فيهم: (تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) [التوبة:٩٢] .
وأمّا الحديثُ الغريب (١) فقرأت على الثقة أبي محمد عبد الحق ابن قاضي مالَقَةَ أبي مروان عبد الملك القرشي، قال: كتب إلينا القاضي العَدل أبو علي حُسَيْن بن محمد الصدفي قال: حدّثنا أبو الفضل بن خَيرون قراءة عليه ببغدادَ، قال: حدثنا الحافظ النَّافذ أبو عبد الله محمد بن علي الصُّوري عن أبي الحسين محمد بن جُميَع الغسَّاني، عن أبي بكر محمد بن عبد العزيز بن محمد بن الفضل الهاشمي، عن الحافظ أبي
стр. 142
داود سليمان بن الأشعث قال: ولا يحتجُ بحديثٍ غريب ولو رَواه مالك بن أنس ويحى القطانُ وغيرهما من الثقات. قال أبو داود: ولو أن رجلاً احتج بحديث غريب وجاء من يطعُنُ عليه تُرك فيه الحديث الذي يحتج به لأنَّه غريبٌ، ولا يُعرف ولا يقَدِرُ أحدُ أن يرد عليك حديثاً مشهوراً متّصِلاً صحيحاً. وقال إبراهيم النّخعي: كانوا يكرهون الحديث الغريبَ وقال يزيد بنُ أبي الحسن: إذا سمعْت الحديث الغريب فانشده كما تنشد الضالةُ فإن عُرف وإلا فدَعه. انتهى كلام أبي داود في "رسالته إلى أهل مكةَ" (١) في ذكر ما جاءَ في كتاب السنن الذي ألَّف وكم ذكر فيها من الموضوع والغريب والضعِيف وصنّف (٢) .
стр. 143
والحديثُ الحسَن احتج به جماعة كما ذكرناه عن الفقهاءِ والرُّواة والله يسمحَ لنا ولهم ويتغمَّدنا برُحماه (١) .
وقيل للإمام سُفيان (٢) بن عيينة: إنك لتروي عن هشام بن حُجير فقال: إذا لم أجد خُبزَ حنطةِ آكل خبزَ شعير، وقد أخذ عن هشام هذا جماعة من العلماء: قال الإمام أحمدُ بن عبد الله ابن صالحَ العِجْلي: هِشَامٌْ ثقة صاحب سنةٍ، وقد أخرجا عنه في "الصَحيحين" وقلّدا سفيانَ فيه، فأسند البخاري في "صحيحه" في باب الاستثناء في الأيمان: حدّثنا علي بن عبد الله قال: حدّثنا سفيان، عن هشام بن حُجير، عن طاوُس سَمع أبا هريرة قال: "قال سليمانُ لأطوفنَّ الليلةَ على تسعين امراةً" الحديث بطولهِ في كتاب كفَّارات الأيمان.
وأخرج مسلم في "صحيحه" في كتاب الأيمان والنذور: وحدثنا محمد بن عَبَّادِ وابنُ أبي عمر واللفظ لابن أبي عُمر قالا: حدّثنا سفيان عن هشام بن حُجير، عن طاوس، عن أبي
стр. 144
هريرة، عن النبي ﷺ قال: "قال سليمانُ بن داود نَبِي الله لأطيفنَّ الليلة على سبعينَ أمرأة" الحديثَ بطولهِ (١) .
وكان هشام بن حُجير المكي قليل الحديث ثم إنه لا يحفظ حَديثَه فضعَّفه يحى بن معين جداً وقال أحمد: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولو لم يؤخذ إلا عن حافظٍ لبطل أكثرُ الحديث لقلتهم. وأكثر العلماء لا يقبل إلا ما صح سنده من رواية العُدول الأثبات (٢) .
وَتاسعُها: الضَّعيفُ
وهو ما رواه محدث ليس عندَه سوى مجرد الرواية، ولا يَعْرف صحيح حديثه من سقيمِه، والغالب على حَديثهِ الوهم،
стр. 145
فهذا لا يجوز الأخذ عنه، قاله الإمام أبو سعيد عبد الرحمن بن مَهدي في جماعة منَ العلماءِ من أهل النقل إلَّأ أنَّ الإمام أحمد ابن حنبل يُقدم الحديث الضّعِيف على القياس (١) .
قال ذُوْ النَّسَبينِ أيَّدَهُ الله:
وقد طالعت كتبَ الفقه له فوجدته لا يحتج بالحديث المتروكِ.
مَسألةٌ:
قال الإمام أحمدُ: تصح الوصية للقاتِل، لنا إطلاق الوصية في قوله جل وعلا: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [النساء: ١١] وفي الباب حَديث متروك فلم يحتج به خوفاً من الوعيد عليه، وهو حديث بقية بن الوليد قال: حدّثنا مبشر بن عُبيدٍ عن الحجاج ابن أرطاةَ، عن الحكم بن عُتيْبةَ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "ليْس للقاتل وَصِيّةٌ".
стр. 146
قالَ ذُو النَّسَبينِ أيَّدَهُ الله:
قال الحافظُ أبو الحسن الدارقطني (١) : مبشّر بن عُبيد متروك يضع الحديث روى له ابن ماجه، وقال الإمَام (٢) أحمد: الحجاج بن أرْطاةَ يزيد في الأحاديث ويروي عمن لم يلقَه لا يحتج به، وقال أبو زكريا يحيى بن مَعِين وأبو الحسن الدارقطني لا يحتجُّ بحديث الحجاج.
قالَ ذو النَّسَبين أيدَه الله:
وأصحاب أحمد بخلافهِ يحتجون بالأحاديث التي روَاها في
стр. 147
مسنده وأكثرها لا يحل الاحتجاجُ بها (١) ، وإنمّا أخرجها الإمامُ أحمدُ حتى يَعرفَ الحديث من أينَ مَخرجه، والمنْفرد به أعَدْلٌ أو مجروحٌ؟ ولا يحل الآن لمسلم عالمِ أن يذكر إلا ما صحَّ لئلا يشْقى في الدارين لما صح عن سيد الثقلين أنّه قال: "مَن حدّث عنّي بحديث يُرى أنه كذبٌ فهو أحدُ الكاذِبين ".
وَعَاشِرها: المُنكَرُ:
وعلامةُ صاحبه أن يروي عن بعض العلماءِ المشهورينَ وقد دَوَّن العلماءُ رِوايتهم كالزهري وهشام بن عُروة ومالكِ بن أنسِ وغيرهم من كبارِ المحدّثينَ وحفاظ سُنّة سيّد المرسلين، فيروي عن بعضهم العَدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهم على كثرتهم وشهرة روايتهم واتساع حَدِيثهم، فإذا خالفتْ
стр. 148
روايتُهُ روايَتهم أو لم تكد توافقها فغير جائزِ عند علماءِ النَّقل قبُول حديث هذا.
وقال الإمام مسلم في أوَّل "صحيحه": فإذا كانَ الأغلب من حَديثه كذلك كانَ مهجُور الحديث غير مقبوله ولا مستعمله. وَحادي عاشِرها: الباطلُ:
والباطلُ في اللغة الشيطان، قاله ابن فارسِ في كتاب "المجمل" لهُ، وذلك أنَّ قومًَ رووا عن كذابينَ وضُعفاء وهم يعلمونهم وَدَلَّسوا أسماءَهم، والكذِب منْ أولئك المجروحين والخطأ والقبيح من هؤلاء المدَلِّسين، فبطل حَديثهم أي ذهب، يقال: بَطَل الشي يبْطل بُطلاً وَبُطُولاً وبُطْلاناً إذا ذهب. وَهؤلاء الرواة الذين يُدلِّسون بالكذابينَ بمنزلة الكذابين لما صَحَّ عنْ رسول الله ﷺ أنّه قال: "مَن حَدثَ عَنِّي بحديثٍ يُرى أنه كذبٌ فهو أحد الكاذبين" وَقد قدّمنا في أول الكتاب، وَهذا إنذار من رسول الله ﷺ بأنّ في أمّتِه من يكذب عليه.
وَثاني عَاشِرِهَا: الموضوع:
وهو ما وُضع على رسول الله ﷺ أي أُلْصِقَ به- ولم يقُلْه، يقال: وضَع فلانْ على فلانِ عاراً إذا ألصقه به، والوضْع أيضاً
стр. 149
الحطُّ والإسقاط فكأنَّ هؤلاء الفسقة وضعوا على رسول الله ﷺ أحاديث وهي ساقطةٌ عنه إذ هي كلامُ غيره، ففي الدنيا من الأحاديث الموضوعة المستفعلةِ المصنوعة جملةٌ لا تُحصى بل تزيد عدّاً على مجموع الحصى.
كحديث تمزيق الرداء والطرب لسماع الغناء:
حدثنا الشيخ الثقة الصالح أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الصيْدلاني قراءة مني عليه مرتين بمنزله بأصبهان، قال: حدثنا الثقة أبو علي الحسن بن أحمد المقري الحدّاد سماعاً عليه حضوراً في شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وخمسمائة وأجاز له بخطه جميع رواياته قال: حدثنا الإمام الحافظ أبو نُعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق قراءةً عليه في المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة قال: حدثنا الإمام عبد الله ابن محمد بن جعفر، حدثنا عبد الله بن أحمد بن أسِيد حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا أبو أويس، عن حُسين بن عبد الله، عن عكرمة، عن ابن عباس قال؟ مرَّ رسول الله ﷺ بحسان بن ثابت وقد رشَّ فناء أُطُمِه، ومعه أصحابه سماطين وجاريةٌ له يقال لها: سيرين معها مِزْهَرُها تختلف به بين السماطين بين القوم وهي تغنيهم، فلما مرَّ النبي ﷺ لم يأمُرهم ولم ينههُم، فانتهى إليها وهي تقول في غنائها:
стр. 150
هل عليَّ ويحكما إنْ لهوتُ من حرج فتبسم النبي ﷺ وقال: "لا حرج إن شاء الله" غريب من حديث عكرمة، لا أعلم رواه عنه إلا حُسين، وهو حسين بن عبد الله بن عُبيد الله بن عباس.
قال ذو النَّسَبين أيده الله:
وَهو حَديث موضوع؛ قال النّسوي: حسين متروك الحديث. وقال علي بن المديني: تركتُ حديثه. وقال السَّعدي: لا يشتغل بحديثه.
وأمَّا أبو أويس، فقال يحى بن معين: أبو أويس لا يساوي نواة. وقال النضر بن سلمة المَرْوزي: هو كذاب واسم أبي أويس عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحيُّ. قال علي بن المديني وأحمد بن حنبل: هو ضعيف الحديث. وقال يحيى: مرة كان يسرق الحديث، وهذا الحديث باطل (١) .
стр. 151
وَالأحاديث في فضل البلدان:
كفضل الرمل الذي بعسْقلان، وفضل عين البقر بعكَّا، وفي صخرة بيت المقدس وأن جبريل قال لرسول الله ﷺ : من هَا هُنا عَرجَ ربّك إلى السَّماء، وهذه الأحاديث الموضوعة في تاريخ الشام مجموعة.
وكذلِك في فَضْلِ مَدِينةِ قزْوين، وَمدينة نصيبين، وبلاد طُوس، وَإنما وضعها الوضاعون قصداً منهم لإفساد الشريعة
стр. 152
وإيقاع الشك فيها في قلوب العوام، كعبد الكريم بن أبي العوجاءِ خال معن بن زائدة، ولما أمر الأمير الحسيب محمد ابن سليمان بن علي بضرب عنُقه وَأيقن بالقتل، قال: والله لقد وضعْت فيكم أربعة آلاف حديث أُحرّم فيها الحلال وأحل فيها الحرام، ولقد فطرتكُم في يوم صومكم، وصومتكم في يوم فطركم.
وكأحمد بن عبد الله الجوبياري، كان دجَّالاً وضاعاً وهو الذي وَضع الحديث في الشافعي (١) ورواه عن عبد الله بن معْدان الأزدي عن أنس بن مالكِ، رَواه عنه مأمون بن أحمد الهروي، وقدْ وضَع مأمُون نحو مائة ألْف حديث، وَقد ذكره الحاكم في المدْخل إلى كتاب "الإكليل"، وقال فيه الشافعي: مأمُون غيْر مأمونٍ.
وَالجُوبَياري هذا هُو الذي أفْسد عقيدةَ محمَّد بن كرام بعد أن كان عَابداً، وهو منسوب إلى جُوبيَارة وهي محلة من محال
стр. 153
أصْبَهَان، وكان فيها في القديم نهْرٌ وهو جُوَي بلغتهم بارَةَ المتَّصف بكذا، مثل قولهم مَيسَارةَ المشتغل بالخمر، كَذا قيَّدتُه عن علماءِ أهل فارسِ وَقد سكنْتُ جوبيارة مدةً. ومن كبار الوضاعين وَهب بن وَهب القاضي، ومحمد بن السّائب الكلبي.
وقال النّسائي: الكذابون المعروفون بوَضْع الحديث على رسول الله ﷺ أربعة: إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي بالمدينة، وَمحمد بن عُمر القاضي ببغداد، ومقاتل بن سليمان المفسِّر بخراسانَ، ومحمد بن سعيد المصْلوب بالشام، رَواه الحسن ابن رشيق عن النسائي وقد أسندَه عنْه الخطيب.
وَمن كبار الوضاعين أيضاً أبُو داود النخعي، وَإسحاق بن نجيح المَلَطي، وغياث بنُ إبراهيم النخَعي، وَالمغيرة بن سعيدٍ الكوفي، قال ابن نُمير: كان المغيرة سَاحراً، وكانَ بُنَانُ زنديقاً فقتلهما خالد بن عبد الله القَسْري وأحرقهما بالنار، ومحمد بن عكاشة الكرمانِي، ومحمد بن زياد اليَشكري، وَمحمد بن تميم الفاريابي إلى جماعةِ يكثر تعدادهم.
وَقال حماد بن زيدِ: وضعت الرنادقَةُ على رسول الله ﷺ أرْبعة عَشَرَ ألفِ حديث، منها في الخَضْروات والبقُول، وأكل
стр. 154
الفُول، والحُلبَة -العامة يقولون: الحُلباء، وَإنما هي الحُلبة كذا ذكرهُ في كتاب "تقويم اللسانِ"-. وَالحِنَّا، وَشَمِّ النَّرجس، وَفضل الادِّهان بدُهن البَنَفسج وَأنه باردٌ في الصِّيف حار في الشتاءِ الحديث، وَأن الوَرْدَ مِن عَرَق رسول الله ﷺ ، وإن سيد ريحانِ أهل الجنة الفاغِيَةُ وهو نَوْر شجر الحنَّاءِ، وَفي العَدس وإنه مُبارك مقدس وأنه يُرق القلب ويُكثر الدمعةَ وَقد بارك فيه سبعون نبياً أحدُهم عيسى بن مريم (١) ، وَفي فضْل الخبْز.
قرأتُ بمدينة قُرطُبَةَ على القاضي بمدينة أرْكُسَ المحدث المؤرّخ أبي القاسم ابنْ بشكُوالَ قال: أنبأنا أبو محمد بن عَتَاب قراءةً عليه وأنا أسمع، عن أبيه قال: قرأتُ على أبي بكر عبد الرحمن بن أحمد قال: حدثنا أحمد بن مطرف، عن سعيد بن عثمان قال: حدثنا الطوسي قال: حدثنا علي بن محمَّد قال: حدثنا المُوقَري عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ دخل عليها فرأى كِسرةً ملقاةً فقال: "لا يا عائشة، أحْسني مُجاورة نِعَم الله عليك، فإنها قل ما نَفِدَت من قومِ فَعادت إليهم".
стр. 155
هذا إسناد لا يُساوي فلساً وَإنما دَلّسَ بالموُقري كي لا يُعرف وَهو الوليد بن محمد، قال الحافظ أبو حاتم محمدُ بن حبّانَ: الموقَري روى عَن الزهري أشياءَ موضوعة لم يروها الزهري قط، لا يجوز الاحتجاج به بحالِ. وقال يحى بن معِين: الموقَري ليس بشيءِ. وقال النسائي: متروك الحديث.
وحَديث الهريسة وأن النبي ﷺ شكا إلى جبْريل قلةَ الجماع قال: فتبسَّم جبريل حتى تلألأ مجلسُ رسول الله ﷺ منْ ثنايا جبريل ثم قال: يا رسول الله أين أنت من أكل الهريسة؟! فإن فيها قوة أرْبعين رجلاً.
وفي فضل من حَضَر ختان امرئِ مسلم فكأنما صام يوماً في سبيل الله، واليوم بسبعمائة يَوم.
وَحديث فضْل طَعام العُرس وأن رسول الله ﷺ قال في طعام العرس: "مثقال من ريح الجنة" الحديث بطوله.
وَحديث الباذنْجان، وحديث أكل الطين، وَأحاديث الحرمل، وَفضل التختم بالعقيق (١) ، وَالمشي حَافياً في طلب
стр. 156
العلم، وأن الله جَل وعلا ليغضب حتى يَنجبذَ لغضبه أهل المتمماوات، وأن الملائكة تتسلح الحديث بطوله، وحَديث من أكل فُولةً بقشرها وَالعجب منْ بَقي بن مخلد كيف ذكر ذلك في مُسْنده وهو مسْنَدٌ مُصَنّفٌ في نحو مائتي جُزءٍ.
حَدثني المحدث العَدْل مُؤرخ الأندَلس أبو القاسم خلف بن عبْد الملك بن بشكُوالَ الأنصاري بقراءَتي عليه بجامع قُرطبة قال: حدثنا الفقيه أبو محمد بن عَتَابٍ، أنبانا أبو عمر النَّمِري، حدثنا محمد بن عبْد الملك، حدثنا عبد الله بن يونُسَ، حدثنا بقي بن مخلد قال: حدثنا زهير بن عَباد، حدثنا عبْد الله بن عُمرَ الخراسَاني فذكر من فضْله، عن الليث بن سعد، عَنْ يزيدَ ابن أبي حبيب، عنْ عَمرةَ، عن عائشة قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: "من أكل فُولةً بقشرهَا أخرج الله مِنه من الدَّاءِ مثلها".
قال الإمَام أبو أحمد عبد الله بن عَدي الجُرجاني في تعْديله وتجريحه: هذا حَديث لا يَرْويه غير عبد الله بن عُمر الخراساني، وهو شيخ مَجهول يحدث عن الليث بمناكير.
وأحَاديث دعوات الخواصِّ بالكلمات السرْيانية وَالعِبرانية التي منها ياتمخيثا ياتمشيتا، وأن الإنسان يمشي بها على الماء
стр. 157
وَيطير بها في الهواء إلى غير ذلك مما لا يمكن ذكرها في هذا الكتاب.
قال أبو العيْناء: أنا وَالجاحظ وضعْنا حَديث فَدَكٍ، ذكره الحاكم أبو عبد الله وقال: سمعْت عبد العزيز بن عبد الملك الأمَوي يقول: سمعْت إسماعيل بن محمد النحويَّ يقول: سمعت المحاملي يقول: سمعْت أبا العيناء يقول: قال إسماعيل: وكان أبو العيناء حدث بذلك بعدما تابَ.
والكلام في هؤلاءِ الوضاعين نصيحةٌ لله رَبّ العالمين وَلرسوله محمد سيد المرسلين وَليست بِغيبةِ عنْد جماعة فُقهاءِ المسلمين، قال: يحي بن سعيد رئيس المحدثين: سألت مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وشعبة، وسفيان بن عيينة عن الرجل يكذبُ في الحديث أوْ يَهِم أؤبين أمرَه؟ قالوا: نعم بيّن أمرَه للناس، وكان شعبة يقول: تعالوا حتى نغتاب في الله، وقال الشافعي: إذا علم الرجل من محدّثٍ الكذب لم يسعْه السكوت عنه، ولا يكونُ ذلك غيبةً لأن العلماءَ كالنّقادِ لا يَسَع الناقدَ في دينه أن لا يبيّن الزيوفَ من غيرها. سبحان الله ما أحسن ألفاظ هذا الكلام! لا زالت حسناتُ قَائلها مرقومةً في صُحُف الدوام.
стр. 158
قال ذو النَّسَبيْن أيَّدَه الله:
فيلزَم المحدثَ أن يكونَ على الصِّفة التي وصفْنا في أول كتابنا من الحفظ والإتقان وَالمعْرفةِ بما يتعلّقُ بهذا الشأن، وأما من طلب الحديث دونَ مَيْزٍ لصحيحه منْ سقيمه، وَلا حفْظٍ لمتونه ولُغَته وعلومه، إلا بمجرد الرواية دونَ ضبْطٍ وَلا حفْظ ولا دراية (١) ، مقتصِراً على لقاءِ الشيخ المسنِّ وهو فلان فكل ذلك وَسَاوسٌ وهَذيان.
أنشْدَني المحدث المتقن الفاضِلُ العَدْل أبو عبد الله محمَّدُ ابن علي بن حفص اليحصبي قال: أنشدني القاضِي بقرطبة المحدث الفاضل أبو مَروانَ عبد الملك بن مَسَرة اليحصبي
стр. 159
قال: أنشدني محدث أهل زمَانه المشار إليه بتقييده وإتقانِه أبو بكر محمد بن حَيْدرةَ بن مُغَوِّزِ المعَافِرِي لنفسه:
يَا مَنْ تَعنَّى لأمْرِ لم يُعَنَّ بِهِ ... خَلِّ العنَاءَ وَوَلِّ القَوسَ بَارِيها
تُرْوَى الأحاديث عن كلٍّ مُسَامَحةً ... ويعْتَنِي بِمَعَانيها مُعَانِيها
وَهذا الكتاب قد جَعَلْتُه للمحدثين غِياثاً لأن الله جلت قدرته قَدْ جَعل الحديث لي حَقاً وميراثاً (١) ، فيجب لفضْله أن يركُضَ الطلاب إليه على نجائبهم حِثاثاً، وَيقتسمون فوائدَه الصًحيحة من ألفاظِه الصََّريحة بيْن السنَدِ وَالمتْن والمعْنَى أثلاثاً.
ويتلوه إن شاءَ الله تعالى مَا جَاء في فضل شعبانَ، وهو الشهر الذي ثبت صيامُ رسول الله ﷺ له وَبان، وكانت الفضِيلةُ في صيامِهِ على شهر رجب ناطقَة، وَالألسنُ بصفته بجزيل الحسنات صادقَة.
стр. 160
وصَلى الله على من شرّف حقه وَعظَّم، وَتمم به النّبوة والرسالةَ وختَم، سيّدنا محمَّد صلى الله عليه صلاةً دائمةً وسلم، وَعلى آله وأصحابه الذين حرَّم وجوُهَهم الخاشِعةَ على النارِ تحْريماً، وَأعد لهم مغفرةً وَأجْراً عَظِيماً.
وافق الفراغ من نسخه في يَوم الجمعة اليوم الخامس من شهر رجب سنة اثنين وثمانين ومائتين وألف (١) ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وحسبنا الله ونعم الوكيل.