
١٤٦ الإسلام يسر لا عسر
١٤٩ إن الخير لا يأتي إلا بالخير
١٥٣ واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا
١٥٦ الأمن والسلام
١٥٩ بين البخل والإنفاق
١٦٣ منابع الخير والحب في الإنسان
١٦٧ حسن المعاملة في الإسلام
١٧٠ التمتع بالطيبات بلا رياء ولا كبر ولا إسراف
١٧٤ لا تغضب
١٧٧ حرية الرأي
١٨٠ بين الغبطة والحسد
١٨٣ مجلس العلم
١٨٧ ثبت الموضوعات