من خطبة الوداع:
وقف النبي ﷺ يخطب بين الحجيج في حجة الوداع؛ فبعد أن حمد الله وأثنى عليه وعلى رسوله ﷺ قال:
"أما بعد فيا أيها الناس، اسمعوا مني أبين لكم؛ فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا، أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد".
بلاغة الخطبة من بلاغة القرآن الكريم، فقد صدرت عن أفصح العربية قاطبة، انتهت إليه قمة البلاغة بنزوله عليه، وقراءته على مكث، وهو المثل الأعلى في البلاغة، معجز في تصويره القرآني، وفي تشريعه وأخباره وقصصه، خصه ربه بالوحي، يستعجل قراءته لشغفه بسحره.
стр. 142
وانسجامه مع بلاغته، واتساقه مع فطرته، فينهاه ربه عن العجلة، لأن القرآن الكريم موصول بقلبه إيمانًا وحفظًا، قال تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ .
لهذا لا ينفك أسلوب صفي الله وخليله في هذه الخطبة عن روح القرآن الكريم، وبلاغته في لفظ عذب رقيق جزل، واتساق نظم في أحسن موقع، وسلاسة فحوى وسهولة مخرج، في أسلوب صاف سهل ممتع، يحفل بالحكم البديعة والمعاني الغزيرة، التي لا تصدر إلا عن نفس شريفة عزيزة، حازت شرف القرآن، وعزت بخطاب الله ؛ لذلك تعجب منه أصحابه قائلين: ما وجدنا أفصح منك، قال: "وما يمنعني وإنما أنزل القرآن عليَّ بلسان عربي مبين، وأنا أفصح العرب بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد".
لذلك تجد في هذه الخطبة منهج القرآن الكريم، وروحه وقيمه الخلقية، فمعانيه شريفة وأخلاقه سامية في أسلوب عفيف بليغ، وعبارات رشيقة سامية، وتصوير أدبي أخاذ بالقلوب، تتفتح له منافذ التلقي في الإنسان انبهارًا وخضوعًا واقتناعًا؛ لأنه أوتي جوامع الكلم.
بلاغة الأسلوب في التعبير الإنشائي عن القيم الخلقية في هذه الفقرة، فقد خاطب بالأسلوب الإنشائي المتنوع المتلقي خطابًا مباشرًا، يثير انتباهه ويحرك عواطفه ويستثيره، فيتلقاه عن إيمان صادق وعاطفة حارة، ووجدان حي متيقظ، وعقل مفتوح مستوعب، فقد جمع بين النداء المقرون بأداة التنبيه فقال: "يا أيها الناس" مرات، مرة في صدر الفقرة، ومرة أخرى في وسطها "بالياء" لتأكيد الصورة البلاغية، وفي نهايتها
стр. 143
كان النداء بالهمزة مقرونًا بلا "ألا هل بلغت"؛ ليجمع بين النداء والحث على العمل بما يقول، ثم ختمها بالنداء الجليل بمخاطبة الله على سبيل الدعاء، والإقرار بما يجب على النبي ﷺ نحو أمته الإسلامية، فختمها بقوله: "اللهم اشهد"، ومن أساليب الإنشاء أيضًا الأمر في قوله: "اسمعوا"؛ ليثير به المستمع، فتتفتح فيه منافذ الإدراك من العاطفة والوجدان والمشاعر والخواطر، وخاطبهم بصيغة الأمر، للدلالة على وجوب السمع والعمل بما يسمعون، ليتحول الأمر إلى منهج وسلوك، فلا تسفك الدماء ولا تنتهك الأعراض، ولا يعتدى على الحقوق بالباطل ظلمًا وغصبًا؛ ليسود الحق والعدل والخير والأمن والحب، ثم ينتقل إلى الترجي في قوله: "لعلي لا ألقاكم"، في أسلوب لا يدل على طمع في استبقاء حياته وحرص عليها؛ فهو يحتمل اللقاء وعدمه؛ لأنه ربط الرجاء بعدم اللقاء، فعبرت الصورة الفنية عن رؤية الغيب بنور البصيرة، حتى شعر الصحابة ﵃ أيضًا برحيله؛ فبكوا وأطلقوا عليها: "خطبة الوداع".
بلاغة الأسلوب في التعبير الخبري عن القيم الخلقية على سبيل التقرير والثبات، فاستخدم الحديث الشريف عناصره، التي تقرر الحفاظ على الدين والنفس والعرض والمال على سبيل الوجوب والثبات، والتنفيذ والسلوك الإسلامي القويم؛ فجاء بموكدات كثيرة "إن -أبين لكم- فإني لا أدري"، ثم التأكيد بالواقع المحس دليلًا دامغًا، لا يقبل الجدل، في "يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا"، مع التأكيد على التعظيم في اسم الإشارة، التي تكرر تأكيدًا لتعظيم التقرير لهذه التشريعات المحرمة، مثل حرمة هذا اليوم والشهر والبلد الحرام في صورة فنية تقوم على التشريع البليغ، مستمدًا عناصره من الواقع المحس، والمشاهد الحية النافذة إمتاعًا
стр. 144
وتأثيرًا وإقناعًا، فهذا يوم عظيم الحرمة، وشهر عظيم الحرمة، وبلد عظيم الحرمة، وازداد تعظيمًا وتحريمًا وتقديسًا بإضافتها إلى المخاطبين، وهو يخاطبهم ويحرك مشاعرهم في "يومكم وشهركم وبلدكم"؛ ليحث المسلمين على تقديسها والحفاظ عليها، وأداء مناسكها والعمل بها والدفاع عنها، لأنه دفاع وحماية للعقيدة والنفس والحقوق وأوطان الأمة الإسلامية ﷺ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي الشريف نذكر ما يلي:
٢- مشروعية خطبة يوم عرفة للحجيج للوعظ والتذكير والتوجيه، وذكر المناسك والشكر لله على مننه الكثيرة، وأعظمها في ذلك اليوم مشهد يوم عرفة.
٣- تهيئة نفوس المسلمين إلى تمام شريعة الإسلام، ونهاية الوحي، والتحاقه بالرفيق، حتى لا تأخذهم المفاجأة بتركهم.
٤- فظاعة سفك دماء المسلمين، والعدوان عليهم وظلمهم، وأكل أموالهم بالباطل.
٥- حرمة يوم عرفة، وأشهر الحج، والبلد الحرام مكة المكرمة، وعظيم علو منزلتها عند الله والثواب الجزيل للعبادة فيها.
٦- إشهاد الناس جميعًا والمشاعر والمناسك ويوم عرفة ومواقيت الحج والبلد الحرام على تبليغهم شريعة الإسلام.
стр. 145
أربع أعجبنني:
أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ وقد غزا مع النبي ﷺ ثنتى عشرة غزوة قال: أربع سمعتهن من رسول الله ﷺ فأعجبنني
وآنفنني: "ألا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو ذو محرم، ولا صوم يومين، الفطر والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتين، بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد الأقصى".
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير بأسلوب القصر والتأكيد، للدلالة على عظيم الحظر لها، ولا يصح التجاوز إلى غيرها مطلقًا، وذلك في صورتين بليغتين، الأولى في قوله: "ألا تسافر امرأة مسيرة شهر ليس معها زوجها أو ذو محرم"، فقد اتخذ الحديث الشريف أسلوب القصر والحصر، لا يتجاوز إلى غيره، حين قصر على الزوج وذي المحارم فقط المرافقة للزوجة في سفرها، فلا يتجاوزه إلى الأجانب الذين تحل لهم زواجها، لما في ذلك من خطر شديد على المرأة المسافرة سفرًا بعيدًا يستغرق يومين، حتى لا يخدش شرفها ولا يهدر دمها، لضعفها وقلة حيلتها، لأنها موطن الفتنة والطمع، فكان الإسلام حريصًا عليها في الحفاظ على نفسها وعرضها ومالها، وكذلك أسلوب القصر في السفر إلى المساجد الثلاثة: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، فقد اقتصر إنشاء السفر والرحلة عليها فقط، فلا يصح تخصيص السفر لغيرها، للدلالة على عظيم حرمتها وسمو منزلتها عند الله، وعظيم الأجر والثواب، فجاء أسلوب القصر والتأكيد في قوله: "ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام ومسجدي ومسجد الأقصى".
التصوير الأدبي في بلاغة الأسلوب النبوي الشريف، الذي يعتمد على عناصر بلاغته الجميلة، منها تسليط النفي على النكرة وهي صيام، مضافة ليومي الفطر والأضحى، وتخصيصًا للدلالة على تحريم الصوم في عيدي الفطر والأضحى، فقد هيأهما الله تعالى يتمتعون فيهما، وهم
стр. 146
فرحين مبتهجين بالأكل والشرب والمرح، بعد صيام شهر كامل في عيد الفطر، ويتمتعون أيضًا بعد فريضة الحج المقدسة بالأطعمة الفاخرة والنسك من الأضاحي في عيد الأضحى، وكذلك التعبير بتسليط النفي على النكرة المقيدة بصلاة الصبح والعصر فقط، حتى الشروق والغروب؛ فلا توجد هنا صلاة مشروعة، فكان المراد صلاة النافلة والتطوع التي ينشئها المتطوع من عنده، وذلك لمخالفة الكفار الذين يسجدون للشمس وقت الشروق والغروب صباحًا ومساءً، لإخلاص العبادة والتقديس لله وحده لا شريك له.
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن المساجد الثلاثة، التي تشد إليها الرحال سفرًا وتعظيمًا لها، ولا يصح ذلك لغيرها، سواء أكانت مساجد أو غيرها على وجه التقديس والعبادة، كما جاء في الحديث الشريف: "لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد الأقصى"؛ فقد جاء التفصيل بعد الإجمال في ثلاثة، وأخذ يفصلها بذكر أسمائها وبترتيبها على قدر مكانتها عند الله تعالى وعند المسلمين، وعلى فظاعة حرمتها، وسمو منزلتها، وعظيم ثواب الطاعة والعمل والعبادة فيها، فالصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة كما في الحديث الشريف: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام"، والصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة كما في الحديث الشريف "وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في هذا"، أي: المسجد النبوي، وصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة كما في الحديث الشريف: "والصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة"، وتأمل بلاغة إضافة المسجد إلى الحرام، فهي تعظيم لحرمته وتقديس لمكانته: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ﴾ ، ثم بلاغة إضافة مسجد إلى النبي ﷺ في "مسجدي"، وجاءت إضافة
стр. 147
المسجد إلى الأقصى متأخرة، لأن في تشريفه وتعظيمه بعد هذين المسجدين العظيمين منزلة وتعظيمًا، وفي هذا تصريح واضح بالحفاظ على هذه المساجد المحرمة على أهل الضلال والكفر، فيجب الحفاظ عليهما والدفاع عنها والجهاد في سبيلها، وتطهير المسجد الأقصى من رجس اليهود وغدرهم وتحريره من قتلة الأنبياء وغلاظ القلوب والأكباد، فهم لا يرعون في الله إلَّا ولا ذمة.
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- تحريم سفر المرأة سفرًا طويلًا بدون محرم سواء زوجها أو ذو محرم.
٢- تحريم صوم يومي عيد الفطر وعيد الأضحى وأيام التشريق الثلاثة.
٣- النهي عن صلاة النافلة والتطوع بعد صلاة العصر حتى الغروب وبعد صلاة الصبح حتى شروق الشمس وارتفاعها قدر رمح.
٤- فضل المساجد الثلاثة على غيرها.
٥- حرمة الزيارة لغيرها من المساجد الأخرى قصدًا للزيارة.
٦- تفضيل بعض الأمكنة بعضها على بعض كالشأن في بعض الأزمنة مثل ليلة القدر وعيدي الفطر والأضحى ويوم عرفة والعشر الأواخر من رمضان والأوائل من ذي الحجة وليلة النصف من شعبان وشهر رمضان.
٧- حث المسلمين على الصلاة في المساجد الثلاثة لكي يحافظوا عليها ويدافعوا أعداء الإسلام عنها.
٨- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 148
الحج من المال الطيب لا الخبيث:
أخرج أحمد والطبراني عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا خرج الحاج حاجًا بنفقة طيبة، ووضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السما: لبيك وسعديك، زادك حلال وراحلتك حلال، وحجك مبرور غير مأزور، وإذا خرج بالنفقة الخبيثة، فوضع رجله في الغرز، فنادى لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام ونفقتك حرام وحجك مأزور غير مأجور".
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن الحج المبرور غير المأزور، وذلك في الصورة الكلية الأولى، فقد كانت ثرية بالعناصر البليغة، والتي نبعت عن الواقع المحس، في قصة مثيرة لعواطف الإنسانية، التي يعمر بها الوجدان الحي بالإيمان الصادق، والإخلاص في العمل ابتغاء مرضاة الله ، فالحاج بهذه الصفة يجاهد في إعداد نفقات الحج وزاده وراحلته من سعي حلال، ومصدر طيب، "فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا" حديث شريف، ويمضي في طريقه الآمن، حتى يؤدي مشاعر الحج المقدسة الطاهرة، يردد التلبية وهو محرم، فتتفتح له أبواب السموات بالرحمة والرضوان، من كل من فيها وما فيها بالدعاء له، والنداء ملبين معه، مبشرين له بالقبول والسعد، قائلين له: زادك حلال وراحلتك حلال، وحجك مبرور لا مأزور، كل ذلك تدل عليه عناصر التصوير البليغ، الذي عبر عن وصفه "بالحاج" ووصف عبادته ونسكه بكونه حاجًا، ووصف نفقاته وراحلته بالطيب لا الخبيث، ثم تصوير التلبية كاملة هنا "لبيك اللهم لبيك"، وقبولها بترديدها واقترانها "بالسعد" والرضا، ووصف الزاد والراحلة بالحلال، وتقرير الجائزة الكبرى: "حجك مبرور غير مأزور"، إنها قيم خلقية وتشريعية سامية، ترغب عباد الله في نيل هذا الشرف العظيم للحصول على أعلى جائزة من أكرم الأكرمين، قال تعالى: ﴿وبشر المحسنين﴾ ، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ... ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ .
стр. 149
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن الحج المأزور غير المأجور، وذلك في الصورة الكلية المقابلة للصورة الأولى، في إيقاع موسيقي ناشز تنفر منه الأذواق والآذان، غنية بالعناصر الفنية البليغة، التي تثير الاشمئزاز في النفس، وينفر منها الوجدان العامر بالإيمان بالله الخالص، فكل عنصر هنا يدل على النقيض من الصورة الأولى؛ فقد أخْفِيَ الفاعل وأضمِرَ ذكره صراحة، وكذلك صفته وهي "الحاج وحاجًا" كما في الصورة الأولى؛ لأنه هنا لا يستحق الذكر تحقيرًا له وإنكارًا لصنيعه ولنفقته وسعيه للحج، فقال: "إذا خرج"، بلا ذكر لذاته ولا لصفته، ثم صور هنا النفقة والزاد والراحلة بالخبيث والحرام ترهيبًا وتنفيرًا، فهو يقابل الطيب الحلال هناك ترغيبًا وتبشيرًا، ثم جاءت صفة التلبية هنا غير كاملة لمجرد الرمز فقط، مجردة من شرف النداء ولفظ الجلالة، ومن شرف تكرارها ولذتها الروحية "لبيك" فقط، لأنه لا يستحق شرف طهارة النسك وسموه، كما لا يستحق ثوابه الجزيل، ومكافأته الكبرى، ثم تصوير الدعاء عليه لا له، بأن الله تعالى لم يجب حجته إجابة بعد إجابة، بل رفضها رفضًا بعد رفض؛ فهو لا يستحق الرحمة والرضوان في قوله: "لا لبيك ولا سعديك"، ثم صورة النقيض في الزاد والنفقة، فزاده حرام ونفقته حرام، ثم تصوير إعلان القرار الحاسم والنتيجة الحتمية للمقدمات السابقة في نهاية التصوير الأدبي الرائع: "وحجك مأزور غير مأجور" في إيقاع متوازن بين الصورتين، ونسق موسيقي ناشز في أصوات الحروف والكلمات، تتناقض آلاته وأوتاره، لتعزف لحنين متنافرين في لوحتين فنيتين متعارضتين، تحمل كل منهما قيمًا فنية جميلة ومثيرة، تثير في النفس عاطفة قوية متدفقة، تقبل على اللوحة الأولى حبًا وعشقًا ورغبة ومنهجًا وسلوكًا قويمًا، وتشمئز من الثانية نكرانًا ونفورًا وخوفًا ورهبة،
стр. 150
لتقيم على أنقاضها منهجًا وسلوكًا قويمًا، وما أعظم إعجاز القرآن حين يصورهما معًا في قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- نفقات الحج من الزاد ووسائل السفر المختلفة والإقامة، أن تكون مالًا حلالًا طيبًا، لا حرامًا خبيثًا وفيه شبهة.
٢- من مناسك الحج ومفاتيحها: "لبيك اللهم لبيك..".
٣- مؤنة الحج الحلال ونفقاته الطيبة تجعله حجًا مبرورًا مقبولًا غير مأزور.
٤- نفقات الحج الحرام ومؤنته الخبيثة لا تتفتح له أبواب؛ فترتد عليه المناسك غير مقبولٍ وتجعله مأزورًا غير مقبول ولا مأجور.
٥- يحث الإسلام على الكسب الطيب والمال الحلال؛ فهو يطيب البدن والعمل، ويجلب الأجر والثواب.
٦- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 151
الفصل الرابع: حسن المعاملة
الحلال والحرام والشبهات:
أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي عن أبي عبد الله النعمان بن بشير، ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب" ١.
التصوير الأدبي والبلاغي للحلال والحرام والشبهات بالتعبير البليغ عن التمييز بين الثلاثة، ترغيبًا في الحلال، وتحذيرًا وترهيبًا من الحرام والشبهات، وذلك في أروع صورة أدبية، بلغت القمة في البلاغة البشرية، حتى صارت من جوامع الكلم، التي اختص بها خاتم النبيين، فأعمال المسلم وأقواله لا تتجاوز ثلاثة محاور: حلال واضح يؤدى، وحرام واضح منهي عنه، ومشتبه فيه بين بين، أي بين الحلال والحرام، لا يدري الإنسان هل هو حلال؟ فيؤدى أو حرام فيتقى؛ فالأفضل فيه، أن يتقى حذرًا من أن
стр. 152
يغريه من الوقوع في الحرام، فأخرجه في صورة أدبية بليغة استمد عناصرها من الواقع، وروافدها من البيئة التي يخالطها الإنسان ويعرفها الناس، فالراعي الذي يرعى غنمه في مرعى قريب من حقل خصيب، يحميه صاحبه ويحافظ عليه، فلا يأمن منه على غنمه، مهما كان حذرًا وشديد الحراسة، أن تتسلل للحقل المحمي، فترعى منه، وتعرضه للمؤاخذة والعقاب، لذلك كان من الأفضل له، أن يختار له مرعى بعيدًا عن هذا الحقل والحمى، وكذلك المسلم، ينبغي أن يبتعد عن الشبهات في القول أو الفعل، حتى لا ينتهي الأمر به إلى التردي في الحرام، فيهلك، واتخذ الحديث الشريف هذه الصورة البليغة:
أولًا: التأكيد بإنَّ المؤكدة في أمر الحلال وأمر الحرام فقال: "إن الحلال بين والحرام بين"، وتأكيد ثان في الإخبار عنهما باختيار لفظ "بين" من البيان وهو البلاغة، وتأكيد ثالث بالشدة على الياء في "بيّن" ليزداد المعنى ثراء، وهو أبلغ من التعبير بالوضوح، إذا قيل الحلال واضح، فقد آثر القرآن البيان في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْأِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ، ثم تأكيد رابع في التكرار لكلمة بيّن، ليقوى الترغيب ويزداد الإقبال.
ثانيًا: تصوير الابتعاد عن الشبهات بالتقوى، وهي الغاية من الإيمان وأعلى مراتبه، وبالبراءة في "استبرأ" وهي الطهر والعفاف، والنجاة والفوز العظيم، والشرف العزيز الغالي، والأصالة والعراقة؛ لأن العرب تكني عن براءة العرض بالشرف وعراقة النسب الأصيل.
ثالثًا: تصوير المتقي للشبهات بالراعي في تشبيه تمثيلي بليغ، فهي وإن استعملت في رعي الماشية والأغنام؛ إلا أنها تحمل معنى المسئولية والحاكم والقائم على أمور الناس والأحياء؛ مصداقًا للحديث الشريف
стр. 153
"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، مما يدل على خطورة الشبهات واهتمام الإسلام بها، فالنار من مستصغر الشرر، واستمد روافد التشبيه التمثيلي وعناصره، مما يألفه الإنسان في حياته اليومية في الحقل والمرعى والحمى والأنعام والخير والانتفاع، ليستقر المعنى في النفس، ويكون كالدليل الواقعي والحسى من المحسوسات، وهي أقوى من الدليل العقلي والفكري.
رابعًا: ينتهي الحديث الشريف بالقول الفصل والقرار الختامي والنهائي، حين يتناول في صور أدبية بليغة، ذلك بالتعبير البلاغي عن مصدر الحلال والحرام والشبهة الرئيسية، وهو القلب، فإليه يرجع الأمر كله، إن صلح القلب صلح سائر العمل، وإن فسد القلب فسد سائر العمل، في قوله: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب " لأنه هو موطن الإيمان الحق من التصديق واليقين والإخلاص، والأمن والأمان والعقيدة والاعتقاد، فهو الذي يدير حركة الإنسان كله في أقواله وأفعاله، قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ ، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ ، سأل النواس بن سمعان النبي ﷺ عن البر والإثم فقال: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس"، وما في الصدر هو القلب.
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- بين الإسلام الحلال والحرام بيانًا شافيًا وصريحًا، لا يحتاج إلى تأويل؛ لأن الحلال تقبله النفس، والحرام تأباه وتنفر منه.
٢- أما الشبهات فالحكم فيه غير واضح، لا يدري الإنسان هل هو حلال أم حرام.
стр. 154
٣- حث الإسلام على الترغيب والترهيب من الحرام، واتقاء الشبهات حتى لا تكون مزلقًا ومنحدرًا للوقوع في الحرام والمحذور.
٤- جواز ضرب الأمثال لتوضيح الأحكام وتجسيدها، حتى تستقر في النفوس والقلوب، وتعيها العقول بالدليل الحسي.
٥- القلب في الإنسان هو الفيصل بين الصلاح والفساد له، إن صلح القلب استقام صاحبه، وإن فسد أضل صاحبه.
٦- القلب موطن الصدق والإخلاص واليقين، يرشد العقل ويهديه إلى الصواب، لأن العقل وحده قد يضل أو يجهل، حين لا يصلح القلب، بل يفسد؛ فيضل الإنسان، ولا يهتدي.
بالإضافة إلى ما ذكر في التصوير النبوي للحديث الشريف.
стр. 155
سفينة النجاة في الدنيا والآخرة:
أخرج البخاري وأحمد والترمذي عن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : $"مثلُ القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة؛ فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء، مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أننا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا؛ فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا".
روعة التصوير الفني في هذا الحديث الشريف؛ لأنه اتخذ أسلوبًا قصصيًا، يقوم على التشبيه التمثيلي، في صورة كلية متلاحمة الأجزاء والروافد والعناصر، تتنامى فيها الأحداث، وتتصاعد في وحدة عضوية، تتميز هنا بأسلوب الحوار والقصص، تستمد شخصياتها ومشاهدها وعناصرها في الواقع المحسوس، فقد شُبه الذي يطيع الله فيما أمر ونهى
стр. 156
ويتقي حدوده فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والذي لا يعمل بذلك، شبِّها بفريقين اقتسموا سفينة تمخر عباب البحر، وقد استقرت فرقة في أعلاها، والأخرى في أسفلها، فإن عطش من هم في أسفلها؛ فأرادوا أن يخرقوا خرقًا في نصيبهم، حتى لا يؤذوا من في أعلاها، فإن تركوهم والخرق، غرقوا جميعًا، وإن منعوهم من الخرق، وتعاونوا معهم، وأفسحوا لهم مكانًا في سماحة، نجوا جميعًا، وأنت ترى أن العناصر الواقعية هي السفية وركابها، وما تحتوي من آلات ومعدات، والبحر وما يضم من كائنات وعوالم وما فيه، من تيارات وأمواج وعواصف ومياه، وما حدث من صراع ومساهمة واقتراع، وغير ذلك من مظاهر الطبيعة والحياة.
التصوير الأدبي حيويًا ورائعًا في بلاغة التعبير عن الحياة والمجتمع فيها بالسفية، التي تمخر عباب الماء، في بحر متلاطم الأمواج والعواصف، فهي ليست قصرًا شامخًا مستقرًا على أرض ثابتة في البر، وإنما هي ألواح من الخشب، تطفو فوق سطح الماء في بحر عميق، ينتابه بين حين وآخر ريح عاصفة وأمواج هائجة متلاطمة، تتصدع لها أركان السفينة، وتتحطم جوانبها المختلفة، فيغرق من فيها جميعًا، تلك هي الحياة الغرورة كالمسرح تختفي وراء أستاره الفتن والأحداث، قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ .
وجاءت أيضًا صورة المجتمع الإنساني بالسفينة، التي تجمع بين البَرِّ والفاجر، والصالح والطالح، وأهل الخير والحق والجمال، مع أهل الشر والباطل والسوء، فالإنسانية في صراع دائم بين الخير والشر على سبيل الفتنة والاختبار، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ .
стр. 157
وأما روعة التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن القضاء والقدر، فقد شُبه قدرُ الإنسان وحظُّه من متاع الحياة الدنيا بتقدير الله وحده، بصورة الاقتراع والاستهام على أعلى السفينة أو أسفلها، لأن الإنسان في ذلك لا يملك اختيار أحدهما بل الله وحده يقدر الأقدار، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
وأما روعة التصوير الفني في بلاغة التعبير عن انتصار الخير، واجتياز الفتنة، ومقاومة الأنانية والفساد والتدمير، وذلك في صورة حية شاخصة، تستمد عناصرها من الصراع العنيف بين الفريقين على ضروروات الحياة، من الشرب لدفع العطش والهلاك؛ فإذا أحس الفريق الأسفل بالعطش، أرادوا أن يخرقوا خرقًا في أسفل السفية؛ فإذا تركهم الفريق الأعلى وما أرادوا غرقوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم، وأفسحوا لهم أن يشربوا من أعلى السفينة متعاونين جميعًا، نجوا كلهم، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
وأما روعة التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حين صور الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر بصورة إيجابية فعالة لا سلبية مدمرة في صورة بليغة رشيقة، عندما أراد من في أسفلها أن يخرقوا خرقا؛ ليشربوا بقاء على حياتهم، فيأمرهم من في أعلاها بالمعروف وينهونهم عن المنكر، لينجوا جميعًا، كما ورد في الحديث الشريف: "فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعًا"، مصداقًا لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ والمعنى كما فسره أبو بكر ﵁: أي عليكم المجتمع المسلم الذي تعيشون فيه، وليس عليكم غيركم من المجتمعات الضالة من غير المسلمين، فلا يضرونكم متى اهتديتم أنتم وعملتم بشريعة الله .
стр. 158
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- يجب على الجار أن يصبر على جاره، إذا خشي أحدهما وقوع الضرر بالآخر، وإن وقع الضرر عليه، وجب رفعه عنه.
٢- جواز إجراء القرعة في القسمة بين المشتركين.
٣- جوز ضرب المثل لتوضيح المعنى بالواقع المحسوس.
٤- جواز تجسيد المعاني وتوضيحه عن طريق ضرب الأمثال من الواقع المحسوس.
٥- ترك النهي عن المنكر يستوجب عقاب الجميع، فيشمل التارك للنهي، والواقع في الحرام والمحظور، لأن الله تعالى يعاقبهم، الأول برضاه وسكوته وعدم إنكاره، والثاني بوقوعه في المحظور.
٦- الحث على التعاون والتكافل والصبر ورعاية المصلحة العامة.
٧- بالإضافة إلى ذكر القيم في التصوير النبوي للحديث الشريف.
стр. 159
الإسلام يسر لا عسر:
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة".
الإسلام دين التوازن بين المادية والروحية وبين الإفراط والتفريط؛ لا يطغى أحدهما على الآخر، بل توسط بين المادية والروحية، وجمع بينهما في توازن واتزان، فلم يبالغ في الجانب المادي كشريعة موسى ﵇، التي تتناسب مع طبيعة اليهود آنذاك، ولم يبالغ في الروحية إلى حد الرهبنة في شريعة عيسى ﵇، وإنما خاطب العقل والقلب معًا بعد اكتماله بشريعة الإسلام، فلا تقبل المبالغة فيهما؛ فحث على العمل والكسب وجمع المادة، وجعلها عبادة روحية، ما دامت ابتغاء مرضاة الله تعالى، لذلك كانت شريعته عامة كاملة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
стр. 160
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا﴾ . قال النبي ﷺ : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ .
التصوير الأدبي في التعبير البلاغي عن سماحة الإسلام ويسره:
أولًا: طابق بين اليسر والإسلام، فالإسلام هو اليسر، واليسر هو الإسلام؛ فلا فرق بينهما، ولم يقل الإسلام كاليسر أو من اليسر، فهي عبارة بليغة جعلت الإسلام هو اليسر نفسه وذاته، لا ينفك عنه، فلا يقبل المبالغة في الدين، ولا التفريط في العمل بتعاليمه وأوامره، والتخلي عن الترفق الذي حث عليه، وإهمال السماحة التي تعم شعائره ومناسكه، وترك الرخص التي شرعها الله رحمة بعباده، وما أشبه ذلك مما يتنافى مع طبيعة الإسلام الميسورة، وسماحة هديه السهلة، فقد رغب كثيرًا في ذلك، فالله تعالى يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه.
ثانيًا: أكد على أن الإسلام يسر في تصويره البلاغي الرائع، حين عرضه في صورة أدبية أخاذة، على سبيل القصر والتأكيد، مشفوعًا بالدليل والحجة الدامغة، ليحسم الأمر، لا تبقى منه ثغرة لمعترض أو منكر، فيقتنع بالبرهان الحسى في التصوير البلاغي بالنفي والاستثناء، وبالدليل العقلي الناتج عما أثبته الاستثناء بعد النفي، ومن أقوى الأدلة الإثبات بعد النفي، وذلك في هذه الصورة الأدبية البليغة، على سبيل القصر والتأكيد بالنفي والاستثناء في قوله: "ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه" لأن المشادة هي المغالبة والمبالغة والتزمت والتنطع، قال النبي ﷺ : "هلك المتنطعون" أي المتشددون.
стр. 161
ثالثًا: صور سماحة الإسلام ويسره في صورة أدبية أخرى، وفي تعبير بليغ مؤثر، يدل على التوسط والاعتدال، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ والتوسط والاعتدال سبيل المقاربة والكمال، فقال النبي ﷺ : "فسددوا وقاربوا"، أي توسطوا، بلا مبالغة أو غلو وتعمق، فإذا كان المسلم اليوم صحيحًا فغدًا يكون مريضًا، وإذا كان شابًا فغدا يكون كهلًا، وهو أكثر عونًا على دوام الثواب، فخير الأعمال القليل الدائم، وكذلك تأكدت هذه الصورة الأدبية البليغة، بالحكم عليهم على سبيل الأمر والاستحقاق، فقال: "وأبشروا" أي أن الثواب والأجر حتمي لا محالة؛ لذلك أنكر النبي ﷺ على عبد الله بن عمرو بن العاص قوله متشددًا: "والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت" فقال له: "فإنك لا تدري لعلك يطول بك العمر"، قال عبد الله: فشددت على نفسي فشدد علي، ووددت أني قبلت رخصة النبي، وحديث الثلاثة الذين تقالوا عبادة الرسول ﷺ معروف؛ فقال: "هذه سنتي؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني".
رابعًا: صور سماحة الإسلام ويسره في صورة أدبية بليغة، تؤاذر ما سبق من بلاغة القول، تقريرًا وتأكيدًا فقال: "واستعينوا بالغدوة والروحة" أي بأول النهار وآخره "وشيء من الدلجة": وجزء يسير من الليل، فجاء بهذه الصورة المحسة والتعبير الأدبي، المستمد من الواقع أول النهار عند طلوع الشمس، وساعة الأصيل عند غروب الشمس، وآخر الليل وقت السكون والسحر، لتكون من قبيل ضرب الأمثال ووقع الحكمة، وبلاغة الأمثال والحكمة أقرتها العقول والأذواق البليغة، فهي التيجان على جبين الفكر البشري، لتحث على اغتنام أوقات النشاط قيامًا بالطاعات، لأن الغدوة والروحة والسحر ينشط فيها الإنسان مسافرًا أو مقيمًا، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ، ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ
стр. 162
لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقال النبي مقررًا قول سلمان الفارسي ﵁: "إن لربك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا، وإن لأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه".
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- سماحة الإسلام ولينه فالدين يسر لا عسر.
٢- العمل بالرخص الشرعية لرفع الحرج عن النفس في وقت الحاجة والعذر.
٣- النهي عن المبالغة والتشدد في العبادة، فخير الأعمال أدومها وإن قل.
٤- كراهية الإسلام للملل والسأم.
٥- أداء الأعمال في أوقات النشاط، وتفضيل الراحة في أوقات القيلولة وإعطاء الجسم حقه من التمتع بنعم الله .
٦- الحث على التبكير وقيام جزء من الليل للتهجد فيه.
٧- بالإضافة إلى ما ذكر في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 163
إن الخير لا يأتي إلا بالخير:
جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جلس رسول الله ﷺ على المنبر وجلسنا حوله فقال: "إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح من زهرة الدنيا وزينتها"، فقال رجل: أو يأتي الخير بالشر يا رسول الله؟ قال: فسكت عنه رسول الله ﷺ ، فقيل: ما شأنك تكلم رسول الله لا يكلمك، قال: ورأينا أنه ينزل عليه، فأفاق يمسح عنه الرحضاء أي "العرق"، وقال: "أين السائل؟ - وكأنه حمده - إن الخير لا يأتي إلا بالخير، وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم - الحبط داء يصيب البطن من كثرة أكل الكلأ، أو يلم، أي: ما يقرب من هذا الداء - إلا آكلة الخضر،
стр. 164
فإنها إن أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها، استقبلت عين الشمس، فثلطت وبالت ثم رتعت، وإن هذا المال خضر حلو، ونعم صاحب المسلم، هو لمن أعطى منه المسكين وابن السبيل، وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شاهدًا يوم القيامة".
المعادلة الصعبة في الحديث الشريف: جاءت في قول النبي ﷺ : "إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح من زهرة الدنيا وزينتها" حين تقبل الدنيا على الناس بالخير والمال الوفير، والعقارات وأرصدة البنوك وغيرها من متاع الغرور وزينة الدنيا وفتنتها، لذلك تعجب السائل من خوف النبي ﷺ من هذا الخير لأمته، فقال معترضًا: أو يأتي الخير بالشر يا رسول الله؟ فسكت عن الإجابة، لأنها معادلة صعبة تحتاج إلى وحي من الله في ميزان دقيق، يكشف الغموض في هذا التناقض في الظاهر، ليكون مقياسًا إلهيًا، وميزانًا عادلًا في التعامل مع الخير وزينة الحياة الدنيا، ليأتي بالخير والثواب العظيم حتى لا يكون وبالًا على صاحبه يجلب له الشر والعقاب.
التصوير الأدبي في التعبير البلاغي عن ميزان المعادلة الصعبة وذلك على النحو التالي:
أولًا: لا بد للرسول أن يخرج المستمعين من حيرتهم التي أحاطت بهم، حتى قال بعضهم: ما شأنك تكلم رسول الله لا يكلمك، وانتظروا الإجابة حين علموا أن الوحي ينزل عليه، فكان أول شيء يبدد هذه الحيرة أن تكون الإجابة قاطعة بالحكم النهائي قبل أن يعرض المقدمات، فقال ﷺ في بلاغة ونصاعة حجة مؤكدًا قوله بمؤكدات هي "إنّ"، وأسلوب القصر بالنفي والاستثناء فقال: "إن الخير لا يأتي إلا بالخير" وقبل ذلك سأل عن السائل بطريقة أوحت إلى الحاضرين بأنه يشكره على سؤاله، ويثني كثيرًا على مداخلته فقال: "أين السائل"؟ قال الراوي: وكأنه حمده.
стр. 165
ثانيًا: هذا المقياس قضية فكرية مجردة عميقة، يقف العقل أمامها في حيرة وطول نظر وروية، تحتاج من البليغ وخاصة رسول الله ﷺ أبلغ العرب قاطبة -أن يعرضها في صورة أدبية تقربها من العقول، وتتفتح لها منافذ الإدراك في النفس من العقل والعاطفة والوجدان والإحساس والمشاعر لتستقر في وضوح بيان، وحجة دامغة، وبرهان حسي قاطع؛ لذلك اختار لها صورًا واقعية من البيئة المحسة، تجمع بين عناصر الربيع والبقل والنبات والحيوان والرعي والماشية والخضر والكلأ والشمس والحبط وما أشبه ذلك.
ثالثًا: صور الرسول ﷺ المال الحرام، والكسب المنهي عنه سواء عن طريق تحصيله أو الإسراف فيه، أو كنزه أو عدم إخراج حق المجتمع فيه، صور ذلك في صورة محسة واقعية بليغة، وذلك حينما ينبت فصل الربيع نباتًا غير صالح للمرعى، يقتل الماشية أو يكاد، وهو الحبط وما يقرب من ذلك فإذا أكلته الماشية ماتت لساعتها أو مرضت، وكادت أن تموت، فقال النبي ﷺ : "وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم".
رابعًا: صور الرسول ﷺ المال الحلال والكسب المرغوب فيه، سواء بالتحصيل أو بالاعتدال في إنفاقه، واستخراج حقوق المجتمع منه، أو باستغلاله فيما يعود على الأمة بالخير، صور ذلك في صورة واقعية محسة بليغة، وذلك حينما ينبت الربيع كلًأ ومرعى خضرًا حلوًا، تأكل منه الماشية وترعى فيه، فتزداد نموًا وتربو الحما، فتنعم بالعافية وتستقبل الشمس، متمتعة، بحلاوة الأكل وجمال الطبيعة الساحرة، ودفء الشمس الواقي لها من المرض والعلل، فقال: "إلا آكلة الخضر فإنها إن أكلت امتدت خاصرتها واستقبلت عين الشمس ... " إلخ.
خامسًا: ثم استنتج من تلك الصورة المحسة البليغة مقدمات الحكم والنتيجة الدامغة، حين مدح المال ومصادر الخير فقال: "ونعم صاحب المسلم"، موضحًا هذه النعم وتلك الخيرات، إذا أعطى منه للفقير حقه،
стр. 166
وابن السبيل ولكل ذي حق حقه، عند ذلك لا يأتي الخير إلا بالخير، ثم يقرر حقيقة أخرى عندما يأتي الشر من الخير، إذا حصل عليه صاحبه من حقه، وينفقه في غير حقه، فيستخدمه في غير حله، كالذي يأكل ولا يشبع، فيكون وبالأعلى صاحبه، ويأتي عليه شاهدًا يوم القيامة، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ إلخ السورة" وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى، أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ وقول النبي ﷺ : " من اكتسب فيها مالًا من حله وأنفقه في حقه أثابه الله عليه، وأورده جنته، ومن اكتسب فيها مالًا من غير حقه، وأنفقه في غير حقه أحله الله دار الهوان".
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- تحذير الأمر من فتنة المال حين تقبل الدنيا عليها في تسخيره فيما أمر الله به، ولا يستخدم فيما نهى الله عنه.
٢- صدق ما تنبأ به النبي ﷺ من انتشار الإسلام في الشرق والغرب في الفرس وفي الروم: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ .
٣- النهي عن الكسب الحرام والاستيلاء على المال بغير وجه حق، فلابد أن يكون مصدره طيبًا لا خبيثًا.
٤- الحث على إنفاق المال الحلال والكسب الطيب في حقه وعلى من تجب نفقته، وما يجب عليه في ماله من حق السائل والمحروم، ثم يستخدم ما بقي منه في سبيل الله باستغلاله فيما يعود على الناس بالخير والاستغناء لا في التدمير ولا في الظلم والاعتداء.
٥- النهي عن الإسراف في المال وإنفاقه فيما ليس ضروريًا مما يغضب الله ، ويحاسب المسرف عليه مع أنه صاحبه، جمعه من حلال، لكنه أنفقه في غير حقه وهو الإسراف فيه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ، ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ .
стр. 167
٦- المال فتنة وزينة واختبار، لا ينجو صاحبه من بلائه وعواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة إلا إذا جمعه من حقه، وأنفقه في حقه ووجهه؛ فإن فعل ذلك ذهب عنه شره، وكرمه الله بخيره وثوابه؛ فأصبح من الشاكرين.
٧- هذا الحديث لوحة فنية رائعة اتخذت عناصرها من الطبيعة والواقع بخيال هادف، وفي هذا تشريع للأدباء أن يندمجوا مع الطبيعة والواقع بخيالهم في شعرهم وفنونهم الأدبية من قصة ومسرحية وغيرها مما يجمع بين القيم الخلقية والقيم الفنية.
٨- بالإضافة إلى ما ذكر في التصوير النبوي من القيم في الحديث الشريف.
стр. 168
واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا:
أخرج البخاري عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلُ المؤمنين في تراحمهم، وتوادهم وتعاطفهم مثلُ الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
الوحدة العضوية في بلاغة التصوير الأدبي لهذا الحديث الشريف:
تظهر بلاغة النبي ﷺ في ترتيبه بين الصفات والأعمال الإنسانية ترتيبًا واقعيًا في نمو وتصاعد مطرد، بحيث تترتب الصفات والأفعال بعضها على بعض مثل تسلسل المشاهد وتناميها في الرواية والقصة، فقد ترتب التواد على التراحم وتنامى عنه وزاد عليه في الصفات والأعمال، وترتب التعاطف على التواد وتنامى عنه وزاد عليه في الصفات والأعمال، فانظر إلى هذا التنامي والتصاعد في البنية الفنية للحديث الشريف، حين بُدئ بأدنى الصفات والأعمال وهو التراحم، فيرحم بعضهم بعضًا بأخوة الإسلام ونسبه، لا بسبب آخر، فالتراحم هو المرحلة الأولى التي لا بد أن تتحقق قبل المرحلة الثانية، وهي التواد التي تترتب على التراحم، بل تزيد عليها بصفات وأعمال كثيرة هي صلة الرحم والتزاور والتهادي، وما أشبه
стр. 169
ذلك مما يدخل في التواد بعد التراحم، فإذا تحقق التواد بين الأسرة فيما بينها، وبين الأسر بعضها مع بعضها الآخر، تتنامى بعد تلك الصفات والأعمال والقيم الخلقية الأعلى من التراحم والتواد، وهي الغاية السامية التي ينشدها الإسلام من التعاطف والتعاون والوحدة والاعتصام بحبل الله جميعًا، وهي الصفات والأعمال الثالثة في قوله: "وتعاطفهم" وهذا التنامي بين القيم السامية في التصوير الفني والبلاغي يعد من أرقى أساليب البلاغة النبوية الشريفة.
روعة التصوير الفني في بلاغة التعبير بصيغ المفاعلة في هذا الحديث الشريف، التي تدل على المشاركة والإيجابية والتفاعل بين جميع المسلمين، بحيث يشترك الجميع في هذه الصفات وتلك الأعمال والقيم، فلا بد أن يحدث التراحم والتواد والتعاطف من الجميع دون اقتصار على فرد أو مجموعة دون الأخرى، وذلك في بلاغة التعبير والتصوير الفني بصيغة التفاعل، في قوله ﷺ : "في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم"، متأثرًا ببلاغة القرآن الكريم وإعجازه البياني في قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، كما في حديث آخر: "المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كلَّه، وإن اشتكى رأسه اشتكى كله".
روعة التصوير الفني في بلاغة التشبيه التمثيلي، حين شبه المؤمنون على التمثيل في هذه الصفات، وتلك القيم الخلقية السامية في التراحم والتواد والتعاطف، فلا يستغني أحدهم عن الآخر، بل كل واحد منهم يكمل الآخر، ويحتاج إليه ولا يستغني عنه، حتى تستقيم الحياة فتقوى، وتتحقق لها العزة والكرامة والمجد، مثلهم في هذا البناء القوي الكامل الجميل مثل الجسد الواحد القوي الصحيح الجميل التي اتسقت فيه
стр. 170
الأعضاء وتكاملت، وأخذت موقعها من النسق الجميل والقوي في تحقيق غايته من الحياة الكريمة والقوية والعزيزة، فإذا كان عضو من أعضاء الجسد قد أصابه ضعف أو مرض أو اعتلال أو كسر، كان بالضرورة لبقيته أن يتألم فتشاركه التعب والسهر، مما يؤدي إلى تزايد المرض وسريان الحمى في الجسد كله، وما أروع تقديم السهر وعدم النوم قبل الحمى؛ لأنها مترتبة على الأرق، وهذا هو شأن المؤمنين إذا تراحموا وتودّوا وتعاطفوا واعتصموا بحبل الله جميعًا، فصاروا أمة قوية عزيزة الجانب، يهابها الناس، ويحسبون لها ألف حساب كالجسد القوي الصحيح، الذي يقوى على مقاومة المرض والضعف والهوان، وإن اختفت هذه القيم وانعدمت، تفرق المؤمنون واختلفوا، ومزقتهم العداوة والبغضاء، فانهارت قوتهم وضعفت شوكتهم، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- إذا تحققت قيم التراحم والتواد والتعاطف في المسلم أصبح مؤمنًا فاستحق صفة الإيمان، وهو يزيد وينقص حتى يصل إلى درجة الإحسان.
٢- حث الحديث الشريف على التراحم بين المسلمين فيرحم بعضهم بعضًا بأخوة الإسلام ونسبه.
٣- كما حث على المودة، وذلك بصلة الرحم بالتزاور والتهادي، والتواصل بين ذوي الرحم وبين الإخوة في الإسلام.
٤- كما حث على التعاطف والتعاون والتكافل بين المسلمين جميعًا؛ لأنهم أمة واحدة كالجسد الواحد.
٥- ويحث أيضًا على وحدة الأمة الإسلامية والاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ فتتحطم أمامها التيارات المدمرة من التمزق والتفرق والتنازع.
٦- يقوم الحديث الشريف في تصويره النبوي وبلاغة تعبيره على وحدة فنية وموضوعية وعضوية، ترابطت فيها القيم الخلقية والفنية في نمو واطراد، بحيث لو قدمت قيمة على أخرى لاختل البناء الفني والعضوي من التراحم ثم التواد، ثم التعاطف، ولابد أن تكون الحمى نتيجة للتعب ومرض الجسم الذي اعتل بالأرق وعدم النوم ومسبباته المختلفة.
٧- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي للحديث الشريف
стр. 171
الأمن والسلام:
عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وزاد الطبراني: "ويلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، والذي يبدأ بالسلام يسبق إلى الجنة".
الوحدة العضوية في بلاغة التصوير الأدبي لهذا الحديث الشريف:
تظهر هذه الوحدة في بلاغة الترتيب بين هذه الصفات والأعمال البشرية ترتيبًا واقعيًا في تصاعد ونمو مطرد كالأحداث والمشاهد في القصة، يترتب فيها الحدث الثاني على الأول، والثالث على الثاني وهكذا، وهو ما يسمى في النقد الأدبي بالوحدة العضوية، فانظر إلى هذا الاضطراد والنمو المتصاعد حين بُدئ الحديث بالنهي عن التقاطع في "لا تقاطعوا"، وهو الجفاء والتفرق مما يشتت الوحدة ويمزق الترابط والتآخي، وهذا المشهد بدوره يؤدي إلى مشهد أعلى فيه وأشد وهو عدم التدابر في "ولا تدابروا" لأن فعل التدابر يزداد عن التقاطع بأفعال مذمومة ومحرمة أخرى؛ مِن الافتراء على الغير بالبهتان والغيبة والنميمة، وهذا المشهد الثاني يتنافى ويتصاعد ليترتب عليه المشهد الثالث، وهو عدم التباغض في "ولا
стр. 172
تباغضوا" فيتعاطى المرء زيادة على ما سبق أسباب البغض وهي الشتم والسباب والخصومة والضرب، ثم يترتب على المشهد الثالث -زيادة على ما سبق- المشهد الرابع وهو عدم التحاسد في "ولا تحاسدوا" وهو من أكبر الكبائر، فيزداد على التباغض بالحسد، وهو كراهية الخير للآخرين، وتمني زوال النعمة عن الغير، وهكذا تجد البلاغة النبوية في هذه الوحدة العضوية بين مشاهد الحديث الشريف حتى أصبحت هذه المشاهد في مواقعها، كمواقع الأعضاء في جسد الإنسان فالعين والسمع والأنف واليد وغيرها كل في مكان يكون وحدة عضوية في جسد الإنسان السوي في أحسن صورة؛ فتبارك الله أحسن الخالقين. روعة التصوير الفني في بلاغة التعبير بصيغ المفاعلة في الحديث الشريف وذلك في قوله: "لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا" فعدم التقاطع والتدابر والتباغض والتحاسد وغيرها من الصيغ العربية على وزن التفاعل تدل على المشاركة والصراع والتفاعل بين الطرفين مما تصور حقيقة المنهي عنه والمحرم فيؤدي إلى تشتيت الأمة وتدمير قوتها، فلو كانت هذه الأفعال من جانب واحد لما حدث هذا الضرر، لأن الآخر قد لا يبادله الصنيع فيعفو عنه، ويتعامل معه بالحسنى؛ فلا يحدث الضرر والمحرم، قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وهو ما أشار إليه الحديث الشريف بأن يكونوا عباد الله إخوانًا، فلا يتمادوا في الخصومة فوق الثلاث، وأن خيرهما من يبدأ بالسلام والمحبة فيسبق غيره إلى الجنة، جاء في حديث آخر: "ولينصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا إن كان ظالمًا فلينهه، فإنه له نصر، وإن كان مظلومًا فلينصره".
روعة التصوير الفني في بلاغة ختام الحديث؛ ليكون قرارًا نهائيًا لا مردَّ فيه، وحكمًا فاصلًا غير منقوص، وهذا القرار والحكم هو الأخوة بين
стр. 173
الناس، فهم جميعًا ينتسبون إلى مصدر واحد، يلتقون فيه على عبودية الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وإذا كان ولا بد من المخاصمة؛ فلا يصح أن تتجاوز الثلاثة أيام في غير معصية الله سبحانه، وغير ذلك مما يدل عليه الحديث الشريف من القيم السامية والنافعة في تلك الصور البلاغية الرائعة التي وردت فيه، وفيما زاده الطبراني.
روعة التصوير الفني في بلاغة الحث على المسارعة بالصلح والسلام وتبادل المودة والمحبة، وجاء في تصوير فني درامي، فيه جذب وشد وإعراض وإقبال، ومقاومة وصراع نفسي بين الطرفين، فكلاهما قد أخذته العزة بالإثم بدعوة الكرامة والإباء، فقد يلتقيان، لكن كلا منهما يعرض بجانبه عن الآخر، وتلك هي الأزمة والعقدة، فأراد النبي ﷺ أن يضع البلسم الشافي ليبدد الأزمة ويحل العقدة، وهو أن خيرهما الذي يبدأ بالسلام؛ ليستحق الجائزة الكبرى؛ فيسبق غيره إلى الجة، وهو الفوز العظيم، تأمل ذلك فيما زاده الطبراني "يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام والذي يبدأ بالسلام يسبق إلى الجنة"، فما أروع بلاغة سيد البشر ﷺ .
ويؤكد النبي ﷺ هذه القيم في قوله عن أبي هريرة ﵁: "لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله، التقوى ها هنا، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"، وكذلك قوله عن أبي هريرة أيضًا قال: "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا".
стр. 174
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- يحث الحديث الشريف على نشر المحبة ونشر الأمن والسلام بين الناس جميعًا.
٢- حرم الإسلام القطيعة والخصومة مما يعكر صفو القلب.
٣- وحرم التدابر والتفرق؛ فإنه يمزق الأمة، وتقطع التواصل بينها.
٤- وحرم التباغض الذي يشيع البغضاء بين الناس؛ فيقضي على التعاون على البر والتقوى.
٥- وحرم التحاسد، الذي يحمل الحاسد على الحقد، وتمني زوال النعم والخير عن الغير، وإيثار نفسه به أنانية وتفانيًا في حب ذاته.
٦- لا يجوز أن يهجر المسلم أخاه أكثر من ثلاثة أيام، فإن الخصومة تمزق وحدة الأخوة الإسلامية.
٧- يعتمد الحديث الشريف على الوحدة الفنية في تناسب الألفاظ والأساليب والصور مع المعاني، فتقوم على الوحدة العضوية بين القيم الخلقية والفنية في الحديث الشريف.
٨- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي للحديث الشريف.
стр. 175
بين البخل والإنفاق:
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد، من ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت، أو وفرت على جلده، حتى تخفي بنانه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسعها ولا تتسع".
حب المال والتملك غريزة إنسانية تزداد وتنمو كلما تعلق الإنسان
стр. 176
بالحياة وهام بها فالمال من ميل القلب إليه وحبه حبًا جمًا: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ ، ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ ، ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ قَتُورًا﴾ ، ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ وفي الحديث الشريف: "منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب مال"، "ولو أعطي ابن آدم واديًا من مال لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب" وغير ذلك كثير مما يجعل الإنسان حريصًا على إنفاقه، كما حث على اكتسابه من حلال، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ ، ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ .
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير عن الإنفاق والبخل في هذا الحديث الشريف:
أولًا: شبه الإنفاق والبخل -وهما من المعاني المجردة- بصورة مادية محسوسة بالثوب أو الدرع من الحديد، قد يحمي صاحبه من الهلاك إذا كان منفقًا، أو يكون سببًا في هلاكه والقضاء عليه إذا كان بخيلًا، وفي هذه الصورة الأدبية القائمة على التمثيل المعنوي بالمحسوس، وتشبيه المتخيل بالمادي المحس، يضفي على المعاني الكثيرة فيه جمال المبالغة مع الإيجار، وروعة البيان وسحره مع التركيز والإيحاء؛ لأن النفس تتعلق بالمادي والمحسوس، وتفتتن به أكثر من المعنى المجرد لغموضه وإبهامه، فالمادي يدرك بجميع الحواس، وهي كثيرة مع العقل والعاطفة والوجدان، والمعنوي لا يدرك إلا بالعقل فقط، لذلك كان التجسيم للإنفاق والبخل في هذا الحديث الشريف أبلغ تصويرًا وأقوى بيانًا.
стр. 177
ثانيًا: عبر الحديث عن الإنفاق في صورة أدبية بليغة، تتكون من رجل لبس درعًا من الفولاذ أو الحديد، يحيط بصدره، كلما حرك نفسه بالجهاد وكثرة الإنفاق طال الدرع، حتى كان سابغًا على جميع بدنه، يشتمل عليه كله ليحفظه؛ وينجيه من الهلاك، ويزداد في حجمه كما وكيفًا؛ فيزداد خيرًا ووفرة وبركة؛ وطهرًا وعمرًا ونسلًا وأولادًا؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ . ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ، ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ ، ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ، قال النبي ﷺ : "ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وينزل ملكان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الثاني: اللهم أعط ممسكًا تلفًا"، ويقول أيضًا: "حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع"، "من أراد أن ينسأ له في أجله؛ ويبارك له في عمره وولده وماله؛ فليصل رحمه" أي بالمال وغيره من القربات والهدايا.
ثالثًا: عبر عن البخل والشح في صورة أدبية محسة بليغة؛ تتكون من رجل لبس درعًا من الفولاذ أو الحديد يحيط بصدره، فكلما أمسك عن الإنفاق شحًا وبخلًا؛ أطبق بحلقاته وتلابيبه على صدره ممزقة؛ وعلى أنفاسه فأزهقها، وعلى روحه فخنقها، حتى يكاد أن يموت، فيحاول أن يوسعها فتزداد ضيقًا واختناقًا، حتى تزهق روحه، فيترتب على ذلك اكتناز المال وجموده، وهلاك النفس وتعذيبها، وحرمان الأولاد والناس، وقصر العمر والفقر في المال وقلة النسل والولد؛ والعزلة والبغض
стр. 178
والكراهية، ومثله كمثل من فقأ إحدى عينيه، وقال بأن النظر بهما في وقت واحد إسراف، ومثل قول ابن الرومي في وصف البخيل:
يقتر عيسى على نفسه ... وليس بباق ولا خالد
فلو يستطيع لتقتيره ... تنفس من منخر واحد
ومصداقًا لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ، ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ، ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ، الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ، وفي الحديث الشريف: "خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق"، وقوله: "اتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم"، وقوله في مال البخيل: "يمثل له يوم القيامة بشجاع أقرع يأخذ بلهزمتيه ويقول: "أنا مالك أنا كنزك"، "وتصفح له صفائح من نار تصب فوق رأسه"، ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- حث الإسلام على الجود وأثنى على الجواد الكريم؛ لأن الكرم والصدقة تعود على المنفق بالخير في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة.
٢- حذر الإسلام من الشح والبخل وذم الشحيح والبخيل فإن الشح يهلك صاحبه، والبخل يقضي على البخيل في الدنيا، أما في الآخرة فهما محرومان من الثواب والرضوان، فلا يغني في الدنيا ولا ينفع في الآخرة.
٣- الصدقة تمحو الذنوب، والكرم يذهب بالخطايا، وتنقي المنفق من الدنس والحقارة والعار والخزي والعقاب.
٤- أن الله سيزيد المنفق خيرًا وحسنًا في الدنيا والآخرة، ويمقت البخيل، ويفضح الشحيح، ويعذبهما في الدنيا بالذل والضعف والهوان والضيق والقلق، وفي الآخرة بالعقاب والعذاب والحرمان من رحمة الله تعالى ورضوانه.
٥- يحث الحديث الشريف على جواز ضرب الأمثال، وتجسيم المجردات وتشخيص المعاني، لتوضيحها ونفاذها إلى القلب والعقل والبصيرة.
стр. 179
منابع الخير والحب في الإنسان:
أخرج ابن حبان والبيهقي عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس"، قيل: يا رسول الله، من أين لنا صدقة نتصدق بها؟ فقال: "إن أبواب الخير لكثيرة؛ التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق، ويسمع الأصم، ويهدي الأعمى، وتدل المستدل عن حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على نفسك، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم من طريق الناس صدقة، وهديك الرجل في أرض الضالة لك صدقة".
الصدقة الحسية والنفسية: بلاغة الرسول ﷺ أخرجت الصدقة من إطارها المادي التقليدي إلى آفاق رحبة فسيحة، لتتسع إلى معان كثيرة وقيم إنسانية سامية، تتنوع فيها منابع الخير والحب، والمودة والإخاء في النفس البشرية، فلو اقتصرت الصدقة على الجانب المادي وحده؛ للتطهير من الشح وإعانة الفقراء والمحتاجين؛ لتعطلت وتوقف مدها خلال الاكتفاء الذاتي في بعض العصور، كما أشار إلى ذلك رسول الله ﷺ ، حين تبحث عن الفقير، لتعطيه الصدقة فلا تجد، كما حدث في زمن عمر بن عبد العزيز ﵁، فلم يجد واليه في أفريقيا فقيرًا، يعطيه الزكاة بعد
стр. 180
أن جمعها؛ فالصدقة بالمفهوم المادي، صرح اقتصادي ما دام الفقر موجودًا، ويتوارى دورها خلال الاكتفاء الذاتي، لكن بلاغة هذا الحديث الشريف، جعل الصدقة لا تتوارى مطلقًا، بل تظل حية شاخصة في كل حين لما تقتضيه الضرورة من التصدق عن النفس كل يوم؛ شكرًا لله على نعمائه الكثيرة، فخرجت عن إطارها المادي إلى قيم نفسية وإنسانية سامية، جاءت بالتفصيل في هذا الحديث، لأن أبواب الخير كثيرة، لا يدخل تحت حصر، جاءت في تصوير بلاغي عجيب، يصل إلى أعماق النفس وأصداء الوجدان، لتوقيع ألحان صافية، يحرك بها العوطف والمشاعر، فيأخذ بالعقول والألباب، ذلك في صور بليغة منها:
التصوير البلاغي للنفس الإنسانية وهي تحرك مشاعرها بالعرفان بالجميل، وبالشكر على النعيم والنعم الإلهية، فيلهج اللسان والقلب بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ، ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ .
التصوير البلاغي للنفس الإنسانية وهي تحرك مشاعرها بالخير والحب والإخاء، وهي صدقة معنوية فترفع البلاء والمحنة والعذاب عن أخيه الإنسان، وعن المجتمع المسلم؛ فيلهج لسانه بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ ، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
التصوير الأدبي للنفس الإنسانية وهي تحرك مشاعرها بالخير والحب والإخاء والتعاون؛ وهي صدقة معنوية فتميط الأذى عن الطريق، فترفع