الله عنهما، وهُو مذهب أبي عبدِ الله مالكِ بن أنس المدَني، وأبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وصَاحبيه: أبي يوسف القاضي وَمحمد بن الحسَنِ، وَكذلك قراءَتكَ على العالم كقراءَة العالم عليك.
حدثني المقرئ الفاضِل المحدث النحوي أبُو بكرِ محمّد بن خيْرِ في مسجده بإشبيلية سنةَ اثنتين وسبعين وخمسمائةِ قال: حدثنا الإمام العالِم قاضِي الجماعة الشهيد أبو عبد الله محمد ابن أحمدَ بن خَلَفِ بن إبراهيمَ التجيبي، وَأنبانا آخر مَنْ قرأ عليْه - واستشهد ﵀ في ذلك اليوم بالمسْجد الجامع بقرطبةَ يومَ الجمعة وَهو سَاجد- قال: كان شيخنا أبو مَرْوانَ بنُ سِرَاج يقول: حَدثنا وأخبرنا واحد يحتج بقوله جل وعَلا: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) [الزلزلة:٤] ، فجعَل الحديثَ والخبرَ واحد.
قال ذُو النسَبَين أيَّدَهُ الله:
وقال الله تعالى: (لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ) [التوبة: ٩٤] ، و (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ) [البروج:١٧] ، و (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) [الغاشية:١] ، و (حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) [الذاريات:٢٤] ، فتبيّن من قولهِ جلّت قدْرته أن الحديث وَالخبَر والنبأ واحد.
стр. 107
قال أبو جغفر الطحاوي (١) : وكذا رُوي عَن النبي ﷺ ، قال عبدُ الله بنُ مسعُودِ: حدّثنا رسول الله-يخيم وَهو الصَّادقُ المصْدوقُ: "إن أحَدَكم يجمعُ خَلقهُ في بطن أمهِ أربعينَ يوماً، ثم يكونُ علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثئم يبْعَثُ الله- ملكاً ويؤمَرُ بأربع كلمات ويقال له: اكتبْ عَمله ورزقه وأجَلَه وشَقي أم سعيد، ثم ينفخ فِيه الروحُ.. ".
الحديث بطُوله أخرجَه محمد بن إسماعيلَ البخاري في مواضع من "صحيحه" في كتابِ بَدْءِ الخلق عن الحسَنِ بن الربيع أبي على البُواري -يبيع البواري، كوفي ثِقة رجل صَالحٌ متعبدٌ متفقٌ على الإخراج عنه- قال: حدّثنا أبو الأحوص سَلاَمُ ابن سُلَيم، عَن الأعمشِ.
وَأبو الأحوصِ هَذا عَدل متفق على الإخراج عنْهُ في "الصحيحيْن"، وَاسمُه سَلّامُ بنُ سُليم وكانَ ثِقةَ صاحب سنةٍ وَاتباعٍ كُني بابنه أحْوصَ، وكانَ حديثه نحواً من أربعةِ آلافِ
стр. 108
حَديْث، وهو خال سُلَيم بن عيسى المقرئ صَاحب حمزةَ الزيات، وقرأ هُو أيضاً على حمزةَ.
وأخرجَه أيْضاً في باب خلق آدَم وذريته عن عُمَر بن حَفْص عنْ أبيه قال: حدّثنا الأعمش.
وفي كتاب القدَر حدّثنا أبو الوليد هشامُ بن عبْد الملك قال: حدّثنا شعبة بن الحجاج.
وَفي كتاب التوحيد رَواه أيضاً عنْ آدم بن أبي إياس قال: حدّثنا شعبةُ قال: حدّثنا الأعمشُ قال: سمعْت زَيدَ بن وهب قال: سمعت عبدَ الله بن مسعودِ يقول: حدّثنا رسول الله ﷺ وَهو الصادِقُ المصْدُوق: "إن خلقَ أحَدِكم يجمعُ في بطْن أمه اْربعين يوماً أو أربعين ليلةً، ثم يكونُ علقَةً مثلَه، ثم يكون مضغةً مثله، ثم يبعث إليه الله الملكَ فيؤذنُ بأرْبعِ كَلمات: فيُكتبُ رزقه وأجله وعمله وَشقِيٌّ أو سعيدٌ، ثم ينْفخ فيه الروح ... " الحديث بطوله.
وَأخرجه مسْلم بن الحجاج في كِتاب القدَر عنْ أبي بكر بن أبي شيبة، عَن أبي معاوية ووَكيع بن الجراح، وعن محمد بن عبد الله بن نُمير، عن أبيه. وعنْ عثمان بن أبي شيبةَ وإسحاقَ
стр. 109
ابن راهَويه، عنْ جرير. وَعن إسحاقَ هذا، عن عيسى بن يونسَ. وعنْ أبي سعيد الأشجّ، عنْ وكيع. وعنْ عُبيد الله بن معاذِ، عن أبيه، عن شعبةَ جميعاً عَن الإمام سُليمان بن مهْرانَ الأعمش إلا أن في حَديث وَكيع أربعين ليلةً، وزاد في العَدَد أبو سَرِيحَةَ حذيفة بنُ أُسيد الغفاري صاحبُ رسول ﷺ ، تفرَّد بذلك مسلم في "صحيحه" وذلكَ من فوائده.
وَفيه من الإيمانِ والدليل الواضح وَالبرهان أن الله تعالى وكَّلَ بالرَّحِمِ ملكاً يتولى التصْوِيرَ بحكم التقدير من اللطيف الخَبير، وَفيه رَدٌّ على الملحدة في قولها: إن تدبيرَ ذلكَ إلى الكواكب السَّبْعة يأخذه كل كوكب شهراً ثم يعود بعد تمامِ السبْعة إلى بعضها، وَهذا كذبٌ على الله ﷻ وعلى رسوله محمد ﷺ ، وجَحْدٌ لما قامت الدلائل العقلية عليْه من ثبوتِ الفاعل المختار العزيز الجبار.
وَأمَّا المناوَلَةُ:
فثَبَتَ حَدّثنا وأخبرنا وأنبأنا بالكتاب والسّنَّةِ وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البُلدان، فالحجةُ فيها كتبُ سيِّد المرسلين محمدٍ خاتم النبيّين.
стр. 110
حدّثنا القاضِي بسَبْتَةَ كان الفقيهُ أبو عبد الله محمد بن سعيد الأنصاري بقراءَتي عليه، وَالفقيه العالم أبُو الحسن علي بن الحسين إجازةً شافهَني بها قال: أنباْنا أبو عبد الله أحْمدُ بن محمد الخَولاني قال: حدّثنا الفقيهُ الفاضل أبو عَمْرو عثمان بن أحمد سَمَاعاً عليه لجميع "الموطأ"، وقاضِي الجماعة بقُرْطُبَةَ أبو الوليد يُونسُ بن عبد الله إجازةً قالا: حدّثنا القاضِي العَدْل اْبو عيسى يحى بن عبد الله بن أبي عيسى قال: حدثني عمّ أبي الفقِيه أبو مَرْوَانَ عُبيدُ الله بن يحيى قال: سمعْت أبي الفقيهَ أبا محمدٍ يحى بن يحيى يقول: حدّثنا فقيه دار الهجرة أبو عبد الله مالكُ بن أنس، عن عبْد الله بن أبي بكر أنَّ في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعَمرو بن حزم: "أن لا يمسَّ القرآن إلا طاهرٌ" (١) .
فهذا الحديثُ أصْلٌ في صحة الروايةِ على وَجْه المُناولة، لأن النبي ﷺ دَفَعَه إليه وَأمرَهُ به فجازَ لعمرو بن حزمٍ العمل به والأخذُ بما فيه، وعَمرو بن حزم هذا يُكنى أبا الضحاك وَهو
стр. 111
عمرو بن حزم بن زيدٍ بن لُوذانَ بن عَمرو بن عبدِ عَوفٍ بن غَنْم ابن مالك بن النجار، ومنهم من ينسُبه في بني مالك بن جُشَمِ ابن الخزْرج، ومنهم من ينسبه في بني ثعْلبةَ بن زيد مناة بن حبيب بن عبد حَارثةَ بن مالك، أُمُّه من بني ساعدةَ، لم يشهد بذراً وأوّل مشاهدِه الخَنْدَقُ، واستعملهُ رسول الله ﷺ على نجْرانَ وهو ابن سبْعَ عشرةَ سنةً ليفقههم في الدين ويعلمهم القرآن ويأخُذَ صَدَقَاتِهم، وذلك سنةَ عَشْرٍ بعْد أن بعث إليهم خالدَ بن الوَليد فأسْلموا، وكتبَ له كتاباً فِيه الفرائضُ والسننُ والصَدقات وَالديات، ومات بالمدينة سنةَ إحدى وخمسين، وقيل: سنة أرْبع وخمسين، وَقِيل: سنة ثَلاث وخمسين، وَقد قيل: تُوفي في خِلافة عُمر بن الخطاب بالمدينةِ.
وإنْ كانَ هذا الحديثُ في "الموطأ" مرسلاً فهو بإرسالهِ أصحُّ من كثير من المسْنَد، لأنه منْ كتاب النبي ﷺ لعمرو بن حزم حينَ وَلاه نجْران، رواه عنه ابنه محمد ورَواه عنه بنوه وهم فُقهاء عدولٌ مرضيون أئمة، فأي إسنادٍ أقوى منْ هذا أو أي سَماع أثبت منْه (١) ؟!
стр. 112
وقد رواه الزهري عنْ أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عنْ أبيه، عن جده أن في الكتاب الذِي كتَبَه رسول الله ﷺ إلى أهْل اليمن في السنَن والفَرائض وَالديّات: "أنْ لا يمسَّ القرآن إلا طاهِرٌ".
وأبو بكر بن محمدِ بن عمرو بن حزمِ من جلة أهل المدينةِ وعلمائِهم وأشرافِهم وعدُولهم، وكانَ له بهَا قَدْرٌ وجَلالةٌ، ولي القضاءَ لعمر بن عبد العزيز أيَّامَ إمرتِه على المدينة، ثم لمّا وَلي الخِلافة ولّاه على المدينة، وكانَ لأبي بكْر بنون منهم: عبد الله ابن أبي بكر شيخ مالك بن أنَسِ يُكنى أبا محمّد، وكان منْ أهل العِلم ثقةَ محدّثاً مأموناً حافظاً فقيهاً، كان منْ ساكِني المدينة وَبها كانت وفاتُه في سنة خمس وثلاثين ومائة، وهُو ابن سبعين سنة، وقيل: سنة ست وثلاثين، وقال بعضهم: كانتْ وفاتُه في
стр. 113
سنة ثلاثين ومائة. رَوى عنْ عَبد الله بن أبي بكْرِ جماعة من الأئمة مِثلُ: مالكِ وَمعمر والثوري وابن عيْينَة وغيرهم، وهو حجة فيما نَقَل وحَمَل، وقدْ تلقَّى جُمهور العلماءِ كتابَ عمْرو ابن حزمِ بالقبول وَالعمل. وَلم يختلف فقهاءُ الأمْصار بالمدينةِ والعراقِ والشامِ أن المُصْحَفَ لا يمسَّه إلا الطاهِر على وُضُوءٍ، وهو قول مالكِ، والشافعي، وَأبي حنيْفة، والثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حنْبل، وإسحاق ابنُ راهَوَيْهِ، وَأبي ثوْرِ، وأبي عُبيد، وروي ذلك عن عبْد الله بن عُمَرَ، وطاوُسِ، والحسَن، والشعبي، والقاسم بن محمد، وعطاءٍ، وهذا هو الصّوابُ من امتثال ما في كتابِ رسول الله ﷺ لِعمْرو بن حزم "أنْ لا يَمسَّ القرآن أحدٌ إلا وهو طاهِر"، ومن شذَّ عنْ هذا وخالفَ الأثر كداودَ وغيره فَقد حادَ عن سَواءِ الطريق وَالله الهادي إلى التوفيق.
واحتج البخاري ﵀ في "صحيحه" في باب مَا يذكر في المُناولة من كتاب العلم قال: واحتج بعضُ أهل الحجاز في المناوَلة بحديث النبي ﷺ حيْث كَتب لأمير السرية كتاباً وقال: "لا تقرأه حتى تبلغَ مكانَ كذا وكذا" فلما بلغ ذلك المكانَ قرأهُ
стр. 114
على الناسِ وَأخْبرهم بأمر النبي ﷺ ، هكذا ذكره البخاري تعليقاً (١) .
قالَ ذُو النسبين أيّدَهُ الله:
وأمير السرية هذا هو عبد الله بن جحش بن رِئاب الأسدي من المهاجرين الأولينَ، وهُو أخو أمِّ المؤمنين زينب فيما ذكره أهل السًير، منهُم الثقةُ المجمع عليه موسى بن عُقْبة، وذكر ذلك أيضاً محمد بن إسحَاق قالوا: لمّا رَجَع رسُولُ الله ﷺ منْ طلب كُرْز بن جَابر- وتُعرف تلْك الخرْجةُ ببدر الأولى- أقام بالمدينة بقيَّةَ جمادى الآخرة وبعثَ في رجبٍ عبد الله بن جحش وسَمّوا من سارَ معَه قالوا: وكتب لعبد الله بن جحش
стр. 115
كتاباً وأمَره أن لا ينظر فيه حتى يسيرَ يومين، ثم ينظر فيه ولا يستكره أحداً من أصحابِهِ وكانَ أميرَهم، ففعل عبد الله بن جحش مَا أمرهُ به، فلما فتحَ الكتاب وَقرأه وجد فيه: "إذا نظرت في كتابي هذا، فامْض حتى تنزل نَخلَةَ بين مكةَ والطائف فترصُدَ بها قريشاً، وتعْلم لنا منْ أخبارهم".
فلما قرأ الكتاب قال: سمعاً وطاعةً، ثم أخبر أصحابَهُ بذلك، وبأئه لا يستكره أحداً منهم، وَأنه ناهضٌ لوجْهه بمن طَاوعَه منهم، وأنهُ إن لم يطعْه أحدٌ، مضى وحْدَه فمن أحب الشهادة فلينْهض ومن كره الموتَ فليرجعْ، فقالوا: كلنا نرغبُ فيما ترغبُ، وما منّا أحدٌ إلا وَهو سامع مطيعٌ لرسول الله ﷺ وَنَهَضوا معهُ.
ثم ذكر أصْحاب السيَر ما اتفقَ في هذِه السرية وأن عبدَ الله ابنْ جحش أول من عَزل الخُمُسَ لرسول الله ﷺ ، فَكانَ أول خمسٍ في الإسلام، ثم نَزل القرآنُ (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) [الأنفال: ٤١] فأقرَّ اللهُ ورسوله فعْلَ عبد الله بن جحش في ذلِك، ورَضياه، وسَنّاه للأمّة إلى يَومِ القيامة، وهِي أوَّل غنيمةِ غُنمت في الإسلام، وَأول من قاتلَ في اَخِر يوم منْ
стр. 116
رجبٍ منَ الشهْر الحَرام، وَأنكر رسُول الله ﷺ قتْل عَمْرو بن الحَضرمي في الشهْر الحرام فَسُقِط في أيدي القَوم، فأنْزل الله (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: ٢١٧] .
واحْتجاجُ البخاري على صحة الرواية بالمناوَلة بهذا الحديث احتجاج وَفقْه صحيح، لأن رسول الله ﷺ ناوَل عبدَ الله بن جحش كِتَابَه ففتَحه بعد يومين فعمل على ما فيه، وكذلك العالِم إذا ناوَل التلميذ كتاباً جَازَ له أنْ يَرويَ عَنْه.
وذكر أبو الحسن الدَارقطني في كتاب "رُواة مالكِ "، أن مالك بنَ أنسِ أخرجَ لهم كتباً مشدودةً فقال: هذه كتبي صحَّحتها ورويتها فارْووها عني، فقال له إسماعيل بن صالح: فنقول: حدّثنا مَالِك؟ قال: نَعمْ.
стр. 117
وقال البخاري في مُصَنَّفه: وقال أنَسٌ: نسخَ عثمان المصاحِفَ فبعثَ بها إلى الآفاق (١) .
ورأى عبد الله بن عُمَر ويحيَى بن سعيد ومالِك ذلكَ جائزاً، واحتجوا أيضاً في هذا المعنى بحديث ابن عباس أن أبا سفْيان ابن حرب أخْبره أن هِرَقْلَ دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بَعَث به مَع دِحْيَةَ إلى عظيم بُصْرى فدفعهُ إلى هِرقلَ، ولهذا الحديث طرق في "الصحيحين"، وكذلك كُتُبُ رسول الله ﷺ مَع إرْساله إلى ملوك الأرض.
قال الإمام الحافظ أبُو العبَّاس الوليدُ بن بكر فيما حَدثنا غير واحدِ عَن الخوْلاني، عن الحافظ أبي ذر الهَروي، عنْه قال: وَكذلك لو أدْخله الراوي إلى خزانة كتبه فيقول لهُ: فيها من أجزاءِ حديثي كذا وكذا بالتسْمية، أو أحالَه على الفَهْرسة الشَّاملة على فنون كُتُبهِ، أو أحاله على تَراجمها ونبَّهه على طرق أوائلها ثم قال له: حَدّث بها عَنّي فقدْ أبحتُ لكَ ذلك على مَا فيها مضبوطاً مصححاً، فهذا كلُّه بابٌ من أبواب النقل يفضي إلى الصحة لأن الرسْمَ ناطقٌ بما فيه.
стр. 118
قال ابن بكر الحافظ: وَهذه المناوَلة هِي أعْلى مراتب الإخبار تَحِل محلَّ السماع وَالقراءَة عنْد جماعة من أئمَّة أصْحاب الحديث، وهو مذهب مالك ﵀، وهو فقه مستنبط من كتاب رسُول الله ﷺ لأنّه لما أمَرَهُ أن يمتثلَ ما في الكتابِ مختوماً عليْه دلّ على أْن رسْم الكتاب ناطقٌ، وأن ذلك النطق صحيحُ الحكم كصحَّة حكم المشافهةِ، وَلولا ذلك لم يصحَّ نفوذ عبد الله بنْ جحش حين وقف على ما فِيه، وَلم يكنْ صحيحاً مَا أمَر به رسول الله ﷺ ، لأنّه لا يأمُر بباطلٍ. وَفي كتاب الله تعالى في صِفة سَبَأ: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)) [النمل] ، دَْليل على اْن للكتاب حكماً صحيحاً كالمشافهة، وَلذلك جمعَت ملأها وشاورتهم في قِصّتها، وَلو كان حكمه باطلاً لم ترفعْ به رأساً، وَفيها فُصُولٌ وَأنْواع تطول، وَقد بيّنا ما استنْبطناه منَ الكتاب والسنة التي هي العمدة والأصول، والسَّماع هو الأصل المعوَّل عليه الذي يجده القارِئ يوم القيامة نوراً يسعى بين يديه.
سَمعْتُ الإمامَ رضىِّ الدين أبا بكر أحْمدَ بِشَاذِياخَ نيسابورَ يقول: سمعْت أبي الإمَامَ أبا سعْدٍ الكرماني، والإمامَ أبا مَنْصُور
стр. 119
عبْد الخالق بن زاهر الشحَّامي، وَأبا سعْد محمدَ بن جامع الصيرفى- يعْرف بخياط الصوف- وَأبا نصْر سعيد بن أبي بكر الشعْري قالوا: سمعْنا الأديب أبا بكر أحمدَ بنَ علي بن عبد الله ابن عُمَر بن خلف الشيرازي يقُول: سمعْت الحاكمَ الحافظ أبا عبد الله محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن محمد بن عبيد الله الواعظ يقول: سمعْت عَبدَ الله بن عَدي بن عبد الله يقول: سمعْت أحمدَ بن محمد بن الحسن يقول:
سمعْتُ محمد بنَ يزيدَ الواسطي يقول: سمعْت يزيدَ بن هارونَ يقول: قلتُ لحماد بن زيد: يا أبا إسماعيل هل ذكر الله أصحاب الحديث في القرآن؟ قال: بلى، ألم تسمع إلى قوله جل اسمُه (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) [التوبة: ١٢٢] ، فهذا فيمن رَحَل في طلب العلم ثم رجَع به إلى مَنْ وراءَه ليعلمهم إياهُ، ففي هذا النّص دليلٌ أن العمل المحتج به هُو المسموع.
وَقَدْ أجمَع أهل العِلمْ من أهل الحديث وَالفقه في جميع الأمصار على قبول خَبَر الواحد العدل، وأنه تجبُ به الحجةُ ويلزم به العمل إذا ثبتَ وَلم ينسخْه غيره من حَديث صحيح أو إجماع، على هذا جميع العلماء في كل عصر من لدُنِ
стр. 120
الصحابة ﵃ إلى يومنا هذا إلا منْ لا يُعتَدُّ بخلافه من أهل البِدَع، (١) وَأنه إذا عَارضَه خَبَرٌ منقطعٌ لم يُعَرَّجْ على المنقطع، وسيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله.
وَثانِيها المتّصل مِنَ الحديث:
وإنما سُمي متصِلاً لأن كل واحد من رواته صحَّت مجالسته ولقاؤه لِمنْ رَوى عنه، وصحَّ سَماعه منه.
وثالثُها المرْفوعُ:
وَهوَ عنْد المتْقِنِين شيءٌ واحد، إذ المرفوع هو المسْندَ إلى رسول الله ﷺ إذْ سَنَدُ الحديث رَفعهُ، وَقد قال قومٌ: إن المرفُوع كلُّ ما رُفعَ إلى النبي ﷺ ، وَإن كانَ مقْطوعاً في السند إلى الصَّاحب مَرفوعاً من الصاحب إلى رسول الله ﷺ ، وَليس
стр. 121
كما قال، بل المرفوع هُو المسْند الذي يرْويهِ واحد عنْ واحدِ إلى الصاحب، ويرفَعه الصّّاحب إلى رسول الله ﷺ ، وَما سواه فهو مرسل أو مُعْضل أو منقَطِعٌ على مَا أبينُ المنْقَطع بعْد هذا إن شاء الله.
ورابِعُهَا المعَنْعَنُ:
وهو فلانٌ، عنْ فُلانٍ، عنْ فُلانٍ، عن رسول الله ﷺ ، وهُو محمول عند أهل العلم بالنقل على الاتصال إذا جمع شروطاً ثلاثة: وهي عدالةُ المحدِّثين في أحْوالهم، وَلِقاءُ بعضهم بعضاً مُجالسةً ومشاهدةً، وأن يكونُوا بُرءاء من التدْليس، على هذا جميع المتقدمين منْ أئمة الحديث والفقه وَالمشترطينَ في تصنيفهم الصحيح قدْ أجمعوا على ذلك (١) ، وهو قول مَالِكِ وعَامة أهل العلمِ لا خِلاف فيه عندهم، إلا أن يكون الرجلُ
стр. 122
معروفاً بالتدليس لا يُقبل حَديثهُ حتى يقول: حَدثنا أو سمعْتُ أو أنبانا أو أجازَ لنا أو كتب إلينا، وكان شعْبة ﵀ يقول: فلانٌ عن فلان ليْس بحديث، وقد انْصرف شعبةُ عنْ هذا القول إلى قول سفْيانَ والجماعة وأنه حَديث متصِل صحيح. وقدْ عابَ الإمامُ أحمدُ بن حنبل على الوليد بن مسلم في قولهِ: عنْ في منْقطع ليدخله في الاتصال، وَهوَ حديث المغيرة في المسح على الخفيْن (١) .
وكذلك اختلفُوا في معْنى أنَّ هل هي بمعنى عنْ محمُولةً
стр. 123
على الاتّصال بالشرائط التي ذكرناهَا حتى تبيَّنَ انقطاعها؟ أو هي محمولة على الانقطاع حتى يُعرف صِحّة اتصالها؟ وذلك مثل مالك عن ابن شهاب أن سعيد بن المسيّب قال كذا، ومثل مالك عن هِشام بن عروة أن أباهُ قال كذا، وَمثل حماد بن زيد عن أيوب أن الحسنَ قال كذا، فجمهور أهل العلم عَلى أنَّ عَنْ وَأنَّ سَواء، وأنَّ الاعتبارَ ليس هو بالحروفِ وَإنما هوَ باللقاءِ والمجالسةِ وَالسَّماع والمشاهدة، فإذا كانَ سَماعُ بعضهم منْ بعضِ صحيحاً كان حَديث بعْضهم عن بعض أبداً بأيّ لفظٍ ورَد محمُولاً على الاتصال حتى تتبينَ فيه علّة الانقطاع.
وَقد صح لقاءُ ابن شهاب لسعيد بن المسيّب ولمن هو أكبر منه، فقد لَقي الصحابة وَسمع منْهم، وَكذلِك صحت مجالستُه لسعيدٍ وَمشاهدته لِقراءَة كتبه وَسَماعُهُ لها منه، وكذلك صَحَّ سَماعُ هشام بن عروةَ من أبيه عُروةَ بن الزبير وَأخذه عنه، وَكذلك صَحَّ لقاءُ أيوبَ السَّخْتَياني للحسن بن أبي الحسن وَسَماعُه الكثير من العِلم منْهُ وثناءُ الحسن عَليه وأنه كانَ يقول فيه: أيوبُ سيًد شَبَابِ أهلِ البصْرة.
وقَال البَرْدِيجىُّ: إنَّ أنَّ محمولة على الانقطاع حتى يتبيَّن
стр. 124
السّماعُ في ذلك الخبرِ بعيْنه من طَريق آخر، ويأتي مَا يدُل على أنه قدْ شهِدَهُ وسمعَهُ.
قال ذو النَّسَبين أيدهُ الله:
وَهذا لا وجه له، وَقدْ ردَّ قولهُ إجْماعُ العلماءِ على أنَّ الإسْنادَ المتصل بالصحابي سواءً قال فيه: قال رسُول الله ﷺ ، أوْ أن رسول الله ﷺ قال، أو عنْ رسول الله ﷺ أنه قال، أوْ سمعْت رسول الله ﷺ ، كُلٌّ سواءٌ لا فرق بيْنها، فقفْ على هذِه النكتةِ فإنها أصلٌ في الباب، وَالله الموفق للصواب.
стр. 125
فصل
ومراتب الرواية من الصحابة عَن النبي ﷺ خمسٌ:
المَرْتَبَةُ الأولَى:
أنْ يقول الصَّحابي سمعْت رسول الله ﷺ يقول: لا تصلّي، لا تصوم، وهذا أعلاها لأنه شاهَدَ ونقَل اللفظ.
المرتَبةُ الثانِيةُ:
أن يقول الصَّحابي: سمعْت رسول الله ﷺ ينهى عن الصلاة بعد العصْر حتى تغْرب الشمسُ، وَنهى عنْ صيام يوم النحْر ويوم الفطر، فهذا فيه أصلٌ من السماعِ وَليْس فيه كيفية الأمْر
والنهْي.
المرتَبةُ الثالِثَةُ:
أن يقول الراوي مِنَ الصّحابة: قال رسُول الله ﷺ وَلمْ يذكُر السَّماع، فلا خلاف بين العلماءِ أنّه محمُول على السَّماع قائمٌ
стр. 126
مقامَه؛ لان الصحابة ﵃ كانَ يأخذ بعضُهم عنْ بعض ويتناوبُون في النّزُول إلى المدينة لِتحصيل العلم ثم يبلغُه إلى صَاحبه على المُداولةِ، وكلهم عُدُول لثناءِ الله تعالى عليهم ووصفه لهم بالصدق، والصَّادِق لا يكون عنْد الله كاذباً.
المَرْتَبَةُ الرابِعَةُ:
أن يقول الصّحابي: أُمِرنا بكذا، ونُهينا عن كذا (١) ، كما
стр. 127
ثَبتَ عنْ علي ﵁ أنه قال في النهي عن قراءَة القُرآنِ في الركوع: نهاني رسول الله ﷺ وَلا أقول نَهاكم، وَهَذا تحرير اللّفْظ واحتراسٌ من الغلطِ لأن الصاحبَ إذا نهاهُ النبي ﷺ عنْ شيءِ فقدْ نقَل الخَبَر عن النبي ﷺ وَحصَل الكلُ مَنُوطاً بالنبي ﷺ .
وَخامِسُهَا: المرْسَلُ
أوقعوهُ بإجْماعٍ على حَدِيث التابع الكبير عن النبي ﷺ ، كعُبيد الله بن عدي بن الخِيار أو أبي أمامةَ بن سهل بن حُنَيف أو من كان مثلهما من كبار التابعين الذِين صَح لهم لقَاءُ الجماعةِ من الصحابة ومجالستُهم، فَهذا هُو المرسل الصحيح في إطلاقه، وما أرسله غير كبارِ التابعينَ مَنْ لقي منهم الصاحب وَالصاحبين يسمونه المعضَلَ، وقد يتسامَحون فِيه فَيُسمونه المرسل.
ومنْ أصْل مذهَب مالكِ وَالذي عليه جماعة أصحابه اْن مرسل الثقةِ تجب به الحجّة وَيلزَم به العمل كما تجبُ بالمسنَد سواءً، واعتلّوا بان السلفَ أسْنَدوا ووَصلوا وأرسلوا فلم يعبْ
стр. 128
وَاحدٌ منهم على صاحبه منْ ذلك شيئاً (١) ، وهو قوْل أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، وَزعم الطبري أن التابعين بأسرهم أجمعُوا على قبول المرسل وَلم يأت عنهم إنكاره وَلا عنْ أحدٍ من الأئمة بَعَدهم إلى رأسِ المائتين.
قال الإمام أبو عُمَر بن عبْد البرّ في أول كتاب "التمهيد" كان - يعْني- أن الشافعي أوّل منْ أبى قَبول المرسَل، وَأما أبو حنيفَة وَأصْحابه فيقْبلونَ المرسلَ ولا يرُدونه إلّا بما يَردُّونَ بِهِ المسندَ من التأويل والاعتلالِ على أصولهم، والمرسل عنْد أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنْبلِ حجّة. وحكى الإمَام أبو عُمر بن عبد البر في كتاب "التمهيد" لهُ- وَعندي منْهُ أصلهُ- عن طائفةِ من المالكيين أنهم قالوا: مراسيل الثقات أوْلى منَ المسْنَداتِ،
стр. 129
وَاعتلوا بأن من أسْند لك فقدْ أحالَك على البحْث عن أحوالِ مَنْ سَفاه لك، ومنْ أرسلَ من الأئقةِ حَدِيثاً مَع علمه وَدينه وثِقته فقدْ قَطع لك على صحته وَكفاك النّظر (١) .
وَسَادِسها: المنْقَطعُ
ومثالُه مَالِكٌ عن يحيى بن سعيدِ، عن عائشة، عن النبي ﷺ وَمالِك عن عبد الرحمن بن القاسِم، عن عائشة، عن
стр. 130
النبي ﷺ . ومالك عن ابن شهاب، عن ابن عباسِ، عن النبي ﷺ . ومالك عن ابن شهاب، عن أبي هريرةَ، عن النبي ﷺ .
ومالِك عنْ زيد بن أسْلمَ، عن عمر بن الخطّاب، عن النبي ﷺ .
فهذا ظاهِرهُ الإسْناد وهو منْقطعٌ، لأن يحيى بن سعيد وَعبْدَ الرحمن بنَ القاسِم لم يسْمعا من عائشة ولا رَويا عنْها حرْفاً مشافهةً، وكذلكَ ابن شهاب لم يسْمع من ابن عبّاسٍ ولا أبي هريرةَ، وكذلك زيد بن أَسْلمَ لم يسْمع من عمرَ بن الخطاب حرْفاَ، وَإنما يَروي عنْ ولدِه عبد الله على اختلافٍ فيه، وَالصحيح أنه سمع منْه وَعنْ أبيه أسْلمَ عن عُمر بن الخطاب.
وَأكثر منْ هذا في الانقطاع مَالِك أنهُ بلغَه عن جابر بن عبْد الله أوْ بلغه عَن النبي ﷺ ، ومالِك يَقبله وعليه بنَى "موطَّأهُ"، وأمَّا منْ رَده من المتأخرين بعد زمان مالكٍ فحجتهم في ذلك أن الشهادة على الشهادة أجْمع المسلمون أنه لا يجُوزُ فيها إلَّا الاتصالُ والمشاهدة، فكذلك الخبر يحتاج من الاتصال والمشاهدة إلى مثْل ما تحْتاج إليْه الشهادةُ، إذ هو بابٌ في
стр. 131
إيجاب الحكم واحدٌ، والمقطوعُ لا تقوم به حُجّةٌ لأن الله جلّت قدْرته لم يكلف عباده أخْذ الذين عمّن لا يُعرف (١) .
وَسَا بِعُهَا: الموقُوفُ
وَهُو ما وُقِفَ على الصَّاحب وَلمْ يُبْلَغْ به النبي ﷺ .
مثل: مالَكِ عنْ نافع، عَن ابن عُمر، عن عُمر قوله، وسفيان بن عُيينَة عن عَمْرو بن دينارٍ، عن جابر بن زيدٍ، عن ابن عباسٍ قوله، وما كان مثل هذا.
وَمِنَ الجَرْحِ رَفْعُ المَوْقُوفاتِ وَمخالَفَةُ من وَقَفَه من الأثباتِ، وقد يدخلها الانقطاع مثال ذلك: مَالِكٌ عن نافع، عنْ عمر ولم يَرو عنْه شيئاً، وفي "الموطأ" في كتاب الجنائز: مَالِك عنْ أبي النَّضْر مَولى عُمر بن عُبيد الله، عنْ عائشةَ زوج النبي ﷺ أَنها أمرتْ أنْ يُمَرَّ عليها بسعْد بن أبي وَقاصِ في المسْجد حين ماتَ لتدْعوَ له، الحديث هكذا هُو فِي "الموطأ" عنْد جمهور الرواة منْقطعاً، لأن أبا النضْر لم يسْمع من عَائشةَ شيْئاً -قال ابن وضَّاح: وَلا أدركها- وإنّما يرْوي عنْ أبي سلمة بن عبد الرحمن
стр. 132
ابن عَوف عنها، وَكذلك أسنده مسلم في "صحيحه"، وَغَمزَ عليه الدارقطني في كتاب "العِلل على الصحيحين" لهُ قال: وَلا يصح إلّا مرسلاً عنْ أبي النضر عن عائشةَ، لأنه قد خالف في ذلك رَجلان حافظان مَالِكٌ وَالمْاجشون رَوياه عنْ أبي النضر عن عائشةَ (١) .
стр. 133
وَثامِنُها: الحَسَنُ
وَهو ما دونَ الصحيح مما فِيه ضَعْف قريبٌ محتملٌ، عنْ رَاوٍ لا ينتهي إلى درجة العدالة، وَلا ينحطّ إلى درجَة الفِسْق (١) ، كَعْمرو بن أبي عمرو، وَاسمُ أبي عمرو ميسرة، وَيكنى عَمرو أبا عُثْمان، وَهو مولى المطلب بن عبد الله بن حنْطب القرشي المخْزومي. وَقد أكثر البخاري في "صحيحه"
стр. 134
من حَديث عمرو بن أبي عمرو وَلم يكن بعَدْلٍ وَلا حافظٍ (١) فليْس من شرطه. قَال إبراهيم بنُ الجُنيد: سألت عنه ابنَ مَعِين فقال: ليْس بذاكَ القوي، وقال: يحى بن معين أيضاَ: عَمرو بن أبي عمرو لا يحتج بحديثه، وَأخرج عنه مسلم أياًَ وإنما اغترا (٢)
стр. 135
بأبي عَبد الله مالك بن أنس لأنه سمع منه وأسْند في مُوطّئه عنه، ومالك ﵀ إنما رَوى عنه مَا ثبت وَصحّ من رواية غيْره منَ الحفاظ الأثبات الثقات، وأسقط من رِوايته حديث اللّواط، وَحديث من وقع على بهيمة (١) رَواه عَمرو ابن أبي عَمرو، عن عكرمة، عن ابن عباسِ أن رسُول الله ﷺ قال: "من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة".
وقد رواهُ الإمامُ أحمدُ في "مسنده" وأخذ به وقال: إتْيانُ البهيمةِ يوجبُ الحد كحد اللوطي، وعنْه قول آخر يوجبُ التعزير كقوْل مالكِ وَأبي حنيفَةَ، وهو قول عمَر وابن عباسِ ﵄، وللشافعي فيه ثلاثة أقوال:
أحَدُها: أنه يُقتل بكراً كان أو ثيباً كاللواط في أحدِ قوليه.
стр. 136
والثاني: أنه كالزَّاني: إذا كان بكراً جُلد، وإن كان ثيباً رُجم، كالقول الأخير في اللوطي.
والثالثُ: أنه يعزَّر كقَولَ مالكٍ وأبي حنيفةَ.
وقال في البهيمة: إن كانت مما تؤكل فإنها تذبح، وَهل تؤكل أمْ لا؟ على وجهيْن، وإن كانت مما لا يؤكل لحمها فهل تذبح أم لا؟ على وجهين. قال القاضي أبو محمّد عبدُ الوهاب ابنُ علي في كتابِ "عيون المجالس" له والذي نقُوله نحن وأهل العراق أنها لا تقتل بوجْهِ.
فأعرض مالك ﵀ عن حَديث عمرو، وخاف منْ رَفعه ذلك إلى رسول الله ﷺ ، وَرأى في ذلِكَ التعْزير، وأخذ في اللواط برأي ابن شهاب فقال: عليه الرجْم أحْصِن أو لم يحْصَن، على ما ذكرهُ في "موطِّئهِ" في ذلك البابِ.
وقد احتج بالحديث الحسَن جماعة منْ أهل الفقه وقالوا: الحَسَنُ مَا عُرِف مخرجُه واشتهر رجالُه.
وقد نزَع أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي في "جامِعِه" مَنزعاً غريباً فقال: في غيْر ما حَديثٍ: هذا حَديث حَسَنٌ صحيح غريبٌ، فالحسَن عنده مَا حَسنُ إسناده، وَعرفت بالعدالة رُواته، ولم يكن شاذاً، ويروى منْ غير وَجْهٍ من رواية الحفاظِ
стр. 137
العُدول الأثبات (١) ، فلذلك يُحسّنه ويُصحّحه، مثالُ ذلك مَا حَضَر لي الآن ذكرهُ قال في بابِ ما جاءَ في الضيافة: حدّثنا قُتيْبةُ، حدّثنا اللَّيْثُ بن سعدِ، عن سعيد بن أبي سعيدِ المقبُري، عنْ أبي شريح العَدَوي قال: أبْصرت عيناي رسول الله ﷺ وسمعته أذنايَ حين تكلم به قال: "من كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فليكرم ضيْفَه " الحديث بطُوله، وقال في آخره: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيح.
وقد اتفقَ العلماءُ على صحة هذا السّندِ وعَدالة جميع رواته فلا معنىً لذكره بالحسَن، إذ الحسنُ عند المحدثين ما نَزل عن درجَة الصحيح (٢) ، وأنا لا آخذه إلا بفعْله ولا أرد عليه إلا من قوله، فإنه حسَّن أحَاديثَ موضوعةً وأسانيدَ واهيةً، وقال في كتاب "العِلل" في آخر كتابهِ "الجامع" (٣) ما هذا نصُّه: وما
стр. 138
ذكرنا في هذا الكتاب: حَديث حسنٌ فإنما أردنا به حسْن إسناده عند كل حَديث يُروى لا يكون في إسناده من يتهمُ بالكذب، ولا يكون الحديث شاذاً، ويروى من غير وجه نحو ذلك فهو عندنا حَديث حَسن. انتهى كلامُه (١) ووَجَبَ ملامُهُ.
من ذلك ما رواه في "جامعه " عن مُسلم بن عَمْرو الحذّاء قال: حدّثنا عبدُ الله بن نافعِ، عن كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جدهِ أن النبي ﷺ كبَّر في العيدين في الأولى سبْعاً قبل القراءةِ، وفي الآخرةِ خمساً قبل القراءَة. قال الترمذي: هو أحسن شيءٍ في هذا الباب.
стр. 139
قال ذوُ النَّسَبين أيدهُ الله:
بل هو أقبحُ حديث في ذلك الكتاب، لأن كثيراً هذا لا تحل الرواية عنه بتجريح الأئمة له.
قال الإمام أبو عبد الله محمد بنُ إدريسَ الشافعي: كثيرٌ ركن من أركان الكذب.
وقال الإمام أبو عبد الله بنُ حنبل: لا يُحدّثَ عن كثير، لا يساوي شيئاً، وضرب على حديثه في المسْند ولم يحدث به.
وقال الإمامُ أبو زُرعَة عُبيد الله بن عبد الكريم الرازي: كثير وَاهي الحديث.
وقال الإمام أبو زكريا يحى بن مَعِين: ليس حَديثه بشيءٍ ولا يكتب.
وقال الإمام أبو عبد الرّحمن النّسوي: متروك.
وقال الحافظ أبو حاتمِ محمد بن حبّانَ: كثيرٌ روى عن أبيه عن جده نُسْخَةً موضوعةً لا يَحل ذكرها في الكتب ولا الروَاية عنه إلا على جهة التعجّب.
стр. 140
وقال الحافظ أبو الحسَنَ الدارقطني: كثير متروك الحديث (١) .
قال ذُو النسبين أيده الله:
وجدّهُ عمرو بن عوفِ المُزني صاحب رسول الله ﷺ ، وكان قديم الإسلام، وكان أحدَ البكائين الذين قال الله جَل وعَلاَ
стр. 141
فيهم: (تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) [التوبة:٩٢] .
وأمّا الحديثُ الغريب (١) فقرأت على الثقة أبي محمد عبد الحق ابن قاضي مالَقَةَ أبي مروان عبد الملك القرشي، قال: كتب إلينا القاضي العَدل أبو علي حُسَيْن بن محمد الصدفي قال: حدّثنا أبو الفضل بن خَيرون قراءة عليه ببغدادَ، قال: حدثنا الحافظ النَّافذ أبو عبد الله محمد بن علي الصُّوري عن أبي الحسين محمد بن جُميَع الغسَّاني، عن أبي بكر محمد بن عبد العزيز بن محمد بن الفضل الهاشمي، عن الحافظ أبي
стр. 142
داود سليمان بن الأشعث قال: ولا يحتجُ بحديثٍ غريب ولو رَواه مالك بن أنس ويحى القطانُ وغيرهما من الثقات. قال أبو داود: ولو أن رجلاً احتج بحديث غريب وجاء من يطعُنُ عليه تُرك فيه الحديث الذي يحتج به لأنَّه غريبٌ، ولا يُعرف ولا يقَدِرُ أحدُ أن يرد عليك حديثاً مشهوراً متّصِلاً صحيحاً. وقال إبراهيم النّخعي: كانوا يكرهون الحديث الغريبَ وقال يزيد بنُ أبي الحسن: إذا سمعْت الحديث الغريب فانشده كما تنشد الضالةُ فإن عُرف وإلا فدَعه. انتهى كلام أبي داود في "رسالته إلى أهل مكةَ" (١) في ذكر ما جاءَ في كتاب السنن الذي ألَّف وكم ذكر فيها من الموضوع والغريب والضعِيف وصنّف (٢) .
стр. 143
والحديثُ الحسَن احتج به جماعة كما ذكرناه عن الفقهاءِ والرُّواة والله يسمحَ لنا ولهم ويتغمَّدنا برُحماه (١) .
وقيل للإمام سُفيان (٢) بن عيينة: إنك لتروي عن هشام بن حُجير فقال: إذا لم أجد خُبزَ حنطةِ آكل خبزَ شعير، وقد أخذ عن هشام هذا جماعة من العلماء: قال الإمام أحمدُ بن عبد الله ابن صالحَ العِجْلي: هِشَامٌْ ثقة صاحب سنةٍ، وقد أخرجا عنه في "الصَحيحين" وقلّدا سفيانَ فيه، فأسند البخاري في "صحيحه" في باب الاستثناء في الأيمان: حدّثنا علي بن عبد الله قال: حدّثنا سفيان، عن هشام بن حُجير، عن طاوُس سَمع أبا هريرة قال: "قال سليمانُ لأطوفنَّ الليلةَ على تسعين امراةً" الحديث بطولهِ في كتاب كفَّارات الأيمان.
وأخرج مسلم في "صحيحه" في كتاب الأيمان والنذور: وحدثنا محمد بن عَبَّادِ وابنُ أبي عمر واللفظ لابن أبي عُمر قالا: حدّثنا سفيان عن هشام بن حُجير، عن طاوس، عن أبي
стр. 144
هريرة، عن النبي ﷺ قال: "قال سليمانُ بن داود نَبِي الله لأطيفنَّ الليلة على سبعينَ أمرأة" الحديثَ بطولهِ (١) .
وكان هشام بن حُجير المكي قليل الحديث ثم إنه لا يحفظ حَديثَه فضعَّفه يحى بن معين جداً وقال أحمد: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولو لم يؤخذ إلا عن حافظٍ لبطل أكثرُ الحديث لقلتهم. وأكثر العلماء لا يقبل إلا ما صح سنده من رواية العُدول الأثبات (٢) .
وَتاسعُها: الضَّعيفُ
وهو ما رواه محدث ليس عندَه سوى مجرد الرواية، ولا يَعْرف صحيح حديثه من سقيمِه، والغالب على حَديثهِ الوهم،
стр. 145
فهذا لا يجوز الأخذ عنه، قاله الإمام أبو سعيد عبد الرحمن بن مَهدي في جماعة منَ العلماءِ من أهل النقل إلَّأ أنَّ الإمام أحمد ابن حنبل يُقدم الحديث الضّعِيف على القياس (١) .
قال ذُوْ النَّسَبينِ أيَّدَهُ الله:
وقد طالعت كتبَ الفقه له فوجدته لا يحتج بالحديث المتروكِ.
مَسألةٌ:
قال الإمام أحمدُ: تصح الوصية للقاتِل، لنا إطلاق الوصية في قوله جل وعلا: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [النساء: ١١] وفي الباب حَديث متروك فلم يحتج به خوفاً من الوعيد عليه، وهو حديث بقية بن الوليد قال: حدّثنا مبشر بن عُبيدٍ عن الحجاج ابن أرطاةَ، عن الحكم بن عُتيْبةَ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : "ليْس للقاتل وَصِيّةٌ".