Полный текст (208 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
السكينة والوقار عند الصلاة:
أخرج البخاري عن أبي قتادة ﵁ قال: "بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ سمع جلبة الرجال، فلما صلى قال: "ما شأنكم" -بالهمزة أي حالكم- حيث وقع منكم الجلبة؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة، قال: "فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا".
التصوير الأدبي في بلاغة الحديث الشريف: حين انتهى من الصلاة، بعد أن سمع النبي ﷺ جلبة في المسجد، توجه إليهم يسألهم مستنكرًا "ما شأنكم"؛ فأجابوه: أن سبب الهرج والمرج هو استعجال الصلاة خوفًا من فوات الجماعة وحرصًا على ثوابها، فقال النبي ﷺ : "فلا تفعلوا إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة"، وذلك في تصوير فني بليغ، جمع بين عناصر الجمال من إثارة الوجدان، وحرارة العاطفة، والإقناع العقلي بالنهي القاطع عن الجلبة والعجلة، لا على الحرص في صلاة الجماعة، في صورة فنية تعتمد على الأسلوب الإنشائي، ليصدر حكمًا قطعًا لا شك فيه، في تصوير بليغ للقيم التشريعية السامية، النابعة من "الفاء" التي تدل على الترتيب والتعقيب، ومن النهي القاطع "بلا" الناهية، الداخلة على الفعل المضارع "فلا تفعلوا" في تصوير أدبي يدل على الزجر والردع المستمر في جميع الأحوال، وكذلك تحريك العاطفة والوجدان والعقل بتصوير فني يعتمد على أسلوب الشرط والجزاء، في نسق إيقاعي متوازن، ليترتب الحكم والقرار في جملة الجواب: "فعليكم بالسكينة" على المقدمات في جملة الشرط السابقة "إذا أتيم الصلاة" بحيث يكون الحكم قاطعًا على سبيل التحقيق واليقين؛ فلا يقبل النقض ولا المخالفة، ثم أكد الحكم
стр. 72
باستعمال أداة شرط، وضعت للحقيقة والاستمرار الزماني في لغتنا الجميلة، وهي "إذا" للدلالة على قيم تشريعية أخرى، وهي التأكيد والحث على أداء الصلاة فريضة واجبة، وكذلك الترغيب في أدائها جماعة، والالتزام بالوقار والسكينة في بيت الله تعالى، وطاعة الله تعالى في أوامره ونواهيه وغيرها من القيم السامية.
التصوير الفني لبلاغة الأسلوب في قوله: "فما أدركتم فصلوا"، يقوم على الروافد البليغة، فعبر بالفاء في قوله: "فما أدركتم" للدلالة على تفسير النهي عن الضجيج، وتوضيح الأمر في أداء الجماعة، والتزام الوقار والسكينة في قوله السابق: "فلا تفعلوا إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة"، وهذا التفسير صادر عن "الفاء" الموضوعة للتفسير والتوضيح في بلاغة لغتنا الخصيبة، والمعنى فإذا فعلتم ذلك "فما أدركتم مع الإمام فصلوا معه، وما فاتكم فأتموا"، وكذلك بلاغة التعبير عن قيم الحرص على الصلاة والجماعة والسكينة بقوله: "أدركتم"؛ لأن الإدراك هنا يدل على عدم التكلف والمشقة، وألا يبذل جهدًا فوق الطاقة، فمهما قل المدرك فهو كاف في أداء الجماعة، لأن الأعمال بالنيات يضاعف عليها الأجر والثواب كما في الحديث: "إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى ... "، ولقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ ، واعتمد الأسلوب البلاغي أيضًا على تحريك العاطفة وتعمير الوجدان بالأمن والإيمان، من خلال النسق الإيقاعي والموسيقى بين أسلوب الشرط في قوله: "فما أدركتم" وأسلوب الجزاء والجواب في قوله: "فصلوا"، لتصدر حكمًا مفروضًا، هو الصلاة حسب الطاقة في إدراك الجماعة من غير جلبة ولا عجلة في قوله: "فما أدركتم".
стр. 73
التصوير الأدبي في القول النبوي الشريف: "وما فاتكم فأتموا" فقد جمعت هذه العبارة الموجزة من روافد التصوير وعناصره ما يعبر عن قيم تشريعية كثيرة كالنسق الموسيقي بين الشرط والجزاء لتحريك العاطفة وتعمير العقل والوجدان، ليكون أكثر فهمًا وتحصيلًا واقتناعًا وإيمانًا، ثم عبر عن الغائب بلفظ يدل على العموم وهو "ما" ليتسع لأي مقدار من الفائت، مهما قل أو كثر، فهما سواء في تحقيق ثواب الجماعة، كما دل عليه جواب الشرط في قوله: "فأتموا"، بمعنى أكملوا الصلاة وحدكم. ولدلالة التمام على كمال الصلاة وثواب الجماعة، وفيه دلالة أيضًا على أن ما أدركه المأموم مع الإمام هو آخر صلاته، وعلى المأموم أن يقرأ السورة بعد الفاتحة، لأنها أول الصلاة حتى لا يفوته ثوابه، قال أبو حنيفة بالجهر، واستحب الشافعي عدم الجهر، وفيه دلالة أيضًا على أن صلاة الجماعة تحصل بالركوع الأخير، لقول النبي ﷺ فيما رواه أبو بكرة ﵁ أنه انتهى إلى النبي وهو راكع قبل أن يصل إلى الصف؛ فذكر ذلك للنبي فقال: "زادك الله حرصًا ولا تعُد".
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- الحرص على السكينة والوقار في الإتيان إلى الصلاة بلا جلبة أو صخب.
٢- تنبه المصلي لما يحدث في المسجد من غير كلام وهو في الصلاة لا يفسد صلاته.
٣- تعليم الإمام الأحكام للمأموم إذا وقعت منه مخالفة.
٤- إدراك الجماعة يتم لمن أدرك أي جزء من الصلاة قبل التسليمة الأولى.
٥- ذهب الجمهور إلى أن من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة كما في هذا الحديث، وقيل لا تحسب ركعة لفواته القيام وقراءة الفاتحة.
٦- بالإضافة إلى ما ذكر في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 74
إذا نعس أحدكم:
أخرج البخاري عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم؛ فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه".
التصوير البلاغي في هذه الصورة الأدبية: "إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب النوم" يرجع إلى أسرار بلاغية، تضفي جمالًا وسحرًا على الأساليب الفنية الآتية:
١- فالصورة الفنية في عبارة "إذا نعس" تدل على تحقق النعاس، ولا يكفي فيه مجرد الشك أو الخوف أو الترقب أو الإحساس أو التخمين أو الفرض أو الاحتمال؛ فإن ذلك كله لا يكون سببًا في انصراف المصلي عن صلاته بل يجب أن يتيقن من تغشي النعاس على سبيل اليقين فعلًا، فلا يستطيع أن يقاومه أو يدفعه، وهذا ما يفيده التصوير "بإذا"، التي تدل على اليقين بخلاف التعبير "بإن" التي تفيد الشك والاحتمال فيما لو قيل: "إن نعس أحدكم".
٢- الصورة البليغة في قوله: "أحدكم وهو يصلي" تدل على أن هذا الحكم عام لا يختص بالرجال فحسب، فلم يقل: نعستم أو نعستنّ، وإنما عبر عن الجميع "بأحد" ليشمل الرجال والنساء والصغار والكبار والقوي والضعيف من باب التغليب، ثم انظر إلى الصورة الفنية الثالثة في قوله: "وهو يصلي"، جاءت في موقع الحال من الناعس؛ لتدل على أن هذا الحكم خاص بالمصلي وحده، لا ينطبق على كل ناعس، بل الحكم مقيد ومختص بالناعس في الصلاة.
وتدل أيضًا، على أن الدعاء أثناء الصلاة بالخير أو الشر يكون أكثر
стр. 75
قبولًا واستجابة من الدعاء خارج الصلاة، لأنها تنقل المصلي إلى الحضرة الربانية، ليخاطب ربه مباشرة، بعد أن انقطع عما حوله بقوله الله أكبر من كل كبير، وأولى من غيره، مهما كانت منزلة المصلي قبل الصلاة وبعدها.
٣- وكذلك الصورة الفنية في بلاغة التعبير بقوله: "فليرقد حتى يذهب عنه النوم" ترجع إلى أسرار جمالية نابعة من طرق الأسلوب العربي البليغ الذي يدل على التوازن، وترتب النتائج على المقدمات، في تصوير فني جذاب شيق غير جاف، بل يعتمد على إثارة العاطفة والشعور والوجدان بأسلوب الشرط في قوله: "إذا نعسك أحدكم" على سبيل التحقيق، وبين أسلوب الجزاء الذي صير النتيجة أمرًا حتميًا، فأصبح واجبًا لا بد من تنفيذه وتحقيقه وهو ألا يتم صلاته، بل يجب أن يتركها وينصرف عنها لوقت اليقظة، ليدل أسلوب الجزاء في قوله: "فليرقد" على الأمر والإلزام، ولا يكفي من النوم، غفوة أو غفوتان، بل لا بد من الراحة التامة، حتى يذهب عنه النوم وهذا ما يدل عليه التصوير الفني بقوله: "حتى" الغائية للصورة الفنية في قوله ﷺ : "حتى يذهب عنه النوم" أي لتحقيق الغاية من النوم المريح.
وإنك لتعجب من هذا التصوير الأدبي الرائع في بلاغة التعبير عن عدم ضبط الإدراك؛ ليقطع المصلي الحضور الرباني مع الله سبحانه في الصلاة بسبب النعاس، وذلك في قوله: "فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر، فيسب نفسه" في تصوير فني تنوعت أساليبه البلاغية، التي تدل على سماحة الإسلام وحرص النبي ﷺ على أمته، ومحبته لهم ورحمته بهم، حتى لا يتعرضوا لما يضرهم، لذلك جاء التصوير الفني على سبيل التوكيد أولًا في قوله: "فإن أحدكم"؛ ليحثهم على اتباع ما أمرهم به بلا تردد أو إنكار، وثانيًا: تكرار التوكيد في صورة
стр. 76
فنية أخرى في التعبير "بإذا"، التي تدل على التحقيق واليقين، حتى لا يقطع المصلي الصلاة لمجرد احتمال، ثم جاءت الصورة الأدبية الثالثة، والبلاغية الرائعة، ليصدر عنها الحكم ويؤكد القرار والنتيجة على سبيل التصريح المباشر وهو أن المصلي الناعس لا يدري أيدعو لنفسه ويستغفر لها أم يدعو عليها؟ لأن دعاءه مقبول أثناء الحضور والمكاشفة مع الله في الصلاة، فربما تكون لحظات إجابة، فينزل به الضرر، وهو لا يرضاه الله ورسوله لعباده المؤمنين القانتين إنها الرحمة بأمته، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- الخشوع في الصلاة يقتضي اليقظة التامة، والوعي التام وحضور القلب مع الله تعالى.
٢- الأخذ بالحيطة ومراعاة الحذر في الصلاة، وفي كل أمور الحياة.
٣- إطلاق الدعاء في الصلاة دون تقييد برواتب معينة، ولو كان استغفارًا.
٤- التوقي من المكاره ومن فلتات اللسان، وغفلة الإدراك وقت العبادة للوقاية من الضرر.
٥- حرص النبي ﷺ على أمته، ورفع الضرر عنهم ورحمته بهم.
٦- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 77
التجوز في الصلاة شفقة:
أخرج البخاري عن أبي قتادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إني لأقوم في الصلاة؛ أريد أن أطوّل فيها؛ فأسمع بكاء الصبي؛ فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه".
التصوير الأدبي في بلاغة الأسلوب النبوي الشريف لأداء صلاة طويلة في قوله ﷺ : "إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها" اختار أساليب التوكيد المختلفة للدلالة على صدق نيته، والعمل على تنفيذ عزيمته فليس الأمر نية فحسب، بل تنفيذ وسلوك وعمل متكامل، جاء ذلك من صورة أدبية قوامها مؤكدات متنوعة منها: "إن" المشددة المؤكدة الناصبة للمبتدأ الرافعة للخبر، ومنها: اسمية الجملة التي تدل على الثبات والدوام، فالجملة اسمية مكونة من المبتدأ وهو الياء، وخبر والتقدير أنا لأقوم، ومنها: لام الابتداء التي دخلت على الخبر، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، بالإضافة إلى أنها توحي بالقسم الذي يزيد القيم الخلقية تأكيدًا والتقدير "إنني والله لأقوم"، ومنها أن طويلًا نابع من الإرادة والاختيار، وهي الميزان والمقياس الفاصل في التمييز بين الحسنات والسيئات والصالح والطالح، ومنها مجيء الحال هنا مؤولة من "أن المصدرية والفعل المزيد بالهمزة والتضعيف في "أطول"، وهي زيادات في المبنى تدل على زيادات في المعنى، وهو ما لا يتحقق في الحال الصريح فيما لو قيل: "الطويلة"، تلك بلاغة النبي ﷺ في التآخي بين معاني الكلمات، وهو النظم المجرد من صور الخيال، وما أروع التعبير هنا بقيام الصلاة؟ لا أدائها؛ لأن القيام يختص بالصلاة ولازم له، بينما الأداء عام لجميع الأعمال، ليتفق مع القرآن الكريم في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أي أحسنوها بالكمال والدوام.
بلاغة الأسلوب النبوي الشريف جاءت في صور أدبية مثيرة في قوله: "فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي" فالصورة الأولى في حرف الفاء، فهي فاء فصيحة، أفصحت عن جملة مقدرة، وهي: "يبكي الصبي فأسمع بكاءه" والبلاغة في تمام المعنى واستقصاء جوانبه المختلفة، وفيه دلالة على أن تلقي الأذن لأصوات خارجة عما يتصل بالصلاة لا تبطلها،
стр. 78
لأن التلقي بالأذن لا يمكن حجبه، وتقييد التجوز في الصلاة بالبكاء الصادر من صبي لا من كبير، لأن ذلك لا يقتضي التجوز الطارئ على الصلاة، لكن الشرع يأمر بالتخفيف فيها ابتداء لرعاية المريض والكبير وذا الحاجة، كما ورد في حديث شريف آخر، والصورة الثانية؛ في الفاء الثانية فهي تصور السرعة والملاحقة، لا التسويف ولا التأخير، حتى لا تتأذى أمه أو يقع التشويش في صلاتها، لأن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب السريع، على العكس من حرف العطف "ثم"، والصورة الثالثة، "أتجوز في صلاتي" من الاجتياز السريع والتخفيف، فيقال اجتاز الطريق أي قطعه بسرعة. "والصورة الرابعة" في بلاغة التعبير بحرف الجر "في" لتدل على التخفيف في أفعالها وأركانها وسننها الداخلة فيها، لا بتركها والانصراف عنها، كما يدل حرف "عن" على ذلك فيما لو قيل: "عن الصلاة"، فهي بمعنى المجاوزة أي يتجاوزها إلى فعل آخر غير الصلاة، مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ، فهم يكذبون بالدين وهذا من لطف الله ورحمته بالمصلي، ولو كان التعبير هنا بحرف "في" لكان كل مصل مكذبًا بالدين، لأن أي صلاة لا تخلو من مداخلات ووساوس غريبة عن طبيعتها كما ورد في حديث شريف، حينما تسابق أبو بكر وعمر ﵄ على ذلك، فلم يوفقا في نيل الجائزة منه ﷺ بعد اعتراضهما على صحابي سأله عن ذلك، فأمره بمقاومة المداخلات كلما أمكن ذلك.
حلاوة التصوير الأدبي في قوله ﷺ : "كراهية أن أشق على أمه" يشعر بها القلب، وتثلج الصدر وتشرحه، وذلك من خلال حسن التعليل في كلمة "كراهية" المنصوبة على المفعولية لأجله، أي لأجل الكراهية التي تأباها النفس، وتنفر منها الأذواق السليمة والفطرة المستقيمة، وتتعارض مع رقة القلوب، وحنان الأمهات والآباء على أولادهن الصغار الضعاف،
стр. 79
لذلك جاءت الصورة البليغة التالية لتؤكد هذه القيم الخلقية السامية في قوله: "أن أشق على أمه" فالمشقة أمر لا يطاق، بل يتعارض مع تعاليم الشريعة السمحة: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ، ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ وتتضاعف المشقة لو وقعت على الأم المفطورة على الحنان، والرقة والعطف على فلذة كبدها، لذلك أكد على البر بها أكثر من مرة، بينما الأب مرة واحدة حيث قال: "أمك ثم أمك، ثم أمك ثم أبوك" والمشقة على الأم أشد وأعظم من المشقة على غيرها، نعم فهو أبلغ العرب قاطبة ﷺ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- رقة قلب المصطفى ﷺ ورحمته بالصغير والكبير والمريض وذي الحاجة.
٢- إن إرادة اختصار الصلاة أو تطويلها لمثل هذا الأمر خلال الصلاة لا يبطلها.
٣- جواز حضور النساء صلاة الجماعة في المسجد.
٤- وكذلك جواز حضور الصبيان والأطفال واصطحابهم إلى المسجد في صلاة الجماعة.
٥- سماحة الإسلام ويسره حتى في أركانه المفروضة.
٦- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 80
الفصل الثالث: الصوم والحج
شهر عظيم مبارك:
أخرج أحمد والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ حين استقبل شهر رمضان قال: "قد جاءكم شهر مبارك افترض عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم".
التصوير البلاغي في قوله: "قد جاءكم شهر مبارك افترض عليكم صيامه" يعتمد على مصادر جمالية وأسرار بلاغية، تسمو بالأسلوب النبوي الشريف إلى قمة التأثير القلبي والوجداني، وإلى الإقناع العقلي والحسي والسلوكي، فقد عبر عن فضيلة شهر رمضان وتميزه عن غيره بقوله: "مبارك" بصيغة المفاعلة، لا بالبركة فحسب، للدلالة على أن العمل الصالح فيه يتفاعل ويتكاثر ويزداد، فالفريضة فيه بسبعين فريضة، والنافلة فيه تسمو إلى ثواب الفريضة، والمال فيه يتضاعف حتى لا تجد فيه فقيرًا أو معدمًا، والصدقة فيه تربو وتتكاثر، والجسد فيه يصح ويخلو من الأمراض والعلل حتى يقوى على طاعة الله، وعلى السعي والعمل "صوموا تصحوا" وفي الحديث الشريف: "من أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، ومن تطوع فيه بنافلة كان كمن أدى فريضة فيما سواه، فيه ليلة خير من ألف شهر"، وعبر الحديث الشريف عن الفريضة بالفعل المبني للمجهول "افترض"، ولم يقل: فرض الله عليكم صيامه، للدلالة على أن الفريضة ليست أمرًا فحسب، بل إن الإنسان في حاجة إلى الصيام؛ لتهذيب نفسه وإصلاح بدنه وطبه، فهو الذي
стр. 81
يستوجب الفريضة؛ لذلك كان الفاعل حكمًا هنا، وليست ليس الذات العلية، وإنما هو الصائم، لأن في الصيام مصلحته وسعادته، فالله غني عن عباده، فهم محتاجون إليه.
التصوير البلاغي في قوله: "تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين"، فترجع الأسرار البلاغية فيه إلى عناصر جمالية تضفي على الأسلوب النبوي الشريف الروعة والجمال والقوة والتأثير والإقناع، منها: بناء الأفعال الثلاثة للمجهول لا للمعلوم في "تفتح، وتغلق، وتغل" للدلالة على عموم الفاعل؛ ليدل على أن الإخلاص في هذه الفريضة وكمالها، يكون هو السبب الرئيس في ذلك. فهو الذي يفتح أبواب الجنة، ويغلق أبواب جهنم، ويسد مجاري الشياطين في النفس، ويشمل عوالم أخرى تعلمها كالملائكة وخزنة الجنة وجهنم، وعوالم لا نعلمها يسخرها الله لفتح الجنة وغلق جهنم وغل الشياطين، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ ، ويدل التصوير الأدبي أيضًا على أن جميع أبواب الجنة تفتح للصائم، وأولها باب الريان الخاص بالصائمين، فلا يدخل منه غيرهم، وتغلق دونه أيضًا جميع أبواب جهنم، وتغل جميع أنواع الشياطين، فلا يدخل منه غيرهم، وتغلق دونه أيضًا جميع أبواب جهنم، وتغل جميع أنواع الشياطين المختلفة من شياطين النفس من الأبالسة وشياطين الجن الشريرة؛ وشياطين النفس الذاتية، وهي الميل والهوى والشهوة، وفي الحديث الشريف: "لا يصوم عبد يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم النار عن وجهه سبعين خريفًا" فما بالك بالشهر كله، وبشهور رمضان العمر كله، اللهم بلغنا رمضان ولا تحرمنا أجره العظيم.
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير في قوله: "فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم"؛ فالتنكير في "ليلة" للدلالة على تعظيم
стр. 82
منزلة ليلة القدر من حيث الكيف، فثواب العمل فيها يعدل ثواب ألف شهر، ومن ذا الذي يستطيع أن يقوم بالعمل المتواصل في ألف شهر.
والخاسر هو من حرم ثوابها، لأنه لا يستطيع أن يحصل عليه في العمر كله؛ لأنه يعتريه النوم والغفلة في كل يوم وليلة، لذلك كان الحرمان من ذلك حرمانًا عظيمًا لا حصر له بلا حدود، لذلك تسلط الفعل على الخير مباشرة، وعبر "بالخير" مقرونًا بأل للتعريف للدلالة على الاستغراق والشمول لجميع أصناف الخير، وللدلالة على الخير المعهود والموعود من قبل الله ، والله لا يخلف الميعاد، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- الاحتفاء باستقبال شهر رمضان كل عام، وإعلان الفرحة والابتهاج به والاهتمام برؤية هلاله، وتهيئة النفس لصيامه وقيامه.
٢- شهر رمضان شهر مبارك، يضاعف فيه كل شيء، حتى في الرزق والمال فالفريضة بسبعين فريضة، والنافلة بثواب الفريضة، حتى يكفر الله تعالى السنة التي قبل شهر رمضان المبارك.
٣- جعل الله صيام رمضان فريضة وركنًا من أركان الإسلام كما ورد في القرآن الكريم والسنة الشريفة.
٤- في شهر الصيام تتفتح أبواب الجنة؛ لأن أوله رحمة، ووسطه مغفرة وآخره عتق من النار.
٥- تغلق فيه أبواب الجحيم؛ لأن الصائم يعتق رقبته من النار.
٦- الصيام يوصد أبواب الشياطين، ويضيق مجاري العروق عند الصائم فتضيق الخناق على الشيطان.
٧- بركة شهر رمضان ترجع إلى وجود ليلة القدر فيه، نزل فيها القرآن الكريم، لذلك كان أفضل الشهور.
٨- من فاته صيام هذا الشهر، فقد حرم الخير كله؛ لأنه لا يعود في عمر الصائم مطلقًا.
٩- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي في الحديث الشريف.
стр. 83
شهر الصبر والمواساة:
أخرج أحمد والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وهو يستقبل شهر رمضان، وهذا الحديث بقية الحديث السابق: "وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة فمن فطر صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء".
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير النبوي الشريف في قوله: "وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة"، يدل على أن رمضان المعظم شرعه الله ؛ ليغرس في الإنسان قوة الإرادة وصدق العزيمة، والثبات على الشدائد والنوازل والصبر عليها، لأن من يصبر على ضرورات الحياة من ترك الطعام والشراب، الذي يحفظه من الموت والهلاك، ويصبر على ذلك ثلاثين يومًا في كل عام، فإنه قادر على أن يصبر على الشهوات وليست ضرورية، وعن الكماليات وهي زائدة عن الضرورات، يمكن الاستغناء عنها بالضروري من الطعام والشراب، لأن من تسلح بغريزة الصبر التي
стр. 84
ينميها الصيام في النفس، يستطيع أن يتلقى النوازل والشدائد بصدر رحب، وأن يواصل السعي والعمل، وأن يطيع الله تعالى بالصبر والمرابطة والمصابرة، بإرادة قوية وعزيمة صادقة لكل أنشطة الحياة، وتأكدت هذه المعاني بصورة بلاغية أخرى، نبعت من أسلوب القصر والحصر، فقد قصر الحديث ثواب الجنة على الصبر "والصبر ثوابه الجنة" عن طريق تعريف المبتدأ والخبر، فالمبتدأ وهو "الصبر" معرف "بأل" وجملة الخبر وهي "ثوابه الجنة" جاءت معرفة في المبتدأ الثاني وخبره أيضًا، فالمبتدأ بالإضافة "ثوابه"، وخبره معرف "بأل"، كل هذه المعرفات تقصر الخبر على المبتدأ، وهو قصر ثواب الجنة على الصبر، وتأكيده فلا يبرح عنه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ، وقال أيضًا: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ، وقال أيضًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
التصوير البلاغي في روعة الأسلوب النبوي الشريف لقوله: "وهو شهر المواساة فمن فطر صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار"، فقد عبر بصيغة المشاركة والمفاعلة في صورة "المواساة"، للدلالة على أن الصيام يغرس في النفس شيمة لازمة، يتفاعل بها المسلم مع المحتاجين والفقراء طوال العام، وفي عمره كله، لأن الله أجرى حقوقهم على أيديهم، فلا يصح أن يمنع حقهم في كل حين، بل يواصل الإنفاق عليهم مما يعين على نماء المال وزيادته، ثم دلالة المواساة الفعالة على معاني العطف والتراحم والتعاون والتكافل والتآخي والحب والمودة والعدل والمساواة والتواصل وغيرها، لذلك كان الأجر عظيمًا وشاملًا، فمن فطر صائمًا، وأعطى فقيرًا كفر الله عنه سيئاته كلها، بل أعتق رقبته من النار وجعله من أصحاب الجنة، وما أعظم هذا الثواب؟ ومن روعة التصوير الأدبي أن
стр. 85
الحديث الشريف أطلق النفقة والإفطار للدلالة على المساواة والعدالة بين الغني والوسيط في ماله، وبين من لا يملك شيئًا، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ حتى يتساوى الجميع في الثواب، ولا يحرم منه أحد، ما دامت نيته صادقة في ذلك، فقد يكون الإطعام والإفطار ثمرة أو مزقة لبن، أو يكون شربة ماء، وهذه يملكها الجميع، وقد تكون بالقول المعروف والكلمة الطيبة أو بالابتسامة وطلاقة الوجه وهذه أيضًا يملكها الغني والفقير على السواء، قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ ، كما قد تكون الصدقة بترك المحرمات.
روعة التصوير الأدبي في بلاغة الأسلوب النبوي الشريف في قوله: "وكان له مثل الصائم من غير أن ينقص من أجر الصائم بشيء" فجاءت الصورة الأدبية على سبيل التشبيه التمثيلي، فقد أعطى لمن واسى الناس بالإفطار أو بالصدقة من الأجر مثل أجر المواسى، ثم أطلق الثواب، فليس المراد ثواب الطعام والصدقة فحسب، بل أكثر من ذلك وهو ثواب عمله الصالح كله؛ لأنه بهذا الطعام وبتلك الصدقة، قد أعانه على طاعة ربه، وعلى النفقة والسعي على أولاده، ليأخذ ثواب ذلك كله، أي ثواب طاعة الله تعالى والسعي على المعيشة ورعاية الأولاد وتربيتهم، وأكد الحديث الشريف تلك المعاني في قوله: "وكان له مثل أجره" ثم أكد هذا الشمول بعبارة بليغة أخرى وهي "من غير أن ينقص من أجر الصائم بشيء" كما جاء في حديث شريف آخر "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" تلك هي بلاغة المصطفى ﷺ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- تنوعت القيم الخلقية والتشريعية من خلال التصوير الأدبي والفني.
стр. 86
٢- فريضة الصيام شهر كامل، وهو شهر رمضان في أيام معدودات؛ فمن شهد منكم الشهر فليصمه، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان.
٣- يربي الصيام في النفس خليقة الصبر، وما أحوج الإنسان إليها ليقاوم مشقات الحياة ونوازلها وقضاء الله تعالى وقدره.
٤- يربي الصيام في النفس قوة الإرادة وصدق العزيمة، وبها يتخطى الحواجز والعقبات.
٥- وليس أعظم عند الله ثوابًا من الصبر، فثوابه الجنة ورضوان الله .
٦- يترك الصيام في النفس قيمًا خلقية وتشريعية كثيرة، تعود على الأمة الإسلامية بالتقدم والرقي والمجد والعزة والقوة، والبذل والكرم والعطف والتراحم والتعاطف والتعاون والمحبة والتكامل والإنتاج والاستهلاك ورواج الأسواق والتجارة.
٧- من اتصف بهذه القيم استحق أجرًا كبيرًا من تكفير السيئات وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجر الصائم لا ينقص من أجره بشيء.
٨- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي في الحديث الشريف.
стр. 87
الصيام جُنة:
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم مرتين، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به والحسنة بعشرة أمثالها".
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير لقوله: "الصيام جنة فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمة فليقل إني صائم مرتين"؛ فقد تعددت مصادر الجمال في هذا التصوير الفني منها: التشبيه البليغ في جعل الصيام كالدرع الذي يقي من سهام العدو ويحفظ من القتل، لأن الشأن في الصيام بحدوده المشروعة يمنع صاحبه من الفحشاء والمنكر ويغرس فيه القيم الخلقية السامية في الدنيا، ليكون ذلك وقاية له من النار في الآخرة، وفي رواية أخرى للترمذي "جنة من النار"، وفي بلاغة التعبير بالصيام لا الصوم وبصيغة المفاعلة ليدل على صراع النفس مع هواها وشيطانها وشهواتها؛ ليخرج منتصرًا على كل ذلك، فائزًا بالأجر العظيم المضاعف، وكذلك صيغة المفاعلة والمشاكرة في بلاغة قوله: "قاتله أو شاتمه"؛ لأنها تقتضي وقوع الفعل من الجانبين، فيحدث مدافعة من الصائم ليكف نفسه عن الوقوع في الشتم والسباب، وهو يدل على روعة التصوير الأدبي في ألفاظ الصيام والمشاتمة والمقاتلة، لدلالتها على المصابرة والمجاهدة والصراع، حتى يسمو إلى درجة الصبر كما في الحديث: "وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة" قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ، وكذلك بلاغة التعبير في قوله: "إني صائم مرتين" باللسان ليزجر النفس عن انتهاك المحرمات في الصيام، فيؤكد منع المشاتمة والمقاتلة، كما في حديث آخر عن أبي هريرة ﵁: "ليس الصيام من الأكل والشرب، وإنما الصيام من اللغو والرفث فإن سابك أحد وجهل عليك فقل إني صائم إني صائم".
بلاغة التصوير الأدبي في قوله: "والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم
стр. 88
أطيب عند الله من ريح المسك يترك طعامه وشرابه وشهوته" يعود إلى كنايات تتعدد فيها المعاني، ليقف المتلقي عليها بعد لأي؛ لتقع من النفس موقع الماء البارد العذب من العطشان؛ ليزداد تمتعًا بالنعمة وامتنانًا بالشكر عليها، فالصورة البلاغية الأولى في قوله: "والذي نفسي بيده" كناية عن قدرة الله تعالى وعظمته وإحاطته بكل الكائنات، وفيها دلالة على عظيم أجر الصائم، والصورة البلاغية الثانية في قوله: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"، كناية عن رضا الله تعالى عن الصائم، لأنه يعرف يوم القيامة بطيب رائحته كالمسك، بعد أن كانت في الدنيا متغيرة لخلو المعدة من الطعام من أثر الصيام، وفي رواية مسلم والنسائي: "أطيب عند الله يوم القيامة"، والصورة الفنية الثالثة في قوله: "يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي"، كناية عن الإخلاص في صيامه والتزام حدوده المشروعة بتنفيذ تعاليمه وكمالياته، واجتناب محرماته ومنهياته.
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير لقوله: "الصيام لي وأنا أجزي به والحسنة بعشرة أمثالها"، يعتمد على صورة فنية كناية عن أسمى أنواع الأمانات في: "الصيام لي"، لأن الصيام سر بين العبد وربه، فهو يعلم السر وأخفى، فلا يدخل فيه أدنى مظاهر الرياء من التمسك بالأمانة حتى لا يكتسب ثقة الناس، فيحملون عليه أمانات أخرى، والصورة الثانية في قوله: "وأنا أجزي به"، فهي كناية عن عظيم ذلك العطاء وضخامة الجزاء فالله تعالى هو المجازي وحده، وليس بعد ذلك من جزاء عظيم، والصورة الثالثة في قوله: "والحسنة بعشر أمثالها" جاءت في تعبير بلاغي لا يقتصر على العشرة فحسب، بل المراد مضاعفة ذلك إلى سبعين أو سبعمائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء، لذلك جاءت رواية الموطأ: "إلى سبعمائة ضعف".
стр. 89
التصوير البلاغي المستمد من المعاني الموضوعة في اللغة لألفاظ الحديث، وأساليبه تعددت مصادرها الجمالية والبلاغية، فالصورة البليغة الأولى انتقلت من الإجمال إلى التفصيل، لتوضيح هذه القيم الخلقية السامية للصيام، ولتوكيدها أكثر لأهميتها، وحث المسلم على اتباعها والعمل بها، وذلك حينما أجمل في جعل الصيام جنة، أي وقاية من المعاصي وسترة من الأوزار والسيئات، لأنه يكسر حدة الشهوة ويضعفها، ويقوى هذا المعنى برواية أحمد والدارمي: "ما لم يخرقها بالغيبة"، أو وقاية من النار، لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات، ويتأكد هذا المعنى برواية الترمذي "جنة من النار"، وهذا هو الإجمال، ثم تتأكد هذه القيم بالتصريح في أسلوب يجمع بين التفصيل والإيضاح، حين قال: "فلا يرفث ولا يجهل"، أي لا يفحش في الكلام، ولا يفعل فعل الجهال من الصياح والسخرية، والسفه والجهل والجدل، ثم يزداد تفصيلا في قوله: "وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين"، بمعنى إن امرؤ لاعنه وسابه أو ذمه وأساء إليه، فليقل بلسانه إني صائم، أي لا يمنعني صومي من الرد عليك، هذا إذا كان الصوم فريضة، ويقول في نفسه إذا كان الصوم تطوعًا دفعًا للرياء، حتى لا تنتهك حرمة الصيام لسمو منزلته عند الله، لقوله تعالى في الحديث القدسي: "الصيام لي وأنا أجزي به"، والصورة البلاغية الثانية جاءت عن طريق الإطناب بالقسم في قوله: "والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم.. إلخ " لأن الشأن في القسم الإيجاز بقوله: "والله وبالله وتالله"، للدلالة على سمو الصيام وطيب رائحة الفم الكريهة عند الله تعالى، وإن كانت كريهة عند الناس، لأنه ترك طعامه وشرابه وشهوته ابتغاء مرضاة ربه، والصورة البلاغية الثالثة وردت بصيغة المفاعلة "قاتله أو شاتمه"، للدلالة على ما يحدث من الصراع الدائر بين
стр. 90
الطرفين، بدوافع هوى النفس وغواية الشيطان، وحب الانتصار على الغير، سواء من البادئ بالسباب والشتم، أو من المعارض الذي يدفع عن نفسه، ويرد عليه السباب، فعليه أن يقاوم ذلك بشدة، فيمسك لسانه ويغالب هواه، "فالشديد منكم من يملك نفسه عند الغضب" كما ورد في الحديث الشريف.
التصوير الفني في بلاغة الأسلوب البياني المستمد من ألوان الخيال، يتخذ منها صورًا فنية جميلة، تأخذ بالعقول وتسيطر على القلب والعاطفة والوجدان، وذلك في الصورة القائمة على التشبيه الصريح حين شبه الصيام بالجنة، وهي الدرع الذي يحمي القاتل من ضربات العدو، فترتد عنه السهام وتنكسر حوله السيوف، وللدلالة على ما يشتمل عليه الصيام من المفاعلة والمشاركة ومقاومة هوى النفس والشيطان والشهوات والملذات فيمسك عن كل ذلك ابتغاء مرضاة ربه ، لأنه يمنع نفسه من ضروريات الحياة وكمالياتها، حتى لا يرتد خاسرًا لقوله: "فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" كما يحمي الدرع المتقي به من القتل والهلاك، كذلك الصيام يحمي صاحبه بقيمه السامية.
والصورة البلاغية الثانية تكونت في التشبيه الضمني في قوله: "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك"، وهو من أنواع التشبيه البليغ، التي تزداد فيه المعاني البليغة عن التشبيه الصريح السابق، ومن بينها إقامة الدليل المقنع على هذه المعاني، لأن التشبيه الصريح في ذلك "رائحة الفم كالمسك"، ولكن التشبيه الضمني أكثر بلاغة لما يفيده من معان كثيرة، كما في صيغة "أفعل التفضيل" في أطيب، تدل على أطيب الروائح على الإطلاق، فهي عند الله أعظم مما عند الناس، وأن رائحة المسك
стр. 91
جزء يسير من خلوف فم الصائم، لدلالة "من" على البعضية ثم إتيان التشبيه الضمني في أسلوب غير صريح، مما يحتاج إلى تأمل وطول نظر، فإذا ما جاهدت النفس في الوصول إلى المعاني، كانت كالدليل على مفهومها وتأكيدًا لها، فتستقر في النفس وتكون أشد علوقًا بها، فلا تذهب عنها إلا بعد أمد بعيد، كذلك في بقية الصور البلاغية في هذا الحديث الشريف.
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- اشتمل الحديث على قيم خلقية وتشريعية كثيرة ظهرت من خلال التصوير الأدبي والبلاغي، ومنها أيضًا:
٢- الصيام يقي الصائم والمجتمع حوله من الشهوات واللهو والمعاصي والأوزار، ومن العلل والأمراض ومن هوى النفس وعبث الشياطين في الدنيا، أما في الآخرة فيقي الصائم من هول الموقف وشدة المحشر، فلا يصيبه الظمأ، كما يقيه من لفح الشمس ولهيب جهنم وعذابها، فيدخل من باب الريان، لا يدخل منه أحد إلا الصائمون.
٣- الصيام يصون النفس من الرفث والفسوق والجهالة والملاعنة والمشاتمة فيحفظ لسانه وقلبه من كل ذلك؛ ليظل عفيفًا ظاهرًا مبرأ من الدنس والفحشاء والمنكر.
٤- رائحة فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك في الدنيا والآخرة مما يدل على مرضاته ، ورضا الله سبحانه غاية قلما تدرك؛ فمن رضي عنه لا يسخط عليه أبدًا ولا يغضب.
٥- الصيام سر بين العبد وربه؛ لأنه يغرس في النفس أسمى أنواع الأمانات المجردة من الدوافع والرياء والتظاهر والتفاعل مع ثناء الناس.
٦- السيئة بمثلها والحسنة بعشر أمثالها والله يضاعف لمن يشاء، هذا بالنسبة لما تسجله الكتبة من الملائكة عن اليمين وعن الشمال عزين، أما الصيام فثوابه يختص الله بجزائه وثوابه وهو أكرم الأكرمين؛ فلا يقتصر على العشرة، بل يضاعفه الله أضعافًا مضاعفة، لأنه بين العبد وربه، وهو شهر الصبر ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
٧- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي في الحديث الشريف
стр. 92
من لم يدع قول الزور:
أخرج الجماعة غير مسلم عن أبي هريرة ﵁ عنه قال: "قال رسول الله ﷺ : "من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
بلاغة التصوير الأدبي في قوله: "من لم يدع قول الزور والعمل به" ترجع إلى عناصر الجمال في دقة الأسلوب، من روافد الإمتاع والتأثير في الوجدان والنفس، والإقناع الشامل بالدليل الواضح والحجة الدامغة؛ فعبر بمن الشرطية لإفادة أمرين، أحدهما: أن "من" تدل على العموم فتشمل كل إنسان رجلًا أو امرأة، صائمًا أو غير صائم، حاكمًا أو محكومًا، في حقوق الله أو في حقوق العباد، صغيرًا أم كبيرًا، لأنه لم يقيد قول الزور وعمله بالرجل أو المرأة وبالصائم أو المفطر، ولا بالحاكم أو المحكوم، فأتى بلفظ يشمل هؤلاء جميعًا فلا فرق بين الرجل والمرأة، إلا أن الأخيرة في الشهادة يكون معها غيرها مقابل الرجل قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ،
стр. 93
فلا فرق بين المفطر في رمضان وقائل الزور فيه فعقابهما شديد، لكن عقاب قائل الزور وهو صائم أشد لحرمة شهر رمضان المعظم، الذي يضاعف فيه الأجر، مما يقتضي بشاعة الذنب في الحرمان من ثواب العمل المضاعف، إلى سبعين ضعف والله يضاعف لمن يشاء، وكذلك فالعقاب أشد كما جاء في الحديث الشريف: "فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، وثانيهما: عبر "بمن" وهي أداة تدل على الشرط التي تتضمن معنى الالتزام والإلزام باجتناب الزور، ولا مناص من ترتب الثواب على تركه، ولا مناص من العقاب لمن وقع منه، لأنه ترتب على فعل الشرط جواب الشرط وجزاؤه؛ فكان بمعنى الجزاء المتنوع حسب تركه أو فعله، لأن الجزاء من جنس العمل، كما يتضح من قوله: "فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" ويشمل جميع الحقوق، لأن قول الزور في حق الله أولى بالنهي عنه، لأنه يترتب عليه الكذب والافتراء والبهتان على الله ورسوله، ومن فعل ذلك فليتبوأ مقعده من النار، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلامِ﴾ وكذلك ما يترتب عليه من ضياع حقوق العباد، فيعين على نشر الفساد والظلم قال تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
وبلاغة التصوير الأدبي: في التعبير عن ترك الزور والعمل به بصورة فنية محسة حين صور الحديث الشريف التحريم والنهي -وهو معنى مجرد- بمحسوس في "لم يدع" أي لم يترك الشيء المجسم، لأن تأثير المحسوس في النفس يكون أقوى، ويكون أيضًا دليلًا ملموسًا ومرئيًا، لتجمع هذه الصور البليغة بين الإمتاع والتأثير والإقناع معًا، ثم كانت بلاغة التعبير في الجمع بين قول الزور والعمل به، ليستقصي كل أشكاله، في التحريم سواء
стр. 94
أكان قولًا مجردًا من الفعل، حتى لا تشيع الفاحشة بين الناس، أو فعلًا وسلوكًا، وهو أشد فحشًا وإفسادًا في الأرض؛ لذلك جاء التحذير الشديد منه في حديث آخر يجعله من أكبر الكبائر: "ألا وقول الزور" وجعل يكررها حتى تمنى الصحابة ﵃ أن يسكت النبي ﷺ .
روعة التصوير الأدبي في بلاغة التعبير لقوله: "فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، وأسباب الجمال فيه تعتمد على عناصر فنية بليغة، منها أن جواب الشرط هنا جاء في صورة النفي في قوله: "فليس"، للدلالة على النهي والتحريم لبشاعة الجرم والإفساد، وأنه لا فرق في مضاعفة الأجر بين ترك الطعام والشراب وبين ترك المنهيات حتى ولو سقطت الفريضة عن الصائم؛ فلا يستحق مرتكب المحرمات من مضاعفة الأجر، لذلك فالله غير محتاج إلى شيء من ذلك، وإنما الصائم هو الذي يحتاج، وجاءت أيضًا هذه الصورة الفنية على سبيل الكناية، حين نفى السبب وهو ترك الأكل والشرب، وأراد المسبب وهو الرد وعدم التفات الله تعالى له ولا قبوله، بل حذر من الزور وفعله، ثم ذلك التوازن بين الإيقاع الموسيقي في فعل الشرط والجزاء، مما يثير الانتباه ويوقظ الوجدان ويأخذ بمجامع القلب والعاطفة، حتى تستقر هذه القيم في النفس عن طريق منافذ الإدراك المختلفة، مما يتفق مع حديث آخر "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر".
التصوير البلاغي: المستمد من المعاني الحقيقية، التي تواضع عليها علماء اللغة لألفاظ الحديث الشريف، وبلاغة أسلوبه، منها: بلاغة من الشرطية في صورة أدبية تفيد العموم، فلا فرق في تحريم الزور والعمل بين
стр. 95
الصائم والمفطر، ولا بين الذكر والأنثى، ولا بين الصغير والكبير، ولا بين المكلف والمميز غير المكلف، حتى يصير عادة له كما في حديث الصلاة: "أؤمروه لسبع واضربوه عليها لعشر"، ومنها الصورة البلاغية في "لم يدع" لا "لم يترك"؛ لأن من معانيها الوداعة والرفق والحب والميل القلبي، ولا يكون ذلك إلا عن إيمان وحب وإخلاص، ابتغاء مرضاة الله ، سواء في ترك الزور والعمل به، أو ترك الطعام والشراب، ومنها الصورة البليغة في التعبير "بحاجة" منكرة لإفادة التنويع، لأن الله تعالى غني عن عباده، لا يحتاج شيئًا مطلقًا صغيرًا كان أو كبيرًا، فجند الله تعالى كثير من غير الأناسي، يسبحون بحمده على الدوام كالملائكة لا يفترون، بل يسبح له كل ما في الكون: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ، ومنها الصورة الفنية المستمدة من موسيقى التزاوج بين القول والعمل، وبين الطعام والشراب، لأن الإسلام عقيدة وعمل، وقول وسلوك، فكمال الصيام لا يتم إلا بترك المنهيات والمحرمات من الطعام والشراب، وقول الزور والعمل به وهو أقبح المنهيات لفظاعته.
التصوير الفني في بلاغة الأسلوب البياني المستمد من الصور الخيالية، التي تحرك المشاعر والعاطفة، وتستقر في العقل والوجدان، منها ذلك التشخيص الحي في صورتين أدبيتين بليغتين، وذلك بتشخيص قول الزور والعمل به بشخص له إرادة في قول "يدع" فيتعامل بها مع الصائم، ويتفاعل معه فيقاومه بالترك أو بعدمه، فقد ينتصر أحدهما على الآخر في صراع ومقاومة، وكذلك صراع النفس وهواها مع قوام حياته من الطعام والشراب، فلا يستغنى عنه بحال، فهو من ضروريات الحياة وبدونهما يكون الهلاك والموت، ومنها الصورة البليغة في التوازن الموسيقي بين جملتي الشرط: وهي "من لم يدع قول الزور والعمل به" وبين جواب
стр. 96
الشرط وجزائه في قوله: "فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، فهذا النسق الإيقاعي الرتيب يثير النفس، وينبه الذهن، فتفتح له منافذ الإدراك، وتستقر معانيه في القلب والعقل معًا، وكذلك ما يفيده أسلوب الشرط والجزاء من حتمية النتيجة والقرار والحكم الفصل، الذي لا مرد فيه ولا شفاعة، بمعنى من لم يترك قول الزور فليس بصائم، ولا يقبل صومه بحال، فتتمكن هذه القيم الإسلامية من الصائم، وذلك من خلال التطابق بين قول الزور والعمل به، وكذلك بين طعامه وشرابه، ثم التقابل بين الجملتين الأولى: "قول الزور والعمل به". والثانية "يدع طعامه وشرابه" ليشكل صورة بليغة غنية بالألوان متنوعة المعاني المتطابقة والمتقابلة، فتؤكد ما تدل عليه من القيم الخلقية والتشريعية في أحكام الصيام المقبول والمثاب.
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- ترك قول الزور والنهي عن العمل به وخاصة في الصيام فهو يضاعف فيه أجر الصيام، ويعظم فيه عقاب الزور.
٢- الزور يحرم الصائم من ثوابه المضاعف.
٣- يحث الإسلام المؤمن على التحقيق والتثبت في القول والعمل.
٤- بشاعة الزور؛ لأنه يعين على أكل أموال الناس بالباطل، ويشيع الفتنة بين الناس، والفتنة أشد من القتل.
٥- إخبار النبي ﷺ بما يقع في المستقبل بأن بعض الناس سيتخذون شهادة الزور حرفة وعملًا يرتزقون منها، كما يحدث في المحاكم حديثًا.
٦- لا يقتصر مفهوم الصيام على الإمساك على الطعام والشراب، بل يتسع فيشمل ترك قول الزور والعمل به والفحشاء والمنكر.
٧- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي في الحديث الشريف.
стр. 97
من صام رمضان:
أخرج أحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".
التصوير الأدبي في بلاغة التعبير لقوله: "من صام رمضان" ترجع بلاغته إلى اختيار الكلمات، التي تؤدي المراد بدقة وشمول وعلى سبيل التحقيق، فعبر "بمن" دون غيرها لإفادة التكليف والتنويع؛ لأنها وضعت في اللغة العربية للعقلاء البالغين المكلفين، على العكس من "ما" فهي لغير العقلاء، لذلك وجب الصيام على الإنسان المكلف من بين المخلوقات، فقد خاطب الله تعالى المؤمنين بفرضية الصيام فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، وكذلك لإفادة الشمول والعموم، لأن "من" تشمل الرجل والمرأة والراعي والرعية، فهي تستوعب كل المكلفين من بني آدم، وكذلك لإفادة الالتزام والإلزام على سبيل الحتم والفرضية، فهي أداة شرط، يستوجب فعلها وهو "من صام رمضان" جواب الشرط وجزاؤه وهو: "غفر له ما تقدم من ذنبه"، وكذلك تجد بلاغة التصوير الفني في اختيار كلمتي "صوم رمضان"، للدلالة على أن شهر رمضان المعظم دون غيره هو المفضل من بين الشهور بالصيام، فقد ميزه الله تعالى بهذه الفضائل من بين غيره، منها الصيام ونزول القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ، وفي الحديث الشريف حين استقبل هذا الشهر النبي ﷺ فقال: "لقد أظلكم شهر عظيم مبارك شهر فيه ليلة خير من ألف شهر جعل صيامه فريضة وقيام ليله تطوعًا".
стр. 98
التصوير البلاغي في قوله: "من صام رمضان إيمانًا"، فعبر الحديث الشريف عن صيام رمضان وقيده بالإيمان، ليشكل صورة أدبية بليغة في كلمة واحدة، تجمع بين حروف منتقاة تمتاز في إيقاعها الموسيقي والصوتي بالسلاسة والعذوبة، والرقة والسيولة في حرفي اللين، وهما الألف والياء؛ فلم يجتمع فيها من حروف الشدة والجهارة والغلظة وغيرها مما يوحي بشدة الإيقاع وعنف موسيقى الحروف، وللدلالة على أن الصيام لا يقبل من الكافر مطلقًا، ولا يثاب عليه الفاسق، وإن سقط عنه الفرض، إن الأساس في قبول الأعمال هو الإيمان بالله ورسوله والطاعة لهما: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ، ولم يخاطب الله تعالى الناس ولا الكفار ولا الفسقة وإنما خاطب المؤمنين المتقين بالصيام فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
بلاغة التصوير الأدبي في قوله ﷺ : "من صام رمضان احتسابًا" ترجع إلى اختيار هذه الصيغة في حروفها ومبانيها الصوتية، وفي معاني الكلمة الوضعية في اللغة، لتنبني منها صورة أدبية رائعة على أكمل وجه، لتحقق الغاية منها في أجمل صورة، فتتلقاها الأذن؛ وتستقبلها الأحاسيس في إيقاع رتيب ونسق بديع، يجمع بين التآلف الموسيقي وبين أصوات الحروف الهامة الحاسبة التقديرية، فتستوعبها النفس وعيا وعمقًا، كما أن معاني الكلمة تدل على الحساب والتقدير والدقة والإخلاص، ولا تأتي فيها معاني العبثية ولا الأنانية ولا الذاتية ولا الرياء والمظهر، وتدل على أن الصيام يكون لحساب المرء عند الله ابتغاء مرضاته، لذلك كله كانت النتيجة في جواب الشرط لازمة وحتمية؛ ليستحق الصائم على هذين الأساسين -وهما الإيمان والاحتساب لله الغفران والثواب المضاعف فيدخله جنات تجري من تحتها الأنهار، من باب يختص به الصائمون وحدهم، وهو باب الريان، فإذا دخلوا أغلق دونهم.
стр. 99
كما أفاد أسلوب الشرط أيضًا التوازن الموسيقي والتآلف الإيقاعي بين جملتي فعلي الشرط والجواب، ليثير انتباه القارئ، ويحرك عواطفه ومشاعره، فتستقر معاني الحديث وقيمه الخلقية، في أعماق النفس إيمانًا وتصديقًا وإخلاصًا، ابتغاء مرضاة الله .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- صيام رمضان فريضة على العاقل البالغ المكلف.
٢- صيام رمضان الذي يغفر الذنوب يقتصر على المؤمن لا الفاسق؛ لأن الصدق في الصيام والإخلاص فيه يتفق مع حقيقة الإيمان من الصدق واليقين والإخلاص.
٣- إذا صام المؤمن شهر رمضان ابتغاء مرضاة الله ، وهو يحتسبه لوجه الله تعالى غفر الله سبحانه له ما تقدم من ذنبه.
٤- أن المؤمن الذي يحرص على صيام رمضان في حياته وطول عمره يكفر عنه سيئاته، ويرفع عنه أوزاره، ويلقى ربه طاهرًا من الذنوب.
٥- تفضيل شهر رمضان على بقية الشهور جميعًا لما خصه الله من نزول القرآن الكريم دستور الحياة الكريمة والعزيزة للمؤمن وللإسلام.
٦- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي في الحديث الشريف.
стр. 100
القرآن والصيام يشفعان:
أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان".
بلاغة التصوير الأدبي في الجمع بين الصيام والقرآن معًا، ترجع إلى عناصر جمالية في الأسلوب النبوي الشريف، منها فضل شهر رمضان المعظم على بقية شهور السنة؛ لأن رمضان المبارك يجمع بين فضيلتين: إحداهما فضيلة الصيام بمعنى مقاومة الصائم لهوى النفس وشيطانها. حتى تصفو روحه، وتتهذب نفسه، ويصح جسده، ويقوى بدنه. وثانيهما: فضيلة قراءة القرآن في شهر اختصه الله تعالى بنزول كتابه المقدس لهداية الناس بقيمة الأخلاقية، ومبادئه التشريعية والإنسانية، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ؛ ولهذا الفضل العظيم لهما بين الشهور والتشريعات السماوية استحق الشفاعة من أداهما ابتغاء مرضاة الله تعالى؛ فالصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما يوم القيامة، ومن ذلك أيضًا الدليل على أن الشفاعة أنواع، منها الشفاعة العظمى للنبي ﷺ ، ومنها شفاعة الأعمال الصالحة ومنها شفاعة الصيام والقرآن، ومنها شفاعة العلماء والشهداء وغيرها قال تعالى: ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ .
بلاغة التصوير الأدبي في قوله: "يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه" وترجع روعة التصوير الفني إلى التشخيص وحيويته في الصيام، فقد شخص الصيام إنسانًا محاميًا يدافع عن الصائم يوم القيامة، ويذبُّ عنه عنف المحشر العسير ولفح النار ولهيبها، لينجو بصاحبه من الحساب الشديد ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ، واعتمد أيضًا على عناصر الإمتاع والتأثير وعلى أدلة
стр. 101
الإقناع، مما يعين على الاستجابة السريعة للشفاعة، فيقول الصيام: قد حرمته من ضروريات الحياة، وهي الطعام والشراب وكلاهما يحفظ النفس من الموت، ومن كماليات الحياة، وهي الحرمان من الشهوات والملذات، ومن منهيات الحياة ومحرماتها فلا يشهد الزور، ولا يقع منه اللغو ولا الغيبة والنميمة، ليلتزم بأخلاق الصيام وتعاليمه؛ لذلك جاءت آية استجابة الدعاء وقبول الشفاعة بين آيات الصيام قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ .
روعة التصوير البلاغي في قوله: "يقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه" فقد جاءت الصورة البلاغية أيضًا على سبيل التشخيص، حين كان التشخيص في القرآن خير مدافع لمن يقرؤه في ليل رمضان، ويعمل بقيمه وتشريعه في جميع الأحوال؛ فهو يستحق منه الدفاع والحماية، لينجو من عذاب القبر وعذاب القيامة في وقفة المحشر الرهيب، وشدة الحساب ولهيب جهنم، والحرمان من الجنة، ثم خص الصيام بالنهار لأنه مجاله من مطلع الفجر إلى مغرب الشمس قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ كما خص قراءة القرآن بالليل، لأن فيه أعظم العبادات وهي التهجد، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ ، وللدلالة أيضًا على أن نزول القرآن الكريم كان ليلًا أيضًا، وفي ليلة خير من ألف شهر، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ .
стр. 102
القيم الخلقية والتشريعية للحديث الشريف:
١- ارتباط صيام رمضان بالقرآن الكريم دليل على أنهما متلازمان، لا ينفصل أحدهما عن الآخر؛ فنزول القرآن في شهر رمضان، رفع منزلة فريضة الصيام ومنزلة الشهر المبارك.
٢- يشفع الصيام لصاحبه يوم القيامة، فأداء فريضة الصيام على وجهها المشروع من المشرع الحكيم بمثابة السماح له بالشفاعة لصاحبه وإعطائه الأمر بها ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ .
٣- كذلك القرآن الكريم يشفع لمن يحفظه أو يتلوه ويرتله، ويستقيم على أوامره ونواهيه.
٤- أن الله خص الصيام بالنهار ورغب فيه، وخص التهجد والقيام بالليل وحث عليه، وفي الحديث الشريف "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"، "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".
٥- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي في الحديث الشريف.
стр. 103
النهي عن الوصال:
أخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم فقال رجل من المسلمين: "إنك تواصل يا رسول الله" قال: "وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقين" فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا ثم يومًا ثم رأوا الهلال، فقال: "لو تأخر لزدتكم" كالتنكيل بهم حين أبوا أن ينتهوا، وفي رواية عنه قال لهم: "فاكلفوا من العمل ما تطيقون".
التصوير البلاغي المستمد من حقائق المعاني الموضوعة في اللغة لألفاظ الحديث وأساليبه البليغة، التي تنوعت مصادرها البلاغية الجميلة، فالصورة الأولى تعبر عن كراهة وصال يومين أو أكثر في الصيام، سواء
стр. 104
أكان فرضًا أو كان نفلًا، فلا يأكل ولا يشرب، بل يظل صائمًا لا يفطر، وإن اختلف العلماء فيها بين كراهة التحريم أو التنزيه، فجاءت الألفاظ بمعانيها الحقيقية في تصوير أدبي رائع من خلال ما توحيه أداة الاستفهام "أيكم؟ "، لتدل على الإجابة منهم بقولهم: لسنا مثلك يا رسول الله، فأنت المصطفى من بين الخلق، والناس أتباعك وفرق بين المتبوع والتابع عند الله وعند خلقه، وتدل أيضًا على معاني التوبيخ والتقريع، لإنكارهم نهي أمته عن الوصال رحمة بهم، مما يستحقون عليه التوبيخ، والصورة البلاغية الثانية في التعبير بالبيات ليلًا، فمع إفادته الامتناع عما يفطر في الليل أو معظمه، لكن المراد منه أيضًا أن يظل مستمرًا في الوصال بين ليالي رمضان وأيامه، ممتنعًا عن المفطرات من الطعام والشراب والجماع على الأرجح، وإن قيل لا مانع من الجماع؛ لأنه يكون سببًا في الضعف لا في القوة، والصورة الثالثة فيما تفيده عبارة "لو تأخر لزدتكم" من صور حقيقية، تدل على التنكيل بهم، زيادة عما تفيده معاني هذه الألفاظ الموضوعة في اللغة، والصورة الرابعة في تصوير عدم التحمل بقوله: "ما تطيقون"، فليس المراد عدم القدرة فحسب، بل تدل على معنى آخر أن يتحمل ذلك بمعاناة شديدة، ليدل على نوع الحكم وهو الكراهة تحريمًا أو تنزيها، لا على التحريم المطلق، وغيرها من الصور البلاغية المستمدة من الأساليب الحقيقية لا البيانية ولا الخيالية.
التصوير الفني في بلاغة الأسلوب البياني المستمد من الألوان الخيالية يتخذ منها الخيال صورًا فنية بديعة، تتفتح لها منافذ الإدراك جميعًا من النفس.
فالصورة الفنية الأولى جاءت عن طريق مجاز الحذف، في دلالة "الواو" عن المحذوف في قوله: "وأيكم مثلي"، فهذه العبارة عطفت على محذوف تقديره "هذا شأني وأيكم مثلي" في بلاغة الحذف من الإيجاز، الذي
стр. 105
يحتاج إلى تأمل وطول نظر، حتى إذا ما انتهى إلى المراد استقر في النفس، في حالة من المتعة والجمال بعد المعاناة والمشقة في البحث عن المراد، والصورة الفنية الثانية في التوازن الموسيقي، الذي يشد الانتباه ويثير العواطف، ويعمر الوجدان عن طريق التعادل بين يطعمني "يسقيني"، والتضاد أيضًا بين معانيهما.
والصورة الفنية الثالثة في التعبير بالاستعارة المكنية في قوله: "لو تأخر لزدتكم" فأصبح للشهر -وهو زمن- إرادة وتأثير فعلي كالإنسان، للدلالة على أن كل شيء في الكون إنسانًا أو غيره يسبح بحمد الله، ولكن لا تفقهون تسبيحهم.
ثم الصورة الرابعة في قوله: "فاكلفوا من العمل ما تطيقون" فهي كناية عن اختلاف الطاقات عند البشر، لدلالته على عدالة الله تعالى في الأجر والثواب من جميع الخلق، مهما اختلفوا في القوة والضعف والشباب والشيخوخة والصحة والمرض، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ .
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- جواز السؤال عن حكمة النهي أو حكمة الأمر.
٢- جواز مراجعة المفتي في فتواه للتأكد من الحكم أو تقريره تقريرًا نهائيًا.
٣- كان الصحابة ﵃ يراقبون أفعال النبي ﷺ ؛ ليقتدوا بها على مثالها وليكونوا أيضًا قدوة لهم "بأيهم اقتديتم اهتديتم".
٤- النهي عن المبالغة في العبادة والتشدد على النفس؛ فالدين يسر لا عسر.
стр. 106
٥- رحمة النبي ﷺ بأمته: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ .
٦- كان الرسول ﷺ المثل الأعلى والقدوة، يتميز بخصائص النبوة.
٧- تساوي المكلفين في الأحكام الشرعية، لا فرق بين عربي وأعجمي.
٨- قدرة الله على إيجاد المسببات بدون سبب ظاهر إن الله على كل شيء قدير، يقول للشيء كن فيكون.
٩- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي من الحديث الشريف.
стр. 107
فمن رغب عن سنتي فليس مني:
أخرج البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني".
التصوير البلاغي المستمد من المعاني الحقيقية، التي تواضع عليها علماء اللغة، لألفاظ الحديث الشريف وبلاغة أسلوبه، منها: بلاغة الاستفهام في قوله: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا" فليس المقصود منه الإجابة عن السؤال. وهو المعنى اللغوي للاستفهام، لأن الرسول ﷺ قد علم ما سألهم عنه، وما تقالوه من عبادتهم، لكن المراد نفي ما قالوه، ورفض ما
стр. 108
فهموه عن تعاليم الإسلام المسيرة، وإنكار ما سيفعلون من التشدد في العبادة، مستدلين بقولهم عنه: لقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أمَّا أنا فإني أصلي الليل أبدًا. وقال آخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثالث: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فأنكر عليهم ذلك، ووضح لهم سماحة الإسلم ويسر شريعته، ومنها: ما توحيه كلمة "أما" من إشارتهم لما ينكره عليهم من الأمر الجلل، وتنبيههم إلى فظاعة قرارهم، وغلظة ما فرضوه على أنفسهم مما لا يطيقون "فالدين يسر لا عسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا"، وغيرها من القيم السامية، التي أوحى بها حرف التنبيه والاستفهام، في نسق أسلوبي ونظم بلاغي، وأكد هذه القيم بلفظ الجلالة، وما أعظمه؟! "إني وبلام الابتداء"، ومنها: أسلوب الحذف، وما يدل عليه من بلاغة الإيجاز، وهو أبلغ في النفس، فهو يحتاج إلى تأمل وطول نظر، فيكون أكثر إمتاعًا وأعظم تأثيرًا في قوله: "لكني أصوم وأفطر ... إلخ "، والتقدير يدل عليه السياق والنسق البلاغي، وهو: أنا وإن تميزت عنكم بذلك، لكني أنا وأنتم بالنسبة للعبودية سواء، فأنا أصوم وأفطر.. إلخ، ومنها إضافة السنة في "سنتي" ونفيها عنه "فليس مني"، إضافة إلى ضميره، للدلالة على طريقته في التشريع، والإعراض عن العمل بها، فالمراد ما جاء به عن ربه من تشريع، يشتمل على الطاعة في أمر الله ونهيه.
التصوير الفني في بلاغة الأسلوب البياني، المستمد من الصور الخيالية كانت مؤثرة وممتعة، منها: الكناية البليغة في قوله: "أنتم قلتم كذا وكذا" فليس المراد ما يفيده اسم الإشارة، على ما سبق بيانه من العزائم الثلاث، لكن المراد إنكار هذه الأفعال الثلاثة والتجاوزات فيها؛ حتى كره الرسول ﷺ أن يذكرها، حتى لا يقررها، وإنما أهملها تمامًا، واكتفى
стр. 109
بالكناية، وهو أسلوب بلاغي، من أبلغ الصور الأدبية في الإمتاع والتأثير والإقناع، ومنها: التنوع في التقسيم الموسيقي الذي أداره الخيال، مما يضفي على الأسلوب الإيقاع الرتيب، والنسق الموسيقي المتتابع، مما يثير النفس ويمتعها، ويقنعها عن طريق المنافذ الأخرى، من العاطفة والوجدان والحواس المختلفة، وهو ما يفيده أيضًا التوازن الإيقاعي بين أسلوب الشرط، وأسلوب الجزاء، فتتفتح له منافذ الإدراك المختلفة، ليستقر الحكم في النفس، ويكون القرار الفصل الذي لا مرد فيه، وهو أن من أعرض عن شريعة الإسلام السمحة، بلا تشدد، أو تنطع فليس من المؤمنين، لأنه خرج عن طاعة الله ورسوله ﷺ ، ومنها: الصورة الأدبية في الكناية البليغة، التي تعبر عن سماحة الإسلام في تشريعه التي يطيقها القوي والضعيف، ويسر تعاليمها لكي يقوى المسلم على طاعة إلى الأبد، فخير الأعمال القليل الدائم، وذلك في قوله ﷺ : "لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء"، فليس المراد تلك المزاوجة فحسب، ولكن المراد سماحة الإسلام ويسره، لما ورد في الحديث الشريف "إن لربك عليك حقًا وإن لنفسك عليك حقًا وإن لأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه".
القيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف:
١- تتبع أحوال أهل الكمال للسير على مناهجهم وطريقهم.
٢- يجوز استكشاف هذه الأحوال من النساء إذا تعذرت عند الرجال.
٣- من عزم على فعل الخير، وأراد إظهاره، فلا حرج من إعلانه دفعًا للرياء.
٤- قد يتحول المباح والجائز بالنية إلى الكراهة.
٥- الدين يتلاءم مع طبيعة البشر لأن الدين يسر لا عسر.
٦- إزالة الشبهات عن المجتهدين، وإثبات الأحكام المحكمة والحكيمة.
стр. 110
٧- كان النبي ﷺ رفيقًا بأصحابه ﵃ ورحيمًا بأمته.
٨- العلم بالله ومعرفته حق المعرفة أعظم قدرًا من العبادات.
٩- طاعة الرسول ﷺ في أقواله وأفعاله وأوامره ونواهيه.
١٠- العودة إلى استعمال نعم الله تعالى، والتمتع بها بعد أن استبدلها بغليظ الحياة الخشنة، والتقشف في المأكل والملبس.
١١- سنة النبي ﷺ تشريع إلهي من الله لأمته، ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ و ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ .
١٢- بالإضافة إلى ما ذكر من القيم في التصوير النبوي في الحديث الشريف.
следующие страницы →