← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 231

إتحاف الأنام بأحكام ومسائل الصيام

محمد بن علي بن حزام البعداني

Полный текст (327 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

انظر: "المغني" (٣/ ٧)، "المجموع" (٦/ ٢٨٩ - ٢٩٠)، و"النيل" (٤/ ١٩٦)، "المحلى" (٧٢٨). مسألة: تبييت النية في صوم التطوع ؟ ذهب الجمهور إلى عدم وجوب تبييت النية في صوم التطوع، وقالوا: يجزئه أن يبتدئ النية من النهار مالم يأكل، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة. واستدلوا بحديث عائشة ﵂ في "صحيح مسلم" برقم (١١٥٤)، قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟»، قلنا: لا، قال: «فإني إذًا صائم»، وجاء في بعض الروايات «فإني صائم». وفي "صحيح أبي عَوَانة «فأصوم»، برقم (٢٨٤١)، بإسناد صحيح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: في "شرح العمدة" في "كتاب الصيام" (١/ ١٨٦): وهذا يدل على أنه أنشأ الصيام من النهار؛ لأنه قال: «فإني صائم»، وهذه الفاء تفيد السببية والعلة، فيصير المعنى: «إني صائم لأنه لا طعام عندكم»، وأيضًا فقوله «إني إذًا صائم»، و (إذًا) أَصْرح بالتعليل من الفاء. اهـ قلتُ: ورواية أبي عوانة «فأصوم» ظاهرةً أيضًا في أنه أنشأ الصوم؛ لأنَّ الفعل «أصوم» مضارع يفيد الاستقبال، والله أعلم. واستدل أهل هذا القول أيضًا بأنه قد صح عن جمعٍ من الصحابة أنهم يبتدئون صوم التطوع من النهار، منهم: أبو الدرداء، وأبو طلحة، وحذيفة، وابن مسعود، وأنس، ومعاذ بن جبل، كما في "مصنف ابن أبي شيبة" (٣/ ٣١،٢٩،٢٨)، وعبدالرزاق (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، والطحاوي في "شرح المعاني" (٢/ ٥٦)، ولا

стр. 37

يُعْلم لهم مخالف من الصحابة، وهذا القول هو ترجيح الإمام الألباني، والعلامة ابن باز، والعلامة ابن عثيمين رحمة الله عليهم أجمعين. وذهب مالك، وداود، وابن حزم، والصنعاني، والشوكاني إلى وجوب تبييت النية من الليل؛ لحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، ورجح هذا القول الإمام الوادعي. وأجابوا عن حديث عائشة ﵂، بأنه محمول على أنَّ النبي ﷺ كان صائمًا فأراد أن يفطر، ويؤيد هذا أنه جاءت رواية في "مسند أحمد" صريحة بذلك، فقد أخرج أحمد (٦/ ٤٩) والنسائي (٤/ ١٩٤ - ١٩٥) من طريق يحيى بن سعيد، عن طلحة بن يحيى قال: حدثتني عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين ﵂، أن النبي ﷺ كان يأتيها وهو صائم، فيقول: «أصبح عندكم شيء؟» فتقول لا، فيقول: «إني صائم». وهذه الزيادة قوله: (وهو صائم) لم أجدها في غير هذا الموضع، وأكثر طرق الحديث بدونها. فقد رواه جمعٌ من الرواة عن طلحة بن يحيى بدون هذه الزيادة، وهم: سفيان بن عيينة، ووكيع، وعبد الله بن نُمير، وعبدالواحد بن زياد، وسفيان الثوري، وشعبة ومحمد بن سعيد، فهؤلاء سبعة. انظر مصادر رواياتهم في "المسند الجامع" (١٩/ ٧٣٥). وتابعهم عيسى بن يونس عند إسحاق بن راهويه (١٠٢٣)، وأبو معاوية عند أبي يعلى (٤٥٦٣)، وإسماعيل بن زكريا عند أبي يعلى (٤٥٩٦)، وابن حبان

стр. 38

(٣٦٣٠)، ويعلى بن عبيد عند البيهقي في "السنن الصغرى" (١٢٩٣) (١٢٩٤) وأبي عوانة (٢/ ١٩٨)، وجعفر بن عون عند أبي عوانة (٢/ ١٩٩)، وأبو أسامة حماد بن أسامة عند أبي عوانة (٢/ ١٩٩). فهؤلاء ستة مع السبعة المتقدمين، فصاروا ثلاثة عشر راويًا يروون الحديث عن طلحة بن يحيى بدون زيادة: (وهو صائم)، فهذه الزيادة ليست محفوظة، والله أعلم. فعلى هذا فالذي يظهر لي -والله أعلم- أنَّ قول الجمهور هو الراجح. وأما حديث «إنما الأعمال بالنيات» فلا يعارض ما تقدم؛ لأنه يُؤْجَر على صيامه منذ ابتدأ النية، أما قبل ذلك فلا يؤجر على الصحيح من أقوال أهل العلم، ولئن سلمنا أنه يؤجر عليه، فيكون الحديث عامًّا مخصوصًا بحديث عائشة المتقدم، والله أعلم. انظر: "كتاب الصيام" (١/ ١٨٥ - )، "المجموع" (٦/ ٢٩٢) (٦/ ٣٠٣)، "المغني" (٣/ ١٠)، "النيل" (٤/ ١٩٧ - ١٩٨)، "المحلى" (٧٣٠). تنبيه: قال ابن قدامة ﵀ في "المغني": شرطه ألَّا يكون طعم قبل النية، ولا فعل ما يفطره، فإن فعل شيئًا من ذلك لم يجزئه الصيام بغير خلاف نعلمه. اهـ تنبيهٌ آخر: اختلف القائلون بجواز التطوع من النهار، هل يجزئه إحداث النية بعد الزوال أم لا، فذهب الشافعي والحنفية إلى عدم الجواز، وذهب أحمد إلى الجواز، وهو وجهٌ للشافعية، وهو الصحيح. قال شيخ الإسلام: والأظهر صحته كما نُقِل عن

стр. 39

الصحابة. انظر: "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ١٢٠)، "المغني" (٣/ ١١) "الموسوعة الفقهية الكويتية" (٢٨/ ٨٨). مسألة: هل يلزم النية لكل يوم على حِدَةٍ أم يكفيه نية واحدة لشهر رمضان؟ ولما يشترط فيه التتابع ؟ ذهب الجمهور، وفيهم الإمام أحمد في المشهور عنه، والشافعي، وأبو حنيفة، ورواية عن إسحاق إلى وجوب النية لكل يوم على حدة، وعللوا ذلك بأن كل يوم عبادة مستقلة؛ ولذلك لا يفسد صيام يوم الأحد بفساد صيام الاثنين مثلًا. وذهب الإمام مالك -ورواية عن أحمد نصرها ابن عقيل، ورواية عن إسحاق، ورجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية- إلى أن رمضان وما لحق به مما يشترط فيه التتابع تكفي النية في أوله؛ ما لم يقطعه لعذر فيستأنف النية. وهذا القول هو الراجح، وقد رجحه الإمام ابن عثيمين ﵀. ويدل عليه عموم قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات»، وأيضًا هو عبادة واحدة، فتكفيه نية واحدة. قال شيخ الإسلام ﵀: وكون الفساد يختص ببعضه إذا صادفه لا يمنع كونه عبادة واحدة كالحج؛ فإنه يشتمل على إحرام، ووقوف، وطواف، وسعي، ثم لو فسد الطواف لكونه على غير طهارة، أو قد اخترق الحجر، ونحو ذلك لم يتعد الفساد إلى غيره، ومع هذا فهو عبادة واحدة. انتهى المراد

стр. 40

وتظهر صورة الخلاف في صورةٍ، وهي: ما إذا نام المكلف من قبل غروب الشمس، ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر الثاني، فعلى قول الجمهور لا يجزئه صوم ذلك اليوم، وعلى القول الثاني -وهو الصحيح- يجزئه، والله أعلم. انظر: "المغني" (٣/ ٩)، "المجموع" (٦/ ٣٠٢)، "كتاب الصيام" (١/ ١٩٨ - ١٩٩)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٦٩) و"التوضيح" (٣/ ١٥١). مسألة: إن نوى من النهار صوم الغد ؟ في المسألة قولان: الأول: أنَّ ذلك لا يجزئه، وهو رواية عن أحمد؛ فقد قال في رواية حنبل: يحتاج الرجل في شهر رمضان أن يُجْمع على الصيام في كل يوم من الليل، ويدل عليه قول النبي ﷺ : «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل». الثاني: يجزئه ذلك؛ إلا أن يكون نقض النية بعد ذلك. وهذا هو الراجح، ويدل عليه عموم قوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات»، وأما استدلالهم بالحديث، فقد تقدم أنَّ الصحيح فيه الوقف ومع القول بصحة رفعه، فقد قال شيخ الإسلام ﵀: فإنَّ قوله «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل» ليس بنص؛ فإنَّ من نوى من النهار واستصحب النية إلى الفجر، فقد أَجْمَع الصيام من الليل؛ لأنَّ الإجماع أعم من أن يكون مبتدأ أو مستصحبًا ذكرًا أو حكمًا. انظر: "المغني" (٤/ ٣٣٦) ط/هجر "كتاب الصيام" (١/ ١٩٦). مسألة: إذا نوى بالليل الصوم، ثم أكل، أو شرب، أو جامع قبل طلوع

стр. 41

الفجر، فهل تبطل نيته؟ الذي عليه أكثر الحنابلة وأكثر الشافعية، ونصَّ عليه الشافعي أنها لا تبطل نيته؛ لعدم وجود دليل على إبطال نيته، وهذا القول هو الصحيح؛ لما تقدم. انظر: "المجموع" (٦/ ٢٩١)، "كتاب الصيام" (١/ ١٩٥)، "المغني" (٣/ ٨). مسألة: إذا نوت الحائض صوم الغد قبل انقطاع دمها ؟ إن كانت لها عادة، وقد عرفت من حالها الطُّهْر قبل الفجر فتصح نيتها، وإن كانت مبتدأةً، أو لم يكن لها عادة، فلا تصح؛ لأنها لم تجزم، ولا بَنَتْ على أصل، ولا أَمَارَة، والله أعلم. انظر: "المجموع" (٦/ ٢٩٨)، "كتاب الصيام" (١/ ١٩٦). مسألة: من قال: سأصوم غدًا إن شاء الله ؟ إن كان مراده الاستعانة بالتعليق على المشيئة لتحقيق مراده؛ فصيامه صحيح، وإن كان مترددًا لا يدري هل يصوم أو لا يصوم؛ فإنه لا يصح؛ لأنَّ النية لابد لها من الجزم. انظر: "المجموع" (٦/ ٢٩٨)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٧١). مسألة: من نوى الصوم قبل الفجر، ثم جُنَّ ؟ إذا جُنَّ جميع النهار من رمضان: فلا يصح صومه؛ لأنه ليس أهلًا للعبادة، ومن شرط الوجوب أن يكون عاقلاً، وعلى هذا فصومه غير صحيح، ولا يلزمه القضاء؛ لأنه ليس أهلًا للوجوب؛ لقوله ﷺ : «رُفِع القلم عن ثلاثة .. »، وذكر منهم

стр. 42

«المجنون حتى يعقل» (١)، وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية، وأبي حنيفة، وغيرهم. وخالف أبو العباس بن سريج، وقال بالقضاء، وهو مذهب المالكية. وأما إذا جُنَّ جزءًا من النهار: فذهب جمهور الحنابلة، وهو وجهٌ للشافعية، إلى أنه يصح صومه، وهو ترجيح ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن حزم. قال ابن حزم ﵀ في "المحلى" (٤/ ٣٦٣): كنا نذهب إلى أنَّ المجنون، والمُغْمَى عليه يبطل صومهما ولا قضاء عليهما، ونقول: إن الدليل في ذلك ... ثم ذكر الحديث المتقدم «رفع القلم عن ثلاثة .. ». قال: ثم تأملنا الخبر بتوفيق الله تعالى، فوجدناه ليس فيه إلا ما ذكرنا من أنه غير مخاطب في حال جنونه حتى يعقل، وليس في ذلك بطلان صومه الذي لزمه قبل جنونه، ولا عودته عليه بعد إفاقته، وكذلك المغمى عليه؛ فوجب أن من جُنَّ بعد أن نوى الصوم من الليل فلا يكون مفطرًا بجنونه، لكنه فيه غير مخاطب، وقد كان مخاطبًا به؛ فإنْ أفاق في ذلك اليوم أو في أيام بعده من أيام رمضان فإنه ينوي الصوم من حينه ويكون صائمًا؛ لأنه حينئذ علم بوجوب الصوم عليه. اهـ وذهب الشافعي إلى أنَّ صومه فاسد، وعلل ذلك بأنه معنى يمنع وجوب الصوم، فأفسده وجوده في بعضه كالحيض، وقد رجح هذا المجد ابن تيمية جد شيخ الإسلام.

стр. 43

والراجح -والله أعلم- هو القول الأول. وأما ما استدل به الشافعي فقد أجاب عنه ابن قدامة، فقال: ولنا على الشافعي أنه زوال عقل في بعض النهار، فلم يمنع صحة الصوم كالإغماء والنوم، ويفارق الحيض؛ فإنَّ الحيض لا يمنع الوجوب، وإنما يجوز تأخير الصوم ويحرم فعله. اهـ تنبيه: الحنفية يقولون: إذا جُنَّ بعض الشهر، وأفاق بعضه؛ لزمه قضاء ما فاته، وخالفهم الجمهور؛ فرأوا أنه لا قضاء عليه، ومذهب المالكية قضاء رمضان، ولو جنَّ فيه كله. والصحيح قول الجمهور. انظر: "المغني" (٣/ ١٢) شرح "كتاب الصيام" (١/ ٤٥ - ٤٦)، "الإنصاف" (٣/ ٢٦٤)، "المحلى" (٧٥٤)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٦٥) "الحاوي الكبير" (٣/ ٤٦٣ - ). مسألة: من نوى الصيام، ثم أُغْمِي عليه ؟ إذا أغمي عليه جميع النهار: فقد ذهب أحمد، والشافعي إلى أنه لا يصح صومه، وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن قدامة. واستدل ابن قدامة لهذا القول بقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه : «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». (١) قال: فأضاف ترك الطعام والشراب إليه، فإذا كان مغمى عليه؛ فلا يضاف الإمساك إليه، فلم يجزئه؛ ولأنَّ النية أحد ركني الصوم فلا تجزئ وحدها كالإمساك وحده، وأما

стр. 44

القضاء فالذي عليه الجمهور أنه يلزمه؛ لأنه مازال مكلفًا، ولأن الإغماء مرض، وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]. وهو ترجيح الشيخ ابن عثيمين ﵀. وقد قال ابن قدامة ﵀: بغير خلاف علمناه. اهـ لكن الصحيح وجود الخلاف كما في "الإنصاف"، ثم قلت: لعل الخلاف لبعض المتأخرين، فقد نقل الإجماع المزني، وهو متقدم؛ فقال ﵀ كما في الحاوي (١٥/ ٤٩٦): وأجمعوا أنه لو أغمي عليه الشهر كله؛ فلم يعقل فيه أن عليه قضاءه. اهـ وانظر "المحلى" (٤/ ٣٦٥). وأما إذا أغمي عليه بعض النهار: فالذي عليه الحنابلة، وهو أحد قولي الشافعي: أن صومه يجزئه، وهو قول الحنفية، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "شرحه للعمدة" حيث قال بعد أن ذكر الحديث المتقدم: والإمساك لا يكون إلا مع حضور العقل، ولم نشترط وجود الإمساك في جميع النهار، بل اكتفينا بوجوده في بعضه؛ لأنه دخل في عموم قوله: «يدع طعامه وشهوته من أجلي». وقال بهذا القول المالكية؛ إلا أنهم اعتبروه بشرط أن يفيق أكثر اليوم. وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أن الإفاقة تعتبر إذا كانت في أول النهار. وهو قول المالكية فيما إذا أفاق أقل اليوم. والراجح ما تقدم قبلُ، والله أعلم. انظر: "المغني" (٣/ ١٢)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٦٥)، "الإنصاف" (٣/ ٢٦٤) شرح

стр. 45

"كتاب الصيام" (١/ ٤٧) "المدونة الكبرى" (١/ ٢٧٧)، "شرح مختصر خليل" (٢/ ٢٤٨). مسألة: من أغمي عليه في أثناء النهار، واستمر أيامًا ؟ أما اليوم الذي أغمي عليه فيه فيجزئه كما تقدم قريبًا، وكذا اليوم الذي استيقظ فيه على قول من يقول: (إنه يكفي لجميع الشهر نية واحدة)، وأما الأيام التي بينهما فلا يجزئه صومها؛ لأنه أغمي عليه في جميع نهارها، والله أعلم. انظر شرح "كتاب الصيام" (١/ ٤٧). مسألة: نوم الصائم ؟ النوم لا يؤثر في الصوم، سواء وجد في بعض النهار أو في جميعه؛ وذلك لأن النوم عادة، ولا يزيل الإحساس بالكلية، ومتى نبه انتبه. قال شيخ الإسلام ﵀ في "شرح العمدة": هذا هو المنصوص المشهور في المذهب. اهـ انظر: "المغني" (٣/ ١٢)، "كتاب الصيام" من "شرح العمدة" (١/ ٤٦)، "الإنصاف" (٣/ ٢٦٤)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٦٥). مسألة: صَرْعُ الصائم ؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "شرح العمدة" في "كتاب الصيام" (١/ ٤٦): فأما الصرع -وهو الخنق الذي يعرض وقتًا ثم يزول- فينبغي أن يلحق بالإغماء والغَشْي؛ لأنه يُزيْل الإحساس من السمع، والبصر، والشم، والذوق، فيغطي فيزول العقل تبعًا لذلك، بخلاف الجنون؛ فإنه يزيل العقل خاصَّة فيلحقه بالبهائم. اهـ

стр. 46

مسألة: إذا نوى الإفطار أثناء صومه ؟ المشهور من مذهب المالكية، والحنابلة أن من نوى الإفطار ولم يتناول شيئًا من المفطرات أنه يُعدُّ مُفْطِرًا، وهو قول الظاهرية، والفيروز آبادي، والبغوي، وغيرهما من الشافعية. واستدلوا بما يلي: ١) بقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». ٢) قالوا: النية شرط في جميع الصوم، فإذا قطعها في أثنائه بقي الباقي بغير نية فبطل، وإذا بطل البعض بطل الجميع؛ لأنه لا ينفرد بعضه عن بعض. وذهب الحنفية إلى أنَّ الصائم إذا نوى الإفطار لا يعد مفطرًا بمجرد النية، وهو مذهب الأكثر من الشافعية، واستدل الحنفية بأن مجرد النية لا عبرة به في أحكام الشرع؛ ما لم يتصل به الفعل؛ لقول النبي ﷺ : «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها مالم تعمل أو تتكلم»، متفق عليه عن أبي هريرة ﵁. (١) وقالوا أيضًا: النية شرط انعقاد الصوم لا شرط بقائه منعقدًا؛ ألا ترى أنه يبقى مع النوم والنسيان والغفلة؟!. والراجح: هو القول الأول، وقد اختاره ابن قدامة، ورجحه السعدي، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ صالح السدلان ﵏.

стр. 47

وأما الجواب عن استدلالات الحنفية، فأما الحديث فالجواب عنه: ١) أنَّ الإرادة والعزم من أفعال القلوب، فإذا عزم على رفض نية الصوم، فقد أتى بنية متصل بها فعل القلب. ٢) أنَّ حديث النفس الذي لا يصاحبه عزم وتصميم مَعْفُو عنه بنص الحديث، وأما إذا صاحبه العزم والتصميم على الفعل، ولو لم يحصل الفعل ترتب الثواب والعقاب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]. وفي الحديث: «القاتل والمقتول في النار»، قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» متفق عليه عن أبي بكرة ﵁. وأما قولهم: إنَّ النية شرط انعقاد الصوم لا شرط بقائه، فالجواب: أن بقاء النية يتناول أمرين: ١ - استصحاب الذكر. ٢ - استصحاب الحكم. فأما استصحاب الذكر إلى نهاية العمل فمعفو عنه؛ للمشقة البالغة التي لم يكلفنا الله بها. وأما استصحاب الحكم فهو البقاء على استصحاب حكم النية، وهو أنْ لا ينوي قطعها؛ ولهذا لا يؤثر النوم، ولا الغفلة في بقاء حكم النية، وهذا الثاني هو الذي يشترط في بقاء النية. انظر: "النية وأثرها في الأحكام الشرعية" للسدلان (٢/ ١٨ - ٢١)، "المغني" (٣/ ٢٤)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٧٦)، "فتاوى رمضان" (١/ ١٧٥) جمع أشرف، "المحلى" (٧٣٢).

стр. 48

فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالسّحُور مسألة: فضل السَّحور ؟ ثبتت أحاديث كثيرة تدل على فضله: ففي "الصحيحين" عن أنس بن مالك ﵁، أنَّ النبي ﷺ قال: «تسحروا؛ فإن في السحور بركة». (١) وثبت عند النسائي (٤/ ١٤٥)، من حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: دخلت على النبي ﷺ ، وهو يتسحر فقال: «إنها بركة أعطاكم الله إياها؛ فلا تدعوه»، وصححه شيخنا الإمام مقبل الوادعي ﵀ في "الجامع الصحيح" (٢/ ٤٢٢). وأخرج مسلم في "صحيحه" (١٠٩٦)، عن عمرو بن العاص ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر». مسألة: حكم السحور ؟ قال الإمام النووي ﵀: قال ابن المنذر في "الإشراف": أجمعت الأمة على أن السحور مندوب إليه مستحب لا إثم على من تركه. اهـ وقال ابن قدامة ﵀: لا نعلم فيه بين العلماء خلافًا-أي في استحبابه -.اهـ انظر: "المجموع" (٦/ ٣٦٠)، "المغني" (٣/ ٥٤)، "الفتح" (١٩٢٢).

стр. 49

مسألة: تأخير السحور ؟ يُستحب تأخير السحور؛ لما جاء في "الصحيحين" (١) من حديث أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت ﵃، قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ ، ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية. وروى البخاري في "صحيحه" (٥٧٧)، من حديث سهل بن سعد ﵁، قال: كنت أتسحر في أهلي، ثم تكون بي سرعة أن أدرك صلاة الفجر مع النبي ﷺ . انظر: "المجموع" (٦/ ٣٦٠)، "المغني" (٣/ ٥٤)، "الفتح" (٤/ ١٦٥). مسألة: ما يحصل به السحور ؟ قال ابن قدامة، ثم الحافظ ابن حجر: يحصل السحور بأقل ما يتناول المرء من مأكول أو مشروب. اهـ وقد جاء ذلك في حديث أخرجه أحمد (٣/ ١٢)، من حديث أبي سعيد الخُدْري ﵁ مرفوعًا بلفظ: «السحور بركة؛ فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء؛ فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين». لكن هذا الحديث في سنده: رِفَاعَة أبو رفاعة، وهو مجهول الحال، وفيه عنعنة يحيى بن أبي كثير، لكن له طريق أخرى عند أحمد (٣/ ٤٤)، وفي إسناده: عبدالرحمن ابن زيد بن أسلم، وهو متفق على ضعفه، لكن قوله: «السحور بركة» لها شواهد تقدم بعضها، وقوله: «ولو أن يجرع أحدكم جرعة من الماء» له شاهد من حديث

стр. 50

ابن عمرو ﵄، عند ابن حبان (٣٤٧٦)، وفي إسناده: عمران القطان، والراجح ضعفه، وأما آخره فلم أجد له شاهدًا صالحًا لتقويته، فالحديث حسن دون آخره. قال شيخ الإسلام ﵀: والأشبه أنه إذا قدر على الأكل فهو السنة. اهـ انظر: "المغني" (٣/ ٥٥)، "الفتح" (١٩٢٢)، "كتاب الصيام" (١/ ٥٢٠ - ٥٢١). مسألة: آخر وقت السحور، وهو أول وقت الصيام: مذهب الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة، ومالك، وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنه يحرم الطعام، والشراب، والجماع بطلوع الفجر الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]. ويدل على ذلك حديث عَدِي بن حاتم ﵁، في "الصحيحين" (١)، أنه قال: يا رسول الله، إني أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالًا أبيض وعقالًا أسود، أعرف الليل من النهار! فقال رسول الله ﷺ : «إنَّ وسادك لعريض! إنما هو سواد الليل وبياض النهار». وبنحوه أيضًا في "الصحيحين" (٢) عن سهل بن سعد ﵁. وفي "الصحيحين" (٣) أيضًا عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول

стр. 51

الله ﷺ : «لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره؛ فإنه يؤذن بليل؛ ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم، وليس أن يقول: هكذا وهكذا -وصَوَّب بيده ورفعها- حتى يقول هكذا»، وفرَّج بين أصبعيه. وفي "صحيح مسلم" (١٠٩٤)، عن سَمُرة بن جندب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يغرنكم أذان بلال ولا هذا البياض»، لعمود الصبح حتى يَسْتَطير. وحكى ابن المنذر عن طائفة أنهم أجازوا الأكل والشرب بعد طلوع الفجر إلى أن ينتشر البياض في الطرق، والسكك، والبيوت، وهذا القول شاذ، وقد حُكِي عن الأعمش، ومسروق. وقال إسحاق: وبالقول الأول أقول، لكن لا أطعن على من تأول الرخصة كالقول الثاني، ولا أرى عليه قضاءً، ولا كفارةً، وقد جاء في هذا حديث مرفوع: فأخرج أحمد (٥/ ٤٠٥)، والنسائي في "الكبرى" (٢/ ٧٧)، عن حذيفة ﵁، أنه قال: كان بلال يأتي النبي ﷺ وهو يتسحر، وإني لأبصر مواقع نبلي. قلت: أبعد الصبح؟ قال: بعد الصبح؛ إلا أنها لم تطلع الشمس. لكن هذا الحديث مُعَلٌّ؛ فإنه من طريق عاصم بن أبي النَّجُود عن زِرٍّ عن حذيفة به مرفوعًا، وقد خالفه عديُّ بن ثابت وَصِلة بن زُفَر، وكل واحد منهما أوثق منه، فجعلا الحديث موقوفًا على حذيفة وخالفاه باللفظ. أخرجه النسائي في "الكبرى" (٢/ ٧٧)، ولفظه قال زر: تسحرت مع حذيفة،

стр. 52

ثم خرجنا إلى الصلاة، فلما أتينا المسجد صلينا ركعتين، وأقيمت الصلاة وليس بينهما إلا هنيهة. قال النسائي ﵀ كما في "تحفة الأشراف" (٣/ ٣٢): لا نعلم أحدًا رفعه غير عاصم. قال ابن مُفِلح ﵀ في "الفروع" (٣/ ٧٠): وعاصم في حديثه اضطراب ونكارة؛ فرواية الأثبات أولى. اهـ وقال الجوزقاني ﵀ في "الأباطيل" (٢/ ١٠٥): هذا حديث منكر، وقول عاصم: (هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع) خطأ منه ووهم فاحش؛ لأن رواية عدي عن زر بن حبيش بخلاف ذلك، وعدي أحفظ، وأثبت من عاصم. اهـ وقد أورد هذا الحديث شيخنا في "أحاديث معلة"، ثم قال: وحديث عاصم ابن أبي النَّجُود يزداد ضعفًا؛ لأنه خالف قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]. انظر: "المجموع" (٦/ ٣٠٥، ٣١١)، "البيان" (٣/ ٤٩٧ - )، "المغني" (٤/ ٣٢٥)، "الفتح" (١٩١٧) (١٩١٨). تنبيه: قال الحافظ ابن حجر ﵀: من البدع المنكرة ما أُحْدث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام؛ زعمًا ممن أحدثه أنه

стр. 53

للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس، وقد جَرَّهم ذلك إلى أنهم صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة؛ لتمكين الوقت زعموا فأخروا الفطر، وعجلوا السحور، وخالفوا السنة؛ فلذلك قَلَّ عنهم الخير، وكثر فيهم الشر، والله المستعان!.انظر: "فتح الباري" (١٩٥٧). مسألة: إذا استمر في الأكل والشرب أثناء الأذان ؟ إذا كان المؤذن لا يؤذن إلا بعد تَيَقُّن طلوع الفجر؛ فإن الواجب الإمساك؛ لقول النبي ﷺ : «كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم». (١) وإن كان المؤذن يؤذن، ولم يتيقن طلوع الفجر؛ فيجوز له أن يأكل حتى يفرغ المؤذن ما دام لم يتيقن؛ لأن الأصل بقاء الليل، وقد قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]. والأولى والأحوط له أن يمسك؛ احتياطًا لدينه؛ لقول النبي ﷺ : «دع ما يَرُيبك إلى ما لا يريبك» (٢)، هذا قول جماهير العلماء من المتقدمين كما تقدم، وبهذا أفتى سماحة الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ مقبل الوادعي ﵏، ثم رأيت شيخ الإسلام قد أفتى بهذا أيضًا. انظر: "فتاوى رمضان" (١/ ٢٠١ - ٢٠٣) جمع أشرف، و"مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢١٦).

стр. 54

مسألة: هل يجوز للشخص الأكل والشرب ما دام شاكًّا في طلوع الفجر ؟ الذي عليه الجمهور هو الجواز؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]، والأصل بقاء الليل، ولا يزول ذلك إلا بيقين، وقد نقل بعضهم في ذلك الإجماع. قال شيخ الإسلام ﵀ كما في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٦٠): الشاك في طلوع الفجر يجوز له الأكل، والشرب، والجماع بالاتفاق. اهـ وقال المرداوي ﵀ في "الإنصاف": بلا نزاع. اهـ والصحيح وجود الخلاف؛ فقد خالف مالك كما في "المجموع" (٦/ ٣٠٦)، و"الفتح" (١٩١٧). والصواب: قول الجمهور. انظر: "التمهيد" (٧/ ١٨١ - ١٨٢)، "الإنصاف" (٣/ ٢٧٩)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٠٨)، "كتاب الصيام" (١/ ٤٩٥).

стр. 55

مَسَائِلُ وَأَحْكَامٌ تَتَعَلَّقُ بِالإِفْطَارِ مسألة: استحباب وأفضلية تعجيل الفطر: ثبت في "الصحيحين" (١) من حديث سهل بن سعد ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». وأخرج أبو داود في "سننه" (٢٣٥٣)، من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لا يزال الدين ظاهرًا ما عجل الناس الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون»، وصححه شيخنا مقبل ﵀ في "الجامع الصحيح" (٢/ ٤٢٠). وظهور الدين مستلزم لدوام الخير، وقد كان النبي ﷺ يعجل في الفطر، ففي "الصحيحين" (٢) من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵄، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فلما غربت الشمس قال: «يا فلان، انزل فاجدح لنا»، قال: يا رسول الله، إن عليك نهارًا! قال: «انزل فاجدح لنا» قال: يا رسول الله، لو أمسيت! قال: «انزل فاجدح لنا» قال: فنزل فجدح لهم، فشرب النبي ﷺ . قال الحافظ ابن حجر ﵀: اتفق العلماء على أن محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار عدلين، وكذلك عدل واحد في الأرجح. اهـ

стр. 56

قال ابن عبد البر ﵀: والتعجيل إنما يكون بعد الاستيقان بمغيب الشمس، ولا يجوز لأحد أن يفطر وهو شاكٌّ: أغربت الشمس أم لا؟ لأن الفرض إذا لزم بيقين لا يخرج عنه إلا بيقين والله يقول: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، وأول الليل مغيب الشمس كلها في الأفق عن أعين الناظرين، ومن شك لزمه التمادي حتى لا يشك في مغيبها. انظر: فتح الباري (١٩٥٧)، "التمهيد" (٧/ ١٨١). مسألة: حكم الإفطار قبل غروب الشمس ؟ الإفطار قبل غروب الشمس في صوم رمضان يعد من الكبائر، وقد أخرج الحاكم (١/ ٤٣٠)، (٢/ ٢٠٩) من حديث أبي أمامة ﵂ في حديث طويل، وفيه: قال النبي ﷺ : «ثم انطلق بي، فإذا أنا بقوم معلقين بِعَراقيبهم تسيل أشداقهم دمًا! فقلت ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل تَحِلَّة صومهم». وقد صححه الإمام مقبل الوادعي ﵀ في "الجامع الصحيح" (٢/ ٤٢١ - ٤٢٢). مسألة: هل يجوز الإفطار إذا غلب على الظن أن الشمس قد غربت ؟ ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز ذلك عند عدم القدرة على تيقن الغروب كوجود الغيم، ويدل عليه ما أخرجه البخاري (١٩٥٩) من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄، قالت: أفطرنا على عهد رسول الله ﷺ يوم غَيْم، ثم طلعت الشمس. وقد ثبت بأسانيد صحيحة عند ابن أبي شيبة (٣/ ٢٤ - )، والبيهقي (٤/ ٢١٧)،

стр. 57

وغيرهما أن ذلك حصل أيضًا في عهد عمر بن الخطاب ﵀. انظر: "المجموع" (٦/ ٣٠٦). مسألة: إذا تعجل في الإفطار ظانًّا أن الشمس قد غربت، ثم تبين له أن الشمس لم تغرب، فما الحكم ؟ ذهب الجمهور إلى أنه يجب عليه الإمساك والقضاء، وهو قول مالك، وأحمد، وأبي ثور، ورجح ذلك الشيخ ابن باز ﵀. واستدلوا بما يلي: ١ - قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]. ٢ - قال هشام بن عروة، وهو من رُواة حديث أسماء المتقدم عند أن سئل فقيل له: فأمروا بالقضاء؟ فقال: بدٌّ من قضاء. ٣ - ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ عند عبدالرزاق (٤/ ١٧٨)، أنه قال بعد أن حصل له ذلك: الخطب يسير، وقد اجتهدنا نقضي يومًا. ٤ - قال الحافظ: ويرجحه أنه لو غُمَّ هلال رمضان، فأصبحوا مفطرين، ثم تبين لهم أن ذلك اليوم من رمضان، فالقضاء واجب بالاتفاق، فكذلك هذا. وذهب إسحاق، وأحمد في رواية، وداود، وبه قال المزني من الشافعية، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم الشيخ ابن عثيمين إلى أنه يجب عليه الإمساك، ولا يجب عليه القضاء.

стр. 58

واستدلوا بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. ٢ - قوله ﷺ : «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فَلْيُتم صومه» (١)، فيقاس عليه من أفطر ظانًّا غروب الشمس بجامع الجهل بالحال؛ فإن كليهما يجهل أنه في حال يحرم عليه الأكل والشرب. ٣ - قوله ﷺ : «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان». (٢) ٤ - أن الأصل عدم الإيجاب عليه إلا بدليل، فما هو الدليل على وجوب القضاء. ٥ - أن الحديث المذكور -أعني حديث أسماء ﵂ - ليس فيه أن النبي ﷺ أمرهم بالقضاء، ولو أمرهم به لَنُقِل، وهذا القول هو الراجح، وقد اختاره إمام الأئمة ابن خزيمة، إلا أن الأحوط أن يقضي يومًا كما قال عمر ﵁. وأما الرد على أدلة المذهب الأول، فكما يلي: ١ - أما عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾: فهذا قد أفطر ظانًّا أن الليل قد أتى، وقد تقدم أنه يجوز الإفطار لغلبة الظن. ٢ - قول هشام بن عروة: بدٌ من قضاء.

стр. 59

يجاب عنه بأن البخاري قد أورد في "صحيحه" أيضًا أن هشامًا سئل؟ فقال: لا أدري أقضوا أم لا؟! فهذا يدل على أنه قال ذلك باجتهاد منه، وقد قال شيخ الإسلام: وأبو ه أعلم منه، وقد كان يقول: لا قضاء عليهم. أما أثر عمر فقد صح عنه، وأورد له البيهقي عدة طرق، انظر "السنن الكبرى" (٤/ ٢١٧). وقد أخرج عبدالرزاق (٤/ ١٧٩)، والبيهقي (٤/ ٢١٧)، عن زيد بن وهب عن عمر ﵁، أنه قال: والله لا نقضيه، وما تجانفنا لإثم. قال البيهقي ﵀: وفي تظاهر هذه الروايات عن عمر بن الخطاب ﵁ في القضاء دليل على خطإِ رواية زيد بن وهب في ترك القضاء. ثم قال: وكان يعقوب بن سفيان الفارسي يحمل على زيد بن وهب بهذه الرواية المخالفة للروايات المتقدمة، وزيد ثقة إلا أن الخطأ غير مأمون، والله يعصمنا من الزلل والخطإ. اهـ ٣ - والجواب عن أثر عمر ﵁، أن هذا اجتهاد منه، والحجة بالكتاب والسنة لا باجتهاد صحابي، وقد خالفه غيره، والله أعلم. ٤ - أما الاتفاق الذي نقله الحافظ فليس بصحيح، فقد وجد الخلاف في الصورة التي ذكرها كما في "الفتاوى" (٢٥/ ١٠٩)، و"الإنصاف" (٣/ ٢٥٤)، "المحلى" (٤/ ٢٩٣ - ٢٩٤) (٧٢٩)، وقد تقدمت هذه المسألة في الباب الأول من

стр. 60

الكتاب. انظر: "المجموع" (٦/ ٣٠٧)، "التمهيد" (٧/ ١٨١)، "مجموع الفتاوى" (٢٠/ ٥٧١)، "الصيام" (١/ ٤٩٠)، "فتاوى رمضان" (٢/ ٥٧٢)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٠٢ - ٤١٠)، "الفتح" (١٩٥٩). تنبيه: إذا أكل الرجل، أو شرب، أو جامع؛ ظانًّا أنَّ الفجر لم يطلع، ثم تبين له أنَّ الفجر قد طلع، فالحكم في ذلك كالحكم في المسألة السابقة. مسألة: إذا أكل أو شرب أو جامع وهو شاكٌّ في غروب الشمس ؟ لا يجوز له فعل أي واحدة من ذلك، وقد نقل الإجماع أن عليه القضاء إلا إذا تبين له أن ذلك وقع بعد غروب الشمس، لكن الإجماع لا يصح؛ فقد قال أبو محمد بن حزم ﵀ في "المحلى" (٧٥٦): ومن أكل شاكًّا في غروب الشمس، أو شرب؛ فهو عاص لله تعالى، مُفسِدٌ لصومه، ولا يقدر على القضاء؛ فإن جامع شاكًّا في غروب الشمس فعليه الكفارة. اهـ ويعني بفساد الصيام: إذا لم يتبين له أن ذلك بعد الغروب، وهذا الذي ذهب إليه ابن حزم هو الراجح؛ لأنه أفطر متعمدًا مع عدم وجود العذر المبيح للفطر، ومن أفطر متعمدًا فلا يقدر على القضاء كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. والعمدة في هذه المسألة هي القاعدة المقررة بالأدلة الشرعية: [اليقين لا يزول بشك]، فبقاء النهار يقين فلا يكفي الشك في غروب الشمس. انظر "الإنصاف" (٣/ ٢٧٩)، "الشرح الممتع" (٦/ ٤٠٩)، "المحلى" (٤/ ٣٦٦).

стр. 61

مسألة: إذا أفطر شخص لغروب الشمس، ثم أقلعت به الطائرة، فرأى الشمس، فهل يلزمه الإمساك ؟ لا يلزمه الإمساك، ويستمر مفطرًا، وحكمه حكم البلد التي أقلع منها، وقد انتهى النهار وهو فيها، وأما إذا أقلعت به الطائرة قبل غروب الشمس بدقائق واستمر معه النهار؛ فلا يجوز له أن يفطر، ولا أن يصلي المغرب حتى تغرب شمس الجو الذي يسير فيه، حتى ولو مر بسماء بلد أهلها قد أفطروا، وصلوا المغرب وهو في سمائها يرى الشمس، وهذا هو مقتضى الأدلة الشرعية، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وقال النبي ﷺ : «إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم» (١)، انظر: "فتاوى اللجنة الدائمة" (١٠/ ٢٩٥). مسألة: ما الذي يستحب أن يفطر عليه ؟ يستحب أن يفطر على رُطَبات؛ فإن لم يجد رطبات فَتُمَيرات؛ فإن لم يجد فعلى ماء؛ فقد روى الترمذي في "سننه" (٦٩٦)، من حديث أنس بن مالك ﵁، قال: كان النبي ﷺ يفطر قبل أن يصلي على رطبات؛ فإن لم تكن رطبات فتميرات؛ فإن لم تكن تميرات حَسَا حَسَوات من ماء. وقد حسنه الإمام الوادعي ﵀ في "الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين" (٢/ ٤١٩ - ٤٢٠)، ثم رأيت أبا حاتم، وأبا زرعة قد أنكراه كما في "العلل" لابن أبي حاتم (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، فقالا: لا نعلم روى هذا الحديث غير

стр. 62

عبدالرزاق، ولا ندري من أين جاء به عبد الرزاق. اهـ قلتُ: الحديث مداره على عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، وقد ذكره الذهبي في "الميزان" في ترجمة جعفر بن سليمان، وذكر أن هذا الحديث مما أنكر عليه. قلتُ: فعلى ضعف الحديث فيفطر على ما تيسر؛ حتى ولو شربة من ماء، فقد ثبت عند أبي يعلى (٣٧٩٢)، وابن حبان (٣٥٠٤) من حديث أنس ﵁، قال: ما رأيت النبي ﷺ قط صلى صلاة المغرب حتى يفطر، ولو كان على شربة من ماء. وتقدم حديث ابن أبي أوفى (ص ٥٦)، وفيه: «انزل فاجدح لنا». والجَدْحُ هو: تحريك السويق ونحوه بالماء بِعُودٍ، يقال له (المجدح)، وهو مجنح الرأس، والسويق هو دقيق القمح والشعير، يُقلى ثم يطحن. مسألة: دعاء الإفطار ؟ جاءت أدعية عن النبي ﷺ ، ولم يصح منها شيءٌ، فجاء عنه أنه كان يقول: «اللهم لك صمنا، وعلى رزقك أفطرنا، فتقبل منا إنك أنت السميع العليم»، أخرجه الدارقطني (٢/ ١٨٥)، من حديث عبد الله بن عباس ﵄، وفي إسناده: عبدالملك بن هارون بن عنترة، يرويه عن أبيه، وهو متروك، وأبو ه ضعيف. وأخرجه الطبراني من حديث أنس ﵁، في "الأوسط" (٧٥٤٥)، و"الصغير" (٩١٢) بلفظ: «اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرتُ»، وفي إسناده: إسماعيل بن عمرو ضعيف، وداود بن الزِّبْرِقان، وهو متروك. وجاء عند أبي داود

стр. 63

(٢٣٥٧)، من حديث ابن عمر ﵄، مرفوعًا أنه كان يقول: «ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى»، ولكنه ضعيف أيضًا؛ ففي سنده: مروان بن سالم المُقَفَّع، وهو مجهول الحال. انظر: "الإرواء" (٩١٩ - ٩٢٠). فائدة: حديث: «إن للصائم عند فطره دعوة لا تُردُّ»، أخرجه ابن ماجه (١٧٥٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، ولا يثبت؛ لأن في إسناده: إسحاق بن عبيد الله بن أبي المهاجر، وهو مجهول، وللحديث طريقٌ أخرى عند الطيالسي (٢٢٦٢)، وفي إسناده: أبو محمد المليكي. قال الإمام الألباني ﵀: لم أعرفه، ويحتمل أنه عبدالرحمن بن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي مليكة المدني؛ فإن يكن هو فإنه ضعيف كما في "التقريب"، بل قال النسائي: ليس بثقة. وفي رواية: متروك الحديث. اهـ وقد ضعفه الإمام الألباني ﵀ في "الإرواء" (٩٢١)، وضعفه شيخنا الوادعي ﵀ في تعليقه على "تفسير ابن كثير" عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]. ولكن قد صح عند ابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا تُردُّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح لها أبو اب السماء، ويقول: بعزتي،

стр. 64

لأنصرنك ولو بعد حين»، وقد صححه شيخنا في "الجامع الصحيح" (٢/ ٥٠٦). مسألة: يطول النهار في بعض البلدان أكثر من (٢٤) ساعة، فهل يلزمهم الإمساك سائر النهار ؟ إذا كان لديهم نهار وليل في ظرف أربع وعشرين ساعة؛ فيلزمهم إمساك النهار كله ولو كان عشرين ساعة؛ لعموم الأدلة كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]، وقوله ﷺ : «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم». (١) وأما إذا كان نهارهم يطول على أربع وعشرين ساعة كأن يستمر ما يقارب يومين أو ثلاثة أو أكثر أو أقل، فيقدرون ليلهم ونهارهم على أقرب بلدة إليهم يتميز فيها الليل والنهار؛ لقوله ﷺ في حديث النَّواس بن سَمْعان في قصة الدجال بعد أن ذكر أن بعض أيامه تعدل سنة وبعضها تعدل شهرًا، فقال له الصحابة: فذاك اليوم الذي كَسَنَة أتجزئنا فيه صلاة يوم؟ قال: «لا، اقدروا له قدره»، أخرجه مسلم (٢٩٣٧). وبذلك أفتى سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبد الله بن باز ﵀، وهيئة كبار العلماء في المملكة. انظر: "تحفة الإخوان" (١٦٤ - ١٦٩)، "فتاوى رمضان" (١/ ١٢٧ - ١٢٨) جمع أشرف.

стр. 65

فَصْل فِي بَعْضِ آدَابِ الصَّائِم مسألة: اجتناب شهادة الزور، والغيبة، وسائر المعاصي: يجب على الصائم أن يتجنب جميع الذنوب والمعاصي، فقد أخرج البخاري في "صحيحه" (٦٠٥٧)، من حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به، والجهل؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». قال الصنعاني ﵀ في "السبل" (٤/ ١٢٦): الحديث دليل على تحريم الكذب والعمل به، وتحريم السفه على الصائم، وهما محرمان أيضًا على غير الصائم، إلا أن التحريم في حقه آكد، كتأكيد تحريم الزنا من الشيخ، والخيلاء من الفقير. اهـ وقد ذهب الأوزاعي إلى أن الغيبة تبطل الصوم، وَأَلْحَقَ ابن حزم بالغيبة جميع المعاصي، فذهب إلى أن أي معصية تبطل الصوم، واحْتَجَّا بحديث أبي هريرة المتقدم، وبحديث أبي هريرة عند النسائي في "الكبرى" (٢/ ٢٣٩)، وأحمد (٢/ ٣٧٣)، أن النبي ﷺ قال: «رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر». وذهب سائر العلماء إلى أنه يعتبر عاصيًا، ولا يبطل صومه، وأما استدلالهم بالأحاديث فقد قال النووي ﵀ في "المجموع" (٦/ ٣٥٦): وأجاب أصحابنا

стр. 66

عن هذه الأحاديث: بأن المراد أن كمال الصوم، وفضيلته المطلوبة إنما يكون بصيانته عن اللغو والكلام الرديء، لا أن الصوم يبطل به. اهـ وأيضًا يُجاب: بأن النبي ﷺ قد أثبت له الصيام، ونفى الأجر؛ حيث قال: «ليس له من صيامه»، وأيضًا في الحديث القدسي: «يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا ... » (١)، وعلى هذا فإنه لا يسلم لأحد صومه، والله أعلم. انظر: "المجموع" (٦/ ٣٥٦)، "المحلى" (٧٣٤). مسألة: تلاوة القرآن وأعمال البر: ويستحب للصائم أن يكثر من قراءة القرآن، وتدبره وأن يكثر من أعمال البر، من صدقةٍ، وصلاةٍ، وغير ذلك؛ ففي "الصحيحين" (٢) من حديث ابن عباس ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه كل ليلة فيدارسه القرآن، فَلَرَسُوْلُ الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة!. مسألة: ماذا يقول الصائم إذا شُتِم ؟ أخرج البخاري، ومسلم في "صحيحيهما" (٣) من حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب؛ فإن امرؤٌ شاتمه، أو قاتله؛ فليقل: إني صائم».

стр. 67

قال النووي ﵀ في "المجموع" (٦/ ٣٥٦): ذكر العلماء فيه تأويلين: أحدهما: يقوله بلسانه ويسمعه لصاحبه ليزجره عن نفسه. والثاني: يقوله في قلبه لا بلسانه، بل يحدث نفسه بذلك، ويذكرها بأنه صائم لا يليق به الجهل، والمشاتمة، والخوض مع الخائضين. قال النووي: والتأويلان قويان، والأول أقوى، ولو جمعهما كان حسنًا. اهـ قلتُ: وظاهر الحديث يؤيد المعنى الأول، والله أعلم. مسألة: استياك الصائم ؟ إذا كان السواك يابسًا: ذهب أحمد، والشافعي، وإسحاق إلى استحبابه قبل الزوال، وكراهيته بعد الزوال. واستدلوا بما يلي: ١ - حديث علي ﵁، مرفوعًا: «إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي» أخرجه الدارقطني (٢/ ٢٠٤). ٢ - قوله ﷺ : «لَخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». (١) وذهب الإمام مالك، وأبو حنيفة إلى استحبابه مطلقًا، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.

стр. 68

واستدلوا بما يلي: ١ - حديث أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: «لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة»، متفق عليه. (١) وفي رواية عند غيرهما: «عند كل وضوء». (٢) ٢ - حديث عامر بن ربيعة ﵁، قال: رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي يتسوك وهو صائم. وهو حديث ضعيف، ففي إسناده: عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف. (٣) ٣ - حديث عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب»، رواه النسائي (١/ ١٠)، وإسناده حسن. وهذا القول هو ترجيح الإمام البخاري في "صحيحه"، وهو الراجح. وأما الرد على أدلة المذهب الأول، فكما يلي: ١ - حديث علي بن أبي طالب ﵁ ضعيف؛ ففي سنده كَيْسان أبو عمر القَصَّار، ليس بالقوي، ويزيد بن بلال غير معروف، وقد ضعفه الإمام الألباني ﵀ في "الإرواء" (٦٧). ٢ - السواك لا يزيل الخُلُوف؛ لأن مصدره من المعدة لا من الفم الذي يطهره

стр. 69

السواك، ثم إنا لسنا متعبدين بإبقائه، ثم إن على من ذهب إلى التفصيل بين قبل الزوال وبعد الزوال، الدليل على هذا التفصيل، ومن المعلوم أيضًا أن الخلوف قد يأتي على بعض الناس قبل الزوال، وقد لا يأتي لبعض الناس إلا قبل المغرب بيسير؛ لتفاوتهم في الأكل والشرب والهضم. وأما إذا كان السواك رطبًا: فذهب إلى كراهته الشعبي، وقتادة، والحكم، وإسحاق، ومالك في رواية، وهو رواية عن أحمد؛ لاحتمال أن يتحلل منه أجزاء إلى حلقه؛ فيفطره. وذهب أحمد في رواية إلى أنه لا يُكْره، وبه قال الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، ورُوي ذلك عن علي، وابن عمر، وعروة، ومجاهد، وهو ترجيح البخاري، وابن حزم، وهو الراجح؛ لعموم الأدلة؛ إلا أنه ينبغي له أن يتحرز من الرطوبة في أول الأمر ولا يبلعها. انظر: "الفتح" (١٩٣٤)، "المحلى" (٧٥٣)، "المغني" (٣/ ١٩)، "توضيح الأحكام" (١/ ١٩٥)، "كتاب الصيام" (١/ ٤٨٣)، "نيل الأوطار" (١/ ١٠٧)، "الشرح الممتع" (١/ ١٢٠ - ١٢٤)، "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٢٢٦). مسألة: استنشاق الصائم . يستحب للصائم ألَّا يبالغ في الاستنشاق بخلاف غيره؛ لما روى أبو داود (١٤٢)، والترمذي (٧٨٨)، عن لَقِيط بن صبرة ﵁، أن النبي ﷺ قال له: «أَسْبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق؛ إلا أن تكون صائمًا»، وهو حديث صحيح.

стр. 70

مسألة: إذا نسي الصائم فأكل أو شرب ؟ في المسألة قولان: الأول: أنه لا يفطر وصومه تام، وهو قول الجمهور، وأحمد، والشافعي. واستدلوا بما يأتي: ١ - قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥]. ٢ - قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]. ٣ - قوله ﷺ : «إن الله تعالى تجاوز عن أمتى الخطأ، والنسيان». (١) ٤ - حديث أبي هريرة ﵁ في "الصحيحين" (٢)، عن النبي ﷺ قال: «من نسي وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه». قال شيخ الإسلام ﵀: وفي هذا الحديث دلالة من وجوه: أحدها: أنه أمره بإتمام صومه؛ فَعُلِم أن هذا إتمام لصوم صحيح؛ ولو أراد وجوب الإمساك فقط؛ لقال: «فليتم صيامًا، أو فليصم بقية يومه». الثاني: أنه لم يأمره بالقضاء، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. الثالث: أنه قال: «الله أطعمك و سقاك»؛ تعليلاً وجوابًا. ومعلوم أن إطعام

стр. 71

الله، وإسقاءه للعبد على وجهين: ١ - أن الله خلق له الطعام والشراب، والحركة التي بها يأكل ويشرب، وعلى هذا فالعامد والناسي، وجميع الخلق اللهُ أطعمهم وسقاهم، وهذا المعنى لم يقصده النبي ﷺ . ٢ - أن يطعمه الله ويسقيه بغير فعل من العبد، ولا قصد، ولا عمد كما في هذه الصورة، فصار غير مكلف لأجل النسيان، فأضيف الفعل إلى الله قدرًا وشرعًا؛ فسقط قلم التكليف عن هذا الفعل، فقول النبي ﷺ : «الله أطعمك وسقاك» معناه: لا صنع لك في هذا الفعل، وإنما هو فعل الله فقط، فلا حرج عليك فيه، ولا إثم؛ فَأَتْمم صومك. انتهى بتصرف الثاني: أنه يفطر وعليه القضاء دون الكفارة، وهو قول مالك، وربيعة، قالوا: لأن الإمساك عن المفطرات ركن الصوم، فحكمه حكم من نسي ركنًا من الصلاة؛ فإنها تجب عليه الإعادة وإن كان ناسيًا. والجواب: أن هذا القياس فاسد الاعتبار؛ لمخالفته للنصوص المتقدمة. انظر: "الفتح" (١٩٣٣)، "نيل الأوطار" (٤/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، "سبل السلام" (٤/ ١٣٨)، "شرح المهذب" (٦/ ٣٢٤)، "المغني" (٣/ ٢٣)، "المحلى" (٧٥٣)، "توضيح الأحكام" (٣/ ١٧٩)، "كتاب الصيام" (١/ ٤٥٧ - ٤٥٨) بتصرف.

стр. 72

مسألة: من أكل أو شرب ناسيًا فهل يجب إعلامه على من رآه ؟ ذكر ابن مفلح في "الفروع" وجهين: الأول: أنه يلزمه الإعلام، قال المرداوي: وهو الصواب، وهو في الجاهل آكَدُ. الثاني: لا يلزمه الإعلام، ثم وجَّه ابن مفلح وجهًا آخر: أنه يلزمه إعلام الجاهل لا الناسي. قال أبو عبد الله ﵀: وما صوبه المرداوي هو الصواب، والله أعلم؛ لكون الأكل والشرب في نهار رمضان محرمًا، وإنما الجهل والنسيان عذر في عدم تأثيمه، فيشمله قوله ﷺ : «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه؛ فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان». (١) ومن المعلوم أيضًا: أن الإمام إذا قام إلى ركعة خامسة ناسيًا فيجب على المأموم إعلامه؛ لقوله ﷺ : «فإذا نسيت فَذَكِّروني» (٢)، فكذلك هذه الصورة، والله أعلم. انظر: "الفروع" (٣/ ٥٣)، "الإنصاف" (٣/ ٢٧٤ - ٢٧٥).

стр. 73

فَصْل فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِمُبْطِلاتِ الصِّيَامِ مسألة: ويبطل الصيام بالأكل والشرب والجماع، بالكتاب والسنة والإجماع . أما من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧]. أما دلالة السنة: فقوله ﷺ فيما يرويه عن ربه: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» متفق عليه عن أبي هريرة ﵁. (١) وأما الإجماع: فقد نقله جمع من العلماء كابن حزم وابن المنذر وابن قدامة وغيرهم. انظر: "المغني" (٣/ ١٤)، "المجموع" (٦/ ٣١٣)، "المحلى" (٧٣٣). تنبيه: الأكل والشرب الذي يُفطِّر بالإجماع هو الذي يتغذى به، وأما ما لا يتغذى به، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى الجواز، كالحسن بن صالح، وصح عن أبي طلحة الأنصاري ﵁، أنه كان يأكل البَرَدَ في الصوم، ويقول: ليس بطعام ولا شراب. (٢)

стр. 74

وبناء على هذا: فإن من ابتلع خاتمًا، أو خرزةً، أو لؤلؤةً، أو نحو ذلك؛ فلا يُعَدُّ مُفَطِّرًا، والذي عليه سائر العلماء أنه يعد مفطرًا؛ لعموم الأدلة، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذا الشيخ ابن عثيمين، وهو الحق بلا ريب. انظر: "المغني" (٣/ ١٤ - ١٥)، "الشرح الممتع" (٦/ ٣٧٨)، "كتاب الصيام" (١/ ٣٨٤). مسألة: ابتلاع الريق ؟ إذا كان على العادة: فلا يفطر بالإجماع، نقل الإجماع على ذلك الإمام النووي ﵀؛ وذلك لأنه يعسر الاحتراز منه، ولأنه مما تعم به البلوى؛ ولو كان مفطرًا لَبيَّن ذلك رسول الله ﷺ . وأما إذا جمع ريقه في فمه فابتلعه: ففيه وجهان عند الشافعية، والحنابلة، والأصح في المذهبين أنه لا يفطر؛ لعدم وجود دليل على تفطيره، وهو الذي رجحه ابن قدامة ﵀، وكما أنه لا يفطر إذا لم يجمعه وإن قصد ابتلاعه فكذلك إذا جمعه، وهو ترجيح الإمام ابن باز، وابن عثيمين رحمة الله عليهما. انظر: "الشرح الممتع" (٦/ ٤٢٧)، "المغني" (٣/ ١٦ - ١٧)، "المجموع" (٦/ ٣١٧ - ٣١٨). مسألة: إذا ابتلع ريق غيره ؟ قال الإمام النووي ﵀ في "شرح المهذب" (٦/ ٣١٨): اتفق العلماء على أنه إذا ابتلع ريق غيره أفطر. اهـ مسألة: لو بلل الخياط خيطًا بالريق ثم رده إلى فيه ؟ قال الإمام النووي ﵀ في "شرح المهذب" (٦/ ٣١٨): قال أصحابنا: إن لم

стр. 75

يكن عليه رطوبة تنفصل لم يفطر بابتلاع ريقه بعده بلا خلاف؛ لأنه لم ينفصل شيء يدخل جوفه، وممن نقل اتفاق الأصحاب على هذا المتولي، وإن كانت رطوبة تنفصل وابتلعها فوجهان حكاهما إمام الحرمين، ومتابعوه والمتولي، أحدهما: وهو قول الشيخ أبي محمد الجُوينِّي لا يفطر، قال: كما لا يفطر بالباقي من المضمضة، وأصحهما وبه قطع الجمهور: يفطر؛ لأنه لا ضرورة إليه، وقد ابتلعه بعد مفارقة معدنه وانفصاله. اهـ قلتُ: ما صححه النووي هو الصحيح إن شاء الله تعالى، والله أعلم. ويلحق به السواك، فإذا أخرجه من فمه وفيه من ريقه، فلا يبلع ذلك الريق مرة أخرى. مسألة: بقية الطعام الذي بين الأسنان ؟ ذهب الجمهور إلى أنه إذا بلع منه شيئًا؛ فإنه يعد مفطرًا، وهو قول مالك، وأحمد، والشافعي، وهو الصحيح؛ لأنه يعتبر أكل طعام، ويمكنه الاحتراز منه ولا تدعو الحاجة إليه. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يفطر، ولا دليل على ما ذهب إليه، والله أعلم. انظر: "المجموع" (٦/ ٣١٧). مسألة: لو ابتلع الصائم شيئًا يسيرًا جدًّا ؟ قال النووي ﵀ في "شرح المهذب" (٦/ ٣١٧): لو ابتلع شيئًا يسيرًا جدًّا كحبة سمسم، أو خردل ونحوهما أفطر بلا خلاف عندنا، وبه قال جمهور العلماء،
следующие страницы →