يُهِجْهُ ويسمونه شهراً حراماً، وقد بقيت حرمتهُ في الإسلام لأنهُ أحَد الأربعة الحُرم لا على معْنى اختصاصه بشيءٍ دُونها، والحرام في اللغة: المحظور، فالأُمّ حرام لحظر نكاحها، والخمر حرامٌ لحظْر شربها والاتخاذ لها وَالمعاملة بها، والمسْجد الحرام حرام لحظْر صيده وسفْك الدم فيه.
واختلفَ العلماءُ في تحريم القتال في الأشهر الحرم وَهي: ذو القَعْدة وذو الحجة وَالمحرم وَرجب مُضَر كما فصله رسول الله ﷺ في قوله جل وَعَلا: (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) (١) [التوبة: ٣٦]
стр. 72
فقال قتادة وعطاءُ الخُراساني: كان القتال كبيرةً من الكبائر في الأشهر الحرم ثم نُسخ وأحل القتال فيها بقوله جل وَعَلا: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) [التوبة: ٣٦] يقُول: فيهن وَفي غيرهن.
وقال الزهْري: كان النبي ﷺ يحرم القتالَ في الأشهر الحرم بما أنزل الله عليه من تحريم ذلك، حتى نزلت سورة براءة فأحل قتال المشركين.
وقال محمد بن إسحاق: سألتُ سفيان الثوري عن القتال في الشهر الحرام فقال: هذا منْسوخ فلا بأسَ بالقتال فيه وفي غيره.
قالَ ذُو النّسَبَين أيده الله:
وَحجتهم أن النبي ﷺ قدْ غزا في الأشهر الحرم، فغزا غزْوة ذات الرقاع لثمانِ خلونَ من شهْر المحرم، قاله أبو الحسن
стр. 73
المسعُودي في "مختصر التاريخ" له -وَهو عنْدي في مجلد- وَهو خلاف ما ذكره ابن إسحاقَ في "السيرة"، وَغزا بني قريظةَ لسبع بقين من ذي القعدة، وَغزا غزوةَ تَبوكَ- وهي آخر غزوة غزاها ﷺ لخمْسِ خلونَ منَ رجَبِ، فأقام في غيبته قَريباً من ثلاثة أشهرٍ ورَجع إلى المدينة فدخلها في شهْر رمضان، وَهذا واضحٌ في استحلاله ونسْخه.
وخالف ابن جريج وَقال: حَلفَ عَطَاءُ بنُ أبي رَبَاح بالله مَا يحل للناس أن يغزو في المحرَّم ولا في الأشْهر الحرم إلا أن يقاتلوا فيها ومَا نُسخَت، وَقد رد الناسُ عليه وقالوا: نسخَت آيةُ القتال كل آية فيها رخْصة في تركه مع قتال رسول الله ﷺ فيه واستحلاله الذي أمَرنا الله بقبُول قوله والائتساء بفعله، وقال ابن عباس في قوله- جل وَعلا-: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) [التوبة: ٣٦] ، الهاء في "فِيهِنَّ" تعُود على الاثني عشر شهْراً أي: فلا تظلموا في الشهور كلها أنفسكم. وقال قتادةُ: الهاء تعود على الأشهر الأرْبعة، قال شيْخنا نحويُ الأندَلُس اْبو محمد القَاسم بن دَحْمانَ: وهو الصواب عنْد النحويين، لأنَّه جعل ضمير الأشهر الحرم بالهاء والنون لقلتهن، وَضمير شهور السنة الهاء والألف لكثرتها.
стр. 74
وقد قدمّنا الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ ، منْها حديث علي وَالزبيْر ﵄ وأن رسول الله ﷺ قال: "من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار" مطلقاً دُون تقْييد، وَفيه دليل على أن الاحْتياط في رواية الأحاديث عَن النبي ﷺ واجب، وأن نقلها بغيْر ثبوت السَّندِ ومعْرفة الصحة حرامٌ، لأن اتباع السواد على البياض منْ غير علم به لاْ يورث إلا الضلالةَ والكذبَ على رسول الله ﷺ ، وَفيهِ دلالة على أن وضْعَ الحديث على رسول الله ﷺ حرام في جميع الأشياء.
والكلام في الأحَاديث
ينقسمُ على تسعين قسْماً (١) وهي: المسندُ؛ والمتصل؛ والمَرفوعُ؛ والمعنعَنُ؛ وَالمرسل؛ والمُعضَل؛ والمنقطع؛ والمُجَوَّد؛ والمفسَد؛ والموقوف؛ وَالمدمج؛ والمدرج؛ والمُدَبَّج؛ والمفصول؛ وَالموصولُ؛ والمخْتصر؛ والمطوَّل؛
стр. 75
والمفَصَّل؛ والمفسَّر؛ والمجْمَل؛ والواجب؛ وَالنَّدب؛ والخاص؛ والعام والمُطلق؛ وَالمقيَّد.
فأمَّا المفَصَّل: فهو ما عُلم المراد به من لفظه وَلم يفْتقر في البيان إلى غيره.
وأمّا المفسَّر: فهو الذي وَرد البيان بالمراد منْه في مدلوله.
وأمَّا المجْمَل: فهو الذي لا يفهم المراد بِهِ من لفظه ويفْتقر في البيان إلى غيره.
والواجبُ: هُو المأمور به الذي في تركه عِقَابْ إلا أن يغفرَه الله العزيز الوهاب وَفي فعله أجْرٌ وثواب.
والمندوبُ: هو المأمُور به الذي في فعْله ئواب وَليْس في تركه عِقاب.
والخاص: هُو اللفظ الذي يدُل على معْنى واحد بعينه.
وَالعَامُّ: هُو اللفظ الذي يدُل على شيئين فصاعداً منْ جهةٍ واحدة.
والمطلقُ: هو اللفظ الدال على معنى واحِد مع عَدم التعيين فيه.
والاشتراط والمقيَّد: هُو الذي يدل على معْنى مع اشتراط معنى آخر معه.
стр. 76
والمَزيدُ في الحديث؛ والمنقوص منه؛ وَالمشهور؛ والغريب؛ والشاذ؛ وَهو أن يروي الثقَة حديثاً يخالف فيه الناسَ؛ ومُفْردات الأمصار؛ وزيادات الحفّاظ؛ وإخلال غير الحفاظ؛ وَالترجيح بين الرواة من جهة كثرة العَدد مع الاستواء في الحفظ؛ وَمن جهة العَدد أيضاً مَع التباين في الحفظ.
وَاذا تكاثرت الأحاديث في المنْع والإباحةِ وأخذ بعض الخلفاءِ الأئمة الأرْبعة بحديث منها كان ترجيحاً على سواها، وعلى هذا بنى مالك موطأهُ ونبّه على مُعْظم أصول الفقه التي ترجعُ إليها مسائلُهُ وفُرُوعه، مِثال ذلك أئه ترْجم في "الموطأ": التشديد في أن يمرّ أحد بين يدي المُصلي وَذكر أحاديث، ثم ترجم بعْدها: الرخْصَةُ في المرور بيْن يدي المصلّي وذكر أحَاديث مسندةً (١) ، ثم قال مالك: أنه بلَغه أن علي بن أبي
стр. 77
طالب قالَ: لا يقْطع الصلاةَ شيء مما يَمُر بين يدي المصلي.
стр. 78
قال القاضِي أبو بكرِ: وإذا عمل الخلفاء بأحد الحديثين كانَ ترجيحاً له.
وَالحسن؛ وَالضعيف؛ وَالمنكَر؛ وَالمتْروك؛ والباطل؛ والموضوع؛ والمُعلّ المفعول من العِلة مُعَلّ والمعلول هو الذي سُقي العلل وهو الشُرب الثاني والفعْل منْه عللته؛ وَميْزُ الرّجال؛ وطبَقاتُهم؛ ومنازلهُم؛ وأحْوالهُم؛ وَأعصارُهم؛ وأعْمارُهم؛ وتواريخُهم؛ ووفياتُهم؛ وأسْماؤهُم؛ وَكُنَاهم؛ وَألقْابُهم؛ وأنْسابُهم؛ وقبائلِهم؛ وَبلادُهم؛ وصناعاتُهم وَحُلاهم؛ ومعرفة من رُوي عنه من آبائهم وأمَّهاتِهم وَأبنائهم وَبناتهم وإخْوتهم وأخواتهم؛ وَروايات النظير عنْ النظير كرواية سفْيانَ الثوري وأبي حنيفَة عن مالكِ قولَه ﷺ : "الأيّم أحق بنفْسها من وليها" الحديثَ بطوله (١) ، وَالكبير عن الصغير كرواية جَماعة من كبار الصَّحابة عمَّن أسلم بعدهم وَلم يشهد مشاهدهم؛ وَالفاضل عن المفضول كرواية رسُول الله ﷺ عنْ
стр. 79
تميم الداري (١) وغيره؛ ورِواية الشيخ عن التلميذ كرواية الزهري ويحيى بن سعيدِ الأنصاري ورَبيعة بن أبي عبد الرحمن وَجماعةِ غيرهم عن مالك بن أنسِ؛ وَرواية الراوي للحديث قدْ حدث به وَحفظ عَنْهُ فيُذاكر به فلا يعْرفه فيرويه عمنْ سمعه منه ظناً بالحديث الجيّد ورغبةً في السنة كرواية رَبيعةَ بن أبي عبد الرحمن الثقَة العدْل عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هُريرة أن رسول الله ﷺ قَضى باليمين مع الشاهد، قال رَبيعة: ثم ذاكرتُ سهيْلاً بهذا الحديث فلم يحفظه، فكانَ بعْد
стр. 80
ذلك يَرْويه عني عن نفسِه، عن أبيه، عن أبي هُريرة (١) ، وهذا نِهايةُ الورع تفرد به عنْ ربيعَة الدرَاوَرْدي وهو شيخ الشافعي، وَقد جرى مثل ذلك لجماعةٍ من أئمة الحديث نسُوا ما كانوا رووه فرجعوا يروونه عمّن رَواه عنهم عن أنفسهم (٢) ثِقة منهم بمن رواه عنهم وَرغبةً في تحصيل الحديث إذا صحت الرواية فيه بالثقة العدل، لأن العدْل إذا رَوى خبراً عنْ عدْل مثله حتى يتًّصل لم يضر الحديث أنْ ينساه أحدهما، لأن الحجة حفظ منْ حفظ وليس النسيَان بحجة (٣) ؛ ومن
стр. 81
اختلط من العلماءِ (١) ؛ ومن خَرف من الحفاظ، يقال: خَرِف بكسْر الراء إذا ذهبَ عقله من الكِبَر؛ ومن احترقت كتبه أوْ
стр. 82
ذهبتْ فرجع إلى حفظه فساءَ (١) ؛ ومن حفَظ عن هؤلاء قبل هذه الأوقات؛ ثم التعديل والتجريح على اخْتلاف أسبابه وَاتساع أبوابه؛ ثم حفظ لغة الحديث وَغريبه وتفسير معناه؛ وتفْصيل مُتَعارِضه؛ وتبيين ناسخه ومنسوخه؛ وَدراسته آناءَ الليل وأطراف النّهار والرحلة في طلبه إلى جميع الأمصار وقطْع المهامِه والقفار ثم استنباط الفقه منه؛ ومعْرفة من روى ذلك عنه منَ الصحابة والتابعين ومن خالفهم أو وافقهم من علماءِ المسلمين؛ والكلام على جميعها يطول ويكثر فيه المقُول، فلنقتصر الآنَ منها على اثني عشر اسماً، وهي أسماءُ اصطلاحية اتفقَ أهل النقل عليها.
стр. 83
فأَوَّلُها المسْنَد:
بنقْل العَدل عَن العَدل إلى رسول الله ﷺ ، ومثاله: مالك عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . وَمالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمَر، عن أبيه، عن النبى ﷺ . ومالك عن يحى بن سعيد، عَن عَمْرَةَ بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ . وَعبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي، عن يحى بن أبي كثير، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبي ﷺ . وما كان مثل هذا فهو مسند صحيح. و مَعنَى المسْنَد:
الذي أسندَه واحدٌ بعْد آخر إلى رسول الله ﷺ أي رَفَعه، إذ المسند المرتفع مِنْ أسْنَد في الجبل إذا صَعِد عليه، أو من أسنَدَه أمْرَه إذا لجأ إليه فيه، وعلى حكم الرباعي ثَبت في "الصحيحين" يقال: أسْنَد واسْتنَد واستسْنَدَ، وَهو ما ارتفع من الأرض، وَقد جاءَ سَنَدَ في الجبل على حكم الثلاثي ذكره ابن قتيبة وأبو علي القالي، فالمسند مَا لم يُخَل فيه بذكر واحد مِن رُواته، وسَنَد الحديث رُواته وهو إسناده أيضاً، فَكأن الثقَة الذي أسْند عن العدول وَاستنَد إليهم قد استند إلى جبالٍ لا تزولُ ولا تزلزل، فالمسند هو الذي عليه المعتمد، وتكون فيه
стр. 84
الإجَازةُ والمكاتبة دون أن يسْمع ذلك من شيخه إلا أنه كتبَ بها إليه، فجائز أن يسندها عنه، وقد ثبت من ذلك كثير جداً، أخرج الإمام أحمدُ، وأبو بكر ابن أبي شيبة وأخوه عثمان، ومن تقدمَ من المصنفين وَتأخّر، منهُم: البخاري، ومُسْلم، وأبو داود، والترمذي، والنَّسوي، من طُرق عن موسى بن عقبةَ، عن سالم أبي النضر مولى عُمر بن عبيد الله- وكانَ كاتباً له- قال: كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى حِين خرج إلى الحَروريَّة (١) فقرأته فإذا فيه أن النبي ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو انتظر حتى مالَتِ الشمس ثمَّ قامَ في الناس فقال: "يا أيها الناسُ لا تتمنّوا لقاءَ العَدُؤ واسألوا الله العافيةَ ... " الحديث إلى آخره.
وحدثني حافظ أهل زمَانه الفقيه العالم الإمام أبو بكر محمد ابن عبد الله بن الجدّ الفهْري في منزله بإشبيليَّة سنة اثنين وسبعين وخمسمائة: قال لنا الشيخ الفقيه المفْتي أبو محمد عبد الرحمن
стр. 85
قال: حدثني أبي الفقيه الإمام أبو عبد الله محمد بن عتاب، قال: حدثنا الفقيه الإمام أبو بكر عبد الرحمن بن أحمد بن قاسمِ- يُعرف بابن حُوَيْبل- قال: حدثنا الفقيه أبو بكر إسماعيل ابن بدرِ قال: حدثنا الفقيه الإمام أبُو عبد الله محمد بن وَضّاح قال: حدثنا الفقيه الإمام أبو إسحاق إبراهيم بنُ المنذرَ الحزامي (١) قال: حدثنا الفقيهان الإمامَان الحافظ عبد الله بن وهْب ومُطرِّف بن عبد الله قالا: حدثنا إمَام دار الهجرة مالك ابن أنسِ قال: قال لي يحى بن سعيد: اكتبْ ليَّ أحاديث من الأقضِيَة من أحاديث ابن شهاب، قال: فكتبتُ ذلك له كَأني أنظر إلى ذلك في صحيفَةِ صَفْراءَ، فقيل له: يا أبا عبد الله أقَرأ ذلك عليك يحيى بن سعيدِ؟ قال: هو كانَ أفقَه من ذلك.
فانظر إلى الإمام الفقيه العَدْلِ أبي سعيد يحيى بن سعيد الأنصاري كيفَ كتبَ له مالك أحاديثه وهو تلميذه رَواها عنْه بالإجازة، هذا حكم المسنَد وهو الذي رَواه فلان عنْ فلانِ.
قال ذو النَّسَبَيْن أيّدَهُ الله:
اختلف القائلون ب صحة الإجازة في عبارة التحديث بها،
стр. 86
فمنهم من يقول: حدثنا وَأخبرنا، وهذا هو مذهب مَالِك إمام دار الهِجرة وبه قال علماءُ المدينة قبله وبعده.
قرأتُ بجامع قرطبةَ على الشيخ المحدث العدْل أبي القاسم خلَف بن عبْد الملك بن بَشْكُوالَ سنة أربع وخمسين قال: قرأتُ على القاضي المحدث أبي عبد الله محمد بن عبد العزيز ابن أبي الخير بن علي الأنصاري، قال: قرأت على العدل أبي العباس أحمد بن عمر العُذري قال؟ حدثنا الحافظ أبُو ذرّ عبْدُ ابن أحمدَ الهَرويّ وأجَاز لي غير واحد، منهم: أبو الحسَن علي بن الحسين قال: أجاز لي الشيخ الثقَة المسِنُّ -أبو عبد الله أحمدُ بن محمد الخوْلاني، قال: أجَاز لي الحافظ الثقة أبُو ذر عبدُ بن أحمدَ الهروي قال: سمعْت الحافظ الفقيه أبا العباس الوليدَ بن بكر يقول: حدثنا تميم بن محمَّد الزاهِد- ومَا رأيت محدثاً أعْتَد بالسنة منْه- قال: حدثنا أبو الغُصْنِ نفيس السوسي الغرابيلي الزَّاهِد من أهل سُوسةَ قال: حدثنا عَون بن يوسف -أفريقي ثقة- قال: حدثنا ابنُ وهب قال: كنتُ عند مالك بن أنسِ ﵀ فجاءَه رجل يَحْمل موطأه في كسائه فقالَ: يا أبا عبْد الله هذا موطَؤُك قد كَتَبْتُه وقابلته فأجزه لي قال: فعلت،
стр. 87
قال: فكيف أقول حدثنا أو أخبرنا؟ فقال له مالك: قل أيَّهما فهذا مَالِكُ أمين رسول الله ﷺ عنْد جماعة أهْل العلم الثقة المأمون في دينه وَورعِه والنّاصح لكتاب الله تعالى وسنةِ رسوله ﷺ يقُول للمستجيز: قل أيهما شئتَ، قولاً يقتضي صحيح الحكم في النقل إذا كانَ المعوَّل فيه على نُطق الكتاب المستجاز بالصحة الحاصلة من جهة المعارضَة على ما هو به.
ولفا دخلْتُ بغدادَ واجتمعْت بفارِسِ المنْبر المحدث المصنف جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجَوْزي- نُسِبَ إلى جَوْزَة وَهي فُرضَةٌ من فُرض البصرة- فذكر في "الضعفاء وَالمتروكين" مِنْ تصنيفه أحمْدَ بنَ
стр. 88
عبْد الله أبا نُعيْم الحافظ الأصْبَهَاني فقال مَا هذا نصُّه: قال أبو بكر الخطيب- فيما حكاه ابن طاهِرٍ-: رأيت لأبي نُعيم أشياءَ يتسَاهل فيها مثل إنه يقُول في الإجازة: أخبرنا من غيْر أن يبيّن (١) ،
стр. 89
فَسخَّمَ الله وجْهَ من يذكر مثل أبي نعيم الذي اشْتهرت عدالتُه
стр. 90
وإمامتُه في جميع الآفاق، وَقبلتْ تصانيفُه وروايته بالإصفاق (١) والاتفاق، يسطر قول جاهلٍ (٢) بمعانِي كتاب الله ربّ العالمين
стр. 91
غَافِل عما صح عن محمد سيد المرسلين وعن الصَّحابة وَالتابعين وفقهاءِ المسلمين، إذ هو مذهَبُ إمام دَارِ الهجرة مَالِك بن أنسِ وفقهاءِ المدنيين مهْبط الوحي ومقرّ الخلفاءِ الراشدين ﵃ أجمعين.
стр. 92
فصل
وَقد نطق الكتابُ العزيز بصحة حَدّثنا وأخْبرنا بالإجازة من حيث قرنها التواطي منَ المُجيز والمستجيز على النقل بها من جهة القياسِ أن الله تعالى حكى عن بني إسرائيل فقال في قِصّة [البقرة ٧١] : (فَذَبَحُوهَا) وَقْد علمنا أن الذابحَ إنما كان واحداً من جهة العادة الشرعيَّة، فلِمَ لا يجوز أن يقال في الإجازة قِياساً على هذا مَع وجود التواطُؤ منها على النقلِ بها كوجود التواطي من بني إسْرائيل بأمْر نبيهم وَمنَ الذابح لها على ذلك الذبح، لأن معلوماً في العادة ومقتضى الخطاب في أنه لم يذبحها إلا بأمرِهم، وَقد قال جَلَّ من قائل: (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ) [الأعراف: ٧٧] ، وَقد علمنا أن الذي عَقَرها قُدَار بن سَالفٍ وَهو أشقاهَا في الآية الأخرى، فأخبْر الله تعالى عنهم أنّهم عقروها- وَإنما عقرهَا واحد منهم- لأنهُ إنما فَعل ذلك عن تواطؤِ من الجميع ومن أكثرهم أو عنْ رِضاً وقبول لفعْله، فلم لا يجُوز أن يقال: حدثنا فلان الراوي إذا أجَاز فأطلقَ التحديثَ عنْه، وما الفَصل بين التحديث وَالذبح والعقر؟!.
стр. 93
وَالإجَازة أمْرٌ ضَروري في الرواية وبها تتم وتكمل وَإلا كانت ناقِصةَ لا مَحالَةَ، ولو فيما قرأ فضْلاً عما لم يقرأ.
قرأتُ بمدينَة مَالَقَةَ على الفقِيه الأستاذ اللُّغَوي النحوي أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي الحسن الخثعمي قال: حدثنا الشيخ الفقيه المحدّث أبو بكر محمد بن طاهر القيسي في مسجده بإشبِيليةَ قال: قرأتُ على الحافظ مُقَيّد الأنْدَلسِ أبي علي الغساني قال: قال لنا الإمام الحافظ اأبو عبد الله محمدُ بن عَتَابٍ:
الذي أقول: إنه لا غنىً للطّالب عَن الإجازة وإنْ سمعَ الديوانَ أو الحدِيث قراءَةَ على المحدث أو قراءَة من المحدث، لجواز السهْو والغَفلةِ وَالسَّنَةِ عليهما أو على أحد، فإن كانَ المحدث هُو القارئ فجائز السهو على المسْتَمِع وَذهاب مَا يقرأ عليه، وإن كانَ غيْره فجائز أن يسهُو الذي يقرأ عليه، قال: وَعَلى هذا اعْتمدت في رِوايتي، والله أسألهُ الخلاصَ برحْمته وبصحّة الإجازة وَالمكاتَبة.
قال جماعة من كبار العلماءِ كيحيى بن سعيد الأنْصاري، وَربيعة بن أبي عبْد الرحمن، وَعبد العزيز الماجشُون، ومَالِك ابن أنس، وسفيَان الثوري، وأبي عَمْروِ الأوزاعي، وسفْيان بن
стр. 94
عُيينةَ، وَالليث بن سَعْدِ، وأصحاب مالكٍ الفقهاء، كلهم على مذهب مَالِك فيها، لا أعلم أحداً منهم خالفه في ذلك وَلا تقُوم على منعها حجة.
وقد ذكرَ الإمام الحافظ أبو العبّاس الوليدُ بن بكر في كتاب "الوِجَازة في صحة القول بالإجازَة" كَثيراً من الحجة لهَا، وقدْ ناظر طائفةً منْ أصْحاب الكلام الذين ليسَ منهم من مَارسَ حَديثَ رسول الله ﷺ وَلا اعْتنى بنقله وَلا جلسَ إلى أهله، وطَائفَةً أيضاً من المتفقهة الرابيَة ممِن ذهَب مذهبهم وَممن هُو على مذْهب الشافعي حين زَعم أن الشافعىَّ لا يقولُ بها، وآخر مَا قال له ابن بكر: ما تُنكر على من يقول لَك: إنَّ الإجازَةَ على وجهها خيْر من السَّماع وَأقوى؟ فقال له الشافعي: وَهل يقول ذلك أحدٌ؟ فقال: بلى.
حَدّثنا أحمدُ بن محمد بن سهْل العطارُ بالإسكندرية قال: كان أحمدُ بن مُيَسَّر الإسكنْدرِي -وناهِيك به من إمامِ في وقته- يقول: الإجازةُ عندي على وجهها خيرٌ منَ السَّماع الردي، فجعل يعجب مما قلت له من قول ابن ميسر ﵀.
وَأبو بكر أحمد بن مُيَسّرِ منْ رُواة ابن المواز أفْقه من يكونُ بقَوْل مَالِكِ في ذلكَ الزمان، وكانَ الشافعي ﵀ يقول:
стр. 95
بالإجازة حَدّثني عَالِم المغْرب وإنسْانُه ومِدْرَهُهُ ولسانُه قاضي الجماعة أبو موسى عيسى بن عمران قال: حدثني عالمُ الأندلس أبو القاسم أحمد بن محمد التميمي -يعرف بابن وَرْدِ وهو جَدّه لأمّه- قال: حدثنا الإمام الحافظ أبو علي الغسَّاني قال: حدثنا الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن عَتَابِ قال: حدثني أبو عثمان سعيد بن رشيق الزاهد قال: حدثنا محمدُ بن يحى ومحمّد بن محمّد بن أبي دُليم قالا: حدثنا قاضي الجماعة بقُرطبة أبو الجعْد أسْلَم بن عبد العزيز، عن الربيع بن سليمان، عن الشافعي أنه قال فيما اسْتدعى به من محمد بن الحَسن إجازة كتبه وَإباحتها له لينْسخَ منها:
الْعِلْم يأبى أهْلُه ... أن تمنَعوه أهلَه
لعله يبذله لأهْله لعله
فأسعفه محمد بن الحسن بما أراد.
وَذكر الإمام أبو يحيى الساجي الشافعي: حَدثنا داودُ الأصْبَهَاني قال: قال لي حُسَيْن الكرابيسي: لما قَدم الشافعي قَدمته أتيتهُ فقلت: أتأذن لي أن أقرأ عليك الكتبَ؟ فأبى، وقال: خُذ كتبَ الزَّعفراني وانسخها فقد أجزتها لك، فأخذها إجازةً.
стр. 96
باب القول في بيان القراءة والعرض والسماع والمناولة
إذْ قد تقدم كلامنا في الإجازة، فأوَّلها وأعظمها القِراءة على العالِم، أو من العالِم المعصُوم على التلميذ، قال الله العظيم: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى) [الأعلى:٦] .
حَدّثنا العدْلُ تاج الدين أبو القاسِم الفَراوي قراءَة مِني عليه بخراسانَ وبجامع المَطِر زمن نَشَاوُرَ قال: سمعْت جدّي فِقيه الحرمين أبا عبد الله الصاعدي يقول: أنبأنا الشيخ أبو حامدٍ أحمد بن الحسنِ الأزهري قال: أنبأنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخْلَدي قال: أنبانا أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم الثقفيُّ السَّرَّاجُ قال: أنبأنا قُتيْبةُ بن سعيدِ قال: حدثنا جرير، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس في قوله: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ) [القيامة:١٦] ، قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزَل عليه جبْرائيل بالوحي وكان مِمّا يُحرّك به لسَانه وَشفتَيه فيشتَد عليه وكانَ يُعْرف منه، فأنزل الله- تعالى- الآية التي في: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) [القيامة:١] ،
стр. 97
(لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ) قال: علينا أن نجمعه في صَدرك (وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)) فإذا أنزلناه فاستمع (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) [القيامة] ، علينا أن نبينَه بلسانك، قال: فكان إذا أتاه جبرائيل أطرقَ، فإذا ذهب قرأه كما وعدهُ الله .
هذا حديث صحيح باتفاق، وهذا أحدُ طرق البخاري في "صحيحه " في التفسير، فضمن الله جمْعه لمحمد ﷺ ، ولهذا كفّر الفُقهاءُ منْ زعم أنه بقي منْه شيء لأنه ردّ على ظاهر التنْزيل.
وقال سُفْيان بن عيينة لما سُئل فقيل له: كيفَ غيرت التوراة والإنجيل وهما من عند الله؟ فقال: إن الله- جل وعَلا- وَكلَ حفظهما إليهم فقال: (بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) [المائدة: ٤٤] وَلم يَكل حفظ القرآن إلى أحدٍ فقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:٩] ، فما حفَظه الله لن يغيَّر، وكانَ الروح الأمين يُعارضه بالقرآن كل عَام.
كما حَدثني الشيخ الصَّالح الثقة أبو جعْفر محمد بن أحمد الصيدلاني قال: قرئ على الثقة أبي علي الحسن بن أحمد المقْري- وَأنا حاضرٌ أسمع وَأجاز لي جميع رواياته- قال: حدثنا الإمامُ الحافظ أبو نُعيم أحمد بن عبد الله بن إسحاق
стр. 98
سَماعاً عليه، حدثنا الحافظ أبو محمد عبد الله بن جعْفر بن أحمد بن فارس قال: سمعْت الإمَام الحافظ أبا مَسعُود أحمد ابن الفُرات الضبي يقول: حدثنا أبو نُعيم- يعني الفضل بن دُكين- قال: حدثنا زكرياء عن فراس، عن عامر الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: أقبلت فاطمةُ تمشي كأن مِشْيتها مَشيُ النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "مَرحباً با بنَتي" ثم أجلسَها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسرَّ إليها حَديثاً فبكتْ، فقلت لها: لِمَ تبكين؟ ثم أسر إليها حَديثاً فضحكت، فقلتُ: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حَزَنٍ، فسألتها عما قالَ فقالت: ما كنت لأفشي سِر رسول الله ﷺ ، حتى قبضَ النبي ﷺ فسألتها، فقالت: أسَر إلي: "إنَّ جبْريل- ﵇ كان يُعارضني القرآن كل سَنَةِ مرة وَأنه عَارضني العامَ مرتيْن، ولا أراهُ إلا حَضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي "، فبكيتُ فقال: "أمَا ترضين أن تكوني سَيدةَ نساءِ أهل الجنّة أو نِساءِ المؤمنين" فضحكتُ لذلك.
وَهذا حَديث صحيح متفق على صحته، وَهذا نصُّ البخاري في باب عَلامات النبوة في الإسلام منْ بقيّة المناقب، وَله طرق كثيرة.
стр. 99
وأخرجه مسلم في "صحيحه" في المناقب، وَحديثه تفرد فِيه بالفاظ كثيرة، فصَحّ أن جبريل كان يعارضه القرآن أي يقرؤه عليه، والعرض على العالم قراءَتك عليه في كتابك ومنه قولهُ: فَعرضت عليْه حديثها.
وأجازَ لنا أبُو الوقت إجازةَ عامة، بحق سَماعِه على أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، بحقّ سَماعِه على أبي محمد عبد الله بن أحمد بن حَمُويَه السَّرَخسي، بحق سماعِه على أبي عبد الله محمد بن يوسف الفَربزي، بحق سَماعِه من الحافظ أبي عَبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري،- وَالمغيرةُ هو الذي أسلم من المجوسية على يَدَي اليمانِ الجُعفي وَالي بخارى- فال: حدثنا عبدُ الله بن يوسف قال: حدثنا الليث، عَن سعيد المقبُري، عن شريك بن عبد الله ابن أبي نَمرِ أنه سمع أنس بن مالكِ يقول: بينما نحن جلوس مَع النبي ﷺ في المسجد دخل رجل على جملٍ فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي ﷺ مُتكىء بين ظهرانَيْهم فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكىء، فقال له الرجل: يا بن عبد المطلب، فقال له النبي ﷺ : ((قدْ أجبتك" فقال الرجل للنبي ﷺ : إني سائِلٌ فمشدّدٌ عليك في المسالة فَلا
стр. 100
تجدْ علىِّ في نفسك، فقال: "سل عما بدا لك؟ " فقال: أسألك بربك وَربِّ من قَبْلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: "اللهم نَعَم! " قال: أنشُدُك بالله آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ فقال: "اللهم نَعم! " قال: أنشُدُك بالله آلله أمَرك أنْ تصومَ هذا الشهر من السنة؟ قال: "اللهم نَعم! " قال: أنشُدك بالله آلله أمرك أن تاخُذ هذه الصدَقة من أغنيائنا فتقسِمها على فقرائنا، فقال النبي ﷺ : "اللهم نَعَم! " فقال الرجُل: آمنت بمَا جئتَ به، وأنا رسول مَنْ وَرائي مِن قومي وأنا ضِمامُ بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكرٍ. رَواه موسى وعلي بن عبد الحميد عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ بهذا (١) .
وهذا حديثٌ صحيح باتفاقِ، وَهو حجة في القراءَة على العالِم.
حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بنُ سعيدِ الأنصاري بمسجد الحَصَّارين بإشبيلية قال: أجاز لنا أبو عبد الله الخولاني قال:
стр. 101
كتبَ إلينا أبو ذرّ الحافظ من مكةَ قال: حدثنا الحافظ أبو العباس الوليد بن بكر قال: رَوينا عن مالك أن اختياره في أعلى مَراتب نَقْل الحديث القراءَة على الراوي عَرْضاً كعرْض القُراَن قراءةَ على المقْرئ.
وقال عبد الله بن مَسْلمة القعنبي: قال لي مَالِك: قراءَتك علي أصح منْ قراءتي عليك.
قال الفقيه أبو العباس بن بكر: وكانَ مالِك يحتج في هذا بأنَّ الراوي ربمَا سَهَا وغلط فيما يقرأه بنفسه فَلا يرد عليه الطالبُ السامع لذلك الغلط لِخلالٍ ثلاث:
إمّا لأن الطالبَ جاهل فلا يهتدي للرد عليه.
وَإما لهيْبة الراوي وجلالته.
وإما لعل غَلَطه صَادف موضع اختلاف فيغفر له فيجْعله خِلافاً توهماً أنه مذهبه فيجعل ذلك الغلط صواباً.
قال مالك: وأما إذا قرأ الطالبُ على الراوي فَسها الطالب أو أخطأ فإن الراوي يَرُد عليه بعلمه مَع فَراغ ذِهْنه، أو يرد عليه عنده ممن يحضره لأنَّه لا هيْبةَ للطالب وَلا يُعَدُّ له أيضاً مذهبٌ في الخلاف إن صَادف بغلطه موضع اختلافٍ، فالرد عليه متوجهٌ من كل جِهَةِ.
стр. 102
وكانَ مَالِك يقول لِنافع بن أبي نُعَيم القارئ بالمدينة: لا تكونن إمَاماً في المحْراب، فإنَّ المحرابَ موضع مِحنَةٍ فإن، زللتَ في حرف فسمعك من يطلب هَذه الحروف الشاذة فيغتنم ذلك فينقلها عنْك مذهباً لك وَيرْوي عنك وليست بمذهبٍ لك، إنّما هي زَلة وغَلَط محنةٍ فلا تكونن إماماً.
اختَلفَ العُلماء
في: القَول في حدثنا، وأخبرنا، وأنبانا. فقال مالِك: يقال في الإجازة: حَدثنا وأخبرنا، وَقد قدمنا ذلك.
ومنهم من يقول بها: أنبانا ونبّأنا، وهذا اختيار الأوزاعي ليعلم ويُعلمَ غيرهُ سَماعه من مستجازه.
قال ابن بكر: وبلغني عنْ أبي سليمان الملقب بالخطابي أنه قال: حكم الإجازة أن تقول فيها: حَدثنا فلانٌ أن فلاناً حدّثه، كأنه جعل دخُول أنَّ دليلاً على الإجازة في مفهوم اللغة، وَغابَ عني ذلِك اختيار الخطابي أم حكاه عن غيره؟
وَقد تأملتُ قوله هذا فلم أعرف لهُ وجهاً صحيحاً من جهة لُغة العرب وَلا من جهة قياس العربيَّة؛ لأن أنَّ المفتوحةَ الهمزة التي اشترطها الخطابي في عبارة الإجازة أصْلها التأكيد، وَإنَّما
стр. 103
فُتحت لأنَّها صَارت اسْماً، وَمعنى حَدثنا فلان أن فلاناً حدثه أي بأن فلاناً حدثه، فدخول الباء للتاكيد فإنْ صح هذا المعنى من مذهب الخَطابي، أو من مذهب من حكاه عنه فالإجازة أقوى من السّماع لأنه خَبَرٌ قارنه التأكيدُ، وهذا لا يقوله أحد من أصحاب الحديث أعلمه إلا أن يكونَ سماعاً رديئاً كالهينَمة والدندنَة مما لا يفهم فلا يعقل.
وسُئل عن الحديث ابن جُريج، عن عَطاء، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ أخبره. وابن المنكدر، عن جَابر أن رسول الله ﷺ مما يطول نصه هل هذا إجازة من رسول الله ﷺ لابن عباس ولجابر؟ وَقد ترْجمَ البخاري في كتاب العلم من "صحيحه": بابُ قول المحدث حدثنا وأخبرنا وأنبأنا: وقال الحميدي: كان عند ابن عيينة حدثنا وأخبرنا وأنبانا وسمعْت واحداً، فثبتَ من ذلك أنهُ لا فرق في المعنى بين حدثنا وأخبرنا وإن كان بعض أهل الحديث قال: إن حَدثنا لما سُمع من لفظ الشيخ وإنَّ أخبرنا لما قُرئ عليه.
قال ابن بكر: بلغني أن عبد الله بن وهْب أوّل من سَنَّ في التحديث بِمصْر أخبرنا فيما هو قراءَة على الراوي، وحَدثنا فيما هُو سَماع من لفظ الراوي، كأنَّه أرادَ أن يَعرفَ من جملة حَديثه
стр. 104
مَا سمعَه وَما قرأه مَعْرِفَةً تفصل بينهما لا من جهة الحكم، ثم صار ذلك مذهباً لأكثر أصحاب الحديث.
وقال الشافعي: إذا قرأتَ على العالم فقل: أخبرنا، وإذا قَرأ عليك فقل: حَدثنا.
وقال ابن حنْبل: إذا حدثك العالمُ وَحدك فقل: حدثني، وإذا حدّثك في مَلأ فقل: حدثنا، وإذا قرأت عليه فقل: قرأت.
عليه، وَإذا قُرئ عليه فقل: قُرئ عليه وأنا أسْمع.
قال العالم المستبحر أبو عَبد الله محمد بن أحمدَ التجيبىُّ -يعرف بابن الحاجّ-: وَأنا أستحسِن ما قاله ابن حنبل، لأنهُ أبلغ في التحري، وأعدل في حسن التوقي، حَدثني بهذا عنه الأستاذ المقرئ المحدثُ النحوي أبو بكر محمد بنُ خيرِ.
وقال الفقيه أبو العبَّاس الوليد بن بكر الحافظ في كتاب "الوجازة" له: وَقالت طائفةٌ من أهل خُراسانَ: الاختيارُ عنْدنا في السماع من لفظ الراوي، وَفي القراءة عليه أن يقال في ذلك كله: أخبرنا، ويحتجون بأنَّ أخبرنا أعم في التحديث من حدثنا. وأخبرني بعض الحفاظ أن إمَام هذه الطائفة القائلة بهذا الاختيار إسْحاق ابن راهَوَيه.
стр. 105
وقد رَفَعت طائفةَ من أهل خُراسان مَالِكاً إلى عامل المدينة حين أبى أن يُحدثهم من لفظه حتى قرأ لهم شيئاً يسيراً.
وكذلك يقُول يحى بن يحيى التميمى النيسْابوري في "صحيح مُسلم": قرأتُ على مالِك، أراهُ لم يكن يستجيز أن يقول: أنبانا مالك، قال الحافظ أبو العباسِ الوليد بن بكر: وَلا معنى عندي للتشديد في هذه العبارة والتخْريج البعيد أكثر منَ الحَيْرَة وَالإفراط في الغُلوِّ أو التشكك في اليقين، كما رُوي عنْ علي بن أبي طالب ﵁ ووصف قوماً لا نفاذ لهم قال: يقدح الشك في قلبه بأوَّلِ عارضٍ من شبْهة، لم يستضِئ بنور العلم، وَلم يلجأ إلى رُكنٍ وَثيق.
قالَ ذُوْ النَّسَبَين أيدَهُ الله:
لا فرق بيْن هذه الألفاظ عنْد أكثر أهل العلم، وَقد قدمنا ما ذكره البخاري عَن الحُميدي: كانَ عنْد ابن عُيينَة حدّثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت وَاحداً، وأنَّ الراوي الذي روى الحديث على إحْدَى المراتب المذكورة فله أن يقُول: حدّثنا وأخبرنا وَأنبأنا أيَّ ذلك شاءَ، وهُو مذهب أهل المدينة على ساكنها السَّلام، ثبت ذلك عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس رضي
стр. 106
الله عنهما، وهُو مذهب أبي عبدِ الله مالكِ بن أنس المدَني، وأبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وصَاحبيه: أبي يوسف القاضي وَمحمد بن الحسَنِ، وَكذلك قراءَتكَ على العالم كقراءَة العالم عليك.
حدثني المقرئ الفاضِل المحدث النحوي أبُو بكرِ محمّد بن خيْرِ في مسجده بإشبيلية سنةَ اثنتين وسبعين وخمسمائةِ قال: حدثنا الإمام العالِم قاضِي الجماعة الشهيد أبو عبد الله محمد ابن أحمدَ بن خَلَفِ بن إبراهيمَ التجيبي، وَأنبانا آخر مَنْ قرأ عليْه - واستشهد ﵀ في ذلك اليوم بالمسْجد الجامع بقرطبةَ يومَ الجمعة وَهو سَاجد- قال: كان شيخنا أبو مَرْوانَ بنُ سِرَاج يقول: حَدثنا وأخبرنا واحد يحتج بقوله جل وعَلا: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) [الزلزلة:٤] ، فجعَل الحديثَ والخبرَ واحد.
قال ذُو النسَبَين أيَّدَهُ الله:
وقال الله تعالى: (لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ) [التوبة: ٩٤] ، و (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ) [البروج:١٧] ، و (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) [الغاشية:١] ، و (حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ) [الذاريات:٢٤] ، فتبيّن من قولهِ جلّت قدْرته أن الحديث وَالخبَر والنبأ واحد.
стр. 107
قال أبو جغفر الطحاوي (١) : وكذا رُوي عَن النبي ﷺ ، قال عبدُ الله بنُ مسعُودِ: حدّثنا رسول الله-يخيم وَهو الصَّادقُ المصْدوقُ: "إن أحَدَكم يجمعُ خَلقهُ في بطن أمهِ أربعينَ يوماً، ثم يكونُ علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثئم يبْعَثُ الله- ملكاً ويؤمَرُ بأربع كلمات ويقال له: اكتبْ عَمله ورزقه وأجَلَه وشَقي أم سعيد، ثم ينفخ فِيه الروحُ.. ".
الحديث بطُوله أخرجَه محمد بن إسماعيلَ البخاري في مواضع من "صحيحه" في كتابِ بَدْءِ الخلق عن الحسَنِ بن الربيع أبي على البُواري -يبيع البواري، كوفي ثِقة رجل صَالحٌ متعبدٌ متفقٌ على الإخراج عنه- قال: حدّثنا أبو الأحوص سَلاَمُ ابن سُلَيم، عَن الأعمشِ.
وَأبو الأحوصِ هَذا عَدل متفق على الإخراج عنْهُ في "الصحيحيْن"، وَاسمُه سَلّامُ بنُ سُليم وكانَ ثِقةَ صاحب سنةٍ وَاتباعٍ كُني بابنه أحْوصَ، وكانَ حديثه نحواً من أربعةِ آلافِ
стр. 108
حَديْث، وهو خال سُلَيم بن عيسى المقرئ صَاحب حمزةَ الزيات، وقرأ هُو أيضاً على حمزةَ.
وأخرجَه أيْضاً في باب خلق آدَم وذريته عن عُمَر بن حَفْص عنْ أبيه قال: حدّثنا الأعمش.
وفي كتاب القدَر حدّثنا أبو الوليد هشامُ بن عبْد الملك قال: حدّثنا شعبة بن الحجاج.
وَفي كتاب التوحيد رَواه أيضاً عنْ آدم بن أبي إياس قال: حدّثنا شعبةُ قال: حدّثنا الأعمشُ قال: سمعْت زَيدَ بن وهب قال: سمعت عبدَ الله بن مسعودِ يقول: حدّثنا رسول الله ﷺ وَهو الصادِقُ المصْدُوق: "إن خلقَ أحَدِكم يجمعُ في بطْن أمه اْربعين يوماً أو أربعين ليلةً، ثم يكونُ علقَةً مثلَه، ثم يكون مضغةً مثله، ثم يبعث إليه الله الملكَ فيؤذنُ بأرْبعِ كَلمات: فيُكتبُ رزقه وأجله وعمله وَشقِيٌّ أو سعيدٌ، ثم ينْفخ فيه الروح ... " الحديث بطوله.
وَأخرجه مسْلم بن الحجاج في كِتاب القدَر عنْ أبي بكر بن أبي شيبة، عَن أبي معاوية ووَكيع بن الجراح، وعن محمد بن عبد الله بن نُمير، عن أبيه. وعنْ عثمان بن أبي شيبةَ وإسحاقَ
стр. 109
ابن راهَويه، عنْ جرير. وَعن إسحاقَ هذا، عن عيسى بن يونسَ. وعنْ أبي سعيد الأشجّ، عنْ وكيع. وعنْ عُبيد الله بن معاذِ، عن أبيه، عن شعبةَ جميعاً عَن الإمام سُليمان بن مهْرانَ الأعمش إلا أن في حَديث وَكيع أربعين ليلةً، وزاد في العَدَد أبو سَرِيحَةَ حذيفة بنُ أُسيد الغفاري صاحبُ رسول ﷺ ، تفرَّد بذلك مسلم في "صحيحه" وذلكَ من فوائده.
وَفيه من الإيمانِ والدليل الواضح وَالبرهان أن الله تعالى وكَّلَ بالرَّحِمِ ملكاً يتولى التصْوِيرَ بحكم التقدير من اللطيف الخَبير، وَفيه رَدٌّ على الملحدة في قولها: إن تدبيرَ ذلكَ إلى الكواكب السَّبْعة يأخذه كل كوكب شهراً ثم يعود بعد تمامِ السبْعة إلى بعضها، وَهذا كذبٌ على الله ﷻ وعلى رسوله محمد ﷺ ، وجَحْدٌ لما قامت الدلائل العقلية عليْه من ثبوتِ الفاعل المختار العزيز الجبار.
وَأمَّا المناوَلَةُ:
فثَبَتَ حَدّثنا وأخبرنا وأنبأنا بالكتاب والسّنَّةِ وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البُلدان، فالحجةُ فيها كتبُ سيِّد المرسلين محمدٍ خاتم النبيّين.
стр. 110
حدّثنا القاضِي بسَبْتَةَ كان الفقيهُ أبو عبد الله محمد بن سعيد الأنصاري بقراءَتي عليه، وَالفقيه العالم أبُو الحسن علي بن الحسين إجازةً شافهَني بها قال: أنباْنا أبو عبد الله أحْمدُ بن محمد الخَولاني قال: حدّثنا الفقيهُ الفاضل أبو عَمْرو عثمان بن أحمد سَمَاعاً عليه لجميع "الموطأ"، وقاضِي الجماعة بقُرْطُبَةَ أبو الوليد يُونسُ بن عبد الله إجازةً قالا: حدّثنا القاضِي العَدْل اْبو عيسى يحى بن عبد الله بن أبي عيسى قال: حدثني عمّ أبي الفقِيه أبو مَرْوَانَ عُبيدُ الله بن يحيى قال: سمعْت أبي الفقيهَ أبا محمدٍ يحى بن يحيى يقول: حدّثنا فقيه دار الهجرة أبو عبد الله مالكُ بن أنس، عن عبْد الله بن أبي بكر أنَّ في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعَمرو بن حزم: "أن لا يمسَّ القرآن إلا طاهرٌ" (١) .
فهذا الحديثُ أصْلٌ في صحة الروايةِ على وَجْه المُناولة، لأن النبي ﷺ دَفَعَه إليه وَأمرَهُ به فجازَ لعمرو بن حزمٍ العمل به والأخذُ بما فيه، وعَمرو بن حزم هذا يُكنى أبا الضحاك وَهو