Полный текст (206 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥] .
وتؤخذ أحيانًا على أنها فترة زمنية تمتد إلى أطول من العام، وقد تمتد إلى بضعة أعوام:
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] .
﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾ [الذاريات: ٤٣] .
وقد تعطي مؤشرًا لفترة زمنية غير محددة، ولكنها قد تطول:
﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦] .
﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] .
كذلك جاء في القرآن الكريم لفظ الدهر مؤشرًا لفترة زمنية غير محدودة:
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان: ١] .
وفي معاجم اللغة: الدهر هو الأمد المحدود، وقيل: الدهر ألف سنة، قيل: الدهر الزمان الطويل، ومدة الحياة الدنيا.
والحقبة من الدهر: مدة لا وقت لها، وقيل: هي السنة، أما الحُقُب والحُقب فهو ثمانون عامًا، وقيل: أكثر من ذلك.
الأبد: الأبد هو اللا نهاية في الزمنية، وهو مصاحب للخلود:
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] .
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] .
﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [الجن: ٢٣] .
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾ [الطلاق: ١١] .
стр. 107
الواقعة "النهاية":
حفل القرآن الكريم بآيات تقرب إلى العقل البشري هول الساعة، وتعطي أمثلة من النذر في صورة ظواهر طبيعية خارقة للنظم الكونية التي ألفها الإنسان، وقد ألف الإنسان نظامًا كونيًّا منتظمًا حفظه الله وأذن أن يتوازن رحمة بالعباد.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] .
﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥] .
فإذا جاء أمر الله فلن يكون وقوع الأمر إلا بغتة.
﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧] .
فماذا عن أحداث السماوات وقتئذ؟
يصف الحق حال السماء بصفة عامة بأنها تمور، أي تضطرب وتتحرك لتشققها، ووصفها بأنها تنشق وتنفطر وتُكشط "أي تزال من مكانها":
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً﴾ [الطور: ٩] .
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] .
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] .
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١] .
وماذا عن أحداث الشمس والقمر؟
تُكوَّر الشمس "أي ينطمس نورها" وينشق القمر:
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] .
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] .
стр. 108
وماذا يحدث لبقية النجوم والكواكب؟
كما تتكور الشمس تتكور النجوم وتنكدر وتنطمس فيذهب ضياؤها، فهي كتل غازية نارية مضيئة، فتبرد ويخبو ضؤها.
﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢] .
﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] .
أما الكواكب فهي أجسام جامدة مظلمة بطبيعتها، ويصيبها التشقق والانتثار أي التبعثر.
﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: ٢] .
ويذكر القرآن الكريم حال الأرض وقتئذ، تارة بصفة عامة وتارة يختص الجبال التي كانت في الحياة الدنيا رواسي وأوتادا، وتارة يختص بالوصف حال البحار.
فالأرض تتبدل معالمها عما كانت عليه في الحياة الدنيا:
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] .
والأرض ترجف وتزلزل وترج وتدك!
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٦-٧] .
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] .
﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً﴾ [الواقعة: ٤] .
﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾ [الفجر: ٢١] .
وتذكر الجبال وما يحدث لها مع ما يحدث للأرض:
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤] .
﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٨] .
стр. 109
﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا، وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا، فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٤-٦] .
وتذكر الجبال وحدها، فهي تسير وتنسف وتكون كالعهن:
﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ: ٣٠] .
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣] .
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا، فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٥-١٠٦] .
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] .
﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج: ٩] .
﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] .
فماذا يعطي علماء الفلك وعلماء الطبيعة من احتمالات قد تؤدي إلى نهاية الأرض؟
هناك احتمالات قائمة على أحداث قد تصيب الأرض من قوى خارجية، كما أن هناك احتمالات قائمة على أحداث من داخل الأرض نفسها.
فمن احتمالات الأخطار الوافدة من الخارج، احتمال تصادم نجم أو مذنب بالأرض، وهو احتمال قائم ويثير المخاوف أحيانًا، ومن أمثلة المذنبات ذات الخطر على سلامة الأرض، مذنب "هيلي" ويسجل علماء الفلك ظهور هذا المذنب كل ٧٦ عامًا حيث يقترب اقترابًا ملحوظًا في الأرض، ثم يختفي في الفضاء الكوني فلا يُرَى، ويبلغ طول ذيل هذا المذنب بضعة ملايين من الكيلومترات، وقد رصد خلال القرن العشرين عام ١٩١٠ ثم عام ١٩٨٥.
وهناك ما يعرفه الفلكيون باسم الجبال الطائرة، وهي من الأجرام السماوية التابعة للمجموعة الشمسية، وتدور في مسارات غير منتظمة داخل حزام يقع بين مداري كوكبي المريخ والمشتري، فقد يحدث أن ينحرف واحد من الجبال الطائرة عن مساره
стр. 110
لسبب أو لآخر مما يعرفه الفلكيون فيشرد، ويسير في مدار قد يكون قريبًا أو متقاطعًا مع مدار الأرض.
ومن بين ألف كويكب من هذه الجبال الطائرة تواجه الأرض احتمالات اصطدامها بأربعة منها فقط خلال كل مليون عام، وقد عبر مدار الأرض واحد من هذه الأجسام عام ١٩٣٧ بسرعة ٢٢ ألف ميل في الساعة، وكان قطرة ٢.٣ ميل، ويمكن أن يسبب اصطدام واحد من الجبال الطائرة بالأرض كوارث رهيبة قد تصل إلى محو المنطقة التي يحدث بها الاصطدام تمامًا، ويعتقد بعض العلماء أن الاختفاء الشامل، والمفاجئ للحيوانات العملاقة المسماة بالديناصورات، وانقراضها منذ ٥٦ مليون عام قد جاء نتيجة الحادث من هذا النوع.
كذلك يرى فريق من الفلكيين أن هناك نجمًا توأمًا للشمس يدور في فضاء المجرة، ويعود لزيارة المجموعة الشمسية فيدور حولها في مداه الخاص البيضاوي مرة كل ٢٦ مليون عام، ويرى هذا الفريق من العلماء أن هذا النجم يتسبب في سقوط النيازك، والنجيمات الصغيرة على سطح الأرض، ويكفي سقوط نيزك قطره ١٠ أميال فقط، وبسرعة ١٠٠ ألف ميل في الساعة على سطح الأرض ليحدث أثرًا مدمرًا يساوي قوة انفجار ١٠ آلاف مرة مجموع الأسلحة النووية التي في حوزة الإنسان حاليًا.
ومن الاحتمالات التي يتقدم بها علماء الفلك احتمال قد يقع في أي لحظة من الآن حتى نهاية الخمسين ألف مليون سنة القادمة، ذلك أن يأتي أمر الله فتتمدد الشمس تمددًا سريعًا، فيزداد حجمها حتى تغطي ما يحيط بها من أثير، وتستوعب الأرض وغيرها من الكواكب التابعة للنظام الشمسي، فتحيطها بغازات مستعرة:
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] .
هذا من ناحية الاحتمالات الخارجية.
أما من ناحية الاحتمالات التي يتصورها العلماء لنهاية العالم، والتي يمكن أن تحدث لها من داخلها، فهناك احتمال حدوث تفاعل متسلسل "Chain reaction"
стр. 111
مفاجئ نتيجة اندماج ذرات الهيدروجين، إذا ما كانت في حالة تنشيط تحت ظروف معينة، ينتج عن هذا الاندماج تولد حرارة لا يعلم قدرها إلا الله، فإذا قضت إرادة الله العظيم بتحطيم جزيء الماء في المحيطات، والبحار إلى ذرات أكسجين وهيدروجين، ثم بتنشيط ذرات الهيدروجين لتتحد، وتعطي غاز الهيليوم، فحينئذ يصير اشتعال المحيطات والبحار لتصبح نارًا مضرمة.
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣] .
﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] .
ومن الاحتمالات أيضًا ما هو مبني على معرفة العلماء بزيادة حرارة سطح الأرض كلما توغلنا في العمق، فالزيادة في الحرارة تبلغ ٣٠ درجة مئوية لكل كيلو متر من العمق، وعلى عمق ٣.٥ كيلو متر تكون درجة الحرارة مساوية لدرجة غليان الماء، وعلى عمق يزيد عن ٥٠ كيلو متر تزيد درجات الحرارة عن درجات انصهار مختلف الصخور، وهناك حاليًا توازن ما بين زيادة الضغوط مع زيادة الحرارة يمنع تحول الصخور في أعماق باطن الأرض إلى الحالة البخارية ولكنه توازن موقوت، فإذا أراد الله فأمر فاختل هذا التوازن الواقع على باطن الأرض، لبرز باطن الأرض وأخرجت الأرض أثقالها من هذا الباطن:
﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] .
﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢] .
كل هذه الاحتمالات التي يتقدم بها العلم البشري، ما هي في الواقع إلا اجتهادات تأتي حسب ما يشاء الله من إحاطة عباده بشيء من علمه سبحانه، ولا يجب أن تؤخذ على أنها تفسير لتلك الآيات الكونية التي ذكرناها، فإن الاحتمالات تتغير وتتبدل مع الإحاطة بالمزيد من العلم، أما حقيقة حكم الله في ملكوته حينما يأتي أمر الساعة فعلمها عند ربي:
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] .
стр. 112
﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧] .
﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزخرف: ٨٥] .
﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] .
﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣] .
المكان:
حرص الإنسان على معرفة مكانه "أي موقعه" على سطح الأرض كما حرص على معرفة اتجاهه في حله وترحاله.
فهو يستعين لمعرفة المكان بشواهد من علامات بارزة على اليابسة، منها: الجبال صغيرها وكبيرها بأشكالها المميزة، وأنواع وألوان صخورها، ومنها: السطوح المائية من بحيرات، وجداول وأنهار وشواطئ، وحينما يرتاد البحار فهو يستعين بأشكال الشواطئ، وتعاريجها ويستعين بما يعلم وجوده من جزر.
وهو يستعين لمعرفة اتجاهه نهارًا بالشمس، وانحرافاتها المختلفة خلال أوقات النهار الواحد وخلال أزمان السنة، ويستعين ليلًا بالنجوم والكواكب "والقمر":
﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] .
حيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره:
حينما نزل الوحي بالآية الكريمة:
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] .
كان على المسلم في أي بقعة على سطح الأرض المعمورة لكي ينصاع إلى أمر الله أن تكون له دراية بكيفية التوجه في صلاته إلى المسجد الحرام، وهذا يعني أن
стр. 113
المسلم العادي المتوسط العلم كانت لديه الوسيلة للتعرف على هذا الاتجاه، وهذا يقتضي حدًّا أدنى من المعرفة الجغرافية والفلكية، فالحد الأدنى من المعرفة الجغرافية هي معرفة الاتجاهات الأربع: "الشمال والجنوب والشرق والغرب" يضاف أيضًا معرفة موقع البقعة التي يسكنها، أو التي يوجد بها أثناء ترحاله منسوبة إلى الكعبة المشرفة حسب الاتجاهات الأربع، أما الحد الأدنى من المعرفة الفلكية، فهي أن يطابق بين معرفته الجغرافية، وبين ضبط اتجاهه صوب القبلة.
ولم تكن البوصلة المغناطيسية قد اخترعت وقت نزول القرآن الكريم، لذلك فقد كان تحديد الاتجاه نهارًا بمواقع الشمس حسب ساعات النهار، وكان تحديد الاتجاه ليلًا يتم الاستعانة بمواقع الكواكب والنجوم:
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] .
عن الترمذي وأحمد والطبراني من حديث عامر بن ربيعة كنا مع النبي ﷺ في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة وصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فنزل:
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] .
وعن معاذ عند الطبراني في الأوسط، صلينا مع رسول الله ﷺ في يوم غيم في سفر إلى غير القبلة، فلما قضى الصلاة وسلم تجلت الشمس فقلنا: يا رسول الله صلينا إلى غير القبلة فقال: "قد رفعت صلاتكم بحقها إلى الله ".
الشرق والغرب:
تضمن القرآن الكريم ذكر اتجاهين جغرافيين هما الشرق والغرب:
﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] .
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] .
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
стр. 114
﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] .
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] .
ولم يأت ذكر في القرآن الحكيم لاتجاهي الشمال والجنوب، فهما اتجاهان يمكن معرفتهما بداهة طالما عرف اتجاها الشرق والغرب.
ولكن ذكر في القرآن الكريم ذكر الشمال الذي يقابل اليمين:
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٨] .
﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] .
البوصلة:
اكتشف الإنسان في مراحل متأخرة من الحضارة البشرية خاصية الإبرة الممغنطة التي تتجه دائمًا بأحد طرفيها ناحية الشمال، إذا تركت تتحرك بحرية فوق عاتق مدبب من مادة غير مغناطيسية، أو فوق الزيت أو فوق الماء، وأصبح هذا الاكتشاف هو ما نسميه البوصلة "Compas" الذي ساعد كثيرًا، وما يزال في دقة تحديد الاتجاهات، فالبوصلة المغناطيسية إبرة اكتسبت صفة المغناطيسية وأتيحت لها فرصة التحرك أفقيًّا بحرية كافية لكي تثبت على اتجاه يماثل اتجاه القطبين الشمالي والجنوبي للكرة الأرضية، ذلك أن الكرة الأرضية لديها خاصية مغناطيسية داخلية هائلة كأن بداخلها -في وسطها- قضيبًا مغناطيسيًّا بالغ القوة.
وفلز الحديد هو الفلز الذي يقترن دائمًا باستخدام الإبرة المغناطيسية، وبجانب فلز الحديد، فهناك فلزات يمكن أن تكتسب الخاصية الفيرومغناطيسية وهي: الكوبلت، النيكل والسبائك التي يدخلان في تركيبها، كذلك يمكن أن تكتسب هذه الخاصية بعض مركبات المنجنيز والعناصر الأرضية النادرة.
ثم أصبح الإنسان بالوسائل العلمية الأكثر تقدمًا التي أحرزها خلال العقود
стр. 115
الأخيرة يستخدم أجهزة مساحية "جيوديسية" تعطيه موقعه على سطح الكرة الأرضية بدقة كبيرة، وأصبح يستخدم أنواعًا من الأشعة، ومنها الآشعة الردارية فتعطيه بيانات الموقع، والاتجاه بكل ما يلزم من تفاصيل بالغة الدقة.
مواقع النجوم:
لقد وضع الناس لأنفسهم أطوالا تعارفوا على تحديدها، وعلى تسميتها واتفقوا عليها تيسيرًا لتعاملاتهم.
ومن أكثر تلك الأطوال استخدامًا: المتر الطولي، وهو يقسم إلى وحدات أصغر منه: السنتيمتر والملليميتر، وفي حالة التناهي في الصغر فهناك وحدة الميكرون، وهي تساوي واحد على ألف من الملليمتر.
وعلى الجانب الآخر فهناك وحدة الكيلو متر وهي ألف متر.
ومع تقدم العلوم الفلكية فقد احتاج العلماء إلى وحدة لقياس المسافات ما بين الأرض والنجوم، والمجرات والأجرام السماوية بمختلف أبعادها وأحجامها. وجد أنه لا بد من استحداث وحدة للقياس تختلف تمامًا عما ألفه العلماء في قياس المسافات المحدودة، فاستحدثت وحدة السنة الضوئية، إذ عرف أن الضوء يقطع مسافة ١٨٦٠٠٠ ميل في الثانية الواحدة "من الثواني التي تعارف الناس عليها بالتوقيت الأرضي"، وبالتالي فإن المسافة التي يقطعها الضوء في السنة كاملة من سنوات أهل الأرض تكون:
حوالي ستة تريليون ميل، أي ٩.٤٦١× ١٢ ١٠ كيلومتر.
فالمسافة بين الأرض والقمر الذي استطاع الإنسان الوصول إليه ما هي إلا ١.٣ ثانية ضوئية، أما المسافة بين الأرض والشمس فهي ٨.٣ دقيقة ضوئية، والمسافة بين الأرض، وأقرب النجوم إليها "غير الشمس" ٤.٣ سنة ضوئية، وقد قدرت المسافة ما بين الأرض وبين سديم أندروميد andromeda بطول ٢.٣ مليون سنة ضوئية وهي مسافة تبلغ ٩.٤٦١ × ١٢ ١٠ × ٦ ٢.٣ كيلومتر، وإن ما نتقلقاه حاليًا بأجهزة المراصد من أشعة
стр. 116
قادمة من سديم أندروميدا هو في الواقع قد انبعث منها منذ ٢.٣ مليون عام من أعوامنا الأرضية.
وسبحان الذي أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم عظيم، لكي يتبصر البشر مدى قدرة الخالق العظيم:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥-٧٦] .
فتبارك الله صاحب الملكوت الواسع الذي لا يدرك سعته إلا هو سبحانه:
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨١-٨٣] .
стр. 117
الفصل السادس: الضياء والنار والطاقة
الضياء:
الضياء الوافد من السماء:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ، وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧١-٧٣] .
وصدق الله العظيم في قوله: فإن توالي الليل والنهار رحمة بالعباد بما يتناسب مع طبيعة أجسامهم وقدراتهم، ففي الضياء معاشهم وفي الليل سكنهم.
ومصدرنا الرئيس للضياء نحن أهل الأرض، ذلك الضياء الذي تدركه حواسنا، هو الشمس، والشمس كتلة نارية من اللهب المتقد المضيء.
وقد وصف الله الشمس بأنها ضياء وبأنها سراج:
﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً﴾ [نوح: ١٦] .
﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً﴾ [النبأ: ١٣] .
وكانت دقة التعبير القرآني في التفرقة بين الضياء المنبعث في جسم الشمس، وبين النور الذي نحس به منبعثًا من الكتل المظلمة بطبيعتها مثل القمر عند انعكاس
стр. 118
الضياء الواقع عليه، والقمر أهم الأجرام السماوية، بعد الشمس، ارتباطًا بحياة البشر:
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ [يونس: ٥] .
﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً﴾ [نوح: ١٦] .
﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾ [الفرقان: ٦١] .
ومن نيرات السماء، بجانب الشمس والقمر، ما يصل نورها إلينا من النجوم والكواكب، والنجوم شأنها شأن الشمس مصدر ذاتي للضياء، كما أن الكواكب تعكس قدرًا مما يُصُبّ عليها من الضياء:
﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الحجر: ١٦] .
﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢] .
﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦] .
ومن مصادر الضياء الذي نشهده في سمائنا الدنيا، ظاهرة الشهب وظاهرة البرق. ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: ٤٣] .
إلا أن البرق والشهب لا تعطينا من الضياء إلا لمحة بالغة القصر، حتى صارت الأمثال تذكر "سرعة، البرق".
الضياء النابع من مصدر أرضي:
رأى الإنسان البدائي الضياء المنبعث من لهب النار من مصادرها الطبيعية، رآه في البراكين وما تحدثه من حرائق فيما يحيط بها من نبات، ورآه في الصواعق حينما تتسبب في حرائق عند انقضاضها على الأشجار.
وظل الإنسان على مدى آلاف السنين لا يستطيع الحصول على الضياء إلا مما
стр. 119
يستحدثه من لهب النار، ولقد رأى موسى النار وذهب إلى مصدرها للحصول على قبس منها:
﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى، إِذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً﴾ [طه: ٩-١٠] .
والواقع أن الإنسان لم يدرك مصدرًا للضياء يستطيع أن يصطنعه بنفسه غير النار، إلا في القرن التاسع عشر الميلادي حينما اكتشف الكهرباء.. فاخترعت المولدات الكهربائية التي تطلق تيارًا كهربائيًّا يمكن استخدامه في عدد من المنافع، ومن ضمن هذه الاستخدامات:
الإضاءة الكهربائية، وأبسط صورها المصباح الذي يتكون من قارورة، أو أنبوبة زجاجية بداخلها ذبالة "سلك" من فلز بطيء التأكسد، والمصباح محكم الإغلاق، ومفرغ من الهواء لمنع تأكسد ما به من فلز الذبالة، فعند إمرار تيار كهبائي مناسب في هذه الذبالة تقاوم التيار الكهربي، وتتوهج فينبعث منها الضوء دون أن تحترق، أو تفقد شيئًا من مادتها أو يتغير تركيبها الكيميائي.
الله نور السموات والأرض:
سبحان الله العظيم الذي شاء كرمه ورحمته بعباده أن يقرّب إلى إدراك العبد المؤمن العادي الوسط في علمه، وفي قدرته على استيعاب البدهيات والمحسوسات، كيف أن الله نور السموات والأرض، فيعطيه مثلًا محسوسًا بسيطًا لا تعقيد فيه:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥] .
стр. 120
النار:
كان الإنسان يحتفظ بجذوة مما تحدثه الطبيعة من نار، يجعلها متقدة دائمًا ومتجدة بما يضيف إليها من حطب، وكان دائمًا حريصًا على ألا تخبو تلك النار، وإلا فلن يستطيع استحداث نار أخرى، ومع المحاولة الدائبة استطاع الإنسان الحصول على النار وقت أن يريد.
كان ترويض الإنسان القديم للنار وتمكنه من إيقادها، حدثًا حضاريًّا هامًّا جدًّا للبشرية، فالنار مصدر هام للضوء، يُلجأ إليه في حلكة الليل أو في حلكة الكهوف، والنار مصدر للدفء، بطريق مباشر أو غير مباشر، والنار تطهي الطعام وتجعله مستساغًا قابلًا للهضم، والنار تقي الإنسان من عدوان الكواسر، ووسيلة من وسائل الصيد، كما أنها وسيلة من وسائل العدوان، وفي مراحل متقدمة من الحضارة البشرية تعلم الإنسان أن الطوب المحروق أكثر متانة من الطوب غير المحروق، وحينما عرفت البشرية كيفية استخلاص الفلزات كالنحاس، والحديد من خاماتها ومعادنها، كان ذلك بترويض النار وإزكائها.
في قصة موسى ﵇ حينما رأى نارًا، وكان المكان سيناء، روى القرآن الحكيم أن هذا النبي قصد النار ليأتي بجذوة منه ليستدفئ هو وأهله، وقد يعني هذا أنه لم تكن لديه جذوة من نار ولم تكن لديه وسيلة لإيقاد نار، وكان هدف النبي أيضًا من الذهاب إلى مصدر النار أن يجد من يهديه إلى الطريق.
﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧] .
في المراحل الأولى للحضارة البشرية، تمكن الإنسان من إيقاد النار بإحداث احتكاك شديد، وسريع بين عودين من الحطب الجاف، وكان العرب في جاهليتها
стр. 121
تستخدم عودين جافين، أحدهما من شجر "المرخ"، والآخر من شجر "العفار" حيث أكدت التجربة أنها أكثر استجابة لهذا الغرض، واستمرت بعض القبائل البدائية في أنحاء العالم تستخدم وسيلة احتكاك الأعواد حتى مطلع القرن الحالي، لانقطاعها وعزلتها عن بقية العالم، ولكن العالم انفتح واتصل، وانمحت تلك الوسائل البدائية وأصبحت في عداد التاريخ.
ومن الوسائل البدائية أيضًا في إيقاد النار، إحداث شرارة بضرب أحد الأحجار الصلدة بأخرى تماثلها صلادة، وكان الصوان هو الحجر الأكثر صلاحية لهذا الغرض، فكانت تقرب منه عند ضربه بعضًا من عهن الصوف، أو بعض الحشائش الجافة فيلتقط شررها، والمثل القديم يقول: معظم النار من مستصغر الشرر.
وعرفت الحضارة البشرية فلز الحديد وشاع استعماله منذ الألف الأخيرة قبل ميلاد المسيح، وللحديد منافع للناس، ومن هذه المنافع أنه يتطاير شرر كثير عند قدح قطة منه بقطعة من الصوان، فيسهل التقاط هذا الشرر للحصول على جذوة النار، والصوان متوافر في أنحاء العالم، فقلما يخلو مكان منه، فهو الحصى والرمال السيليسية.
وقد أقسم الله تعالى في سورة العاديات بخيل الجهاد جينما تعدو، فيخرج الشرر بوقع حوافرها التي تكسوها الحدوة الحديدية على حصى الصحراء "وهي حصى سيلسية"، فتكون بمثابة القداحة التي توري الشرر:
﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً﴾ [العاديات: ١-٢] .
وفي القرون الوسطى حينما اخترع الإنسان المدفع والبندقية، كآلتين للاعتداء والدمار، كان اعتماده في إيقاد شحنة البارود التي يملأ بها مدفعه، أو بندقيته هو "الزناد" ولم يكن هذا الزناد إلا قداحة من قطعة من الحديد تصطدم بها قطعة مسنة الجانب من الصوان.
стр. 122
ويمكن في وقتنا الحاضر إشعال النار بوسائل أخرى أكثر تقدما تكنولوجيا، فيمكن مثلا استخدام عود الثقاب، ويتركب رأس العود من خليط كيميائي يشتعل عند احتكاكه بسطح خشن، ويمكن الحصول على شرارة تشعل النار عندما تسري الكهرباء بين قطبين معدنيين قريبين من بعضهما البعض، وتستخدم هذه الطريقة في تشغيل السيارات، وما إليها من آلات تعتمد على الاحتراق الداخلي.
ونار الحريق بالتعريف العلمي عبارة عن تفاعل كيميائي سريع، ومستمر تصحبه حرارة "وقد يصحبه انبعاث شعاع من الضوء"، ويستمر هذا التفاعل ما لم يتدخل مؤثر خارجي لإيقافه، ويستمر إلى الحد الذي تستنزف فيه المادة الداخلة في هذا التفاعل، أو تقترب من الاستنزاف.
وفي غالبية الأحيان يكون وجود الأكسيجين شرطًا أساسيًّا لحدوث هذا التفاعل، أما الحرارة التي تنشأ من النار فسببها أن التفاعل الكيميائي هو من النوع الطارد للحرارة exothermic وأما الضوء "في هذه الحالة"، فهو ناتج من اللهب flame وهو الشيء المرئي الذي يصحب النار أحيانًا، وينتج من تسخين حبيبات دقيقة من المادة المشتعلة إلى درجة التوهج incandescence.
وفي معاجم اللغة: توصف النار بأنها ذات لهب إذا كان اشتعالها قد خلص من الدخان، وتوصف النار بأنها ضرمت إذا اشتعلت والتهبت، ويقال: إن النار قد أجت وتئِجّ وتؤجّ أجيجا إذا سُمع صوت لهيبها، وإذا لفحت النار شخصًا فقد أصابت وجهه، والرماد هو ما هبا من الحجر فطار دُقاقا، وهو أيضًا الدقاق من الفحم مما يتخلف من حراقة النار، وقد خبت النار وأخباها المخبى إذا أضمدها.
стр. 123
نار جهنم:
في سورة المسد، توعد الله أبا لهب بنار جهنم ﴿سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] .
وقد تكرر ذكر النار في محكم الكتاب، تلك النار التي أنذر الله بها من يعذبهم يوم القيامة، ١٢٦ مرة، وقال بعض المفسرين: إن هذه النار مقسمة حسب قسوتها إلى سبع دركات، وهي على التوالي في الشدة: جهنم، ثم اللظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية.
جهنم: الكلمة مشتقة من الجهامة وهي قبح الوجه وغلطه:
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣] .
اللظى: اللهب الخالص، تتلظى: تتوهج وتتقد:
﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى، نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٥-١٦] .
الحطمة: من الحطم، وهو التدمير:
﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ، نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٤-٦] .
السعير: جمر النار، من السعر، وهو حرها وتوقدها:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً﴾ [الأحزاب: ٦٤] .
سقر:
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ، لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ، لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ، عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٢٦-٣٠] .
الجحيم: من الجحمة، وهي تأجج النار:
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة: ١٠] .
стр. 124
الهاوية: سميت به النار لبعد عمقها ومهواها:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ، فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ، نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٨-١١] .
وفسرت "أمه" بأنها مأواه، على التشبيه كأنها تتشوق إلى ضمه إلى صدرها كما تتشوق الأم إلى ضم ابنها.
ويقينا فإن ما لم يذكر في القرآن الكريم، وفي الأحاديث النبوية صراحة في وصف النار فلا يمكن الاعتداد به، ويقينا فإن وصف النار هو من علم الله، وما على البشر إلا مخافة الله، واتقاء عذاب النار وأهواله.
وقد أعطى القرآن الكريم تحديدا لوقود نار يوم الحساب.
﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] .
ويعلم الله وحده نوع الحجارة التي تصلح وقودا لنار يوم الحساب، وقد تكون التماثيل التي عبدها الكافرون.
﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] .
النار والجان:
﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] .
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ، وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٦-٢٧] .
هكذا خلق الله الجان من نار شديدة الحرارة، وخلق آدم من طين، أما إبليس فقد قال بأفضليته لخلقه من نار وخلق آدم من طين، وكان إبليس ظالمًا لنفسه، ملعونًا من الله العليم الخبير.
стр. 125
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١١-١٢] .
وبرغم طبيعة نشأة الجن من النار، إلا أن من يعصي أمر ربه من الجن، فمآله إلى نار القيامة شأنه العاصين من الإنس:
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] .
وسبحان العالم وحده بطبيعة النار التي يتركب منها خلق الجن، حتى إن العاصين منهم يعذبون يوم القيامة بنار يوم الحساب.
الطاقة:
المعروف لدى الإنسان نوعان من الطاقة: طاقة مصدرها أشعة الشمس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وطاقة مصدرها تركيب كوكب الأرض نفسه.
طاقة مصدرها تركيب كوكب الأرض نفسه:
لم يفلح البشر حتى الآن في ترويض الطاقة الهائلة التي تطلقها البراكين، فهي طاقة غير منتظمة، فثورة البركان قد تحدث بتمهيد قصير لا يتيح فرصة للإعداد للاستفادة من الطاقة المنطلقة منه، وحين يثور البركان فهي ثورة جبارة قد تكون أقوى من أي محاولة للترويض، إذ من الصعب التنبؤ بمدى قوة الثوران، وحين تهدأ ثورة البركان، فمن الصعب إعطاء احتمال لموعد الثورة التالية.
وهناك ظواهر أخرى شبيهة بالبركانية، منها الفوارات الحارة Gaysers.
فالفوارات هي فوهات في الأرض تقذف مياها ساخنة باندفاع شديد على فترات
стр. 126
منتظمة، وسبب انفجار الفوارة هو تسرب المياه إلى صخور مدفونة ما زالت محتفظة بدرجة حرارة عالية، فترتفع حرارة الماء بملامسته لتلك الصخور الساخنة، وقد تبلغ حرارة الماء فوق درجة الغليان فيفور ويندفع بقوة من فوهة الفوارة، وأشهر الفوارات موجودة في دولة آيسلاندا، الواقعة شمال المحيط الأطلسي، وهناك يستفاد بالفوارات في التدفئة وفي إدارة بعض المراجل البخارية وفي توليد الكهرباء، وتوجد فوارات هامة في جزر نيوزيلندا الواقعة جنوبي شرق قارة أستراليا، يستفاد منها على نفس نمط ما يحدث في آيسلاندا.
ويطلق على الطالقة التي يمكن استخراجها من الحرارة الكامنة تحت سطح الأرض، تلك الحرارة التي تزيد بالعمق بمعدل درجة واحدة مئوية لكل ٣٠ مترًا الطاقة الجيوحرارية gothermal energy، والإمكانيات المحتملة لهذه الطاقة الكامنة، إمكانيات ضخمة جدًّا من الناحية النظرية، ففي تقدير بعض العلماء المتخصصين، يمكن نظريًّا تقدير الطاقة الكامنة في رقعة من الأرض مساحتها كيلو متر مربع وإلى عمق ٧٥٠٠ متر بمقدار ٧٥٠٠ ميجاوات، وهناك مسيرة طويلة على العلم أن يقطعها قبل أن يتمكن من الاستفادة بهذه الطاقة الكامنة بوسائل عملية تطبيقية مقبولة.
أما الطاقة الذرية فقد أمكن إطلاقها تحت السيطرة عليها في منتصف القرن الحالي، وللأسف فقد كان أول استخدام للطاقة الناتجة من تحطيم الذرة عام ١٩٤٥ على هيئة قنبلة ذرية استخدمت للتدمير، والقنبلة الذرية بحجم قنبلة عام ١٩٤٥ تعادل ما ينشأ من انفجار ٢٠-٣٠ ألف طن من الديناميت، والحرارة المنبعثة من قنبلة بهذا الحجم تكفي لتبخير كمية من ماء البحر حجمها لا يقل عن ٥٠ ألف متر مكعب.
وقد تحول تحطيم الذرة إلى الاتجاه السلمي منذ ذلك الحين في إقامة محطات لتوليد حرارة يمكن تحويلها إلى طاقة كهربائية، وانتشرت المحطات الذرية في عدد كبير
стр. 127
من الدول الصناعية، وينظر إليها على أنها المصدر المأمول للمستقبل للحصول على طاقة لا تلوث البيئة.
طاقة مصدرها آشعة الشمس:
لأشعة الشمس تأثير بالغ على قشرة الأرض، فللشمس إشعاعات تصل إلى الأرض يعزى إليها إليها حركة الرياح، وحركة المياه والدورة المائية بصفة عامة، فهناك طاقة يمكن توليدها من سرعة جريان المياه.
وهناك طاقة يمكن توليدها من سرعة الرياح، كما أن هناك طاقة يمكن توليدها من آشعة الشمس مباشرة.
ولأشعة الشمس تأثير على الحياة من خلال تكوين مادة اليخضور "الكلوروفيل"، فتنتقل طاقة الشمس إلى جسم النبات بعملية التمثيل الضوئي، إذ تمتص خلاياه المحتوية على المادة الخضراء في النبات "الكلوروفيل" ثاني أكسيد الكربون من الجو، وبتفاعل هذا الغاز مع الماء الذي يمتصه النبات تنتج المواد "الكربوهيدراتية" بتأثير الطاقة المستمدة من ضوء الشمس، ومن ثم يتكون الخشب الذي يتركب أساسًا من مركبات كيميائية محتوية على عناصر الكربون، والهيدروجين والأكجسين، ومن هذا الخشب يتكون الفحم النباتي المستعمل في الوقود، إذ بإحراق هذا الفحم تنطلق الطاقة المدخرة فيه، وما الفحم الحجري إلا نباتات، وأشجار نشأت ونمت ثم دفنت بطريقة ما، وتحولت بالتحلل الجزئي على مدى ملايين السنين إلى الفحم الحجري تحت تأثير فعل العوامل الجيولوجية من حرارة وضغط وغيرها.
стр. 128
الفصل السابع: ما ينفع الناس
أ- الحياة على الأرض قبل الإنسان:
شاءت إرادة الله أن يستقل كوكب الأرض وأن يبرد سطحه في قشرة يغطي معظمها مساحات من الماء، وأن تبرز باقي القشرة أعلى من سطح الماء وتعرف باليابسة.
ثم شاءت إرادة الله أن تكون هناك "حياة" على ظهر هذا الكوكب، حياة كما ندركها ونفهمها ونحسها نحن البشر، وتهيأت ظروف مواتية لظهور الحياة، أهمها آشعة الشمس، والماء، والهواء، وعناصر مستمدة من تربة الأرض، ودرجات حرارة مناسبة.
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] .
والحياة من الأسرار الإلهية، لا ندرك كنهها، ولكننا نبحث في ظواهرها وفي كيفية أداء وظائفها، وأيا كانت الحياة: نباتية أو حيوانية، بدائية أو راقية، فهناك دائمًا صفات مشتركة بينها:
- التغذية.
- النمو.
стр. 129
- التكاثر.
- الموت.
نشأت الكائنات الحية في أبسط صورها من خلية حية واحدة، وتكونت الطحالب والفطر والبكتريا، وتميز النبات بوجود جسيمات اليخضور "الكلوروفيل" في خلاياه، وعن طريق الكلوروفيل يستطيع النبات في وجود أشعة الشمس إحداث التخليق الضوئي Photosynthesis، فمن الماء وثاني أكسيد الكربون، وبعض العناصر والأملاح الذائبة في الماء يبني النبات مركبات عضوية، كربومائيات وزيوت وأحماض أمينية، ويقول علماء النبات: إن الضوء الذي يقع على ١٠٠ سنتيمتر مربع من سطح ورق النبات يكفي في الظروف المواتية لكي يصنع ١٠-١٥ مليجرام من السكر في الساعة الواحدة، فالنبات يستطيع أن يختزن الطاقة في صورة مركبات عضوية.
ويقول علماء النبات وعلماء الحفريات النباتية: إن أول ظهور الحياة النباتية كان في الماء قبل أن يوجد على اليابسة، وما زالت مياه المحيطات والبحار تعج بأنواع لا حد لها من النباتات وبكميات هائلة، وهي غذاء الأحياء المائية من أسماك وغيرها، فعند ظهور الحيوانات على سطح هذا الكوكب كان غذاؤه النباتي حاضرًا.
من خلال دراسة الحفريات النباتية والحفريات الحيوانية، ودراسة الصخور المحيطة بتلك الحفريات، أمكن للعلماء المتخصصين في الصخور والنبات والحيوان أن يعطوا للبشرية تاريخًا لظهور أنواع من النبات والحيوان، وتاريخها لازدهارها، وتاريخًا لانقراضها، أو استمرارها أو تطور تركيبها التشريحي.
خلال حقب الحياة القديمة "الباليوزوي" كانت البحار واليابسة مرتعًا لأنواع من
стр. 130
الحياة تختلف كل الاختلاف عن الكائنات الحية التي تعمر وجه الأرض حاليًا، فمن الحيوانات البدائية التي عاشت واندثرت قبل انقضاء ذلك الحقب، حيوان الجرابتوليت وحيوان التريليوبيت، وهي حيوانات بحرية دقيقة الحجم، وظهرت من أنواع وأجناس الشعاب المرجانية، والحيوانات المحارية ما انقرض قبل انقضاء ذلك الحقب، وظهرت أولى الحيوانات الفقارية، وهي أسماك لم تكن هياكلها العظمية قد تعظمت تمامًا، فكانت لها درقة خارجية تعاون في وقايتها وتقوية هيكلها، وقرب نهاية الحقب، ظهرت الحيوانات البرمائية Amphibia التي لها القدرة على الجمع بين الحياة البرية والحياة البحرية.
وظهرت من المملكة النباتية أنواع بحرية دنيئة في بداية هذا الحقب، ولم تظهر الأنواع البرية إلا بعد مرور فترة جيولوجية طويلة من هذا الحقب، وكانت تلك النباتات البرية من الأنواع البدائية الخفية التوالد Cryptogams وانتشرت انتشارًا كبيرًا في مناطق من اليابسة، ومنها ما تحول إلى طبقات من الفحم تحت ظروف ملائمة في السهول، والمستنقعات ودلتات الأنهار التي كانت موجودة وقتئذ، ومن أشهر الأشجار التي تكونت منها طبقات الفحم نباتات السرخسيات واللبيدردندرن والسجيلاريا.
وانتهى حقب الحياة القديمة الذي لم يكن فيه استقرار، بل تعرض لحركات أرضية عنيفة وأنشطة بركانية، وهذا ما عجل بانتهاء هذا الحقب وعلى انقراض عدد من أحيائه الحيوانية والنباتية.
وكانت فترة دوام حقب الحياة الوسطى "الميزوزوي" فترة هدوء نسبي من الناحية الجيولوجية.. ومن الحيوانات البحرية المحارية الرخوة التي ازدهرت خلال هذا الحقب
стр. 131
واندثرت قبل انتهائه حيوان الأمونيت وحيوان البلمنيت، وظهور أنواع من الشعاب المرجانية لم تكن معروفة من قبل، وكثرت القنافد البحرية وأنواع من الحيوانات المحارية الرخوة وظهرت أسماك عمودها الفقري كامل التعظم، ويغطي أجسامها قشور قابلة للإنثناء لا تعوق حرية الحركة، وكثرت أعداد الحشرات وتعددت أنواعها.
وظهرت الزواحف reptiles وانتشرت، وبلغ بعضها أحجامًا عظيمة كما يؤكدها ما يعثر عليه من بقايا هياكلها العظيمة المتحجرة، حتى يقال: إنه كان لها السيادة على الأرض فترة من الزمن، ومن الزواحف ما كان يعيش في الماء، ومنها ما كان يعيش على اليابسة ومنها برمائيات، ومن الزواحف ما كان يستطيع الطيران.
من الزواحف المائية حيوان الإكثيوسور الذي كان يجمع بين صفات الأسماك والزواحف، وحيوان البليزيوسور الذي كان يشبه السحالي، أما الزواحف الأرضية فقد بلغ بعضها أحجامًا كبيرة، منها حيوان الأجيوانودون الذي كان يشبه حيوان الكانجارو القنغر الحالي، والذي كان طوله يصل إلى عشرة أمتار وطول ذيله وحده حوالي خمسة أمتار، وحيوان البرنتوسور الذي كان طوله يصل إلى نحو ١٦ مترًا، وحيوان الديبلودوكس الذي كان طوله يصل إلى ثلاثين مترًا، وارتفاعه يصل إلى ستة أمتار، أما البرمائيات الطائرة فكانت في تركيبها أشبه بالخفاش المعروف حاليًا، وكانت تستطيع الطيران بواسطة غشاء جلدي يمتد ما بين أصابع اليد إلى جسم الحيوان، فكان بذلك يشبه الجناح.
وفي أواخر الحقب الأوسط ظهرت أنواع من الطيور ذات أسنان حادة، وبدأ كذلك ظهور أول صور الثدييات، وكان يشبه حيوان الكانجارو في كونه يحمل صغاره في كيس متدل من البطن.
стр. 132
وفي مجال المملكة النباتية، قل انتشار النباتات غير المزهرة التي كانت سائدة خلال الحقب السابق، وكان الانتشار للأشجار العملاقة من نوع المخروطيات، وفي أواخر هذا الحقب بدأ ظهور النباتات الزهرية في أبسط صورها، ومنها أنواع النخيل.
ويأتي حقب الحياة الحديثة "الكاينوزوي"، وخلاله توالى ظهور فصائل وأسر وأجناس من المملكتين النباتية، والحيوانية تقترب أكثر فأكثر في صفاتها مما نعهده ونعايشه حاليًا من نبات وحيوان، أما رخويات الأمونيت والبلمينت فقد انقرضت، وانقرضت أيضًا الزواحف الكبرى الهائلة الأحجام التي كانت متفوقة خلال الحقب السابق على كل ما عداها من حيوانات.
من الحيوانات البحرية التي انتشرت خلال الجزء الأول من حقب الحياة الحديثة رخويات ذات هيكل جيري أهمها حيوان النيوميوليت، وتعددت أنواع الرخويات الأخرى ذات المحارات المزدوجة والمحارات الملتوية، وتعددت أنواع الأسماك وانتشرت الحشرات انتشارًا كبيرًا، ومن بينها النمل والنحل والبعوض والفراش، ومن أسباب انتشار تلك الحشرات، انتشار النباتات الزهرية في كافة الظروف المناخية على اليابسة، وأصبحت البرمائيات والزواحف قريبة الشبه بما نراه حاليًا من الساحلي، والثعابين والسلاحف والتماسيح، وانتشرت الطيور الخالية من الأسنان بعد اندثار الطيور ذات الأسنان.
أما الحيوانات الثديية Mammals فقد توالى منها ظهور أنواع تلو الأخرى، الواحد أكثر تقدمًا من الناحية التشريحية عما سبق ظهوره، فظهرت الأبقاء والحمير والخيل، وظهرت القردة التي أودع فيها من الصفات التشريحية، والعقلية ما يفوق سائر تلك الثدييات.
стр. 133
ووصلت المملكة النباتية إلى قمة الرقي بانتشار النباتات الزهرية، وتنوعت النباتات الحولية والأشجار المعمرة، وتنوعت الثمار والفاكهة.
ب- سكنى الإنسان للأرض:
حينما أمر الله أن يسكن الإنسان الأرض، كانت الأرض عامرة بالحياة النباتية والحياة الحيوانية.
وقد وصف الله المملكة الحيوانية بأنها أمم.
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] .
ووصف الخالق المملكة النباتية بالتوازن، وبأن النبات أزواج، وبأن الثمرات صنوان وغير صنوان:
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: ١٩] .
﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٣-٤] .
تلك كانت حالة الأرض بسكانها ومواردها المتاحة حين عمرها الإنسان.
وهناك نقاش كثير وجدل حاد حول ظهور الإنسان على ظهر هذا الكوكب، يدور هذا النقاش وهذا الجدل منذ ما يزيد على قرن من الزمان، وتصل بعض الآراء
стр. 134
التي يتقدم بها أصحابها في هذا المجال إلى حد الإسفاف، واللا معقول والتخمين غير المنطقي، ويرجع هذا إلى عدم توافر شواهد ومعلومات لإلقاء ضوء كاف يهدي ويزيل الشبهات.
ونحن هنا، ننحي هذا الحديث جانبًا ولا نخوض فيه، متى جاء الإنسان؟ وأين استقر على ظهر هذا الكوكب؟ وكيف كان مظهره؟
كلها أسئلة، إجابتها غير معروفة يقينًا من وجهة نظر البحث العلمي لبني آدم الذين يعيشون في الوقت الحاضر.
كل ما يهمنا تأكيده هو أن آدم وحواء والإنسان عامة مخلوق عاقل، ومكلف وحامل للأمانة، وشاءت إرادة الله أن ينتشر بنو آدم في أنحاء الأرض، ويصيروا شعوبًا وقبائل.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣] .
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً﴾ [الفرقان: ٥٤] .
جـ- خلق الإنسان:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠] .
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] .
стр. 135
﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨] .
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] .
والتراب والطين والصلصال والحمأ المسنون، كلها مادة الأرض.
﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧] .
والصلصال كل ما جف من الطين، ولم يحرق لجعله خزفًا وفخارًا والحمأ المسنون هو الطين الأسود المنتن.
فما هو تركيب تربة الأرض التي منها يخلق الله البشر؟
هناك اجتهادات لإعطاء تحليل متوسط لما يمكن أن يطلق عليه تربة الأرض، والجدول التالي يعطي أحد تلك الاجتهادات.
العنصر
...
%
...
العنصر
...
%
أكسجين
سليكون
ألومنيوم
حديد
كالسيوم
صوديوم ...
٤٧.٠٠
٢٨.٠٠
٧.٩٠
٤.٥٠
٣.٥٠
٢.٥٠
... بوتاسيوم
ماغنسيوم
تيتانيوم
هيدروجين
كربون
عناصر أخرى ...
٢.٥٠
٢.٢٠
٠.٤٦
٠.٢٢
٠.١٩
٠.١٣
ومن العناصر الموجودة في التربة الأرضية يدخل ٢٤ عنصرًا في تركيب الجسم
стр. 136
البشري بصفة أساسية، ويقسم علماء وظائف الأعضاء هذه العناصر إلى ثلاث مجموعات.
- المجموعة الأولى تضم ٦ عناصر تكون ٩٩.٥٥% من تركيب بروتوبلازم خلية الجسم البشري:
العنصر
...
%
...
العنصر
...
%
...
العنصر
...
%
هيدروجين
اكسجين ...
٦٢.٩٠
٢٥.٤٨
... كربون
نيتروجين ...
٩.٥٠
١.٤٠
... فوسفور
كبريت ...
٠.٢٢
٠.٠٥
- المجموعة الثانية تضم ٥ عناصر توجد بنسب منخفضة، ولكنها هامة جدًّا في الخلية البشرية.
العنصر
...
%
...
العنصر
...
%
...
العنصر
...
%
كالسيوم ...
٠.٣١
... بوتاسيوم
صوديوم ...
٠.٠٦
٠.٠٣
... كلور
ماغنسيوم ...
٠.٠٣
٠.٠١
- المجموعة الثالثة تضم ١٣ عنصرًا موجودة بنسبة طفيفة لا تتجاوز في مجموعها ٠.٠١% من وزن الخلية البشرية، ولكنها عناصر حيوية لأداء وظائف أعضاء الجسم البشري، وهذه العناصر هي: الحديد، النحاس، الزنك، الكوبلت، الكروميوم، السيلينيوم، الموليبدينم، السليكون، القصدير، الفاناديوم، الفلورين، اليود.
حقًّا إن الله قد أنبت الإنسان من الأرض نباتًا.
ومن طريف ما ذكره أحد الأطباء، أنه لو جئنا بإنسان وزنه حوالي ٦٥ كيلو جرامًا
стр. 137
لوجدنا بدنه يحتوي على قدر من المواد تكفي لصناعة بعض المنتجات على النحو التالي:
- دهن يكفي لصنع ٧ قطع من الصابون.
- كربون يكفي لصنع ٧ أقلام رصاص.
- فوسفور يكفي لصنع رءوس ١٢٠ عود ثقاب.
- ملح الماغنيسوم يصلح جرعة واحدة لأحد المسهلات.
- حديد يكفي لعمل مسمار متوسط الحجم.
- جير يكفي لتبييض بيت للدجاج.
- كبريت يطهر جلد جواد واحد من البراغيث التي تسكن شعره.
- ماء يملأ برميلًا سعته عشرة جالونات.
وتلك هي قيمة الجسم البشري المادية!!.
وبحكم التركيب العضوي للآدمي فهو يحتاج إلى مقومات أساسية لحياته، يحتاج إلى الهواء لتنفسه، ويحتاج إلى الماء وإلى الطعام، وهو لا يستطيع أن يعيش إلا في ظروف مناخية معينة، فهو لا يستطيع أن يعيش في مناخ بالغ الحرارة أو بالغ البرودة، إلا إذا اتخذ وسائل يصطنعها ليحجب بدنه عن درجات الحرارة البالغة الارتفاع أو البالغة البرودة، فالملبس مثلًا وقاية له من غائلة التطرف الحراري ارتفاعًا أو انخفاضًا.
وحينما ينعم الله على عباده فهو يهبهم: المشرب والمأكل والملبس والجو المناسب، وفوق كل هذا يهبهم الأمان من غائلة الخوف.
стр. 138
﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣-٤] .
والله يعد المؤمنين بكل هذا في نعيم الآخرة، وينذر العاصين عكس ذلك عذابًا في الآخرة:
﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨-١١٩] .
فلن يصيبك في الجنة جوع ولا عري، ولا عطش ولن تتعرض فيها لحرّ لافح من الشمس.
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ [الإنسان: ١٣] .
فالحرارة الشديدة والبرودة الشديدة هما ما يعاني منهما الإنسان في الحياة الدنيا ويتوقاهما، وإلا هلك:
﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢] .
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] .
أما العاصون، فهم في الآخرة يعانون من الحرارة وشرب الماء الحار:
﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٣-٤٤] .
﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً، إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾ [النبأ: ٢٤-٢٥] .
стр. 139
د- الإنسان والنمو الحضاري:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] .
بعد أن مررنا عبر الأزمان الجيولوجية، وحسبناها بمئات وعشرات الملايين من السنين، نتمهل ونبطئ الخطى لنمر عبر الحضارة البشرية منذ أن عمر الإنسان كوكب الأرض، فهنا تحسب الأزمان بآلاف السنين وبمئات السنين.
يقسم علماء الحضارة البشرية سجلهم بزمنين رئيسين هما: ما قبل التاريخ، وما بعد التاريخ، ويضع هذا التقسيم فاصلا هامًّا لحضارة البشرية حينما استطاع الإنسان أن يعبر عن نفسه بالكتابة، فيحفظ تاريخه لكل من يستطيع قراءته ممن يجيئون بعد ذلك من البشر.
وتترواح الأمم في القديم، في السبق صعودًا لدرجات الحضارة، فبعضها قد سبق بآلاف السنين، ومن أقدم ما عرفه الإنسان من حضارات، تلك التي نشأت على ضفاف الأنهار في مصر والعراق والهند والصين.
قسم علماء الحضارة البشرية أزمان ما قبل التاريخ إلى ثلاث مراحل حضارية متدرجة في رقيها:
- حضارة العصر الحجري القديم "الباليوليثي" التي استغرقت زمنًا طويلًا يختلف في تحديده الباحثون اختلافًا بيِّنًا، وأشد ما يكون الاختلاف هو في تقدير متى بدأ هذا العصر، أما متى انتهى هذا العصر فهناك اتفاق على أنه انتهى منذ حوالي ١٠ آلاف عام قبل الميلاد.
стр. 140
- حضارة العصر الحجري المتوسط "الميزوليثي"، ومدتها قصيرة نسبيًا تنحصر في الفترة ما بين عامي ١٠٠٠٠-٨٠٠٠ قبل الميلاد.
- حضارة العصر الحجري الحديث "النيوليثي" التي ترجع للفترة ما بين عامي ٨٠٠٠-٥٠٠٠ قبل الميلاد.
واستخدم الإنسان الحجر في صناعة أدوات سلمه وأدوات حربه، فكان ينتقي الأحجار الشديدة الصلابة، وكان الصوان أكثر أنواع الأحجار ملائمة لاستخدماته، فالصوان واسع الانتشار، يوجد في الطبيعة في كتل ذات أحجام مناسبة، وهو حجر متماسك شديد المقاومة، وهو يمكن تشظيته وجعله مسننًا حسب الأغراض المطلوب لها هذه التشظية.
وتطورت الأدوات الحجرية من كتل في حجم قبضة اليد قليلة التشكيل إلى أدوات متخصصة أصغر حجمًا، وأدق صنعًا وأكثر تخصصًا.
وكان الإنسان في الأزمنة الأولى هائمًا في الأرض خلف صيده، ثم تعلم الاستقرار مع قدرته على استئناس بعض الحيوانات، ومع قدرته على الزراعة، وعرف النار واستأنسها وسخرها لطهو طعامه وللحصول على الدفء، واستخدم الجلود ملبسًا، ثم غزل من شعر الحيوان وصنع منه ملبسًا، ثم حصل على خيوط من بعض النبات وصنع منها ملبسًا.
وسكن الإنسان البدائي الكهف واحتمى بأكوام غير منتظمة من الأحجار، ثم تعلم أن يبني من الأحجار بعد أن يقتطعها ويذهبها، ثم تعلم أن يبني بالطوب الذي يصنعه من تراب الأرض.
стр. 141
وفي أواخر العصر الحجري الحديث اكتشف الذهب، والنحاس الموجودين في الطبيعة في صورتهما الفلزية، واستخدمهما باعتزاز كبير لندرتهما، ولقيمتهما الجمالية.
ثم عرف الإنسان في نهاية العصر الحجري الحديث كيف يحصل على فلز النحاس باستخدام النار في صهر أملاح النحاس الخضراء والزرقاء، فكان هذا أول ممارسة عملية لعلم "الميتاليرجي Metallurgy" وقد عرفت هذه المرحلة الحضارية بالمرحلة الكالكوليثية chalcolithic وهي التي جمع فيها الإنسان بين استخدامه للأدوات الحجرية، واستخدامه للأدوات النحاسية التي استخلصها من خاماتها.
ثم دخلت البشرية أزمان الحضارات المسجلة بالكتابة، وهي لذلك تسمى الحضارات التاريخية، فتعددت الخامات التي استخدمها الإنسان من أحجار الأرض ومعادنها، وتعددت منتجاته الزراعية وتحسنت طرق الزراعة والري.
وصارت على الأرض أمم، لكل واحدة كيان اجتماعي واقتصادي، وصفات مترابطة في اللغة والعادات والدين، وأصبح داخل كل أمة تخصص في إنتاج السلع وفي تبادلها، وكان التبادل التجاري مقتصرًا على تبادل السلع، سلعة بسلعة، ثم اتفق على جعل المال وسيلة للتبادل التجاري، وهنا ازدادت أهمية الذهب والفضة، وإلى حد ما النحاس، وهي المواد التي وجدت الأكثر صلاحية للاستخدام كنقود.
وما أن عرف الإنسان استخلاص فلز النحاس من خاماته بالصهر حتى بحث عن معادن أخرى ليعالجها بمقدار ما حصل عليه من معرفة، وهكذا استطاع أن يستخلص الرصاص والفضة من معادنهما، واستلخص القصدير منذ حوالي ٣ آلاف عام قبل
стр. 142
الميلاد، وكان هذا إيذانًا بمعرفة سبيكة البرونز، ثم استطاع تحسين أفران الصهر للوصول إلى درجات حرارة أعلى مما كان عليه سابقًا، وبذلك استطاع استخلاص فلز الحديد منذ حوالي ٢٧٠٠ عام قبل الميلاد، واستطاع أن يصب الفلز وهو في حالة سائلة في قوالب تتلائم مع احتياجاته، وحفز انتاج الفلز نشاط الاستكشاف والبحث عن مصادر الخامات المعدنية، ونتج عن هذا ازدهار تجارة متخصصة في الخامات المعدنية، أو كتل الفلزات غير المصنعة أو أدوات مصنعة من الفلزات، وأفاضت هذه الصناعة والتجارة المتعلقة بها رخاء على مراكز الإنتاج وعلى مراكز تجارتها، وكان إنتاج الفلزات وتصنيعها قوة ومنعة للدول التي تقوم بها.
وحينما جاء الإسلام على يد رسول النور والهدى، كان العالم قد نال قسطًا من الحضارة، وقطع شوطًا في طريق المعرفة والتقنية، وحينما خاطب القرآن الكريم أهل الأرض وقتئذ ذكر لهم أشياء يعرفونها، ويرونها أو يسمعون بها ويعقلونها، وضرب الله في قرآنه المجيد أمثالًا للناس ليقرب إلى إدراكهم أشياء من الغيبيات مما يصعب على عامتهم استيعابها إلا بهذه الوسيلة.
والقرآن الكريم صالح لكل زمان ومكان، فمنذ نزوله على العباد، لم تتوقف مسيرة المعرفة، وظلت هذه المسيرة بطيئة الخطى طوال الألف عام التي تلت نزول القرآن الكريم، ثم أسرعت خطى العلم التجريبي بدرجات مضاعفة إلى أن أصبحت تلك الخطى عدوًّا يأخذ بالأنفاس خلال القرن العشرين بعد الميلاد، وفي كل ما توصل إليه العلم الحديث من نتائج مبهرة، يبقى ما ورد في القرآن الكريم شاهدًا ومصدقًا، وداعيًا إلى الإيمان من خلال ما أفاء الله به على عباده من علم، وما يدعو إليه الحق من المزيد من العلم.
стр. 143
لقد كانت مشيئة الله أن يعمر بنو آدم الأرض، وأن تكون لهم السيادة على سائر مخلوقات الله التي تسكن الأرض، تلك التي تسكن على سطحها والتي توجد تحت سطحها، تلك المخلوقات الحية وغير الحية مما يراه الإنسان أو تعيه حواسه، أما غير ذلك من مخلوقات الله مما لا يراها الإنسان أو تعيها حواسها فعلمها عند ربها، وتخرج عن دائرة سيادة الإنسان عليها.
هـ- الماء في خدمة البشر:
تأتي أهمية الماء لحياة البشر لعدة أسباب:
- الماؤ حيوي لبناء جسمه واستمراره في الحياة.
- استخدام الماء لنظافته ونظافة بيئته ولأغراضه الصناعية.
- استخدام الماء في الزراعة.
- مياه البحار والأنهار والبحيرات مصدر للأسماك وغيرها من الأحياء، ومصدر لبعض المواد غير الحية، تلك المصادر التي يتخذ منها البشر غذاء، ودواء، وحلية.
- المراكب فوق الرقع المائية وسيلة لنقل العباد والبضائع.
إن الحصول على الماء السائغ شرابه هو هدف حيوي للبشر، فما هي مواصفات الماء السائغ شرابه؟
﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: ١٢] .
إن ماء المطر هو أنقى صورة من صوره في الطبيعة، وأثناء نزول المطر، أحيانًا ما
стр. 144
تجلب حبات المطر ما يكون متعلقًا في الهواء من ذرات ترابية أو رماد بركاني، وقد تجلب أيضًا بعض ما في الجو من غازات مثل ثاني أكسيد الكربون، أو أي غازات أخرى حمضية، وكلها يجلبها المطر بنسب طفيفة لا تكاد تذكر، ولا يكاد يحس بها البشر، إذ يمكن القول بصفة عامة أن ماء المطر يكون سائغًا للشراب قبل أن يجري فوق أو تحت سطح الأرض.
هناك شروط صحية تضعها الدول، وتسن بها قوانين لصلاحية الماء للشرب من الناحية "البكتريولوجية"، وتلزم بها الجهات المسئولة عن إمداد الناس بمياه الشرب، وتقوم الدول بالرقابة على سلامة مياه الشرب وخلوها من المواد العضوية الضارة، من خلال التحاليل الكيميائية في معامل متخصصة.
قد يتوقف جريان الماء أو يضعف هذا الجريان، فإذا ألقيت في هذا الماء بقايا مواد نباتية أو حيوانية، تعفنت هذه المواد العضوية وتوالدت الفطريات، والباكتريا ومختلف الكائنات الدقيقة، ويصبح هذا الماء آنسا، والماء الآسن ماء نتن الرائحة لا يصلح للشرب.
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] .
هذا من الناحية العضوية، أما من ناحية وجود أملاح غير عضوية ذائبة في الماء، فهناك مواصفات صحية لصلاحية الماء للشرب، فهناك حدود قصوى لوجود الأملاح، على ذلك قسمت صلاحية الماء للشرب إلى:
- ماء يحتوي على أملاح ذائبة أقل من ١٥٠ جزء في المليون، وهو ماء سائغ قليل الملوحة.
стр. 145
- ماء يحتوي على أملاح ذائبة تتراوح ما بين ١٥٠-٥٠٠ جزء في المليون، وهو ماء سائغ متوسط الملوحة، يمكن استخدامه في الشرب، والطهي بشرط خلوه من أملاح العناصر الفلزية الثقيلة، ومن أملاح المنجنيز وأمثالها من الأملاح السامة، وأن لا تتجاوز نسبة الحديد ١.٥ جزء في المليون.
- ماء يحتوي على أملاح ذائبة تتراوح ما بين ٥٠٠-٢٠٠٠ جزء في المليون، وهو ماء كثير الملوحة ولا يصلح للشرب الآدمي إلا في لحظات الاضطرار، ولفترة قصيرة وإلا أصابت أجهزة الجسم البشري أضرار وظيفية.
- ماء يحتوي على أملاح ذائبة تزيد عن ٢٠٠٠ جزء في المليون، ويصنف بأنه غير صالح للشرب.
وهناك حدود قصوى لصلاحية الماء للشرب من ناحية حموضته وقلويته، وحيث إن الماء خالي من أي شوائب هو ماء متعادل وله رقم٧، فإن أقصى قلوية لماء صالح للشرب هو رقم ٨.٥، كذلك فإن أقصى حامضية لماء صالح للشرب هو رقم٦.
فمن أين يحصل البشر على الماء السائغ للشراب؟.
يحصلون على هذا الماء من النهر ومن الغدير ومن الوادي عندما يسيل عقب هطول الأمطار، وكلها مياه جارية، ويحصل عليها من البحيرة التي يتجدد ماءها ولا تتراكم فيها الأملاح الذائبة، ومن أمثلتها بحيرة فكتوريا، وبعض البحيرات المحيطة بها في أواسط أفريقيا.
وفي القرآن الكريم ذكر الماء الذي يخرج من بين ثنايا الحجر:
следующие страницы →