Полный текст (2 835 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
السماط، ودخل الكامل السجن وأكل سماط حاجي، وقلت في واقعته:
بيت قلاوون سعاداته ... في عاجل كانت بلا آجل
حل على أملاكه للردى ... دين قد استوفاه بالكامل
انتهى كلام الصفدي.
قلت: ولما حبس الملك الكامل شعبان، صاحب الترجمة، كان ذلك آخر العهد به، رحمه الله تعالى.
١١٨٩ - شرف الدين السيوطي
٦٩٩ - هـ - ... - ١٣٠٠ م - ...
شعيب بن يوسف بن محمد، القاضي شرف الدين أبو مدين السيوطي.
ولد بإسنا سنة تسع وتسعين وستمائة. وقرأ الفقه على أبيه وعلى أبي الحسن علي بن محمد الفوّي وغيرهما. وبرع واشتغل، واستنابه والده عنه في الحكم بأسوان، ثم ولى بعد وفاته من قبل القاضي بدر الدين بن جماعة مكان أبيه
стр. 2242
واستمر إلى سنة تسع وعشرين وسبعمائة، ثم ولي إسنا وإدفو، ودرس بالمدرستين بأسوان، وكان خيراً ديناً صالحاً عفيفاً.
قال القاضي كمال الدين جعفر الإدفوي في تاريخه، المسمى بالطالع السعيد في تاريخ الصعيد: أخبرني أنه قرأ النحو على تقي الدين بن الهمام السمهودي، والفرائض على عطاء الله بن علي الإسنائي. ثم قال: وكان في عمل قوص ثلاثة قضاة، فصار الإثنان يقصدان أن يضما جهته إلى جهتهما، ويضاف عمله إلى عملهما. فصرفا عن العمل واستمر في جهته وأضيف إليه من كل جهة من جهات ويضاف عمله إلى عملها. فصرفا عن العمل واستمر في جهته وأضيف إليه من كل جهة من جهات المذكورين جهة إلى جهته.
ونظم بعضهم في ذلك فقال:
إن القضاة ثلاثة بصعيدنا ... قد حققوا ما جاء في الأخبار
قاض بإسنا قد ثوى في جنة ... والقاضيان كلاهما في النار
هذا بحسن صفاته وفعاله ... وهما بما اكتسبا من الأوزار
стр. 2243
باب الشين والهاء
١١٩٠ - المحسني
...
- ٧٠٨ هـ - ... - ١٣٠٨ م
شهاب بن علي بن عبد الله، الشيخ الصالح المعتقد أبو علي المحسني.
كان رجلاً أمياً، مقيماً بتربة الفارس أقطاي بظاهر القاهرة. روى الكثير عن ابن القيرواني، وابن رواح، وتفرد بأجراء. وأخذ عنه شمس الدين الواني، وقاضي القضاة تقي الدين السبكي، وابن الفخر، وأبو شامة، وطائفة.
قلت: وأظنه هو الشيخ المدفون خارج باب الشعرية المعروف بسيدي شهاب، والله أعلم.
توفي المذكور سنة ثمان وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
١١٩١ - الموله التركماني
...
- ٦٧٨ هـ - ... - ١٢٧٩ م
شهرمان، الموله التركماني الأصل الدمشقي.
стр. 2244
كان تاجراً صاحب دكان بدمشق، فوقع له يوم خروج الحاج بكاء كثير، ولحقه عبرة فتهيأ لوقته، وتبع الركب وحج. وعاد مسلوب العقل، وصار له حال مثل المولهين، وبقي للناس فيه اعتقاد عظيم، ولما مات في سنة ثمان وسبعين وستمائة شيع جنازته خلق كثير، رحمه الله
стр. 2245
باب الشين والياء
المثناة من تحت
١١٩٢ - شيخو صاحب الخانقاة بالصليبة
...
- ٧٥٨ هـ ... - ١٣٥٧ م
شيخو بن عبد الله الناصري الأمير الكبير سيف الدين.
أصله من كتابية الملك الناصر محمد بن قلاوون، وتقدم في دولة الملك المظفر حاجي بن محمد بن قلاوون، وصار من أعيان الأمراء. ولما خلع المظفر وقتل، وتسلطن أخوه الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاوون، في يوم الثلاثاء رابع عشر شهر رمضان ثمان وأربعين وسبعمائة، وصار المتحدث في الدولة الأمير شيخو هذا، والأمير بيبغا أرس، وألمير ألجبغا العادلي، والأمير طاز، والحاج أرقطاي نائب السلطنة.
واستمروا على ذلك إلى سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، كتب إليه وهو
стр. 2246
في الصيد بنيابة طرابلس، فلم يقبل وقدم القاهرة، فرسم بمسكه، فأمسك هو والأمير منجك اليوسفي. وكان شيخو رأس نوبة، ومنجك وزير وأستادار، فقيداً وأرسلا إلى دمشق، ثم رسم بعودهما وحبسهما بالإسكندرية.
وكان ذلك بدسيسة مغلطاي بوري أمير آخور. فإنه قال للملك الناصر حسن: لا يصفو لك الملك، حتى يخرج من بيننا بيبغا أرس ومنجك وشيخو.
وكان السلطان بعث بالأمير طاز قبل تاريخه، بمسك بيبغا أرس. فمسكه من الينبع بعد قضاء الحج، وقيده وأرسله إلى الكرك. وكان الملك المجاهد صاحب اليمن، قد حج في هذه السنة، فوقع بينه وبين الأمير طاز حرب بجبل عرفات. فانتصر الأمير طاز، وأمسك الملك المجاهد، وحضر به إلى السلطان مقيداً، ووقع له ما حكيناه في ترجمة المجاهد. ثم أخلع الملك الناصر على مغلطاي باستقراره رأس وبه، عوضاً عن شيخو، وبأرغون تتر نائب السلطنة بالديار المصرية.
стр. 2247
واستمر شيخو محبوساً، إلى أن خلع الملك الناصر حسن، وتسلطن الملك الصالح. أطلق شيخو المذكور، وأحضر إلى القاهرة في شهر رجب سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، واستقر على عادته أولاً. وتوجه مع الملك الصالح، في وقعة أرغون الكاملي وعاد صحبة السلطان إلى الديار المصرية، ثم وجهه السلطان وصحبته عسكراً إلى بلاد الصعيد لقتال ابن الأحدب، فأظهر في هذه الوقعة ما أخفى على الناس من شجاعته، وأبلى في العرب المفسدين بلاء حسناً، ثم عاد.
وصار طاز وشيخو مدبري المملكة، فأخلع على طاز واستقر أتابكا، وعلى الأمير شيخو رأس نوبة النوب، وأخرجا بيبغا أرس إلى نيابة حلب، عوضاً عن أرغون الكاملي. فتوجه بيبغا إلى محل كفالته، وخرج من الطاعة، فخرج إليه طاز وشيخو، ومعهما السلطان، إلى البلاد الشامية لقتال بيبغا أرس المذكور فقتلوه وظفروا به، وعادوا إلى القاهرة، والمتكلم في الدولة الأمير شيخو.
واستمر الأمر على ذلك، إلى سنة خمس وخمسين وسبعمائة، وقع بين شيخو وبين السلطان. فلما كان يوم الإثنين ثاني شوال، اتفق أكثر الأمراء مع الأمير شيخو
стр. 2248
على خلع الملك الصالح، وسلطنة السلطان حسن ثانيا. وكان الأمير طاز مسافراً بالبحيرة، وتم لهم ما أرادوه. وخلع الملك الصالح صالح بن محمد بن قلاوون، وجلس حسن على تخت الملك ثانيا. وكانت مدة سلطنة الملك الصالح صالح، وحبس الملك الناصر حسن، ثلاث سنين وثلاث شهور وأربعة عشر يوماً.
فلما استقر الملك الناصر حسن في الملك، قبض على الأمير طاز وإخوته. ثم شفع الأمير شيخو فيه، فرسم له بنيابة حلب. واستقر الأمير شيخو صاحب الأمر والنهي من غير مشارك، وصار أتابك العساكر، وسمي بالأمير الكبير. وهو أول من سمي بهذا الاسم. وأخذ في عمارة الخانقاة والجامع بالصليبة، فكملت الخانقاة في سنة ست وخمسين وسبعمائة. وجعل العلامة أكمل الدين البابرتي شارع الهداية شيخ خانقاته ومدرسها، وعمر أوقافها وعدة أماكن أخر. وصار عظيم الدولة ومدبرها، وأثرى وكثر ماله وأملاكه، حتى قيل إنه كان يدخل إلى حاصله في اليوم مائتا ألف درهم من أملاكه وإقطاعه ومستأجراته.
стр. 2249
واستمر في عزه، إلى يوم ثامن شعبان سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، وثب عليه مملوك من مماليك السلطان، يقال له قطلوخجا السلحدار، وضربه بالسيف ثلاث ضربات في وجهه وفي يده وفي ذراعه، وهو جالس في دار العدل بحضرة السلطان حسن، فأمسك قطلوخجا المذكور، وسقط شيخو إلى الأرض. وقام السلطان، وطلعوا مماليك الأمير شيخو إلى القلعة ملبسين راكبين من باب السر، وصحبيتهم من الأمراء، الأمير خليل بن قوصون، إلى طبقة الأشرفية، وحملوا شيخو المذكور على جنوية، ونزلوا به إلى داره، فوجدوا به رمقا فخيطوا جراحاته وبات تلك الليلة، ونزل إليه السلطان الملك الناصر حسن من الغد إلى بيته، واستعطفه وحلف له، أن الذي جرى لم يكن به علم. وأحضر قطلوخجا المذكور فقال: ما أمرني أحد، ولكني قدمت إليه قصة فما قضى لي حاجتي.
فرسم السلطان بتسميره وتوسيطه، فسمر وطيف به، ثم وسط.
واستمر شيخو ملازماً للفراش، إلى أن مات في سادس عشر ذي القعدة من سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، وقيل في ذي الحجة، وفي يوم موته زلزلت الأرض زلزلة لطيفة.
стр. 2250
وكان أميراً كبيراً، جليلاً، شجاعاً مقداماً، جواداً كريماً، ممدحاً، ديناً خيراً، عفيفاً. بنى عدة أماكن بالقاهرة وغيرها، معروف غالبها به، ووقف وقفاً جيداً على عمائره، وعلى وجوه البر والصدقة. وخانقاته بالصليبة من أعظم الخوانق. وكان ذا رأي وتدبير ومعرفة وسياسة، وكان يحب مجالسة العلماء ويجلهم إلى الغاية، ويكرم أهل الصلاح ويبرهم. وكان كثير الصدقات، وكانت عدة صدقته من المائة دينار إلى ما دونها، دواما ليس ذلك نادرا، وكان يرسل بمال عظيم في كل سنة، يفرق في الحرمين الشريفين، وكان يتفقد معارفه وأصحابه ويقضي حوائجهم، رحمه الله تعالى وعفا عنه.
١١٩٣ - الساقي
...
- ٧٥٢ هـ - ... ١٣٥١ م
شيخو بن عبد الله الساقي، الأمير سيف الدين.
كان من جملة الأمراء بالديار المصرية، ثم خرج في الدولة المظفرية حاجي، في سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، إلى دمشق أميراً بها، وكان من أحسن الأشكال.
قال ابن أيبك: وكان يكتب الخط المنسوب، وكتب بخطه ربعة في ربع البغدادي الكبير، بقلم خفيف المحقق من أحسن ما يكون. وكان يتعانى الكتب النفيسة من كل فن ويشتريها، انتهى كلام ابن أيبك.
стр. 2251
قلت: وأظن وفاته بعد الخمسين وسبعمائة بمدة رحمه الله تعالى.
١١٩٤ - الملك المؤيد شيخ
...
- ٨٢٤ هـ - ... - ١٤٢١ م
شيخ بن عبد الله المحمودي الظاهري، السلطان الملك المؤيد، سيف الدين أبو النصر الجاركسي. الرابع من ملوك الجراكسة، والثامن والعشرون من ملوك الترك.
جلبه من بلاد الجاركس، الخواجا محمود شاه اليزدي، إلى القاهرة في سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة، فاشتراه الملك الظاهر برقوق وهو إذ ذاك أتابك العساكر وأعتقه. فلما تسلطن، جعله بعد مدة خاصكيا ثم ساقيا، واختص به إلى الغاية.
وكان شيخ المذكور في شبيبته متهتكاً، يميل إلى اللهو والطرب وغير ذلك.
فنهاه الملك الظاهر عن ذلك غير مرة، ثم غضب عليه، بسبب ما ذكرناه، وضربه
стр. 2252
ضرباً مبرحاً، ولم يعزله عن وظيفته ولا أبعده، ثم أنعم عليه بإمرة عشرة في سلطنته الثانية بعد وقعة شقحب، واستمر نقله إلى إمرة أربعين.
ودام على ذلك، إلى أن توفي الملك الظاهر برقوق، وتسلطن ولده الملك الناصر فرج. صار شيخ هذا أمير مائة ومقدم ألف بالديار المصرية، عوضاً عن الأمير بجاس النوروزي، بحكم استعفاء بجاس عن الإمرة واستقراره بطالا. ثم أخلع على شيخ المذكور بإمرة حاج المحمل، وعلى الطواشي بهادر بإمرة الركب الأول. فحج وعاد واستمر على ما هو عليه، إلى أن عصى الأمير تنبك الحسني، المدعو تنم نائب الشام، في سنة اثنتين وثمانمائة، ووقع ما حكيناه في ترجمة تنم. استقر شيخ المذكور في نيابة طرابلس، عوضاً عن الأمير يونس بلطا بحكم موافقته لتنم
стр. 2253
المذكور. فتوجه شيخ إلى طرابلس، ودام بها إلى أن طرق تيمور البلاد الحلبية، وخرج لقتاله الأمير سودون نائب الشام، ومعه سائر نواب البلاد الشامية، ووقع ما حكيناه أيضاً في ترجمة سودون وغيره، من أسر سودون المذكور وغيره من الأمراء والنواب. فكان شيخ ممن أسر أيضاً، وبقي في قبضة تيمور، إلى أن قدم تيمور إلى البلاد الشامية، فر منه شيخ ولحق بالملك الناصر فرج، بعد أن كان وكل تيمور به جماعة كثيرة، فخلصه الله منهم. وبقي عند الملك الناصر فرج، إلى أن عاد تيمور لعنه الله إلى بلاده، أخلع عليه باستقراره في نيابة طرابلس على عادته. فتوجه إليها ودخلها، ودام بها إلى ذي الحجة من سنة أربع وثمانمائة، وقامت الفتنة بين الأمراء في الديار المصرية، توجه هو أيضاً إلى دمشق، وملكها من غير مدافع، بعد عزل الأمير آقبغا الجمالي الأطروش. ثم جاءه التشريف من عند الملك الناصر فرج بعد ذلك باستقراره في نيابة دمشق، وتوجه آقبغا إلى القدس بطالاً.
стр. 2254
فاستمر شيخ في نيابة دمشق إلى سنة سبع وثمانمائة، ووقع بين الأمير يشبك الشعباني الدوادار، وبين إينال باي أمير آخور، الفتنة المشهورة، التي أسفرت على خروج يشبك المذكور بمن معه من الأمراء من الديار المصرية، وقدومه إلى دمشق على الأمير شيخ. فلما بلغ شيخ قدوم يشبك بمن معه، خرج الأمير شيخ إلى لقائهم وأكرمهم، واحتفل بأمرهم احتفالاً زائداً، ورتب لهم الرواتب الهائلة. وكانوا جماعة كبيرة وهم: الأمير يلبغا الناصري، وقطلوبغا الكركي، وتمراز
стр. 2255
الناصري، وجاركس القاسمي المصارع، وطولو من على باشاه، وسودون الحمزاوي، وإينال العلائي المعروف بإينال حطب. فوافقهم الأمير شيخ المذكور على العصيان وتهيأ للسفر، ثم كاتب الأمير جكم من عوض نائب حلب، فأجاب جكم أيضاً بموافقتهم، وخرج من حلب حتى قدم عليهم بدمشق.
ثم توجه الجميع إلى الديار المصرية، ومعهم أيضاً قرا يوسف صاحب تبريز، والأمير نوروز الحافظي، فإنهما كانا في حبس الملك الناصر فرج بقلعة دمشقز وساروا الجميع إلى نحو الديار المصرية حتى وصلوا إلى الصالحية، وقد خرج الملك الناصر فرج من القاهرة لقتالهم، ونزل بمنزلة السعيدية. فاستشار شيخ من
стр. 2256
معه من الأمراء في لقاء الملك الناصر، فكثر الكلام واختلفت الآراء، حتى قال قرايوسف: كم يكون عسكر السلطان؟ فعرفوه تقريباً ما يكون مقدار ما معه في الأمراء والعساكر، فالتفت إليهم وقال: لا أنتم ولا نحن، لا نطيق ملتقى الملك الناصر، وإن كان ولا بد، فبيتوه حيث هو نازل، وماتم غير ذلك. فأعجب شيخ ويشبك رأيه، وكان وافقه الأمير جكم أيضاً على هذا الرأي.
فنهض شيخ بمن معه من الأمراء من وقته، وركبت الأمراء بمماليكهم وحواشيهم غارة، وهم الجميع، نحو أربعة آلاف نفر، حتى كسبوا الملك الناصر في ليلة الخميس ثالث عشر ذي الحجة من سنة سبع وثمانمائة. فركب الملك الناصر بمن التم عليه من عسكره، وثبت لهم، وتقاتل الفريقان قتالاً شديداً، من بعد عشاء الآخرة إلى بعد نصف الليل. وكان الذي التم على الملك الناصر مقدار ثلث عسكره، فإنهم تشتتوا في الليل يميناً وشمالاً، ولا يدرون أين يتوجهون. ثم إن الملك الناصر انهزم، وعاد إلى نحو القاهرة، حتى طلع قلعة الجبل في أناس قلائل جداً. وقيل إنه ما كان معه خلاف سودون الطيار، وسودون الأشقر على الهجن لا غير.
стр. 2257
وقبض الأمير الشيخ، على الأمير صرق وقتله صبراً بين يديه، فإنه كان ولي نيابة دمشق عوضه من قبل الملك الناصر فرج.
ثم أصبح شيخ ورفقته من الغد، ركبوا حتى وصلوا إلى الريدانية خارج القاهرة، وأقاموا بها ثلاثة أيام. فاختلفت الكلمة بين الأمراء الشاميين، ثم تحامل عسكر الملك الناصر فرج وخرج لقتال شيخ المذكور وغيره، فتقاتلا معه فانكسر شيخ ورفقته، ودخل أكثرهم إلى القاهرة مختفياً.
فلما رأى شيخ ما وقع، أخذ في الرجوع إلى الشام، ورجع صحبته الأمير جكم وقرايوسف. وأخلع الملك الناصر على الأمير نوروز الحافظي بنيابة دمشق. وتوجه شيخ قلعة الصبيبة، وتولى نيابة حلب الأمير علان، وتولى نيابة طرابلس بكتمر جلق، وتولى نيابة حماة دقماق المحمدي، وتوجه كل أحد إلى محل كفالته.
واستمر شيخ بالصبيبة إلى ربيع الآخر سنة ثمان، توجه وصحبته الأمير جكم إلى دمشق، لقتال نوروز في عسكر قليل. فخرج إليه نوروز بعسكر كثيف،
стр. 2258
وتقاتلا، فانكسر نوروز وتوجه نحو طرابلس، وملك الأمير شيخ هذا دمشق. وفي غضون ذلك، اختفى الملك الناصر فرج بالديار المصرية، وخلع بأخيه الملك المنصور عبد العزيز، ثم تسلطن ثانياً، وتذكر ذلك كله، في ترجمة الملك الناصر إن شاء الله تعالى مفصلا.
واصطلح الملك الناصر فرج مع الأمير يشبك. ثم كتب السلطان إلى الأمير شيخ، بتسليم حلب إلى جكم. فاجتمع نوروز الحافظي، وبكتمر جلق نائب طرابلس، ودقماق نائب جماة، وعلان حلب، واتفقوا على قتال شيخ، فالتقيا على حماة، وتقاتلا أشد قتال، حتى كسرهم شيخ، وملك حماة عنوة بالسيف. ثم توجه إلى حلب، فدخلها في شهر رجب سنة ثمان وثمانمائة، وسلمها إلى الأمير جكم، ثم عاد إلى دمشق. وبعد أيام صالح الأمير نوروز الحافظي ومن معه، واتفقوا على مخالفة الملك الناصر.
ثم ورد على شيخ المذكور مرسوم من الملك الناصر، يتضمن عزل جكم عن نيابة حلب بدمرداش المحمدي، وتوليه علان نيابة طرابلس، وأنه يركب
стр. 2259
ويسلم حلب وطرابلس إليهما. فركب شيخ بمن معه من الأمراء والعساكر ما عدا نوروز، فإنه كان قد توجه قبل تاريخه إلى الأمير جكم من عوض. وبلغ جكم من عوض ما ورد على شيخ، فخرج هو أيضاً من حلب وقصد شيخ. فالتقى الجمعان بين حمص والرستين، فخامر بعض أمراء الأمير شيخ إلى جهة جكم من عوض، وفر دمرداش منهزماً، وبقي شيخ وحده، فلوى عنان فرسه راجعاً إلى دمشق، فدخلها في ذي الحجة من سنة ثمان وثمانين. ثم خرج منها متوجهاً إلى الديار المصرية، حتى وصلها في صفر سنة تسع. فخرج الملك الناصر والتقاه في خارج القاهرة، واحتفل به، وأنعم عليه وأكرمه. ثم تجهز الملك الناصر، وخرج من ديار مصر إلى البلاد الشامية، يريد قتال جكم من عوض، فإنه كان ولي نوروز نيابة دمشق من قبله، واستمر هو بحلب. فلما سمع بخروج الناصر إليه، أرسل طلب نوروز من دمشق إلى عنده، ثم خرج هو أيضاً من حلب إلى جهة بلاد الروم، وخلت البلاد الشامية من الحكام.
فسار الأمير شيخ جاليشا للملك الناصر، وساق خلف القوم حيث ما ذهبوا، حتى وصل الفرات، وهم منهزمون أمامه، والملك الناصر بحلب. ثم رجع الشيخ إلى حلب، وعاد صحبة السلطان الملك الناصر، إلى أن وصل بالقرب من صفد،
стр. 2260
سأل الملك الناصر في صفد فأعطاه إياها، وتوجه إليها، واستمر بها شيخ مناصحاً للملك الناصر، وجكم يرسل إليه بالصلح وهو لا يسمع له. إلى أن عص الأمير إينال باي بن قجماس على الملك الناصر، وخرج من القاهرة، والملك غزة وتلك البلاد، وانضاف إليه سودون الحمزاوي وغيره من الأمراء، حسبما ذكرناه في غير موضع، ثم أرسل إينال باي كاتب نوروز هو ومن معه.
فلما بلغ شيخ ذلك، ركب من صفد، حتى طرق إينال باي ومن معه بغزة، وتقاتلوا قتالاً شديداً، فانكسر إينال باي وقتل، معه جماعة من الأمراء، وأسر جماعة آخر، ثم عاد شيخ إلى صفد، بعدما أرسل برأس إينال باي وغيره إلى الملك الناصر.
واستمر بصفد، إلى أن خرج السلطان إلى الشام بعد قتل جكم، فلما قارب الملك الناصر دمشق، توجه إليه شيخ هذا ودخل معه دمشق. فلما استقر الملك الناصر فرج بدمشق، هرب منها الأمير نوروز، فبادر الملك الناصر وقبض على الأمير شيخ هذا، وعلى الأتابكي يشبك الشعباني، وحبسهما بقلعة دمشق، إلى أن استمالا الأمير منطوق نائب قلعة دمشق فأفرج عنهما، وتسحب من قلعة دمشق صحبتهما. نزلوا من قلعة دمشق اختفى شيخ بمدينة دمشق، وتوجه يشبك
стр. 2261
الشعباني نحو حمص، فأرسل الملك الناصر الأمير بيغوت ومعه جماعة أخر خلفهم. فساق بيغوت حتى لحق منطوق نائب قلعة دمشق المتقدم ذكره، وقطع رأسه، وفاز يشبك بنفسه. ثم عاد بيغوت من معه إلى السلطان وعرفه الحال، فأرسل السلطان إلى الأمير نوروز الحافظي بنيابة دمشق، وعاد السلطان إلى جهة الديار المصرية.
وكان شيخ قد خرج من دمشق وانضم عليه جماعة، فلما خرج الملك الناصر من دمشق، عاد إليها شيخ ومعه يشبك الشعباني وغيره، وقدم. نوروز إلى بعلبك فندب شيخ لقتاله الأتابك يشبك الشعباني. وخرج معه الأمير جاركس المصارع حتى وصلا إلى بعلبك، فرجع إليهم نوروز وواقعهم، فانكسر يشبك وقتل، وقتل أيضاً الأمير جاركس القاسمي المصارع. وقدم نوروز دمشق، فخرج منها شيخ ولحق بحلب، ووقع بينهما أمور وحوادث إلى أن اصطلحا على سرمين، وتوجه شيخ إلى طرابلس، واستمر نوروز بدمشق. فلما بلغ الملك الناصر صلحهما، أرسل استمال شيخ هذا وولاه نيابة دمشق، ورسم له باستنقاذ البلاد التي استولى عليها نوروز.
стр. 2262
فأخذ شيخ في قتال نوروز ثانيا، ووقع بينهما حروب وخطوب، حتى تقاتلا خارج دمشق قتالاً شديداً، انكسر فيه نوروز. ودخل شيخ إلى دمشق وملكها في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشر وثمانمائة، واستمر بدمشق، ووقع بينه وبين نوروز وقعة أخرى، انتصر فيه شيخ أيضاً، وقبض على نوروز.
وفي هذا المعنى يقول شاعره، الشيخ تقي الدين أبو بكر حجة الحموي الحنفي رحمه الله تعالى:
بدا بثغور الأرض منك تبسم ... ولاح بجيد الدهر عقد منظم
وقد كادت الدنيا تقول لأهلها ... خذوا لذة لو أنها تتكلم
فيا ملكا قد صار شيخ زمانه ... وكل ملوك الأرض منه تعلموا
وصب عذاب منك يوم صبيبة ... على حرب أهل البغي صبا فاحجموا
حملت وجند الله حولك جملة ... ومن لجنود الله في الحرب يصدم
ومزقتهم أيدي سبا فتمزقوا ... وسيفك يبدي الصفح فيهم ويحلم
وكم بفتوح الشام أبديت سيرة ... وذكرك فيها خالداً يتكلم
ثم وقع بين الملك الناصر وبين الأمير شيخ أيضاً وحشة، أوجبت خروج الناصر إلى البلاد الشامية في سنة اثنتي عشر. فلما قارب الملك الناصر دمشق، خرج منها شيخ إلى قلعة صرخد فتوجه إليه الناصر وهو بصرخد، وحاصره بقلعتها
стр. 2263
مدة ثم اصطلحا على تولية شيخ نيابة طرابلس، وبكتمر جلق نيابة دمشق، ودمرداش نيابة حلب. وعاد السلطان إلى القاهرة فنزل شيخ من قلعة صرخد وتوجه إلى دمشق واستولى عليها بعد قتال، وهرب بكتمر جلق إلى صفد. فلما سمع دمرداش ما وقع لبكتمر، أرسل طلب نوروز من عند التركمان، وأحسن إليه، وكتب يسأل السلطان في توليته دمشق، عوضاً عن الأمير شيخ.
فلما بلغ شيخ ذلك، توجه إلى نوروز وقاتله وحصره بحماة. فأرسل نوروز إلى دمرداش يستنجده، فقدم دمرداش بعسكر حلب، فلما حضر إلى حماة صدمه شيخ بعسكره، فكسره كسرة شنيعة، وأما نوروز فإنه لم يجسر أن يخرج إلى ظاهر حماة.
واستمر الحصار والقتال بينهم، إلى رابع شهر ربيع الأول، انتظم الصلح بينهما. وخرج نوروز بمن معه إلى ظاهر حماة، وركب شيخ إلى ملاقاتهم، وأكرمهم إكراماً زائداً. وصار نيروز نائب حلب، والأمير جانم من حسن شاه نائب حماة، وسيدي الكبير قرقماس نائب طرابلس.
стр. 2264
وعاد شيخ المذكور إلى دمشق، واتفقوا الجميع على مخالفة الملك الناصر، وداموا على ذلك، حتى خرج السلطان الملك الناصر إلى البلاد الشامية لقتالهم في سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، فلما قارب الناصر دمشق، خرج منها شيخ وتوجه إلى حلب إلى الأمير نوروز، وخرجا بمن معهما من حلب، وقدم السلطان حلب في إثرهم. وتوجها إلى إبلستين والسلطان في إثرهم، ثم توجهوا الجميع إلى قيصرية. فعند ذلك رجع السلطان إلى حلب ورجع الأمراء، أعني شيخ ورفقته من على تدمر، ثم من البرية، إلى أن وصلوا إلى الكرك. واجتمع عليهم جماعة أيضاً من الأمراء وغيرهم، ممن خرج عن طاعة الناصر، وتوجهوا جميعاً إلى الديار المصرية، وهم فيما دون الثلاثمائة فارس. فوصلوا القاهرة في شهر رمضان، سنة ثلاث عشرة وثمانمائة، وقاتلوا نائب الغيبة بها، وأقاموا بالديار المصرية ثلاثة أيام. ثم جاءهم الخبر بمجيء الملك الناصر بعسكر كبير، ثم تحققوا أن الواصل غير الملك الناصر، وهو بكتمر جلق في نحو الألف فارس، فركب شيخ بمن معه، وقاتل بكتمر جلق ساعة.
وانكسر شيخ وتقنطر عن فرسه، وبقي ساعة ماشياً بالقرب من باب القرافة، حتى أدركه أمير آخوريته الأمير جلبان، الذي هو الآن نائب الشام،
стр. 2265
بجنيب له فأركبه. ونجا بنفسه من البرية، في نفر قليل من الأمراء وغيرهم من الذين قدموا معه، وقاسوا في البرية شدائد حتى وصلوا الكرك، كل ذلك والملك الناصر فرج مقيم بدمشق.
وطلع شيخ ورفقته إلى قلعة الكرك وأقام بها أياماً يسيرة، ونزل من القلعة إلى الحمام ومعه سودون بقجة وجماعة قليلة. فلما صار بالحمام، ركب حاجب الكرك بجماعة كبيرة وانتهز الفرصة، وكبس على الأمير شيخ بالحمام المذكورة، فخرج شيخ، وقبل أن يلبس ثيابه، وقعت القتلة على باب الحمام. واشتد القتال بينهم، وقتل سودون بقجة على باب الحمام، وأصاب شيخ هذا سهم كاد يموت منه. ودام القتال بينهم حتى أدركه الأمير نوروز بمن معه من قلعة الكرك، وانهزم حاجب الكرك، فحمل شيخ المذكور إلى القلعة وهو في أسوأ حال. ومشى له المزين أياماً، إلى أن نزل الناصر بالكرك وحصر قلعتها، وكان بها مع شيخ ونوروز أناس قلائل، بالنسبة إلى من مع الملك الناصر من العساكر، ودام الناصر على حصارها أياماً، وقلت الأزواد على العسكرين.
стр. 2266
وأرسل الأمير شيخ ونوروز يستجيران بوالدي ﵀، في عمل الصلح بينهما وبين الملك الناصر. فمشى والدي ﵀ بينهم بالصلح رحمة لشيخ المذكور ورفقته، حتى أذعن السلطان للصلح. واتفقوا على أن يكون والدي ﵀ في نيابة دمشق، وشيخ في نيابة حلب، ونوروز في نيابة طرابلس، فأبى والدي ﵀ أن يلي نيابة دمشق، ورشح بكتمر جلق إلى نيابة دمشق. وعاد الخبر بذلك إلى قلعة الكرك، إلى الأمراء، فنقضوا الصلح، وقالوا: لا يمكن أن يكون بكتمر في نيابة دمشق، ونحن تحت يديه، وإن كان ولا بد فيكون الأمير الكبير تغرى بردى، فإنه أكبرنا وأعظمنا. فسأل السلطان والدي ﵀ في أن يلي نيابة دمشق وألح عليه، وقال له: إن كان لي غرض في أن أبقى هؤلاء، فالبس تشريف نيابة دمشق، وإلا فأنا أقاتلهم حتى آخذها عنوة بالسيف، وأقتل جميع من بها. فعند ذلك أذعن والدي ولبس التشريف، وحمل لكل أمير تشريفة، وتم الصلح، وعاد الملك الناصر إلى الديار المصرية.
واستمر شيخ في نيابة حلب مدة، ووقع بينه وبين نائب قلعة حلب وحشة، فبادره نائب قلعة حلب بالقتال، فخرج الأمير شيخ إلى ظاهر حلب، واستدعى نوروز إليه فجاءه، واجتمع جماعة أخر، وبلغ السلطان ذلك
стр. 2267
فخرج إلى البلاد الشامية لقتالهما، فتوجها نحو حماة، ثم جاءهم الخبر بوصول الملك الناصر.
وكان شيخ ونوروز، لما بلغهما أن والدي ﵀ على خطه، قدما دمشق لعيادته، وخلا إليه بدار السعادة في أناس قلائل جداً، فتعجب الناس لذلك، وجلسا عند والدي ساعة كبيرة، ثم خرجا من عنده. هذا والملك الناصر قد خرج من الديار المصرية في طلب هؤلاء، وجل قصده الظفر بهم. وقد دخلوا الجميع عند والدي ﵀ بدار السعادة، وطال جلوسهم عنده، وكان يمكنه القبض عليهم وعلى أمثالهم، فلم يفعل. وأنعم على شيخ بفرس بسرج ذهب، وكنبوش زركش، وألف دينار، وعلى الأمير نوروز كذلك. وبلغ الملك ذلك فعظم عليه. وقيل إن بعض أعيان مماليك والدي ﵀، كلمه بعد خروجهم من عنده في ذلك، فقال له: أنا مريض وللموت أقرب، أمسكهم وأسلمهم له حتى يقتلهم عن آخرهم، ويكون ذلك في ذمتي؟ وأيضاً كان من المروءة أن هؤلاء يدخلون إلى عيادتي فأمسكهم؟ لا والله.
ثم خرج الأمير شيخ ونوروز ومن معهما إلى حماة، وبعد خروجهم من دمشق بمدة يسيرة، وصل إلى دمشق الأمراء الذين هم جاليش الملك الناصر فرج،
стр. 2268
ودخلوا أيضاً إلى والدي وهو ملازم للفراش، فشكوا له من الملك الناصر، وأعلموه بأنهم خرجوا عن طاعته، وقصدهم التوجه إلى شيخ ونوروز، ثم قبلوا يده، وقاموا من عنده، وخرجوا من دمشق حتى لحقوا بشيخ، وهم: الأمير بكتمر جلق، وطوغان الحسني الدوادار الكبير، وشاهين الأفرم أمير سلاح في آخرين، وخرج معهم من دمشق سيدي الكبير قرقماس، كل ذلك في أوائل المحرم سنة أربع عشرة وثمانمائة، فقدموا الجميع على شيخ ونوروز بظاهر حماة.
وكان في نيابة حماة إذ ذاك، سيدي الصغير تغرى بردى بن أخي دمرداش، فسأله أخوه سيدي الكبير قرقماس، أن يسلم حماة للأمير شيخ، فأبى وامتنع من ذلك. فتوجهوا الجميع نحو بحيرة حمص، فبلغهم خروج الملك الناصر من دمشق، في يوم الإثنين سادس المحرم، ونزل برزة، ثم رحل منها إلى جهة شيخ ورفقته. وسار حتى نزل حسيا بالقرب من حمص، فبلغ شيخ ومن معه
стр. 2269
ذلك، فرحل من قارا إلى جهة بعلبك، فتبعهم الملك الناصر، ونزل أثقاله بحسيا وسار في إثرهم. فتوجهوا إلى البقاع فقصدهم وقفا أثرهم، فمضوا نحو الصبيبة وهو يتبعهم حتى نزلوا اللجون. فأشار على الملك الناصر أصحابه، بالعود إلى دمشق، ويرسل لهم عسكراً، فلم يرض الناصر بذلك وقصدهم، وركب من ساعته وساق وهو ثمل، وفي ظنه أنه ساعة ما يقع بصره عليهم يأخذهم. وساق حتى وصل إلى اللجون، فما وصل إليها حتى تقطعت عساكره من شدة السوق، ولم يبق معه من عسكره إلا القليل، وقد دخل وقت العصر، من يوم الإثنين ثالث عشر المحرم. فأشار عليه الأتابك دمرداش المحمدي، أن يبيت تلك الليلة هناك حتى تستريح خيوله، ثم يركب من الغد ويواقعهم، فقال له الناصر وما فائدة ذلك. فقال له دمرداش: يا خوند الراحة، وأيضاً فينا من له ميل إلى هؤلاء، فإذا بتنا في مكاننا هذا، يتسحب عنا من له غرض عند هؤلاء، ويبقى عندنا من هو منا، فنعرف عند ذلك ما مقدار عسكرنا، وما نقدم عليه. فنهره الملك الناصر، وقال: أنا لي سنين أترقب هذا اليوم، وقد حصل لي ما رمته فأبيت هنا فيفروا الجميع، ويتبعوني أيضاً في طلبهم، ثم حرك فرسه ودق طبله وساق.
стр. 2270
وأما الأمير شيخ ورفقته، فإنهم نزلوا وأراحوا خيولهم، وفي ظنهم أنه يتمهل ليلته ويلقاهم في الغد. فإذا جنهم الليل ساروا بأجمعهم من وادي غارة إلى جهة الرملة، وسلكوا البر عائدين إلى حلب، وليس في عزمهم أن يقاتلوه أبدا خوفاً منه وعجزا عنه. فأراد الله هلاك الناصر، فحمل بنفسه من فوره حال وصوله كما ذكرناه. وعندما زحف للقتال وحلت طائفة من عسكره، في وحل كان هناك، فأشرفت على الهلاك، وفرت طائفة أخرى، وثبت الناصر في جماعة. وقتل الأمير مقبل الرومي، أحد مقدمي الألوف بالديار المصرية، وقتل أحد رءوس الفتنة، ألطنبغا قراسقل. فعند ذلك انهزم الملك الناصر وقد جرح في عدة مواضع من بدنه، ولوى رأس فرسه يريد دمشق. فاقتحم شيخ العسكر السلطاني واحتاط بالخليفة المستعين بالله وأرباب الدولة. فما جاء وقت المغرب، حتى انتصر شيخ ورفقته، وباتوا بمخيماتهم ليلة الثلاثاء، ثم أصبحوا وليس فيهم واحد مشاراً إليه، بل نادى شيخ أنه الأمير الكبير،
стр. 2271
ونادى نوروز كذلك، ونادى بكتمر كذلك. وأخذ سودون المحمدي بيده الاصطبل السلطاني واستولى على جميعه. ثم بعث الأمير شيخ ونوروز، إلى فتح الله كاتب السر، فأحضراه في خلوة، وقالا له: اكتب بما جرى إلى الديار المصرية. فقال لهما: من السلطان الذي أكتب عنه؟ فاطرق كل منهما رأسه ساعة، ثم قالا: ابن أستاذنا ما هو هنا، يعني ابن الملك الناصر فرج، حتى نسلطنه. فقال لهم فتح الله: الرأي أن يتقدم كل منكما إلى موقعه بأن يكتب بما شاء، ففعلا كذلك، ثم نودي بالرحيل، فرحل العسكر يريدون دمشق.
وأما الملك الناصر فإنه ساق حتى دخل دمشق ليلة الأربعاء خامس عشرة فمات والدي يوم الخميس، ثاني يوم دخول الناصر دمشق، فحضر الناصر الصلاة عليه، وورثه، واستولى على جميع موجوده وأخذ ينادي في دمشق، بإبطال المكوس والنفقة في المماليك السلطانية وأنواع ذلك. إلى أن نزل الأمير شيخ بمن معه، على قبة يلبغا، في بكرة نهار السبت ثامن عشر المحرم، فندب الملك الناصر لقتالهم عسكرا، فوصلوا إلى القبيبات، فبرز لهم من جهة شيخ، سودون المحمدي
стр. 2272
وسودون جلب، ومعهم جماعة، واقتتلوا حتى تقهقر الناصرية مرتين، ثم انصرف الفريقان.
وفي يوم الأحد ارتحل شيخ برفقته، ونزلوا غربي البلد من جهة الميدان، ووقفوا من جهة القلعة، وتراموا بالسهام في كل يوم، إلى يوم الأربعاء ثاني عشرينه. وقع القتال في ناحية شرقي البلد، ونزل نوروز بدار الطعم، وامتدت أصحابه إلى العقيبة، ونزل شيخ بدار غرس الدين خليل، تجاه جامع كريم الدين، بطرف القبيبات، ومعه الخليفة وكاتب السر ورفقته، واشتد القتال بينهم في كل يوم.
فلما كان يوم الجمعة رابع عشرين المحرم، أحضر الأمير شيخ، بلاط الأعرج شاد الشراب خاناة، وكان ممن قبض عليه في الوقعة، فوسطه من أجل أنه كان يتولى ذبح المماليك الظاهرية بقلعة الجبل، ثم وسط أيضاً بلاط أمير علم، وكان ممن قبض عليه أيضاً في الوقعة.
وفي يوم السبت خامس عشرين المحرم، خلع الخليفة المستعين بالله، الملك الناصر فرج من الملك. وأشار شيخ على الأمراء، بأن يتسلطن الخليفة المستعين بالله، فبايعوه الأمراء. ولبس الخليفة خلعة السلطنة، في يوم السبت المذكور، آخر الساعة الخامسة من نهار السبت، والطالع برج الأسد، وجلس الخليفة على كرسي الملك وقبلوا الأمراء
стр. 2273
الأرض بين يديه، ووقفوا على مراتبهم. وأخلع على الأمير بكتمر جلق بنيابة الشام، وعلى سيدي الكبير قرقماس بنيابة حلب، وعلى سودون الجلب بنيابة طرابلس. وركب المستعين والأمير بين يديه، ونادى مناد، بأن الناصر فرج قد خلع، فلا يحل لأحد مساعدته، فانكف الناس عن الناصر، وأخذ أمره في انحطاط.
واستمر القتال في كل يوم، إلى يوم السبت تاسع صفر، ركب شيخ بنفسه، وباشر القتال، حتى ملك مدينة دمشق. وفر دمرداش المحمدي إلى جهة حلب، وانحاز الملك الناصر بقلعة دمشق، إلى يوم الأحد عاشر صفر. بعث الملك الناصر بالأمير أسندمر أمير آخور، ليحلف لهم الأمراء، فكتب نسخة اليمين، وحلفوا له، ووضعوا خطوطهم، وكتب أمير المؤمنين خطه أيضاً، فلم يتم الصلح بذلك. وتقاتلوا بعد ذلك، ثم اصطلحوا. ونزل الملك الناصر فرج بأولاده من قلعة دمشق، في ليلة الإثنين حادي عشر صفر إلى الاصطبل عند الأمير شيخ، فقام له شيخ وقبل له الأرض وأجلسه بمكانه بصدر المجلس، وسكن روعه، وتركه وانصرف. فأقام الناصر بمكانه، إلى يوم الثلاثاء ثاني عشر صفر.
جمع شيخ القضاة، بدار السعادة بين يدي أمير المؤمنين، فأفنوا بإراقة دم الملك الناصر. فأخذ ليلة الأربعاء من الاصطبل، وتوجه به في موضع من قلعة دمشق وحده، واستمر إلى ليلة السبت سادس عشرة، فقتل في تلك الليلة.
стр. 2274
ثم وقع الاتفاق بين الأميرين شيخ ونوروز، أن تكون المملكة بينهما بالسوية، فواحد يتوجه صحبة الخليفة إلى الديار المصرية، وواحد يقيم بدمشق، ويكون حكمه من الفرات إلى غزة. فبادر شيخ وقال: أنا أكون بدمشق، وأنت تتوجه إلى القاهرة مع الخليفة. وكان نوروز عنده خفة، فقال نوروز: لا بل أنا أقيم بدمشق، وأنت تتوجه صحبة المستعين بالله، وانخدع له. فأجابه شيخ من ساعته، وأخلع المستعين على الأمير نوروز تشريفاً بنيابة دمشق، وفوض إليه الحكم في سير ممالك الشام، وذلك في خامس عشرين صفر من سنة خمس عشرة وثمانمائة.
وأقام المستعين وشيخ بالبلاد الشامية، إلى يوم السبت ثامن عشر ربيع الأول، برز المستعين بالله إلى جهة الديار المصرية، ومعه الأمير شيخ، وسارا حتى وصلا إلى الديار المصرية، في يوم الثلاثاء ثاني شهر ربيع الآخر. فأقام إلى يوم الإثنين ثامنه، وأخلع الخليفة على الأمير شيخ تشريفاً، واستقر به أميراً كبيراً، وفوض إليه جميع الأمور من الولاية والعزل وغير ذلك. وسكن شيخ بباب السلسلة من الإصطبل السلطاني. ثم أخلع على الأمير شاهين الأفرم، باستقراره أمير سلاح على عادته وعلى الأمير يلبغا الناصري أمير مجلس، وعلى طوغان الحسني دوادارا على عادته، وعلى إينال الصصلاني حاجب الحجاب عوضاً عن يلبغا الناصري، وعلى
стр. 2275
سودون الأشقر رأس نوبة النوب. واستمر الأمر على ذلك، إلى أن مات الأميري بكتمر جلق، في جمادى الآخرة، من مرض تمادى به نحو الشهرين. فخلا الجو للأمير شيخ بموت بكتمر جلق، وأخذ في تدبير سلطنته إلى أن تم له ذلك.
ذكر سلطنة الملك المؤيد شيخ
وجلوسه على تخت الملك
ولما كان يوم الإثنين، مستهل شعبان سنة خمس عشرة وثمانمائة، اجتمع القضاة الأربع، وأعيان الدولة من الأمراء، وغيرهم عند شيخ. فلما تكامل الجمع، قام فتح الله كاتب السر على قدميه، وقال لمن حضر: إن الأحوال ضائعة، ولم يعهد أهل مصر باسم خليفة، ولا يستقيم الأمر إلا بسلطان على العادة. ودعاهم إلى الأمير شيخ، فقال شيخ: هذا لا يتم إلا برضى الجماعة. فقال من حضر: نحن راضون بالأمير الكبير. فمد قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني يده وبايعه، ثم بايعه الناس بعد ذلك. وقام من فوره إلى مخدع بجانبه، ولبس الخلعة الخليفتية، وخرج وركب فرس النوبة، إلى أن طلع إلى القصر، والأمراء
стр. 2276
مشاة بين يديه، وجلس على تخت الملك، وقبل الأمراء الأرض له، ولقب بالملك المؤيد.
وفي هذا المعنى، يقول الأديب البارع، تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي الحنفي:
كأس المسرة في البرية دائر ... والكون بالملك المؤيد زاهر
ملك من الأنصار قد أمسى لد ... ين محمد وله الأنام تهاجر
يا حامي الحرمين والأقصى ومن ... لولاه لم يسمر بمكة سامر
والله إن الله نحوك ناظر ... هذا وما في العالمين مناظر
فرج على اللجون نظم عسكراً ... وأطاعه في النظم بحر وافر
فانبث منه زحاقة في وقفة ... يا من بأحوال الوقائع شاعر
وجميع هاتيك الطغاة بأسرهم ... دارت عليهم من علاك دوائر
ثم جلس الملك المؤيد شيخ بالإيوان، فأخلع على الأمراء. فاستقر بالأمير يلبغا الناصري أمير مجلس، أتابك العساكر عوضاً عنه، وعلى الأمير شاهين الأفرم أمير سلاح على عادته، وأخلع على الأمير طرباي بتوجهه إلى الأمير
стр. 2277
نوروز الحافظي، باستمراره في نيابة دمشق على عادته. فتوجه طرباي إلى دمشق فدخلها في سابع عشر شعبان من سنة خمس عشرة وثمانمائة. وعندما وصل الأمير طرباي إلى دمشق، قدمها أيضاً من الغد أمير جقمق الأرغون شاوي من طرابلس، فقبض عليه نوروز، وكان الأمير جقمق إذ ذاك أمير عشرة بالقاهرة، وحبس نوروز جقمق. ورسم بعود الأمير طرباي إلى الديار المصرية بجواب خشن، ولم يخاطب فيه الملك المؤيد، إلا كما كان يخاطبه قديماً، ولم يلبس التشريف. فاحتمله الملك المؤيد، وأرسل إليه ثانياً بالشيخ شرف الدين التباني الحنفي، فوصل شرف الدين إلى دمشق في سابع شوال، فلم يلتفت نوروز إليه، ولا سمع كلامه، ومنعه من الكلام مع الأمراء الذين عنده بدمشق.
ثم في يوم الخميس تاسع شوال، قبض الملك المؤيد على الأمير سودون المحمدي المعروف بسودون تلي، يعني مجنون، وحمل إلى الإسكندرية. وفيه أيضاً قبض على فتح الدين فتح الله كاتب السر ثم خلع الملك المؤيد على سيدي الكبير
стр. 2278
قرقماس، واستقر به في نيابة الشام، عوضاً عن نوروز الحافظي، في ثالث ذي الحجة. وأخذ الملك المؤيد في تجهيز سيدي الكبير، وأنعم عليه بما يحتاج إليه، من خيل وسلاح وقماش وغير ذلك. وكان أخو قرقماس هذا، تغرى بردى المعروف بسيدي الصغير، نائب حماة، قد توجه إلى الأمير نوروز ولبس خلعته. فأرسل المؤيد بقرقماس المذكور، لكي يستمل أخاه تغرى بردى المذكور، وعمه الأمير دمرداش. فسار قرقماس المذكور من القاهرة، في عشرين المحرم سنة ست عشرة وثمانمائة، حتى وصل إلى غزة، وأقام بها أياما. ثم توجه من غزة في تاسع صفر يريد قتال نوروز، وقد وافقه أخوه تغرى بردى سيدي الصغير نائب حماة، فتوجها معاً، ومعهم أيضاً الأمير ألطنبغا العثماني نائب غزة. فبلغهم عود نوروز من حلب إلى دمشق، فأقاموا بالرملة. ثم قدم على الملك المؤيد كتاب الأمير نوروز في ثامن عشر شهر ربيع الآخر، على يد بلبان رأس نوبة والدي ﵀. وخاطب المؤيد في الكتاب بمولانا، وافتتحه بالإمامي المستعيني، وأمر حامل الكتاب أن لا يقبل الأرض بين يديه، فامتثل بلبان أمر نوروز له، من عدم تقبيل الأرض، فحصل له من الإخراق مالاً مزيد عليه. والكتاب يتضمن العتب على السلطان، لتولية دمرداش نيابة حلب، وابن أخيه تغرى بردى سيدي الصغير نيابة حماة، وابن أخيه سيدي الكبير قرقماس نيابه الشام، وقد
стр. 2279
تقدمت بينهما عهود. فإن كان القصد أن يستمر على الأخوة، ويقيم على العهد، فلا يتعرض إلى ما هو في يده، وينقل دمرداش إلى نيابة طرابلس، ويجعل قرقماس سيدي الكبير، من جملة الأمراء بالقاهرة.
هذا ونوروز لا يعلم بتوجه قرقماس لقتاله، فلما بلغه ذلك، تجهز وخرج إلى جهة غزة. فلما بلغ قرقماس ذلك، عاد بمن معه إلى نحو الديار المصرية، حتى نزل بمنزلة الصالحية، فوصل نوروز إلى غزة، ثم عاد إلى دمشق.
وفي رابع جمادى الأولى أوفي النيل، فركب السلطان الملك المؤيد وعدى نيل حتى خلق المقياس، وعاد لفتح خليج السد. فقال الشيخ تقي الدين أبو بكر ابن حجة الحموي، يخاطب الملك المؤيد، وهو معه في المركب:
أيا ملكاً بالله أضحى مؤيدا ... ومنتصبا في ملكه نصب تمييز
كسرت بمسرى نيل مصر وتنقضي ... وحقك بعد الكسر أيام نوروز
ثم قدم الأمير جانبك الصوفي، وألطنبغا العثماني إلى القاهرة. واستمر قرقماس سيدي الكبير، وتغرى بردى سيدي الصغير بقطيا. فأخلع الملك المؤيد على جانبك الصوفي، باستقراره رأس النوبة، عوضاً عن سودون الأشقر، بحكم انتقاله
стр. 2280
إلى إمرة مجلس، عوضاً عن يلبغا الناصري، المتولى أتابك العساكر قبل تاريخه.
ثم أشيع بالقاهرة، ركوب الأمير طوغان الحسني الدوادار، واستعد طوغان المذكور للركوب، واتفق معه جماعة من الأمراء، فعندما ركب أخلفوا عليه، فركب وحده، فلم ينتج أمره، فرجع واختفى، حتى أمسك في ليلة الجمعة عشرين جمادى الآخرة، وحمل إلى الإسكندرية، فسجن بها.
ثم قبض السلطان على سودون الأشقر أمير مجلس، وكمشبغا العيساوي أمير شكار، وأحد المقدمين. وتوجه بهما الأمير برسباي الدقماقي، أحد أمراء العشرات إلى الإسكندرية، وبرسباي المذكور هو الملك الأشرف. ثم وسط السلطان أربعة نفر، أحدهم مغلباي نائب القدس من جهة نوروز، كان قبض عليه قرقماس سيدي الكبير، اثنان من مماليك السلطان، وآخر من أصحاب طوغان الحسني.
ثم أنعم السلطان بإقطاع طوغان، على الأمير إينال الصصلاني، واستقر به أمير مجلس. وبإقطاع سودون الأشقر، على تنبك البجاسي نائب الكرك. وأخلع على الأمير فجق العيساوي، باستقراره حاجب الحجاب، عوضاً عن الصصلاني. وخلع على شاهين
следующие страницы →