إِتْحَافُ الأَنَامِ
بِأَحكَامِ وَمَسَائِلِ الصِّيامِ
(ومعه مسائل صدقة الفطر وأحكام العيدين)
تأليف
فضيلة الشيخ الفقيه
أبي عبد الله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني
(غفر الله له ورحمه)
طبعة جديدة منقحة ومزيدة
دار الحديث السلفية بإب
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المُقَدِّمَةُ
الحمد لله الذي كتب على عباده الصيام، وشرع لهم الاعتكاف والقيام، وجعل ذلك سببًا لتحقيق التقوى من الأنام.
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، نحمده عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته. الحمد لله ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شاء ربنا من شيء بعد.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فمن فضل الله المنان الكريم علينا أن أكرمنا ومنَّ علينا بتأليف هذا الكتاب الذي بين أيدينا "إتحاف الأنام بأحكام ومسائل الصيام".
فقد وفقنا ربنا جل وعلا لجمع هذه المسائل والأحكام التي تتعلق بركن من أركان الإسلام وهو صوم رمضان، فانتفعنا بذلك، ونرجو أن ينتفع بذلك سائر المسلمين.
وقد اجتهدت في ترتيب الأحكام والمسائل ترتيبًا متناسبًا، (١) ولم أتقيد بترتيب
стр. 3
أحد قبلي، وأرجو أن أكون قد وُفِّقْتُ في ذلك، وبالله التوفيق.
فأحمد الله الحي القيوم، الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، وهو الرحمن الرحيم، الكريم المنان الوهاب؛ فهو جل وعلا الذي أنعم علينا بذلك، ولا حول لنا في ذلك ولا قوة إلا به .
فأسأل الله جل وعلا الذي لا إله إلا هو الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، أن يبارك لي في هذا الكتاب، وأن يخلد نفعه إلى يوم الحساب، وأن يجزل لي به الأجر والثواب، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم؛ فهو الرحيم التواب.
وأسأل الله أن يغفر لي ولوالدي ولمشايخي أجمعين، وأخص منهم من أرى له علي حقًّا عظيمًا، وهما فضيلة الشيخ الإمام مقبل بن هادي الوادعي ﵀ والشيخ الجليل النبيل سَرُور بن أحمد الوادعي غفر الله له، وأحسن إليه وأكرمه في الدنيا والآخرة.
اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه/ أبو عبد الله محمد بن علي بن حزام الفضلي البعداني
يوم السبت الموافق ٢٣/صفر/١٤٤٢ هـ
دار الحديث السلفية بإب.
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مسائل تتعلق بمقدمات عن الصوم ورؤية الهلال
مسألة: تعريف الصوم:
لغة: الإمساك، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم:٢٧].
ومنه قول النابغة:
خَيْلٌ صيام وخيل غير صائمة ... تحت العَجَاج وأخرى تَعْلُكُ اللُّجُما
أي: خيل ممسكة عن الجري، وخيل غير ممسكة.
وشرعًا: قال النووي ﵀ في "المجموع" (٦/ ٢٤٧): إمساك مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص من شخص مخصوص. اهـ
وتبعه الحافظ على هذا التعريف في "الفتح" (١٨٩١)، إلا أنه قال: بشرائط مخصوصة. بدل قوله: من شخص مخصوص.
وقال أبو عبد الله القرطبي ﵀: هو الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. اهـ من "تفسيره" لسورة البقرة [آية: ١٨٣].
стр. 5
مسألة: أَسْمَاءُ أُخْرَى لِلصَّوْمِ:
وقد سُمِّي الصيامُ "صبرًا"، ومنه قوله ﷺ : «صَومُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ تَعْدِلُ صَومَ الدَّهْرِ». (١)
كذا ذكر شيخ الإسلام، والذي يظهر أن الصبر تسمية للشهر لا للصوم؛ لوجود الصبر فيه، والله أعلم.
وَسُمِّي أيضًا (سياحة)، ومنه قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ السَّاجِدُونَ﴾ [براءة:١١٢]، الآية من سورة براءة.
وقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم].
انظر: "التمهيد" (٧/ ٣٠٧)، "كتاب الصيام" من "شرح العمدة" لشيخ الإسلام (١/ ٢٤).
مسألة: أَنْوَاعُ الصَّوْمِ:
قال شيخ الإسلام ﵀ في "كتاب الصيام" من "شرح العمدة" (١/ ٢٦): الصوم خمسة أنواع: الصوم المفروض بالشرع وهو صوم شهر رمضان أداءً وقضاءً، والصوم الواجب في الكفارات، والواجب بالنذر، وصوم التطوع. اهـ
стр. 6
مسألة: صوم رمضان:
صيام رمضان فرض على كل مسلمٍ، بالغٍ، عاقلٍ، مقيم، قادرٍ على الصوم، وقد دلَّ على ذلك الكتابُ، والسنةُ، والإجماعُ.
أما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥].
وأما من السنة: فقوله ﷺ في حديث ابن عمر ﵄، في "الصحيحين": «بني الإسلام على خمس»، وذكر منها: «وصيام رمضان».
وفي "الصحيحين" من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁، أن رجلًا جاء يسأل النبي ﷺ عن الإسلام ... ، فذكر الحديث، وفيه: «وصيام رمضان»، فقال الرجل: هل عليَّ غيره؟ فقال النبي ﷺ : «لا، إلَّا أن تطوع».
وفي السنة أحاديث كثيرة تدل على ذلك.
وأما الإجماع: فقد أجمعت الأمة إجماعًا ظاهرًا على وجوب صيام شهر رمضان، وعلى أن منأنكر وجوبه كفر.
стр. 7
انظر: "المغني" (٣/ ٨٥)، "المجموع" (٦/ ٢٤٨)، "كتاب الصيام" (١/ ٢٦ - ٢٩)، تفسير القرطبي سورة البقرة آية [١٨٣]، "توضيح الأحكام" (٣/ ١٢٩).
مسألة: متى فرض شهر رمضان ؟
قال الإمام النووي ﵀ في "شرح المهذب" (٦/ ٢٥٠): صام رسول الله ﷺ رمضان تسع سنين؛ لأنه فرض في شهر شعبان في السنة الثانية من الهجرة وتوفي النبي ﷺ في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة. اهـ
قال الشيخ عبد الله البسام -وفقه الله في "توضيح الأحكام" (٣/ ١٢٩): وفُرِضَ صوم رمضان في شعبان في السنة الثانية من الهجرة فصام رسول الله ﷺ تسعة رمضانات إجماعًا. اهـ
وقد نقل الإجماع المرداوي ﵀ في "الإنصاف"، في أول كتاب الصوم، والبهوتي في "الروض المربع" (١/ ١٥٧)، وابن مفلح في "المبدع" (٢/ ٤٠٥).
مسألة: أحوال فرضية الصيام:
أُمِرَ المسلمون أولًا بصيام يوم عاشوراء كما في "الصحيحين" (١) من حديث عائشة، وابن عمر ﵄، ثم فرض الله شهر رمضان، فصار صيام يوم عاشوراء مستحبًّا، وعند أن فرض شهر رمضان كان الناس مخيرين بين الصيام والإطعام كما قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٤]، ثم نسخ
стр. 8
الله ذلك فأوجب الصيام بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥].
والدليل على ذلك حديث سلمة بن الأكوع ﵁، في "الصحيحين" (١) قال: لَمَّا نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها.
وفي رواية لمسلم: كنا في رمضان على عهد رسول الله ﷺ من شاء صام ومن شاء أفطر، فافتدى بطعام مسكين حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
فائدة:
كان في أول الإسلام يحرم على الصائم الأكل، والشرب، والجماع من حين ينام أو يصلي العشاء الآخرة، فأيهما وجد أولًا حصل به التحريم، ثم نسخ ذلك وأبيح له إلى طلوع الفجر، سواءٌ نام أم لا.
ويدل علىه حديث البراء بن عازب ﵄ عند البخاري برقم (١٩١٥)، قال: كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يُمْسِي، وإن قيس بن صِرمة الأنصاري ﵁ كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى امرأته، فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلقُ فأطلبُ لك. وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك! فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ ؛ فنزلت هذهالآية:
стр. 9
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧].
فهذا الحديث يدل على أن ذلك كان محرَّمًا عقب النوم، وأما تحريمه عقب صلاة العشاء، فقد ثبت ذلك من حديث أبي هريرة ﵁، بإسنادٍ صحيح. أخرجه ابن جرير كما في "الدر المنثور"، وكما في "تفسير ابن كثير" [آية:١٨٧] من سورة البقرة.
وأخرجه أبو داود (٢٣١٣)، من حديث ابن عباس ﵄، وفي إسناده: علي بن حسين بن واقد، وفيه ضعفٌ، وله طريق أخرى عند ابن جرير (٢/ ٩٦) من طريق: عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄، به، وهذا السند ضعيفٌ؛ لضعف عبد الله بن صالح؛ ولانقطاعه بين علي بن أبي طلحة، وابن عباس، وهو يزيد الحديث قوَّةً.
انظر: "الفتح" (١٩١٥)، "شرح المهذب" (٦/ ٢٥١).
مسألة: سبب تسمية رمضان بهذا الاسم ؟
قيل: لأنه يَرْمَض الذنوب، أي: يحرقها، أو يهلكها.
وقيل: لارْتِمَاض الناس فيه من حر الجوع، ومقاساة الشدة.
وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رَمَضِ الحر؛ فَسُمِّيَ بذلك.
انظر: "الفتح" (١٩٠٠)، "كتاب الصيام" (١/ ٣٥)، "توضيح الأحكام" (٣/ ١٣١).
стр. 10
مسألة: هل يقال: رمضان، أم شهر رمضان ؟
ذهب الجمهور من أهل العلم إلى جواز إطلاق رمضان دون التقييد بـ (شهر).
واستدلوا:
بقوله ﷺ : «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». (١)
وقوله ﷺ : «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر». (٢)
وقوله ﷺ : «إذا جاء رمضان فتحت أبو اب الجنة، وأغلقت أبو اب النار، وَصُفِّدَت الشياطين». (٣)
والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًّا.
وقد بَوَّبَ الإمام البخاري ﵀ على الجواز في "صحيحه"، وكذا النسائي، ورجحه النووي وغيره من أهل العلم.
وقد نُقِل عن أصحاب مالك الكراهية، وكذا عن ابن الباقلَّاني وأكثر الشافعية، إلا أن هؤلاء قيدوا الكراهة بما إذا لم يكن هناك قرينة تصرفه إلى الشهر، أما إذا وجدت قرينة فلا يكره عندهم.
وعمدتهم في ذلك: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لا تقولوا: جاء
стр. 11
رمضان؛ فإن رمضان اسم الله، ولكن قولوا: جاء شهر رمضان».
أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٧/ ٥٣)، وضعفه بأبي مَعْشَر نَجِيْح بن عبدالرحمن، قال البيهقي: وقد روي عن أبي معشر عن محمد بن كعب، وهو أشبه.
والراجح القول الأول.
انظر: "الفتح" (١٨٩٨)، "شرح المهذب" (٦/ ٢٤٨)، "سبل السلام" (٤/ ١٠٤).
مسألة: متى يجب صيام شهر رمضان ؟
ويجب صوم رمضان برؤية هلاله أو إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا؛ لما جاء في "الصحيحين" (١) من حديث ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فَاقْدُرُوا له»، وفي رواية لمسلم: «فاقدروا له ثلاثين»، وفي "الصحيحين" (٢) عن أبي هريرة ﵁ نحوه.
وأخرج أبو داود (٢٣٢٥)، بإسناد صحيح عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ كان يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان فإذا غُمَّ عليه عدَّ ثلاثين يومًا ثم صام. انظر: "المجموع" (٦/ ٢٦٩ - ٢٧٠).
مسألة: معرفة دخول الشهر بطريقة الحساب:
تقدم في الأحاديث أن النبي ﷺ علق الصوم بالرؤية، وفي ذلك إبطالٌ لطريقة
стр. 12
أهل الحساب.
قال ابن دقيق العيد ﵀: الذي أقول: إن الحساب لا يجوز أن يُعْتمد عليه في الصوم؛ لمقارنة القمر للشمس على ما يراه المنجمون؛ فإنهم قد يقدمون الشهر بالحساب على الرؤية بيوم أو يومين وفي اعتبار ذلك إِحْداث شرع لم يأذن به الله. انتهى المراد من "شرحه للعمدة" (٢/ ٢٠٦).
قال ابن بطال ﵀ كما في "السبل" (٤/ ١١٠): في الحديث دفع لمراعاة المنجمين، وإنما المُعَوَّل عليه رؤية الهلال، وقد نُهِينا عن التَّكلف.
وقال ابن بزيزة ﵀ كما في "السبل" (٤/ ١١٠): هو مذهب باطل، وقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم؛ لأنها حَدْس وتخمين ليس فيها قطع.
ثم قال الصنعاني ﵀: والجواب الواضح عليهم ما أخرجه البخاري عن ابن عمر ﵄، أنه ﷺ قال: «إنَّا أمة أُمِّيَّة؛ لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا»، وعقد في الثالثة أصبعًا، «والشهر هكذا وهكذا وهكذا» يعني تمام الثلاثين.
قلتُ: وقد أخرج الحديثَ مسلمٌ أيضًا. (١)
وقال صديق بن حسن ﵀ في "الروضة الندية" (١/ ٢٢٤): والتوقيت في الأيام والشهور بالحساب للمنازل القمرية بدعة باتفاق الأمة. اهـ
وَسُئِلت اللجنة الدائمة عن هذه المسألة رقم (٣٨٦)، فأجابت بجوابٍ فيه:
стр. 13
فالرجوع في إثبات الشهور القمرية إلى علم النجوم في بدء العبادات والخروج منها دون الرؤية من البدع التي لا خير فيها ولا مستند لها من الشريعة. اهـ
وقد ذهب إلى القول بحساب المنازل: مُطَرِّف بن عبد الله من التابعين، وابن قتيبة.
قال ابن عبد البر ﵀: لا يصح عن مطرف، وأما ابن قتيبة فهو ممن لا يُعرَّج عليه في مثل هذا. اهـ
انظر: "التمهيد" (٧/ ١٥٦)، "الفتح" (١٩١١)، "سبل السلام" (٤/ ١١٠)، "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ١٣٢ - ١٣٣).
مسألة: استعمال المنظار المقرب للرؤية:
قال الإمام ابن عثيمين ﵀: وأما استعمال ما يسمى بـ (الدربيل) وهو المنظار المقرب في رؤية الهلال فلا بأس به، ولكن ليس بواجب؛ لأن الظاهر من السنة أنَّ الاعتماد على الرؤية المعتادة لا على غيرها، ولكن لو اسْتُعْمِل فرآه من يُوثَق به فإنه يُعمَل بهذه الرؤية، وقد كان الناس قديمًا يستعملون ذلك لما كانوا يصعدون المنائر في ليلة الثلاثين من شعبان، أو ليلة الثلاثين من رمضان فيتراءونه بواسطة هذا المنظار، على كل حال متى ثبتت رؤيته بأي وسيلة؛ فإنه يجب العمل بمقتضى هذه الرؤية؛ لعموم قوله ﷺ : «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا» (١). اهـ
انظر: "فتاوى رمضان" (١/ ٦٢) جمع/ أشرف، "فتاوى العثيمين" (١٩/ ٣٧).
стр. 14
مسألة: إذا رأى الهلال أهل بلدة فهل يلزم بقية البلاد الصوم ؟
اختلف في هذه المسألة اختلافًا كثيرًا حتى تفرقوا في ذلك إلى ما يقارب ثمانية أقوال كما ذكر ذلك صديق بن حسن في "الروضة الندية" (١/ ٢٢٤).
وقد ألَّف الإمام الشوكاني ﵀ في هذه المسألة رسالة سماها "إْطَلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال".
وأقوى هذه المذاهب ثلاثة:
الأول: أنه يلزم بقية البلدان الصوم.
وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، والليث، وغيرهم، وهو ترجيح جمع من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى"، والإمام الشوكاني وصديق بن حسن خان، والألباني، وابن باز رحمة الله عليهم أجمعين.
واستدلوا بقوله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». (١)
قال الشوكاني ﵀: وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم؛ لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون فيلزم غيرهم ما لزمهم. اهـ من "نيل الأوطار" (٤/ ١٩٤).
الثاني: أنه يلزم بقية البلدان التي توافق البلدة التي رأته في مطالع الهلال.
стр. 15
وهو مذهب الشافعية، وقول عن أحمد، واختاره ابن عبد البر في "التمهيد"، وشيخ الإسلام في "الاختيارات"، وهو ترجيح شيخنا مقبل بن هادي الوادعي، والشيخ ابن عثيمين، وغيرهما من أهل العلم رحمة الله عليهم أجمعين.
واستدلوا بما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، قالوا: والذين لا يوافقون من شاهده في المطالع لا يقال: إنهم شاهدوه لا حقيقة ولا حكمًا، والله تعالى: أوجب الصوم على من شاهده.
٢ - قوله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، فعلق الصوم بالرؤية ومن يخالف من رآه في المطالع لا يقال: إنه رآه لا حقيقة ولا حكمًا.
٣ - حديث ابن عباس ﵄، في "صحيح مسلم" برقم (١٠٨٧)، أنه سأل كُرَيبًا متى رأى الهلال - وكان بالشام- فقال: رأيناه ليلة الجمعة، فقال ابن عباس: لكنا رأيناه ليلة السبت؛ فلا نزال نصوم حتى نرى الهلال، أو نكمل العدة. فقال كريب: أفلا تكتفي برؤية معاوية؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ .
الثالث: أنه لا يلزم أهل بلد رؤية غيرهم إلا أن يثبت ذلك عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم؛ لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد؛ إذ حكمه نافذ في الجميع، وهو قول ابن المَاجشون.
وقال الإمام ابن عثيمين ﵀: وعمل الناس اليوم على هذا، وهو من الناحية الاجتماعية قول قوي.
стр. 16
والقولان الأولان قويان، إلا أنَّ الذي يظهر والله أعلم أن الأول أقوى؛ لعموم الدليل الذي استدلوا به، والشرع عام، ولو كان الحكم على غير ذلك لَبَيَّنَه.
وقد ردوا على القول الثاني بما يلي:
١ - إن اختلاف المطالع أمرٌ لا ينضبط بحد محدود، فما هو الضابط الذي يفصل بين كل مطلع وآخر.
٢ - قال الإمام الألباني ﵀ في "تمام المنة": والمطالع أمور نسبية ليس لها حدود مادية يمكن للناس أن يتبينوها. اهـ
قال شيخ الإسلام ﵀: كما في "مجموع الفتاوى": إذا اعتبرنا حدًّا كمسافة القصر أو الأقاليم، فكان رجل في آخر المسافة والإقليم؛ فعليه أن يصوم ويفطر وينسك، وآخر بينه وبينه غَلْوَة سهم لا يفعل شيئًا من ذلك، وهذا ليس من دين المسلمين. اهـ المراد
٣ - المقصود بالآية والحديث الذي استدل بهما أصحاب القول الثاني هو العلم بحلول شهر رمضان، وقد حصل ذلك برؤية أهل بلد معين، وكما أنه يلزم أهل البلد الواحد الصوم برؤية بعض أفرادهم، فكذلك يلزم أهل البلدان الأخرى الصوم برؤية أهل هذا البلد.
٤ - استدلالهم بحديث ابن عباس ﵄، أجيب عنه بأجوبة:
الأول: أن ابن عباس ﵄ لم يصرح بأن النبي ﷺ أمرهم بأن لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأقطار، بل أراد ابن عباس أنه أمرهم بإكمال الثلاثين أو
стр. 17
يروه كما في الأحاديث الأُخَر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: في "كتاب الصيام" (١/ ١٧٤): ويجوز أن يكون ذلك؛ لأن النبي ﷺ أمرهم أن يصوموا لرؤيته ويفطروا لرؤيته، ولا يفطروا حتى يروه أو يكملوا العدة كما قد رواه ابن عباس وغيره مفسرًا فاعتقد ابن عباس أن أهل كل بلد يصومون حتى يروه أو يكملوا العدة وقد تقدم عنه ﷺ ما يبين أنه قصد رؤية بعض الأمة في الجملة؛ لأن الخطاب لهم، وهذا عمل برؤية قوم في غير مِصْرِه. اهـ
وقد أجاب بهذا الجواب أيضًا ابن دقيق العيد، والشوكاني في "النيل"، وصديق بن حسن في "الروضة الندية".
الثاني: قال الإمام الألباني ﵀ في "تمام المنة": إنَّ حديث ابن عباس ورد في من صام على رؤية بلده ثم بلغه في أثناء رمضان أنهم رأوا الهلال في بلد آخر قبله بيوم، ففي هذه الحالة يستمر في الصيام مع أهل بلده حتى يكملوا العدة أو يروا الهلال. اهـ
وقد سبق شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى الإشارة إلى مثل هذا الجواب كما في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ١٠٩).
الثالث: أن هذه شهادة من كُرْيب وهو واحد، وقد أمرهم النبي ﷺ أن يفطروا بشهادة اثنين، ولو عملوا بخبره؛ لأفطروا بشهادة واحد، كذا أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "شرح العمدة".
وأشار إلى هذا الجواب الإمام النووي ﵀ في "شرح مسلم"، والله أعلم.
قلتُ: ويبين أن الحديث ليس فيه وجه لما استدلوا به أن مطلع الشام والمدينة النبوية لا يختلف، بل هو مطلع واحد، والله أعلم.
стр. 18
قلتُ: لكن قال شيخ الإسلام ﵀ كما في مجموع الفتاوى (٢٥/ ١٠٣): حكى ابن عبد البر الإجماع على أن الاختلاف فيما يمكن اتفاق المطالع فيه، فأما ما كان مثل الأندلس وخراسان؛ فلا خلاف أنه لا يعتبر.
وعلى هذا فرؤية أهل المغرب لا تعتبر على أهل المشرق، إلا مع اتحاد المطلع، ولكن يظهر أن رؤية أهل المشرق تعتبر على أهل المغرب وإن اختلفت المطالع؛ لأن مطلعهم بعدهم؛ فإذا رأى الهلال أهل المشرق كانت رؤيتهم معتبرة على كل من كان بعدهم في المطلع، وإن تباعدوا، والله أعلم.
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٧٣ - ٢٧٤)، "المغني" (٣/ ٥)، "كتاب الصيام" من "شرح العمدة" (١/ ١٧٠ - ١٧٥)، "المُفْهم" (٣/ ١٤٢)، "الفتح" (١٩١١)، "شرح مسلم" (٧/ ١٩٧)، "نيل الأوطار" (٤/ ١٩٤)، "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ١٠٣)، "الروضة الندية" (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، "تمام المنة" (ص ٣٩٨)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٢٠ - ٣٢٣)، "توضيح الأحكام" (٣/ ١٤٠).
مسألة: رؤية الهلال بالنهار:
أما إذا كانت الرؤية بعد الزوال، فقد نقل ابن حزم الإجماع على أنه لا يجب الصوم إلا من الغد.
وأما قبل الزوال، ففيه مذاهب:
الأول: أنه لِلَّيلة الماضية، وهو قول الثوري، وأبي يوسف، وسلمان بن ربيعة،
стр. 19
وابن حبيب الأندلسي، ورواية عن عمر بن عبدالعزيز، ورواية عن أحمد، وهو ترجيح ابن حزم.
قالوا: فإن كانت الرؤية في أول الشهر أمسكوا وقضوا، وإن كانت آخر الشهر أفطروا وعيدوا؛ لأن وقت العيد باقٍ [إلا أن ابن حزم لم يذكر القضاء].
وقد استدلوا على ذلك بما رواه عبدالرزاق (٤/ ١٦٣)، وابن أبي شيبة (٣/ ٦٦)، والبيهقي في "الكبرى" (٤/ ٢١٣) من طريق إبراهيم النَّخعي، أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عتبة بن فَرْقَد: إذا رأيتم الهلال في آخر النهار فأتموا صومكم؛ فإنه لليلة المقبلة، وإذا رأيتموه في أول النهار فأفطروا؛ فإنه لليلة الماضية. يعني هلال شوال.
الثاني: كالمذهب الأول إلا أن الهلال في آخر الشهر للمقبلة احتياطًا للصوم، وهو رواية عن أحمد نقلها الأثرم والميموني.
الثالث: أنه لليلة المقبلة، وهو رواية عن أحمد اختارها الخرقي، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وإسحاق، والليث، والأوزاعي، ومحمد بن الحسن، ورواية عن عمر بن عبدالعزيز، ورجحه ابن عبدالبر، ونقله عن أكثر العلماء ورجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ثم الإمام ابن عثيمين ﵀.
واستدلوا على ذلك بما أخرجه عبدالرزاق (٤/ ١٦٢ - ١٦٣)، وابن أبي شيبة (٣/ ٦٧)، والدارقطني (٢/ ١٦٨ - ١٦٩)، والبيهقي (٤/ ٢١٣) بأسانيد صحيحة عن أبي وائل، قال: جاءنا كتاب عمر بن الخطاب، ونحن بِخَانِقِين أن الأَهِلَّة بعضها
стр. 20
أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال؛ فلا تفطروا حتى تمسوا، إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما أهَلَّاه بالأمس عشيًّا.
وقد ثبت ذلك عن عثمان ﵁، كما في مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٦٥)
وجاء ذلك أيضًا عن ابن مسعود ﵁، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٦٦) من طريق: القاسم بن عبدالرحمن عنه، أنه قال: إذا رأيتم الهلال نهارًا فلا تفطروا؛ فإن مجراه في السماء، لعله أن يكون قد أهل ساعتئذٍ.
وإسناده ضعيف بسبب انقطاعه بين القاسم، وعبد الله.
وقد جاء عن ابن عمر ﵄، القول بذلك، أخرجه عبدالرزاق (٤/ ١٦٦) بإسناد صحيح عنه، وجاء ذلك أيضًا عن أنس بن مالك ﵁، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٦٥) بإسناد صحيح عنه.
قالوا: والتفريق بين رؤيته قبل الزوال وبعد الزوال لا يستند إلى كتاب ولا سنة.
وهذا القول هو الراجح؛ للاحتمال الذي ذُكِر في أثر ابن مسعود المتقدم.
وأما أثر عمر المتقدم الذي استدل به أهل القول الأول فهو منقطع؛ لأن إبراهيم النَّخعي لم يدرك عمر ﵁.
قال البيهقي ﵀: هكذا رواه إبراهيم النخعي منقطعًا، وحديث أبي وائل أصَحُّ.
انظر: "كتاب الصيام" من "شرح العمدة" (١/ ١٦١ - ١٧٠)، "التمهيد" (٧/ ١٧٧ - ١٧٨)، "الفتح" (١٩١١)، "الروضة الندية" (١/ ٢٢٤)، "المجموع" (٦/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، "المحلى" (٦/ ٢٣٩) رقم (٧٥٨)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣١٩)، "السنن الكبرى" (٤/ ٢١٣).
стр. 21
مسألة: ما يثبت به الصوم والفطر من الشهود ؟
اختلف في ذلك على ثلاثة مذاهب:
الأول: أن المعتبر شهادة اثنين عند الصوم والإفطار.
وهو قول مالك، والليث، والأوزاعي، والثوري، والشافعي في أحد قوليه، وهو رواية غير مشهورة عن أحمد.
واستدلوا بما أخرجه أحمد (٤/ ٣٢١) عن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب في اليوم الذي يشك فيه، فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله ﷺ وسألتهم، وإنهم حدثوني أن رسول الله ﷺ قال: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها؛ فإنْ غُمَّ عليكم فأكملوا ثلاثين؛ فإنْ شهد شاهدان مسلمان؛ فصوموا وأفطروا».
وإسناده ضعيف؛ لأن فيه حجاج بن أَرْطَاة، وهو ضعيف ومدلس، وقد سقط حجاج بن أرطاة من سند النسائي (٤/ ١٣٢ - ١٣٣)، وهو وهم من سعيد ابن شَبِيب كما ذكر ذلك الحافظ المزي في "تحفة الأشراف" (١١/ ١٧٨)، وكذلك ابن عبدالهادي في "التنقيح" (٣/ ٢١٦).
ولكن للحديث شاهد يحسن به فقد أخرج أبو داود (٢٣٣٨)، والدارقطني (٢/ ١٦٧) من حديث أمير مكة الحارث بن حاطب ﵁، أنه قال: عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسك للرؤية؛ فإن لم نره وشهِدَ شاهدا عَدْلٍ؛ نسكنا بشهادتهما. وأقره ابن عمر ﵄، وإسناده حسن.
الثاني: أن المعتبر عند الصيام شهادة واحد، وعند الإفطار شهادة اثنين، وهو
стр. 22
قول أحمد، والشافعي في أحد قوليه، وابن المبارك.
واستدلوا بالأحاديث التي استدل بها أصحاب القول الأول.
قالوا: وأما عند الصوم فقد أخرج أبو داود (٢٣٤٢) بإسناد صحيح عن ابن عمر ﵄، قال: ترآى الناس الهلال، فأخبرت النبي ﷺ أَنِّي رأيته، فصام وأمر بصيامه. وثبت عن ابن عمر ﵄، أنه أجاز شهادة رجل في الهلال كما في "تهذيب الآثار" (٢/ ٧٦٢ - ) مسند ابن عباس ﵄.
وأخرج أبو داود (٢٣٤٠)، والنسائي (٢١١٣)، والترمذي (٦٩١)، وابن ماجه (١٦٥٢)، وغيرهم من طريق سِماك عن عكرمة عن ابن عباس ﵄، أن أعرابيًّا شهد عند النبي ﷺ أنه رأى الهلال، فقبل النبي ﷺ شهادته بعد أن تأكد من إسلامه.
قالوا: وهذا إخبار بعبادة لا يتعلق بها حق آدمي؛ فقبل فيها قول الواحد.
الثالث: أنه يكفي شهادة رجل عند الصوم وعند الإفطار.
وهو قول أبي ثور وابن حزم والشوكاني واستدلوا بحديث ابن عمر، وابن عباس المذكورين قريبًا، وقاسوا عليه شهادة الفطر، وقال بهذا القول الصنعاني أيضًا.
ورُجِّح القول الأول؛ لدلالة الأحاديث التي استدلوا بها؛ ولأنه هلال من الأَهِلَّة فلم يثبت إلا بشاهدين كسائر الأهلة؛ ولأنه إيجاب حق على الناس، فلم يجب إلا بشاهدين كسائر الحقوق؛ ولأن رواية الواحد معرضة للغلط، ولاسيما إن كان بين الناس والسماء مُصْحِية، وربما يتهم في ذلك، فلابدَّ من إزالة الشبهة باثنين.
стр. 23
وقد أجيب عن أدلة القول الثاني بأن حديث ابن عباس ﵄ الراجح أنه من مراسيل عكرمة كما جزم بذلك النسائي، والترمذي، وأبو داود.
انظر "نصب الراية" (٢/ ٤٤٣)، و"التلخيص الحبير" (٢/ ٣٥٨)، و"الإرواء" (٦١٣).
وأما حديث ابن عمر ﵄، فليس فيه أن النبي ﷺ أمر بالصيام؛ لشهادة ابن عمر وحده، بل يحتمل أنه قد شهد غيره عند النبي ﷺ .
وأما قولهم: (إنه إخبار بعبادة لا يتعلق بها حق الآدميين) فلا يسلم هذا؛ فإنه يتعلق بهذا الهلال سائر حقوق الآدميين من الآجال، والإجارات، والطلاق، والعِتَاق، وغير ذلك.
وقد أجيب عن أدلة القول الأول:
بأن أدلتهم لا تدل على ما استدلوا به إلا بطريق المفهوم، وحديث ابن عمر ﵄ منطوق؛ فَيُقَدَّم عليه.
قال ابن القيم ﵀ في "الطرق الحكمية" (ص ١٤٦): ولا يقوى ما يتوهم من عموم المفهوم على معارضة هذين الخبرين -يعني حديث ابن عمر، وابن عباس ﵃.
قال: وأصول الشرع تشهد للاكتفاء بقول الواحد؛ فإنَّ ذلك خبر عن دخول وقت الصيام، فاكتُفي فيه الشاهد الواحد، كالإخبار عن دخول وقت الصلاة بالأذان، ولا فرق بينهما. اهـ
وقال شيخ الإسلام ﵀: المفهوم عارضه نصٌّ، والمنطوق مقدم على المفهوم؛
стр. 24
فإن المفهوم أحسن أحواله أن يكون كالعام مع الخاص، وكالقياس مع النص، وهذا يترك من غير نسخ، والنص لا يترك إلا بناسخ. انتهى المراد من "شرح الصيام" (١/ ١٤٧).
والراجح -والله أعلم- هو القول الثاني، وبالله التوفيق.
انظر: "نيل الأوطار" (٤/ ١٨٧)، "المحلى" رقم (٧٥٧)، "كتاب الصيام" (١/ ١٣٥)، "سبل السلام" (٤/ ١١١ - ١١٢)، "شرح المهذب" (٦/ ٢٨٢).
مسألة: من رأى الهلال وحده هل يلزمه الصوم والفطر ؟
في هذه المسألة ثلاثة مذاهب:
الأول: أنه يلزمه الصوم والفطر - أعني الصوم إذا رآه في أول الشهر، والفطر إذا رآه في آخر الشهر- ويفطر سرًا، وهو مذهب الشافعي، والحسن بن حي، ورواية عن أحمد، ورجحه ابن حزم؛ لقول النبي ﷺ : «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته»، فهذا قد تيقن أنَّ رمضان قد دخل أو قد خرج فوجب عليه العمل به.
الثاني: أنه يصوم ولا يفطر، وهو المشهور عن أحمد، ومالك، وأبي حنيفة، واستدلوا بما استدل به الفريق الأول، وقالوا: لا يفطر؛ احتياطًا لرمضان.
الثالث: يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس، وهو مذهب الشعبي، والحسن، وابن سيرين، ورواية عن أحمد، ورجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ ابن باز، والشيخ الألباني رحمة الله عليهم.
واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: «صومكم يوم تصومون،
стр. 25
وفطركم يوم تفطرون»، أخرجه الترمذي (٦٩٧)، وإسناده حسن.
وثبت عن أنس ﵁، أنه كره مخالفة الأمير، وصام معه قبل دخول الشهر. أخرجه أحمد كما في مسائل الفضل بن زياد، كما في "زاد المعاد" (٢/ ٤٣) بإسنادٍ حسنٍ.
والراجح -والله أعلم- القول الأول، وقد أجابوا عن هذا الحديث بِحَمْلِهِ على من لم يعلم خلاف ما عليه الناس، ولم يتيقن من رؤية الهلال كما ذكر ذلك الصنعاني ﵀ في "سبل السلام"، والله أعلم.
انظر: "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ١١٤ - ١١٨)، "المغني" (٣/ ٤٧)، "التمهيد" (٧/ ١٥٨ - ١٥٩)، "سبل السلام" (٣/ ٢١٧ - ٢١٨)، "المحلى" (٧٥٧)، "كتاب الصيام" (١/ ١٥٤)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٢٨ - ٣٣٠).
مسألة: إذا أخبره من يثق بقوله أنه رأى الهلال، فهل يصوم أم يفطر ؟
قطع جماعة من الشافعية، والحنابلة أنه يلزمه الصوم وإن لم يثبت ذلك عند الحاكم؛ لأن رد الحاكم يجوز أن يكون لعدم علمه بالمُخْبر وحاله، ولا يتعين ذلك في عدم العدالة، وقد يجهل الحاكم عدالة من يعلم غيره عدالته.
انظر: "شرح المهذب" (٦/ ٢٧٧)، "المغني" (٣/ ٤٨)، "المحلى" (٧٥٧).
مسألة: شهادة النساء للهلال ؟
أما في هلال شوال: فقد قال أبو عمر بن عبد البر ﵀: أما الشهادة على رؤية الهلال، فأجمع العلماء على أنه لا تقبل في شهادة شوال في الفطر إلا رجلان
стр. 26
عدلان. اهـ
قال ابن قدامة ﵀: ولا يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين، ولا شهادة النساء مفردات وإن كَثُرْن، وكذلك سائر الشهور؛ لأنه مما يطلع عليه الرجال، وليس بمال، ولا يقصد به المال؛ فأشبه القصاص، وكان القياس يقتضي مثل ذلك في رمضان، ولكن تركناه احتياطًا للعبادة. اهـ
قلتُ: أما الإجماع الذي نقله ابن عبد البر فلا يصح؛ فقد خالف ابن حزم كما في "المحلى" وقبله أبو ثور ومال إليه ابن رُشْد، وهو اختيار شيخ الإسلام، والعلامة العثيمين، وهو الصحيح، وليس هناك دليل على تخصيص شهادة النساء بالأموال وبما لا يَطَّلع عليه الرجال غالبًا فحسب، والله أعلم.
انظر: "التمهيد" (٧/ ١٥٧)، "المغني" (٣/ ١٤٩)، "بداية المجتهد" (٥/ ١٣٦)، "المحلى" (٧٥٧).
وأما هلال رمضان: ففي ذلك خلاف مبني على أن الإخبار بدخول رمضان هل هو من باب الشهادة أم من باب الإخبار؟ ورُجِّح الأول بقول النبي ﷺ : «فإن شهد شاهدان مسلمان؛ فصوموا وأفطروا»، وقد تقدم.
ولذلك فقد ذهب الشافعي في "الأم" وعليه أكثر الشافعية، وذهب إليه بعض الحنابلة أنه لا تقبل شهادتها؛ لأن هذا مما يطلع عليه الرجال، وليس بمال، ولا يقصد به المال، وهو مذهب الليث، وابن المَاجشون المالكي.
والمشهور عند الحنابلة وهو قول أبي حنيفة، وهو ترجيح ابن حزم أنه يعمل بقولها.
стр. 27
والراجح -والله أعلم-: هو قبول شهادة النساء في ذلك؛ لأن الراجح كما في "باب الشهادات" أن الشهادة مقبولة في غير الحدود، وهو اختيار شيخ الإسلام والعلامة العثيمين ﵀.
وهذا على التسليم بأنها شهادة، وإلا فالأظهر أن ذلك خبر ديني كما اختاره شيخ الإسلام وابن القيم، ويؤيده قبول النبي ﷺ لشهادة ابن عمر ﵄، وهو واحدٌ كما تقدم.
انظر: "المجموع" (٦/ ٢٧٧)، "المغني" (٣/ ٤٨)، "كتاب الصيام" (١/ ١٤٥)، "تفسير القرطبي" سورة البقرة [آية ٢٨١]، "المجموع" (٦/ ٢٨٤).
مسألة: شهادة الصبي المميز الموثوق بخبره ؟
قال الإمام النووي ﵀: وأما الصبي المميز الموثوق بخبره فلا يقبل قوله إن شرطنا اثنين أو قلنا شهادة، وهذا لا خلاف فيه، وإن قلنا روايةً فطريقان: الأول: المذهب، وبه قطع الجمهور: لايقبل قطعًا. والثاني: فيه وجهان، بناء على الوجهين المشهورين في قبول روايته، إن قبلناها قُبِل هذا، وإلا فلا، وبهذا الطريق قطع إمام الحرمين. انتهى من "شرح المهذب" (٦/ ٢٧٧).
ومذهب الحنفية، والأصح عند الحنابلة عدم العمل بشهادته.
قلتُ: والراجح عدم قبول قوله؛ لأنه غير مكلف، ولا يوصف بالعدالة قبل التكليف. "الموسوعة الفقهية الكويتية" (١٩/ ١٦)، و"الإنصاف" (٣/ ١٩٥).
стр. 28
مسألة: شهادة الكافر، والفاسق، والمغفل ؟
قال الإمام النووي ﵀: لا يُقبل قولهم فيه بلا خلاف. انتهى من "شرح المهذب" (٦/ ٢٧٧).
مسألة: إذا أصبح الرجل مُفْطِرًا يعتقد أنه من شعبان، ثم قامت البَيِّنة أن اليوم من رمضان، وأن الهلال قد أُهلَّ بالأمس ؟
في هذه المسألة أقوال:
الأول: أنه لا يصوم، وليس عليه القضاء، وهو قول داود، والظاهرية إلا ابن حزم؛ لأنه لم يدرك زمن صوم ذلك اليوم من أوله.
الثاني: أنه يأكل بقية يومه ثم يقضيه، وهذا القول مروي عن عطاء.
الثالث: أنه يمسك فيه عما يمسك الصائم ولا يجزئه وعليه قضاؤه، وهو قول أحمد، ومالك، والشافعي، والجمهور؛ لأنه لم يصم يومًا كاملًا.
الرابع: أنه يمسك، ولا يجزئه، وعليه قضاؤه إن أكل، أو علم بعد الزوال أكل أو لم يأكل، وهو قول أبي حنيفة.
الخامس: أنه يصوم يومه ويجزئه، وهو قول عمر بن عبدالعزيز، وابن حزم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والشوكاني.
واستدلوا بحديث سلمة بن الأكوع، والرُّبيِّع بنت مُعوذ، وغيرهما من الصحابة ﵃، في صيام يوم عاشوراء، أن النبي ﷺ قال: «من أصبح صائما
стр. 29
فليتم صومه، ومن أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه». (١)
وهذا القول هو الصحيح، وهو ظاهر ترجيح صديق بن حسن ﵀ في "الروضة الندية".
قال ابن حزم ﵀: فلا يخلو هذا الإمساك الذي أمروه به من أن يكون صائمًا ويجزئه -وَهُم لا يقولون بهذا- أو لا يكون صومًا ولا يجزئه؛ فمن أين وقع لهم أن يأمروه بعمل يتعب فيه ويتكلفه ولا يجزئه؟! وأيضًا: فإنه لا يخلو من أن يكون مفطرًا، أو صائمًا؛ فإن كان صائمًا فَلِمَ يقضيه إذن؟ فيصوم يومين، وليس عليه إلا واحد، وإن كان مفطرًا فَلِمَ أمروه بعمل الصوم؟! وهذا عجب جدًّا، وحسبنا الله ونعم الوكيل. اهـ
قال أبو عبد الله ﵀: هذا القول هو الصحيح، والأحوط أن يقضي يومًا كما قال الجمهور، وبالله التوفيق.
انظر: "المغني" (٣/ ٣٣)، "المجموع" (٦/ ٢٧١)، "المحلى" (٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤) (٧٢٩)، "الإنصاف" (٣/ ٢٥٤).
مسألة: إذا لم يعلم بالرؤية إلا بعد غروب الشمس ؟
ذهب الجمهور إلى أنه يلزمه القضاء، وذهب شيخ الإسلام، وابن حزم إلى أنه لا قضاء عليه.
قال ابن حزم ﵀: وأما من لم يعلم بوجوب صوم ذلك اليوم عليه إلا بعد
стр. 30
غروب الشمس؛ فإنه لم يصمه كما أمر؛ لأنه لم يَنْو في شيء منه صومًا، ولم يتعمد ترك النية، فلا إثم عليه فيما لم يتعمد ولا قضاء عليه؛ لأنه لم يأت بإيجاب القضاء عليه نَصٌّ ولا إجماع، ولا يجب في الدين حكم إلا بأحدهما، وإنما أمر بصيام ذلك اليوم، لا بصوم غيره مكانه، فلا يجزئ ما لم يؤمر به مكان ما أمر به. اهـ
قال أبو عبد الله غفر الله له: أمر الله بصيام شهر كامل فعليه أن يقضي يومًا مكانه، والله أعلم.
انظر "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ١٠٦)، "المحلى" (٧٢٩).
مسألة: إذا أصبح الناس صيامًا في ثلاثين من رمضان، ثم جاءهم الخبر بأن هلال شوال قد استهل ليلاً ؟
قال ابن عبد البر ﵀ في "التمهيد" (٧/ ١٦١): وأجمع العلماء على أنه إن ثبت أنَّ الهلال من شوال رُئِيَ بموضع استهلاله ليلًا، وكان ثبوت ذلك، وقد مضى من النهار بعضه أنَّ الناس يفطرون ساعة جاءهم الخبر الثَّبت في ذلك؛ فإنْ كان قبل الزوال صلوا العيد بإجماع من العلماء وأفطروا، وإن كان بعد الزوال فاختلف العلماء في صلاة العيد حينئذٍ ...
ثم ذكر مذاهب العلماء في ذلك، وأشهرها:
١ - قول مالك، وأبي حنيفة: أنه لا تُصَلَّى صلاة العيد في غير يوم العيد لا فطر ولا أضحى.
٢ - قول الثوري: يخرجون في الفطر من الغد.
стр. 31
٣ - قول الليث: يخرجون في الفطر والأضحى من الغد، وعلَّق الشافعي القول بهذا بثبوت حديث فيه.
وأقولُ: قد ثبت في ذلك حديث أبي عُمير بن أنس عن عُمومة له من أصحاب النبي ﷺ ، أن رَكْبًا جاءوا إلى النبي ﷺ يشهدون أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مُصلَّاهم. أخرجه أبو داود برقم (١١٥٧)، وصححه الإمام الوادعي في "الجامع الصحيح" (٢/ ٤٥٠).
وقد رجح ابن عبد البر ﵀ القولَ الأول، وضَعَّف هذا الحديث، وأعلَّه بجهالة أبي عمير، وقد رُدَّ عليه بأنَّ أبا عمير قد وثقه ابن سعد وغيره.
والراجح -والله أعلم- هو القول الثالث، وهو ترجيح شيخنا الإمام مقبل الوادعي ﵀؛ حيث بوَّب في "الجامع الصحيح"، فقال: [تُصَلَّى صلاة العيد في اليوم الثاني إذا لم يعلم بتمام الشهر في وقت الصلاة].
فائدة:
قال ابن عبد البر ﵀ (٧/ ١٦٢): وقد أجمع العلماء على أن صلاة العيد لا تصلَّى يوم العيد بعد الزوال.
مسألة: لو غمَّ الهلال فرأى إنسان النبي ﷺ في المنام، فقال له: الليلة أول رمضان ؟
قال النووي ﵀ في "المجموع" (٦/ ٢٨١ - ٢٨٢): لا يصح الصوم بهذا المنام لا لصاحب المنام ولا لغيره. ذكره القاضي حسين في "الفتاوى"، وآخرون
стр. 32
من أصحابنا، ونقل القاضي عياض الإجماع عليه، وقد قررته بدلائله في أول "شرح صحيح مسلم"، ومختصره: أنَّ شرط الرواي والمخبر والشاهد أن يكون متيقظًا حال التحمل، وهذا مُجمع عليه، ومعلوم أن النوم لا تَيقُّظ فيه، ولا ضبط؛ فترك العمل بهذا المنام لاختلال ضبط الراوي لا للشك في الرؤية؛ فقد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من رآني في المنام فقد رآني حقًّا؛ فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي» (١). اهـ
стр. 33
فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالنِّيَة
مسألة: هل تشترط النية للصوم ؟
لا يصح الصوم إلا بنية، سواء كان فرضًا أو تطوعًا؛ لقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات»، متفق عليه عن عمر بن الخطاب ﵁.
وهذا قول جمهور العلماء، بل نقل ابن قدامة عليه الإجماع كما في "المغني" (٣/ ٧)، والصحيح وجود الخلاف، فقد ذهب الزهري وعطاء وزُفر ومجاهد إلى أنَّ الصوم إذا كان متعينًا بأن يكون صحيحًا مقيمًا في شهر رمضان فلا يفتقر إلى نية.
انظر "المجموع" (٦/ ٣٠٠)، "نيل الأوطار" (٤/ ١٩٧)، و"المحلى" رقم (٧٢٨).
قال النووي ﵀: قال الماوردي: فأما صوم النذر والكفارة، فيشترط له النية بإجماع المسلمين. "المجموع" (٦/ ٣٠٠ - ٣٠١).
مسألة: تعيين النية في الصوم الواجب ؟
ذهب الجمهور إلى وجوب التعيين، وهو أن يعتقد أنه يصوم غدًا من رمضان، أو من قضائه، أو من كفارته، أو من نذره، وهو مذهب مالك، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وداود، واستدلوا بقوله ﷺ : «وإنما لكل امرئ ما نوى».
وهذا القول هو الراجح، وهو الذي رجحه ابن قدامة، والنووي.
وذهب أبو حنيفة إلى عدم وجوب تعيين النية في صوم رمضان، فلو نوى في
стр. 34
رمضان الصوم مطلقًا أو نفلًا، وقع عن رمضان، وصحَّ صومه، وهو رواية عن أحمد، والصحيح القول الأول، والله أعلم.
انظر: "المغني" (٣/ ٩)، "المجموع" (٦/ ٢٩٤ - ٣٠٢)، "كتاب الصيام" (١/ ١٩٩).
مسألة: التعيين في صوم التطوع ؟
قال النووي ﵀ في "شرح المهذب" (٦/ ٢٩٥): وأما صوم التطوع فيصح بنية مطلق الصوم كما في الصلاة، هكذا أطلقه الأصحاب، وينبغي أن يشترط التعيين في الصوم المرتب كصوم عرفة، وعاشوراء، وأيام البيض، وست من شوال ونحوهما، كما يشترط ذلك في الرواتب من نوافل الصلاة. اهـ
مسألة: تبييت النية في صيام الفرض ؟
ذهب الجمهور وفيهم أحمد، ومالك، والشافعي إلى وجوب تبييت النية في الفرض من الليل، واستدلوا بحديث حفصة عند أبي داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٣٧٠)، والنسائي (٢٣٣١)، وابن ماجه (١٧٠٠)، وغيرهم، أن النبي ﷺ قال: «من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له»، وهذا الحديث الراجح أنه موقوف على حفصة، وجاء أيضًا موقوفًا على ابن عمر ﵃.
وقد رجَّح وقفه البخاري، وأبو حاتم، والنسائي، والدارقطني، وأبو داود، والترمذي، واستدلوا بحديث عمر بن الخطاب ﵁ في "الصحيحين" (١) مرفوعًا «إنما الأعمال بالنيات».
стр. 35
وذهب أبو حنيفة إلى أنه يصح بنية قبل الزوال في صوم رمضان والنذر المعين، ووافق الجمهور على أن صوم القضاء والكفارة لا يصحان إلا بنية من الليل.
واستدل له بقول النبي ﷺ في يوم عاشوراء: «من كان صائمًا فليتم صومه، ومن كان أكل فَلْيتم بقية يومه» متفق عليه بمعناه من حديث سلمة بن الأكوع، والرُّبيع بنت مُعوذ ﵄. (١)
والراجح: هو القول الأول، وهو ترجيح ابن قدامة، والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والصنعاني، والشوكاني ﵏.
وأما الدليل الذي استدل به لأبي حنيفة فقد أجاب عنه شيخ الإسلام، وكذا الشوكاني بأنَّ النية إنما صحت في نهار عاشوراء؛ لكون الرجوع إلى الليل غير مقدور، ولكونه ابتدأ وجوبه من النهار، ولم يكن واجبًا عليهم من الليل بخلاف صوم رمضان.
قال النووي ﵀ في "المجموع" (٦/ ٣٠١): لو سلمنا أنه كان فرضًا-يعني عاشوراء-فقد كان ابتداء فرضه عليهم من حين بلغهم، ولم يخاطبوا بما قبله كأهل قباء في استقبال الكعبة؛ فإن استقبالها بلغهم في أثناء الصلاة فاستداروا وهم فيها من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة، وأجزأتهم صلاتهم حيث لم يبلغهم الحكم إلا حينئذ، وإن كان الحكم باستقبال الكعبة قد سبق قبل هذا في حق غيرهم، ويصير هذا كمن أصبح بلا نية، ثم نذر في أثناء النهار صوم ذلك اليوم. اهـ
стр. 36
انظر: "المغني" (٣/ ٧)، "المجموع" (٦/ ٢٨٩ - ٢٩٠)، و"النيل" (٤/ ١٩٦)، "المحلى" (٧٢٨).
مسألة: تبييت النية في صوم التطوع ؟
ذهب الجمهور إلى عدم وجوب تبييت النية في صوم التطوع، وقالوا: يجزئه أن يبتدئ النية من النهار مالم يأكل، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة.
واستدلوا بحديث عائشة ﵂ في "صحيح مسلم" برقم (١١٥٤)، قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟»، قلنا: لا، قال: «فإني إذًا صائم»، وجاء في بعض الروايات «فإني صائم».
وفي "صحيح أبي عَوَانة «فأصوم»، برقم (٢٨٤١)، بإسناد صحيح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: في "شرح العمدة" في "كتاب الصيام" (١/ ١٨٦): وهذا يدل على أنه أنشأ الصيام من النهار؛ لأنه قال: «فإني صائم»، وهذه الفاء تفيد السببية والعلة، فيصير المعنى: «إني صائم لأنه لا طعام عندكم»، وأيضًا فقوله «إني إذًا صائم»، و (إذًا) أَصْرح بالتعليل من الفاء. اهـ
قلتُ: ورواية أبي عوانة «فأصوم» ظاهرةً أيضًا في أنه أنشأ الصوم؛ لأنَّ الفعل «أصوم» مضارع يفيد الاستقبال، والله أعلم.
واستدل أهل هذا القول أيضًا بأنه قد صح عن جمعٍ من الصحابة أنهم يبتدئون صوم التطوع من النهار، منهم: أبو الدرداء، وأبو طلحة، وحذيفة، وابن مسعود، وأنس، ومعاذ بن جبل، كما في "مصنف ابن أبي شيبة" (٣/ ٣١،٢٩،٢٨)، وعبدالرزاق (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، والطحاوي في "شرح المعاني" (٢/ ٥٦)، ولا
стр. 37
يُعْلم لهم مخالف من الصحابة، وهذا القول هو ترجيح الإمام الألباني، والعلامة ابن باز، والعلامة ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين.
وذهب مالك، وداود، وابن حزم، والصنعاني، والشوكاني إلى وجوب تبييت النية من الليل؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، ورجح هذا القول الإمام الوادعي.
وأجابوا عن حديث عائشة ﵂، بأنه محمول على أنَّ النبي ﷺ كان صائمًا فأراد أن يفطر، ويؤيد هذا أنه جاءت رواية في "مسند أحمد" صريحة بذلك، فقد أخرج أحمد (٦/ ٤٩) والنسائي (٤/ ١٩٤ - ١٩٥) من طريق يحيى بن سعيد، عن طلحة بن يحيى قال: حدثتني عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين ﵂، أن النبي ﷺ كان يأتيها وهو صائم، فيقول: «أصبح عندكم شيء؟» فتقول لا، فيقول: «إني صائم».
وهذه الزيادة قوله: (وهو صائم) لم أجدها في غير هذا الموضع، وأكثر طرق الحديث بدونها.
فقد رواه جمعٌ من الرواة عن طلحة بن يحيى بدون هذه الزيادة، وهم: سفيان بن عيينة، ووكيع، وعبد الله بن نُمير، وعبدالواحد بن زياد، وسفيان الثوري، وشعبة ومحمد بن سعيد، فهؤلاء سبعة.
انظر مصادر رواياتهم في "المسند الجامع" (١٩/ ٧٣٥).
وتابعهم عيسى بن يونس عند إسحاق بن راهويه (١٠٢٣)، وأبو معاوية عند أبي يعلى (٤٥٦٣)، وإسماعيل بن زكريا عند أبي يعلى (٤٥٩٦)، وابن حبان
стр. 38
(٣٦٣٠)، ويعلى بن عبيد عند البيهقي في "السنن الصغرى" (١٢٩٣)(١٢٩٤) وأبي عوانة (٢/ ١٩٨)، وجعفر بن عون عند أبي عوانة (٢/ ١٩٩)، وأبو أسامة حماد بن أسامة عند أبي عوانة (٢/ ١٩٩).
فهؤلاء ستة مع السبعة المتقدمين، فصاروا ثلاثة عشر راويًا يروون الحديث عن طلحة بن يحيى بدون زيادة: (وهو صائم)، فهذه الزيادة ليست محفوظة، والله أعلم.
فعلى هذا فالذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ قول الجمهور هو الراجح.
وأما حديث «إنما الأعمال بالنيات» فلا يعارض ما تقدم؛ لأنه يُؤْجَر على صيامه منذ ابتدأ النية، أما قبل ذلك فلا يؤجر على الصحيح من أقوال أهل العلم، ولئن سلمنا أنه يؤجر عليه، فيكون الحديث عامًّا مخصوصًا بحديث عائشة المتقدم، والله أعلم.
انظر: "كتاب الصيام" (١/ ١٨٥ - )، "المجموع" (٦/ ٢٩٢) (٦/ ٣٠٣)، "المغني" (٣/ ١٠)، "النيل" (٤/ ١٩٧ - ١٩٨)، "المحلى" (٧٣٠).
تنبيه:
قال ابن قدامة ﵀ في "المغني": شرطه ألَّا يكون طعم قبل النية، ولا فعل ما يفطره، فإن فعل شيئًا من ذلك لم يجزئه الصيام بغير خلاف نعلمه. اهـ
تنبيهٌ آخر:
اختلف القائلون بجواز التطوع من النهار، هل يجزئه إحداث النية بعد الزوال أم لا، فذهب الشافعي والحنفية إلى عدم الجواز، وذهب أحمد إلى الجواز، وهو وجهٌ للشافعية، وهو الصحيح. قال شيخ الإسلام: والأظهر صحته كما نُقِل عن
стр. 39
الصحابة.
انظر: "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ١٢٠)، "المغني" (٣/ ١١) "الموسوعة الفقهية الكويتية" (٢٨/ ٨٨).
مسألة: هل يلزم النية لكل يوم على حِدَةٍ أم يكفيه نية واحدة لشهر رمضان؟ ولما يشترط فيه التتابع ؟
ذهب الجمهور، وفيهم الإمام أحمد في المشهور عنه، والشافعي، وأبو حنيفة، ورواية عن إسحاق إلى وجوب النية لكل يوم على حدة، وعللوا ذلك بأن كل يوم عبادة مستقلة؛ ولذلك لا يفسد صيام يوم الأحد بفساد صيام الاثنين مثلًا.
وذهب الإمام مالك -ورواية عن أحمد نصرها ابن عقيل، ورواية عن إسحاق، ورجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية- إلى أن رمضان وما لحق به مما يشترط فيه التتابع تكفي النية في أوله؛ ما لم يقطعه لعذر فيستأنف النية.
وهذا القول هو الراجح، وقد رجحه الإمام ابن عثيمين ﵀.
ويدل عليه عموم قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات»، وأيضًا هو عبادة واحدة، فتكفيه نية واحدة.
قال شيخ الإسلام ﵀: وكون الفساد يختص ببعضه إذا صادفه لا يمنع كونه عبادة واحدة كالحج؛ فإنه يشتمل على إحرام، ووقوف، وطواف، وسعي، ثم لو فسد الطواف لكونه على غير طهارة، أو قد اخترق الحجر، ونحو ذلك لم يتعد الفساد إلى غيره، ومع هذا فهو عبادة واحدة. انتهى المراد
стр. 40
وتظهر صورة الخلاف في صورةٍ، وهي: ما إذا نام المكلف من قبل غروب الشمس، ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر الثاني، فعلى قول الجمهور لا يجزئه صوم ذلك اليوم، وعلى القول الثاني -وهو الصحيح- يجزئه، والله أعلم.
انظر: "المغني" (٣/ ٩)، "المجموع" (٦/ ٣٠٢)، "كتاب الصيام" (١/ ١٩٨ - ١٩٩)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٦٩) و"التوضيح" (٣/ ١٥١).
مسألة: إن نوى من النهار صوم الغد ؟
في المسألة قولان:
الأول: أنَّ ذلك لا يجزئه، وهو رواية عن أحمد؛ فقد قال في رواية حنبل: يحتاج الرجل في شهر رمضان أن يُجْمع على الصيام في كل يوم من الليل، ويدل عليه قول النبي ﷺ : «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل».
الثاني: يجزئه ذلك؛ إلا أن يكون نقض النية بعد ذلك.
وهذا هو الراجح، ويدل عليه عموم قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات»، وأما استدلالهم بالحديث، فقد تقدم أنَّ الصحيح فيه الوقف ومع القول بصحة رفعه، فقد قال شيخ الإسلام ﵀: فإنَّ قوله «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل» ليس بنص؛ فإنَّ من نوى من النهار واستصحب النية إلى الفجر، فقد أَجْمَع الصيام من الليل؛ لأنَّ الإجماع أعم من أن يكون مبتدأ أو مستصحبًا ذكرًا أو حكمًا.
انظر: "المغني" (٤/ ٣٣٦) ط/هجر "كتاب الصيام" (١/ ١٩٦).
مسألة: إذا نوى بالليل الصوم، ثم أكل، أو شرب، أو جامع قبل طلوع