الشمائل، وخرجوا علينا بالاعمال الباهرة التي يفاخر بها الزمان خلال تاريخنا، فإن لنا أن نفخر - كذلك - بالخلف الذي أخذ على نفسه تسلم هذا اللواء، وسار فيه قدما متابعا طريق الخلود. قلة حملة هذا اللواء، وطبيعي أن يكونوا قلة، فأفذاذ الرجال قليلون على طول المدى ككرام الناس. من هذه الفئة القليلة العلامة الاستاذ الشيخ أحمد عبد الغفور عطار، ابن البلد الامين، ومؤلف الكتب التي قاربت الثمانين. عمل هذا الرجل حينا من الدهر في الصحافة، فأصدر جريدة " عكاظ "، ثم " دعوة الحق "، وآثر بعد ذلك أن يعكف على التأليف، والتحقيق، والتعريب، وترك الصحافة والوظيفة والعمل التجاري.. آخر كتبه التي أصدرها " حجة النبي " ﵌، وقد كتبت المجلة العربية عنه في عددها الرابع، من السنة الثانية. إن الذي يعنينا في هذه الدراسة الحديث عن الجانب اللغوي الذي خاض فيه الاستاذ العطار، ونضرب الذكر صفحا عن تحقيقه كتاب " ليس في كلام العرب " (١) لابن خالويه، ونركز البحث في التحقيق اللغوي المعجمي وحده، أملا في أن نعود إلى الجوانب الاخرى عنده في يوم من الايام، إن شاء الله وقدر. * * * للاستاذ العطار ثلاثة أعمال جليلة في مجال اللغة، اثنان في التحقيق، والثالث في التأليف. حقق أولا " تهذيب الصحاح " للزنجاني، ثم أتبعه بتحقيق " الصحاح " نفسه للجوهري. وألحق بهذين العملين عملا ثالثا أسماه " مقدمة الصحاح "
стр. 37
وهو شبيه ب " مقدمة ابن خلدون " المسهبة الرائعة. والزنجاني من علماء القرن السابع الهجري / الثالث عشر للميلاد (ت ٦٥٦ هـ / ١٢٥٨ م) ، اسمه عبد الوهاب بن ابراهيم بن عبد الوهاب الخررجي الزنجاني، وهو من علماء العربية لغة ونحوا ونظما. شهد له بالفضل السيوطي في بغية الوعاة، وتبعه في هذه الشهادة كثير. لو ألقينا نظرة إلى طريقة تحقيق " تهذيب الصحاح " استطعنا أن نعرف الخطة الرئيسة التي يسير عليها هذا العالم في كتبه التي حققها جميعا. ولا بد أن نشير قبل الخوض في شرح هذه الخطة إلى أن تحقيق " تهذيب الصحاح " تم بالمشاركة مع محقق كبير آخر هو الاستاذ عبد السلام هارون. * * * استهل العطار كتابه بمقدمة عامة عن ثروة اللغة العربية اللفظية، ثم تطرق إلى تاريخ التأليف في هذه اللغة، وظهور المعاجم حتى وصل إلى " تهذيب الصحاح "، ولقد أعاد هذا الكلام ذاته تقريبا في " مقدمة الصحاح " لكنه لم يقف عند " تهذيب الصحاح " وإنما تابع الحديث عن التأليف المعجمي الذي دار حول الصحاح والقاموس المحيط. حكى لنا العطار في مقدمة " التهذيب " كيف أن نسخة مخطوطة نادرة المثال وقعت في يد المرحوم محمد سرور الصبان - الامين العام لرابطة العالم الاسلامي - سابقا - كتبت بخط يشبه خط أبناء القرن التاسع الهجري (الخامس عشر للميلاد) ولم يكن عليها اسم الكتاب، ولا اسم مؤلفه، فقدمها إلى العطار ليعمل فيها تحقيقا، ويعرف ما تكون، فأخذها، وانفتل إلى المراجع باحثا عن اسم الكتاب ومؤلفه. وأول خيط دله على اسم المؤلف ما ورد في مقدمة المخطوط جاءت بالحرف الواحد في كتاب " البلغة في أصول اللغة " لمحمد صديق حسن خان بهادر، ملك مملكة بهوبال، وفي الفصل الذي عقده عن " صحاح الجوهري " وعزاها إلى الزنجاني في كتابه الذي اختصر فيه كتابه الآخر " ترويح الارواح في تهذيب الصحاح ". وعزز ما جاء في " كشف الظنون " لحاجي خليفة القول ذاته.
стр. 38
أما تسمية هذا الكتاب، فقد اقتبسه المحققان " العطار وهارون " من الكتاب الاصيل ذاته " ترويح الارواح في تهذيب الصحاح " فأسمياه: " تهذيب الصحاح "، إلا أن المستشرق الالماني كارل بروكلمان ذكر اسم هذا المختصر " تنقيح الصحاح " وذلك في كتابه " تاريخ الادب العربي " المشهور ب ". " G. A. L ولعل بروكلمان مصيب. المنهج المتبع في تحقيق هذا " التهذيب " يمكن أن أن نجمله بالنقاط التالية: لقد حافظ فيه المحققان على نص المؤلف، دون أن يزيدا عليه، أو يحذفا منه شيئا، كما حافظا على ترتبيه، وطريقته، وأسلوبه. وكانا يعارضان ما فيه ب " الصحاح " المطبوع، والنسخة المخطوطة بمكتبة شيخ الاسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، ومخطوطة دار الكبت المصرية. واهتما بتقييد الضبط المهمل بالنص عليه، وببيان اللغات التي وردت في الضبط. واستطاعا أن ينجياه من التفسير الدائري الذي تقع فيه كثير من المعاجم العربية، مثل " القلام " بالتشديد تفسر ب " القاقلي ". والمعاجم تفسر " القاقلي " ب " القلام " فيخرج القارئ منهما دون أن يعرف القلام أو القاقلي. كان الزنجاني يأتي إلى تفسير لفظ فيقول: " إنه معروف "، وهو في عصرنا هذا غير معروف، فيفسره ويشرحه. كذلك انصب الاهتمام على جموع المفردات، ومصادر الافعال التي أهملها المؤلف، وبيان المذكر والمؤنث، وما يستوي فيه التأنيث والتذكير، وعقد مقابلات وتنظيرات لما ورد في العامية الحجازية والنجدية والمصرية متفقا وما ورد في الفصيح، وكأنهما يريدان من ذلك أمرين: أولهما: أن يسجلا تسجيلا لغويا هذه اللغة التي ربما شردت أو ندت في عبارة بعض الكتاب المعاصرين لمعرفة مدلولها حين يتقادم بها العهد. وثانيهما: غرض علاجي، وهو التنبيه إلى وجوه العدول عن الصورة اللغوية المغلوطة إلى الصورة الفصيحة الصحيحة، وقديما صنع أسلافنا اللغويون في كتبهم ومعاجمهم ذلك بغية الاصلاح والارشاد.
стр. 39
ومن منهج التحقيق في التهذيب تأصيل الالفاظ المعربة والدخيلة على العربية، وبيان أصلها الذي انحدرت منه إلى مستوى التعريب أو الاقحام، وكان الاعتماد في هذه النقطة على نصوص الاقدمين والمعاجم الاجنبية الحديثة، وعلى كل وسيلة تؤدي إلى المعنى. من ذلك قول " التهذيب ": " الفلذ: كبد البعير، والجمع أفلاذ ". وجاء في التعليق على " أفلاذ " قولهما: " وأفلاذ كبد الارض: كنوزها، وأفلاذ كبد البلد: رجاله. والفولاذ: الحديد الذكر النقي من الخبث، وهو معرب بولاد أو فولاذ، كما في المعجم الفارسي ص ٢٦٠ و ٩٤٢ ". ولم يكن يمر علم إلا وأتيا على ترجمته بإيجاز، دون أن يغفلا مصادر هذه الترجمة، كما كانا يعنيان بتحقيق أسماء القبائل، وبيان الفرق، والطوائف الدينية، والاجناس البشرية، وتحقيق مواضع البلدان التي وردت في المعجم، وتعيين مواقعها، والكلام على أيام العرب التي ورد ذكرها فيه، ومراجع الشرح والتعليق. وتجلت ثقافة الرجلين الدينية ببيان القراءات للايات التي وردت في " التهذيب " وتحقيقها، مع الرجوع إلى كتب التفسير والقراءات الصحيحة والشاذة. وكان إذا ورد بيت شعر عمدا إلى تحقيقه، ونسبته إذا لم يكن منسوبا إلى قائل، وتصحيح ما نسب إلى غير صاحبه خطأ أو وهما، وإيراد أصح الروايات لهذه الشواهد. وتمر - أحيانا - كلمات في غير أبوابها، مثل " حانوت " إذ جاءت في " حين " وحققها أن تذكر في " حنت " وقد نبها إلى ذلك. الامر الجدير بالذكر - كذلك - أن المحققين وقفا موقف الحكم العادل بين الجوهري - صاحب الصحاح - واللغويين، فبينا أوهامه، كما بينا أوهام غيره، وميزا صواب القول من خطئه، معتمدين على الروايات الصحيحة والمعاجم، وعلى رأيهما. وانتبها إلى ما زاده الزنجاني على " الصحاح " الاصيل، وتتبعا مواضع الزيادة بدقة، وأثبتاها في الحواشي.
стр. 40
وأخيرا، نظما في آخر الكتاب فهرسا كاملا للغة، والاعلام، والقبائل. وقد قصدا بفهرس اللغة تيسير البحث على طلبة العلم في هذا المعجم، لعله يعثر في سهولة ويسر على ضالته، واتبعا الترتيب الحديث للمعاجم " الالفبائي ". كان من الطبيعي أنهما يستطيعان أن يتخذا هذا الاسلوب في " تهذيب الصحاح " نفسه، فيرتباه الترتيب الحديث - كما فعل نديم المرعشلي ويوسف الخياط في لسان العرب - ولكن الامانة العلمية والحرص على تقديم الكتاب بالصورة التي ورد بها منعاهما من هذا السلوك - في اجتهادنا -. يمكن أن نقول مطمئنين: إن " تهذيب الصحاح " ليس كتابا واحدا، بل ثلاثة كتب: أحدهما قديم نصا، والثاني حديث يتمثل في الحواشي التي تعادل الاصل بل تزيد عليه، والثالث معجم حديث يتمثل في الفهرس اللغوي الملحق الذي جمع فيه مواد التهذيب والحواشي فيه مع الاشارة إلى رقم الصفحة التي ورد فيها كل لفظ. وبعد، فالمنهج العلمي ميز هذا المعجم. ولمحققيه العالمين: العطار وهارون أجزل الشكر، ومثله لناشره الذي أغدق عليه بسخاء، هو المرحوم محمد سرور الصبان، ﵀ وأسكنه فسيح جنانه. * * * التحقيق الكبير الثاني كان لمعجم " الصحاح " للجوهري. ولقد شهد ياقوت الحموي في كتابه " إرشاد الاريب إلى معرفة الاديب " والمشهور ب " معجم الادباء " شهادة رائعة إذ قال: " كان الجوهري من أعاجيب الزمان ذكاء وفطنة، وأصله من بلاد الترك، من فاراب، وهو إمام في علم اللغة والادب " ... تلقى الجوهري علم العرب من شيخين عظيمين هما: أبو علي الفارسي (ت ٣٥٦ هـ / ٩٦٦ م) وأبو سعيد السيرافي (ت ٣٦٨ هـ / ٩٧٨ م) واستكمل تحصيله من علماء الحجاز، والعرب العاربة في ديارهم، وطوف ببلاد ربيعة
стр. 41
ومضر، ثم عاد إلى خراسان، واستقر فيها حقبة، ثم ارتحل عنها إلى نيسابور فأقام فيها مدرسا ومؤلفا ومعلما للخط. في نيسابور ألف إسماعيل بن حماد الجوهري " الصحاح " وصنفه لابي منصور عبد الرحيم البيشكي، وكان هذا أديبا واعظا أصوليا مقدرا بين الناس. ويبدو أن ثمن العبقرية غال على طول الزمن، فلقد دفع الجوهري ثمنها باهظا، تحدثنا كتب التراجم أنه " اعترت الجوهري وسوسة، فمضى إلى الجامع القديم بنيسابور وصعد إلى سطحه محاولا الطيران، وأنه قال بعد أن صعد إلى السطح: أيها الناس! إني عملت في الدنيا شيئا لم أسبق إليه، فسأعمل للاخرة أمرا لم أسبق إليه. وضم إلى جنبيه مصراعي باب وتأبطهما بحبل، وزعم أنه يطير، فألقى بنفسه من أعلى مكان في الجامع فمات. ويرجح الباحثون أن وفاته سنة ٣٩٣ هـ / ١٠٠٢ م. * * * من حسن حظ اللغة العربية أن عوامل الدمار التي مرت على هذه الامة فقضت على كثير من تراثها وروائعها، لم تصل إلى " صحاح " الجوهري، وظل بنجوة منها. وصل هذا الاثر إلينا - كما يقول العطار - من ثلاث طرق: أولا: طريق البيشكي الذي ألف الجوهري الصحاح له. ثانيا: طريق ابن عبدوس الذي سمع عليه الهروي. ثالثا: الوراق الذي بيض من الصحاح ما كان على سواده بعد موت مؤلفه. وهناك طريق أخرى هي طريق " محمد بن تميم البرمكي " الذي نقل " الصحاح " واستبدل بترتيب مؤلفه ترتيبا آخر جديدا، سنتحدث فيه حين نفصل القول في " المقدمة ". إضافة إلى هذا فإن عددا من النساخين نسخ الصحاح، وكانت هذه
стр. 42
النسخ في مكتبات كثير من العلماء. أما النسخة التي اعتمدها الاستاذ العطار ووثق بها فهي مخطوطة شيخ الاسلام عارف حكمت في المدينة المنورة، ويعود تاريخها إلى سنة ٦٨٦ هـ / ١٢٨٧ م، وكانت أساسا، وإلى جانبها مخطوطة القاضي البصري، ويعود تاريخها إلى منتصف القرن الخامس الهجري / الحادي عشر للميلاد، وقد وجدها في خزانة الاستاذ محمد خليل عناني من أهل مكة المكرمة. ولم تكن نسخة دار الكتب المصرية بعيدة عنه أيام كان يقوم بالتحقيق. والعطار يعرف أن في مكتبات العالم نسخا كثيرة مخطوطة من " الصحاح " وفي بعض هذه المكتبات أكثر من نسخة واحدة. كان الاستاذ العطار واعيا مهمته حين شرع يعمل في " الصحاح "، مدركا أنه مسلح بالاسلحة اللازمة لمثل هذا التحقيق الكبير، مطلعا على ما جاء في المعاجم السابقة واللاحقة، متملكا العقل الواعي، والذوق السليم، والقدرة على الحكم العادل. لقد أدرك أن في الصحاح مزايا، وأن فيه هنات. ذكر أن مزاياه تتجلى في التماس الجوهري الصحيح الذي لا خلاف فيه، وسهولة تناول ما جاء فيه، واختصاره في الشرح والتفصيل، وتركه الفضول الذي لا غناء فيه، وجمال أسلوبه في الشرح، وذكره شواهده من الشعر الرفيع وكلام العرب غير المصنوع، وتجاوزه ذكر أسماء من ينقل عنهم - غالبا - رغبة في الايجاز، وعنايته بمسائل النحو والصرف، وإشارته إلى الضعيف والمنكر والمتروك والردئ المذموم من اللغات، وإلى العامي والمولد، والمعرب، والاتباع والازدواج والمشترك والمفاريد والنوادر، والالفاظ التي لم تأت في الشعر الجاهلي وذكرها في الاسلام، وإلى الاضداد ... كذلك عني الصحاح بالاشتقاق الكبير - أو المقاييس كما يسميه ابن فارس - وهو دوران المادة حول معنى أو معان تشترك فيها المفردات المتولدة من مادة واحدة، وهو في الصحاح جد كثير.
стр. 43
أما هنات الصحاح فمتعددة، منها: اقتصاره على الصحيح، وطرحه ما لم يصح عنده، وإذا كانت هذه الملاحظة محسوبة من المزايا لدى فريق من الناس، فإنها في نظر الاستاذ العطار إحدى هنواته، لانه طرح ألفاظا ظنها غير صحيحة وهي في الحقيقة صحيحة، ولو لم يلتزم الجوهري هذا المقياس لقدم لنا ثروة لغوية كبيرة، دليل ذلك أن الصغاني في " التكملة والذيل والصلة " حشد أكثر من ستين ألف مادة لغوية، أكثرها من صحيح اللغة، في حين أن الجوهري لم يأت إلا بأربعين ألف مادة. ومن هناته: التصحيف والتحريف لبعض الشعر أو المواد اللغوية أو الاعلام، أو نسبته قول إمام إلى إمام آخر، ونقله أقوال العلماء بغير دقة، وأحيانا ينسب الحديث الشريف إلى غير صاحبه ﵇، أو جعله بعض أقوال الناس حديثا نبويا، وهو كثيرا ما يخطئ في رواية الشعر ويغير أشطره، ويخلط في نسبة الشعر إلى أصحابه، أو يغفل نسبته.. أو في ترتيب المواد من ذلك أنه وضع كلمة " الثيب " في " ثوب " وحقها أن تكون في " ثيب ". ومع أن الجوهري كان أنحى اللغويين، وخطيب المنبر الصرفي، فقد وقع في كتابه بعض الخطأ في الاعلال الصرفي وقواعد النحو. والامثلة على ذلك كثيرة. * * * هذا الوعي الكامل للصحاح مدعاة للثقة بعمل محققه، ولعمري إن من يعمل في تحقيق كتاب واحد، وهو مسلح بالعلم والعقل والذوق، ويقضي زهرة شبابه مخلصا فيما يعلم لجدير بالانحناء والتقدير والتكريم. الرائع في الصحاح أن محققه دقق في كل صغيرة وكبيرة وردت فأعمل فيها النظر والبحث، ولم يسمح لها بالمرور إلا بعد أن استوثق منها، أو وثقها. قرن كثيرا من المفردات بما جاء فيها في المعاجم الاخرى، وبين الصحيح وغيره، وكذلك رد الشعر إلى أصحابه، وأعاد ترتيب أشطره كما ورد في
стр. 44
مصادره الاصلية، وصحح وزنه إذا روي فيه مكسورا أو محرفا أو مصحفا، وكذلك وثق الاحاديث النبوية وبين أماكن ورودها في كتب الحديث، ومثلها فعل في الآيات القرآنية الكريمة، والامثال العربية، والاسماء، والاعلام، والمواطن، والقبائل، واللغات المختلفة. نستطيع أن نقول: إن شخصية العطار تجاه الجوهري نامية وقوية، فلا هو يقبل كل ما يأتي به، ولا هو يرفضه، وإنما يناقش كل شئ، فيصحح ما يصح عنده، ويخطئ ما يراه ناشزا أو غير صحيح. لهذا كله نال هذا التحقيق ثقة العلماء، وتقديرهم، وظفرت العربية بكنز ثمين لا يعدله ذهب أو جوهر.. * * * أما العمل الثالث فهو تأليف " مقدمة الصحاح ". لقد شبهت هذه المقدمة ب " مقدمة ابن خلدون " لتاريخه الذي سماه " كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أخبار العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الاكبر "، ويختصره الناس فيقولون: تاريخ ابن خلدون. وكثير من العلماء من فضل مقدمة ابن خلدون على تاريخه ذاته، وعدها فتحا جديدا في علم الاجتماع، والعمران، وأحوال الممالك، وأدار حولها كثيرا من الدراسات الجادة. أما نحن فلا نستطيع أن نقول: أن مقدمة الصحاح خير من الصحاح نفسه، كما قال فريق عن ابن خلدون، ولكنا نقول: إنهما بمثابة العينين من الانسان، فلا اليمنى تفضل اليسرى، ولا اليسرى تفضل اليمنى، كلتاهما غالية. هذه المقدمة دفعت أديب العربية الكبير المرحوم " عباس محمود العقاد " أن يكتب فيها تقريظا، دونه أرفع وسام في العالم، ومثله كتب المرحوم ورئيس هيئة الامر بالمعروف الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ، والامير فهد ابن عبد العزيز يوم كان وزيرا للمعارف.
стр. 45
تتضمن المقدمة التي استغرقت مائتين واثنتي عشرة صفحة عددا من الموضوعات، لعل أبرزها دراسة العطار للمدارس المعجمية وهي التي نريد تفصيل الحديث عنها، لانها أثارت جدلا كبيرا، وكانت موطن خلاف بين العلماء. ابتدأ العطار بحثه بقوله: " ان مؤلفي المعجمات الاول هم رواد التأليف المعجمي في العربية، ومعاجمهم الطلائع الاولى، وهي التي وضعت كل قواعد المعجم العربي، ومعاجم هؤلاء الرواد لم تبق لمن بعدهم جديدا في ترتيب المواد، إلا في حالات لا تعد جدتها ابتكارا، وإن كان فيها تيسير على الشداة، مثل معجم الشيخ محمد البخاري (ت ١٣٣٢ هـ / ١٩١٣ م) الذي جمع " اللسان " و " القاموس " ورتب موادهما ترتيبا اتبع فيه طريقة البرمكي، وخالفه أنه لم يراع الاشتقاق والتجريد، كما فعل فلوجل الالماني قبله. " ... ويلتقي هؤلاء الرواد في كثير من النقاط، ويتفق بعضهم في المنهج، ولكن لكل منهم سماته وخصائصه.. " وهذه المدارس أربع في رأينا، إلا أن في وسعنا أن نجعل مرد أصولها إلى نبعين مختلفين ... وهما: مدرسة المعاني، ومدرسة الالفاظ. أما مدرسة المعاني، فهي التي اتخذت معاجم رتبتها حسب المعاني والموضوعات، كالغريب المصنف لابي عبيد، والمخصص لابن سيده، ويدخل في فصول هذه المدارس كل الرسائل والكتب اللغوية التي اتخذت المعاني وسيلتها في ذكر الكلمات. أما مدرسة الالفاظ، فهي التي بنت قواعدها على علم الاصوات اللغوية، ورتبت المعجم حسب الحروف التي تبتدئ بها أوائل الكلمات على اختلاف في ترتيب الحروف.... وهذه المدارس الاربع هي: ١ - مدرسة الخليل ٢ - مدرسة أبي عبيد ٣ - مدرسة الجوهري
стр. 46
٤ - مدرسة البرمكي ١ - مدرسة الخليل وصاحبها الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت ١٧٠ هـ / ٧٨٦ م) ومعجمه يدعى: " كتاب العين " وقد رتب المواد على الحروف حسب مخارجها، ولما كانت العين أبعد الحروف مخرجا من الحلق فقد سمى الكتاب كله باسمها من قبيل تسمية الكل باسم الجزء. ويدافع العطار عن الخليل الذي ابتكر هذه الطريقة، فيرد عنه زعم من زعم أنه اقتبسها من اليونانية عن طريق حنين بن إسحاق، أو زعم من ادعى أنه اقتبسها من الهنود، أو زعم من قال إن الخليل لم يكتب إلا جزءا من كتابه وأكمله عنه الليث بن المظفر، واتهامات أخرى، ويثبت أن الكتاب للخليل، وأنه مبتكر هذه الطريقة. ٢ - مدرسة أبي عبيد وصاحبها أبو عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤ هـ / ٨٣٨ م) وقاعدته في بناء المعجم تقوم على المعاني والموضوعات، وذلك بعقد أبواب وفصول للمسميات التي تتشابه في المعنى أو تتقارب، فلقد كتب كتبا صغيرة، كل كتاب في موضوع مثل: كتاب الخيل، وكتاب اللبن، وكتاب العسل، وكتاب الذباب، وكتاب الحشرات، وكتاب النخيل، وكتاب خلق الانسان، ثم جمعها في كتاب واحد سماه " الغريب المصنف " واتبعه ابن سيده في " المخصص ". ٣ - مدرسة الجوهري وصاحبها إسماعيل بن حماد الجوهري (٣٩٣ هـ / ١٠٠٢ م) ومعجمه " الصحاح " بناه على حروف الهجاء، والاعتماد على آخر الكلمة - بدلا من أولها - ثم النظر إلى ترتيب حروف الهجاء عند ترتيب الفصول، وقد سمى الحرف الاخير " بابا " والحرف الاول " فصلا " فكلمة " بسط " يبحث عنها في باب الطاء، لانها آخر حرف فيها، وتقع في فصل الباء، لانها مبدوءة بها. ولم يقف الجوهري عند الحرف الاخير، بل نظر إلى الحرف الاول، ثم
стр. 47
تجاوز ذلك إلى الحرف الثاني في الثلاثي، والحرف الثالث في الرباعي، والحرف الرابع في الخماسي، حتى يكون الترتيب دقيقا. وصف العطار الجوهري بأنه إمام هذه المدرسة، ودفع عنه تهمة الذين قالوا: إن الفارابي سبق الجوهري إلى هذه الطريقة، وهو متقدم في الزمن على الجوهري.. فقال العطار: " ولم تنسب هذه المدرسة إلى الفارابي مع تقدمه ومع أن الجوهري يلتقي معه في بعض النقاط، لان الفارابي ألمع إلماعا إلى بعض منهج الجوهري، ولكن الجوهري جاء بما وفى الغاية، ووصل فيه إلى النهاية، وأحكم النظام، وضبط المنهج، فانتسبت المدرسة إليه، وهو بهذه النسبة جدير، لانه إمامها الفاذ، وعلمها الذي لا تخطئه العين مهما ابتعدت عنه ". ومنذ مدة ليست ببعيدة نشر الاشتاذ العلامة حمد الجاسر في مجلته " العرب " في السنة الاولى صفحة ٥٧٧ وص ١١٥٦ بحثا ضافيا أنكر فيه على الجوهري أن يكون مبتكر التقفية في المعجم العربي، وأثبت أن " أبا بشر اليمان بن أبي اليمان البندنيجي " هو صاحب الطريقة، وهو سابق للجوهري بمائة سنة حيث توفي سنة ٢٨٤ هـ / ٨٩٧ م وتوفي الجوهري سنة ٣٩٣ هـ / ١٠٠٢ م. ولم نطلع على رد الاستاذ العطار على هذه النقطة، ولعله كتب ولم نصل إلى ما كتب، أو لعله آثر عدم الرد معتقدا أن المنهج المتكامل للجوهري يخوله حق إمامة هذه المدرسة وادعائها. ٤ - مدرسة البرمكي وصاحبها أبو المعالي محمد بن تميم البرمكي، معاصر للجوهري، لم يؤلف معجما، ولكنه أخذ صحاح الجوهري، ورتبه على حروف الالفباء، وزاد فيه، أشياء قليلة. ثم جاء الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ / ١١٤٣ م) وصنف كتابه " أساس البلاغة " وفق ترتيب البرمكي، معترفا بهذا في مقدمته التي جاء فيها: " وقد رتب الكتاب على أشهر ترتيب متداولا ". ويؤكد العطار أن البرمكي إمام هذه المدرسة، ويستشهد على صحة ما
стр. 48
يقول بالجزء المخطوط الموجود في المكتبة الخاصة بإبراهيم الخربوطلي أمين مكتبة شيخ الاسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، وبالاوراق الست المخطوطة من هذا المعجم البرمكي الموجودة بمكتبة كوبريللي بتركيا. بمدرسة البرمكي خالف العطار جميع الذين كتبوا في تأريخ المعاجم، إذ اتفقوا أن الزمخشري مبتكر الطريقة ورائد هذه المدرسة، وكأنهم توهموا أن معنى قوله في مقدمة أساس البلاغة ... يهجم الطالب على طلبته موضوعة على طرف الثمام وحبل الذراع " تعني أنه مبتكر هذه الطريقة، ولذلك فقد درجوا على عد الزمخشري سيد هذه المدرسة الرابعة. ويخيل إلينا أن مؤرخي المعاجم سوف يستدركون تصنيفهم، ويعدلون ما كتبوا بعد أن بين العطار لهم وجه الحق، بالبرهان القاطع. وبعد، فهذه صورة من الدراسات العلمية الجادة ينهض بها أبناء هذه المملكة السعيدة، لا تقل أو تقصر عن دراسات إخوانهم في البلاد العربية الشقيقة رصانة وموضوعية وعمقا.
стр. 49
الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية
стр. 50
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية
قال الشيخ أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري ﵀:
الحمد لله شكرا على نواله، والصلاة على محمد وآله. أما بعد فإنى قد أودعت هذا الكتاب ما صح عندي من هذه اللغة، التى شرف الله منزلتها، وجعل علم الدين والدنيا منوطا بمعرفتها، على ترتيب لم أسبق إليه، وتهذيب لم أغلب عليه، في ثمانية وعشرين بابا، وكل باب منها ثمانية وعشرون فصلا: على عدد حروف المعجم وترتيبها، إلا أن يهمل من الابواب جنس من الفصول، بعد تحصيلها بالعراق رواية، وإتقانها دراية، ومشافهتي بها العرب العاربة، في ديارهم بالبادية، ولم آل في ذلك نصحا، ولا ادخرت وسعا، نفعنا الله وإياكم به.
стр. 51
باب الالف المهموزة:
قال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، ﵀: نذكر في هذا الباب الهمزة الاصلية التى هي لام الفعل، فأما الهمزة المبدلة من الواو نحو: العزاء - الذى أصله عزاو، لانه من عزوت - أو المبدلة من الياء نحو الاباء - الذى أصله إباى، لانه من أبيت (١) - فنذكرهما في باب " الواو والياء " إن شاء الله ﵎، ونذكر فيه أن همزة الاشاء، والالاء، غير أصلية (٢) .
فصل الالف
[أجأ] أجأ، على فعل بالتحريك: أحد جبلى طيئ، والآخر سلمى، وينسب إليهما (٣) الاجئيون، مثال: الاجعيون.
стр. 52
[آأ] آء: شجر، على وزن عاع، واحدتها: آءة (١) . قال زهير بن أبي سُلْمى يصف الظليم: كأن الرحل منه (٢) فوق صعل من الظلمان جؤجؤه هواء - أصك مصلم الاذنين أجنى (٣) له بالسى تنوم وآء وآء أيضاً: حكاية أصوات. قال الشاعر: إنْ تَلْقَ عمْراً فقد لاقيتَ مدَّرِعا وليس من همه إبْلٌ ولا شاءُ في جحفل لَجِب جَمٍ صواهُله بالليل يُسمَع (٤) في حافاته آء
فصل الباء
[بأبأ] أأبأت الصبى (٥) ، إذا قلت له: بأبى أنت وأمى. قال الراجز:
стр. 53
وصاحب ذى غمرة داجيته بأبأته وإن أبى فديته حتى أتى الحى وما آذيته والبؤبؤ: الاصل، ويقال: العالم، مثل السرسور. يقال: فلان في بؤبؤ الكرم، أي في أصل الكرم (١) .
[بدأ] بدأت بالشئ بدءا: ابتدأت به، وبدأت الشئ: فعلته ابتداء. وبدأ الله الخلق وأبدأهم، بمعنىً. وتقول: فعل ذلك عَوْداً وبَدْءاً، وفي عوده وبدئه، وفي عودته وبَدْأته. ويقال: رَجَعَ عَوْدُه على بَدْئه، إذا رجع في الطريق الذي جاء منه. وفلان ما يُبْدِئ وما يعيد، أي ما يتكلم ببادئة ولا عائدة. والبدء: السيد الأول في السيادة، والثِّنيان: الذي يليه في السُّؤْدُد. قال الشاعر (٢) : ثُنياننا إن أتاهم كان بدأَهمُ * وبَدؤهم إن أتانا كان ثِنيانا (٣) والبَدء والبَدأة: النصيب من الجزور (٤) ، والجمع أبداء، وبدوء، مثل جفن وأجفان وجفون. قال طرفة بن العبد:
стр. 54
وهم أيسار لقمانَ إذا * أغْلَتِ الشَّتْوَةُ أبداَء الجُزرْ والبَدِئُ: الأمر البديع. وقد أَبْدأَ الرجُلُ إذا جاء به. قال عَبِيد (١) :
فلا بدئ ولا عجيب * والبدء والبدئ: البئر التى حُفِرت في الإسلام وليست بعادِيَّة (٢) . وفى الحديث: " حريم البئر البدئ خمس وعشرون ذراعا ". والبدء والبدئ أيضاً: الأول. ومنه قولهم: أفعله بادي بدْء - على فَعْل - وبادي بدئ - على فعيل - أي أول شئ. والياء من بادى ساكنة في موضع النصب، هكذا يتكلمون به، وربما تركوا همزه لكثرة الاستعمال على ما نذكره في باب المعتل. ويقال أيضا: أفعله بدأة ذي بَدْء، وبَدْأةَ ذي بَدْأة، أي أول أول. وقولهم: لك البدء والبَدْأة (٣) والبَدأة - أيضاً - بالمد: أي لك أن تبدأ قبل غيرك في الرمي أو غيره. وقد بُدِئَ الرجل يُبدأ بدءاً فهو مبدوء، إذا أخذه الجُدَريّ أو الحصْبة (٤) . قال الكميت: فكأنما بُدِئت ظواهر جِلدِه * مما يصافح من لهيب سهامها
[بذأ] بذأت الرجل بذْءًا، إذا رأيت به حالا كرهتها.
стр. 55
وبذأته عيني بذْءًا، إذا لم تقبله العين ولم تعجبك مَرْآتُه. وبذأتُ الأرض: ذممت مرعاها، وكذلك الموضع إذا لم تَحمده. وأرض بذِئة (١) : لا مرعى بها. وامرأة بذية - بلا همزة - يذكر في باب المعتل.
[برأ] تقول برِئْتُ منك، ومن الديون والعيوب براءة. وبرئت من المرض بُرءًا، بالضم. وأهل الحجاز يقولون: بَرَأْتَ من المرض بَرءًا بالفتح. وأصبح فلان بارئاً من مرضه، وأبرأه الله من المرض. وَبَرَأَ الله الخلق بَرْءًا، وأيضاً هو البارئ. والبريَّة: الخلق، وقد تركَتِ العربُ همزَهُ. قال الفرّاء: وإن أُخِذَت البريَّة من البَرَى - وهو التراب - فأصلها غير الهمز. وأبرأته مما لي عليه، وبرَّأته تبرئة. والبُرْأَةُ بالضم: قُتْرَة الصائد، والجمع: برأ، مثل صبرة، وصبر. قال الشاعر الأعشى (٢) : فأورَدَها عيناً من السِيفِ رَيَّةً * بها بُرَأٌ مثل الفسيل المكمم وتبرأت من كذا. وأنا بَراءٌ منه، وخَلاءٌ منه، لا يُثَنَّى ولا يُجمَع، لأنه مصدر في الأصل، مثل سمِع سماعا، فإذا
стр. 56
قلت: أنا برئ منه، وخليٌّ منه، ثنَّيت، وجمعت، وأنَّثْت، وقلت في الجمع: نحن منه بُرآء، مثل: فقيه وفقهاء، وبِراءٌ أيضاً، مثل: كريم وكِرام، وأبراءٌ، مثل: شريفٍ وأشرافٍ، وأبرياء أيضاً مثل نصيب وأنص با ء، وبريئون. وامرأة بريئة، وهما بريئتان، وهن بريئات برايا. ورجل برئ وبراء، مثل: عجيب وعُجاب. والبَراء بالفتح: أول ليلة من الشهر، سميت بذلك لتبرُّؤ القمر من الشمس، وأما آخر يوم من الشهر فهو النحيرة. وبارَأتُ شريكي، إذا فارقته، وبارأ الرجل امرأته. واستبرأتُ الجارية، واستبرأت ما عندك.
[بأ] بسأت بالرجل: وبسئت به بَسَأً وبُسوءًا، إذا استأنستَ به. وناقة بَسوءٌ: لا تمنع الحالب. وأبسأنى فلان فبسئت به.
[بطأ] البُطْءُ: نقيض السرعة. تقول منه: بطُؤَ مجيئك، وأبطأت فأنت بطئ، ولا تقل: أبطيت. وقد استبطأتك، ويقال: ما أبطأ بك، وما بطأ بك بل، بمعنى. وتباطأ الرجل في مسيره. ويقال: بُطْآن ذا خروجاً، وبَطآن ذا خروجاً (١) ، أي بطؤ ذا خروجا، فجعلت
стр. 57
الفتحة التى في بطؤ على نون بطآن، حين أدت عنه، لتكون علما لها، ونقلت ضمة الطاء إلى الباء، وإنما صح فيه النقل لان معناه التعجب، أي ما أبطأه. أبو زيد: أبطأ القوم، إذا كانت دوابهم بطاء.
[بكأ] بَكأتِ الناقة أو الشاة، إذا قلّ لبنها تَبْكأُ بَكْأً. قال سلامة بن جندل:
ولو نفادي (١) ببكء كل محلوب * وكذلك بكؤت بكؤا، فهى بكئ، وبكيئة، وأينق بكاء. قال الشاعر (٢) : فليأزلن وتبكؤن لقاحه (٣) * ويعللن صبيه بسمار -
[بوأ] المباءة: منزل القوم في كل موضع، ويسمى كِناس الثور الوحشي: مباءةً، وكذلك مَعطِن (٤) الإِبل. وتبوَّأْتُ منزلاً: أي نزلتُه، وبوَّأت للرجل منزلاً وبوّأته منزلاً بمعنى، أي هيَّأته ومكَّنت له فيه. واستباءه، أي اتخذه مباءة.
стр. 58
وهو ببيئة سوء، مثال: بيعة، أي بحالة سوء، وإنه لحسن البيئة. وبوَّأت الرمح نحوه، أي سدَّدته نحوه. وَأَبَأْتُ الإِبل: رددتها إلى المباءة، وَأَبَأْتُ على فلان ماله، إذا أَرَحْتَ عليه إبله أو غنمه. والباءَة مثال الباعَةِ، لغة في المباءة، ومنه سُمِّي النكاح: باءً وباءةً، لان الرجل يتبوأ من أهله، أي يستمكن منها، كما يتبوأ من داره. وقال يصف الحمار والاتن: يعرس أبكارا بها وعنسا * أكرم عرس باءة إذ أعرسا - والبواء: السواء، ويقال: دم فلان بَواءٌ لِدَم فلان، إذا كان كفؤا له. قالت ليلى الاخيلية في مقتل توبة بن الحمير: فإن تكن القتلى بواء فإنكم * فتى ما قتلتم، آل عوف بن عامر وفى الحديث: " أمرهم أن يتباءوا " والصحيح يتباوؤوا على مثال يتقاولوا. ويقال: كلمناهم فأجابونا عن بَواءٍ واحد، أي: أجابونا جواباً واحداً. وأبَأْتُ القاتل بالقتيل، واستبأته إذا قتلتَه به، أيضاً. أبو زيد: باء الرجُلُ بصاحبه: إذا قُتِل به، ومنه قولهم: باءت عرار بكحل، وهما بقرتان قتلت إحداهما بالاخرى (١) .
стр. 59
ويقال: بُؤْ بِهِ، أي كُن ممن يقتل به. وأنشد الاحمر لرجل قتل قاتل أخيه، فقال: فقلت له: بُؤْ بامرئٍ لستَ مثلَه * وإن كنتَ قُنْعاناً لمن يطلب الدما قال الاخفش (١) : وباءوا بغضب من الله: رجعوا به، أي صار عليهم. قال: وكذلك باء بإثمه يبوء بَوْءاً. وتقول: باء بحقه، أي أقرَّ، وذا يكون - أبدا - بما عليه، لا له. قال لبيد: أنكرت باطلها وبؤت بحقها * عندي، ولم تفخر على كرامها وفى أرض كذا فلاة تبئ في فلاة، أي تذهب.
[بهأ] أبو زيد: بَهأْتُ بالرجل، وبَهِئْتُ به بَهْأً (٢) وبهُوءًا، إذا أنست به. قال الاصمعي في كتاب الابل: ناقة بهاء بالفتح ممدود - إذا كانت قد أنست بالحالب، وهو من بهأت به أي أنِسْتُ به. وأما البهاء من الحُسن، فهو من بَهيَ الرجل، غير مهموز. قال ابن السِّكِّيت: ما بَهأْتُ له، وما بأهت له: أي ما فطِنتُ له.
стр. 60
فصل التاء
[تأتأ] رجل تأتاء على فعلال، وفيه تأتأة: يتردد في التاء إذا تكلم.
[تفأ] تفئ تفأ (١) ، إذا غضب واحتد.
[تنأ] تنأت بالبلد تنوءا: قطنته، والتانئ من ذلك. وهم تِناءُ البلد، والاسم التناءة.
فصل الثاء
[ثأثأ] ثَأْثَأْتُ الإبل، إذا أرويتها. قال الراجز (٢) : إنك لن تثأثئ النهالا * بمثل أن تدارك السجالا الأصمعي: ثأثأتُ عن القوم: دَفَعْت عنهم. ولَقيتُ فلاناً فتثأثأت منه، أي: هبته. أبو عمرو: أثأته بسهم إثاءة: رميته. والكسائي مثله.
[ثدأ] الثندؤة للرجل بمنزلة الثدى للمرأة، وقال الأصمعي: هي مَغرِز الثدي، وقال ابن السِكِّيت: هي اللحم الذى حول الثدى، إذا ضممت أولها همزت - فتكون فعللة - وإذا فتحته لم تهمز، فيكون فعلوة، مثل: قرنوة، وعرقوة.
стр. 61
[ثطأ] ثطئ ثطأ: حمق (١) .
[ثفأ] الثفاء على مثال القراء: الخردل (٢) ويقال: هو الحرف، وهو فعال، الواحدة ثفاءة.
[ثما] الكسائي: ثَمَأْتُ (٣) القوم: أطعمتهم الدسم. وثمأت رأسه: شدخته. وثَمأت الخبز: ثردته.
فصل الجيم
[جأجأ] جؤجؤ الطائر والسفينة: صدرهما، والجمع الجآجئ. قال الأموي: جَأْجَأْتُ بالإبل، إذا دعوتها لتشرب، فقلت: جئ، جئ، والاسم الجئ، مثال الجيع، وأصله: جئئ، قلبت الهمزة الاولى ياء. وأنشد (٤) :
стр. 62
وما كان على الجئ * ولا الهئ امتدا حيكا (١)
[جبأ] الْجَبْءُ: واحد الجبْأَة، وهي الحُمْر من الكَمْأَة، مثاله: فَقْع (٢) وفقعة، وغرد وغردة، وثلاثة أجبؤ. وأَجْبَأَتِ الأرضُ، أي كَثُرَتْ كَمْأَتُها، وهي أرض مَجْبَأَةٌ. قال الأحمر: الجَبْأَةُ هي التي تضرِب (٣) إلى الحُمْرَة، والكَمْأَةُ هي التي إلى الغبرة والسواد (٤) ، والفقعة البيض، وبنات أوبر الصغار. وأجبأت الزرع: بعته قبل أن يبدو صلاحُه، وجاء في الحديث بلا همز: " من أجبى فقد أربى " وأصله الهمز. والجبأة مثال الجبهة: القرزوم (٥) ، وهى الخشبة التى يحذو عليها الحذَّاء. قال الجَعْديّ: في مِرفقيه تقارُبٌ وله * بِرْكة زور كجبأة الخزم
стр. 63
وجبأت عينى عن الشئ: نبت عنه. وقال أبو زيد: جَبَاْتُ عن الرجل جبئا وجبوءا: خنست عنه. وأنشد (١) : فهل أنا إلا مثل سيقة العدى * إن استقدمت نحر وإن جبأت عقر والجبأ بضم الجيم (٢) : الجبان. قال الشاعر الشيباني، وهو معروف (٣) بن عمرو: فما أنا من رَيْبِ المَنون بجُبَّأٍ * ولا أنا من سَيْبِ الإله بآيِسِ (٤) وجَبَأَ عليه الأَسْود: أي خرج عليه حَيَّةٌ من جُحرِه. ومنه الجابئ وهو ال جرا د.
[جرأ] الجرأة مثال الجرعة: الشجاعة، وقد يترك همزه، فيقال: الجرة مثال الكرة، كما قالوا للمرأة: مرة. والجرئ: المقدام، تقول منه: جرؤ الرجل جراءة، بالمد. وهو جرئ المقدم، أي: جرئ عند الاقدام. وتقول: جرأتك على فلان، حتى اجترأت عليه.
стр. 64
[جزأ] الجزء: واحد الأجزاء. وجزأت الشئ جزءا: قسمته وجعلته أجزاء، وكذلك التجزئة. وجزأت بالشئ جزءا: أي اكتفيت به، وجَزِئت الإبل بالرُّطْبِ عن الماء جُزْءاً بالضم. وأجزَأتُها أنا، وجزَّأْتها أيضاً تجزئة. وظبية جازئة. وقال الشماخ (١) : إذا الارطى توسد أبرديه * خدود جوزائ بالرمل عين (٢) وأجزأني الشئ: كفانى. وأجزأت عنك شاةٌ، لغة في جزت، أي قضت. واجتزأت بالشئ، وتجزَّأت به بمعنى، إذا اكتفيت به. وأجزأت عنك مَُجْزَأَ فلان ومَُجزَأَةَ (٣) فلان، أي أغنيتُ عنك مَغْناه. والجُزْأَةُ بالضم: نِصاب الإشْفى والمِخْصَفِ. وقد أجزأتُهُ: جعلت له نصابا.
стр. 65
وجزء بالفتح: اسم رجل. وقال (١) : إن كنتَ أَزْنَنْتَني بها كذباً * جَزْءٌ فلاقيت مثلها عجلا
[جسأ] جَسَأَتْ يدُهُ من العمل تَجسأَ جَسأً: صَلُبَتْ، والاسم: الجُسْأَةُ مثال الجرعة. والجُسْأَة في الدواب: يُبْس المَعْطِفِ.
[جشأ] تجشَّأْتُ تجشُّؤاً، والتجشئة مثله. قال الراجز (٢) : ولم تبت حمى به توصمه * ولم يجشئ عن طعام يبشمه والاسم الجشأة، مثال: الهمزة. قال الاصمعي: ويقال الجُشاء، على فُعال، كأنه من باب العُطاس والبُوال والدُّوار. وجشأت نفسي جشوءا، إذا نهضَتْ إليك. وجاشت من حزنٍ أو فزعٍ. واجتشأتْني البلادُ واجتشأتُها، إذا لم توافقك وجشأ القوم من بلد إلى بلد، أي خرجوا. والجشء: القوس الخفيفة. قال أبو ذؤيب: وتميمة (٣) من قانص متلبب * في كفه جشء أحش وأقطع
стр. 66
قال الاصمعي: هو القضيب من النبع الخفيف.
[جفأ] الجُفاءُ: ما نفاه السيلُ. قال الله تعالى: (فأما الزَّبدُ فيذهبُ جُفاءَ) أي باطلاً. وجَفَأَ الوادي جَفْأً، إذا رمى بالقَذى والزَّبَد، وكذلك القِدْر إذا رَمَتْ بزبدها عند الغَلَيان. وأجفأَتْ لغة فيه. وجَفَأْتُ القِدْر أيضاً، إذا كفأتَها أو أمَلْتَها فصببت ما فيها. ولا تقل: أجفأتها. قال الراجز: جفؤك ذا قدرك للضيفان * جفأ على الرغفان في الجفان خير من العكيس بالالبان وأما الذى في الحديث: " فأجفؤوا قدروهم بما فيها " فهى لغة مجهولة. وجفأت الرجل أيضا: صرعته. واجتفأت الشئ: اقتلعته ورميت به.
[جنأ] جنأ الرجل على الشئ، وجانأ عليه، وتجانَأَ عليه، إذا أكبَّ عليه. قال الشاعر كُثَيِّر: أغاضِرَ لو شَهِدْتِ غداة بِنْتُمْ * جُنوَء العائدات على وِسادي ورجل أجْنَأُ: بَيِّنُ الجَنَأِ، أي أحدب الظهر. والمُجْنَاُ بالضم: التُّرْسُ. قال أبو قيس بن الاسلت (١) .
стр. 67
صدق حُسامٍ وادِقٍ حدُّه * ومُجْنَأٍ أسْمَرَ قراع (١)
[جيأ] المجئ: الاتيان. يقال جاء يجئ جيئة، وهو من بناء المرَّة الواحدة إلاّ أنه وضع موضع المصدر مثل الرجفة والرحمة، والاسم الجِيئة على فِعْلَةٍ بكسر الجيم. وتقول: جئت مجيئاً حسناً، وهو شاذ، لان المصدر من فعل يفعل مفعل بفتح العين، وقد شذت منه حروف فجاءت على مفعل كالمجئ والمحيض والمكيل والمصير. وأجأته، أي جئت به، وجاءانى (٢) على فاعلنى فجئته أجيئه، أي غالبني بكثرة المجئ فغلبته. وتقول: الحمد لله الذي جاء بك، أي الحمد لله إذ جئت، ولا تقل: الحمد لله الذي جئت. وأجأْته إلى كذا بمعنى ألجأته واضطررته إليه. قال زهير بن أبي سُلْمى: وجارٍ سار معتمداً إليكم * أجاَءتْه المخافة والرجاء قال الفراء: أصله من جئت، وقد جعلته العرب إلجاء. وفى المثل: " شَرٌّ ما يُجيئُكَ إلى مُخَّةِ
стр. 68
عرقوب ". قال الاصمعي: وذلك أن العرقوب لا مخ فيه، وإنما يحوج إليه من لا يقدر على شئ. وقولهم: لو كان ذلك في الهئ والجئ ما نفعه. قال أبو عمرو: الهئ: الطعام، والجئ: الشراب. وقال الاموى: هما اسمان، من قولهم: جأجأت بالابل، إذا دعوتها للشرب. وهأهأت بها، إذا دعوتها للعلف. وأنشد (١) : وما كان على الهئ * ولا الجئ امتداحيكا
فصل الحاء
[حبأ] الحَبأُ: جليس الملك وخاصَّتُه، والجمع: أحباء. مثل: سبب، وأسباب.
[حتأ] حَتأْتُ الكِساءَ حَتْأً، إذا فَتَلْتَ هُدْبَه وكففته مُلْزَقَاً به، يُهْمَزُ ولا يُهْمَزُ، فيقال: حَتَوْتُه حتوا. وقال أبو زيد، في (كتاب الهمز) : أحتأت الثوب - بالالف - إذا فتلته فتل الاكسية.
[حجأ] حجأت بالامر: فرحت به. وحجئت بالشئ حجأ، إذا كنت مولعاً به، ضنيناً، يُهْمَزُ ولا يهمز. وأنشد الفراء: فإنى بالجموح وأم بكر * ودولح فاعلموا حجئ ضنين وكذلك تحجأت به.
стр. 69
[حدأ] قال الأصمعي: الحَدأَة: الفأس ذات الرأسين، وجمعها: حدأ، مثل: قصبة وقصب، وأنشد للشماخ يصف إبلا حداد الاسنان: يباكرن العضاه بمقنعات * نواجذهن كالحدإ الوقيع والحدأة: الطائر المعروف، ولا يقال: حدأة (١) وجمعها حدأ، مثال: حبرة وحبر، وعنبة وعنب، قال العجاج - يصف الاثافي -:
كما تدانى الحدأ الاوى (٢) * ومنه قولهم: حدأ حدأ، وراءك بندقة (٣) ، قال ابن السكيت: هو ترخيم حدأة، والعامة تقول: حدا حدا - بالفتح - غير مهموز. وزعم الشرقي أن حداء وبندقة قبيلتان وهما: حداء (٤) بن نمرة، وبندقة بن مظة (٥) من اليمن من سعد العشيرة.
стр. 70
أبو عبيدة: وحدأت الشئ بالفتح حدءا: صرفته. أبو زيد: حَدِئْتَ بالمكان حَدأً بالتحريك، إذا لَزِقْتَ به. قال: وحَدِئْتُ إليه، أي لجأت إليه. قال: وحَدِئْتُ عليه وإليه، إذا حَدَبْتَ عليه، ونصرته، ومنعته من الظلم.
[حزأ] ابن السكيت: حرأ السراب الشخص يجزؤه حزءا، رفعه، لغة في: حزاه يجزوه، بلا همز. أبو زيد: حزأت الإبل حزءًا: جمعتها وسقتها.
[حشا] حشأت الرجل بالسهم حَشْأً، إذا أصبت به جوفه. قال الشاعر (١) يصف ذئبا طمع في ناقته، وتسمى هبالة (٢) : فلاحشأنك مشقصا * أوسا أويس من الهباله (٣) قوله: أوسا: يعنى عوضا. وحشأت المرأة، إذا باضعتها. والمِحْشَأُ: كساء غليظ عن أبي زيد، والجمع: المحاشئ.
[حصا] الأصمعي: حَصَأْتُ من الماء: رويت، وأحصأت غيرى: أرويته.
стр. 71
أبو زيد: حصأ الصبيُّ من اللبنِ: إذا امتلأ بطنه، والجدْيُ: إذا امتلأَتْ إنْفَحَتُهُ. قال: وحَصَأَ بها: حبق.
[حضأ] حَضَأْتُ النار: سَعَّرْتها، يُهْمَز ولا يهمز. والعود الذي تحرك به النار: مِحْضأٌ، على مِفْعَلٍ، وإذا لم يهمز، فالعود مِحْضاءٌ على مفعال.
[حطأ] حَطأْتُ به الأرض حَطْأ: صَرَعْتُه. وحَطأَ بِسَلْحِهِ: رمى به. وحطأ بها: حبق. وحطأها: باضعها. وحطأه، إذا ضرب ظهره بيده مبسوطة. قال ابن عباس: أخذ رسول الله ﷺ بقفاي فحطأني حَطْأَةً، وقال: اذهب فادْعُ لي فلاناً. وحَطَأَتِ القِدْرُ بِزَبَدِها، أي: رَمَتْهُ. أبو زيد: الحطئ على فعيل: الرذال من الرجال، يقال حطئ نطئ، إتْباعٌ له. والحُطَيْئَة: الرجل القصير. قال ثعلب: وسُمِّيَ الحُطَيْئَةُ لدمامته. الكسائي: عنز حنطئة بفتح النون، مثال علبطة: أي عريضة ضخمة.
[حبطأ] رجل حبنطأ وحبنطأة - وحبنطى أيضا بلا همز -: قصير سمين ضخم البطن، وكذلك المحبنطئ يهمز ولا يهمز، ويقال: هو الممتلئ غيظا.
стр. 72
أبو زيد: احبنطأ الرجل، إذا انتفخ جوفه.
[حفأ] الحَفأُ: أصل البَرْديِّ الأبيضُ الرطب وهو يؤكل.
[حكا] أحْكَأتُ العقدة وأحكيتها، أي شددتها، قال عَديُّ بن زيد يصف جارية: أَجْلَ (١) أَنَّ الله قدْ فَضَّلَكُمْ * فوق من أحْكَأَ صُلْباً بِإِزارِ هذه رواية أبي زيد، ويروى: " فوق من أَحْكَى بصُلْبٍ وإزار "، أي بحَسَبٍ وعِفَّةٍ.
[حلأ] ابن السكيت: حَلأْتُ له حلوءا، على فعول، إذا حككت له حجراً على حجر، ثم جعلت الحُكاكَةَ على كَفِّكَ، وصَدَّأْتَ به المِرْآةَ، ثمَّ كَحَلْتَه بها. والحُلاءَةُ بالضم على فُعالَة، مثل الحلوء. والحلاءة أيضا: قشرة الجلد التي يَقْشُرُها الدبَّاغُ مما يلي اللحم، تقول حَلأْتُ الجلد، إذا قشرته. وفى المثل: " حلات حالئة عن كوعِها "، لأن المرأة الصَّنَاعَ، ربما استعجلت فقشرت كوعها. والتحلئ بالكسر: ما أفسده السِّكين من
стр. 73
الجلد إذا قُشِرَ، تقول منه: حَلئَ الأَديمُ حَلأً بالتحريك، إذا صار فيه التحلئ. والحلا أيضا: العُقْبُولُ. وقد حَلِئَتْ شَفَتي، أي: بَثُرَتْ. أبو زيد: حَلأْتُه بالسوط حَلأً، إذا جلدته به، وحَلأْتُه بالسيف: ضربته به، وحَلأْتُه مائة (١) دِرهم، إذا أعطيته. وحلأْتُ الإِبِل عن الماء تحْلِئَةً وتحليئاً، إذا طَرَدْتَها عنه، ومنعتها أن تَرِدَهُ، قال الشاعر (٢) : لحائم حام حتى لا حوام به * محلا عن سبيل الماء مطرود وكذلك غير الابل. قال امرؤ القيس:
كمشى الاتان حلئت عن مناهل (٢) * ويقال: قد حلات السويق. قال الفراء: قد همزوا ما ليس بمهموز، لانه من الحلواء.
[حمأ] الحمأ: الطين الاسود، قال الله تعالى: (من حمإ مسنون) . وكذلك الحمأة بالتسكين، تقول منه:
стр. 74
حمأت البئر حمأ، بالتسكين، إذا نزعت حمأتها. وحمئت البئر حمأ، بالتحريك: كثرت حمأتها. وأحمأتها إحماء: ألقيت فيها الحمأة. عن ابن السكيت. وحمئت عليه: غضبت. عن الاموى. والحمء: كل من كان من قبح الزوج، مثل: الاخ والاب (١) ، وفيه أربع لغات، حمء بالهمز. وأنشد أبو عمرو:
تيذن فإنى حمؤها وجارها (٢) * وحما مثل قفا، وحَمو مثل أبو، وحَمٌ مثل أب، والجمع الاحماء.
[حنأ] الحنَّاءُ بالمد والتشديد معروف، والحِنَّاءَةُ أخصُّ منه. أبو زيد: حَنَّأْتُ لحيته بالحنَّاء تَحنئَةً وتحنيئاً: خضبت. والحناءتان: نقوان أحمران من رمل عالج (٣) .
[قال الطرماح: يثير نقا الحناءتين ويبتنى * به نقب إدلاج كنقب الصيادن] . (٤)
стр. 75
فصل الخاء
[خبأ] خبأت الشئ خبأ، ومنه: الخابية (١) ، وهي الحُبُّ، إلا أنّ العرب تركَتْ همزه. والخَبءُ: ما خبئ، وكذلك: الخبئ، على فعيل. وخَبْءُ السموات: القَطْرُ. وخَبْءُ الأرض: النباتُ. واخْتَبَأِتْ: استترت، وجارية مخبَّأَة، أي مستترة. والخبأة مثال الهمزة: المرأة التى تطَّلِع ثم تختبئ، قال الزِّبرقان بن بدر: " إنَّ أَبْغَضَ كنائني (٢) إلى الخبأة الطلعة. "
[ختأ] اختَتَأْتُ من فلان، أي اختَبَأْتُ منه واستترت خوفاً أو حياء. وأنشد الاخفش (٣) :