المجموع الثمين
في حكم دعاء غير رب العالمين
جمع وإعداد
الدكتور/ محمد بن عبد الله المقشي
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي لا يَقبل توحيدَ ربوبيته من العباد حتى يُفردوه بتوحيد العبادة كلَّ الإفراد، فلا يتَّخذون له ندًّا، ولا يَدْعون معه أحداً، ولا يتَّكلون إلَاّ عليه، ولا يَفزعون في كلِّ حال إلَاّ إليه، ولا يَدعونه بغير أسمائه الحسنى، ولا يتوصَّلون إليه بالشفعاء: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾.
وأشهد أن لا إله إلَاّ الله وحده لا شريك له ربًّا ومعبوداً، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، الذي أمره أن يقول: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلَاّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، وكفى بالله شهيداً، صلى الله عليه وعلى آله والتابعين له في السلامة من العيوب وتطهير القلوب عن اعتقاد كلِّ شين يشوب" (١).
وبعد: فهذه نقولٌ كثيرة أبرزناها من محالها من كلام أئمة وعلماء أجلاء من أتباع المذاهب الأربعة وغيرها في حكم دعاء غير الله تعالى، والاستغاثة عند الشدائد بالأموات من الأنبياء والأولياء والصالحين، والتوجّه إليهم، وطلب الحاجات منهم من دون الله تعالى.
علمًا بأنّ من هؤلاء الأئمة والعلماء من أجاز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين، ولكنهم فرّقوا بين التوسل بهم وبين الاستغاثة بهم. وهؤلاء العلماء فيما يتعلق بصفات الله تعالى منهم من كان على عقيدة السلف وأهل الحديث والأثر، ومنهم من كان أشعريًا، ومنهم من كان ماتريديًا.
ولم أذكر ضمن هذه النقول ما كان من نقول عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من أئمة الدعوة النجدية؛ لكثرة كلامهم في ذلك جدًا حتى ظنَّ بعضُ الناس أنّ الكلام في هذه المسألة هو من ابتداعهم وأنهم لم يُسبقوا إليه.
وقد اقتصرتُ على مجرد الجمع - وما عليّ إلا عهدة العزو- ليحكم القارئُ نفسُه بعد الاطلاع على هذه النقول على حكم ما يحصل من كثير من الناس مِن دعاء غير الله تعالى لقضاء الحاجات وانكشاف المهمات، والاستغاثة بغيره تعالى عند الشدائد والبليات.
واللهَ أسألُ أن يبارك هذا العمل، وأن يتقبله مني، وأن يجعله عملاً صالحًا، ولوجهه خالصًا، وألا يجعل لأحد فيه شيئًا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، ويرزقنا العمل به، إنه نعم المولى ونعم النصير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3
• قال الإمام نعيم بن حماد شيخ الإمام البخاري (المتوفى: ٢٢٨ هـ): "لا يستعاذ (١) بالمخلوق ولا بكلام العباد والجن والإنس والملائكة" (٢).
وفي فتح الباري: "قال نعيم بن حماد في الرد على الجهمية: دلّت هذه الأحاديث. يعني الواردة في الاستعاذة بأسماء الله وكلماته والسؤال بها ... على أن القرآن غير مخلوق؛ إذ لو كان مخلوقا لم يستعذ بها، إذ لا يستعاذ بمخلوق، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وقال النبي ﷺ : «وإذا استعذت فاستعذ بالله» " (٣).
• وقال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري (المتوفى:٣١٠ هـ) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: "يقول: أخلصوا الدعاء لله هنالك، دون أوثانهم وآلهتهم، وكان مفزعهم حينئذٍ إلى الله دونها" (٤).
وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾: "يقول تعالى ذكره: ولا تدع يا محمد من دون معبودك وخالقك شيئًا لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يضرك في دين ولا دنيا، يعني بذلك الآلهة والأصنام. يقول: لا تعبدها راجيا نفعها أو خائفًا ضرَّها، فإنها لا تنفع ولا تضر.
﴿فَإِن فَعَلْتَ﴾ ذلك، فدعوتها من دون الله ﴿فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾، يقول: من المشركين بالله، الظالمي أنفُسِهم" (٥).
стр. 4
• وقال إمام الأئمة ابن خزيمة (المتوفى:٣١١ هـ): "أفليس العلم محيطا يا ذوي الحجا أنه غير جائز أن يأمر النبي ﷺ بالتعوذ بخلق الله من شر خلقه؟
هل سمعتم عالمًا يجيز أن يقول الداعي: أعوذ بالكعبة من شر خلق الله؟ أو يجيز أن يقول: أعوذ بالصفا والمروة، أو أعوذ بعرفات ومنى من شر ما خلق الله، هذا لا يقوله ولا يجيز القول به مسلم يعرف دين الله، محال أن يستعيذ مسلم بخلق الله من شر خلقه" (١).
• وقال الإمام أبو بكر الخلال (المتوفى:٣١١) تعليقا على أحاديث الاستعاذة: "ولا يجوز أن يقال: أعيذك بالسماء أو بالجبال أو بالأنبياء أو بالملائكة أو بالعرش أو بالأرض مما خلق الله، لا يتعوذ إلا بالله أو بكلماته" (٢).
• وقال الإمام أبو عبد الله ابن بطة العُكْبَري (المتوفى: ٣٨٧ هـ) بعد ذكره لأحاديث الاستعاذة: "فتفهموا رحمكم الله هذه الأحاديث، فهل يجوز أن يعوذ النبي ﷺ بمخلوق، ويتعوذ هو ويأمر أمته أن يتعوذوا بمخلوق مثلهم؟!
وهل يجوز أن يعوذ إنسان نفسه أو غيره بمخلوق مثله؟! فيقول: أعيذ نفسي بالسماء أو بالجبال أو بالأنبياء أو بالعرش أو بالكرسي أو بالأرض؟.
وإذا جاز أن يتعوذ بمخلوق مثله، فليعوذ نفسه وغيره بنفسه، فيقول: أعيذك بنفسي" (٣).
• وقال الإمام أبو سليمان الخطابي (المتوفى:٣٨٨): "وكان أحمد بن حنبل يستدل بقوله «بكلمات الله التامة» على أن القرآن غير مخلوق، وهو أن رسول الله ﷺ لا يستعيذ بمخلوق" (٤).
وقال أيضًا: "لا يستعاذ بغير الله أو صفاته، إذ كل ما سواه تعالى وصفاته مخلوق، ... والاستعاذة بالمخلوق شرك مناف لتوحيد الخالق لما فيه من تعطيل معاملته تعالى الواجبة له على عبيده" (٥).
стр. 5
وقال أيضًا: "ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربه العناية، واستمداده إياه المعونة، وحقيقته: إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة، وهو سمة العبودية، واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله ، وإضافة الجود والكرم إليه" (١).
• وقال الإمام أبو عبد الله الحليمي (المتوفى:٤٠٣ هـ): "والدعاء من جملة التخشع والتذلل؛ لأن كل من سأل ودعا فقد أظهر الحاجة وباح بها، واعترف بالذلة والفقر والفاقة لمن يدعوه لمن يدعوه ويسأله، فكان ذلك في العبد نظير العبادات التي يتقرب بها إلى الله عزّ اسمه" (٢).
وذكر أنه لما كان الدعاء سؤالا وطلبا وجب تجريد الطلب؛ لأنه أخشع من خلافه، فإن الطلب إذا كان تذللاً فكل ما كان منه أخلص وأبين كان التذلل فيه أشد" (٣).
وقال أيضًا: الغياث: هو المغيث، وأكثر ما يقال غياث المستغيثين, ومعناه المدرك عباده في الشدائد إذا دعوه, ومريحهم ومخلصهم" (٤).
• وقال الحافظ البيهقي (المتوفى: ٤٥٨): "فاستعاذ رسول الله ﷺ ، وأمر أن يستعاذ في هذه الأخبار بكلمات الله تعالى، كما أمره الله تعالى جل ثناؤه أن يستعيذ به، ... ولا يصح أن يستعيذ بمخلوق من مخلوق، فدل أنه استعاذ بصفة من صفات ذاته، وأمر أن يستعاذ بصفة من صفات ذاته، وهي غير مخلوقة كما أمره الله تعالى أن يستعيذ بذاته، وذاته غير مخلوق" (٥).
• وسئل القاضي أبو يعلى ابن الفراء الحنبلي (المتوفى: ٤٥٨) عن مسائل عديدة وردت عليه من مكة وكان منها: ما تقول في قول الإنسان إذا عثر: (محمد أو علي)؟
فقال: إن قصد الاستعانة فهو مخطئ؛ لأن الغوث من الله تعالى فقال: وهما ميتان فلا يصح الغوث منهما، ولأنه يجب تقديم الله على غيره" (٦).
стр. 6
• وقال الحافظ ابن عبد البر (المتوفى: ٤٦٣): "وفي الاستعاذة بكلمات الله أبين دليل على أنّ كلام الله منه تبارك اسمه، وصفة من صفاته، ليس بمخلوق؛ لأنه محال أن يستعاذ بمخلوق. وعلى هذا جماعة أهل السنة. والحمد لله" (١).
• وقال أبو القاسم القشيري (المتوفى: ٤٦٥) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً﴾ قال: " «إِلهاً آخَرَ» في الظاهر عبادة الأصنام المعمولة من الأحجار، المنحوتة من الأشجار. وكما تتصف بهذا النفوس والأبشار فكذلك توهّم المبارّ والمضارّ من الأغيار شرك" (٢).
• وقال أبو المظفر السمعاني (المتوفى: ٤٨٩) عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾: "أَي: قَالُوا مَا نعبدهم، أَو يَقُولُونَ: مَا نعبدهم أَي: مَا نعْبد الْمَلَائِكَة ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أَي: الْقرْبَة. وَمعنى الْآيَة: أنهم يشفعون لنا عِنْد الله" (٣).
وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يشفع عِنْده إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾: "لأنهم زعموا أن الملائكة والأصنام يشفعون لهم" (٤).
• وقال الراغب الأصفهاني (المتوفى: ٥٠٢): "العبودية: إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها؛ لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال، وهو الله تعالى، ولهذا قال: ﴿أ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاهُ﴾ " (٥).
وقال أيضًا: "ودَعَوتُه: إذا سألته، وإذا استغثته، قال تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾، أي: سله، وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾، تنبيها أنكم إذا أصابتكم شدة لم تفزعوا إلا إليه، ﴿وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾، ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ﴾، ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ﴾، ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ " (٦).
• وقال الإمام أبو حامد الغزالي (المتوفى:٥٠٥): "المؤمن لا يجعل بينه وبين الله تعالى وسائط في الطلب، قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ " (٧).
стр. 7
• وقال الإمام البغوي (المتوفى: ٥١٠، أو ٥١٦ هـ) عند تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى): "قال قتادة: وذلك إنهم كانوا إذا قيل لهم: من ربكم؟ ومن خلقكم؟ ومن خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله، فيقال لهم: فما معنى عبادتكم الأوثان؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى، أي قربى، وهو اسم أقيم في مقام المصدر، كأنّه قال: إلا ليقربونا إلى الله تقريبا ويشفعوا لنا عند الله" (١).
وقال أيضًا عند شرحه لحديث «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»: "وفي هذا الحديث وفي أمثاله مما جاء فيه الاستعاذة بكلمات الله دليل على أن كلام الله غير مخلوق، لأن النبي ﷺ استعاذ به كما استعاذ بالله، ... ولم يكن النبي ﷺ يستعيذ بمخلوق من مخلوق" (٢).
وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾: "فكان من إيمانهم إذا سئلوا: من خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله، وإذا قيل لهم: من ينزل القطر؟ قالوا: الله، ثم مع ذلك يعبدون الأصنام ويشركون ...
وقال عطاء: هذا في الدعاء، وذلك أنّ الكفار نسوا ربهم في الرخاء، فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء" (٣).
• وقال ابن عقيل إمام الحنابلة ببغداد في زمنه (المتوفى:٥١٣): "لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم؛ إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم. قال: وهم كفار عندي بهذه الأوضاع مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى الشرع عنه من إيقاد النيران وتقبيلها وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ التراب تبركا وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال اليها وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى، ولا تجد في هؤلاء من يحقق مسألة في زكاة فيسأل عن حكم يلزمه، والويل عندهم لمن لم يقبِّل مشهد الكهف ولم يتمسح بآجرة مسجد المأمونية يوم الأربعاء ... " (٤).
وقال أيضًا: "قد سمعنا منهم أن الدعاء عند حدو الحادي وعند حضور المخدّة مجاب، وذلك أنهم يعتقدون أنه قربة يتقرب بها إلى الله تعالى، قال: وهذا كفر؛ لأن من اعتقد الحرام أو المكروه قربة كان بهذا الاعتقاد كافراً، قال: والناس بين تحريمه وكراهيته" (٥).
стр. 8
• وقال ابن مفلح: "وفي الفنون: لا يخلّق القبور بالخلوق والتزويق والتقبيل لها والطواف بها والتوسل بهم إلى الله قال: ولا يكفيهم ذلك حتى يقولوا بالسر الذي بينك وبين الله. وأي شيء من الله يسمى سرا بينه وبين خلقه. قال: ويكره استعمال النيران والتبخير بالعود والأبنية الشاهقة الباب سموا ذلك مشهدا. واستشفوا بالتربة من الأسقام وكتبوا إلى التربة الرقاع ودسوها في الأثقاب، فهذا يقول جمالي قد جَربِت، وهذا يقول: أرضي قد أجدبت، كأنهم يخاطبون حيا ويدعون إلها" (١).
• وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي (المتوفى: ٥٢٠): "فانظروا - رحمكم الله - أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، وينوطون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط، فاقطعوها" (٢).
• وقال قوام السنة الأصبهاني الشافعي (المتوفى: ٥٣٥): "ومن أسمائه: الوهاب: يهب العافية، ولا يقدر المخلوق أن يهبها. ويهب القوة ولا يقدر المخلوق أن يهبها، تقول: يا رب هب لي العافية ولا تسأل مخلوقا ذلك، وإن سألته لم يقدر عليه، وتقول عند ضعفك: يا رب هب لي قوة، والمخلوق لا يقدر على ذلك" (٣).
• وقال الإمام أبو عبد الله المازري المالكي (المتوفى:٥٣٦): "من علامات الموحدين التوجه إلى السماء عند الدعاء وطلب الحوائج؛ لأنّ العرب التي تعبد الأصنام تطلب حوائجها من الأصنام، والعجم من النيران" (٤).
• وقال أبو الفتح الشهرستاني الشافعي (المتوفى: ٥٤٨): "وبالجملة وضع الأصنام حيث ما قدروه إنما هو على معبود غائب حتى يكون الصنم المعمول على صورته وشكله وهيأته نائبا منابه وقائما مقامه، وإلا فنعلم قطعا أنّ عاقلاً مّا لا يَنحت جسمًا بيده ويصوره صورة، ثم يعتقد أنه إلهه وخالقه، وإله الكل وخالق الكل؛ إذ كان وجوده مسبوقا بوجود صانعه، وشكله يحدث بصنعة ناحته.
стр. 9
لكن القوم لما عكفوا على التوجه إليها، كان عكوفهم ذلك عبادة، وطلبهم الحوائج منها إثبات إلهية لها. وعن هذا كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، فلو كانوا مقتصرين على صورها في اعتقاد الربوبية والإلهية لما تعدوا عنها إلى رب الأرباب" (١).
• وقال الشيخ العارف عبد القادر الجيلاني (المتوفى:٥٦١) لولده عند مرض موته: "لا تخف أحداً ولا ترجه, وأوكل الحوائج كلها إلى الله, واطلبها منه, ولا تثق بأحد سوى الله , ولا تعتمد إلا عليه سبحانه. التوحيد التوحيد التوحيد. وجماع الكل التوحيد" (٢).
وقال أيضًا: "يا من يشكو إلى الخلق مصائبه، إيش ينفعك شكواك إلى الخلق، لا ينفعونك ولا يضرونك، وإذا اعتمدت عليهم وأشركت في باب الحق يبعدونك، وفي سخطه يوقعونك، وعنه يحجبونك" (٣).
وقال أيضًا: "لا تدعو مع الله أحد كما قال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ".
وقال أيضًا: "ينبغي لكل مسلم موحّد أن لا يتكل إلا على الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يعتقد التصرف إلا لله" (٤).
• وقال الفخر الرازي (المتوفى: ٦٠٦) أثناء كلامه عن كيف قال المشركون في الأصنام إنها شفعاؤنا عند الله: "أنهم وضعوا هذه الأصنام والأوثان على صور أنبيائهم وأكابرهم، وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيل، فإن أولئك الأكابر تكون شفعاء لهم عند الله تعالى.
ونظيره في هذا الزمان اشتغال كثير من الخلق بتعظيم قبور الأكابر، على اعتقاد أنهم إذا عظّموا قبورهم فإنهم يكونون شفعاء لهم عند الله" (٥).
стр. 10
وقال أيضًا: "واعلم أنّ الكفار أوردوا على هذا الكلام سؤالاً فقالوا: نحن لا نعبد هذه الأصنام لاعتقاد أنها آلهة تضر وتنفع، وإنما نعبدها لأجل أنها تماثيل لأشخاص كانوا عند الله من المقربين فنحن نعبدها لأجل أن يصير أولئك الأكابر شفعاء لنا عند الله.
فأجاب الله تعالى بأن قال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلَا يَعْقِلُونَ﴾. وتقرير الجواب أنّ هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا بتلك الشفاعة من هذه الأصنام، أو من أولئك العلماء والزهاد الذين جُعلت هذه الأصنام تماثيل لها، والأول باطل؛ لأن هذه الجمادات وهي الأصنام لا تملك شيئاً ولا تعقل شيئاً فكيف يعقل صدور الشفاعة عنها.
والثاني باطل؛ لأن في يوم القيامة لا يملك أحد شيئاً ولا يقدر أحد على الشفاعة إلا بإذن الله، فيكون الشفيع في الحقيقة هو الله الذي يأذن في تلك الشفاعة، فكان الاشتغال بعبادته أولى من الاشتغال بعبادة غيره، وهذا هو المراد من قوله تعالى ﴿قُل لِلَّهِ الشَّفَاعَة جَمِيعاً﴾ " (١).
وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: "فإن فعلتَ فإنك إذًا من الظالمين، يعني لو اشتغلت بطلب المنفعة والمضرة من غير الله فأنت من الظالمين، لأنّ الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه، فإذا كان ما سوى الحق معزولا عن التصرف، كانت إضافة التصرف إلى ما سوى الحق وضعا للشيء في غير موضعه فيكون ظلما" (٢).
وذَكَرَ أيضًا أن المقصود من الدعاء "إظهار العبودية والذلة والانكسار والرجوع إلى الله بالكلية" (٣).
وقال أيضًا: "وقال الجمهور الأعظم من العقلاء: إن الدعاء أهم مقامات العبودية" (٤).
وقال أيضًا: "وعن النعمان بن بشير أنه ﵇ قال: «الدعاء هو العبادة» وقرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، فقوله: «الدعاء هو العبادة» معناه أنه معظم العبادة، وأفضل العبادة، كقوله ﵇ «الحج عرفة» أي الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم" (٥).
стр. 11
وقال أيضًا: "في هذه الآية قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ولم يقل: فقل إني قريب، فتدل على تعظيم حال الدعاء من وجوه الأول: كأنه يقول: عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت الدعاء، أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك ...
والرابع: أن الداعي ما دام يبقى خاطره مشغولا بغير الله فإنه لا يكون داعيا له، فإذا فني عن الكل صار مستغرقا في معرفة الأحد الحق، فامتنع من أن يبقى في هذا المقام ملاحظا لحقه وطالبا لنصيبه، فلما ارتفعت الوسائط بالكلية، فلا جرم حصل القرب فإنه ما دام يبقى العبد ملتفتا إلى غرض نفسه لم يكن قريبا من الله تعالى، لأن ذلك الغرض يحجبه عن الله، فثبت أن الدعاء يفيد القرب من الله، فكان الدعاء أفضل العبادات" (١).
وقال أيضًا: "اعلم أنه تعالى لما بين أن القول بالقيامة حق وصدق، وكان من المعلوم بالضرورة أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة الله تعالى، لا جرم كان الاشتغال بالطاعة من أهم المهمات، ولما كان أشرف أنواع الطاعات الدعاء والتضرع، لا جرم أمر الله تعالى به في هذه الآية فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ " (٢).
وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِه إِلا إِنَاثًا﴾: "معنى يعبدون؛ لأنّ من عبد شيئاً فإنه يدعوه عند احتياجه إليه" (٣).
• وقال أبو السعادات ابن الأثير (المتوفى: ٦٠٦): "وإنما كان [أي: الدعاء] مخها [أي: العبادة] لأمرين: أحدهما: أنه امتثال أمر الله تعالى حيث قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فهو محض العبادة وخالصها.
الثاني: أنه إذا رأى نجاح الأمور من الله قطع أمله عما سواه ودعاه لحاجته وحده. وهذا هو أصل العبادة" (٤).
• وقال سلطان العلماء العز بن عبد السلام (المتوفى: ٦٦٠) في جوابه عن حكم الإقسام على الله تعالى بمعظَّم في الدعاء: "قد جاء في بعض الأحاديث أن رسول الله ﷺ عَلّم بعض الناس الدعاء فقال في أوله: «قل اللهم إني أقسم عليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة»، وهذا الحديث إن صح فينبغي أن يكون مقصوراً على رسول الله؛ لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله تعالى بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء، لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خُص به تنبيهاً على علو درجته ومرتبته" (٥).
стр. 12
• وقال الحافظ أبو شامة المقدسي الشافعي (المتوفى:٦٦٥): "ثم هذه البدع المستقبحة والمحدثات تنقسم قسمين: قسم تعرف العامة والخاصة أنه بدعة إما محرمة وإما مكروهة.
وقسم يظنه معظمهم إلا من عصم عبادات وقربا وطاعات وسننا.
فأما فالقسم الأول فلا نطيل بذكره؛ إذ قد كفينا مؤنة الكلام فيه لاعتراف فاعله أنه ليس من الدين ...
وبهذه الطرق وأمثالها كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها.
ومن هذا القسم أيضًا ما قد عمّ الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد وسرح مواضع مخصومة في كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ممن اشتهر بالصلاح والولاية فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسننه ويظنون أنهم متقربون بذلك.
ثم يتجاوزون هذا الى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي من بين عيون وشجر وحائط وحجر، وفي مدينة دمشق صانها الله تعالى من ذلك مواضع متعددة كعوينة الحمى خارج باب توما والعمود المخلق داخل باب الصغير والشجرة الملعونة اليابسة خارج باب النصر في نفس قارعة الطريق، سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها، فما أشببها بذات أنواط الواردة في الحديث" (١).
• وقال أبو عبد الله القرطبي (المتوفى: ٦٧١): "ولا خفاء أنّ الاستعاذة بالجن دون الاستعاذة بالله كفر وشرك" (٢).
وقال أيضًا عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾: "فدل هذا على أن الدعاء هو العبادة. وكذا قال أكثر المفسرين" (٣).
وقال أيضًا عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾: "قوله تعالى: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ﴾ أي إن تستغيثوا بهم في النوائب لا يسمعوا دعاءكم، لأنها جمادات لا تبصر ولا تسمع. ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ إذ ليس كل سامع ناطقا. وقال قتادة: المعنى لو سمعوا لم ينفعوكم. وقيل: أي لو جعلنا لهم عقولا وحياة فسمعوا دعاءكم لكانوا أطوع لله منكم، ولما استجابوا لكم على الكفر.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي يجحدون أنكم عبدتموهم، ويتبرؤون منكم.
стр. 13
ثم يجوز أن يرجع هذا إلى المعبودين مما يعقل، كالملائكة والجن والأنبياء والشياطين، أي يجحدون أن يكون ما فعلتموه حقا، وأنهم أمروكم بعبادتهم، كما أخبر عن عيسى بقوله: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ ويجوز أن يندرج فيه الاصنام أيضا، أي يحييها الله حتى تخبر أنها ليست أهلا للعبادة" (١).
• وقال العلامة أبو عبد الله الرازي الحنفي (المتوفى: ٦٦٦): "ويحرم قوله في الدعاء: أسألك بمقعد العز من عرشك، وبحق العز من عرشك، وبحق فلان وبحق النبي ﷺ " (٢).
• وقال الإمام النووي (المتوفى: ٦٧٦): "وقوله ﷺ «إذا سألت فاسأل الله» إشارة إلى أنّ العبد لا ينبغي أن يعلق سرّه بغير الله، بل يتوكل عليه في سائر أموره، ثم إن كانت الحاجة التي يسألها لم تجر العادة بجريانها على أيدي خلقه كطلب الهداية والعلم والفهم في القرآن والسنة وشفاء المرض وحصول العافية من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة، سأل ربه ذلك.
وإن كانت الحاجة التي يسألها جرت العادة أن الله يجريها على أيدي خلقة، كالحاجات المتعلقة بأصحاب الحرف والصنائع وولاة الأمور، سأل الله تعالى أن يعطف عليه قلوبهم فيقول: اللهم أحنن علينا قلوب عبادك وإمائك وما أشبه ذلك" (٣).
• وقال الإمام القرافي المالكي (المتوفى:٦٨٤) بعد أن ذكر بعض الأدعية التي هي كفر: "فينبغي للسائل أن يحذر هذه الأدعية وما يجري مجراها حذرا شديدا لما تؤدي إليه من سخط الديان والخلود في النيران وحبوط الأعمال وانفساخ الأنكحة واستباحة الأرواح والأموال، وهذا فساد كله يتحصل بدعاء واحد من هذه الأدعية، ولا يرجع إلى الإسلام ولا ترتفع أكثر هذه المفاسد إلا بتجديد الإسلام والنطق بالشهادتين، فإن مات على ذلك كان أمره كما ذكرناه، نسأل الله تعالى العافية من موجبات عقابه، وأصل كل فساد في الدنيا والآخرة إنما هو الجهل فاجتهد في إزالته عنك ما استطعت، كما أنّ أصل كل خير في الدنيا والآخرة إنما هو العلم فاجتهد في تحصيله ما استطعت، والله تعالى هو المعين على الخير كله" (٤).
• وقال القاضي ناصر الدين البيضاوي (المتوفى: ٦٨٥): "إنما حكم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمَّى عبادة من حيث إنه يدل على أن فاعله مقبل بوجهه إلى الله، معرض عما سواه لا يرجو ولا يخاف إلا منه" (٥).
стр. 14
• وقال العلامة علي بن داود ابن العطار تلميذ الإمام النووي (المتوفى: ٧٢٤): "قوله «إذا سألت فاسأل الله» معناه الأمر بالإخلاص وترك الاعتماد على الوسائط" (١).
• وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (المتوفى: ٧٢٨): "فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين" (٢).
ونَقَلَ هذا الإجماع عن الإمام ابن تيمية غيرُ واحد مقررين له، منهم ابن مفلح (المتوفى: ٧٦٣) في كتابه الفروع (١٠/ ١٨٨)، والمرداوي (المتوفى: ٨٨٥) في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (١٠/ ٣٢٧)، والحجاوي (المتوفى: ٩٦٨) في الإقناع (٤/ ٢٩٧)، والبهوتي (المتوفى: ١٠٥١) في كشاف القناع (٦/ ١٦٨)، والرحيباني (المتوفى: ١٢٤٣) في مطالب أولي النهى (٦/ ٢٧٩)، وابن ضويان (المتوفى: ١٣٥٣) في منار السبيل (٢/ ٤٠٥)، وابن قاسم (المتوفى: ١٣٩٢) في حاشية الروض المربع (٧/ ٤٠٠).
ونقل هذا الإجماع أيضاً وأقرّه الفقيه ابنُ حجر الهيتمي في الإعلام بقواطع الإسلام (ص: ٢٩٢) ولكن نقله عن ابن مفلح لا عن شيخ الإسلام ابن تيمية.
وقال أيضا: "فكل من غلا في حي أو في رجل صالح كمثل علي ﵁ أو عدي أو نحوه أو فيمن يعتقد فيه الصلاح كالحلاج أو الحاكم الذي كان بمصر أو يونس القتي ونحوهم، وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول: كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده، أو يقول إذا ذبح شاة: باسم سيدي، أو يعبده بالسجود له أو لغيره، أو يدعوه من دون الله تعالى، مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغفر لي أو ارحمني أو انصرني أو ارزقني أو أغثني أو أجرني، أو توكلت عليك أو أنت حسبي أو أنا في حسبك، أو نحو هذه الأقوال والأفعال التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله تعالى، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لنعبد الله وحده لا شريك له، ولا نجعل مع الله إلها آخر" (٣).
وقال أيضا: "والذين كانوا يدعون مع الله آلهة أخرى - مثل: الشمس والقمر والكواكب والعزير والمسيح والملائكة واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ويغوث ويعوق ونسر أو غير ذلك- لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو أنها تنزل المطر أو أنها تنبت النبات وإنما كانوا يعبدون الأنبياء والملائكة والكواكب والجن والتماثيل المصورة لهؤلاء، أو يعبدون قبورهم ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. ويقولون: هم شفعاؤنا عند الله، فأرسل الله رسله تنهى أن يُدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة" (٤).
стр. 15
وقال أيضًا: "فإنّ المسلمين متفقون على ما علموه بالاضطرار من دين الإسلام أن العبد لا يجوز له أن يعبد ولا يدعو ولا يستغيث ولا يتوكل إلا على الله، وأنّ مَن عبد ملكا مقربا أو نبيا مرسلا، أو دعاه أو استغاث به فهو مشرك.
فلا يجوز عند أحد من المسلمين أن يقول القائل: يا جبرائيل أو يا ميكائيل أو يا إبراهيم أو يا موسى أو يا رسول الله اغفر لي أو ارحمني أو ارزقني أو انصرني أو أغثني أو أجرني من عدوي أو نحو ذلك، بل هذا كله من خصائص الإلهية" (١).
وقال أيضا: "وأما حقوق رسول الله - بأبي هو وأمي - مثل تقديم محبته على النفس والأهل والمال، وتعزيره وتوقيره وإجلاله وطاعته واتباع سنته وغير ذلك فعظيمة جدا، وكذلك مما يشرع التوسل به في الدعاء كما في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه أن النبي ﷺ علّم شخصا أن يقول: «اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها، اللهم فشفعه فيّ»، فهذا التوسل به حسن.
وأما دعاؤه والاستغاثة به فحرام.
والفرق بين هذين متفق عليه بين المسلمين.
المتوسِّل إنما يدعو الله ويخاطبه ويطلب منه لا يدعو غيره إلا على سبيل استحضاره لا على سبيل الطلب منه، وأما الداعي والمستغيث فهو الذي يسأل المدعو ويطلب منه ويستغيثه ويتوكل عليه" (٢).
وقال أيضًا: "والاستغاثة بالميت والغائب سواء كان نبيًا أو وليًا ليس مشروعًا ولا هو من صالح الأعمال؛ إذ لو كان مشروعا أو حسنا من العمل لكانوا به أعلم وإليه أسبق، ولم يصح عن أحد من السلف أنه فعل ذلك، فكلام هؤلاء يقتضي جواز سؤال الميت والغائب، وقد وقع دعاء الأموات والغائبين لكثير من جهال الفقهاء والمفتين حتى لأقوام فيهم زهد وعبادة ودين، ترى أحدهم يستغيث بمن يحسن به الظن حيًا كان أو ميتًا، وكثير منهم تتمثل له صورة المستغاث به وتخاطبه وتقضي بعض حوائجه وتخبره ببعض الأمور الغائبة، ويظن الغرّ أنه المستغاث به، أو أن ملكًا جاء على صورته، وإنما هي شياطين تمثلت له به وخيالات باطلة، فتراه يأتي قبر من يحسن به الظن إن كان ميتًا فيقول: يا سيدي فلان أنا في حسبك، أنا في جوارك، أنا في جاهك قد أصابني كذا وجرى عليّ كذا، ومقصوده قضاء حاجته إما من الميت أو به.
ومنهم من يقول للميت: اقض ديني واغفر ذنبي وتب علي. ومنهم من يقول: سل لي ربك. ومنهم من يذكر ذلك في نظمه ونثره.
ومنهم من يقول: يا سيدي الشيخ فلان، أو يا سيدي رسول الله نشكو إليك ما أصابنا من العدو وما نزل بنا من المرض وما حل بنا من البلاء، ومنهم من يظن أن الرسول أو الشيخ يعلم ذنوبه وحوائجه وإن لم يذكرها وأنه يقدر على غفرانها وقضاء حوائجه، ويقدر على ما يقدر عليه الله ويعلم ما يعلمه الله.
стр. 16
وهؤلاء قد رأيتهم وسمعت هذا منهم ومن شيوخ يُقتدى بهم ومفتين وقضاة ومدرسين.
ومعلوم أن هذا لم يفعله أحد من السلف ولا شرع الله ذلك ولا رسوله ولا أحد من الأئمة، ولا مع من يفعل ذلك حجة شرعية أصلا، بل من فعل ذلك كان شارعا من الدين ما لم يأذن به الله؛ فإن هذا الفعل منه ما هو كفر صريح، ومنه ما هو منكر ظاهر، سواء قدّر أن الميت يسمع الخطاب كما إذا خوطب من قريب، أو قدر أنه لا يسمعه كما إذا خوطب من بعيد، فإن مجرد سماع الميت للخطاب لا يستلزم أنه قادر على ما يطلب الحي منه، وكونه قادرا عليه لا يستلزم أنه شُرع لنا أن نسأله ونطلب منه كل ما يقدر عليه، فليس لنا في حياة الرسل أن نسألهم كل ما يمكنهم فعله، بل ولا نسأل الله تعالى كل ما يمكنه فعله، بل الدعاء عبادة شرعية فكيف يجوز أن نسألهم ذلك بعد مماتهم، وليس لنا أن نسألهم كل ما يقدر الله عليه من المفعولات ليسألوا ربهم إياه كما سأل قومُ موسى موسى أن يريهم الله جهرة وسألوا المسيح إنزال المائدة وسألوا صالحا الناقة وسألوا الأنبياء الآيات.
فلو قال قائل: سؤال الغائب حيًا وميتًا كسؤال الشاهد؛ فإن الأنبياء والأولياء يسمعون خطاب الغائب البعيد، ويسمع أحدهم خطاب الناس البعيدين له.
قلنا: هذا محال في العادة المعروفة، وإذا وقع ذلك في بعض الصور كان من باب خرق العادة، والعادة قد تخرق بأن يسمع الأدنى خطاب الأعلى كما سمع ساريةُ خطاب عمر: يا سارية الجبل يا سارية الجبل.
ويجوز خرق العادة بالعكس، لكن إثبات هذا في حق معين لا يكون إلا بحجة تدل على وقوع ذلك في حقه" (١).
وقال أيضًا: "ومن الذي قال: إن السائل بمخلوق والداعي له والمستغيث به نبيًا كان المدعو أو غير نبي يكون المخلوق المستغاث به وسيلة إلى الله تعالى في ما طُلب منه، وهذا أمر مخالف للعقل واللغة والشرع. فمن الذي جعل الطلب من هذا وسيلة في الطلب من هذا في كل شيء وعلى كل حال؟! " (٢).
стр. 17
وقال أيضًا: "الوجه الخامس: أن يقال: نحن لا ننازع في إثبات ما أثبته الله من الأسباب والحكم، لكن من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سببا في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى؟.
ومن الذي قال: إنك إذا استغثت بميت أو غائب من البشر نبيًا كان أو غير نبي كان ذلك سببا في حصول الرزق والنصر والهدى وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى؟ ومن الذي شرع ذلك وأمر به؟ ومن الذي فعل ذلك من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين؟
فإن هذا المقام يحتاج إلى مقدمتين:
إحداهما: أنّ هذه أسباب لحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى.
و الثانية أن هذه الأسباب مشروعة لا يحرم فعلها، فإنه ليس كل ما كان سببا كونيًا يجوز تعاطيه، فإن قتل المسافر قد يكون سببًا لأخذ ماله، وكلاهما محرم.
والدخول في دين النصارى قد يكون سببًا لمال يعطونه له وهو محرم، وشهادة الزور قد تكون سببا لمال يؤخذ من المشهود له وهو حرام، وكثير من الفواحش والظلم قد يكون سببا لنيل مطالب وهو محرم، والسحر والكهانة سبب في بعض المطالب وهو محرم.
وكذلك الشرك في مثل دعوة الكواكب والشياطين وعبادة البشر قد يكون سببًا لبعض المطالب، وهو محرم، فإن الله تعالى حرم من الأسباب ما كانت مفسدته راجحة على مصلحته وإن كان يحصل به بعض الأغراض أحيانًا.
وهذا المقام مما يظهر به ضلال هؤلاء المشركين خلقا وأمرًا، فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية على أن الله شرع لخلقه أن يسألوا ميتًا أو غائبًا، وأن يستغيثوا به، سواء كان ذلك عند قبره أو لم يكن عند قبره، والله تعالى حي عالم قادر لا يغيب، كفى به شهيدًا، وكفى به عليمًا، وهم لا يقدرون على ذلك.
بل نقول في الوجه السادس: سؤال الميت والغائب نبيًا كان أو غيره من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين.
وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين المسلمين أنّ أحدا منهم ما كان يقول إذا نزلت به ترة أو عرضت له حاجة لميت: يا سيدي فلان أنا في حسبك، أو اقض حاجتي كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى و الغائبين.
ولا أحد من الصحابة ﵃ استغاث بالنبي ﷺ بعد موته ولا بغيره من الأنبياء لا عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها، وقد كانوا يقفون تلك المواقف العظام في مقابلة المشركين في القتال ويشتد البأس بهم و يظنون الظنون، ومع هذا لم يستغث أحد منهم بنبي ولا غيره من المخلوقين، ولا أقسموا بمخلوق على الله أصلا" (١).
стр. 18
وقال أيضًا: "والمقصود هنا أن المعترض المحتج لم يحرر أدلته تحريرا ينفي عنها الإجمال والالتباس حتى يتبين ما فيها من الضلال والإضلال لجميع الناس، بل قال: لم يزل الناس يفهمون معنى الاستغاثة بالشخص قديما وحديثا، وأنه يصح إسنادها إلى المخلوقين.
وهذا كلام صحيح، لكن يقال له: لم يزل الناس يفهمون أنها طلب من المستغاث به أو طلب من غيره به؟
والثاني لا سبيل إليه، والأول لم ينازع فيه أحد إذا طلب من المستغاث ما شُرع طلبه منه مما يقدر عليه؛ إذ لا يقدر أحد على الأشياء كلها إلا الله وحده، والمخلوق له حال يخصه ويليق به.
فإن هنا أربعة معاني:
أحدها: أن يسأل الله تفريج الكربة بالمتوسَّل به، ولا يسأل المتوسّل به شيئا كما يفعله كثير ممن يتوسل بالأموات.
أو أن يسأل الله ويسأل المتوسل به أن يدعو كما كان الصحابة يتوسلون بالنبي ﷺ في الاستسقاء، ثم من بعده بعمه العباس وبيزيد بن الأسود الجرشي وغيرهما.
والثالث: أن يسأل المتوسَّل به أن يسأل الله له تفريج الكربة، ولا يسأل الله.
والرابع: أن يسأل المستغاث به أن يفرج الكربة، ولا يسأل الله.
فأما الأول: فهو سائل لله وحده ومستغيث به، وليس مستغيثا بالمتوسل به إلا أن يريد بالاستغاثة السؤال به.
وأما الثاني: فهو استغاثة بالله في تفريج الكربة، واستغاثة بالشفيع أن يسأل الله، هو توسل به أي بدعائه وشفاعته، وهذا هو المشروع في الدنيا والآخرة في حياة الشفيع وسؤاله، أو في حال مشاركة الشفيع له في السؤال لا في حال انفراده هو بالسؤال.
وكذلك الثالث إذا سأل المتوسل به أن يسأل الله كما يسأله الناس يوم القيامة، فهذا لا ريب في جوازه وإن سمي استغاثة به.
وأما الرابع: وهو أن يسأل المستغاث به تفريج الكربة، فهذا استغاثة به ليس توسلا به، بل المستغاث به مطلوب منه الفعل، فإن لم يكن قادرا عليه لم يجز أن يطلب منه ما لا يقدر عليه.
فالأول سؤال به، وليس استغاثة أصلا، وبعض الناس يسميه توسلا به.
والثاني: فيه استغاثة به وتوسل به.
والثالث: فيه استغاثة في سؤال الله، وليس فيه سؤال به.
والرابع: استغاثة في تفريج الكربة، لكن لا يجوز ذلك من ميت ولا غائب ولا من حي حاضر إلا فيما يقدر عليه خاصة، وليس هذا هو التوسل به والتوجه المشروع الذي كانت الصحابة تفعله، إنما كان بدعائه وشفاعته، ولا ريب أن من سأل الله تفريج الكربة بواسطة سؤال النبي ﷺ وشفاعته فقد استغاث به، وهذا جائز كما كان الناس يفعلونه في حياته، وكما يفعلونه في الآخرة في حياته أيضا، ولكن هذا ليس مشروعا بعد موته ولم يفعله أحد من الصحابة بعد موته.
стр. 19
ومن ذهب إلى الاستغاثة بالموتى فقد شرع له دينًا لم يؤذن له به، وليس معه في الاستغاثة بهم سوى فعل بعض المتأخرين وكلامهم ممن ليس هو معدود من أهل الإجماع والاختلاف، فليس معه تقليد المقلدين ولا اجتهاد المجتهدين، ومن ابتدع بدعة في الدين بدون اجتهاد أهل الاجتهاد أو التقليد لأهل الاجتهاد كان من أهل الضلال والغي لا من أهل الهدى والرشاد.
وأما السؤال بهم فغاية ما معه فيه قول بعض العلماء مع منازعة غيره له فيه وقد قال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾، وقد نص غير واحد من العلماء على أنه لا يجوز السؤال لله بالأنبياء والصالحين فكيف بالاستغاثة بهم، مع أن الاستغاثة بالميت والغائب مما لا نعلم بين أئمة المسلمين نزاع في أن ذلك من أعظم المنكرات، ومن كان عالما بآثار السلف علم أن أحدا منهم لم يفعل هذا، وإنما كانوا يستشفعون ويتوسلون بهم بمعنى أنهم يسألون الله لهم مع سؤالهم هم لله، فيدعو الشافع والمشفوع له كما قال
عمر بن الخطاب: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا» " (١).
وقال أيضًا: "فإن المستغيث بالنبي ﷺ طالب منه وسائل له، والمتوسَّل به لا يُدعى ولا يُطلب منه ولا يُسأل، وإنما يُطلب به، وكل أحد يفرِّق بين المدعو والمدعو به.
والاستغاثة طلب الغوث وهو إزالة الشدة كالاستنصار طلب النصر والاستعانة طلب العون، والمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه منها ...
وقول القائل: إنّ من توسل إلى الله بنبي، فقال: أتوسل إليك برسولك فقد استغاث برسوله حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم، قد كذب عليهم، فما يعرف هذا في لغة أحد من بني آدم، بل الجميع يعلمون أن المستغاث مسؤول [به] مدعو، ويفرّقون بين المسؤول والمسؤول به" (٢).
وقال أيضًا: "وأما من يأتي إلى قبر نبي أو صالح، أو من يعتقد فيه أنه قبر نبي أو رجل صالح وليس كذلك، ويسأله ويستنجده فهذا على ثلاث درجات:
إحداها: أن يسأله حاجته مثل أن يسأله أن يزيل مرضه أو مرض دوابه أو يقضي دينه أو ينتقم له من عدوه أو يعافي نفسه وأهله ودوابه ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله ، فهذا شرك صريح يجب أن يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل.
وإن قال: أنا أسأله لكونه أقرب إلى الله مني ليشفع لي في هذه الأمور؛ لأني أتوسل إلى الله به كما يتوسل إلى السلطان بخواصه وأعوانه، فهذا من أفعال المشركين والنصارى فإنهم يزعمون أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم شفعاء يستشفعون بهم في مطالبهم، وكذلك أخبر الله عن المشركين أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقال : ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ " (٣).
وقال أيضًا: "و الشرك في بني آدم أكثره عن أصلين:
أولهما: تعظيم قبور الصالحين وتصوير تماثيلهم للتبرك بها، وهذا أول الأسباب التي بها ابتدع الآدميون الشرك وهو شرك قوم نوح ...
والسبب الثاني: عبادة الكواكب ... " (٤).
стр. 20
وقال أيضًا: "فليس في علماء المسلمين من يقول إنه يستغاث بالمخلوق في كل ما يستغاث الله فيه، ولا من يقول إن الميت يستغاث به في كل ما يستغاث بالله فيه.
بل قول القائل: إن الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى لا تُطلب إلا منه، متفق عليه بين علماء المسلمين، وما علمت إلى ساعتي هذه أحدا من علماء المسلمين الذين يستحقون الإفتاء نازع في هذا، بل ثبت عندي عن عامة من بلغني كلامه من علماء المسلمين الموافقة على هذا، وإنما عُرف نزاع بعضهم في السؤال به.
وأما الشيوخ الذين يسألون الميت فهؤلاء ليس فيهم أحد ممن يرجع المسلمون إلى فتياه، وإنما فعلوا نظيره، والفقيه قد يفعل شيئا على العادة وإذا قيل له: هذا من الدين؟ لم يمكنه أن يقول ذلك، ولهذا قال بعض السلف: لا ينظر إلى عمل الفقيه ولكن سله يصدقك" (١).
وقال أيضًا: "فإنا بعد معرفة ما جاء به الرسول نعلم بالضرورة انه لم يشرع لأمته أن تدعو أحدًا من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، ولا بلفظ الاستعاذة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يكن تكفيرهم بذلك حتى يتبين لهم ما جاء به الرسول
ﷺ مما يخالفه، ولهذا ما بيَّنت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطّن، وقال: هذا أصل دين الإسلام، وكان بعض الأكابر من الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول: هذا أعظم ما بيّنته لنا لعلمه بأنّ هذا أصل الدين" (٢).
وقال أيضًا: "فأمَّا [ما] يُسمِّيه كثيرٌ من الناس زيارةً هي من جنس الإشراكِ بالله وعبادة غيرهِ، مثل السجود لبعض المقابر التي يُقال إنها من قبور الأنبياء والصالحين وأهل البيت أو غيرهم ويسمُّونها المشاهد، أو الاستعانة بالمقبور ودعائِه ومسألتِه قريبًا من قبره أو بعيدًا منه مثل ما يفعل كثير من الناس، فهذا كلُّه من أعظم المحرَّمات بإجماع المسلمين، وهو من جنس الإشراك بالله تعالى، فإن المسلمين متفقون على أنه لا يجوز لأحدٍ أن يدعوَ أحدًا ويتوكَلَ عليه ويرغبَ إليه في المغفرة والرحمةِ وتفريج الكُرباتِ وإعطاءِ الطلباتِ إلا الله وحده لا شريك له" (٣).
стр. 21
وقال أيضًا: "من استغاث بميِّتٍ أو غائب من البشر بحيثُ يدعوهُ في الشدائدِ والكُرُبات، ويَطلُب منه قضاءَ الحوائج، فيقول: يا سيِّدي الشيخ فلان أنا في حسبك وجِوارِك. أو يقول عند هجوم العدوِّ عليه: يا سيِّدي فلان! يَستوحِيْه ويَستغيثُ به. أو يقول ذلك عند مرضِه وفقرِه وغيرِ ذلك من حاجاتِه، فإن هذا ضالٌّ جاهلٌ مشركٌ عاصٍ لله باتفاقِ المسلمين، فإنهم متفقون على أن الميت لا يُدعَى ولا يُطلَب منه شيء، سواءٌ كان نبيًّا أو شيخًا أو غيرَ ذلك" (١).
وقال أيضًا: "فبيَّن سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفرٌ، وهذا إنما كان بدعائهم من دون الله، لا بأنهم اعتقدوا أنهم شاركوه في خلق السماوات والأرض، فإنّ هذا لم يَقُلْه أحدٌ.
ولهذا قال عن النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
فبيَّن أنّ النصارى مشركون من حيث اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيحَ ابن مريم، ولم يقل أحد من النصارى إن الأحبار والرهبان شاركتِ الله في خلق السماوات والأرض" (٢).
وقال أيضًا: "والمشركون الذين كفَّرهم رسولُ الله ﷺ وقاتَلَهم واستباحَ دماءَهم وأموالَهم من العرب لم يكونوا يقولون: إنَّ آلهتَهم شاركتِ اللهَ في خلق السماوات والأرض والعالم، بل كانوا يُقِرُّون بأن الله وحدَه خالق السماوات والأرض والعالم، كما قال الله تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ الآيات إلى قوله ﴿تُسْحَرُونَ﴾ وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.
قال طائفة من السلف: يسألهم مَن خلق السماوات والأرض؟ فيقولون: الله، وهم يعبدون غيره.
стр. 22
وإنما كانت عبادتهم إيَّاهم أنهم يدعونهم ويتخذونهم وسائطَ ووسائلَ وشُفعاءَ لهم، فمن سلكَ هذا السبيلَ فهو مشرك بحسب ما فيه من الشرك.
وهذا الشركُ إذا قامت على الإنسان الحجةُ فيه ولم يَنتهِ، وَجَبَ قتلُه كقتلِ أمثالِه من المشركين، ولم يُدفَنْ في مقابرِ المسلمين، ولم يُصَلَّ عليه.
وإمَّا إذا كان جاهلاً لم يَبلُغْه العلمُ، ولم يَعرِف حقيقةَ الشرك الذي قاتلَ عليه النبي ﷺ المشركين، فإنه لا يُحكَم بكُفْرِه، ولا سِيَّما وقد كَثُر هذا الشركُ في المنتسبين إلى الإسلام.
ومن اعتقدَ مثلَ هذا قُربةً وطاعةً فإنه ضَالٌّ باتفاقِ المسلمين، وهو بعد قيامِ الحجة كافر.
والواجبُ على المسلمين عمومًا وعلى وُلاةِ الأمور خصوصًا النهيُ عن هذه الأمور، والزَّجْرُ عنها بكلِّ طريق، وعقوبةُ مَن لم ينتهِ عن ذلك العقوبةَ الشرعيةَ، والله أعلم" (١).
وقال أيضًا: "وأما قول القائل: إذا عثر يا جاه محمد، يا للست نفيسة، أو يا سيدي الشيخ فلان أو نحو ذلك مما فيه استغاثته وسؤاله، فهو من المحرمات، وهو من جنس الشرك، فإن الميت سواء كان نبيًا أو غير نبي لا يدعى ولا يسأل ولا يستغاث به لا عند قبره ولا مع البعد من قبره، بل هذا من جنس دين النصارى الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله"" (٢).
وقال أيضًا: "والأعمى كان قد طلب من النبي ﷺ أن يدعو له كما طلب الصحابة منه الاستسقاء.
وقوله: «أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة»، أي بدعائه وشفاعته لي، ولهذا تمام الحديث: «اللهم فشفعه فيَّ»، فالذي في الحديث متفق على جوازه، وليس هو مما نحن فيه" (٣).
وقال أيضًا: "وكذلك حديث الأعمى فإنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له ليردّ الله عليه بصره، فعلمه النبي ﷺ دعاء أمره فيه أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه فيه، فهذا يدل على أن النبي ﷺ شفع فيه، وأمره أن يسأل الله قبول شفاعته، وأن قوله: «أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة» أي بدعائه وشفاعته كما قال عمر: «كنا نتوسل إليك بنبينا» فلفظ التوجه والتوسل في الحديثين بمعنى واحد، ثم قال: «يا محمد يا رسول الله إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها، اللهم فشفّعه فيّ» فطلب من الله أن يشفع فيه نبيه.
стр. 23
وقوله: «يا محمد يا نبي الله» هذا وأمثاله نداء يُطلب به استحضار المنادَى في القلب، فيخاطب لشهوده بالقلب كما يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا يخاطب من يتصورّه في نفسه وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب، فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به والسؤال به فيه إجمال واشتراك غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة" (١).
• وقال الحافظ ابن عبد الهادي (المتوفى:٧٤٤): "ولو جاء إنسان إلى سرير الميت يدعوه من دون الله ويستغيث به كان هذا شركاً محرماً بإجماع المسلمين" (٢).
وقال أيضًا: "وأما دعاؤه [أي: رسول الله] هو وطلب استغفاره وشفاعته بعد موته، فهذا لم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين لا من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، بل الأدعية التي ذكروها خالية من ذلك" (٣).
وقال أيضًا: "وقوله [أي: السبكي]: إن المبالغة في تعظيمه واجبة - أيريد بها المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيماً حتى الحج إلى قبره والسجود له والطواف به، واعتقاد أنه يعلم الغيب، وأنه يعطي ويمنع، ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء ويدخل الجنة من يشاء، فدعوى وجوب المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين" (٤).
• وقال العلامة أبو حيان الأندلسي (المتوفى: ٧٤٥ هـ) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: "ومعنى الإخلاص إفراده بالدعاء من غير إشراك أصنام ولا غيرها، قال معناه ابن عباس وابن زيد" (٥).
• وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي [المتوفى: ٧٤٨) في ترجمة السيدة نفيسة بنت أمير المؤمنين الحسن بن زيد بن الحسن بن علي ﵄: "ولجَهَلَة المصريين فيها اعتقاد يتجاوز الوصف، ولا يجوز مما فيه من الشرك، ويسجدون لها، ويلتمسون منها المغفرة، وكان ذلك من دسائس دعاة العبيدية" (٦).
стр. 24
• وقال الحافظ ابن القيم (المتوفى: ٧٥١): "ومن أنواعه [أي: الشرك] طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم.
وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فضلا عمن استغاث به وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده كما تقدم، فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه، والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببًا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، وهو بمنزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك، والميت محتاج إلى من يدعو له، ويترحم عليه، ويستغفر له، كما أوصانا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم، ونسأل لهم العافية والمغفرة، فعكس المشركون هذا، وزاروهم زيارة العبادة، واستقضاء الحوائج، والاستغاثة بهم، وجعلوا قبورهم أوثانًا تعبد، وسموا قصدها حجّا، واتخذوا عندها الوقفة وحلق الرأس" (١).
وقال أيضًا: "ومن المحال أن يكون دعاء الموتى أو الدعاء بهم أو الدعاء عندهم مشروعًا وعملاً صالحًا ويصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول الله ﷺ ، ثم يرزقه الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون.
فهذه سنة رسول الله ﷺ في أهل القبور بضعا وعشرين سنة حتى توفاه الله تعالى، وهذه سنة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هل يمكن بشر على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها فضلا أن يصلوا عندها أو يسألوا الله بأصحابها أو يسألوهم حوائجهم، فليوقفونا على أثر واحد أو حرف واحد في ذلك.
بلى يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف التي خلفت بعدهم بكثير من ذلك، وكلما تأخر الزمان وطال العهد كان ذلك أكثر حتى لقد وُجد في ذلك عدة مصنفات ليس فيها عن رسول الله ﷺ ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن أصحابه حرف واحد من ذلك، بلى فيها من خلاف ذلك كثير كما قدمناه من الأحاديث المرفوعة" (٢).
وقال أيضًا: "لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا، فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة، وهذا حكم المشاهد التي بُنيت على القبور التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركا عندها، وبها، والله المستعان.
стр. 25
ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق وتميت وتحيي، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فاتّبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرا بشبر وذراعا بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم، فصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والسنة بدعة والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام، وقلّ العلماء وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس" (١).
وقال أيضا: "وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده من دون الله على لسانه ديدنًا له إن قام وإن قعد، وإن عثر وإن مرض وإن استوحش، فذكْرُ إلهه ومعبوده من دون الله هو الغالب على قلبه ولسانه، وهو لا ينكر ذلك، ويزعم أنه باب حاجته إلى الله، وشفيعه عنده، ووسيلته إليه. وهكذا كان عباد الأصنام سواء، وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهم اتخذوها من البشر، قال الله تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء المشركين ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، ثم شهد عليهم بالكفر والكذب، وأخبر أنه لا يهديهم فقال ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾.
فهذه حال من اتخذ من دون الله وليًا، يزعم أنه يقربه إلى الله، وما أعز من يخلص من هذا؟ بل ما أعز من لا يعادي من أنكره!
والذي في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك، وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا لمن أذن الله أن يشفع فيه، ورضي قوله وعمله، ...
وترى المشرك يكذب حالُه وعملُه قولَه، فإنه يقول: لا نحبهم كحب الله، ولا نسويهم بالله، ثم يغضب لهم ولحرماتهم - إذا انتهكت - أعظم مما يغضب لله، ويستبشر بذكرهم، ويتبشبش به، سيما إذا ذُكر عنهم ما ليس فيهم من إغاثة اللهفات، وكشف الكربات، وقضاء الحاجات، وأنهم الباب بين الله وبين عباده، فإنك ترى المشرك يفرح ويسر ويحنّ قلبه، وتهيج منه لواعج التعظيم والخضوع لهم والموالاة، وإذا ذَكرت له الله وحده، وجردت توحيده لحقته وحشة، وضيق، وحرج، ورماك بنقص الإلهية التي له، وربما عاداك.
رأينا والله منهم هذا عيانا، ورمونا بعداوتهم، وبغوا لنا الغوائل، والله مخزيهم في الدنيا والآخرة، ولم تكن حجتهم إلا أن قالوا كما قال إخوانهم: عاب آلهتنا، فقال هؤلاء: تنقصتم مشايخنا، وأبواب حوائجنا إلى الله، وهكذا قال النصارى للنبي ﷺ ، لما قال لهم: إن المسيح عبد الله، قالوا: تنقصت المسيح وعِبْتَه، وهكذا قال أشباه المشركين لمن منع اتخاذ القبور أوثانا تعبد، ومساجد تقصد، وأمر بزيارتها على الوجه الذي أذن الله فيه ورسوله، قالوا: تنقصت أصحابها" (٢).
стр. 26
• وقال عضد الدين الإيجي (المتوفى: ٧٥٦): "وقد مرّ أنه يمكن إثبات الوحدانية بالدلائل النقلية لعدم توقف صحتها على التوحيد. واعلم أنه لا مخالف في هذه المسألة إلا الثنوية دون الوثنية، فإنهم [أي: الوثنية] لا يقولون بوجود إلهين واجبي الوجود، ولا يصفون الأوثان بصفات الإلهية وإن أطلقوا عليها اسم الآلهة، بل اتخذوها على أنها تماثيل الأنبياء أو الزهاد أو الملائكة أو الكواكب، واشتغلوا بتعظيمها على وجه العبادة توصلاً بها إلى ما هو إله حقيقة" (١).
• وأورد الحافظ ابن كثير (المتوفى: ٧٧٤) ترجمة السيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد القرشية الهاشمية في حوادث سنة (٢٠٨ هـ)، ونقل عن ابن خلِّكان أنَّه قال: "ولأهل مصر فيها اعتقاد"، ثم قال:
"قلت: وإلى الآن قد بالغ العامة في اعتقادهم فيها وفي غيرها كثيرا جدا، ولا سيما عوام مصر، فإنهم يُطلقون فيها عبارات بشيعة مجازفة تؤدي إلى الكفر والشرك، وألفاظًا كثيرة ينبغي أن يعرفوا أنه لا تجوز، ...
والذي ينبغي أن يعتقد فيها ما يليق بمثلها من النساء الصالحات، وأصل عبادة الأصنام من المغالاة في القبور وأصحابها، وقد أمر النبي صلى الله عليه و سلم بتسوية القبور وطمسها، والمغالاة في البشر حرام، ومن زعم أنها تفك من الخشب، أو أنها تنفع أو تضر بغير مشيئة الله فهو مشرك" (٢).
وذكر عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ قصةً ذكر فيها أنّ ذئباً جاء فأخذ حَمَلا (٣) من الغنم، فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي، جارك. فنادى مناد لا نراه، يقول: يا سرحان، أرسله. فأتى الحَمَل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة. ثم قال: "وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحَمَل -وهو ولد الشاة- كان جنيًا حتى يرهب الإنسي ويخاف منه، ثم ردّه عليه لما استجار به، ليضلّه ويهينه، ويخرجه عن دينه. والله أعلم" (٤).
стр. 27
وقال أيضاً: "أخبر تعالى عن عبّاد الأصنام من المشركين أنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة؛ ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم، وما ينوبهم من أمر الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به. قال قتادة، والسدي، ومالك عن زيد بن أسلم، وابن زيد: ﴿إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: ليشفعوا لنا، ويقربونا عنده منزلة.
ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك.
وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه ولا رضي به، بل أبغضه ونهى عنه" (١).
وقال أيضًا: "وقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ أي: فأخلصوا لله وحده العبادة والدعاء، وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم" (٢).
وقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَاّ يَهِدِّيَ إِلَاّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: "فما بالكم يُذْهَبُ بعقولكم، كيف سويتم بين الله وبين خَلقه، وعدلتم هذا بهذا، وعبدتم هذا وهذا؟!
وهلا أفردتم الرب ﷻ المالك الحاكم الهادي من الضلالة بالعبادة وحده، وأخلصتم إليه الدعوة والإنابة" (٣).
وقال أيضًا: "وفي هذا الشهر بعينه [أي: شهر رجب من سنة ٦٩٤ هـ] راح الشيخ تقي الدين ابن تيمية إلى مسجد التاريخ وأمر أصحابه ومعهم حجارون بقطع صخرة كانت هناك بنهر قلوط تزار وينذر لها، فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها، فأزاح عن المسلمين شبهة كان شرها عظيما" (٤).
стр. 28
• وقال الإمام الأذرعي الشافعي (المتوفى:٧٨٣): "وأما النذر للمشاهد الذي بُنيت على قبر ولي أو نحوه، فإن قصد به الإيقاد على القبر ولو مع قصد التنوير فلا.
وإن قصد به - وهو الغالب من العامة - تعظيم البقعة أو القبر أو التقرب إلى من دُفن فيها أو نُسبت إليه فهذا نذر باطل غير منعقد؛ فإنهم يعتقدون أن لهذه الأماكن خصوصيات لا تفهم، ويرون أنّ النذر لها مما يدفع البلاء. قال: وحكم الوقف كالنذر فيما ذكرناه اهـ" (١).
• وقال ابن أبي العز الحنفي (المتوفى: ٧٩٢): "التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب، هو توحيد الإلهية المتضمن توحيد الربوبية، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأن خالق السماوات والأرض واحد، كما أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
ومثل هذا كثير في القرآن، ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم، تارة يعتقدون أن هذه تماثيل قوم صالحين من الأنبياء والصالحين، ويتخذونهم شفعاء، ويتوسلون بهم إلى الله، وهذا كان أصل شرك العرب" (٢).
• وقال سعد الدين التفتازاني (المتوفى: ٧٩٣) أثناء كلامه عن عبدة الأصنام: "لما مات منهم من هو كامل المرتبة عند الله تعالى اتخذوا تمثالاً على صورته وعظّموه تشفعًا إلى الله تعالى وتوسلا" (٣).
• وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي (المتوفى: ٧٩٥): "إنّ قول العبد: لا إله إلا الله يقتضي أن لا إله له غير الله، والإله هو الذي يُطاعٍ فلا يعصى هيبة له وإجلالاً ومحبة وخوفاً ورجاءً، وتوكلاً عليه وسؤالا منه ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله إلا لله .
فمن أشرك مخلوقاً في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحاً في إخلاصه في قول لا إله إلا الله، ونقصاً في توحيده، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك، وهذا كله من فروع الشرك" (٤).
стр. 29
وقال أيضًا: "واعلم أنّ سؤال الله دون خلقه هو المتعين؛ لأنّ السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسؤول على رفع هذا الضر ونيل المطلوب وجلب المنافع ودرء المضار، ولا يصلح الذل والافتقار إلا الله وحده، لأنه حقيقة العبادة" (١).
• وقال ابن النحاس الشافعي (المتوفى:٨١٤): "ومنها إيقادهم السرج عند الأحجار والأشجار والعيون والآبار، ويقولون: إنها تقبل النذر، وهذه كلها بدع شنيعة ومنكرات قبيحة تجب إزالتها ومحو أثرها، فإن أكثر الجهال يعتقدون أنها تنفع وتضر وتجلب وتدفع وتشفي المرض وتردّ الغائب إذا نذر لها، وهذا شرك ومحادة لله تعالى ولرسوله ﷺ " (٢).
• وجاء في فتاوى الفقيه العلامة ولي الدين العراقي الشافعي الأشعري (المتوفى: ٨٢٦) أنه سئل عمن يزور الصالحين من الموتى فيقول عند قبر الواحد منهم: يا سيدي فلان أنا مستجير بك، أو متوسل بك أن يحصل لي كذا وكذا، أو أطلب منك أن يحصل لي كذا وكذا، أو يقول: يا رب أسألك بمنزلة هذا الرجل أو بسرّه أو بعمله أن يفعل بي كذا وكذا، هل هذه العبارات حسنة أو غير حسنة أو بعضها حسن وبعضها قبيح؟ ... إلخ السؤال.
فأجاب بما نصه: "زيارة الرجال للقبور مندوب إليها، فقبور الصالحين آكد في الاستحباب ... ولا امتناع في التوسل بالصالحين، فإنه ورد التوسل بالنبي ﷺ وبصلحاء أمته حظٌ مما لم يعد من خصائصه ...
وأما قوله: "أنا أطلب منك أن يحصل لي كذا وكذا فأمرٌ مُنْكَرٌ؛ فالطلب إنما هو من الله تعالى" (٣).
• وقال العلامة تقي الدين المقريزي الشافعي (المتوفى: ٨٤٥): "وشرك الأمم كله نوعان: شرك في الإلهيّة، وشرك في الربوبيّة:
فالشرك في الإلهيّة والعبادة: هو الغالب على أهل الإشراك، وهو شرك عبّاد الأصنام، وعبّاد الملائكة، وعبّاد الجّن، وعبّاد المشايخ والصالحين الأحياء والأموات، الذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ويشفعوا لنا عنده، وينالنا بسبب قربهم من الله وكرامته لهم قرب وكرامة، كما هو المعهود في الدنيا من حصول الكرامة والزلفى لمن يخدم أعوان الملك وأقاربه وخاصته.
والكتب الإلهيّة كلها من أولها إلى آخرها تبطل هذا المذهب وتردّه، وتقبّح أهله، وتنص على أنهم أعداء الله تعالى، وجميع الرسل صلوات الله عليهم متفقون على ذلك، من أولهم إلى آخرهم، وما أهلك الله تعالى مَن أهلك من الأمم إلاّ بسبب هذا الشرك، ومن أجله" (٤).
стр. 30
وقال أيضا: "اعلم أن حقيقة الشرك: تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق. أمّا الخالق فإن المشرك شبّه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهيّة، وهي التفرّد بملك الضّر والنفع، والعطاء والمنع، فمن علّق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق تعالى، وسوّى بين التراب وربّ الأرباب، فأي فجور وذنب أعظم من هذا؟! " (١).
وقال أيضًا: "فمن اتخذ واسطةً بينه وبين الله تعالى فقد ظنّ به أقبح الظن، ومستحيل أن يشرعه لعباده، بل ذلك يمتنع في العقول والفطر ...
واعلم أن الخضوع والتأّله الذي يجعله العبد لتلك الوسائط قبيح في نفسه، كما قرّرناه، لا سيما إذا كان المجعول له ذلك عبدًا للملك العظيم الرّحيم القريب المجيب، ومملوكا له" (٢).
وقال أيضاً: "والناس في هذا الباب - أعني: زيارة القبور - على ثلاثة أقسام:
قوم يزورون الموتى فيدعون لهم. وهذه هي الزّيارة الشرعيّة. وقوم يزورونهم يدعون بهم، فهؤلاء هم المشركون في الألوهيّة والمحبّة. وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم، وقد قال النبي ﵌: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد»، وهؤلاء هم المشركون في الربوبيّة. وقد حمى النبيّ ﷺ جانب التّوحيد أعظم حماية، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، حتى نهى عن الصّلاة في هذين الوقتين لكونه ذريعةً إلى التّشبيه بعبّاد الشّمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين، وسد الذّريعة بأن منع من الصّلاة بعد العصر والصّبح لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشّمس" (٣).
وقال أيضًا: "وبالله إنّ الفتنة بهذا المكان [أي: المكان الذي يزعم بعضهم بأنه قبر أبي تراب النخشبي]، والمكان الآخر من حارة برجوان الذي يعرف بجعفر الصادق لعظيمة، فإنهما صارا كالأنصاب التي كانت تتخذها مشركوا العرب، يلجأ إليهما سفهاء العامّة والنساء في أوقات الشدائد، ويُنزلون بهذين الموضعين كربهم وشدائدهم التي لا يُنزلها العبد إلا بالله ربه، ويسألون في هذين الموضعين ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى وحده، من وفاء الدين من غير جهة معينة، وطلب الولد ونحو ذلك، ويحملون النذور من الزيت وغيره إليهما، ظنا أن ذلك ينجيهم من المكاره، ويجلب إليهم المنافع، ولعمري إن هي إلّا كرّة خاسرة، ولله الحمد على السلامة" (٤).
стр. 31
• وقال نظام الدين النيسابوري (المتوفى: ٨٥٠): "فإن قيل: لمّا رجع حاصلُ مذاهب عبدة الأوثان إلى الوجوه التي ذكرت، فما وجه المنع عنها؟
قلنا: لما تقربوا إليها وعظموها وسموها آلهة أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله قادرة على مخالفته ومضادته، فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم، وكما تهكم بهم بلفظ الندّ، شنع عليهم واستفظع شأنهم بأن جعلوا أندادا كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ندّ قط، ولا يفيد في طريق عبادته إلا الحنيفية والإخلاص ورفع الوسائط من البين" (١).
• وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني (المتوفى: ٨٥٢): "الدعاء: هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله والاستكانة له، وما شُرعت العبادات إلا للخضوع للباري وإظهار الافتقار إليه، ولهذا ختم الآية بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ حيث عبر عن عدم التذلل والخضوع بالاستكبار، ووضع عبادتي موضع دعائي وجعل جزاء ذلك الاستكبار الصغار والهوان" (٢).
• وقال السيد العلامة بدر الدين حسين بن عبد الرحمن الأهدل الشافعي الأشعري صاحب كتاب تحفة الزمن (المتوفى: ٨٥٥): "والاستغاثة بالمشايخ الأموات والأحياء مما أطبق عليه المتأخرون من المتصوفة، ولم يُنقل عن السلف المتقدمين لمعرفتهم بأنّ الاستغاثة بغير الله تعالى لا تجوز ولا تنفع، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلاً﴾ وغير ذلك من الآيات.
ولم يُنقل أن النبي ﷺ أذِن لأحد من الصحابة ﵃ في الاستغاثة به في شدّة قط، وكان حاضرًا يوم أُحد فلم يملك من الأمر شيئًا كما قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾، وإنما يُستشفع به إلى الله تعالى في تفريج الكرب وتسهيل الشدائد، وكذا بالصالحين من عباد الله فاعلم ذلك ولا تتبع جهالات المتأخرين" (٣).
وقال أيضًا: "وينبغي أن يكون التوسل إلى الله تعالى بغيره على الصيغة التي ذكرها المؤلف ونحوها كأسألك اللهم بسرّ وليّك فلان الصالح أو العالم، أو بسر إيمانه وعلمه وتقواه ونحو ذلك ...
وأما الإقسام على الله بأحد من خلقه فلا ينبغي إلا بنبيه محمد ﷺ ذكره ابن عبد السلام في فتاويه.
وأما قول الأستاذ معروف الكرخي لسري السقطي ﵄: إذا كانت لك حاجة إلى الله تعالى فاقسم عليه بي. فمعناه توسل إلى الله بي على نحو ما تقدم" (٤).
стр. 32
• وقال الإمام قاسم بن قطلوبغا (المتوفى:٨٧٩): "وأما النذر الذي ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد كأن يكون لإنسان غائبٌ أو مريضٌ أو له حاجة ضرورية فيأتي بعض الصلحاء فيجعل ستره على رأسه فيقول: يا سيدي فلان إن رُّد غائبي أو عُوفي مريضي أو قُضيت حاجتي فلك من الذهب كذا أو من الفضة كذا أو من الطعام كذا أو من الماء كذا أو من الشمع كذا أو من الزيت كذا، فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه:
منها: أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز؛ لأنه عبادة والعبادة لا تكون للمخلوق.
ومنها: أن المنذور له ميت والميت لا يملك.
ومنها: إن ظنَّ أنّ الميت يتصرف في الأمور دون الله تعالى، واعتقادُه ذلك كفر ... فإذا علمت هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى ضرائح الأولياء تقربا إليهم فحرام بإجماع المسلمين ما لم يقصدوا بصرفها للفقراء الأحياء قولا واحدا اهـ" (١).
ونَقَلَ هذا الكلام عن الإمام قاسم بن قطلوبغا وأقرّه كثيرُ من أئمة الحنفية منهم خير الدين الرملي
(المتوفى: ٩٩٣ هـ) في الفتاوى الخيرية (ص: ١٧ - ١٨) [ط/بولاق بمصر]، والإمام سراج الدين عمر بن نجيم (المتوفى: ١٠٠٥ هـ) في النهر الفائق، والطحطاوي (المتوفى: ١٢٣١) في حاشيته على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص: ٦٩٣).
والشيخ رشيد أحمد الجنجوهي الإمام الثاني للديوبندية الملقب بالإمام الرباني (المتوفى:١٣٢٣ هـ) كما في الفتاوى الرشيدية (ص: ١٨٢، ٢٠٢)، والشيخ شكري الآلوسي (١٣٤٢ هـ) في فتح المنان (ص: ٤١٧)، والشيخ علي محفوظ الحنفي المصري (١٣٦١ هـ) في كتابه الإبداع في مضار الابتداع (ص: ١٨٩).
• وقال العلامة أبو الحسن المرداوي (المتوفى: ٨٨٥): "وقال الإمام أحمد وغيره من العلماء في قوله عليه أفضل الصلاة والسلام «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»: الاستعاذة لا تكون بمخلوق" (٢).
стр. 33
• وقال الشيخ زكريا الأنصاري (المتوفى: ٩٢٦) عند قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ والْأَرضِ ... إلى قوله: فسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾:
"إن قلتَ: هذا يدل على أنّهم معترفون بأنَّ الله هو الخالقُ، الرازقُ، المدبِّرُ، فكيفَ عبدوا الأصنام؟!
قلت: كلُّهُم كانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنامَ، عبادةَ اللَّهِ تعالى، والتقرُّبَ إليه، لكنْ بطرقٍ مختلفةٍ. ففرقةٌ قالت: ليستْ لنا أهليَّةٌ لعبادةِ اللَّهِ تعالى، بلا واسطة لعظمتِهِ، فعبدْنَاها لتقرِّبنا إليه تعالى، كما قال حكايةً عنهم ﴿مَا نَعْبُدُهمْ إِلَاّ ليُقَرِّبونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. وفرقةٌ قالت: الملائكة ذَوُو جاهٍ ومنزلةٍ عند الله، فاتَّخذنا أصناماً على هيئة الملائكة، ليقرِّبونا إلى اللَّهِ" (١).
• وقال محيي الدين شيخ زاده (المتوفى: ٩٥١): "مَن يعبد هذه الأحجار المنحوتة في هذه الساعة لا يعبدها على اعتقاد أنّ لها تأثيرًا وتدبيًرا في انتظام أحوال هذا العالم السفلي؛ فإن بطلان ذلك معلوم ببديهة العقل، وما عُلم بطلانه ببديهة العقل لا يذهب إلى صحته الجم الغفير والقوم الكثير، فلا بد أن يكون لهم في عبادتها منشأ غلط ... " (٢).
• وقال العلامة ابن نجيم الحنفي (المتوفى: ٩٧٠): "وفي البزازية: قال علماؤنا: من قال: أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر" (٣).
• وقال الإمام تقي الدين محمد بن بير علي البركوي الرومي الحنفي (المتوفى:٩٨١): "وأمّا الزيارة البدعية: فزيارة القبور لأجل الصلاة عندها، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود عليها، وأخذ ترابها، ودعاء أصحابها، والاستعانة بهم، وسؤالهم النصر، والرزق والعافية، والولد، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفان، وغير ذلك من الحاجات التي كان عبّاد الأوثان يسألونها من أوثانهم، فليس شيئا من ذلك مشروعا باتفاق أئمة الدين؛ إذ لم يفعله
رسول الله ﷺ ، ولا أحد من الصحابة، والتابعين، وسائر أئمة الدين، بل أصل هذه الزيارة البدعية الشركية مأخوذة عن عبّاد الأصنام" (٤).
وقال أيضًا في سبب تأليفه لكتاب زيارة القبور: "لأنّ كثيراً من الناس في هذا الزمان جعلوا بعض القبور كالأوثان، يصلون عندها ويذبحون القربان ويصدر منهم أفعال وأقوال لا تليق بأهل الإيمان، فأردت أن أبين لهم ما ورد به الشرع في هذا الشأن، حتى يتميز الحق من الباطل عند من يريد تصحيح الإيمان والخلاص من كيد الشيطان، والنجاة من عذاب النيران، والدخول في دار الجنان. والله الهادي وعليه التكلان.
стр. 34
اعلم أن السعادة العظمى، والكرامة الكبرى في الدنيا والعقبى لا تحصل إلا بمتابعة خاتم النبيين، صلوات الله عليه وعلى آله أجمعين، لكن الشيطان للإنسان عدو مبين، يصدهم بأنواع مكائده عن الصراط المستقيم، ويدعوهم إلى الإثم العظيم، ليكونوا من أصحاب الجحيم، وغاية بغيتهم سلب الإيمان حتى يكونوا من أهل الخلود في النيران.
ومن أعظم مكائده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يرد الله تعالى فتنته ما أوحاه قديماً وحديثاً إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور حتى آل الأمر فيها إلى أن عُبد أربابها من دون الله تعالى، وعبدت قبورهم واتخذت أوثانا، وبنيت عليها الهياكل وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجساداً لها ظل، ثم جعلت أصناماً وعبدت مع الله تعالى" (١).
وقال أيضًا ناقلاً عن الحافظ ابن القيم ومقررا له: "إنّ غلاة متخذيها [أي: القبور] عيدا إذا رأوها من موضع بعيد ينزلون من الدواب، ويضعون الجباه على الأرض، ويقبلون، ويكشفون الرؤوس، وينادون من مكان بعيد، ويستغيثون بمن لا يبدي ولا يعيد، ويرفعون الأصوات بالضجيج، ويرون أنهم قد زادوا في الربح على الحجيج، حتى إذا وصلوا إليها يصلون عندها ركعتين ويرون أنهم قد أحرزوا من الأجر أجر من صلى إلى القبلتين، فتراهم حول القبور سجدا يبتغون فضلا من الميت ورضوانا، وقد ملأوا أكفهم خيبة وخسرانا، فلغير الله تعالى بل للشيطان ما يراق هناك من العبرات ويرتفع من الأصوات، ويطلب من الميت الحاجات، ويسأل من تفريج الكربات وإغناء ذوي الفاقات ومعافاة أولي العاهات والبليات" (٢).
وقال أيضًا: "فقلب هؤلاء الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصودَ بالزيارة الشرك بالميت، ودعاءَه، وسؤاله الحوائجَ، واستنزال البركات منه، ونحو ذلك، فصاروا مسيئين إلى أنفسهم، وإلى الميت" (٣).
• وقال الإمام محمد بن طاهر الفتني أحد الأئمة الحنفية الكبار الملقب عند بعض العلماء بملك المحدثين (المتوفى: ٩٨٦): "فإنّ منهم من قصد بزيارة قبور الأنبياء والصلحاء أن يصلي عند قبورهم، ويدعو عندها، ويسألهم الحوائج، وهذا لا يجوز؛ فإنّ العبادة وطلب الحوائج، والاستعانة حق لله وحده" (٤).
стр. 35
• وقال العلامة المناوي (المتوفى: ١٠٣١): عند شرحه حديث «الدعاء هو العبادة»: "قال الطيبي: أتى بضمير الفصل والخبر المعرف باللام ليدل على الحصر، وأن العبادة ليست غير الدعاء.
وقال غيره: المعنى هو أعظم العبادة فهو كخبر «الحج عرفة» أي ركنه الأكبر. وذلك لدلالته على أن فاعله يقبل بوجهه إلى الله معرضا عما سواه، ولأنه مأمور به وفعل المأمور به عبادة، وسماه عبادة ليخضع الداعي ويظهر ذلته ومسكنته وافتقاره، إذ العبادة ذل وخضوع ومسكنة.
قال الحكيم: كانت الأمم الماضية ترفع حوائجها إلى الأنبياء فيرفعونها إلى الله، فلما جاءت هذه الأمة أذن لهم في دعائه لكرامتها عليه" (١).
• وذكر العلامة محمد بن أحمد الشامي المعروف بالأسطواني الملقب بشيخ السلطان (المتوفى: ١٠٧٢) في كتاب الرسالة أنّ طلب الشفاعة من الأموات من الأمور الشركية.
وذكر أن تقديم النذور والقرابين للقبور والأحجار والأشجار من أعمال الشرك التي تؤدي بصاحبها إلى الخلود في النار" (٢).
• وقال العلامة عبد الرحمن بن محمد بن سليمان المدعو بشيخي زاده (المتوفى: ١٠٧٨): "ويكفر بقوله: أرواح المشايخ حاضرة تعلم" (٣).
• وقال العلامة علاء الدين الحصكفي الحنفي (المتوفى: ١٠٨٨): "وفي التتارخانية معزيا للمنتقى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه المأمور به ما استفيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ".
• قال العلامة ابن عابدين (المتوفى: ١٢٥٢): " (قوله: إلا به) أي بذاته وصفاته وأسمائه" (٤).
وقال الحصكفي أيضًا: "واعلم أن النذر الذي يقع للأموات من أكثر العوام، وما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها إلى ضرائح الأولياء الكرام تقربا إليهم فهو بالإجماع باطل وحرام ما لم يقصدوا صرفها لفقراء الأنام، وقد ابتُلي الناس بذلك، ولا سيما في هذه الأعصار".
قال العلامة ابن عابدين: " (قوله: ولا سيما في هذه الأعصار) ولا سيما في مولد السيد أحمد البدوي. نهر" (٥).
стр. 36
• وقال الشيخ محمد بن بسطام الخوشابي الواني (المتوفى: ١٠٩٦): "كل من دعا غير الله - دعاء مسألة أو عبادة- فقد أشرك في الألوهية، وكل من اعتقد ضارا ونافعا غير الله فقد أشرك في الربوبية" (١).
• وقال العلامة صالح بن مهدي المقبلي (المتوفى: ١١٠٨): "ما أعظم ما أدركه الشياطين بواسطة المتزندقة المتلبسين باسم التصوف الذين يزعمون أنهم يتصرفون في العالم مَا نَعَقَ في هذه العجم من تنزيلهم أولياء الشيطان منزلة الآلهة، أهونهم من يقول ولو بلسان الحال: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وآخرون: أنهم شفعاؤهم عند الله، ونحو ذلك، ...
نعم: فإذا ركبت البحر اليوم فيما شاهدنا من مكة إلى اليمن إذا مسهم الضر وأشرفوا على الهلاك صاح كلٌ بشيخه، ونادى أهلُ المراكب المسافرين ليدعو كلٌ بشيخه، فربما نودي عشرون أو خمسون أو مائة شيخ, ولو قال لهم القائل: ادعوا الله وحده، لكان من شر الخليقة عندهم.
وقلتُ لرجل مرة وقد مسنا اليأس من الحياة وهو ينادي يا سيدي فلان، يا سيدي فلان: أتدعو في الضرورة غير الله وقد اقتصر الكافرون على دعائه في مثلها؟! فقال: إنهم معنا أينما كنا، حاضرون لا يغيبون، فإنا لله وإنا إليه راجعون" (٢).
وقال أيضًا بعد أن ذكر بعض أكاذيب بعض المتصوفة التي يروونها فيما يتعلق بالأولياء: "ومن سمع [أي: تلك الأكاذيب] صدّق، ومن لم يصدِّق أو سأل عن صحة ذلك عقلاً أو نقلاً، قالوا: لا يقول بالأولياء، فلنعرض عنه ونحذر منه، حتى أنهم يثبتون على هذا إذا مسهم الضر في البحر لا تسمعهم إلا يدعون المشايخ، ويهتفون بالركبان: ليدع كلٌ منكم شيخه، فيرتج المركب بالأصوات بذكر الشيخ، فإذا الكفار كانوا خيراً من هؤلاء؛ لأنهم كانوا إذا مسهم الضر في البحر ضلّ من يدعون إلا إياه.
اللهم إنا نبرأ إليك من حال هؤلاء، ونسألك أن تكتبنا من الناهين عن ضلالهم والمناوئين لهم، ونستغفرك من التقصير، وقد علمت عجزنا عن السيف أن نفضي به إليهم، وعن اللسان أن يعمهم وينادي به عليهم إلا بمثل هذه الأساطير، وإلا في الفرص الممكنة بحيث عُرفنا بذلك بينهم. والحمد لله" (٣).
стр. 37
وقال أيضًا: "لكنه قد مهّد إبليس فناً آخر، وشاع وذاع وملأ الأبصار والأسماع، وغلب أولي الألباب الرعاع.
جاءني شريف من أشراف مكة، وكان يعتقد متصوفاً وأنا أنهاه عنه، فجاءني مذعوراً يقول: ذكرتُ الله ورسوله فغضب فلان وقال: لا أعرفُ الله ولا رسوله إنما أعرف شيخي.
وزار بعضُ العقلاء ابنَ عباس فرأى غلو الناس فيه، فقال لرجل من عمد مكة ومدرسيهم ومتصوفتهم: أهلُ الطائف لا يعرفون الله، قد اتخذوا ابن عباس إلهاً من دون الله، فسقط من عين ذلك المدرس، وقال: ما كنت أظنك بهذه المنزلة من الجهل والغفلة، هم لا يعرفون الله، ولكن تكفيهم معرفة ابن عباس، وهو يعرف الله.
ثم قد صوروا كذبات قالوا: مشى الجنيد في البحر وهو يقول: يا الله يا الله، وقال لتلميذه: قل أنت: يا جنيد يا جنيد. قال: مشيا ثم قال تلميذه: يا الله، فغرق، فنهره الشيخ، فتاب، وقال: يا جنيد، فمشى فوق الماء.
وقالوا: جاء منكر ونكير لميت فقالا: من ربك؟ فقال: شيخي فلان، وكرروا سؤاله وهو يكرر قول: شيخي فلان، فقالوا: صدق، وذهبوا عنه راضين.
ومن أنكر هذا قالوا: جلمود أو مخذول، ولا يحب الأولياء، أو نحو ذلك من عبارات لهم، فهؤلاء زادوا على من قال: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وليس لهؤلاء من علاج غير السيف، ولكن أهل السيف الآن أجهل خلق الله وأشدهم اغتراراً بتلك الأساليب، حيوانات مختلفة الطباع من ثعالب وسباع يعمها سلب الفلاح. والله المستعان" (١).
• وقال العلامة الملا علي القاري (المتوفى: ١٠١٤): "وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله
ﷺ : «الدعاء هو العبادة» أي: هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة، لدلالته على الإقبال على الله، والإعراض عما سواه، بحيث لا يرجو ولا يخاف إلا إياه قائما بوجوب العبودية، معترفا بحق الربوبية، عالما بنعمة الإيجاد، طالبا لمدد الإمداد على وفق المراد، وتوفيق الإسعاد" (٢).
стр. 38
وقال أيضًا عند شرحه لحديث: «يا غلام احفظ الله يحفظك»: " (وإذا سألت) أي: أردتّ السؤال (فاسأل الله) بإثبات الهمز ويجور نقله. أي: فاسأل الله وحده، فإن خزائن العطايا عنده، ومفاتيح المواهب والمزايا بيده، وكل نعمة أو نقمة دنيوية أو أخروية فإنها تصل إلى العبد أو تندفع عنه برحمته من غير شائبة عرض ولا ضميمة علة; لأنه الجواد المطلق والغني الذي لا يفتقر، فينبغي أن لا يرجى إلا رحمته، ولا يخشى إلا نقمته، ويلتجأ في عظائم المهام إليه، ويعتمد في جمهور الأمور عليه، ولا يسأل غيره; لأن غيره غير قادر على العطاء والمنع ودفع الضر وجلب النفع، فإنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا يترك السؤال بلسان الحال أو ببيان المقال في جميع الأحوال، ففي الحديث: «من لم يسأل الله يغضب عليه»، إذ السؤال إظهار شعائر الانكسار، والإقرار بسمت العجز والافتقار، والإفلاس عن ذروة القوة والطاقة إلى حضيض الاستكانة والفاقة، ونعم ما قيل:
الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب
(وإذا استعنت) أي: أردت الاستعانة في الطاعة وغيرها من أمور الدنيا والآخرة (فاستعن بالله) فإنه المستعان وعليه التكلان في كل زمان ومكان" (١).
• وقال العلامة أحمد بن عبد الأحد السرهندي ، رئيس الطائفة النقشبندية، الملقب عند الحنفية بالإمام الرباني ومجدد الألف الثاني (١٠٣٤ هـ): "التبرِّي من الكفر شرط الإسلام، والاجتناب عن شائبة الشرك توحيد، والاستمداد من الأصنام والطاغوت في دفع الأمراض والأسقام كما هو شائع فيما بين جهلة أهل الإسلام - عين الشرك والضلالة ....
وأكثر النساء مبتليات بهذا الاستمداد الممنوع عنه بواسطة كمال الجهل فيهن، يطلبن دفع البلية من هذه الأسماء الخالية عن المسميات، ومفتونات بأداء مراسم الشرك وأهل الشرك، خصوصًا وقت عروض مرض الجدري ... ، كما أنّ جهله أهل الإسلام خصوصًا طائفة نسائهم - يؤدون رسوم أهل الكفر ... ، وكل ذلك شرك وكفر بدين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾، وما يفعلونه من ذبح الحيوانات عند قبور المشايخ المنذورة لهم جعله الفقهاء أيضًا في الروايات الفقهية داخلًا في الشرك ... ، ومثل ذلك صيام النساء بنية المشايخ ... ، ويطلبن حوائجهن منهم بواسطة تلك الصيام، ويزعمن قضاء حوائجهن منهم، وهذا الفعل إشراك للغير في عبادة الله تعالى وطلب لقضاء الحوائج من الغير بواسطة العبادة إليه" (٢).
стр. 39
• وقال الإمام أحمد بن محمد الرومي الأقحصاري الحنفي (المتوفى: ١٠٤١): "وأمّا الزيارة البدعية فهي زيارة القبور لأجل الصلاة عندها، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود عليها، وأخذ ترابها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر، والرزق والعافية، والولد، وقضاء الدين، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفان، وغير ذلك من الحاجات التي كان عبّاد الأوثان يسألونها من أصنامهم، فإن أصل هذه الزيارة البدعية الشركية مأخوذ منهم.
وليس شيء من ذلك مشروعا باتفاق علماء المسلمين؛ إذ لم يفعله رسول رب العالمين، ولا أحد من الصحابة والتابعين، وسائر أئمة الدين، بل قد أنكر الصحابة ما هو دون ذلك بكثير" (١).
وقال في سبب تأليفه لكتاب مجالس الأبرار: "أردتُّ أن أجمع لبعض إخوان الآخرة، ... وأبين فيه من الاعتقادات الصحيحة والأعمال الآخرة، وأحذر عما فيه من استمداد القبور وغيره من فعل الكفرة، وأهل البدع الضالة المضلة الفجرة، لما رأيت كثيراً من الناس في هذا الزمان جعلوا القبور كالأوثان، يصلون عندها ويذبحون القربان، ويصدر منهم أفعال وأقوال لا تليق بأهل الإيمان، فأردت أن أبين ما ورد به الشرع في هذا الشأن، حتى يتميز الحق من الباطل عند من يريد تصحيح الإيمان والخلاص من كيد الشيطان، والنجاة من عذاب النيران، والدخول في دار الجنان. والله الهادي وعليه التكلان".
وقال أيضًا: "ومنهم من يستغيث بالمخلوق سواء كان المخلوق حيا أو ميتا، أو مسلما أو غير مسلم، ويتصور الشيطان بصورته، ويقضي حاجة من يستغيث به، فيظن أنه هو الذي استغاث به، وليس كما يظن، بل إنما هو الشيطان أضلّه لما أشرك بالله فإن الشيطان يضل بني آدم بحسب قدرته ... ، فإنه إذا أعانهم على مقاصدهم فهو يضرهم أضعاف ما ينفعهم، فإذا كان منتسبًا إلى الإسلام إذا استغاث بمن يحسن به الظن من شيوخ المسلمين، يجيء إليه الشيطان في صورة ذلك الشيخ، فإن الشيطان كثيرًا ما يجيء على صورة الصالحين، ولا يقدر أن يتمثل بصورة رسول رب العالمين.
ثم إن ذلك الشيخ المستغاث به- إن كان ممن له علم- لا يخبره الشيطان بأقوال أصحابه المستغيثين به، وإن كان ممن لا علم له يخبره بأقوالهم، وينقل إليهم كلامه، فيظن أولئك الجهلة أن الشيخ سمع أصواتهم، وأجابهم مع بُعد المسافة، وليس كذلك، بل إنما هو بتوسّط الشيطان" (٢).
• وقال العلامة منصور بن يونس البهوتي الحنبلي في باب حكم المرتد، أثناء تعداده لما تحصل به الردة: "وقال [أي: شيخ الإسلام ابن تيمية] أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم إجماعا. انتهى) أي كَفَر؛ لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ " (٣).
стр. 40
• وقال العلامة صنع الله الحلبي المكي الحنفي (المتوفى: ١١٢٠): "وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أنّ للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهممهم تنكشف المهمات، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات، مستدلين على أن ذلك منهم كرامات.
وقرّرهم على ذلك من ادعى العلم بمسائل، وأمدهم بفتاوى ورسائل، ...
وجوّزوا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور.
وهذا - كما ترى- كلام فيه تفريط وإفراط، وغلو في الدين بترك الاحتياط، بل فيه الهلاك الأبدي، والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادرة الكتاب العزيز المصدّق، ومخالف لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة. فكل بناء على غير أصولهم تلبيس، وفي غير مناهجهم مخايل إبليس.
وفي التنْزيل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ " (١).
وقال أيضًا: "وما قيل من أنه يجوز الاستغاثة بالأنبياء والصالحين فإنما المراد به التبرك بذكرهم، والتوسل بهم بلا إمداد منهم.
فإياك ثم إياك في شأنك من مغالطة إخوانك! اللهم طهرنا من معرة ذلك، وأعذنا من إيهام ما فيه المهالك.
والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه، كقولهم: يالزيد! يالقومي! ياللمسلمين! كما ذكروا ذلك في كتب النحو بحسب الأسباب الظاهرة بالفعل.
أما الاستغاثة بالقوة والتأثير، أو في الأمور المعنوية من الشدائد كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه فمن خصائص الله، فلا يُذكر فيها غيره، قال جل ذكره: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ﴾ فنفى دعاء غيره، فتعين انفراده به، فاعقد على مثله، ولا تكن ممن ضل بعقله ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ...
وأما كونهم معتقدين التأثير منهم، وأن لهم التصرف في قضاء حاجاتهم كما تفعله جاهلية العرب والصوفية الجهال، وينادونهم ويستنجدون بهم، فهذا من المنكرات؛ لأن الأحياء إذا انتفى عنهم التصرف - كما مرّ آنفًا- فكيف يثبت للأموات؟! " (٢).