← Гариб и словари

Гариб и словари · id 23235

الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية

أبو نصر الجوهري

Полный текст (5 081 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المجلد الأول بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين قرآن كريم

стр. 2

[مقدمة الصحاح بقلم الملك فهد بن عبد العزيز] مقدمة الصحاح بقلم حضرة صاحب الجلالة الملك العالم فهد بن عبد العزيز خادم الحرمين الشريفين ملك المملكة العربية السعودية

стр. 3

كتاب " الصحاح " للامام اللغوي العظيم إسماعيل بن حماد الجوهري أصح معجم عربي، وهو أول معجم لغوي صحيح سار على نهج يسر اللغة وقربها وجعلها في متناول الناس جميعا، والصحاح - كما يقول محققه الاستاذ أحمد عبد الغفور عطار في مقدمته الرائعة التى كتبها له -: " أول معجم خطا بالتأليف المعجمى أعظم خطوة عرفها تاريخ العربية في هذا السبيل ". وعندما نشر معالي الشيخ محمد سرور الصبان مختصر الصحاح المسمى " تهذيب الصحاح " تمنى المخلصون للغة القرآن أن لو نشر " الصحاح " نفسه، فيخرج من طبعته الاولى التى أصبحت أندر من المخطوطات إلى طبعة تكون خيرا من الاولى في التحقيق والتبويب والاخراج الطباعي الجميل. وها هي ذي الامنية تتحقق بفضل الله ﷻ ، فيصدر " الصحاح " محققا تحقيقا رائعا، ومطبوعا طباعة أنيقة. أما المقدمة الرائعة العظيمة التى كتبها الاستاذ الباحث العطار، والتى أصبحت جزءا من الصحاح، فإنها تعتبر بحق دراسة مبتكرة جديدة، لم يسبق منذ ألف الصحاح أن أحدا من العلماء درسه دراسة الاستاذ المحقق،

стр. 4

وإن دراسته إياه تعد خير ما كتب عن أول معجم عربي صحيح سهل التناول. ولقد صدق الاديب العظيم الاستاذ الكبير عباس محمود العقاد عندما وصف هذه الدراسة فقال: " إنها تصلح أن تكون مقدمة للصحاح ولسائر المعجمات العربية ". ويكفي هذه الدراسة العليا القوية فخارا وشهادة بأنها عمل عظيم أن تنال إعجاب كاتب العربية الكبير الاستاذ العقاد. والمقدمة - وحدها - كتاب جليل عظيم القدر، فقد درس فيه الباحث الاستاذ العطار اللغة العربية دراسة علمية دقيقة، وكتب عن تاريخ المعجمات في العالم، وتاريخ المعجمات في لغتنا كتابة لم يسبق إليها في العربية، وأبدى آراء جد صائبة في اللغة العربية قديمها وحديثها، ووسائل النهوض بها، وعقد فصلا كبيرا عن " كتاب العين " حقق فيه نسبته إلى الخليل. ومن أعظم البحوث المبتكرة التى ضمها كتاب الاستاذ العطار أو مقدمته التى كتبها للصحاح بحثه " المدارس المعجمية " وتقسيمه إياها إلى أربع مدارس، هن: مدرسة الخليل، ومدرسة أبى عبيد، ومدرسة الجوهرى، ومدرسة البرمكي، وأظهر سمات كل مدرسة وشخصيتها وخصائصها و " علاماتها الفارقة " ونظامها وطريقة ترتيب موادها، ومن الكشوف العلمية التى تحسب للاستاذ العطار في حقل المعجمات أنه أول من كشف عمن ألف المعجمات على أوائل الحروف الهجائية كالنظام الحديث في تأليفها، فقد ذكر أن محمد تميم البرمكي أول من ألف معجما على الطريقة الحديثة التى ترتب المواد والكلمات على حروف الالفباء، مع مراعاة الحرف الثاني والثالث والرابع في الكلمة. وكان العلماء والباحثون يذكرون أن الزمخشري أول من سار على هذه الطريقة في " أساس البلاغة " فجاء الاستاذ العطار وأثبت أن البرمكي هو الاول، إذ تناول البرمكي صحاح الجوهرى ورتبه على أوائل الحروف سنة

стр. 5

٣٩٧ هـ، وتوفي الزمخشري سنة ٥٢٨ هـ، مما يثبت ثبوتا قاطعا أن البرمكي أسبق. وكتب عن الصحاح وقيمته العلمية ومزاياه وأثره في محيط العربية والتأليف اللغوى والمعجمى بحثا جديدا غنيا بالمادة العلمية. وما أشك أن الصحاح أجدر معجم بالنشر، لانه يمتاز عن كل المعجمات التى عاصرته أو سبقته بميزات منها: أن المعجمات العربية التى سبقته أو ألفها أصحابها في عصر الجوهري أو بعده بقرن ليست سهلة أمام الباحث - باستثناء المجمل والمقاييس لابن فارس - بل هي صعبة، وهى متيهة تجهد الباحث وتعييه، فكتاب العين للخليل بن أحمد - الذي يعد أول معجم في العربية كلها إذ لم يؤلف معجم قبله، لان الخليل هو مبتكر فن تأليف المعجمات في العربية كلها، كما ابتكر علم العروض - ليس سهلا أمام من يريد أن يبحث فيه عن كلمة مغلقة المعنى، لانه سار على نظام مغلق الابواب، ألا وهو ذكره الكلمة ومقلوباتها، مثل: قبل، تقلب إلى: قلب وبقل وبلق ولبق ولقب، فإذا أردنا كلمة منها لا نعرف في أي الابواب ذكرت، لاننا لا نعرف أيها الاصل وأيها الفرع. سار على نهج العين ابن دريد في كتاب " الجمهرة " والازهري في " تهذيب اللغة " وكلاهما مثل كتاب العين في الصعوبة والوعورة. وكان الناس قبيل الصحاح لا يفيدون من المعجمات المعدودات، بل كان العلماء أنفسهم لا يستطيعون الوصول إلى الكلمات التى يريدون الوقوف على معانيها إلا بجهد جهيد، حتى الف الجوهري صحاحه فمهد الطريق وعبده أمام الناس، حتى الشادي نفسه يستطيع بقليل من المعرفة بالمعاجم وطريقة البحث فيها أن يهتدي إلى ضالته من الكلمات. ومن هنا كانت مزية الصحاح على كل المعجمات التى سبقته أو عاصرته. وإذا يسر الله من يحققه تحقيقا علميا دقيقا، ووفق له من ينشره نشرا رائعا جميلا فإن ذلك من آيات حفظ الله للغة القرآن والسنة بحفظ أمثال " الصحاح " ونشره ليعم به النفع، وتصان اللغة.

стр. 6

والاستاذ العطار أغنانا بما كتب في مقدمته العظيمة عن وصف الصحاح، فهو لم يترك مجالا لقائل أو كاتب أو باحث. فهو قد درس الصحاح وأعطاه حقه فوفاه القول والبحث، وذكر ما له وما عليه، وقدم دراسة بكرا لم يسبق إليها، وحشد من آرائه الصائبة وبحوثه المبتكرة ما ملا به أكثر من خمسين ومائتي صفحة (١) جديرة بالاطلاع عليها والاهتمام بها من قبل العلماء والادباء والمفكرين. والحق أن هذا الكتاب أو المقدمة تعد أول بحث علمي في بلادنا، يقوم على قواعد محكمة، ومنهج علمي دقيق، تشارك به بلادنا شقيقاتها، فليس في هذا البحث فضول من القول، بل كله بحث وعلم، وأسلوب المؤلف في مقدمته أسلوب عربي رائع رصين، وبيانه آية في الروعة والجمال. وحسبنا أنه أسلوب العطار وبيان العطار. وينتهي الكتاب أو المقدمة بفهارس في منتهى الدقة وجمال الترتيب، والفهارس الموضوعة هي: فهرس الاعلام، وفهرس، الاماكن والبلدان، وفهرس الطوائف والاجناس، وفهرس الكتب الواردة أثناء البحث، وفهرس المراجع (١) . أما المقدمة التي كتبها أديب العربية الكبير الاستاذ العقاد. فهي آية في البحث العلمي، وذكر الاستاذ العقاد آراء آية في القوة والصواب والروعة، وليس غريبا على الكاتب الجبار أن يبدع القول فيما كتب، فالعقاد - دائما - يمتح من فكره وقلبه ومنطقه، وما كتبه في مقدمته " المركزة " خلاصة دراساته في الآداب والعلوم والفنون نصف قرن، والعقاد من أقوى علماء العربية المعاصرين، ومن أعظمهم اطلاعا على أصول العربية وأسرارها ونوادرها، وبحوثه فيها بحوث ناضجة لا تتاح إلا لمن كان في مثل ثقافته الواسعة وذهنه الجبار.

стр. 7

وإنني أشكر الاستاذ العطار على ما بذل من جهود كبيرة ضخمة في المقدمة وفي تحقيق الصحاح، حتى كانت هذه الطبعة الرائعة الممتازة في التحقيق والتعليق والضبط والاخراج الطباعي الانيق الذي يعد آية في الطباعة الفنية الحديثة (١) . فهد بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية الرياض: ١٤ رجب ١٣٧٥ هـ

стр. 8

مقدمة الطبعة الثالثة: ويشاء الله بفضله وكرمه أن تصدر الطبعة الثانية من " الصحاح " من قبل دار العلم للملايين سنه ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م) وتنفد نسخها خلال أقل من سنتين، مما جعل طلبه يتجدد ويكثر فاستجبنا وأصدرنا هذه الطبعة، راجين أن ينتفع بها المشتغلون بلغة القرآن وأهل العلم وطلابه، والله الموفق. الثلاثاء: ٣٠ ربيع الاول ١٤٠٤ هـ ٣ / ١ / ١٩٨٤ م المحقق والناشر

стр. 9

مقدمة الطبعة الثانية: إمام العربية الجوهري مؤلف الصحاح من إعظم رواد المعجمات العربية، ومبتكر المنهج الذي اتبعه في تأسيس صحاحه دون أن يتبع سبيلا سبقه إليه أحد. أما دعوى من زعم أن البندنيجي في مؤلفه المسمى " كتاب التقفية " قد سبقه فصار الجوهري غير مبتكر منهجه فباطلة، وقد رددنا عليها، وبينا بطلانها في البحث المنشور بعد هذه المقدمة تحت عنوان " الجوهري مبتكر منهج الصحاح ". وصدر سنة ١٩٧٥ م معجم باسم " الصحاح في اللغة والعلوم " إعداد نديم مرعشلي وأسامة مرعشلي وتصنيفهما، وتقديم الشيخ عبد الله العلايلي. وجاء على الغلاف: " تجديد صحاح العلامة الجوهري " وذكر المصنفان في المقدمة أشياء تضيفا فيها " مقدمة الصحاح " التى كتبناها لطبعته الاولى التي حققناها، وبخاصة في بعض ما سبقنا به غيرنا، ولم يجئ عن أحد سوانا، مثل السبب الذي دعا الجوهري إلى اختيار منهجه عندما اعتمد الحرف الاخير من الكلمة، ومثل ذكرنا محمد بن تميم البرمكي الذي اختار الحرف الاول. ولم يشر المرعشليان إلى " الصحاح " الذي حققناه، ولا إلى " المقدمة " التي كتبناها له، مع الاطلاع عليه والاقتباس منه، ولو ذكرا جهدنا العلمي لكانا أمينين وممن يضطلعون بالامانة العلمية، ولما نقص من قدرهما بل لزاد، اما إغفال الذكر فخيانة تدين المصنفين بالسطو على جهود الاخرين،

стр. 10

وادعائهما إياها، ولا يسعهما الادعاء بعدم الاطلاع على جهودنا، ولو ادعيا ذلك لكانا من المفترين، ولاضافا إلى إثم السطو إثم المكابرة والافتراء، لان ما ادعياه في " المقدمة " المنسوبة إليهما لم يجئ قط عن أحد غيرنا. ولم أطلع على عمل المرعشليين إلا في السنة الماضية (١٩٧٨ م) وكنت ببيروت، فاتصلت بالشيخ عبد الله العلايلي، وأخذت عليه إغفاله الاشارة إلى " الصحاح " الذي حققناه، وعدم نقده مقدمة المصنف المرعشلي الذي ذكره مفردا. وأجابني الشيخ العلايلي: أنه لم يقرأ مقدمة المصنف، وأنه طلب إليه كتابة المقدمة فكتبها دون أن يطلع على عمل المرعشلي. وعجبت من جوابه أكثر من سطو المرعشلي على بحثنا وآرائنا، فقد كان فرضا على عالم بحاثة كالشيخ العلايلي أن يكون غير ما وقفنى هو نفسه عليه. وعلى أي حال يصدر " الصحاح " الاصيل من قبل " دار العلم للملايين " تلبية لرغبات أهل العلم وطلابه الذين رجوا أن يعاد طبعه، فقد خلت السوق في العالم العربي والاسلامي منه، وكنت في حاجة إلى بضع نسخ منه فلم أستطع الحصول إلا على نسخة واحدة دفعت فيها ألف ريال سعودي، ورجع إلي راغب في نسخة فذكرت له قصة النسخة التي انتهيت إليها، فذكر لي في أدب أنه يود الحصول على نسخة ولو بأكثر من الثمن الذي دفعت. وتلقيت من بلدان العالم العربي والاسلامي رسائل يطلب إلي أصحابها نسخا من " صحاح " الجوهري، فاعتذرت لهم. ولما رأيت الحاجة ملحة إلى إعادة طبع الصحاح من كثرة الطلب عليه عزمت أن أطبعه على حسابي لدى " دار العلم للملايين " فإذا هي ترجو أن يكون لها شرف نشر بعض المعاجم ومنها " قاموس الحج والعمرة " الذي ألفته فكان أول مؤلف في موضوعه يؤلف في العربية والاسلام، فوافقت وأذنت.

стр. 11

وها هي ذي الطبعة الثانية تصدر بفضل الله ثم بفضل " دار العلم للملايين " التي أفضلت بطبع مئتي نسخة منه طباعة فاخرة للمحقق، راجين ان ينتفع بالصحاح قراء العربية من علماء وأدباء ومثقفين وطلاب علم. وفقنا الله لاعلاء كلمته، ونفعنا بكتابه ولغته، وجعلنا حراس الفصحى وحماتها والغير عليها. أحمد عبد الغفور عطار مكة المكرمة الاحد: ١ رجب ١٣٩٩ هـ ٢٧ / ٥ / ١٩٧٩ م

стр. 12

الجوهري مبتكر منهج الصحاح: كتب الاستاذ الدكتور بكري شيخ أمين مقالا تحت عنوان " الجاسر والعطار يكشفان عن خطأ علمي " نشره بمجلة " الخفجي " التي تصدرها " شركة الزيت العربية المحدودة " وأعادت جريدة " البلاد " السعودية نشره، سنة ١٣٩٤ هـ (١٩٧٤ م) . وجاء في المقال قوله: " لقد درجنا في الوطن العربي على تقسيم المدارس المعجمية إلى أربعة أقسام: " الاولى - مدرسة الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجمه " العين ". " والثانية - مدرسة ابن دريد في " جمهرة اللغة ". " والثالثة - مدرسة الجوهري في معجم " الصحاح ". " والرابعة - مدرسة الزمخشري في " أساس البلاغة ". وكانت هذه التقسيمات مدارا لبحوث ودراسات ومؤلفات كثيرة في مختلف أرجاء الوطن العربي ". ويقول: " والملاحظ أنه لا أحد من الباحثين اعترض على هذه التقسيمات ولا على أصحاب هذه المدارس، وكأن ما وصلوا إليه هو القول الحاسم الجازم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. " وجاء الباحثون السعوديون فأقروا شيئا من هذه التقسيمات وأنكروا شيئا آخر، أقروا للفراهيدي بابتداعه طريقة جديدة في معجمه " العين " وأقروا لابن دريد ريادته في ترتيب " جمهرة اللغة " وأنكروا أن يكون الجوهري مبتدع ترتيب " الصحاح " كما أنكروا أن يكون الزمخشري مبتدع ترتيب " أساس البلاغة ". " وهذا الانكار من العلماء السعوديين بني على أسس علمية، وتحقيقات لغوية، وبراهين حسية مدعومة بالبراهين الموضوعية، والحجج العلمية. " فلقد أثبت الشيخ حمد الجاسر في عدد من الابحاث العميقة التي نشرها في مجلته " العرب " في أعداد سنتها الاولى أن أبا بشر اليمان بن أبي اليمان البندنيجي المتوفي سنة

стр. 13

٢٨٤ هـ (٩٨٧ م) سبق الجوهري في منهج التقفية بمائة سنة ونيف، لان الجوهري توفي سنة ٣٩٣ هـ (١٠٠٢ م) وأتى بالادلة المادية، والصور الفوتوغرافية لمخطوط البندنيجي المسمى ب " كتاب التقفية ". " وقد ذكر الشيخ حمد الجاسر أن هذا الكتاب من الكتب المغمورة التي قل أن يرد لها ذكر في كتب اللغة، وهذا من الاسباب التي حملت كثيرا من الباحثين على الاعتقاد بأن الجوهري هو مبتكر منهج ترتيب الكلمات العربية بحسب الحرف الاخير منها، ثم أورد الجاسر كلام البندنيجي عن طريقته، كما أورد الامثلة المختلفة الدالة على منهجه في ترتيب الكلمات. ولكن باحثا آخر استدرك على الجاسر اجتهاده فذكر الفارابي المتوفى سنة ٣٥٠ هـ (٩٦١ م) وهو خال الجوهري وأستاذه، ومؤلف معجم " ديوان العرب " (١) سبق الجوهري بترتيبه والسير على نظام الباب والفصل، وأن أصحاب المعاجم عيل على الفارابي في هذا الترتيب ". ثم أشار الدكتور بكري أمين إلى ذهابي أن الزمخشري ليس مبتكر المنهج الذي يؤسس المعجم على أوائل الكلمات حسب ترتيب حروف الهجاء، وإنما مبتكرها محمد بن تميم البرمكي. وفيما ذهب إليه الدكتور بكري مجال للقول والنقد، ومن ذلك قوله: " والثانية - مدرسة ابن دريد في جمهرة اللغة " ووجه الخطأ أن ابن دريد ليس صاحب مدرسة في معجمات العربية، لانه من مدرسة الخليل، وقد أقمنا الدليل في " مقدمة الصحاح " على انتساب ابن دريد إلى مدرسة الخليل. أما قوله: " درجنا في الوطن العربي على تقسيم المدارس المعجمية إلى أربعة أقسام " فما رأيت هذا الدرج، وما كان هذا التقسيم إلا بأخرة، ولعلي أول من قسم المعجمات العربية إلى مدارس معدودات، فقد ذكرت في " مقدمة الصحاح " هذا التقسيم، وطبعت مع الصحاح سنة ١٣٧٥ هـ (١٩٥٦ م) . وفي سنة ١٣٦٠ هـ كنت بالمدينة المنورة - زادها الله شرفا وتعظيما - ودار الحديث بمجلس العالم الفاضل السيد علي حافظ في المعجمات العربية، وفي " تهذيب اللغة " للازهري، و " التكملة والذيل والصلة " للصغاني، وفي " جمهرة اللغة " لابن دريد،

стр. 14

وعرضت على الحضور - وكانوا من أكابر أهل المدينة وعلمائها وأدبائها - رأيى في " مدارس المعجمات العربية " وعددهن، فقال السيد الجليل علي حافظ: هذا شئ جديد أسمعه لاول مرة، ولم أقرأه في كتاب أو صحيفة. وأيده من حضروا، ثم علم برأيي هذا الامام اللغوي الشيخ عبد القدوس الانصاري، وسألني فأجبته، فسر وهنأني وقال: هذا جديد مبتكر غير مسبوق إليه. ومعروف أن الامام الانصاري حجة العربية، وأول سعودي كتب في اللغة بحوثا رائعة، وما يزال - مد الله في عمره - من أئمة العربية في هذا العصر، ومن أعظم الغير على الفصحى: لغة القرآن ومحمد ﵊ (١) . وإذا كانت " مقدمة الصحاح " قد طبعت سنة ١٣٧٥ هـ (١٩٥٦ م) فإن رأيي في تقسيم المعجمات العربية إلى مدارس قد سبق ظهور المقدمة بخمس عشرة سنة. والثابت ظهور رأيي في مدارس المعجمات على نطاق العالم العربي والاسلامي ومحافل الاستشراق والمعنيين بالعربية قد كان سنة ١٣٧٥ م (١٩٥٦ م) في " مقدمة الصحاح " فكان رأيي في مدارس المعجمات وقسمها أول رأي في هذا السبيل. ويعلم الدكتور بكري أنه لا يقال " درج " إلا فيما عرف واشتهر، وما كان هذا التقسيم معروفا قبل مقدمة الصحاح التي طبعت مستقلة في كتاب بعنوان " الصحاح ومدارس المعجمات العربية " الذي طبع طبعتين: إحدهما بالقاهرة، والاخرى ببيروت. وأما قول الدكتور بكري: " وجاء الباحثون السعوديون فأقروا شيئا من هذه التقسيمات وأنكروا شيئا آخر " فالذي أعرفه نقيض قوله، فما ثم باحثون سعوديون أقروا شيئا من هذه التقسيمات وأنكروا شيئا آخر. وإذا أراد الدكور بالباحثين السعوديين حمد الجاسر وكاتب هذه السطور فليس للجاسر رأي في مدارس المعجمات، وإنكاره على الجوهري ابتكار منهج الصحاح لا يغير من هذه المدارس شيئا، فهن كما هن حسب التقسيم الذي رأيته. وأما قوله: " فلقد أثبت الشيخ حمد الجاسر في عدد من الابحاث العميقة التي نشرها في مجلته " العرب " في أعداد سنتها الاولى أن أبا بشر اليمان بن أبي اليمان البندنيجي المتوفى سنة ٣٨٤ هـ (٨٩٧ م) سبق الجوهري في منهج التقفية بمائة سنة، لان الجوهري توفي سنة ٣٩٣ هـ (١٠٠٢ م) وأتى بالادلة المادية، والصور الفوتوغرافية لمخطوط البندنيجي

стр. 15

المسمى: كتاب التقفية "، فمردود. ودليلنا حمد الجاسر نفسه الذي ذكر أن هذا الكتاب من الكتب المغمورة التي قل أن يرد لها ذكر في كتب اللغة. أما أن " هذا من الاسباب التي حملت كثيرا من الباحثين على الاعتقاد بأن الجوهري هو مبتكر منهج ترتيب الكلمات العربية بحسب الحرف الاخير منها " فعجيب أن يصدر من علماء ذوي بصر ثاقب من أمثال الدكتور بكري شيخ أمين يغفلون عن فهم المعجم اللغوي فيحسبون الصحاح وكتاب التقفية ذوي موضوع واحد، ومنهج واحد، وغاية واحدة، مع أن البندنيجي أدرك معنى المعجم اللغوي، وعرف الفارق بين عمله وعمل المعجم فسمى كتابه " كتاب التقفية " وذكر الغاية من التأليف، دون أن يكون له منهج معجمي، وسنذكر فيما سيأتي المزيد من البيان والبرهان. أما مدارس المعجمات في العربية فأربع - كما ذكرنا في مقدمة الصحاح - وهن: الاولى - مدرسة الخليل، وسار على نهجها: ابن دريد في جمهرته، والازهري في تهذيبه، وابن عباد في محيطه، والقالي في بارعه. الثانية - مدرسة القاسم بن سلام، ونهج منهجه ابن سيده في مخصصه، والثعالبي في فقه اللغة، ومن المحدثين المعاصرين عبد الفتاح الصعيدي وحسين يوسف موسى. الثالثة - مدرسة الجوهري، ونسج على منواله الفيروز أبادي في القاموس، وابن منظور في لسان العرب، والصغاني في التكملة والذيل والصلة، وفي مجمع البحرين، وفي العباب. الرابعة - مدرسة البرمكي، وتبعها الزمخشري في أساس البلاغة، ثم ألفت عشرات المعجمات على هذا المنهج الذي صار أسلوب العصر الحاضر في تأليف المعجمات. وذكرنا سمات كل مدرسة ومزاياها، ولم نذكر مع المدارس الاربع منهجا جديدا لم نعتده مدرسة، وإن كان صاحب هذا المنهج مبتكرا ورائدا، لم نذكر منهجه ولم نعتده مدرسة، لان المنهج لم يكن متبوعا، ولم يأت بعده من يهتدي بهديه، فبقي فذا وحده ومهجورا، وهو نهج نشوان بن سعيد الحميري، المتوفى سنة ٥٧٣ هـ في معجمه العظيم " شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم ". وكتبت عنه منذ زمن بعيد، وكنت بمدينة الرسول ﷺ سنة ١٣٦١ هـ أو قريبا منها فذكر لي العلامة السيد عبيد مدني ﵀ أن لديه مختصرا للشمس، ودعاني إلى منزله فزرته، ولقيت شقيقه العلامة الاستاذ السيد أمين مدني، مد الله في عمره. واطلعت على المختصر، وتحدثنا في المعجمات العربية، وكانا قد علما برأيي في تصنيفها إلى مدارس، فسألني السيد عبيد، لماذا لم تعد نشوان بن سعيد الحميري صاحب مدرسة؟ أليس مبتكر منهجه في تأسيس معجمه؟

стр. 16

فأجبته: بلى، إنه مبتكر ورائد، ولكني لم أعده صاحب مدرسة، لانها غير متبوعة، ولم يأت من اتبع منهجه! وعندما صدرت الطبعة اليمنية نقدتها في مجلة " الرسالة " (١) القاهرية، وأشرت إلى طبعة ليدن التي حققها زترستين، وكلتا الطبعتين لم تستغرق من معجم نشوان الا جزءا يسيرا، وطبعة اليمن مزدحمة بمئات الغلطات، وغير محققة بتة، وخير منها طبعة زترستين. ومنهج نشوان بن سعيد الحميري الذي لم يتبعه أحد بعده قد وضحه هو نفسه في مقدمة معجمه إذ قال: " وقد صنف العلماء رحمهم الله تعالى في ذلك كثيرا من الكتب، وكشفوا عنه ما يستر من الحجب، واجتهدوا في حراسة ما وضعوه، وما حفظوه، وصنفوا من ذلك وجمعوه، ورووه عن الثقات وسمعوه، فمنهم من جعل تصنيفه حارسا للنقط. وضبطه بهذا الضبط، ومنهم من حرس تصنيفه بالحركات بأمثلة قدروها، وأوزان ذكروها، ولم يأت أحد منهم بتصنيف يحرس جميع النقط والحركات، ويصف كل حرف مما صنفه بجميع ما يلزمه من الصفات، ولا حرس تصنيفه من النقط والحركات الا بأحدهما، ولا جمعهما في تأليف لتباعدهما، فلما رأيت ذلك ورأيت تصحيف الكتاب والقراء، وتغييرهم ما عليه كلام العرب من البناء حملني ذلك على تصنيف يأمن كاتبه وقارئه من التصحيف، بحرس كل كلمة بنقطها وشكلها، وبجعلها مع جنسها وشكلها، وبردها إلى أصلها، وجعلت فيه لكل حرف من حروف المعجم كتابا، ثم جعلت لكل حرف معه من حروف المعجم بابا، ثم جعلت كل باب من تلك الابواب شطرين: أسماء وأفعالا، ثم جعلت لكل كلمة من تلك الاسماء والافعال وزنا ومثالا، فحروف المعجم تحرس النقط، وتحفظ الخط، والامثلة حارسة الحركات والشكل، ورادة كل كلمة من بنائها إلى الاصل، فكتابي هذا يحرس النقط والحركات جميعا، ويدرك الطالب فيه ملتمسه سريعا، بلا كد مطية غريرية (٢) ، ولا إتعاب خاطر ولا روية، ولا طلب شيخ يقرأ عليه، ولا مفيد يفتقر في ذلك إليه، فشرعت في تصنيف هذا الكتاب، مستعينا بالله رب الارباب، طالبا لما عنده من الاجر والثواب، في نفع المسلمين، وإرشاد المتعلمين، وكان جمعي له بقوة الله وحوله،

стр. 17

ومنته وطوله، لا بحولي وقوتي، ولا بطولي ومنتي، لما شاء من حفظ كلام العرب، وحراسته بهذا الكتاب على الحقب، وسميته " كتاب شمس العلوم، ودواء كلام العرب من الكلوم، وصحيح التأليف، ومعجم التصنيف، والامان من التصحيف ". وذكر الدكتور بكري شيخ أمين أن باحثا استدرك على حمد الجاسر، فذكر الفارابي، وأنه سبق الجوهري، ولم يفتنا ذكر الفارابي ومنهجه قبل استدراك الباحث بسنوات. وكتب الدكتور بكري شيخ أمين بحثا في " الصحاح " وعملي فيه، ونشره في " المجلة العربية " (١) وأعاد القول فيما ذهب إليه الجاسر، وجاء في البحث قوله: " ولم نطلع على رد الاستاذ العطار على هذه النقطة، ولعله كتب ولم نصل إلى ما كتب، أو لعله آثر عدم الرد معتقدا أن المنهج المتكامل للجوهري يخوله حق إمامة هذه المدرسة وادعائها ". وأنا لم أرد على ما ذهب إليه حمد الجاسر، لان ما رآه لم أرض عنه، وكنت أحسب أن من القراء من أمثال الدكتور بكري لن يفوتهم إدراك الصواب في هذا الامر، ولكن فاتهم، حتى أن باحثا عراقيا حقق كتاب البندنيجي أخذ برأي الجاسر، واضطرني ذلك إلى كتابة رد عليه نشر في السنة الماضية بمجلة " المنهل " لصاحبها العلامة الشيخ عبد القدوس الانصاري، وبالملحق الادبي لجريدة " المدينة المنورة ". واطلعت بأخرة على كتاب (التقفية) (٢) ، محققا بقلم الدكتور خليل إبراهيم العطية الاستاذ بكلية الآداب بجامعة البصرة، وقرأت تقديمه الكتاب، فإذا هو آخذ برأي الشيخ حمد الجاسر ومؤيده ومسلم به ومؤكد أن الجوهري غير مبتكر منهجه في صحاحه، وإنما المبتكر البندنيجي. وجاء في تقديم الدكتور العطية قوله: " احتل معجم (تاج اللغة وصحاح العربية) المعروف بالصحاح لابي نصر إسماعيل الجوهري المتوفى سنة أربعمائة للهجرة مكانة رفيعة لدى القدماء، فأولوه رعايتهم، وصادق اهتمامهم، وتناوله كثير منهم بالدراسة بين شارح له أو مختصر أو ناقد. " وتأثر بنظامه المعتمد على القوافي جمهرة منهم كانوا له محتذين، وما زالت أشهر المعجمات المتداولة التي ارتضت طريقته كلسان العرب والقاموس والمحيط وتاج العروس

стр. 18

تشغل مكانة خاصة لدى الباحثين. " ولعل طريقة الصحاح في ترتيب الكلمات على القوافي التي زعم الجوهري في مقدمته أنه مبتكرها، كانت من أهم أسباب ذلك الاحتفال وتلك الرعاية. " وقد ظل الكثير من الناس على هذا الظن معتقدين أن الجوهري مبتكر هذا النظام الفريد لا تصافه بالسهولة واليسر إذا قيس بنظام معجم (العين) المخرجي العسير على المتكلمين (١) . " ولقد آن أن نتبين أن لغويا آخر هو البندنيجي سبقه إلى ابتكار هذا النظام بمعجمه الذي نقدمه للنشر محققا " إلخ. وعجبت من كلام الدكتور العطية ودعاواه وقذفه إمام العربية الجوهري واستخفافه به، كما عجبت من عدم تفرقته بين " الصحاح " و " كتاب التقفيه " في التأسيس والمنهج والنظام، وبين الجوهري الامام الطلعة الرائد المبتكر، والبندنيجي الذي لم يفطن للعمل المعجمي. ومن غير اللائق بعالم محقق أن يقول " زعم الجوهري في مقدمته أنه مبتكرها " ولا يصح أن ينسب الزعم إلى الجوهري، فما كان زاعما فيما ادعى، وإنما كان على الصدق والحق فيما قال بمقدمة صحاحه. وذكر الدكتور العطية في تقديمه أن من بين تناولوا الصحاح بالدراسة من شرحه، وما علمت أن هنا لك شارحا للصحاح، فلعله يدلنا عليه. ولما كان الدكتور العطية فيما ذهب إليه من نفي الابتكار عن الجوهري وحكمه به للبندنيجي تابعا الجاسر فإن ردنا عليه يشمله، وها هو ذا الرد وليس النص المنشور، لاننا أضفنا إليه بعض ما جد لنا من رأي. نشر الجاسر في مجلته المسماة " العرب " (٢) مقالا بقلمه تحت عنوان " الجوهري ليس مبتكر منهج التقفية في المعجم العربي ". يقول الجاسر: " لقد سبق الجوهري إلى هذه الطريقة عالم مغمور عاش قبل الجوهري بما يقرب من مائة عام، وهذا العالم هو أبو بشر اليمان أبي اليمان البندنيجي ". ويقول: " إن البندنيجي هذا - على ما ذكره ياقوت - عاش فيما بين سنتي

стр. 19

٢٠٠ و ٢٨٤ هـ والجوهري عاش بين سنتي ٣٣٢ و ٣٩٣ هـ على اختلاف في ذلك، ومما لا شك فيه تقدم البندنيجي عليه في الزمن تقدما لا يقل عن مائة عام ". ويقول: " أما كتاب التقفية فإنه من الكتب المغمورة التي قل أن يرد لها ذكر في كتب اللغة، وهذا من الاسباب التي حملت كثيرا من الباحثين على الاعتقاد بأن الجوهري هو مبتكر منهج ترتيب الكلمات العربية بحسب الحرف الاخير منها " ثم يقول: " أما منهج الكتاب فقد أوضحه مؤلفه في المقدمة التي نسوق بنصها (١) ليتبين ذلك المنهج واضحا وهي هذه بعد البسملة مباشرة: " هذا كتاب التقفية إملاء أبي بشر، وسماه بذلك لانه مؤلف على القوافي والقافية والبيت من الشعر، ونظر في الكلام فوجده على الحروف الثمانية والعشرين المرسومة با تا ثا عليها بناء الكلام كله عربيه وفصيحه فهي محيطة بالكلام لانه ما من كلمة إلا ولها نهاية إلى حرف من الثمانية والعشرين حرفا، فأراد أن يجمع من ذلك ما قدر عليه وبلغه حفظه، إذ كان لا غنى لاحد من أهل المعرفة والادب عن معرفة ذلك، لانه يأتي في القرآن والشعر وغير ذلك من صنوف الكلام، فجمع ما قدر عليه وأدركته معرفته، ثم رأى أنه لو جمع ذلك على غير تأليف متناسق، ثم جاءت كلمة عربية يحتاج الرجل إلى معرفتها من كتابنا بعد لصعب عليه إدراكها لسعة الكلام وكثرته، فألفه تأليفا متناسقا متتابعا ليسهل على الناظر فيما يحتاج إلى معرفته. " قال: ونظرنا في نهاية الكلام فجمعنا إلى كل كلمة ما يشاكلها مما نهايتها كنهاية الاول قبلها من حروف الثمانية والعشرين، ثم جعل ذلك أبوابا على عدد الحروف، فإذا جاءت الكلمة مما يحتاج إلى معرفتها من الكتاب نظرت إلى آخرها مما هو من هذه الحروف فطلبته في ذلك الباب الذي هي منه فإنه يسهل معرفتها إن شاء الله. " وقد يأتي من كل باب من هذه الثمانية والعشرين أبواب عدة، لانا إنما ألفناه على وزن الافاعيل، فلينظر الناظر المرتاد وزن الكلمة في أي الابواب هو فإنه يدرك الذي يطلبه. " وأضفنا إلى كل كلمة من كل باب ما يشاكلها من الكلام الفصيح الذي لا يجهله العوام ليكون ذلك أجمع لما يريده المرتاد لما وصفناه. " وأول ما ابتدئ في كتابنا هذا الالف، لانها أول الحروف، وعلى ذلك جرى أمر الناس، ثم نؤلفه على تناسقه ". ونشر الجاسر بضع صفحات من الكتاب ثنتين من أوله واثنتين من آخره، وجاء بعد

стр. 20

مقدمة المؤلف: قوله: " باب الالف الممدودة: الاباء: القصب، ويقال: رؤوس القصب ". ثم يقول الجاسر: " ثم أورد كلمات على هذا الوزن وكلمات أخرى مثل: الاقواء، والانحناء، والاستخذاء، والحوباء، والاهواء، وآخر الباب: " الاغواء: يقال: أغواه يغويه إغواء إذا حمله على الغي، ويقال: غوي الفصيل يغوي شديدا، إذا شرب من اللبن حتى يكاد يسكر " إلخ. وهذا كتاب التقفية ومنهج تأليفه ومؤلفه كما ذكر الجاسر، وكله برهان على أن دعواه بسبق أبي بشر البندنيجي الجوهري ليست أهلا للاخذ بها، إذا أريد منها انتزاع راية الابتكار من الجوهري صاحبها الاصيل وإعطائها غيره. فالجوهري إمام هذه المدرسة دون منازع وغير مدافع وإن كان مسبوقا في الزمن والتأليف من قبل البندنيجي أو الفارابي، لان البندنيجي وكتابه مغموران باعتراف الجاسر، ولان البندنيجي لم يقصد أن يؤلف معجما لغويا، وليس كتابه إياه، وقد فطن لعمله فذكره في مقدمة كتابه إذ يقول: " هذا كتاب التقفية إملاء أبي بشر وسماه بذلك لانه مؤلف على القوافي والقافية والبيت من الشعر ". فما ادعاه له الجاسر لم يزعمه المؤلف لنفسه، لانه كان فاهما ومدركا حقيقة عمله، هذه الحقيقة التى جهلها الجاسر جهلا مطبقا. ولو اطلع الجوهري على " كتاب التقفية " لما جرؤ إنسان يعرف الحق ويتبعه أن ينتزع راية الابتكار من الجوهري ويعطيها البندنيجي. فكيف والامام الجوهري لم يطلع عليه، إذ لو اطلع عليه لذكره وأشار إليه، ولم أجد في معجمات العربية في عصر الجوهري ولا في المعجمات التي أعقبته أي إشارة إلى كتاب البندنيجي، وقد اعترف الجاسر أن البندنيجي وكتابه مغموران. ولهذا لا يمكن أن ننفي ابتكار الجوهري طريقة تأسيس معجمه، وما كان السبق في الزمن نافيا الابتكار ما دام من يوصف به لم يطلع على عمل من سبقه، فكيف وعمل البندنيجي - بعد أن عرف وظهر - لا يعد سبقا بالنسبة للجوهري لاختلاف منهجه عن منهج البندنيجي كل الاختلاف الذي جهله الجاسر جهلا. ولو ادعى الجاسر أن الفارابي في معجمه " ديوان الادب " سبق الجوهري في الابتكار والتأليف لكان في دعواه نظر، أما دعواه في نفي الابتكار عن الجوهري أن البندنيجي سبقه فمردودة، ولا يمكن أن تجوز دعوى الجاسر على إنسان يفهم المعجم فهما سليما. وقد سبق باحث هو العلامة المستشرق الالماني فريتس كرنكو (١٨٧٢ - ١٩٥٣ م) حمد

стр. 21

الجاسر في إنكار الابتكار على الجوهري، وقد رددنا عليه إنكاره في مقدمة الصحاح، وفندنا زعمة كرنكو إذ ادعى أن الجوهري سرق في صحاحه مواد كتاب الفارابي وقلنا في صفحة ٨٠ - ٨١: " ولقد أسرف الاستاذ كرنكو في دعواه، ولا سند له، فديوان الادب للفارابي وصحاح الجوهري موجودان، ومنهما نسخ كثيرة صحيحة، والفارق بين المعجمين كبير، وبعد كل هذا نجد عمل الجوهري أصح وأكمل وأعظم من عمل خاله الفارابي. " ونحن لا نشك في أن الفارابي يعد واضع بعض أساس منهج الصحاح، وفوق هذا أربى الجوهري على خاله وأتى بنظام دقيق بذه فيه، وكان نظامه آية بينة. " ولعل مما أثار وهم كرنكو حتى زعم ما زعم أن ياقوتا يقول: " رأيت نسخة من كتاب ديوان الادب بخط الجوهري، وقد ذكر فيها أنه قرأها على أبي إبراهيم بفاراب ". ولا يبعد أن يكون الجوهري قد اطلع على كتاب خاله، ولكن عبارة ياقوت غير دقيقة، وينفيها أن الفارابي ألف كتابه في زبيد وتوفي بها، وهذا يمنع الجوهري من القراءة على خاله، ولا يمنعه من الاطلاع عليه واستنساخه. " وإذا قلنا: إنه اطلع على " ديوان الادب " وقرأه على مؤلفه فإن ذلك لا يوجب اتهام الجوهري بسرقة كتاب خاله، فالفارق بينهما كبير في المنهج والترتيب والنظام وعدد المواد. والتقاء الفارابي والجوهري في نقطة أو نقاط ليس دليلا على أن الثاني سطا على الاول، وإلا لعد الامام الازهري سارقا كتاب العين للخليل، وعد كل تابع مدرسة معجمية سارقا من الرائد، ولكن أحدا لا يستطيع - في مثل هذه الاحوال - أن يتهم عالما إماما بالسرقة إذا اتفق مع غيره في المنهج وأكثر المواد ". وقلنا في مقدمة الصحاح صفحة ١٠٣: " ولم ننسب هذه المدرسة إلى الفارابي مع تقدمه ومع أن الجوهري يلتقي معه في بعض النقاط، لان الفارابي ألمع إلماعا إلى بعض منهج الجوهري، ولكن الجوهري جاء بما وفى على الغاية، ووصل فيه إلى النهاية، وأحكم النظام، وضبط المنهج، فانتسبت المدرسة إليه، وهو بهذه النسبة جدير، لانه إمامها الفاذ، وعلمها الذي لا تخطئه العين مهما ابتعدت عنه ". هذا ما قلناه في الفارابي والجوهري ومعجميها مع شهرة " ديوان الادب " للفارابي ومع تقدمه على الصحاح. وسبق كتاب التقفية للبندنيجي لا يغير من الامر شيئا، فتقدم الزمن بأبي بشر البندنيجي وبمؤلفه لا يجعله إمام هذه المدرسة ورائدها، وإذا كنا لم نرض بالامامة للفارابي

стр. 22

الامام المشهور فإننا لا نرضى أن نحكم بالسبق للبندنيجي المغمور الذي لم يؤلف معجما لغويا وإنما ألف كتابا في التقفية. والمحاكاة في عمل الجوهري لعمل البندنيجي غير واردة، ولم يدعها أحد، ولا يمكن أن يدعيها، فالجوهري لم يطلع هو ومعاصروه من مؤلفي المعجمات على كتاب البندنيجي، لانهما مغموران كما قرر الجاسر نفسه، ومع هذا ادعى الدعوى الباطلة المردودة. فالامام الجوهري مبتكر منهجه ابتكارا، وقد انتهى إليه ابتداء وإن ظهر في هذا العصر على يد الجاسر أن " كتاب التقفية " تقدم معجم الصحاح بزمن غير يسير. ونحن - ومعنا الحق والعلم والتاريخ والواقع - نؤكد أن الجوهري قد انتهى إلى منهجه دون أن يكون بين يديه مثال سبقه فتأساه، وإنما انتهى إليه بعد دراسة واعية شاملة لمناهج رواد المعجمات العربية الذين سبقوه، فهو قد رأى وعورة منهج الخليل فلم يأخذ به، كما لم يأخذ بمنهج أبي عبيد القاسم بن سلام الذي بنى معجمه " الغريب المصنف " على المعاني والموضوعات، ولم يأخذ بمنهج أبي عمرو بن العلاء الذي أسس معجمه المسمى " كتاب الجيم " على أوائل الكلمات متخذا ترتيب حروف الهجاء، مبتدئا بالهمزة منتهيا بالياء، وسبب انصرافه عن منهج أبي عمرو أن الجوهري رأى فاء الكلمة غير ثابتة في موضعها، وكذلك الحرف الذي يليها وهو العين، فاتخذ منهجا جديدا يخالف ما عرف من مناهج المعجمات، وخرج عليهم بمنهج غير معروف، وأشار الجوهري نفسه إلى منهجه في مقدمة الصحاح قائلا: " على ترتيب لم أسبق إليه، وتهذيب لم أغلب عليه ". والجوهري صدوق، وقوله هذا حق كله، فهو لم ينهج نهج الفارابي في كتابه " ديوان الادب " مع أن منهجيهما يلتقيان في بعض النقاط. وكلمة الجوهري: " على ترتيب لم أسبق إليه " تدل على أنه لم يطلع على كتاب التقفية للبندنيجي المغمور هو وكتابه، وما دام الجوهري الامام الحجة الثبت الصدوق يقول: إن ترتيبه لم يسبق إليه فالقول قوله، لان الحق معه، ولا يلتفت إلى قول الجاسر الذي لا يعرف الفارق بين المعجم وغيره. ومن آيات صدقه أن منهج الجوهري يختلف عن منهج البندنيجي اختلافا واضحا مشهودا في تأسيس كل منهما كتابه بحيث لا تخطئه عين عالم، وسبب كل منهما في التأليف غير سبب الآخر، فالبندنيجي أراد من تأليفه تيسير القافية على راغبيها من الشعراء، وهو مطلب خاص بفئة من الناس هي ندرة نادرة فيهم، وليس الشاعر الفحل المطبوع بحاجة إليه. ولهذا نجد البندنيجي حشد المادة في بابها دون مراعاة الترتيب المعجمي السليم، فهو

стр. 23

لم ينظر إلا إلى حرف القافية في آخر الكلمة، فلم يراع ترتيب الكلمات، بل حشدها وساقها كما اتفق له، فذكر ما كان منتهيا بالهمزة في باب واحد دون أن يراعي الاعلال الصرفي، ودون أن يراعي الحرف الثاني والثالث، بل دون أن يراعي الحرف الاول، ولم يفطن إلى الترتيب الهجائي في ترتيب الكلمات، بل لا حاجة له إلى هذه الفطنة، لانه لا يؤلف معجما لغويا. فالبندنيجي يفتتح كتابه بباب الالف الممدودة، ويذكر أول كلمة في كتابه " الآباء " مع أن الهمزة الاخيرة منقلبة عن ياء، وهذا ما حمل الجوهري على أن يضعها في الياء، لان آخر حرف في الكلمة الياء، والفصل فصل الهمزة لان الكلمة مبدوءة بها. ولكن البندنيجي لم يكن عليما بالصرف، ولم يكن يقصد إلى تأليف معجم لغوي، وإنما أراد أن يؤلف في " التقفية " ليكون كتابه عونا للشعراء في كلمات القافية، ولهذا لم يكن في حسابه الاعلال الصرفي، بل كان كل همه صورة الكلمة، فذكر الآباء في باب الهمزة ولم يذكرها في موضعها الاصيل وهو باب الياء. ولم يكن البندنيجي آخذا نفسه بالترتيب المعجمي، بل يذكر الكلمات كما تتفق له دون أن ينظر إليه، فيقدم ما حقه التأخير، ويؤخر ما حقه التقديم. وأصدق شاهد الصفحتان الاخيرتان من الكتاب اللتان صورهما الجاسر ونشرهما، فقد جاءت فيهما هذه الكلمات على هذا الترتيب: الدالية، الناحية، البادية، الجابية الكراهية، الرفاهية، الرفاغية، المسائية، الهاوية، القارية، الجامية، النهاية، العناية، الراية، الولاية، السانية، الناجية، الحاوية. وهذا ليس ترتيبا معجميا، ولا يطلب من البندنيجي ذلك في كتاب التقفية، لانه لم يرد أن يؤلف معجما لغويا، وإنما أراد أن يؤلف كتابا في التقفية، والاسم والعمل يدلان على مراده. والترتيب المعجمي لتلك الكلمات بحسب صورتها الظاهرة هكذا: البادية، الجابية، الجامية، الحاوية، الدالية، الراية، الرفاغية، الرفاهية، السانية، المسائية (لانها من ساء) العناية، القارية، الكراهية، الناجية، الناحية، النهاية، الهاوية، الولاية. وهذا ترتيب غير صحيح في فن المعجمات، لانه اعتمد على الصورة الظاهرة للكلمة دون أن يرجع إلى أصولها. ومع أن البندنيجي ألف كتابه في التقفية فإن الكلمات التي ذكرها لا تصلح في قافية

стр. 24

قصيدة واحدة، ولا يمكن أن تأتي فيها لاختلاف تفعيلات البحور، ولو جاءت قوافي قصيدة واحدة لكان الميزان مضطربا، والخلل كريها، وكان حريا بمن يريد من كتاب يؤلفه لاصحاب القوافي أن يضمن لهم اليسر، مع أن الامر بين، ولو اهتدى بهدي الشعراء في قصائدهم لادرك ذلك، ولكنه لم يفطن للقافية في القصيدة الواحدة، فحشد الكلمات وحشرها كما اتفق له. والاختلاف واضح بين منهجي البندنيجي والجوهري وعمليهما وقصد كل منهما في عمله. وإن سبق البندنيجي في الوجود وسبق كتابه لا ينفيان ابتكار الجوهري منهجه، بل يثبتان له الابتكار الذي يؤكده أن البندنيجي نفسه وكتابه معه مغموران، وليس نهجه نهج الجوهري الذي يختلف كله عن نهج البندنيجي في تأسيس المنهج وطريقته. وما دام الجاسر نفسه يثبت ذلك ويذكره فلا يصح أن ينفي عن الجوهري ابتكاره لمنهجه المعجمي الذي لم يسبق إليه. ومن الثابت المؤكد أن البندنيجي لم يرد من كتابه تأليف معجم لغوي، وإنما أراد تيسير القافية على الشعراء، ولم يرد غيره، وأما الجوهري فلم يرد خدمة الشعراء وإنما أراد أن يقدم معجما فقدم أصح معجم عربي خطا بالتأليف المعجمي أوسع خطوة عرفها تاريخ المعجمات العربية. وقد وهم بعض الباحثين فذكروا سبب ترتيب الجوهري صحاحه على أواخر الكلمات وزعموا أن أراد تيسير القافية على الشعراء والسجع على الكتاب، ورأينا نحن رأيا غير ما رأوا، وقلنا في " مقدمة الصحاح " صفحة ١٢١ - ١٢٢: " وقد ذكر بعض الباحثين العلماء أن سبب اختيار الجوهري - أو من تبعه - ترتيب معجمه على أواخر الكلمات: التيسير على الشعراء والكتاب والنظم والنثر، فالكتاب كانوا يلتزمون السجع، والشعراء القوافي، فهم في حاجة إلى كلمات باعتبار أواخرها، أو أن غلبة السجع أو نظم القوافي هديا مؤلفي المعجمات - وعلى رأسهم الجوهري - إلى هذه الطريقة. " ونحن لا نقبل هذا الرأي ونراه غير علمي، وإذا صح هذا السبب فما أهون شأن مؤلفي المعجمات وما أضأل القصد! " والذي نراه أن منهج الجوهري في ترتيب صحاحه باعتبار أواخر الكلمات غير مقصود منه تيسير الامر على الشعراء والكتاب، حتى يجدوا السجع وكلمات القوافي دون عناء، بل أراد الجوهري أن يؤلف معجما للناس جميعا دون أن ينظر إلى طائفة واحدة

стр. 25

يؤثرها بعمله العظيم. " أما المنهج الذي اتبعه فهو من ابتكاره، وهداه إليه علمه الواسع بالصرف واشتغاله به، فهو قد رأى أن ميزان الكلمة الفاء والعين واللام، والتغيير يلحق ما قبل لام الكلمة، وتنقلب " فعل " بين أحوال كثيرة وتأتي في صور شتى، وهي: أفعل وفعل وفاعل وانفعل وافتعل وافعل وتفاعل وتفعل واستفعل وافعوعل وافعول وافعال. " وهذه - هي - أوزان مزيد الفعل المجرد، ويظهر منها أن التغيير تناول الفاء والعين، فتارة يتقدم الفاء حرف وتارة حرفان، وتارة ثلاثة، أما العين فقد تنفصل عن الفاء وقد تنفصل عن اللام، وقد تضعف. " أما لام الكلمة فثابتة لا تتغير مهما اختلفت صورة الكلمة إلا في حالات قليلة، ومتى لحقها التغيير أو زيد بعدها حرف أو حرفان فإن الكلمة تنتقل إلى أوزان أخرى، ولا تعتبر من الثلاثي، بل تصير رباعية، أو خماسية (١) . " رأى الجوهري أن الفاء والعين لا تثبتان في موضع، ولا تبقيان على حال، أما اللام فثابتة، فترك ترتيب الكلمات على أوائل الحروف لان فيه متيهة الباحث الذي لا يعرف التصريف والمجرد والمزيد، فكلمة " أكرم " واستنوق وترهل ومحجة تضلل الباحث الشادي، بل رأيت بعض العلماء يضلون في الكشف عن مواضعها من المعجم، ولا يعرف في أي حرف هي. " أما طريقة الجوهري فمأمونة هادية، فيجد الباحث " أكرم " وكل ما تفرع من مادة " كرم " في باب الميم، واستنوق في باب القاف، وترهل في باب اللام، ومحجة في باب الجيم، وإذا كان الباحث عارفا بالمجرد والمزيد فإنه سيجد أكرم في فصل الكاف، واستنوق في فصل النون، وترهل في فصل الراء، والمحجة في فصل الحاء. " وأعتقد أن ما ذكرته هو الذي حمل الجوهري على اتباع منهجه الذي ابتكره ابتكارا، أما السبب الذي رآه بعض العلماء - وذكرناه - فهو رأي لا قيمة له علميا. " وأعانه على هذا الابداع في نظامه علمه الواسع بالنحو والصرف حتى قيل في وصفه: إنه " خطيب المنبر الصرفي، وإمام المحراب اللغوي، وإنه أنحى اللغويين ". وما نزال عند رأينا وهو أن الجوهري سابق متفرد، وإمام هذه المدرسة دون منازع، ومبتكر فإذ، ومبتدع منهجه ابتداء لم ينظر فيه إلى مثال سبقه.

стр. 26

وترتيب البندنيجي " كتاب التقفية " على أواخر الكلمات من ابتكاره، فقد سبقه إليه الشعراء منذ عرف الشعر العربي الذي يجئ في آخر كل بيت منه حرف القافية الموحدة في القصيدة كلها. ورأى البندنيجي كلمات القافية فأخذها كما اتفق له وشرح بعض معانيها، وفضله أنه جمع من هذه الكلمات " ما قدر عليه وبلغه حفظه " دون أن يراعي الترتيب المعجمي، لانه لم يرده، أو لم يفطن له، ولم يأخذ في حسابه إلا الكلمة في صورتها الظاهرة المنطوقة دون أن ينظر إلى أصل الكلمة وصرفها وما لحق بها من إعلال، ودون أن ينظر إلى أوائل الكلمات، بل حشدها حشدا، وحشرها حشرا كما اتفق له، منتهجا في ذلك نهج الشعراء، فهم لا يرتبون كلمات القافية ترتيبا معجميا، فقوافي الشعراء غير خاضعة لمنهج المعجميين ولا تتفق معه. أما نظام الجوهري فهو النظام المحكم، ومنهجه هو المنهج الحق الذي ابتكره ابتكارا، وسبق به كل من سار على نهجه. وإذا كنا لم نعد الفارابي الذي اتفق الجوهري معه في بعض نقاط منهجه إمام هذه المدرسة مع تبحره في اللغة فإن مما لا يصح أن يعد البندنيجي رائد هذه المدرسة وإمام الجوهري ومن اتبع نظامه الدقيق المحكم، لان البندنيجي: أولا - مغمور، وثانيا - لان كتابه نفسه مغمور، وثالثا - لان الجوهري وقبله الفارابي لم يطلعا على كتاب البندنيجي، ورابعا - لان الجوهري يقول في مقدمة صحاحه: " على ترتيب لم أسبق إليه "، وهو صادق يؤيده واقع التاريخ، وخامسا - لان منهج الجوهري يختلف كل الاختلاف عن منهج البندنيجي، وسادسا - لان قصد كل منهما في كتابه يغاير قصد الآخر، وسابعا - لان عمل الجوهري عمل معجمي صحيح تتوافر كل شروط المعجم فيه، وثامنا - لان عمل البندنيجي ليس عملا معجميا، وتاسعا - لان كتاب البندنيجي ليس معجما. وخلاصة القول: إن تقدم البندنيجي في الوجود وسبقه في تأليف كتابه لا يمكن أن ينفيا عن الجوهري الابتكار ويسلباه إياه. والبندنيجي لم يفطن للتأسيس المعجمي الذي فطن له الجوهري ابتداء، وكان فيه رائدا وإماما، فهو لم يقتصر في الترتيب على الحرف الاخير من الكلمة، بل نظر إلى الحرف الاول منها، ثم وضع في حسابه الحرف الثاني ثم الثالث في الرباعي، ثم الحرف الرابع في الخماسي. والبندنيجي لم يفطن لهذا النظام المعجمي الدقيق، لانه لم يقصد إلى تأليف معجم لغوي، ولم يدر بخلده ذلك. والجوهري لا يذكر مادة " حبب " بعد " حدب " لان الباء أسبق من الدال في

стр. 27

الترتيب، أما البندنيجي فلم يفطن لهذا النظام الذي لا يكون المعجم معجما تاما إلا به، وكتابه ليس في حاجة إلى هذا النظام المعجمي الدقيق الذي أسسه الجوهري قبل كل رواد المعجمات ومؤلفيها. والحكم للجوهري بالسبق والابتكار والتفرد حقه وحده في هذا المنهج الذي سار عليه في صحاحه، ولا يعد البندنيجي ممن أدركوا منهج الصحاح، وكل ما اتفقا فيه أن البندنيجي اعتمد أواخر الكلمات، وكذلك الجوهري، ولكنهما يفترقان في هذه المزية أيضا، فالبندنيجي اعتمد على الحرف الاخير في الكلمة وإن لم يكن لام الكلمة، أما الجوهري فلم يعتمد إلا على لام الكلمة وحدها. ولو كان عمل البندنيجي ومنهجه عمل الجوهري نفسه ومنهجه عينه دون أن يطلع اللاحق على عمل السابق لكان كلاهما مبتكرا وسابقا، أما وأن عمل البندنيجي ونهجه يختلفان كل الاختلاف عن منهج الجوهري وعمله فإن راية السبق والابتكار والاجتهاد والريادة والامامة تبقى بيد الجوهري وحده دون منازع فهيم. وليس من الحق في شئ عقد مقارنة بين البندنيجي والجوهري، بل من الاسراف في الظلم الحكم للبندنيجي على الجوهري، ولكنه حكم غير مقبول، بل يرده كل ذي معرفة بمناهج المعجمات العربية. وآخر كلمة نقولها: ليس كل سابق في الزمن إماما، وما أشبه الجوهري بالامام في الصلاة، يتأخر حضوره إلى المسجد عمن سبقوه إليه فيتقدمهم إلى محراب الامامة دون نزاع أو جدال. وكذلك الجوهري الامام الفذ المبتكر السابق على كل من سار على نهجه، بل هو الامام السابق الفاذ على التحقيق. تكملة وصلة عند ما كتبت البحث الذي نشرته بين مقدمات الطبعة الثانية من " الصحاح " " لم يكن العلامة البحاثة المحقق الكبير الدكتور إبراهيم السامرائي قد نشر بحثه العظيم في " صحاح " الجوهري و " تقفية " البندنيجي تحت عنوان " لا قياس بين صحاح الجوهري وتقفية البندنيجي ". ولما كان من المتعذر على كل قارئ شراء " الصحاح " فقد رأيت نشر رأيي في ابتكار الجوهري صحاحه ليقف القارئ على الحق الذي خفي على حمد الجاسر الذي لم يفرق بين

стр. 28

عمل الجوهري وعمل البندنيجي، وظنهما من حزب واحد، وهو من الجهل الذي لا يقع فيه أهل البصر بالمعجمات وتأسيسها. ولو سبق إلي بحث العلامة السامرائي لاستشهدت به، ولذكرته في بحثي المنشور في مقدمات " الصحاح " ولكني لم أطلع عليه إلا بأخرة، وهو جدير بإعادة نشره خاتمة لبحثي لانه شاهد صدق على أن عمل الجوهري غير عمل البندنيجي، ولان العلامة السامرائي حكم عدل وشاهد صدق. وها نحن أولاء ننشر بحث الدكتور السامرائي، فلعل الدكتور خليل العطية المختدع بزعمات حمد الجاسر وغيره يعودون إلى الحق. أحمد عبد الغفور عطار مكة المكرمة

стр. 29

لا قياس بين " صحاح " الجوهري و " تقفية " البندنيجي بقلم الدكتور ابراهيم السامرائي عنيت العربية بالكلام المقفى، منذ أقدم عصورها، وهي في ذلك بدع بين اللغات السامية، فلم نعرف لغة منها كان فيها للقافية ما كان لها في العربية، وليس أدل على هذا ما حفلت به لغة التنزيل العزيز من أفانين السجع والمزاوجة. وليس أدل على ذلك - أيضا - مما أثر من هذا الضرب من الكلام في حديث رسول الله ﷺ وحديث الصفوة من رجاله الاكرمين. وليس لقائل يقول لنا إن النبي ﷺ أنكر على بعضهم أن يسجع في كلامه، فقال: أسجعا كسجع الكهان؟ ومن هنا كان استعماله غير حسن والرد على ذلك أن الرسول أراد أن لا يتخذ سجع الكهان في الجاهلية وصدر الاسلام مادة تحاكي وأسلوبا يتبع. لقد عني الرسول الكريم بكلامه، فجاء من نماذج البلاغة العالية، وكان من اهتمامه أن عني بالكلم، فتعرض له السجعة، فتحل في محلها عناية بجودة البناء واحكاما له، وادراكا للمعنى المراد. ألا ترى أن من عنايته بهذا اللون أنه عدل بالكلمة عن وجهها، لتجئ على نمط أخواتها، فقال للحسن بن علي بن أبي طالب ﵉: " أعيذه من الهامة والسامة، وكل عين لامة " وأراد: " ملمة " من الرباعي ألم. ويندرج في هذا قوله ﷺ : " ارجعن مأزورات غير مأجورات "، وإنما أراد " موزورات " من الوزر، فقال: " مأزورات " مكان موزورات، طلبا للتوازن والسجع. وحسبك أنك لا تجد سورة من سور القرآن قد خلت من الكلم المسجوع، أو مما دخله ضرب من العناية كالمزاوجة مثلا، وإنك لتجد السورة كلها مسجوعة على نحو ما كان في سورة الرحمن، وإنك تقرأ قوله تعالى في سورة طه: طه (١) ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى (٢) إلا تذكرة لمن يخشى (٣) تنزيلا ممن خلق الارض والسموات العلى (٤) الرحمن على العرش استوى (٥) له ما في السموات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى (٦) وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (٧) الله لا إله إلا هو له الاسماء الحسنى (٨)

стр. 30

فتشعر أن التزام الالف في هذه الآيات في أواخر الفواصل قد جعل من هذا النظم العالي أدبا عاليا وفنا رفيعا، هذا شئ من دلائل الاعجاز في لغة التنزيل العزيز، وبمثل هذا يشعر قارئ سورة الشمس حين يقرأ من قوله تعالى: والشمس وضحها (١) والقمر إذا تلها (٢) والنهار إذا جلها (٣) واليل إذا يغشها (٤) أو يقرأ في سورة الضحى: والضحى (١) واليل إذا سجى (٢) ما ودعك ربك وما قلى (٣) وإنك لتقف الموقف نفسه، حين تنتقل إلى سورة تلتزم فيها القافية، على نحو محكم أشد الاحكام، كما في سورة المدثر، في قوله تعالى: يأيها المدثر (١) قم فأنذر (٢) وربك فكبر (٣) وثيابك فطهر (٤) والرجز فاهجر (٥) ولا تمنن تستكثر (٦) ولربك فاصبر (٧) وقد يتأتى الغرض الفني في الاسلوب القرآني بغير هذه الفواصل المسجوعة، وذلك أن يقصد إلى ضرب من التناسب الذي يحقق الغرض، ألا ترى في قوله تعالى في سورة الانسان: إنآ أعتدنا للكفرين سلسلا وأغللا وسعيرا (٤) أنهم قرأوا " سلاسلا " بالتنوين، فقال المفسرون: قرئ بتنوين (سلاسل) ووجهه أن تكون هذه النون بدلا من ألف الاطلاق ... ولا أرى أن هذا التوجيه النحوي مقنع مفيد، والذي أراه أن حرص المعربين على الاخذ بالتناسب سهل عليهم تنوين غير المنون، إخضاعا له ليكون مناسبا لقوله " أغلالا وسعيرا " وكلاهما منون، وأن تجئ الآية على هذا النسق من التنوين أوقع لدى طائفة من القراء. ومن هذا ما جاء في السورة نفسها: وأكواب كانت قواريرا (١٥) قواريرا لقد قرئت بترك تنوينها، وهو أمر يخدم التناسب الذي أشرنا إليه، وهو الاصل - أيضا - وقرئ تنوين الاول خاصة بدلا من ألف الاطلاق، لانها فاصلة، وتنوين الثانية كالاولى إتباعا لها، ولم يقرأ أحد بتنوين الثانية وترك الاولى. وهذه القراءات تثبت أن الحرص على التناسب أساس فيها. ومن المفيد أن أشير أن الجهابذة البلغاء قد درجوا على هذا النهج في أدبهم، فكانت لهم عناية بالقافية والفواصل والتناسب، وإليك مما كتبه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ إلى عبد الله بن عباس ﵁ فقال: " أما بعد فإن الانسان يسره درك ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فلا تكن بما نلت دنياك فرحا، ولا بما فاتك منها ترحا، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة بطول أمل، وكأن قد، والسلام ".

стр. 31

ثم إنك لتجد في نثر العباقرة من كتاب العربية، كالجاحظ، وأبي حيان، وغيرهما عناية بالاسلوب، دون أن يكون قصد منهم أن يفيدوا من السجع، فقد عزفوا عن ذلك لانهم شعروا أن جمهرة أهل الكتابة قد أغرقوا في استعمال هذا اللون حتى استهلكوه، فكانت السجعة هدفا لهم على حساب المعنى، ثم إنهم توسعوا فيه، فكان منه السجع المعروف، والسجع المرصع، وغير ذلك. وقد يضيق القارئ ذرعا، وهو يقرأ طائفة من المقامات الحريرية أو خطب ابن نباتة، وذلك لغلوهما في استعمال هذا الضرب من فن الكتابة. ولقد أدى غلو أهل هذه القرون المتأخرة، باستعمال السجع في الكتابة، والتزام من خلفهم به إلى مطلع عصرنا هذا، إلى أن يتجنبه المتأدبون في عصرنا. لقد وجد أدباؤنا أن موضوعات الادب في هذا العصر غيرها في عصور سلفت، وأن للحضارة المعاصرة مواد كثيرة ينبغي للاديب أن تكون له أدوات جديدة للاعراب عنها، وعلى هذا لا يكون للاسلوب الملتزم بالسجع مكان في هذا الادب الجديد. ثم جاء شعراؤنا الجدد وجلهم شباب متطلع للجديد، مأخوذ بما في الحضارة المعاصرة من فكر جديد مفيد، ولكنه لم يتزود بالزاد الكافي من هذه الالوان الجديدة، وكلها غريب وافد إلينا، قد نحس فينا حاجة إلى هذا الجديد، وقد نحس أن ليس لنا غنى عن الاخذ بالالوان الادبية في مغرب الدنيا ومشرقها، ولكننا في الوقت نفسه لم نهتد إلى معرفة ما نملك من إرث سخي قديم، وما أظن أن الاخذ بالوافد الجديد يفرض علينا أن نقطع صلتنا بأصول عزت أرومة وطابت مغرسا. ولعل إخواننا هؤلاء قد فاتهم أن يعرفوا أن للحضارة مسيرة، وأن الجديد النافع لا بد له أن يقوم على قديم مفيد. ذهب الشعراء الشبان إلى أن الشعر، بأوزانه المعروفة. وقوافيه شئ عتيق لا بد أن يصار منه إلى نماذج جديدة - يرى هؤلاء أن الوعاء القديم لا يتسع للفكر الجديد، ولكنك تتلمس أوعيتهم الجديدة فلا تستطيع أن تلمس شيئا من جدة الفكر، ونصاعته، فأين الموضوع؟ أن كثيرا من هذه النماذج التي لا يريد أصحابها أن تسمى قصائد غامض مبهم، غير أن هذا الغموض وذاك الابهام لا يترشح منه شئ مما يقال عنه إنه فكر جديد. وقد شاء أصحابنا من الشبان المتأدبين أن يدعوا شعرهم ب " الحر " وأن ما كان موزونا مقفى ب " العمودي " وأنهم أساءوا فهم " العمود الشعري " فصار عندهم الالتزام بالوزن والقافية، ولم يكن " عمود الشعر " عند النقاد الاقدمين شيئا من هذا، ولو أنهم رجعوا إلى ما كتبه المرزوقي في الموضوع لاهتدوا إلى ذلك، وإلى ما كتبه ابن طباطبا العلوي في " عيار الشعر ". كأنهم شعروا أن التزام الوزن والقافية الواحدة عقبة تحول دون إدراك ما يبتغون من صيرورة أدبهم الجديد مادة جديدة في موضوعها، ولم يتأت لهم هذا، وأنى لهم، والبضاعة

стр. 32

قليلة، والزاد غث لا غناء فيه؟ ثم إنك لتجد في هذا الادب الحر الجديد ميلا إلى التزام قواف ورجوعا إليها ما أمكنهم السبيل، وقد تجد القطعة التي " كتبها " صاحبها ذات وزن وقافية واحدة، ولكنه كتبها بصورة أبعدتها عن أن تكون صدورا وأعجازا لقصيدة مألوفة. ثم إن صاحبها ليعمد إلى خرم في الوزن، ومجافاة للمألوف فيه، وكأن ذاك متعمد مقصود ليشهد على نفسه أنه جديد مجدد، وأن أدبه " حر " طليق، وأن " فنا " وحيلة في رسم أشطاره ليكفي أن يكون نمطا جديدا. وأنا أسأل طائفة من أصحابنا أهل " الحر " الجديد الآخذين به، العائبين على القصيدة في أوزانها المعروفة وقوافيها أنها أدب ميت قاصر، أو مومياء محنطة، وليس خيالا " مجنحا " جديدا فأقول: لم يعمد هؤلاء المجد دون إلى اللون القديم الذي دعوه " العمودي " حين ينظمون في " مناسبة " وطنية؟ ألم يقولوا: إن " العمودي " قاصر لا غناء فيه، وإن " العمودي " لا يمكن أن يكون وعاء للجديد من الفكر، ألم تكن " المناسبة الوطنية " موحية لفكر جديد وأدب جديد ولون جديد؟ هذه سؤالات لم أتبين لها جوابا. أنا لا أنكر أن الكثير من الشعر الذي التزم فيه الوزن والقافية صناعة غثة وبضاعة بائرة، وأنه رصف ميت مفتقر إلى كثير من عناصر الحياة، غير أني أشعر - أيضا - أن شيئا كثيرا من جديد القوم مما يدعى " حرا " ضرب من كلام خلا من ظلال للمعاني، بله الجديدة منها. ولا بد لي من أن أعود إلى القافية فأشير إلى أن غير العرب من الامم السامية قد حاولوا أن يصنعوا صنيعهم، فيكتبوا نثرهم مسجوعا. ثم إن اللغويين الاقدمين لما رأوا ما للقافية من مكان في نثر العرب وشعرهم، عمدوا إلى تصنيف المصنفات في الموضوع، فكانوا يجمعون الاسجاع في الاقوال المأثورة والامثال وغيرها، منوهين بهذا الضرب من فن النثر. وقد بلغ الامر إلى أن يصنعوا معجمات تشتمل على الالفاظ التي تنتهي بقافية واحدة، مثل: الصغير، والكبير، والقدير، والحقير، وصدور، ومصدور، ومثل: جناب، وإياب ورباب، وعذاب، هكذا استوفوا جل أبينة العربية، ولم يكن غرضهم إلا جمع الاشباه والنظائر من الالفاظ التي جاءت على قافية واحدة. وعلى رأس هذه المصنفات كتاب (التقفية في اللغة) لابي بشر بن أبي اليمان البندنيجي (المتوفى سنة ٢٨٤ هـ) والكتاب من سلسلة إحياء التراث التي تصدرها وزارة الاوقاف في الجمهورية العراقية. وقد حققه وبذل فيه الوسع الدكتور خليل إبراهيم العطية، وقد دبجه بتعليقات

стр. 33

مفيدة، ولقد أشار السيد المحقق في مقالة له - لعلها كانت من مادة الدراسة التي اشتملت عليها المقدمة، والتي لم تنشر مع الكتاب، إلى أن البندنيجي المصنف قد سبق إسماعيل بن حماد الجوهري في صنعة " الصحاح " وذلك لان كتاب " التقفية " اشتمل على القوافي وهي أواخر الكلمات، وعلى هذا كان المصنف، وهو من علماء القرن الثالث الهجري سابقا لصاحب (الصحاح) في ابتداع هذه الطريقة المعجمية، وهي تصنيف الكلم بحسب الحرف الاخير فيها. ولقد سبق السيد المحقق إلى هذا الرأي الاستاذ الفاضل حمد الجاسر، صاحب مجلة (العرب) فقد نشر مقالة في المجلة نفسها، منذ أكثر من ثماني سنوات، ذهب فيها هذا المذهب، حين عثر على المخطوطة التي اعتمد عليها الدكتور خليل العطية في التحقيق، وهي مخطوطة فريدة. وقد حسبت الامر حقيقة، حين ظهرت مقالة الاستاذ الجاسر، ثم مقالة الدكتور العطية، غير أنني حين قرأت الكتاب بعد نشره تبينت أن لا قياس بين (الصحاح) وكتاب (التقفية) ! أقول: كأن صاحب كتاب (التقفية) كان يرمي إلى أن يصنف كتابا يجمع فيه ما (تيسر) جمعه من الالفاظ التي تشترك في قافية واحدة، ويقسمها تقسيما يتساهل فيه مع الابنية، فهو يجمع الكلمات: صغير، وكبير، ومقدور، ومثير، في مكان واحد، لمجئ الراء قافية فيها، بصرف النظر عن أن صغير وكبير على " فعيل " ومقدور على " مفعول " ومثير على " مفعل " وهذا مما تسمح القوافي به في نظم الاشعار. وهو يجمع: إهاب، وجناب، ورغاب، وضباب، في مكان واحد، مع أن كل واحدة من هذه الكلمات من بناء يختلف عن نظائره، فهو فعال في الاول بكسر الفاء، فعال في الثاني بفتحها، وهما مفردان، وفعال في الثالث، والرابع، وهما جمعان ل " رغبة " و " ضب ". وهكذا جرى صاحب (التقفية) ، ومن غير شك أن هذه الطريقة لا يمكن أن تستوفي ألفاظ العربية، وعلى هذا لا يمكن أن يكون كتاب (التقفية) معجما يضم العربية على نحو (العين) و (الصحاح) ونحو ذلك. إن هذا الغرض من الكتاب من شأنه أن يجعل المؤلف مضطرا أن يأتي بما يحقق له الغرض، وهو جمع الالفاظ ذات القافية الواحدة. فأين هذا من (الصحاح) الذي أراد له صاحبه أن يأتي شاملا للصحاح الفصاح من العربية؟ ثم إن صاحب (التقفية) لما كان غرضه جمع الالفاظ ذات القافية الواحدة، مقسمة على ما يشبه الابنية مما يتساهل معه في أن يأتي قافية لشعر أو كلمة مسجوعة في نثر، لم يعن بأوائل الكلمات.

стр. 34

أما الجوهري فقد عني بأواخر الكلمات وأوائلها من غير اهتمام لاوزانها أو ما هو قريب من أوزانها، وصنف الكلمات المنتهية بقافية واحدة، أي بحرف من الحروف الهجائية بحسب أوائلها، وهو يصنف مثلا في حرف الباء فصل الكاف الالفاظ الآتية: كأب، كبب، كتب، كثب، كحب، تاركا " كجب " لعدمه في العربية وهكذا يفعل في سائر الحروف، فهل شئ من هذا جاء في كتاب (التقفية) ؟ من غير شك لا. وبعد، أليس أن نتجنب العمل فنقول: إن صاحب (التقفية) أصل في ابتداع هذا النظام المعجمي، وإن " الجوهري " قد قلده، وأخذ منه الطريقة؟ ولم يكن صاحب (التقفية) بمعني بأوائل الالفاظ، وهي التي دعيت فصولا في " الصحاح ". أقول: ليس هذا من ذاك فكتاب (التقفية) ليس. إلا معجما خاصا نظير كتب " القلب والابدال " و " الهمز " و " المقصور والممدود " وغيرها من المواد اللغوية. وهذه الكتب هي معجمات خاصة - أقول: " خاصة " لانها ترمي إلى غرض معين، وهو جمع طائفة كبيرة من الالفاظ ذات صفات خاصة، وليس من غرض مصنفيها استيفاء معاني الالفاظ. إن نظرة مع موازنة بين هذه الكتب والمعجمات المطولة تثبت ما ذهبت إليه، ومن غير شك أن ليس شئ من ذلك يقربها من كتاب " الصحاح " وهو المعجم اللغوي الشامل. ولا يهمني ولا يهم العلم أن يكون هذا سابقا لذاك، ولكني وددت أن أشير إلى أن الكتابين مختلفان، لكل منهما منهج وطريقة وهدف، فليس هذا من ذاك في شئ. ولا بد من عودة إلى كتاب (التقفية) لاسجل - هنا - أن الكتاب أصابه من التصحيف والخطأ ما ذهب بنضارته، وما حمل الضيم على جهد المجقق السخي. ومن المؤلم - حقا - أن يساء إخراج كتاب جليل ينشر أول مرة على هذا النحو، ذلك أن إعادة نشره عسيرة لا سبيل إليها، بل قل أشبه بالمستحيلة. ولقد تهيأ لي فيه من المآخذ قدر كبير يطمع في تأليف كتيب صغير، مع إقراري أن عمل المحقق جيد، وأن جهده كبير، وأني لم آخذ عليه إلا مسائل يسيرة. إبراهيم السامرائي

стр. 35

الاثر الخالد معجم الصحاح تهذيبه ومقدمته بقلم الدكتور بكري شيخ أمين أعوذ بالله أن أكون مبالغا إذا قلت: إن التصدي لانشاء معجم لغوي، أو العكوف على تحقيقه عمل كبير، وجهد عظيم، وسهر طويل، وبذل لنور العينين سخي.. بل هو إلى الخطر أقرب، إذا كان القائم به ذا هوى متبع، أو ذا عداوة لمذهب، أو رأي، أو دين ... إن أقل ما يجب أن يتضلع به هذا المقدم على مثل هذا العمل الكبير هو المعرفة العريضة، الشاملة، والمحيطة، والصحيحة لكتاب الله: تاريخا، وعلوما، وتفسيرا، وقراءات، وسواها، والاطلاع الكامل على حديث سيد البشر ﷺ وما يدور حوله من علوم وفنون وآداب، وعلى أيام العرب ولغاتها وتاريخها وآدابها وأعلامها وأشعارها وأقوالها، وعلى المكتبة العربية والاسلامية وما تضم وتحتوي، وعلى الاعمال المعجمية وما فيها من حسنات وسيئات، وعلى قدر طيب من اللغات الاخرى، وفوق هذا أن يكون ذا عقل راجح، وحكم عادل، وحياد علمي مبين. لخير لنا أن نوجز الشروط فنقول: على من يقدم على مثل هذا العمل أن يكون دائرة معارف حية، تتنفس، وتأكل وتشرب، وتمشي بين الناس. ولعمري إن هذا مطلب عسير، وشرط يكاد يقتل صاحبه، لا يبلغه إلا من آتاه الله قوة، ومتعه بالصبر والايمان العميق. وإذا كان لنا - نحن العرب - أن نباهي بمن توافرت فيهم تلك

стр. 36

الشمائل، وخرجوا علينا بالاعمال الباهرة التي يفاخر بها الزمان خلال تاريخنا، فإن لنا أن نفخر - كذلك - بالخلف الذي أخذ على نفسه تسلم هذا اللواء، وسار فيه قدما متابعا طريق الخلود. قلة حملة هذا اللواء، وطبيعي أن يكونوا قلة، فأفذاذ الرجال قليلون على طول المدى ككرام الناس. من هذه الفئة القليلة العلامة الاستاذ الشيخ أحمد عبد الغفور عطار، ابن البلد الامين، ومؤلف الكتب التي قاربت الثمانين. عمل هذا الرجل حينا من الدهر في الصحافة، فأصدر جريدة " عكاظ "، ثم " دعوة الحق "، وآثر بعد ذلك أن يعكف على التأليف، والتحقيق، والتعريب، وترك الصحافة والوظيفة والعمل التجاري.. آخر كتبه التي أصدرها " حجة النبي " ﵌، وقد كتبت المجلة العربية عنه في عددها الرابع، من السنة الثانية. إن الذي يعنينا في هذه الدراسة الحديث عن الجانب اللغوي الذي خاض فيه الاستاذ العطار، ونضرب الذكر صفحا عن تحقيقه كتاب " ليس في كلام العرب " (١) لابن خالويه، ونركز البحث في التحقيق اللغوي المعجمي وحده، أملا في أن نعود إلى الجوانب الاخرى عنده في يوم من الايام، إن شاء الله وقدر. * * * للاستاذ العطار ثلاثة أعمال جليلة في مجال اللغة، اثنان في التحقيق، والثالث في التأليف. حقق أولا " تهذيب الصحاح " للزنجاني، ثم أتبعه بتحقيق " الصحاح " نفسه للجوهري. وألحق بهذين العملين عملا ثالثا أسماه " مقدمة الصحاح "

стр. 37

وهو شبيه ب " مقدمة ابن خلدون " المسهبة الرائعة. والزنجاني من علماء القرن السابع الهجري / الثالث عشر للميلاد (ت ٦٥٦ هـ / ١٢٥٨ م) ، اسمه عبد الوهاب بن ابراهيم بن عبد الوهاب الخررجي الزنجاني، وهو من علماء العربية لغة ونحوا ونظما. شهد له بالفضل السيوطي في بغية الوعاة، وتبعه في هذه الشهادة كثير. لو ألقينا نظرة إلى طريقة تحقيق " تهذيب الصحاح " استطعنا أن نعرف الخطة الرئيسة التي يسير عليها هذا العالم في كتبه التي حققها جميعا. ولا بد أن نشير قبل الخوض في شرح هذه الخطة إلى أن تحقيق " تهذيب الصحاح " تم بالمشاركة مع محقق كبير آخر هو الاستاذ عبد السلام هارون. * * * استهل العطار كتابه بمقدمة عامة عن ثروة اللغة العربية اللفظية، ثم تطرق إلى تاريخ التأليف في هذه اللغة، وظهور المعاجم حتى وصل إلى " تهذيب الصحاح "، ولقد أعاد هذا الكلام ذاته تقريبا في " مقدمة الصحاح " لكنه لم يقف عند " تهذيب الصحاح " وإنما تابع الحديث عن التأليف المعجمي الذي دار حول الصحاح والقاموس المحيط. حكى لنا العطار في مقدمة " التهذيب " كيف أن نسخة مخطوطة نادرة المثال وقعت في يد المرحوم محمد سرور الصبان - الامين العام لرابطة العالم الاسلامي - سابقا - كتبت بخط يشبه خط أبناء القرن التاسع الهجري (الخامس عشر للميلاد) ولم يكن عليها اسم الكتاب، ولا اسم مؤلفه، فقدمها إلى العطار ليعمل فيها تحقيقا، ويعرف ما تكون، فأخذها، وانفتل إلى المراجع باحثا عن اسم الكتاب ومؤلفه. وأول خيط دله على اسم المؤلف ما ورد في مقدمة المخطوط جاءت بالحرف الواحد في كتاب " البلغة في أصول اللغة " لمحمد صديق حسن خان بهادر، ملك مملكة بهوبال، وفي الفصل الذي عقده عن " صحاح الجوهري " وعزاها إلى الزنجاني في كتابه الذي اختصر فيه كتابه الآخر " ترويح الارواح في تهذيب الصحاح ". وعزز ما جاء في " كشف الظنون " لحاجي خليفة القول ذاته.

стр. 38

أما تسمية هذا الكتاب، فقد اقتبسه المحققان " العطار وهارون " من الكتاب الاصيل ذاته " ترويح الارواح في تهذيب الصحاح " فأسمياه: " تهذيب الصحاح "، إلا أن المستشرق الالماني كارل بروكلمان ذكر اسم هذا المختصر " تنقيح الصحاح " وذلك في كتابه " تاريخ الادب العربي " المشهور ب ". " G. A. L ولعل بروكلمان مصيب. المنهج المتبع في تحقيق هذا " التهذيب " يمكن أن أن نجمله بالنقاط التالية: لقد حافظ فيه المحققان على نص المؤلف، دون أن يزيدا عليه، أو يحذفا منه شيئا، كما حافظا على ترتبيه، وطريقته، وأسلوبه. وكانا يعارضان ما فيه ب " الصحاح " المطبوع، والنسخة المخطوطة بمكتبة شيخ الاسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، ومخطوطة دار الكبت المصرية. واهتما بتقييد الضبط المهمل بالنص عليه، وببيان اللغات التي وردت في الضبط. واستطاعا أن ينجياه من التفسير الدائري الذي تقع فيه كثير من المعاجم العربية، مثل " القلام " بالتشديد تفسر ب " القاقلي ". والمعاجم تفسر " القاقلي " ب " القلام " فيخرج القارئ منهما دون أن يعرف القلام أو القاقلي. كان الزنجاني يأتي إلى تفسير لفظ فيقول: " إنه معروف "، وهو في عصرنا هذا غير معروف، فيفسره ويشرحه. كذلك انصب الاهتمام على جموع المفردات، ومصادر الافعال التي أهملها المؤلف، وبيان المذكر والمؤنث، وما يستوي فيه التأنيث والتذكير، وعقد مقابلات وتنظيرات لما ورد في العامية الحجازية والنجدية والمصرية متفقا وما ورد في الفصيح، وكأنهما يريدان من ذلك أمرين: أولهما: أن يسجلا تسجيلا لغويا هذه اللغة التي ربما شردت أو ندت في عبارة بعض الكتاب المعاصرين لمعرفة مدلولها حين يتقادم بها العهد. وثانيهما: غرض علاجي، وهو التنبيه إلى وجوه العدول عن الصورة اللغوية المغلوطة إلى الصورة الفصيحة الصحيحة، وقديما صنع أسلافنا اللغويون في كتبهم ومعاجمهم ذلك بغية الاصلاح والارشاد.

стр. 39

ومن منهج التحقيق في التهذيب تأصيل الالفاظ المعربة والدخيلة على العربية، وبيان أصلها الذي انحدرت منه إلى مستوى التعريب أو الاقحام، وكان الاعتماد في هذه النقطة على نصوص الاقدمين والمعاجم الاجنبية الحديثة، وعلى كل وسيلة تؤدي إلى المعنى. من ذلك قول " التهذيب ": " الفلذ: كبد البعير، والجمع أفلاذ ". وجاء في التعليق على " أفلاذ " قولهما: " وأفلاذ كبد الارض: كنوزها، وأفلاذ كبد البلد: رجاله. والفولاذ: الحديد الذكر النقي من الخبث، وهو معرب بولاد أو فولاذ، كما في المعجم الفارسي ص ٢٦٠ و ٩٤٢ ". ولم يكن يمر علم إلا وأتيا على ترجمته بإيجاز، دون أن يغفلا مصادر هذه الترجمة، كما كانا يعنيان بتحقيق أسماء القبائل، وبيان الفرق، والطوائف الدينية، والاجناس البشرية، وتحقيق مواضع البلدان التي وردت في المعجم، وتعيين مواقعها، والكلام على أيام العرب التي ورد ذكرها فيه، ومراجع الشرح والتعليق. وتجلت ثقافة الرجلين الدينية ببيان القراءات للايات التي وردت في " التهذيب " وتحقيقها، مع الرجوع إلى كتب التفسير والقراءات الصحيحة والشاذة. وكان إذا ورد بيت شعر عمدا إلى تحقيقه، ونسبته إذا لم يكن منسوبا إلى قائل، وتصحيح ما نسب إلى غير صاحبه خطأ أو وهما، وإيراد أصح الروايات لهذه الشواهد. وتمر - أحيانا - كلمات في غير أبوابها، مثل " حانوت " إذ جاءت في " حين " وحققها أن تذكر في " حنت " وقد نبها إلى ذلك. الامر الجدير بالذكر - كذلك - أن المحققين وقفا موقف الحكم العادل بين الجوهري - صاحب الصحاح - واللغويين، فبينا أوهامه، كما بينا أوهام غيره، وميزا صواب القول من خطئه، معتمدين على الروايات الصحيحة والمعاجم، وعلى رأيهما. وانتبها إلى ما زاده الزنجاني على " الصحاح " الاصيل، وتتبعا مواضع الزيادة بدقة، وأثبتاها في الحواشي.

стр. 40

وأخيرا، نظما في آخر الكتاب فهرسا كاملا للغة، والاعلام، والقبائل. وقد قصدا بفهرس اللغة تيسير البحث على طلبة العلم في هذا المعجم، لعله يعثر في سهولة ويسر على ضالته، واتبعا الترتيب الحديث للمعاجم " الالفبائي ". كان من الطبيعي أنهما يستطيعان أن يتخذا هذا الاسلوب في " تهذيب الصحاح " نفسه، فيرتباه الترتيب الحديث - كما فعل نديم المرعشلي ويوسف الخياط في لسان العرب - ولكن الامانة العلمية والحرص على تقديم الكتاب بالصورة التي ورد بها منعاهما من هذا السلوك - في اجتهادنا -. يمكن أن نقول مطمئنين: إن " تهذيب الصحاح " ليس كتابا واحدا، بل ثلاثة كتب: أحدهما قديم نصا، والثاني حديث يتمثل في الحواشي التي تعادل الاصل بل تزيد عليه، والثالث معجم حديث يتمثل في الفهرس اللغوي الملحق الذي جمع فيه مواد التهذيب والحواشي فيه مع الاشارة إلى رقم الصفحة التي ورد فيها كل لفظ. وبعد، فالمنهج العلمي ميز هذا المعجم. ولمحققيه العالمين: العطار وهارون أجزل الشكر، ومثله لناشره الذي أغدق عليه بسخاء، هو المرحوم محمد سرور الصبان، ﵀ وأسكنه فسيح جنانه. * * * التحقيق الكبير الثاني كان لمعجم " الصحاح " للجوهري. ولقد شهد ياقوت الحموي في كتابه " إرشاد الاريب إلى معرفة الاديب " والمشهور ب " معجم الادباء " شهادة رائعة إذ قال: " كان الجوهري من أعاجيب الزمان ذكاء وفطنة، وأصله من بلاد الترك، من فاراب، وهو إمام في علم اللغة والادب " ... تلقى الجوهري علم العرب من شيخين عظيمين هما: أبو علي الفارسي (ت ٣٥٦ هـ / ٩٦٦ م) وأبو سعيد السيرافي (ت ٣٦٨ هـ / ٩٧٨ م) واستكمل تحصيله من علماء الحجاز، والعرب العاربة في ديارهم، وطوف ببلاد ربيعة
следующие страницы →