"لا فَرَع وَلا عتيرة"
قال: وَالفرع أول نِتاج كان ينتجُ لهم كانوا يذبحونه لطواغيتهم، والعتيرة في رجب العِتْرُ بكسر العين العتيرة وهي شاة كانوا يذبحونها في رجب لآلهتهم.
وقد أخرجه مسلم في "صحيحه " في كتاب الأضاحي (١) : وحَدثني محمد بن رافع، وعبْد بن حُميد، قال عبدٌ: أخبرنا، وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا مَعمر عن الزهري، عن ابن المسيَّب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
"لا فَرع ولا عتيرة".
زاد ابنُ رافع في روايته: والفرعُ أوّل النتاج، كان ينتج لهم فيذبحونه.
وقد أخرج الإمام أحمدُ في "مسنده " الذي قرأناه على القاضي العَدل أبي الفتح محمد بن القاضي أبي العباس المَندائي، بحق سَمَاعِه على الثقة أبي القاسم بن الحُصين، بحق سَماعه على
стр. 37
أبي علي بن المُذْهب، بحق سماعه على أبي بكْر بن حمدان القطيعي، بحق سماعه من الإمام أبي عبد الرحمن عَبْد الله، بحق سَماعه من أبيه الإمام أبي عبد الله أحمد قال: حدثنا سفيان عَن الزهري، عن سعيدِ، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:
"لا فرعة ولا عتيرة".
وَقرأته بخُراسان على الإمام الأديب رَضِي الدين أبي بكر بنْ الإمام أبي سَعْدٍ الكَرماني، بحقِّ سماعه من المشايخ الأئمة أبي منصور عبد الخالق بن زاهرِ، وأبي سَعْدِ ابنه، وأبي سَعْد محمد بن جامع يُعرف بخياط الصوف، وَأبي نَصْر سعيد ابن أبي بكر الشعْري قالوا: حدثنا الأديبُ المحدث الثقة أبو بكر أحمد بن علي الشيرازي سَمَاعاً منا عليه قال: حدثنا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري (١) قال: أخبرنا أبو علي محمد بن علي المُذكّر قال: حدّثنا عُتيق بن محمد قال: حدّثنا سفيان عَن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 38
"لا فَرَع وَلا عتيرة".
وهذه أسانيدُ صحيحة لا مطعن فيها، وأن رسول الله ﷺ نهى المؤمنين عَنْ ذلك، وأكثر فُقهاءِ الفتوى يقولون بنسخه والنهي عنْه وهو الصواب لقوله ﷺ : "لا فرع وَلا عتيرة" لأنَّ "لا" تأتي نفْياً ونهْياً، وتأتي زائدة، وتأتي بمعنَى ما، فقوله ﷺ : "لا فَرَع ولا عتيرةَ" نفى لحقيقته لان النكرةَ في سياق النفي تعم، قاله جميع النحويين والأصوليين، فإذا قلت: لا رجل عنْدي، فهو نفي لكل رجل عموماً، فقوله: "لا فَرَع ولا عتيرةَ" نفي لهما عموماً (١) . وذكر اللُّغوي النحوي أبوُ عبد الله
стр. 39
محمد بن جعفر التميمي القزّازُ، أن الأصمعي صحف في قول الحارث:
عنَناً باطلاً وظلماً كما تُعْتَرُ عن حَجْرة الربيض الظباءُ.
فقال: تعنز أي كما تُطرد بالعنَزَة، فقيل له: صحّفْت إنما هي تعتر من العتيرة.
وكان الرجل في الجاهلية إذا نذر أن يذبح للصّنم شحَّ على غنمه فاصطاد الظباءَ فذبحها مكان مَا نذر، فتلك العتيرة فَتُعتر الظباءُ مكانها.
وحكى القاضي بمدينة إشبيلية كان أبو بكر محمد بن عبد الله ابن العَربي في كتاب "القبس في شرح موَطأِ مالك بن أنس" في
стр. 40
كتاب الضحايا منه مَا هذا نَصّهُ: واستدل مَنْ نزع إلى الوجوب بما روى مسلم أن النبي ﷺ قال: "على أهْل كُل بيْت أضْحاة وعتيرة في كل عَام " والعتيرة هي المذبوحة في رجب. انتهى ما قال، والله يغفر له المقال، فَإنّه نسَب إلى "صحيح مسلم " ما ليْس هو فيه أصلاً كأنه مَا قرأَ "صحيح مسلم" وَلا رَواه ولا طالعَه، وَاللُّه يسامحنا وإياه.
وَهذا حديث لا يصح وَإنما ذكره الإمام أحمد في "مسنده " وَقد تقدمت قراءتي لجميعه فذكره من طريقيْن واهيين وترجم عليه في مجلده الذي فيه مسْند الكوفيين وَالبصريين: حبيب بن مِخْنَف قال: حدّثنا عند الرزاق قال: أخبرنا ابنُ جريج قال: أخبرني عبد الكريم، عن حبيب بن مخْنَف قال: انتهيتُ إلى النبي ﷺ يوم عَرفة وهو يقول: "هل تعْرفونها؟ " قال: فما أدري مَا رجعوا عليه. قال: فقال النبي ﷺ : "على كل أهل بيْت أن يذبحوا شاة في كل رجب، وكل أضْحى شاةً" ثم قال الإمام أحمد: حدّثنا مُعاذ بن مُعاذ قال: حدّثنا ابن عون قال: أنباني أبو رمْلَةَ عن مِخنَف بن سُليم قال: رُوح الغامدي قال: وَنخن وقوف مَعَ النبي ﷺ بعَرَفة فقال: "يا أيها الناسُ! إنَّ على
стр. 41
أهْل كل بيت في كل عام أضْحاةً وعتيرة، أتدرون ما العتيرةُ؟ هي التي يسميها الناس الرجبيَّة".
حَديثان باطِلان (١) وحبيب هذا معدود في الصحابة، ذكره غيْر واحد منهم الإمام أبو عُمَر بن عَبد البر، إلا أن الراوي عنه عبد الكريم ابن أبي المخارق أبو أمية البصْري لا يختلف أهل العلم بالحديث في ضُعفِهِ، كلهم يقول فِيه: غير ثقةٍ، منْ أجل مَن جرحه واطَّرحه أبو العالية وأيوب السَّختياني تكَلم فيه وكذبه مع وَرع أيوبَ وعلمه، ثم جرحه شعبةُ، ويحيى بن سعيدِ القطّان الإمام، والأئمَّة أحمد بن حنبل،
стр. 42
وعلي بن المديني، ويحى بن مَعِين وغيرهم، وكان مؤدبَ كُتاب وإنما غرَّ مالكاً منه سَمْتُه، ولم يكن من أهل بلده فيعرفُه، فأخذ عنه لما رَآه (١) بمكة. وقد رواه عبد الرزاق وأبو عاصم، عن ابن جُريجْ، عن عبد الكريم إلا أن عبد الرزاق قال: لا أدري أعنْ أبيه أم لا؟ ومِخْنَف هو ابن سُليم ابن الحارث بن عوف بن ثعلبةَ بن عَامِر بن ذُهْلِ بن مازن بن ذِبْيان بن ثَعلبةَ بن الدول بن سعْد مناةَ بن غامدٍ، ولّاهُ علي ﵁ أصْبَهَان وكانَ على راية الأزد يوم صِفّين، روى عنه ابنهُ حبيب وأبو رَمْلَة ويقال: أبو رُمَيلة أيضاً، وأبو رملة هذا مجهوُل لا يُعرف قيل: اسمُه عامر، وَلا يحتج في دين الله بمجْهول.
وَالحديث متروكٌ إذ لا تسن عتيرة أصْلاً، ولو قلنا بوجوب الأضُحيّة كانت على الشخص الواحد لا على جميع أهل البيت، وَلا يحفظ للمِخنَفِ بن سليم عن النبي ﷺ وَلا لابنه حبيب سوى هذا الحديث من رواية عبْد الكريم الكذاب في
стр. 43
قول الإمام أيوب بن أبي تميمة، والمترُوك في قول جميعهم، أو من طريق أبي رَملةَ المجهول (١) .
الخامس عشر: المُبْري لأنه كان عندهم في الجاهلية مَنْ لا يستحل القتالَ فيه برئ مِنَ الظلم والنفاق.
السادس عشر: المقشْقش لأنّ به كان يتميز في الجاهلية أيضاً المتمسك بدينه من المقاتل فيه المستحل له، وقدْ أذهب الله جل وعَلا أمر الجاهلية وغَزا فيه (٢) في الإسلام سيد الأنام محمد عليه أفضل الصلاة وأشرف السلام.
السابع عشر: شهرُ الله وُضع في الإسلام على مَا سأذكره بعد هذا بعَون الله ذي الجلال والإكرام.
стр. 44
الثامن عشر: أنه مشتقٌ من الرَّواجب، والرواجب ظهور السُّلاميَّات واحدها راجِبَة، والسلامى كل عظم ومَفْصِلِ، وأصْله عظام الكفً والأكارع، قال النّحْوي أبو جعفر أحمدُ بن محمد بن إسماعيلَ: البراجم حقيقتها مَا نَتَأ إذا أغلق الإنسانُ يده، وَالرواجبُ ما توسَّط بينهما، وَكذلك ما بيْن الأنامل والبراجم يُقال لها أيضاً: رواجبُ، وحكى عن محمد بن يزيدَ اْنه قال: منْ هذا اشتق اسمُ رجب لأنه في وَسَطِ السَّنَة.
حدّثني الشيخ المحدث الفاضِل أبو محمدّ عبد الله بن محمد ابن عُبيد الله الحَجْري، من حَجْر ذي رُعَيْن أيام قراءَتي عليه سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة قال: حدّثنا جماعة منهمُ الوزير الحسيب الأديب الفقيه أبو عبد الله جعْفر بن محمد بن مكي بن أبي طالب القبَسي قال: حدّثنا الوزِيرُ لغوي الأندلسِ وفاضلُها أبو مرْوان عبدُ الملك بن سراج قال: حدّثنا الفقيه المحدث أبو عمرو عثمان بن أبي بكْر بن حَمُود بن أحمدَ الصَدفي -وُيعرف بالسفاقُسِي وكانَ تحوَّل بالمشرق وأخذ عن علمائها- قال: حدّثنا أبو القاسم علي بن محمد الزيدي قال: حدّثنا أبو بكْر محمد بن الحَسَن المقْرئ المفسّر الموصلي المعروف بالنقَّاشِ
стр. 45
قال: حدّثنا أبو عمرو أحمدُ بن العباس الطبري قال: حدّثنا الكسائي قال: حدّثنا أبو معاوية قال: حدّثنا الأعمشُ، عن إبراهيم، عن علقمةَ، عنْ أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "رَجَب شهر الله، وشعبانُ شهْري، ورمضان شهْر أمتي، فمنْ صام رجَباً إيماناً واحتساباً استوجبَ رضْوان الله الأكبر وأسكنه الفرْدوس الأعلى، ومن صام من رجب يوميْن فله من الأجر ضِعْفان: وزنُ كل ضِعْفٍ مِثلُ جبال الدنيا، ومَن صام من رجب ثلاثة أيام جَعل الله بيْنه وبين النارِ خندقاً طول مسيرة ذلك سنة، وَمن صام من رجب أرْبعة أيام عُوفي من البلاءِ: الجُذام والجُنون والبرص، وَمن فتنة المسيح الدجال، ومن عذاب القبْر، ومن صام من رجب ستةَ أيامٍ خَرَج منْ قبره ووجهه أضوأ من القَمر ليلة البذر، ومَن صَام من رجب سبعة أيام فإن لجهنّم سبعةَ أبوابِ يُغلِق الله تعالى عنه بصومِ كل يوم باباً منْ أبوابها، ومن صام من رجب ثمانية أيام فإن للجنة ثمانية أبواب يُفتح له بصَوم كل يوم باباً من أبوابها، ومن صام من رجب تسعةَ أيام خرجَ من قبره وهو ينادي: لا إله إلا الله، فلا يُرَدّ وجهُه دون الجنة، ومن صام من رجب عشرة أيام جَعَل الله
стр. 46
له على كل ميل من الصِراط فراشاً يستريح عليه، ومن صام من رجب أحدَ عشر يوماً لم ير في القيامة عبد أفضل منه إلا من صام مثله أو زاد عليه، ومن صام من رجب اثني عشر يوماً كساه الله يَوم القيامة حُلّتين الحلةُ الواحدةُ خير من الدنيا ومَا فيها، ومن صام من رجب ثلاثةَ عشرَ يوماً تُوضع له يوم القيامة مَائدة في ظلِ العرش وَالناس في شدة شديدةِ، ومنْ صام من رجبٍ أرْبعةَ عشَر يوماً أعطاه الله تعالى من الثواب ما لا عيْنْ رأت ولا أذنْ سمعَت ولا خطر على قلب بَشر، ومن صَام من رجَب خَمسةَ عشر يوماً يَقِفه الله موقف الآمنين، ولا يمرُّ به ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا قال له: طوباك أنت من الآمنين ".
هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ ، والنقاش هذا هو مؤلف كتاب "شِفاءِ الصدور" وقدْ ملأَ أكثره بالكذب وَالزور.
قال الخطيب الحافظ أبو بكر ابن ثابتِ: بل هو شَقَاءُ الصدور ... وَذكر كلام الناس في النقاش واتهامهم له بالوضْع، وقال طلحة بن محمد بن جعْفر الحافظ: كانَ النقاش يكذب، وقال الإمام أبو بكر البرقاني: كل حديثه منكرٌ، وقد
стр. 47
صبغ [أو صنع] (١) في هذا الحديث الكسائي، ولا يعرفه أحد من خلق الله، وكلمات رسول الله ﷺ مُنزَّهة عن هذا التخليط والتجازيف في الجزاء على الأعمال منْ غير تقدير يشْهد به الكتاب العزيز والسنة الثابتة.
وكذلك وضَع عمرو بن الأزهر فيه حديثاً ورواه ابن عمه عن أَبان عنْ أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "من صَام ثلاثة أيام من رجب كتب الله له صيام شهر، ومن صام سبعة أيام منْ رجب أغلق عنه سبعة أبواب من النار، ومنْ صام ثمانية من رجب فُتح له ثمانيةُ أبواب من الجنة، ومن صام نصف رجب كتَب الله له رضوانَه، ومن كتب له رضْوانه لم يعذبه، ومن صام رجباً كله حاسبه الله حساباً يسيراً".
حدّثنا بهذا الحديث جماعة لا أحصيهم كثرةً قالوا: أخبرنا إسماعيل بن أحمدَ السمرقندي قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن النَّقور قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمران الجُندي قال: حدّثنا إسماعيل بن العباسِ الورّاق قال: حدّثنا
стр. 48
جعْفر بن محمد بن شاكرٍ الصايغ قال: حدّثنا خالدُ بن يزيدَ القُرّيّ قال: حدّثنا عَمرو بن الأزهر، عنْ أبان، عن أنس بن مالك ...
قال الإمام أبو بسْطام شعْبة بن الحجاج: لأنْ أزني أحبُّ إليَّ منْ أن أحدّث عن أبان بن أبي عياش، وَأجمع العلماءُ على عدالةِ شعْبةَ ورسوخه في هذا العلم ونصيحَته فيه لله ورسوله ولعامة المسلمينَ، وهو ممّن عبد الله تعالى حتى جفّ جلدهُ على عظمه، وكانَ مالكْ يعظمه ويثني عليه، وأمّا عمرو بن الأزهر فقال فيه الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد ابن حنْبل: عمرو بن الأزهر بَصْري قاضِي جُرجانَ كان يضع الحديث، وقال النّسائي: هو متروك، وقال أبو حاتم بن حبّانَ في "تعديله وَتجريحه ": كان عمرو بن الأزهر يضَع الحديث على الثقات ويأتي بالموضوعات عن الأثبات، لا يحل ذكرهُ إلا بالقدح فيه، وقال أبو الحسن الدارقطني: عمرو بن الأزهر كذاب.
وفي هذا الشهر أحاديث كثيرة منْ رواية جماعة من الوضاعين، منهم مأمون بن أحمد رَواها عن أحمد بن عبد الله الجوبياريّ، ومأمونْ هذا قال فيه الإمام أبو عبد الله الشافعي:
стр. 49
مَأمون غير مأمون، ذُكِرَ أنه وضعَ مائة ألفِ حديث كلها كذبٌ
وزور فلا يصح منها لا في الصلاة في أول رجب ولا في
النصف منه ولا في آخره، وكذلك صيامه لا في أوّله ولا في وسطهِ ولا في آخره ولا في عَدد أيامٍ منْه.
وكذلك حَديث العيون والأنهار كحديث موسى الطويل عن أنس بن مَالِك أن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنّةِ نهْراً يقال له: رجَبٌ ... " الحديث إلى آخره، ومُوسى الطويل كذابٌ عندهم، قال ابنُ حبّانَ: يَروي عنْ أنس بن مالكٍ أشياءَ موضوعة لا يَحِل كتْبها.
وكذلك حَديث شهر بن حوشَب، كتب إلينا به الشيخ المسْند أبو طاهر السّلَفىُّ غير مرة ونقلتُه من كتابه: أخبرنا أبو عبد الله الحُسين بن علي الطبري بمكة، حدّثنا أبو الفتح ناصر ابنُ الحسين العُمَرِي إمْلاء، أنبأنا أبو مُعاذ الشاه بن عبد الرحمن الهَرَويْ، أخبرنا أبو نصْر الخلال ببغداد، حدّثنا علي بن سعيد الرملي، حدّثنا ضُمرةُ بن ربيعةَ، عن ابن شوذَب، عنْ مَطَر الورّاق، عنْ شهْر بن حوشبِ، عَنْ أبي هريرةَ قال: من صام السابعَ والعشرين منْ رجب كتب الله له صيَامَ ستين شهراً، وهو أؤلُ يومٍ نزل جبْريلُ على محمد ﷺ بالرسالة.
стр. 50
وهذا حَدِيث لا يصح، أما شهْر بنُ حوشبِ ففي مقدّمة "صحيح مسلم" عن ابن عوْنٍ أن شهْراً نَزَكوهُ أي قَصّرُوا به، مأخوذ مِنَ النّيزكِ وهو الرمح القصيرُ، يريد أنه طُعن عليه، وقال شعْبة: لقيت شهْراً فلم أعتدَّ به، وقال الحافظ أبو أحمد عبد الله بن عَدي الجُرجاني: شهرٌ لا يحتج بحديثه وقد رفَعه إلى رسول الله ﷺ من طُرُقٍ وأعظم جُرحْهِ أنه كانَ شُرَطياً للحجاج، وقال فقيه الشافعية في زمانه أبو يحى زكرِيّاءُ بن يحيى الساجِى في كتاب "التعديل والتجريح" له، والحَافظ الثقةُ أبو جعْفر العُقيلي في كتابِ "الضعفاءِ وَالمتروكين" من تأليفه: إن شهْراً دخل بيتَ المال فسرق خريطةَ فقيل فيه (١) :
لقدْ باع شهرٌ دينه بخريطةٍ ... فمن يأمَنُ القُرّاء بعْدك يا شهْرُ
قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي المالكي في كتاب "عيُون المجالس":
مَسْألةٌ: قال مالِكٌ- في رواية ابن القاسم وابن عبد الحكم-: مَن سَرق من بيْت المال ومن المغنم وإن كانَ السارقُ أحدَ الجيش ما يجبُ فيه القطع قُطع.
وقال الحافظ أبو حاتِم محمد بنِ حبَّانَ: إن شهْراً كان يَروي عن الثقات المعضلات وإنهُ عادل عبّادَ بن منصور في الحج فَسرق عيبته (١) ، وقد نزه الله شريعةَ الإسلام عنْ أن تؤخذ عن السُّرّاقِ وكَذَبَةِ الأقوام، فإن قيل: إن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين كانَا يقبلان حديثه قلنا: إلا في رجب فإنه لم يلتفت إليه، قال أحمد: يُكرهُ إفراد رجَب بالصوم، وشَهادةُ المُجرَّحَ سَاقطة بإجماعٍ وكذلك روايته، مَعَ أنَّ الجرْحَ عند الفقهاءِ أعمل من
стр. 53
التعديل لأنه شهد بأمرٍ خاصّ وَعلم من باطن الحال ما لم يعلمه من شهد بظاهرها، وهو جَمعٌ بين الشاهدتين حتى لا يكون تكذيباً لإحْداهما لأن للمعدِّل شهَادةً بظاهرٍ صحيحةٌ وللمجرّح شهادة بباطنٍ صحيحة، فالجمعُ بينهما معَ العمل بشهادة المجرح لا يكون تكذيباً لشهادة المعدّل لأن كل واحد منهما شهد بما علم، وإن قلنا بترْجيح المعدّلِ فوجهه أن الجُرحَ أمر طار عليه مخالفٌ للأصل المستصْحب وهو العدالة.
وذكر بعْض القصاص أن الإسراء كانَ في رجب (١) وذلك
стр. 54
عنْد أهل التعديل والتجريح عيْن الكذب قال الإمام أبو إسحاق الحربي: أُسري برسول الله ﷺ ليلةَ سبْع وعشرين منْ شهر ربيع الأول وقد ذكرنا ما فيه من الاختلاف والاحتجاج في كتابنا المسمَّى ب "الابتهاج في أحاديث المعراج" (١) .
وأمّا صلاة الرغائب فالمتَّهم بوضعها علي بن عبد الله بن جهضم وضَعها على رجالٍ مجهولين لم يوجدوا في جميع الكتب، رواها عنْه الفقيه أبو القاسم عبدُ الرحمن ابن إمام أصْبَهَان أبي عبد الله محمد بن إسحاقَ بن مَنْدَة، حَدّثني بها
стр. 55
بقراءَتي عليه بأصْبَهَان الشيخ الصالح الثقةُ أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصْر بن أبي الفتح بن عُمَر الصيْدلاني سبْط أبي علي الحُسين بن عبْد الملكِ بن أبي عَمْرو عبد الوهاب ابن إمام اْصْبَهَان أبي عبد الله ابن مندة قال: أجازَ لي قريبي الإمامُ أبو زكريا يحْيى بن أبي عمرو عبد الوهاب المذكور قال: أنبأنا عمي الفقيه أبو القاسم عبدُ الرحمن بن الإمام أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن مَندةَ عنه.
وكذلك عملَ الحُسين بن إبراهيم حَديثاً موضوعاً على رجالِ مجهولين لا يُعرفون وأَلْصَقَه بأنس بن مالكِ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى ليلةَ النصْف من رجَب أربع عشرةَ ركعةَ يقرأ في كل ركْعةِ الحمد مرَّةً و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) عشرين مرة و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) ثلاث مرات و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ثلاث مراتٍ فإذا فَرغ من صلاته صلى عليِّ عشْر مرات، ثم يُسبّح الله ويحمدُه وُيكبّرهُ ويهلله ثلاثين مرةً بعثَ الله إليه ألفَ ملكٍ"، وهو حديث أطولُ من طويل جمع من الكذِب والزور غيْرَ قليل، ولواضعِه من الله خزي وتنكيل.
قال: المؤْتَمَنُ بن أحمد الساجي الحافظ: كَان الإمَامُ عبد الله
стр. 56
الأنصاري (١) شيخ خُراسان لا يصوم رَجَباً وينْهى عن ذلكَ ويقول: ما صح في فضْل رجب وَفي صِيامه عنْ رسول الله ﷺ شيء (٢) ، وقد روي كراهة صَومه عن جماعةٍ من الصحابة ﵃ منهم الصهْر الأكرم والضاحب في الغار وَالرفيق الإمَام أبو بكر الصذيق، خليفتُه على الأمَّة كلها بعدَ وفاتِه، والقاتل لأهل الردة بجيُوشه المنصورة وعزماته.
وكان أميرُ المؤمنين أبو حَفْص عُمَر بن الخطاب الذي أجْرى الله الحق على لسَانه، ووافقه في آياتِ محكماتِ تتلى علينا منْ قرآنه يضْرب بالدرة صوامَه ويَنهي عنْ ذلك قوامَه (٣) . روى ذلك الفاكهي في كتاب "مكة" له، وأسنده الإمام المجمع على عدالته المتفق في "الصحيحين " على إخراج حَديثه وروايته أبو
стр. 57
عثمان سعيد بن منصُور الخراساني قال: حدّثنا سفيان، عن مسْعَر، عن وَبَرةَ، عن خَرَشةَ بن الحُرّ: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يضْرب أيدي الرجَال في رجَب إذا رفعُوا عن طعامه حتى يضعوا فيه ويقول: إنما هو شهْرٌ كان أهل الجاهلية يعظمونه (١) .
قال ذُو النسَبينِ أيَّدَه الله تَعَالىَ:
وهذا سَنَد مجمعٌ على عدالة رواته لأن مِسْعراً هو ابن كِدامٍ من بني عبد مناف بن هلال بن عامرِ بن صعصعة أبو سلمة العامِري الهلالي الكوفي الحافظ المفضل على سفيان الثوري في الحفظ والإتقان، قال شعبة: كنا نسمي مسعراً المُصْحَفَ، قال أبو نُعيم الفضل بن دُكَيْن: مات مِسْعَر سنة خمس وخمسين ومائة، وكان أعْلى إسناداً منَ الثوري وأتقن من حَمَّاد بن زيد.
وأما وبرةُ فهو ابن عبْد الرحمنِ بن خُزَيمةَ المذحِجيّ
стр. 58
الكوفي، مجمع على إخراج حَديثه، ثقةٌ إمام، توفي في ولاية خالد بن عَبد الله القَسْريّ.
وأمَّا خَرَشَة بنُ الحُرِّ فهو أخو سلامة بنت الحرِ، فزاري (١) كوفي، قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كان يتيماً في حجر عثمان ﵁، متفق على إخراج حَديثه عنْ كبار الصحابة ﵃.
وهذا المصنّف الذي ألَّفه سعيد بن منصور هُو أربعةٌ وعشرون جُزءاً على الفقه والاختلاف أجازه لنا الشيخ الفقيه العالم أبو الحسن علي بن الحُسين بمنزله بمدينة فأسٍ سنَةَ ثلاث وسبعين وخمسمائةِ وفيها مات قال: أنبانا الثقةُ أبو عبد الله أحمدُ بن محمد الخولاني سنة إحدى وخمسمائةِ قال: أنبانا الإمام الحافظُ أبو عُمَر أحمدُ بن الطّلمنكي قال: حدّثنا الشيخ الفقيه القاضي المصنّف أبو عبّد الله محمد بن أحمدَ بنُ مُفَزج قال: حدّثنا العَدْل أبو إسحاقَ إبراهيم بن أحمَدَ بن فِراسِ قال: حدّثنا العَدْل محمد بن علي بن زيد الصّائغ قال: حدّثنا الإمام أبو عثمان سعيد بن منصور سَماعاً عليه بمكةَ شرّفها الله أيامَ مجاورَته بها.
стр. 59
وحدّثنا جَماعة من شيوخنا ﵃ إجازةً منهم الفقيه أبو الطاهر ابن عوفٍ في جماعة لا أحصيهم قالوا: حدّثنا الفقيه الإمام العَالِم الزاهِدُ أبو بكر محمد بن الوليد بن محمد الفهْري الطرطوشي فقال في كتاب "ذكر الحوادثِ والبدعِ " من تأليفه: وفي الجمْلة أنه يكره صومُه على أحَدِ ثلاثة أوجه:
أحدُها: أنه إذا خَصّه المسلمون بالصَّوم في كل عَام حَسِب العوام وَمنْ لا معرفة له بالشريعة مع ظهور صيامه إمَّا إنه فرضٌ كشهر رمضان، وإما أنه سنة ثابتة خَصّه الرسُول ﷺ بالصوم كالسنن الثابتة، وإمّا لأن الصّوم فيه مخصوص بفضْل ثوابِ على صيامِ سائر الشهُور جارٍ مجرى صومِ عَاشُوراءَ أو فضْل آخر الليل على أوله في الصلاة فيكونُ من باب الفضائل لا منْ باب السننِ والفرائضِ، ولو كان مِن باب الفضائل لنبّه ﷺ عليه أو فَعَله وَلو مرةً في العمر كما فَعل في صوم عَاشُوراءَ، أو في الثلث الغابر من الليل، وَلما لم يفعل بَطَل كونه مخصوصاً بالفضيلة، وَلا هوَ فرْضٌ ولا سُنّةٌ باتفاق فلم يبْق لتخصيصه بالصيام وجْهٌ، فكره صيامه والدوام عليْه حذراً من أن يلتحقَ بالفرائض والسننِ الراتبة عند العَوامّ.
стр. 60
قال ذُو الئسبَين أيَدّهُ الله:
ثبت باتفاق أهل النقل عن رسول الله ﷺ أنه قال لعبْد الله بن عمْرو: "وإنَّ بِحسبك أنْ تصُوم من كل شهر ثلاثة أيامِ فإن لك بكل حَسَنةٍ عشْر أمثالها فإذاً ذلك صيام الدهر كله" وَقد أوصى رسول الله ﷺ أبا هُريرةَ بصوم ثَلاثَةِ أيامٍ من كل شهْر على ما أخرجاه في "الصحيحين لا، وفي "صحيح مسْلم " أن رسول الله ﷺ أوصَى أبا الذرْداء بصوم ثَلاثَة أيامِ من كل شهْر أيضاً.
وقرأتُ بخُراسانَ على غيْر واحد منهُم العدْلُ تاج الدين أبو القاسم الفَراويّ، بحق سماعه من جدّه الأعلى فقيه الحرمين أبي عبد الله الصاعدي مرتين، بحق سَماعه من العدْل أبي الحُسين الفارسي، بحق قراءته على الحاكم أبي أحمدَ الجُلُودي، بحق سَماعه على الفقيه عَابد خراسانَ أبي إسحاقَ، بحق سَماعه من الإمام أبي الحُسين مسلم قالَ: وفرغ لنا من كتابه (١) لعشر خَلوْنَ من شهْر رمضان سنةَ سبع وخمسين ومائتين قال: حدّثنا شيْبان بن فَرُّوخ قال: حدّثنا عبد الوارث عنْ يزيد الرَّشْك قال: حدثتني مُعاذَةُ العَدَوِية أنها سألت عَائشة
стр. 61
زوْجَ النبي ﷺ أكان رسول الله ﷺ يصُوم من كل شهر ثَلاثَة أيام؟ قالت: نعم، فقلتُ لها: من أيّ أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكنْ يبالي منْ أفي أيامِ الشهْر كان يصوم.
في هذا الحديث من الفقه ترْكُ التقليد حتى لا يصوم يوماً بعينه، ومن الفقه أيضاً أن التعيين من صِفَة الفروض غالباً وَليس هذا منها فلا يصومُ يوماً بعينه.
وقيدنا هذا الاسم أَرِشْكَ بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون الشين، واتفق العالمون بالصحيح على الإخراج عَنه، وهو يزيد ابنُ أبي يزيد وَاسمُه سِنانُ أبو الأزهر الضبعي البصْري، قال أبو عيسى الترمذي في باب مَا جاءَ في صَوم ثَلاثَة أيامِ من كل شهْر: والرّشْك هُو القسّامُ بلُغَةِ أهل البَصْرة، وَقيدتُه أنا بِخُراسانَ بفتح الراء عن أهل فارسِ وَهو الغَيور عندهم، وقيل: سُمي بذلك لِكِبَر لحيته، وَقيل: العَقرب هو اسمها بالفارسية ولأنها اختفَتْ في لحيته ثلاثة أيام ولم يَشعُر بها، ذكر ذلك القاضي الإمَام أبو الوليد بنُ الفَرَضي في كتاب "الألقابِ في أسماءِ نقلةِ الحديث"، وقاله الحافظ أبو علي الغسّاني في "تقييد المهْمَل"، والقاضي أبو الفضْل عياض بن موسى في "مشارِق الأنوار" له وغيرهم.
стр. 62
قالَ ذُو الئسَبَين أيَدّهُ الله:
والعجبُ كيف لا يحُسّ بها أو كيف لا تسقط عند وضوئه للصلاة؟! ولعله كانَ لا يخللُ لحيتَهُ لكبرها أو كانت العقربُ صغيرةَ جداً فاختبأت بيْن الشعْر، وأما كونها مقدرة بثلاثة أيام فهذا التقدير كيف يصح؟! لأنه لو علم بها منْ أول وجودها في لِحيَتِهِ ما تركها، فمن أين يَعْلَم بهذه المدة؟! والذي عندي أن في ذلك احْتمالا يصحُّ حمل المعنى عليه وَالالتجاءُ إليه وَهو أنه يكون في متنزّه أو غيره يكُون مبدأُ كونه في ذلك الموضع منْ ثلاثة أيام، فلما أصَابَها بعد ذلك عَلِم أن مبْدأ وجودها كانَ من وقت كونه في ذلك الموضع، وإنما خصصناه بالمتنزه لأنه موْضع تكون فِيه العقاربُ غالباً لالتفاف الشجر، فلما وجدهَا علم أن ذلك كانَ مما سبق في ذَلك الموضع، وَكان الكونُ فيه من مدةِ ثلاثةِ أيام، فهذا وجْهٌ حسن في الاحتمال وهو أولى من تكذيب مَنْ رواه من الأئمة في المقال، فقدْ حدثَ الحاكم أبو عبد الله في كتاب "علوم الحديث" لهُ: سمعت أبا العباس محمد بن يعقوب يقُول: سمعْت العباسَ بن محمّد الدُّوري يقول: سمعْت يحى بن معِين يقول: كانَ يزيد بن مطرًف يُسزح لحيته فخرج منْها عقرب فلقب بالرًشْكِ (١) .
стр. 63
فالصّيامُ جنّة وفعْل خير وعَمل بر لا لفضْل صَوم هذا الشهر، فإن قِيل: أليس هو استعمال خير؟ قيل له: استعمال الخير ينبغي أن يكونَ مشروعاً من الرسُول ﷺ فإذا علمنا أنه كذب خرج منَ المشروعيَّة، وإنما كانت تُعظمه مُضَرُ في الجاهلية كما قال أمير المؤمنين عُمَر بن الخطاب ﵁ وضَرب اْيدي الذين يصُومونه.
وكانَ ابن عباسِ حبْر القرآن يكره صيامَه، قال فقيه القيرَوان وَعالم اْهل زَمانه بالفروع أبو محمد بن أبي زيد: وَكره ابن عباسِ صيام رَجب كله خِيفةَ أن يرى الجاهل أنه مفْتَرض، وروي أيْضاً عن ابنَ عباسٍ أن النبي ﷺ نَهى عن صيام رَجب، حكاه عنه الإمام أبو بكر الطرطوشي في كتاب "ذكر الحوادث والبدع" (١) له.
قالَ ذُو النسبَين أيدَهُ الله:
ولما وصَلْتُ إلى اْصْبَهَانَ ومنّ الله عليَّ بقراءة جميع "المعجم الكبير"، وهو سبْعون ألْفَ حديثِ، على موفق الدين الصّالح المسْنِد أبي جعْفر محمد بن أحمدَ الصيْدَلاني سبْط حُسَيْن بن مَنْدةَ في أصْل سَماعه على الشيخة الصالحة أُمّ الغَيْث
стр. 64
أم إبراهيم فاطمةَ بنْت عبد الله الجُوزدانِيّة، بحق سَماعِها لجميعه على الشيخ الفاضِل أبي بكر محمد بن عبد الله بن رَيْدةَ، بحق سَماعه لجميعه منْ شيْخ السنة الإمام أبي القاسم سليمان بن أحمدَ بن أيوبَ الطبراني: حدثنا مَسْعَدةُ بنُ سعيد الغطارُ فقال: حدثنا إبراهيمُ بن المنذر الحزامي قال: حدثنا داود بن عَطاءِ قال: حدثني زيد بن عبْد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن سليْمان بن علي بن عبد الله بن عباسِ، عن أبيه، عن جده؛ أن رسول الله ﷺ نَهى عن صيام رجب كلهِ (١) .
وَهذا حَديث يروى عنْ أهل بيْت العباس بن عبد المطلب، إلا أن أبا عبد الرحمن عَبد الله ابن الإمَام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبلِ قال: سألتُ أبي عن داود بن عطاءِ فقال: شيخٌ من أهل المدينةِ قد رأيته ليْس حديثه بشيء، فإن قال بعض أهلِ الجدل: كيف يقطع على أنه لا يَصح فيه شيء؟ قيل له: حكم العلماءُ بذلك، إذْ لا تعرف صحة الحديث إلا بعدالةِ رُواته واتصال إسناده، فلولا الإسْناد لدرَس مَنارُ الإسْلام.
стр. 65
وفي أول "صحيح مسلم": عن عبد الله بن المبارك العَدْل الإمام قالَ: الإسْناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاءَ ما شاء.
وأفا من رخص من الكرامية (١) في أحاديث الرقائق فلا يحل
стр. 66
له أنْ يخْرج عن هذه الطرائق، ولوْ سومحَ في هذا وقُبلت فيه الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة جدّاًَ أو المنكرة لَفسدت السنَنُ كلها، وقد قدَّمنا الاحتجاجَ على ذلِك.
وأما الاسْتدلال بالموضوعات وَالغرائب وَالأفراد منْ رواته الكَذَبة والمجروحين فَحاشَا وَكلّا أنْ نرجعَ إلى قولهم أَو نقلدهم في فعلهم، لأنا أُمِرْنا بقبول شهادة العَدل دون غيره؟ قال الله العظيم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات:٦] .
وثبَت عن رسول الله ﷺ باتفاقٍ أنه قال: "منْ كذب علي متعمْداً فليتبواً مقعدَه من النار".
وقد روى بعض الأغْفال الذين لا يعرفون الصحيح من السقيم وَلا قدرَ ما فيه منَ الإثم العظيم أن رسول الله ﷺ قال: "من بلغه فَضل عَن الله تَعالى- يعني فعمل به- أعطاه الله ذلك، وإن لم يكنْ ذَلك كذلك " وهذا حديث موضوع على ابن عمَر، وعلى جابر بن عبد اللِّه، وعلى أنس بن مالك، فالمتهم بحديث
стр. 67
ابن عمر إسماعيل بن يحيى، قال الحافظ أبو أحمد عبد الله بن عَدي: إسماعيل بن يحيى رَاوي هذا الحديث يحدث عن الثقات بالأباطيل، وقال ابْن حِبّان: هو يروي الموضوعات عن الثقات، وقال أبو الحسن الدارقطني: كذاب متْروك. وأفا حديثُ جَابرِ فرواه الحسن بن عَرفة من طريق أبي جابر (١) محمد بن عبد الرحْمن البياضي قال يحى: هو كذاب، وقال النَّسَوي: متروك الحديث.
стр. 68
[بين الكرامية وابن فورك] (١)
قال أبو الوليد سليمان الباجي: لما طالب ابن فورك الكرامية أرسلوا إلى محمود بن سبكتكين صاحب خراسان يقولون: إن هذا الذي يؤلب علينا أعظم بدعة وكفراً عندك منّا، فسلْه عن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب هل هو رسول الله اليوم أم لا؟ فعظم على محمود الأمر وقال: إنْ صح هذا عنه لأقتلنه، ثم طلبه وسَأله، فقال: كان رسول الله ﷺ وأما اليوم فلا، فأمر بقتله فشفع إليه، وقيل: هو رجل له سن، فامر بقتله بالسم فسقي السم.
وقد دَعَى ابن حزم للسلطان محمود إذ وفق لقتل ابن فورك لقوله: إن رسول الله ﷺ كان رسولاً في حياته فقط، وإن روحَه قد بطل وتلاشى، وليس هو في الجنة عند الله تعالى- يعْني: روحَه-، وزعم ابن حزم أن هذا قول الأشعرية، قال ابن الصَّلاح: ليس كما زعم بل هو تشنيع عليهم. قال ابن حزم في كتاب "الملل والنحل": إن فرقة من المبتدعة تقول: إن نبينا ﷺ ليس هو بعد موته بنبي ورسول،
стр. 69
وهذا قول ذهب إليه الأشعرية، وأبو سليمان الباجي، ومحمد ابن الحسن بن فورك الأصبهاني وبسببه قتله بالسم محمود بن سبكتكين، وهو قول مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة من ابتداء الإسلام إلى يوم القيامة، وهو مبني على أن الروحَ عَرض لا يبقى زمانين، فروحه ذهبت وجسْمه موات فلا نبوة له، وهو كفر صُراح يكفي لبطلانه ما اتفق عليه جميع أهل الإسلام من قولهم في خمسة أوقات: أشهد أن محمداً رسول الله، ولو كان كما قالوا كان يقال: كان رسول الله لئلا يكون قائله كاذباً، وقول المصلي: السلام عليك أيها النبي لمخاطبته وندائه، ولو لم يكن حياً لم يصح ذلك، وكذلك ما في تلقين الميت، وكذا ما في حديث الإسراء من رؤية الأنبياء في السماء، وكذا ما في الحديث من أن لله ملائكة يبلغونه سلامنا، وغير ذلك من البراهين التي لا يشك فيها أحد من المسلمين، فإن قالوا: أيقال إن أبا بكر وعُمر وغيرهما من الخلفاء كذلك؟ قلنا لهم: لا بالإجماع! لأنه لا يكون كذلك إلا من يكون الائتمار بأمره واجباً، وهذا لا يكون إلا للنبي ﷺ ، وأما الخلفاء فإنما يؤتمر بأمرهم طول حياتهم فقط. انتهى.
стр. 70
وكتَب إلينا الشيْخُ الثقَة أبو طاهِر أحمد بن محمد السًلفي من الإسكنْدريَّة وأجازَنا غير مرّة، ونقلته منْ سَماعه على الشيخ أبي الحسن علي بن الحسن بن الحُسَين الموازيني بِدَمشق، عن القاضي أبي عبد الله محمد بن سَلاَمة القُضَاعي: قرأت على أبي عبْد الله محمد بن أحمد بن محمدِ بن عمْرو بن شاكر القطان: حدثنا الحسن بن رشيقِ: حدثنا محمد بن يحيى بن آدمَ: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعْت الشافعي يقولُ: من حدَّث عن أبي جابر البياضيّ بيَّض الله عينيه.
وأمّا حَديث أنس فالمتَّهم بوضعه أبو الخليل بَزِيغٌ قال ابنُ عدي: كل أحاديثه منكرات لا يتابعه عليها أحد. وقالَ الدارقطني: هو متروك (١) .
وَالكذبُ وإن كان حراماً فهو على رسول الله ﷺ أعْظم إثماً وأشدُّ جُرماً.
وإنما كانت الجاهلية تعظّم شهر رجب وَينزعون فيه الأسنَّةَ من الرماح توقّياً للقتال، حتى لو لقي الرجل منهم قاتل أبيه لم
стр. 71
يُهِجْهُ ويسمونه شهراً حراماً، وقد بقيت حرمتهُ في الإسلام لأنهُ أحَد الأربعة الحُرم لا على معْنى اختصاصه بشيءٍ دُونها، والحرام في اللغة: المحظور، فالأُمّ حرام لحظر نكاحها، والخمر حرامٌ لحظْر شربها والاتخاذ لها وَالمعاملة بها، والمسْجد الحرام حرام لحظْر صيده وسفْك الدم فيه.
واختلفَ العلماءُ في تحريم القتال في الأشهر الحرم وَهي: ذو القَعْدة وذو الحجة وَالمحرم وَرجب مُضَر كما فصله رسول الله ﷺ في قوله جل وَعَلا: (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) (١) [التوبة: ٣٦]
стр. 72
فقال قتادة وعطاءُ الخُراساني: كان القتال كبيرةً من الكبائر في الأشهر الحرم ثم نُسخ وأحل القتال فيها بقوله جل وَعَلا: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) [التوبة: ٣٦] يقُول: فيهن وَفي غيرهن.
وقال الزهْري: كان النبي ﷺ يحرم القتالَ في الأشهر الحرم بما أنزل الله عليه من تحريم ذلك، حتى نزلت سورة براءة فأحل قتال المشركين.
وقال محمد بن إسحاق: سألتُ سفيان الثوري عن القتال في الشهر الحرام فقال: هذا منْسوخ فلا بأسَ بالقتال فيه وفي غيره.
قالَ ذُو النّسَبَين أيده الله:
وَحجتهم أن النبي ﷺ قدْ غزا في الأشهر الحرم، فغزا غزْوة ذات الرقاع لثمانِ خلونَ من شهْر المحرم، قاله أبو الحسن
стр. 73
المسعُودي في "مختصر التاريخ" له -وَهو عنْدي في مجلد- وَهو خلاف ما ذكره ابن إسحاقَ في "السيرة"، وَغزا بني قريظةَ لسبع بقين من ذي القعدة، وَغزا غزوةَ تَبوكَ- وهي آخر غزوة غزاها ﷺ لخمْسِ خلونَ منَ رجَبِ، فأقام في غيبته قَريباً من ثلاثة أشهرٍ ورَجع إلى المدينة فدخلها في شهْر رمضان، وَهذا واضحٌ في استحلاله ونسْخه.
وخالف ابن جريج وَقال: حَلفَ عَطَاءُ بنُ أبي رَبَاح بالله مَا يحل للناس أن يغزو في المحرَّم ولا في الأشْهر الحرم إلا أن يقاتلوا فيها ومَا نُسخَت، وَقد رد الناسُ عليه وقالوا: نسخَت آيةُ القتال كل آية فيها رخْصة في تركه مع قتال رسول الله ﷺ فيه واستحلاله الذي أمَرنا الله بقبُول قوله والائتساء بفعله، وقال ابن عباس في قوله- جل وَعلا-: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) [التوبة: ٣٦] ، الهاء في "فِيهِنَّ" تعُود على الاثني عشر شهْراً أي: فلا تظلموا في الشهور كلها أنفسكم. وقال قتادةُ: الهاء تعود على الأشهر الأرْبعة، قال شيْخنا نحويُ الأندَلُس اْبو محمد القَاسم بن دَحْمانَ: وهو الصواب عنْد النحويين، لأنَّه جعل ضمير الأشهر الحرم بالهاء والنون لقلتهن، وَضمير شهور السنة الهاء والألف لكثرتها.
стр. 74
وقد قدمّنا الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ ، منْها حديث علي وَالزبيْر ﵄ وأن رسول الله ﷺ قال: "من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار" مطلقاً دُون تقْييد، وَفيه دليل على أن الاحْتياط في رواية الأحاديث عَن النبي ﷺ واجب، وأن نقلها بغيْر ثبوت السَّندِ ومعْرفة الصحة حرامٌ، لأن اتباع السواد على البياض منْ غير علم به لاْ يورث إلا الضلالةَ والكذبَ على رسول الله ﷺ ، وَفيهِ دلالة على أن وضْعَ الحديث على رسول الله ﷺ حرام في جميع الأشياء.
والكلام في الأحَاديث
ينقسمُ على تسعين قسْماً (١) وهي: المسندُ؛ والمتصل؛ والمَرفوعُ؛ والمعنعَنُ؛ وَالمرسل؛ والمُعضَل؛ والمنقطع؛ والمُجَوَّد؛ والمفسَد؛ والموقوف؛ وَالمدمج؛ والمدرج؛ والمُدَبَّج؛ والمفصول؛ وَالموصولُ؛ والمخْتصر؛ والمطوَّل؛
стр. 75
والمفَصَّل؛ والمفسَّر؛ والمجْمَل؛ والواجب؛ وَالنَّدب؛ والخاص؛ والعام والمُطلق؛ وَالمقيَّد.
فأمَّا المفَصَّل: فهو ما عُلم المراد به من لفظه وَلم يفْتقر في البيان إلى غيره.
وأمّا المفسَّر: فهو الذي وَرد البيان بالمراد منْه في مدلوله.
وأمَّا المجْمَل: فهو الذي لا يفهم المراد بِهِ من لفظه ويفْتقر في البيان إلى غيره.
والواجبُ: هُو المأمور به الذي في تركه عِقَابْ إلا أن يغفرَه الله العزيز الوهاب وَفي فعله أجْرٌ وثواب.
والمندوبُ: هو المأمُور به الذي في فعْله ئواب وَليْس في تركه عِقاب.
والخاص: هُو اللفظ الذي يدُل على معْنى واحد بعينه.
وَالعَامُّ: هُو اللفظ الذي يدُل على شيئين فصاعداً منْ جهةٍ واحدة.
والمطلقُ: هو اللفظ الدال على معنى واحِد مع عَدم التعيين فيه.
والاشتراط والمقيَّد: هُو الذي يدل على معْنى مع اشتراط معنى آخر معه.