﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [التوبة: ١] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] .
كذلك تضمن القرآن الكريم صورة بلاغية لما يصيب الناس من جراء الشدائد والأهوال تصفها بالزلزلة:
﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤] .
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] .
البراكين Volcanos: من الظواهر الطبيعية التي تنشط في حركة سريعة وقد تكون فجائية، والسرعة والفجاءة هنا نسبية، فهي تنسب إلى المقاييس الزمنية الجيولوجية التي تحسب بملايين السنين، والتعريف العلمي للبركان هو أنه مخرج أو فتحة في القشرة الأرضية، تسمح للمواد المصهورة والغازات المحبوسة تحت سطح الأرض، بالخروج إلى سطحها.
وللبركان عادة أجزاء ثلاثة:
"أ" القصبة neck، وهو تجويف أسطواني يخترق القشرة الأرضية، ويوصل المادة المصهورة إلى سطح الأرض.
"ب" الفوهة crater، وهي الفتح العليا التى تنبعث منها المادة المصهورة والمواد الغازية.
"ج" المخروط cone، وهو الجبل المخروطي الشكل الذي يتكون من تراكم المواد المصهورة بعد تدفقها خارجة من الفوهة، ثم تجمدها حول القصبة.
стр. 72
ويمكن تقسيم المواد التي تنبعث من البراكين إلى ثلاثة أنواع:
"أ" الرماد البركاني ashes: وهي حبيبات صخرية دقيقة الحجم، تخرج من الفوهة باندفاع في الجو، وقد تترسب حول المخروط، أو تحملها الرياح إلى مسافات بعيدة، وحين انفجر بركان كاراكوتو بجزيرة جاوة "في إندونيسيا" عام ١٨٨٣، حملت الرياح الرماد البركاني، وطاف في جولة كاملة حول الأرض، قبل أن تهبط آخر حبيباته على سطح الأرض نهائيا.
"ب" المقذوفات البركانية bombs: وهي قطع صخرية بركانية، الواحدة في حجم قبضة اليد أو تزيد حجما، وتفذفها البراكين باندفاع شديد وتترسب حول المخروط.
"ج" الطفوح البركانية أو الحمم lava "اللابة": مواد صخرية مصهورة، تسيل من فوهة البركان، منحدرة إلى الأراضي المجاورة بسرعة قد تبلغ ثمانية أمتار في الثانية، والصهير البركاني تصل حرارته إلى ١١٥٠-١٢٠٠ درجة مئوية، وقد تصل حرارة الطفوح إلى ١٠٠٠ درجة مئوية، ويبرد من أجزاء الطفوح البركانية الجزء الأعلى لملامسته للهواء، والجزء الأسفل لملامسته لصخور سطح الأرض، وما بين هذين الجزأين يبرد ببطء، وعادة ما يكون قوام الطفوح التي تبرد سريعا قواما زجاجيا غير متبلور.
والبراكين ظاهرة جيولوجية تكررت مرارا في مختلف الأزمنة الجيولوجية، وفي مختلف المواقع على سطح اليابسة، وتحت قيعان البحار والمحيطات، ومنذ بدء عمار الجنس البشري للأرض، كانت البراكين من الظواهر التي يراها ويخشى عواقبها،
стр. 73
وقد تمكن العلم الحديث من تحديد نطاقات محددة تضم تركيزا واضحا لمواضع البراكين، سواء النوع الذي ما زال ينشط بين الحين والحين، والنوع الذي لم يعد له احتمال لأي نشاط يذكر "براكين خامدة".
وفيما يلي هذه النطاقات البركانية:
"أ" أهم نطاق بركاني على الصعيد العالمي يوجد المحيط الهادي وتحت سطح قاعه، ويضم هذا النطاق ٥٢٦ بركانا، من هذه البراكين ٣٢٨ بركانا عرف له نشاط خلاف وقت أو آخر من الأزمنة التاريخية، ومن أهم براكين هذا النطاق:
بركان كوتوباكيس بجبال الأنديز بأمريكا الجنوبية "قمته ٦٠٠٠ متر فوق سطح الماء".
"ب" نطاق بركاني يمر ببعض دول البحر المتوسط، ويمتد إلى الهضبة الإيرانية وما يليها شرقا في وسط آسيا حتى الجزر الإندونيسية، ومن البراكين المعروفة في هذا النطاق بركان فيزوف بجنوب إيطاليا، وبركان إتنا بجزيرة صقلية "قمته ٣٥٠٠ متر"، وبركان إلبرد "٥٦٤٢ مترا"، وبركان كازيك "٥٠٣٣ مترا"، وهما في جبال القوقاز، وبركان جبل أرارات، وفي خليج سوندا بين الجزر الإندونيسية يوجد ٦٣ بركانا نشيطا أو قابلا لأن يكون نشيطا.
"ج" نطاق بركاني حول المحيط الأطلسي وتحت سطح قاعه، ويضم ٦٩ بركانا منها ٣٩ بركان نشيطا خلال أوقات معروفة تاريخيًّا.
"د" نطاق بركاني في شرق إفريقيا، ويضم ٤٠ بركانا منها ١٦ بركانا نشيطا، وأهم الجبال البركانية في هذا النطاق جبل كيليمانجارو على حدود تنزانيا مع كينيا "٥٨٩٥ مترا".
стр. 74
ومن الثورات البركانية المشهورة في التاريخ ثورة بركان فيزوف عام ٧٩ ميلادية حيث فاجأ البركان في ثورته مدينة بومبي، فغمرها بالطفوح وبالرماد قبل أن يستطيع أهلها النجاة، وثار نفس البركان ثورة كبيرة عام ١٦٣١ ميلادية، وفيما بين هذا التاريخ، وتاريخ هلاك أهل بومبي كان البركان قد ثار تسع مرات.
ومن الثورات البركانية أيضا، ما كان في الجزر الإندونيسية، حيث ثار بركان سومباوا عام ١٨١٢ وثار بركان كاراكاتو عام ١٨٨٣، وفي جزيرة صقلية ثار بركان إتنا عام ١٩٢٨ ثورانا عظيما، ثم ثار بعد ذلك عدة مرات آخرها عام ١٩٩٢.
وتنبعث مع ثورة البراكين كميات هائلة من بخار الماء والغازات الحمضية، ومنها غازات كبريتية، وغاز ثاني أكسيد الكربون، وتبلغ درجة حرارة تلك الأبخرة والغازات عند انطلاقها من فوهة البركان ما بين ١٠٠ إلى ٥٠٠ درجة مئوية، وقد سببت هذه الغازات في هلاك أكثر من أربعين ألف نسمة من سكان جزر المارتينيك خلال عامي ١٩٠٢-١٩٠٣.
وقد قدرت الخسائر في الأرواح بسبب النشاط البركاني بصفة عامة خلال الخمسمائة سنة الأخيرة بحوالى ٢٠٠ ألف نسمة.
ولعل الحق قد أراد أن يبين هول ما يحدث للأرض إيذانًا بقيام الساعة، فيشير إلى أنشطة بركانية شاملة تصاحب حركات زلزالية عارمة في قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢] .
والنشاط البركاني الذي ينشط في "الحرات" ليس غريبا على أهل الحجاز،
стр. 75
فقد كات أحد الأنشطة البركانية التي تعرف بإحدى الحرات، وهي "حرة النار" إذ خرجت منها النار زمن الخليفة عمر بن الخطاب، وذكر أن سحب الدخان كانت تخرج في عهد الخليفة عثمان بن عفان من بعض الجبال القريبة من المدينة المنورة، وكان آخر حدث بركاني في الحجار سنة ٦٥٤ هجرية "١٢٥٦ ميلادية" إذ ثارت إحدى الحرات في شرقي المدينة المنورة، واستمر هيجانها بضعة أسابيع، وقد وصل ما سال من حممها إلى مسافة تبعد بضعة كيلو مترات فقط عن المدينة المنورة.
وقد روي عن أبي هريرة أنه قال: حرم رسول الله ﷺ ما بين لابتي المدينة، وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى.
واللابتان مثنى لابة "الحرة" وتقع المدينة بين اللابتين: الشرقية والغريبة، وقدر الحرم باثني عشر ميلا يمتد من "عير" إلى "ثور" وعير جبل عند الميقات، وثور جبل عند أحد من جهة الشمال.
стр. 76
الفصل الرابع: الغلاف المائي للقشرة الأرضية
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] .
تحرج المفسرون من الخوض في تفسير هذه الآية الكريمة استنادا إلى قوله تعالى:
﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٥١] .
إلا أن الربط بين عرش الله ، والماء هو تشريف رباني لهذه المادة وهي مادة الماء.
خصص الخالق للأرض من نشأتها الأولى قدرًا معينا من الماء، وقد جاء هذا الماء من السديم الأول الذي نشأت عنه أفراد المجموعة الشمسية، ولو كانت الأرض كرة ملساء ليس فيها منخفضات، ومرتفعات لغطاها ذلك الماء بغلاف سمكه نحو ميلين، وهذا الغلاف المائي للقشرة الأرضية هو المعروف علميا باسم "الهيدروسفير"، وفي وقتنا الحاضر يغطي الماء "سائلا ومتجمدا" حوالي ٧٤% من سطح القشرة الأرضية.
стр. 77
ويتخذ الماء الأرضي أحد الصورتين التاليتين:
"أ" الماء السائل: في المحيطات والبحار، وفي البحيرات العذبة والمالحة، وفي الأنهار والعيون، والمياه التحت سطحية المتغلغلة في التربة والصخور إلى عمق حوالي ٤٠٠٠ متر من السطح.
"ب" الماء المتجمد: في صورة ثلوج وجليد دائمة في المنطقتين القطبيتين: الشمالية والجنوبية، وفي صورة جبال جليدية عائمة، وفي صورة قمم جليدية فوق بعض الجبال، وقد تكون دائمة أو موسمية ومتجددة.
الماء عند تكوين الأرض:
عندما وصلت درجة حرارة القشرة الأرضية إلى نحو ٣٧٠ درجة مئوية، "وهي أعلي درجة يتكاثف فيها بخار الماء تحت الضغط العالي" بدأ بخار الماء يتكاثف عليها، وعندما انخفضت درجة حرارة الجو عن ١٠٠ درجة مئوية تكونت المسطحات المائية على سطح الأرض من تجمع كافة بخار الماء، إلا أن نسبة بسيطة مازالت معلقة مع بقية مكونات الغلاف الجوي.
ولو تكونت كرة من مياه المحيطات والبحار، لكان قطر هذه المياه في هذه الكرة التخيلية نحو ٨٥٠ ميلًا، وهذا الحجم من الماء يساوي ما يزيد قليلا عن واحد في الألف من حجم الكرة الأرضية، وجدير بالذكر أن بعض الماء ما زال محبوسًا في داخل القشرة الأرضية وما تحتها.
стр. 78
منشأ وتطور المحيطات:
حسب الافتراضات السائدة حاليا، فلم يكن على سطح الأرض أي محيطات ذات رقعات مائية تذكر، منذ حوالى ٤.٦ بليون عام، فقد كان السطح وقتئذ ساخنا جدا، حرارته بضعة آلاف من الدرجات المئوية، ثم حدث تبريد تدريجي، وحينما وصلت درجة حرارة السطح إلى ١٠٠ مئوية كان السطح مجعدا، مع وجود مسطح أو مسطحين بارزين، بالمقارنة بالمسطحات الغائرة التى لم يشغلها وقتئذ إلا كميات ضئيلة من الماء "لا تمثل إلا نسبة ضئيلة في المائة مما تشغله المحيطات حاليًا بالماء".
ويرى العلماء أن مادة الغلاف كانت تحتوي على كميات هائلة من الماء، حبست داخلها حين بردت القشرة وتجمدت صخورها، وحسب الشواهد الحالية للأنشطة البركانية، فإن كميات من الماء تخرج ضمن منتجات النشاط البركاني، ويرى فريق من العلماء أن مياه المحيطات تكونت غالبيتها العظمى من الأنشطة البركانية على مدى مليارات السنين التي أعطت هذا القدر من الماء الذي ملأ أحواض المحيطات على هذا المدى الطويل من الزمن، ولم يكن ماء المحيطات عند نشأته بمثل ما نعلمه الآن من الملوحة، إلا أن الأملاح قد أضيفت إليه فيما بعد مع نشاط دورات التعرية والنقل.
وتغطي مياه البحار والمحيطات أكثر ٧٠% من مساحة سطح الكرة الأرضية، والمساحة الكلية لهذه الرقعة المائية ٣.٦١× ٨ ١٠ كيلو متر مربع؛ منها رقعة مساحتها ٣× ٨ ١٠ كيلو متر مربع في الأعماق السحيقة، والباقي ومساحته ٦.١× ٧ ١٠ كيلو متر مربع في الأعماق الضحلة التي تعتبر أجزاء مغمورة من حواف القارات.
стр. 79
تضاريس قيعان المحيطات:
يقسم علماء الجغرافيا تضاريس اليابسة المغمورة تحت المحيطات إلى الوحدتين التاليتين:
"أ" الرصيف القاري، وهو آخر ما ينسب إلى كتلة اليابسة، ويكون مغمورا تحت الماء إلى أعماق تنحصر ما بين ١٥٠-٢٠٠ متر في المعتاد، وتنتهي بحافة شديدة الانحدار.
"ب" يتدرج الانخفاض بعد ذلك إلى أن يصل إلى ٢٠٠٠ متر، ويصل إلى أعمق من هذا القدر بكثير في أواسط المحيطات وخاصة المحيط الهادي، وقد وجد أن قيعان المحيطات التي تتراوح أعماقها ما بين ٤٠٠٠-٥٠٠٠ متر من سطح الأرض أكثر من ٥٠% من المساحة الإجمالية لسطح القشرة الأرضية، وقد رصد أكبر عمق لمياه المحيط الهادي فوجد ٩٤٢٠ مترا.
وقد أثبت اختبار قيعان المحيطات كثرة وجود الجبال، والمرتفعات التي تتركب من صخور البازلت في غالبيتها، ولهذه الجبال والمرتفعات توزيع منتظم له دلالات علمية تعطي مؤشرات لتطور قيعان المحيطات اتساعا، أو ضيقا خلال الأزمنة الجيولوجية، وقد أثبتت الاختبارات وجود مرتفعات عريضة ممتدة امتدادا متصلا في هذه القيعان، وتعرف بـ"حواجز قيعان المحيطات"، وهي ظاهرة عامة في كافة المحيطات وخاصة في الثلث الأوسط من قيعان المحيط الأطلسي، والمحيط الهندي وجنوب المحيط الهادي.
كيمياء الماء:
يتركب جزيء الماء كيميائيا من ذرتين من الهيدروجين وذرة واحدة من
стр. 80
الأكسيجين، والماء سائل في درجات الحرارة التى اعتدنا عليها في حياتنا الدنيا على سطح الأرض، وهو سائل لا لون له ولا طعم ولا رائحة واتخذ الماء مقياسا لدرجات الحرارة، فاتخذت درجة حرارة تجمده درجة الصفر المئوي، كما اتخذت درجة حرارة تحوله إلى بخار درجة ١٠٠ مئوية، ومن ناحية الحامضية والقاعدية للسوائل، اعتبر الماء متعادلًا، وأعطى له رقم ٧، أما السوائل القاعدية، فلها أرقام أعلى من ٧، بينما السوائل الحمضية لها أرقام أصغر من٧.
وللماء دورة ما بين سماء الأرض واليابسة، يتنقل فيها ما بين العذوبة، وهي الخلو من الأملاح والشوائب، وبين الملوحة؛ ويتنقل فيها ما بين البخار السائل والثلج.
وللماء تأثير هام جدًّا على الصخور، كما أن له تأثيرًا حيويًّا على الحياة النباتية والحيوانية.
ملوحة مياه المحيطات والبحار:
تتصل مياه المحيطات والبحار على سطح القشرة الأرضية، لذلك تتقارب درجة الملوحة في مختلف المحيطات والبحار.
وترجع ملوحة هذه المياه إلى مصدرين:
ترجع إلى كل ما يحتويه الماء الحبيس تحت القشرة، والذي انطلق في المراحل الأولى من عمر الكوكب.
وترجع أيضا إلى ما ينقل إلى المحيطات، والبحار دائمًا من أملاح ذائبة أثناء الدورة
стр. 81
المائية، مما تذيبه مياه الأمطار والأنهار وغيرها من المجاري المائية، وهي عملية ما زالت مستمرة.
وقد قام بعض العلماء بتقدير لما يحتويه ماء المحيطات والبحار من عناصر تدخل في تركيب أملاحه الذائبة، مقدرة بالوزن، والجدول التالي يعطي نتيجة هذا التقدير
[التركيز: جزء من مليون جزء الكمية: مقدرة بالتربليون طن]
العنصر
...
التركيز
...
الكمية
...
العنصر
...
التركيز
...
الكمية
الكلور
الصوديوم
الماغنسيوم
الكبريت
الكالسيوم
البروم ...
١٩٠٠٠
١٠٥٠٠
١٣٥٠
٨٨٥
٤٠٠
٦٥
...
٢٨٥٠٠
١٥٧٥٠
٢٠٢٥
١٣٢٧.٥
٦٠٠
٩٧.٥
... الكربون
النيتروجين
استرنشيوم
البورون
السليكون
الفلور ...
٢٨
١٥
٨
٤.٦
٣
١.٢
...
٤٢
٢٢.٥
١٢
٦.٩
٤.٥
١.٨
ويفسر لنا هذا الجدول كيف أن كلوريد الصوديوم "ملح الطعام" هو أكثر الأملاح الذائبة كمية بين بقية الأملاح، يفسر لنا مصدر الكميات الهائلة من الصخور الرسوبية التى تتركب من كربونات الكالسيوم، والماغنسيوم ذات الأصل العضوي، التي توجد بانتشار واسع في الطبيعة، فهي صخور قد تكونت من تراكم بقايا الأحياء البحرية من قواقع وغيرها في قيعان المحيطات والبحار.
ويفسر لنا الجدول كذلك مصدر تكوينات الملح الصخري المكون من أملاح الصوديوم والبوتاسيوم، وكذلك تكوينات الجبس "كبريتات الكالسيوم المائية".
стр. 82
ومما يسترعي الانتباه وجود أملاح السليكون الذائبة بمثل هذه الوفرة التي يبينها الجدول، وفي البحار أنواع من الأحياء الدقيقة تتخذ أصدافها من السليكا التي مصدرها أملاح السليكون الذائبة، تلك هي حيوانات الدياتوم التي قد تكثر تحت ظروف جيولوجية معينة في مكان بذاته، ويتخلف عن بقاياها طبقة رسوبية هي الدياتوميت، قد تزيد نسبة السليكا بها عن ٩٠%.
ويحتوي ماء البحار والمحيطات على عناصر بنسب منخفضة، ولكنها هامة، وترجع تلك الأهمية إلى قدرة بعض الأحياء المائية على امتصاصها وإدخالها في تركيبها بطريقة تفصيلية عن عناصر أخرى، ومن أمثلة ذلك عنصر الفوسفور الذي يوجد في المياه المالحة بنسبة تركيز ٠.٠٧ جزء من المليون، وتحتاج أنواع معينة من الأسماك وما إليها من أحياء مائية إلى الفوسفور لبناء عظامها، وحيث تكثر هذه الحيوانات تحت ظروف جيولوجية معينة، تترسب بقاياها في طبقات من صخور الفوسفات "ذات الأصل العضوي" التي تكون لها أهمية اقتصادية، وعنصر اليود من العناصر المنخفضة التركيز في المياه المالحة، إلا أن أنواعا معينة من النباتات والأعشاب البحرية لها القدرة على اصطياد، وتثبيت نسبة عالية من مركبات اليود في أجسامها، واليود المستخرج من هذه النباتات مصدر هام لهذا العنصر.
ومن العناصر التي توجد في مياه المحيطات بنسبة منخفضة جدا عنصر اليورانيوم الذي يبلغ تركيزه ٠.٠٠٣ جزء في المليون، إلا أن هذه النسبة تعني كمية قدرها ٤.٥ بليون طن، وتحتوي صخور الفوسفات الرسوبية دائما على نسبة من أملاح اليورانيوم، ويمكن الاستفادة من هذا المصدر أحيانا للحصول على اليورانيوم بعائد اقتصادي، فمياه المحيطات والبحار مخزن هائل للأملاح الذائبة.
стр. 83
ويحدث أن يترسب بعض منها تحت ظروف جيولوجية معينة؛ فيترسب بعضها عن طريق نشاط عضوي، ويترسب بعضها عن طريق نشاط كيميائي غير عضوي، فتخرج الأملاح بذلك من كونها أملاحا ذائبة في مياه البحار، وتتحول إلى تكوين صخري رسوبي، وتنضم إلى اليابسة، إلا أن دورة الماء تعود فتذيب قدرا من تلك الأملاح باستمرار، وتجلبه مرة أخرى إلى مياه البحار، وهكذا تدخل أملاح في دورة مستمرة من الإذابة والترسيب.
وقد شاءت قدرة الله ورحمته التفرقة بين الماء العذب والماء والملح، وله -سبحانه- في ذلك حكمة.
﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠] .
﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر: ١٢] .
﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣] .
فلا تستقيم حياة البشر وحياة بقية سكان اليابسة من سائر الحيوان والنبات إلا بوجود الماء العذب.
وعلى الجانب الآخر، فقد رأينا كيف أن مياه المحيطات، والبحار هي في حقيقة الأمر مخزن هائل من الأملاح، مما ينفع الناس، كما أن من رحمة الله أن جعل لمياه المحيطات، والبحار القدرة "بملوحتها" على القضاء على "أسن" ما يصب فيها من مياه "آسنة"، فكأنها خزانات هائلة لتطهير تلك المياه القذرة.
стр. 84
الدورة المائية:
هناك توازن بين ما يفقده سطح الأرض "من فوق اليابسة، ومن المحيطات والبحار" من الماء بالبخر ليتحول إلى سحاب، وبين ما يفد إلى سطح الأرض عامة من ماء المطر بما يسقط على المحيطات، والبحار مباشرة أو بما يسقط على اليابسة.
وقد بينت الدراسات العلمية أن ثلث ما يسقط على المساحات المائية من أشعة الشمس وبالتالي من حرارتها، بسبب تبخير جزء من هذا الماء، فيعطي كل ٦٠٠ سعر حراري من هذه الأشعة جرامًا واحدًا من بخار الماء، وتفقد المسطحات المائية من محيطات، وبحار سنويا بالبخر سمكا من مائها قدرة ٩٠- ٩٥ سنتيمترًا، أي أنه يتبخر سنويا من هذه المياه ما مقداره حوالي ٣٣٤ ألف كيلو متر مكعب.
ثم يعود هذا الماء مرة أخرى إلى سطح الأرض على صورة أمطار، "وجزء صغير على هيئة ثلوج"، فيسقط معظمه على سطح المسطحات المائية، ويسقط الباقي على اليابسة:
- ٢٩٧ ألف كيلو متر مكعب تسقط فوق المسطحات المائية.
- ٣٧ ألف كيلو متر مكعب تسقط فوق اليابسة كذلك يحدث تبخر مصدره ما فوق سطح اليابسة من مسطحات مائية "أنهار، وبحيرات ومستنقعات وغيرها"، وتعود تلك الأبخرة فتسقط فوق اليابسة في شكل أمطار قدرت بحوالي ٦٢ ألف كيلو متر مكعب سنويا، وبذلك فإن إجمالي ما قدر هطوله على اليابسة سنويا من أمطار "وثلوج" بحوالي ٩٩ كيلو متر مكعب.
وللثلوج الدائمة التي تكسو مساحات هائلة من القطبين الشمالي، والجنوبي
стр. 85
مهمة حيوية لا غنى عنها لإتمام دورة الماء، فهي تنظم حركة الدورة المائية بما تحبسه من مياه مجمدة، ولا تطلق منه إلا جزءا موزونا يذوب في مياه المحيطات، ومعظم ما يذوب منها هو الجبال الجليدية التى تنفصل عن القارتين، وتطفو على مياه المحيطات وتذوب تدريجيا.
وقد أودع الله صفة هامة للثلوج، فجعل كثافتها أقل من كثافة الماء السائل فهي تطفو على سطحه، ولو كانت كثافة أكبر من كثافة الماء السائل، لهبط الجليد في القطبين إلى قاع مياه المحيطات حيث لا تصله أشعة الشمس وحرارتها، فتظل درجة حرارته دون الصفر ويستمر متجمدا، ولا يذوب ومع تبخر أسطح المحيطات في الأماكن الدافئة من العالم، ثم سقوط الأمطار وسقوط الثلج في المناطق القطبية ضمن دورة المياه، يتراكم الثلج وتزداد الرقعة الثلجية، وتزحف نحو خط الاستواء، ويؤدي هذا في النهاية إلى تجمد مياه المحيطات والبحار، فتتوقف دوره الماء لانعدام المطر، وتتوقف الحياة.
السحاب والبرد:
يوجد بخار الماء في السحاب خاليا من الشوائب العضوية وغير العضوية، فهو ماء طهور.
﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١] .
﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] .
يحمل الهواء مقادير وفيرة من الماء على هيئة بخار، وهذا البخار هو الذي يكون
стр. 86
السحب عندما تندفع تيارات الهواء إلى أعلى، وتبرد تحت تأثير الانتشار بتقليل الضغط الواقع عليها بالارتفاع، ويحدث تبريد للهواء بمعدل درجة واحدة مئوية لكل مائة متر ارتفاع، وتقل قدرة الهواء على حمل بخار الماء بانخفاض درجة الحرارة، ثم باستمرار التبريد يحدث التشبع، ويعود جزء من بخار الماء العالق في الهواء إلى حالة السيولة "نقط الماء"، أو حالة الصلابة "بلورات الثلج" ويتم هذا التكاثف عادة على جسيمات خاصة يحملها الهواء تسمى علميا باسم "نوى التكاثف".
وقد يبلغ سمك السحب الركامية "التى تسقط المطر" ١٥ كيلو مترا، وقد يزيد أحيانًا إلى ٢٠ كيلو مترا، فتصل بذلك إلى طبقات باردة جدًّا من طبقات الجو حيث تنخفض درجة الحرارة إلى ٦٠-٧٠ درجة مئوية تحت الصفر، هنا يتكون البرد من حبات مستديرة من الثلج المتماسك، وتسقط حبات البرد أحيانا بعد عواصف شديدة صيفا أو شتاء، وعادة ما يكون حجم الحبيبات صغيرا لا يتجاوز حجم "حبات الحمص"، وقد يصل حجم حبة البرد حجم بيضة الحمام.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٤٣] .
الثلج والجليد:
يتساقط الثلج من السماء، شأنه شأن المطر، على شكل حبيبات تشبه زغب القطن، وقد تكون هذه الحبيبات متبلورة، ويكون سقوط الثلج حيث تكون درجة حرارة سطح الأرض، والهواء الملامس له في مكان بعينه أقل من درجة الصفر المئوي،
стр. 87
ومع استمرار درجة الحرارة في هذا المكان تحت درجة الصفر، لا يذوب الثلج snow بل يتراكم، ويتصلد ويتخذ اسما خاصا وهو الجليد ice.
يتساقط الثلج في منطقتي التجمد عند القطب الشمالي والقطب الجنوبي بصفة منتظمة، ويتراكم جيلا بعد جيل على شكل رقع كبيرة من الغطاءات الجليدية الدائمة، كذلك يتساقط الثلج في مناطق أخرى غير المنطقتين القطبيتين حيث توجد مرتفعات شاهقة ويتوج بعض قممها بصفة دائمة، ويتساقط الثلج أيضا موسميا في زمن الشتاء على وقع واسعة من المعمورة، ولا يدوم هذا الثلج، بل يتحرك في أنهار جليدية glaciers ثم يذوب.
وما نراه حاليا من غطاءات جليدية دائمة، هى في الواقع بقايا آخر العصور الجليدية التى سادت سطح الكرة الأرضية، والتي حدثت خلال الزمن الجيولوجي الرابع، كان الجليد وقتئذ يغطي منطقة القطب الشمالي وشمال قارة أمريكا الشمالية بمساحة تزيد عن ٤ مليون ميل مربع، وشمال أوروبا بمساحة تزيد عن ٢ مليون ميل مربع، وشمال سيبيريا بمساحة هائلة، وكذلك كان الجليد وقتئذ يغطي سطح قارة التجمد الجنوبي "أنتاركتيكا" مع امتدادات متجمدة حولها فوق مياه المحيط، فهي قارة من اليابسة لا يظهر منها إلا أطراف محدودة المساحة، وقد قيس سمك جليد أنتاركتيكا في مواقع عديدة، ويزيد السمك أحيانا من ٢.٢ كيلو مترا من الجليد المتراكم، هذا على عكس الحال عند القطب الشمالي الذي هو عبارة عن طبقات سميكة من الجليد لا يوجد تحتها يابسة بارزة فوق سطح الماء.
الماء يسكن اليابسة:
حفل القرآن الكريم بعدد من الآيات تصف سلوك الماء على سطح اليابسة، فهو
стр. 88
ماء يهطل من السماء ويسكن اليابسة ويتحرك بقدر محسوب لا إفراط، ولا تفريط في كمياته.
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨] .
﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢] .
وقد من الله على الناس بما يستطيعون الوصول إليه مما يسكن الأرض من ماء، ومن غير الله يأتيهم بماء تناله أيديهم إن أصبح الماء غائرا في الأرض بعيد المنال.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] .
كذلك من الله على الناس بإتاحة الماء العذب لمعاشهم، ولو شاء سبحانه لجعل كل الماء مالحا لا يصلح لشرب الإنسان، والكائنات الحيوانية والنباتية.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨-٧٠] .
والأنهار أحد مظاهر حركة المياه على السطح، وقد ذكرت الأنهار المعروفة للناس في حياتهم الدنيا ١٢ مرة في القرآن الكريم.
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧] .
﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا﴾ [النمل: ٦١] .
وتتخلل المياه صخور القشرة، وتحتسبها كمياه باطنية أو جوفية في أحواض جوفية، أو مستودعات للماء الجوفي aquifers، وقد تنفجر وتنبجس المياه الجوفية إلى السطح على شكل ينابيع وعيون.
стр. 89
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] .
﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُون﴾ [يس: ٢٤] .
﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] .
وقد يحتاج الأمر بالإنسان إلى أن يحفر بئرا للوصول إلى الماء، وقد ذكر لفظ "بئر" مرة واحدة في القرآن الكريم.
﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] .
وذكرت أنهار الجنة في القرآن الكريم ٤٢ مرة، ذكر من أنهار الجنة ما هو من لبن وما هو من عسل وما هو من خمر، أعدت للمتقين، ويقابل هذا ما يسقاه أهل النار من ماء يغلي عذابا لهم.
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ، مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٤-١٥] .
وفي السياق القرآني الحكيم تعبير مشترك للرقعة المائية سواء كانت عذبة الماء أو مالحة، وهو تعبير "اليم" ففي قصة موسى ﵇ استخدم لفظ "اليم" للدلالة على نهر "وهو نهر النيل".
﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه: ٣٩] .
كما استخدم أيضا في سرد قصة موسى ﵇ للدلالة على رقعة ماء مالحة، وهي التي غرق فيها فرعون وجنوده.
стр. 90
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: ٤٠] .
كذلك ورد في السياق القرآني الحكيم لفظ "البحر" للدلالة على رقعة مائية، سواء كانت عذبة أم مالحة.
﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] .
ومن الناحية الجيولوجية، فللماء تأثير هام على سطح اليابسة، فهو من أهم عوامل التعرية، وتعتمد التعرية على الأثر الميكانيكي والأثر الكيميائي، فالماء يؤثر على الصخور بالتفتيت، وذلك بمساعد حرارة الشمس، والماء بعد ذلك عامل هام من عوامل النقل من مكان إلى آخر، وللماء تأثير واضح في إذابة بعض الأملاح الموجودة على السطح، أو في ثنايا شقوق الصخر وكهوفه، كذلك يساعد الماء في تغيير تركيب بعض المعادن، مثل تحلل معدن الفلسبار إلى كاولين، ومثل تحويل التربة اللاتيريتية إلى بوكسيت "الذي هو الخام الرئيسي لاستخلاص فلز الألومنيوم".
стр. 91
الفصل الخامس: الزمان والمكان
الزمان:
البداية:
حسب نظريات بعض الأكاديميين، فقد كان تكوين الأرض من اندماج حبيبات هائمة في الأثير لا حصر لها مختلفة الأحجام، تتراوح أحجامها ما بين حبيبات الأترية، إلى أحجام الشهب، إلى أجسام في أحجام الكويكبات Asteroids وأثناء تكوين الأرض من اندماج كل هذه الحبيبات والكتل، توالى تساقط أجسام أثيرية أخرى عليها بعضها هائل الحجم، وتزعم هذه النظريات أن تساقط تلك الأجسام قد تسبب في ميل محور الأرض.
ويقدر علماء هذه المدرسة حجم أكبر تلك الجسام بما يصل إلى الألف كيلو متر في قطرها، ومثل هذا الحجم تكون كتلته حوالي مليون مليون مليون طن [١٨ ٣ طنا] وإذا أخذنا في اعتبارنا سرعة حركة مثل هذا الجسم عند اصطدامه بالأرض، تلك السرعة التي دقرت بحوالي ١١ كليو متراً في الثانية، فلنا أن نتخيل مقدار الدمار الذي يحدثه هذا الاصطدام على سطح الأرض.
ويعتقد أصحاب هذه المدرسة أن الاحتكاكات الناتجة من الاصطدامات قد سببت ارتفاع في الحرارة إلى درجة أعلى من الألف درجة مئوية، وأن تأثيرها امتد إلى عمق كبير من سطح الأرض.
كذلك يفترض أصحاب تلك المدرسة أن هذه المرحلة من تاريخ الأرض استغرقت
стр. 92
حوالي مليون عام وهي مرحلة قصيرة إذا ما قورنت بالعمر التقديري للأرض، وهو حوالي "٤٥٠٠ مليون عام" ذلك أن جمهرة الجيولوجيين من مختلف المدارس العلمية قد اتفقوا على تقدير عمر الكرة الأرضية منذ أن أصبحت كوكبا مستقلا بحوالي ٤.٦ بليون عام "مع اعتبار فارق زمني مقداره حوالي ٠.١ بليون عام خطأ محتملا في الحساب"، وقدر عمر الكرة الأرضية منذ أن أصبحت لها قشرة صلبة بحوالي ٤.٥ بليون عام، وكان تقدير العمر مبنيا على حساب النشاط الإشعاعي لذرات بعض العناصر الثقيلة.
تركيب الذرة:
يسوقنا النشاط الإشعاعي لبعض العناصر إلى ذكر تركيب الذرة، فحسب مفهوم العلم التجريبي الحديث، فإن ذرة العنصر هي أصغر وحدة منه يمكن أن يكون لها وجود مستقل، وتحمل صفات العنصر وخواصه الطبيعية والكيميائية. وتتكون الذرة من نواة في مركزها تحمل شحنة كهربية موجبة، ويسبح حولها جسيمات تحمل شحنة كهربية سالبة تعرف باسم الإلكترونات، وتتكون النواة من جسيمات هي: البروتونات "وكل منها يحمل شحنة كهربية موجبة"، والنيوترونات "وهي عديمة الشحنة".
وفي حالة عنصر الأيدروجين فإن نواته تتكون من بروتون واحد فقط، ولا يوجد به نيوترونات.
والذرة متعادلة كهربيا لتساوي مقدار الشحنتين: الموجبة والسالبة وذلك لتساوي عدد البروتونات وعدد الإلكترونات.
وتشترك جميع ذرات العناصر المختلفة في هيكل البناء العام، وإنما تختلف الذرة من عنصر لآخر في عدد البروتونات بالنواة، وبالتالي في عدد الإلكترونات السابحة حولها، وكذلك في عدد النيوترونات الموجودة في النواة، ويمكن تشبيه تركيب الذرة بنظام المجموعة الشمسية، فالنواة تقابل الشمس، والإلكترونات تقابل الكواكب التي
стр. 93
تدور حولها في مدارات محددة وبسرعة محددة، وعلى سبيل المثال حسبت سرعة الإلكترون في ذرة الهيدروجين، فوجد أنها ألفا كيلو متر في الثانية.
وتحتوي نواة الذرة على ٩.٩٧٥% من إجمالي وزن الذرة، وقطر الذرة بأجمعها تبلغ ١٠ ــ ٨ من السنتيمتر، بينما قطر النواة ١٠ ــ١٣ من السنتيمتر، فمادة النواة بذلك لا تشغل إلا حيزًا صغيرًا جدًا من الحجم الكلي للذرة.
ويكتشف علماء الذرية كل حين جسيمات أخرى داخل الذرة بجانب الوحدات الرئيسية التى ذكرت، فالذرة في حد ذاتها تعتبر وحدة لتركيب المواد، ولكن الذرة بدورها تتكون من جسيمات أدق منها حجمًا.
وقد جاء ذكر لفظ "الذرة" في القرآن الكريم عدة مرات مقترنا بلفظ "مثقال".
﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] .
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢] .
وللذرة في اللغة عدة معان: منها أن الذرة ليس لها وزن، ومنها أن الذرة واحدة مما في الهباء أو الغبار المنتشر في الجو، وقد يراد بها ما يرى عند انعكاس شعاع الشمس الذي يداخل من نافذة في جو حجرة مظلمة.
العمر المطلق للأرض:
يأتى تقدير الأعمار المطلقة للصخور بحساب النشاط الإشعاعي لذرات بعض العناصر التي تدخل في تركيب بعض معادن تلك الصخور، فقد وجد العلماء أن عنصر "اليورانيوم - ٢٣٨" يتحول نصف وزنه إلى عنصر الرصاص في مدة ٤.٥ بليون عام، وجدوا أن عنصر [بوتاسيوم - ٤٠] يتحول نصفه إلى الغاز الخامل:
стр. 94
"أرجون - ٤٠" في مدة ١.٣ بليون عام، فبالتحليل المعملي لصخر يحتوي على كمية من عناصر مشع، وكمية من ناتج إشعاعه يمكن حساب عمر الصخر منذ أن تكون.
وجدير بالذكر أن تقدير عمر الأرض "حوالي ٤.٦ بليون عام" جاء قريبا من تقدير عمر النيازك التي تسقط عليه "حوالي ٤.٥٥ بليون عام"، وقريبا كذلك من تقدير عمر القمر "حوالي ٤.٦ بليون عام"، ويستنتج العلماء من هذا التقارب الزمني أن تكون وحدات المجموعة الشمسية قد حدث في فترة زمنية قصيرة نسبيا.
أسس التأريخ الجيولوجي لقشرة الأرض:
منذ أكثر من مائتي عام قال أحد الباحثين في علوم الأرض١: إن تاريخ الأرض مكتوب بين طيات قشرتها، وكان هذا القول حقيقة علمية لا جدال فيها، فأمام علماء الأرض كتاب وسجل، وعليهم أن يحلوا رموزه ويفسروه، فالأحداث الجيولوجية قد تركت بصماتها لكل من يستطيع قراءة هذه البصمات، سواء في الصخور النارية التي ليس فيها من آثار الحياة شيء، أو في الصخور الرسوبية التي تضم آثار الحياة ممثلة في الحفريات "التي تعرف أيضا بالأحافير" fessils.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت: ٢٠] .
ولتحديد تعاقب الأحداث الجيولوجية في مكان ما من سطح الأرض لا بد من أمرين:
"أ" تقريب ترتيب تعاقب الصخور المكونة للقشرة الأرضية في هذا المكان.
стр. 95
"ب" دراسة كل من هذه الصخور دراسة دقيقة للتعرف على الظروف التي أحاطت بتكوينها، وما تأثرت به بعد ذلك من عوامل.
ففي حالة الصخور النارية، هناك قواعد تحدد نسبية الأقدم والأحداث من هذه الصخور المتجاورة أو المتقاطعة، وفي حالة الصخور الرسوبية هناك قانون تعاقب الطبقات، وهو ينص على أن كل طبقة من الصخور الرسوبية هي أحدث عمرا مما تحتها من طبقات.
ولا بد أن نؤكد أن ما ذكرنا ما هو إلا تبسيط شديد للقواعد الحاكمة لتحديد الأعمار الجيولوجية، فهناك دائمًا القول الفصل في هذا التحديد حينما يمكن إجراء قياس العمر المطلق للصخر بالوسائل المعملية المتقدمة.
وهناك وسيلة استخدام الحفريات في تقدير العمر النسبي لأى طبقة صخرية في مكان ما، ومقارنتها بصخور مماثلة في أماكن أخرى من سطح الأرض.
وقد استطاع علماء الجيولوجيا أن يضعوا مواصفات للصخور التي تكونت تحت ظروف من الترسيب في الماء أو على اليابسة، وأمكنهم أن يميزوا بين صخور ترسبت في قاع مياه مالحة، وتلك التي ترسبت في قاع مياه عذبة، وأن يميزوا بين ما ترسب في أعماق مائية سحيقة وما ترسب في مياه ضحلة، وكذلك استطاعوا التمييز بين ما ترسب على اليابسة تحت ظروف جافة، وما ترسب تحت ظروف مطيرة، وما ترسب في مناطق باردة وما ترسب في مناطق استوائية.
وبعد جهد عظيم اشترك فيه علماء الأرض في أنحاء العالم على مدى القرنين الأخيرين، في دراسة ما ذكرنا من متغيرات شملت أنحاء العالم، برًّا وبحرًا وفي ربطها ببعضها البعض، تمكنوا من أن ينشئوا تاريخا جيولوجيا عاما لقشرة الأرض، مقسما إلى فترات جيولوجية مقدرة بمئات وعشرات الملايين من السنين، لكل فترة سماتها من التوزيع الجغرافي القديم لتلك الفترة Paleaogeography من يابسة وماء، وسماتها من توزيع الطقس، وسماتها من ناحية النشاط، أو الهدوء الحركي للزلازل
стр. 96
والبراكين، وسماتها من ناحية سكان الأرض من النبات والحيوان.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩] .
و"الحفريات" هي ما ترك من أثر كائن نباتي أو حيواني كان يعيش في فترة جيولوجية معينة، ودفن ضمن الرواسب المكونة للصخور الرسوبية وقت تكوينها.
وقد تكون الحفرية هي الجسم النباتي أو الحيواني بذاته كاملًا، أو الجزء الصلب منه، أو متحللا تحت ظروف من الضغط والحرارة، وقد يستبدل الجسم النباتي أو الحيواني بمادة أخرى أو سيليسية مثل ما هو معروف من الأخشاب المتحجرة السيليسية.
وقد تكون الحفرية مجرد الأثر أو الطابع الذي يتركة الحيوان، أو النبات بعد اندثار مادته الأصلية، وفي أحوال نادرة تكون الحفرية عبارة عن الحيوان أو النبات محفوظًا بجميع أجزائه، مثل ما يوجد أحيانا في مادة الكهرمان من حشرات محفوظة بالكامل.
تقسيم الزمن الجيولوجي:
اتفق علماء الأرض على تقسيم الزمن إلى الوحدات الزمنية التالية:
- الدهر Eon: ويقسم الزمن الجيولوجي إلى ثلاثة دهور.
- الحقب Era: ينقسم كل دهر إلى عدد من الأحقاب "الحقب".
- العصر Period: ينقسم كل حقب إلى عدد من العصور.
- لفترة Epoch: ينقسم كل عصر إلى عدد من الفترات.
- الحين Age: تنقسم كل فترة إلى عدد من الأحايين.
- الفينة "اللحظة" Moment: ينقسم كل حين إلى عدد من الفينات.
стр. 97
وتفردت كل وحدة زمنية بخصائص تميزها عن الوحدات الزمنية الأخرى. وفيما يلي عرض تفصيلي لخصائص كل وحدة زمنية جيولوجية، وهي ما تندرج تحت الدهور والأحقاب والعصور:
أولا: دهر اللا حياة: Azoic
أقدم الدهور، ويزيد مداه على ١٠٠٠ مليون سنة، والصخور التي تكونت فيه منذ صارت للأرض قشرة صخرية لم يعثر فيها على أية آثار تدل على سابق وجود الحياة بها.
ثانيًا: دهر الحياة الخافية Cryptozoic
ثاني الدهور في الزمن الجيولوجي، ويبلغ مداه نحو ٢٦٠٠ مليون سنة وبعض صخوره الأحدث نسبيا بها شواهد تدل على أن أشكالا بدائية جدا من الحياة كانت تعيش عليها، ولكنها خالية من أية آثار واضحة، ومؤكدة للحياة وينقسم إلى:
"أ" حقب الحياة العتيقة Archaeozoic: ومداه حوالي ١٠٠٠ مليون عام.
"ب" حقب طلائع الحياة Proterozoic Era: ومداه حوالي ١٦٠٠ مليون عام، ظهرت فيه بوادر الحياة المعروفة، وليس من السهل دراسة بقاياها دراسة وافية.
ثالثًا: دهر الحياة الظاهرة Phanerozoic Eon
ثالث الدهور في الزمن الجيولوجي، ويبلغ مداه نحو ٥٧٠ ميلون عام، وتتميز صخوره باحتوائها على حفريات لبقايا كائنات حية قديمة كانت تعيش خلال أقسام ذلك الدهر، وينقسم إلى:
"أ" حقب الحياة القديمة Palaeozoic: ومداه نحو ٣٥٠ مليون سنة، وتتميز صخوره الصلبة بوجود حفريات واضحة المعالم للأحياء القديمة المنقرضة، اشتق اسمه من Palaeo "قديم" و ٢٠٠ "حياة"، وانتهى منذ ٢٣٠ مليون سنة.
стр. 98
وينقسم هذا الحقب إلى:
١- العصر الكمبري Cambrian Period: اشتق اسمه من كلمة Cambria وهو الاسم القديم لمقاطعة ويلز بإنجلترا، حيث اكتشف صخوره ودرست جيدًا لأول مرة، وأهم أحافيره حيوان Trilobite وانتهى هذا العصر منذ حوالي ٥٠٠ مليون عام.
٢- العصر الأردوفس Ordovician Period: اشتق اسمه من كلمة Ordovice، وهو اسم قبيلة كانت تسكن ويلز أهم أحافيره حيوان Graptolite. وانتهى هذا العصر منذ حوالي ٤٤٠ مليون عام.
٣- العصر السيلوري Silurian Period: اشتق اسمه من كلمة Silures وهو اسم قبيلة قديمة سكنت ويلز، وأهم أحافيره العقارب البحرية، وفي نهاية العصر ظهرت الأسماك، انتهى هذا العصر منذ حوالي ٤١٠ مليون عام.
٤- العصر الديفوني Devonian deronian: اشتق اسمه من devonshire إحدى مقاطعات إنجلترا، أهم أحافيره الأسماك والمرجانيات الرباعية والسرخسيات Ferms، وانتهى هذا منذ ٣٥٥ حوالي مليون عام.
٥- العصر الكربوني Carboniferous Period: يدل الاسم على وفرة الفحم بين صخوره، والفحم بقايا نباتات غير مزهرة انتشرت في غابات كثيفة. وانتهى هذا العصر منذ حوالي ٢٦٥ مليون عام.
٦- العصر البرمي Permian Period: اشتق اسمه من Perm وهي مقاطعة في روسيا، انقرضت أثناءه معظم الكائنات التي كانت تعيش في العصور السابقة له، كما كثرت فيه رواسب الأملاح بسبب حرارة جوه، وانتهى هذا العصر منذ حوالي ٢٠٠ مليون عام.
"ب" حقب الحياة الوسطى Mesozoic Era: اشتق الاسم من كلمتي Mesos "متوسط" و Zoo "حياة"، وكانت الكائنات الحية أثناءه أرقى منها بالنسبة لسالفتها. وينقسم الحقب إلى:
стр. 99
١- العصر الثلاثي Triassic Period: أخذت الزواحف في الانتشار، وانتهى هذا العصر منذ حوالي ١٨٥ مليون عام.
٢- العصر الجوراوي Gurassic اشتق اسمه من اسم جبال Jura في غرب سويسرا، انتشرت فيه الحيوانات القشرية Ammonites، وسادت الزواحف الهائلة الحجم وهي الديناصورات Dinasaura، وظهرت أول فصائل الطيور واسمها Archaeopteries وظهرت أنواع من النباتات غير المزهرة أرقى مما ظهر سابقًا، وهي الفصيلة السيكادية Cycads وانتهى هذا العصر منذ حوالي ١٣٥ مليون عام.
٣- العصر الطباشيري "الكريتاوي" Cretaceous: اشتق اسمه من كلمة Creta "طباشير" ويدل اسمه على كثرة الصخور الطباشيرية فيه، انتشرت أثناءه الحيوانات الثديية البدائية Marsupials كالقنغر، وظهرت لأول مرة النباتات المزهرة، وبانتهاء هذا العصر منذ حوالي ٦٥ مليون عام، كانت قد بادت الزواحف الضخمة، وبادت القشريات البحرية الأمونيت.
"جـ" حقب الحياة الحديثة Kainozoic, Cenozoic: اشتق الاسم من كلمة Cekainos nos بمعنى حديث، وكلمة Zoo بمعنى حياة، وقد امتد هذا الحقب حتى وقتنا الحاضر، وينقسم هذا الحقب إلى:
١- عصر الباليوسين Palaeocene Reriod: ظهرت أول أنواع الحيوانات الثديية البدائية، "وهي الكيسيات اللامشيمية" Marsupials.
٢- عصر الإيوسين Eocene: اشتق اسمه من كلمتي Eos معناها: الفجر وكلمة Cenos ومعناها الحديث، تميزت صخوره بوفرة أحافير نوع معين من القشريات البحرية هي "النميات Nummulites" كذلك عاشت أثناءه أسلاف معظم ما نراه من أحياء حيوانية حاليًا، ولكن بصورة بدائية. انتهى هذا العصر منذ حوالي ٤٠ مليون عام.
стр. 100
٣- عصر الأليجوسين Oligocene: اشتق اسمه من كلمتي oligos ومعناها قليل جدًّا وكلمة Cenos، ارتقت فيه الأحياء قليلًا عما كانت عليه في العصر السابق له، معظم صخوره قارية. من مميزاته في مصر وجود أحافير لأجداد الفيلة، انتهى هذا العصر منذ حوالي ٢٦ مليون عام.
٤- عصر الميوسين Miocene: كثرت فيه الثدييات الكبيرة الحجم ومن أمثلتها أجداد الفيلة في مصر، انتهى هذا العصر منذ حوالي ١٢ مليون عام.
٥- عصر البليوسين Pliocene: اشتق اسمه من كلمتي Pleion ومعناها كثير وكلمة Cenos، بدأ يظهر الثدييات الراقية، انتهى هذا العصر منذ حوالي ٢مليون عام.
٦- عصر البليوستوسين Pleistocene "Glacia": اشتق اسمه من كلمتي Pleistos ومعناها الأكثر وكلمة Cenos انقرضت أثناءه الثديات العظيمة الحجم، وامتاز بكثرة الجليد الذي طغى مرارًا على أجزاء شاسعة من المعمورة، في مصر ومعظم أنحاء الحزام الصحراوي الحالية، كثرت الأمطار ولم يغط الجليد أرضها.
٧- العصر الحديث "Holocene" Recent: كلمة Holos معناها كامل أو تام بدأ منذ حوالي المليون عام ويستمر حتى الآن، بلغت الحياة فيه أعلى مراتبها بوجود الإنسان.
ويمكن القول بصفة عامة بأنه قد أمكن من دراسة الحفريات وضع سجل لتتابع ظهور الأحياء من نبات، وحيوان على مدى عمر الأرض، لقدمها في اختصار شديد في الجدول التالي الذي يبين ظهور أنواع أكثر تقدمًا من النبات والحيوان "تشريحيًّا وظائفيًّا" كلما تقدم الزمن:
стр. 101
العمر بملايين السنين
...
مظاهرة الحياة الحيوانية والنباتية
ــ حاليا
ــ منذ ٢ - ٤ عام
ــ ٥٨
ــ ٣٦
ــ ١٣٥
ــ ١٨١
ــ ٢٣٩
ــ ٢٨٠
ــ ٤٠٠
ــ ٤١٠
ــ ٤٦٠
ــ ٥٥٠
ــ ٣٢٠٠
ــ ٣٨٠٠
ــ ٤٦٠٠ ... انتشار الهوموسابيان
ظهور ثدييات راقية من نوع هوموسابيان
ظهور الثدييات بصفة عامة
نهاية الديناصورات
نهاية الزواحف الطائرة
ظهور الطيور
ظهور الديناصورات
ظهور الزواحف
ظهور البرمائيات
ظهور أقدم نباتات برية وأقدم حشرات (حفريات)
أقدم حفريات الأسماك
أقدم الحفريات النباتية (نباتات مائية)
أقدم حفريات بدائية
أقدم تقدير لعمر صخر
تقدير عمر نشأة الأرض
وثبت لعلماء الأرض حدوث نكبات جيولوجية هائلة في بعض مراحل تاريخ قشرة الأرض، وقد أثرت هذه النكبات تأثيرًا حاسمًا على الحياة القديمة فانفرضت أنواع لم تتحمل الظروف التي سادت، بينما استمرت أنواع أخرى أمكنها أن تتأقلم مع الظروف الجديدة.
ومن أمثلة النكبات الجيولوجية ما بينته دراسات العلماء على البراكين القديمة وخاصة تلك الموجودة في سيبيريا، فمنذ حوالي ٢٥٠ مليون عام ثارت البراكين بانتشار شديد في أنحاء الكرة الأرضية، مما أدى إلى اختفاء ٩٥% من مختلف الحيوانات التي كانت توجد على سطح الأرض وقتئذ، فقد تسبب النشاط البركاني
стр. 102
خروج كميات هائلة من الحمم ومن الأدخنة التي حجت غالبية ضوء الشمس لبعض الوقت، فانخفضت درجة الحرارة مما أدى إلى هلاك معظم النباتات، ثم الحيوانات التي نعتمد عليها في غذائها.
وبينت دراسات العلماء أن كتلا من مادة الشهب قطر الواحدة تصل إلى حوالي ٢٤ كيلومترا قد اصطدمت بالأرض بسرعة تبلغ نحو ٦٤٠٠٠ كيلو متر في الساعة، وذلك منذ حوالي ١٦٥ مليون عام، وقدر العلماء أن ارتطامات بهذه السرعة لها من القوة ما يؤدي إلى تبخر عدة أمتار من سمك ماء المحيط، وإلى جدب معظم أجزاء سطح الأرض، وإلى هلاك معظم الكائنات الحية فوقها.
وحدات قياس الزمن:
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥] .
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ [الإسراء: ١٢] .
فقد يسر الله عددًا من ظواهر الطبيعة تتكرر بانتظام مما يجعلها تصلح أساسًا لقياس الزمن بوحدات متفق عليها لدى جميع البشر أينما كان موقعهم على سطح الأرض.
وقد تتضمن القرآن الكريم عبارات لها دلالات زمنية، وسوف تعرض لها مبتدئين بأقصرها.
لمح البصر: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] .
﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧] .
﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] .
في قصة النبي سليمان وملكة "سبأ" ما قاله الذي عنده علم من الكتاب أنا
стр. 103
آتيك بعرش تلك الملكة قبل أن تحرك جفنك، وقد نفذ ما قال، ولا يحتاج الجفن عادة إلا إلى جزء من الثانية بتوقيتاتنا الزمنية الموضوعة.
كذلك بين لنا الله جلت قدرته أن أحداث القيامة لا تستغرق بدؤها إلا مثل ما يستغرقه رد طرف العين بعد فتحها أو أسرع من ذلك، وهذه أصغر وحدة قياس زمنية وردت في القرآن الكريم.
اليوم والساعة: لم تخف على البشر منذ الخليقة الأول ظاهرة تقسيم اليوم إلى نهار، وليل يتكرران بانتظام دون ما اختلال، وتعارف البشر على كون الليل بظلمته مجال النوم والراحة، وعلى كون النهار بنوره مجال السعي للرزق.
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً﴾ [النبأ: ١٠-١١] .
ودأب الناس على تقسيم النهار إلى بداية ومنتصف ونهاية، وكذلك تقسيم الليل، وأشار القرآن الكريم إلى بعض التقسيمات في النهار والليل:
الفجر: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء: ٧٨] .
﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] .
الضحى: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٨] .
الظهيرة: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [ألنور: ٥٨] .
الغروب: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] .
عشية: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦] .
غسق: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] .
وقد احتاج الإنسان إلى دقة تحديد التوقيت، فاخترعت الساعات المائية واخترعت الساعات الرملية، كما اخترعت المزولة الشمسية التي تعتمد لقياس الوقت على قياس طول ظل الشمس الذي يحدثه قضيب ينصب عموديًّا على مسطح أفقي.
стр. 104
وفي أطوار تالية من الحضارة البشرية، اخترعت الساعات التي تعتمد على دوران عقرب الساعات وعقرب الدقائق ميكانيكيًّا. ثم طورت الساعات لتعمل كهربائيًا. ثم أصبح تحديد الوقت يتم بدقة بالغة بالاستعانة بالموجات الأثيرية والأقمار الصناعية.
وقد تعارف أهل الأرض على تقسيم اليوم "نهار وليل" إلى أربع وعشرين ساعة، وتعارفوا على تقسيم الساعة إلى ٦٠ دقيقة، وعلى تقسيم الدقيقة إلى ٦٠ ثانية، وعلى تقسيم الثانية إلى ٦٠ ثالثة.
واليوم الذي يعرفه البشر هو اليوم الذي يشعرون به، وهم على سطح الأرض حين يتعاقب الليل والنهار، واليوم الأرضي بالاصطلاح الفلكي: هو الفترة المحصورة بين عبورين متتاليين لنقطة بالذات على سطح الكرة الأرضية، وهي اليوم النجمي.
وقد تضمن القرآن الكريم آيات فيها ذكر يوم، أو أيام بحساب أهل الأرض.
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] .
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
وهناك أيام لا تخضع لحساب أهل الأرض، فهي أيام قدرها الحق وحده حين خلق السموات والأرض، لذلك فلا يجوز الخوض في تفسيرها.
﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان: ٥٩] .
﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] .
﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] .
السنة والشهر: هناك علاقة عددية تربط ما بين السنة والشهور، وقد أوضحها الله حين قال:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦] .
وتحسب السنة إما حسب الدورات القمرية "وهي السنة القمرية"، أو حسب دورة الكرة الأرضية حول الشمس وهي السنة الشمسية.
стр. 105
فالسنة القمرية: هي المدة التي يستغرقها القمر في دورته الشهرية حول الأرض اثنتي عشرة مرة، وتستغرق ٣٥٤.٣٦١ يومًا، أما السنة الشمسية: فهي المدة التي تستغرقها الكرة الأرضية لتدور دورة كاملة واحدة حول الشمس، تستغرق ٣٦٥.٢٤٢ يومًا.
وهناك ارتباط حسابي بين السنة الشمسية والسنة القمرية، أشار إليها القرآن الكريم في سورة الكهف حين روى قصة الفتية المؤمنين.
﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ [الكهف: ٢٥] .
فإن ٣٠٠ سنة شمسية تزيد عن ٣٠٠ سنة قمرية بمقدار ٣٢٦٥ يوم، أي ما يعادل حوالي التسع سنوات.
وكما أن السنة القمرية اثنا عشر شهرًا، فإن السنة الشمسية اثنا عشر شهرًا أيضًا، ويتبع المسلمون الشهور القمرية في أداء شعائرهم ومناسكهم، ورؤية الهلال القمري الوليد هي بداية كل شهر قمري، إلا أن غالبية شعوب العالم اليوم تميل إلى استخدام التقويم الشمسي في ضبط حياتها اليومية، وفي تقدير وتسجيل تواريخها.
وكانت السنة عند العرب في الجاهلية أربعة أزمنة: ربيع، وقيظ، وخريف، وشتاء.
العقد والقرن: من التوقيتات المتداولة حاليًا، العقد والقرن، فالعقد مقداره عشر سنوات، والقرن مقداره مائة عام.
وقد ورد لفظ "قرن" وجمعه "قرون" في القرآن الكريم، بمعنى أمة وأمم من البشر وليست للدلالة على توقيت زمني.
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ [السجدة: ٢٦] .
الحين والدهر والحقبة: ورد لفظ الحين في القرآن الكريم للدلالة على فترة زمنية متفاوتة في الامتداد، فهي أحيانًا تؤخذ على أنها فترة زمنية تقل عن الحول:
стр. 106
﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥] .
وتؤخذ أحيانًا على أنها فترة زمنية تمتد إلى أطول من العام، وقد تمتد إلى بضعة أعوام:
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥] .
﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾ [الذاريات: ٤٣] .
وقد تعطي مؤشرًا لفترة زمنية غير محددة، ولكنها قد تطول:
﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦] .
﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤] .
كذلك جاء في القرآن الكريم لفظ الدهر مؤشرًا لفترة زمنية غير محدودة:
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان: ١] .
وفي معاجم اللغة: الدهر هو الأمد المحدود، وقيل: الدهر ألف سنة، قيل: الدهر الزمان الطويل، ومدة الحياة الدنيا.
والحقبة من الدهر: مدة لا وقت لها، وقيل: هي السنة، أما الحُقُب والحُقب فهو ثمانون عامًا، وقيل: أكثر من ذلك.
الأبد: الأبد هو اللا نهاية في الزمنية، وهو مصاحب للخلود:
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] .
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] .
﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [الجن: ٢٣] .
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾ [الطلاق: ١١] .
стр. 107
الواقعة "النهاية":
حفل القرآن الكريم بآيات تقرب إلى العقل البشري هول الساعة، وتعطي أمثلة من النذر في صورة ظواهر طبيعية خارقة للنظم الكونية التي ألفها الإنسان، وقد ألف الإنسان نظامًا كونيًّا منتظمًا حفظه الله وأذن أن يتوازن رحمة بالعباد.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر: ٤١] .
﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحج: ٦٥] .
فإذا جاء أمر الله فلن يكون وقوع الأمر إلا بغتة.
﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧] .
فماذا عن أحداث السماوات وقتئذ؟
يصف الحق حال السماء بصفة عامة بأنها تمور، أي تضطرب وتتحرك لتشققها، ووصفها بأنها تنشق وتنفطر وتُكشط "أي تزال من مكانها":
﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً﴾ [الطور: ٩] .
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] .
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] .
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١] .
وماذا عن أحداث الشمس والقمر؟
تُكوَّر الشمس "أي ينطمس نورها" وينشق القمر:
﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] .
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] .
стр. 108
وماذا يحدث لبقية النجوم والكواكب؟
كما تتكور الشمس تتكور النجوم وتنكدر وتنطمس فيذهب ضياؤها، فهي كتل غازية نارية مضيئة، فتبرد ويخبو ضؤها.
﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢] .
﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] .
أما الكواكب فهي أجسام جامدة مظلمة بطبيعتها، ويصيبها التشقق والانتثار أي التبعثر.
﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: ٢] .
ويذكر القرآن الكريم حال الأرض وقتئذ، تارة بصفة عامة وتارة يختص الجبال التي كانت في الحياة الدنيا رواسي وأوتادا، وتارة يختص بالوصف حال البحار.
فالأرض تتبدل معالمها عما كانت عليه في الحياة الدنيا:
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] .
والأرض ترجف وتزلزل وترج وتدك!
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٦-٧] .
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] .
﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً﴾ [الواقعة: ٤] .
﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً﴾ [الفجر: ٢١] .
وتذكر الجبال وما يحدث لها مع ما يحدث للأرض:
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤] .
﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٨] .
стр. 109
﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا، وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا، فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٤-٦] .
وتذكر الجبال وحدها، فهي تسير وتنسف وتكون كالعهن:
﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ: ٣٠] .
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣] .
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا، فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٥-١٠٦] .
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] .
﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج: ٩] .
﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] .
فماذا يعطي علماء الفلك وعلماء الطبيعة من احتمالات قد تؤدي إلى نهاية الأرض؟
هناك احتمالات قائمة على أحداث قد تصيب الأرض من قوى خارجية، كما أن هناك احتمالات قائمة على أحداث من داخل الأرض نفسها.
فمن احتمالات الأخطار الوافدة من الخارج، احتمال تصادم نجم أو مذنب بالأرض، وهو احتمال قائم ويثير المخاوف أحيانًا، ومن أمثلة المذنبات ذات الخطر على سلامة الأرض، مذنب "هيلي" ويسجل علماء الفلك ظهور هذا المذنب كل ٧٦ عامًا حيث يقترب اقترابًا ملحوظًا في الأرض، ثم يختفي في الفضاء الكوني فلا يُرَى، ويبلغ طول ذيل هذا المذنب بضعة ملايين من الكيلومترات، وقد رصد خلال القرن العشرين عام ١٩١٠ ثم عام ١٩٨٥.
وهناك ما يعرفه الفلكيون باسم الجبال الطائرة، وهي من الأجرام السماوية التابعة للمجموعة الشمسية، وتدور في مسارات غير منتظمة داخل حزام يقع بين مداري كوكبي المريخ والمشتري، فقد يحدث أن ينحرف واحد من الجبال الطائرة عن مساره
стр. 110
لسبب أو لآخر مما يعرفه الفلكيون فيشرد، ويسير في مدار قد يكون قريبًا أو متقاطعًا مع مدار الأرض.
ومن بين ألف كويكب من هذه الجبال الطائرة تواجه الأرض احتمالات اصطدامها بأربعة منها فقط خلال كل مليون عام، وقد عبر مدار الأرض واحد من هذه الأجسام عام ١٩٣٧ بسرعة ٢٢ ألف ميل في الساعة، وكان قطرة ٢.٣ ميل، ويمكن أن يسبب اصطدام واحد من الجبال الطائرة بالأرض كوارث رهيبة قد تصل إلى محو المنطقة التي يحدث بها الاصطدام تمامًا، ويعتقد بعض العلماء أن الاختفاء الشامل، والمفاجئ للحيوانات العملاقة المسماة بالديناصورات، وانقراضها منذ ٥٦ مليون عام قد جاء نتيجة الحادث من هذا النوع.
كذلك يرى فريق من الفلكيين أن هناك نجمًا توأمًا للشمس يدور في فضاء المجرة، ويعود لزيارة المجموعة الشمسية فيدور حولها في مداه الخاص البيضاوي مرة كل ٢٦ مليون عام، ويرى هذا الفريق من العلماء أن هذا النجم يتسبب في سقوط النيازك، والنجيمات الصغيرة على سطح الأرض، ويكفي سقوط نيزك قطره ١٠ أميال فقط، وبسرعة ١٠٠ ألف ميل في الساعة على سطح الأرض ليحدث أثرًا مدمرًا يساوي قوة انفجار ١٠ آلاف مرة مجموع الأسلحة النووية التي في حوزة الإنسان حاليًا.
ومن الاحتمالات التي يتقدم بها علماء الفلك احتمال قد يقع في أي لحظة من الآن حتى نهاية الخمسين ألف مليون سنة القادمة، ذلك أن يأتي أمر الله فتتمدد الشمس تمددًا سريعًا، فيزداد حجمها حتى تغطي ما يحيط بها من أثير، وتستوعب الأرض وغيرها من الكواكب التابعة للنظام الشمسي، فتحيطها بغازات مستعرة:
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] .
هذا من ناحية الاحتمالات الخارجية.
أما من ناحية الاحتمالات التي يتصورها العلماء لنهاية العالم، والتي يمكن أن تحدث لها من داخلها، فهناك احتمال حدوث تفاعل متسلسل "Chain reaction"