← Акыда

Акыда · id 233

المجموع الثمين في حكم دعاء غير رب العالمين

محمد بن عبد الله المقشي

Полный текст (137 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

• وقال الشيخ محمد بن بسطام الخوشابي الواني (المتوفى: ١٠٩٦): "كل من دعا غير الله - دعاء مسألة أو عبادة- فقد أشرك في الألوهية، وكل من اعتقد ضارا ونافعا غير الله فقد أشرك في الربوبية" (١). • وقال العلامة صالح بن مهدي المقبلي (المتوفى: ١١٠٨): "ما أعظم ما أدركه الشياطين بواسطة المتزندقة المتلبسين باسم التصوف الذين يزعمون أنهم يتصرفون في العالم مَا نَعَقَ في هذه العجم من تنزيلهم أولياء الشيطان منزلة الآلهة، أهونهم من يقول ولو بلسان الحال: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وآخرون: أنهم شفعاؤهم عند الله، ونحو ذلك، ... نعم: فإذا ركبت البحر اليوم فيما شاهدنا من مكة إلى اليمن إذا مسهم الضر وأشرفوا على الهلاك صاح كلٌ بشيخه، ونادى أهلُ المراكب المسافرين ليدعو كلٌ بشيخه، فربما نودي عشرون أو خمسون أو مائة شيخ, ولو قال لهم القائل: ادعوا الله وحده، لكان من شر الخليقة عندهم. وقلتُ لرجل مرة وقد مسنا اليأس من الحياة وهو ينادي يا سيدي فلان، يا سيدي فلان: أتدعو في الضرورة غير الله وقد اقتصر الكافرون على دعائه في مثلها؟! فقال: إنهم معنا أينما كنا، حاضرون لا يغيبون، فإنا لله وإنا إليه راجعون" (٢). وقال أيضًا بعد أن ذكر بعض أكاذيب بعض المتصوفة التي يروونها فيما يتعلق بالأولياء: "ومن سمع [أي: تلك الأكاذيب] صدّق، ومن لم يصدِّق أو سأل عن صحة ذلك عقلاً أو نقلاً، قالوا: لا يقول بالأولياء، فلنعرض عنه ونحذر منه، حتى أنهم يثبتون على هذا إذا مسهم الضر في البحر لا تسمعهم إلا يدعون المشايخ، ويهتفون بالركبان: ليدع كلٌ منكم شيخه، فيرتج المركب بالأصوات بذكر الشيخ، فإذا الكفار كانوا خيراً من هؤلاء؛ لأنهم كانوا إذا مسهم الضر في البحر ضلّ من يدعون إلا إياه. اللهم إنا نبرأ إليك من حال هؤلاء، ونسألك أن تكتبنا من الناهين عن ضلالهم والمناوئين لهم، ونستغفرك من التقصير، وقد علمت عجزنا عن السيف أن نفضي به إليهم، وعن اللسان أن يعمهم وينادي به عليهم إلا بمثل هذه الأساطير، وإلا في الفرص الممكنة بحيث عُرفنا بذلك بينهم. والحمد لله" (٣).

стр. 37

وقال أيضًا: "لكنه قد مهّد إبليس فناً آخر، وشاع وذاع وملأ الأبصار والأسماع، وغلب أولي الألباب الرعاع. جاءني شريف من أشراف مكة، وكان يعتقد متصوفاً وأنا أنهاه عنه، فجاءني مذعوراً يقول: ذكرتُ الله ورسوله فغضب فلان وقال: لا أعرفُ الله ولا رسوله إنما أعرف شيخي. وزار بعضُ العقلاء ابنَ عباس فرأى غلو الناس فيه، فقال لرجل من عمد مكة ومدرسيهم ومتصوفتهم: أهلُ الطائف لا يعرفون الله، قد اتخذوا ابن عباس إلهاً من دون الله، فسقط من عين ذلك المدرس، وقال: ما كنت أظنك بهذه المنزلة من الجهل والغفلة، هم لا يعرفون الله، ولكن تكفيهم معرفة ابن عباس، وهو يعرف الله. ثم قد صوروا كذبات قالوا: مشى الجنيد في البحر وهو يقول: يا الله يا الله، وقال لتلميذه: قل أنت: يا جنيد يا جنيد. قال: مشيا ثم قال تلميذه: يا الله، فغرق، فنهره الشيخ، فتاب، وقال: يا جنيد، فمشى فوق الماء. وقالوا: جاء منكر ونكير لميت فقالا: من ربك؟ فقال: شيخي فلان، وكرروا سؤاله وهو يكرر قول: شيخي فلان، فقالوا: صدق، وذهبوا عنه راضين. ومن أنكر هذا قالوا: جلمود أو مخذول، ولا يحب الأولياء، أو نحو ذلك من عبارات لهم، فهؤلاء زادوا على من قال: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وليس لهؤلاء من علاج غير السيف، ولكن أهل السيف الآن أجهل خلق الله وأشدهم اغتراراً بتلك الأساليب، حيوانات مختلفة الطباع من ثعالب وسباع يعمها سلب الفلاح. والله المستعان" (١). • وقال العلامة الملا علي القاري (المتوفى: ١٠١٤): "وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : «الدعاء هو العبادة» أي: هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة، لدلالته على الإقبال على الله، والإعراض عما سواه، بحيث لا يرجو ولا يخاف إلا إياه قائما بوجوب العبودية، معترفا بحق الربوبية، عالما بنعمة الإيجاد، طالبا لمدد الإمداد على وفق المراد، وتوفيق الإسعاد" (٢).

стр. 38

وقال أيضًا عند شرحه لحديث: «يا غلام احفظ الله يحفظك»: " (وإذا سألت) أي: أردتّ السؤال (فاسأل الله) بإثبات الهمز ويجور نقله. أي: فاسأل الله وحده، فإن خزائن العطايا عنده، ومفاتيح المواهب والمزايا بيده، وكل نعمة أو نقمة دنيوية أو أخروية فإنها تصل إلى العبد أو تندفع عنه برحمته من غير شائبة عرض ولا ضميمة علة; لأنه الجواد المطلق والغني الذي لا يفتقر، فينبغي أن لا يرجى إلا رحمته، ولا يخشى إلا نقمته، ويلتجأ في عظائم المهام إليه، ويعتمد في جمهور الأمور عليه، ولا يسأل غيره; لأن غيره غير قادر على العطاء والمنع ودفع الضر وجلب النفع، فإنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا يترك السؤال بلسان الحال أو ببيان المقال في جميع الأحوال، ففي الحديث: «من لم يسأل الله يغضب عليه»، إذ السؤال إظهار شعائر الانكسار، والإقرار بسمت العجز والافتقار، والإفلاس عن ذروة القوة والطاقة إلى حضيض الاستكانة والفاقة، ونعم ما قيل: الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب (وإذا استعنت) أي: أردت الاستعانة في الطاعة وغيرها من أمور الدنيا والآخرة (فاستعن بالله) فإنه المستعان وعليه التكلان في كل زمان ومكان" (١). • وقال العلامة أحمد بن عبد الأحد السرهندي ، رئيس الطائفة النقشبندية، الملقب عند الحنفية بالإمام الرباني ومجدد الألف الثاني (١٠٣٤ هـ): "التبرِّي من الكفر شرط الإسلام، والاجتناب عن شائبة الشرك توحيد، والاستمداد من الأصنام والطاغوت في دفع الأمراض والأسقام كما هو شائع فيما بين جهلة أهل الإسلام - عين الشرك والضلالة .... وأكثر النساء مبتليات بهذا الاستمداد الممنوع عنه بواسطة كمال الجهل فيهن، يطلبن دفع البلية من هذه الأسماء الخالية عن المسميات، ومفتونات بأداء مراسم الشرك وأهل الشرك، خصوصًا وقت عروض مرض الجدري ... ، كما أنّ جهله أهل الإسلام خصوصًا طائفة نسائهم - يؤدون رسوم أهل الكفر ... ، وكل ذلك شرك وكفر بدين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾، وما يفعلونه من ذبح الحيوانات عند قبور المشايخ المنذورة لهم جعله الفقهاء أيضًا في الروايات الفقهية داخلًا في الشرك ... ، ومثل ذلك صيام النساء بنية المشايخ ... ، ويطلبن حوائجهن منهم بواسطة تلك الصيام، ويزعمن قضاء حوائجهن منهم، وهذا الفعل إشراك للغير في عبادة الله تعالى وطلب لقضاء الحوائج من الغير بواسطة العبادة إليه" (٢).

стр. 39

• وقال الإمام أحمد بن محمد الرومي الأقحصاري الحنفي (المتوفى: ١٠٤١): "وأمّا الزيارة البدعية فهي زيارة القبور لأجل الصلاة عندها، والطواف بها، وتقبيلها، واستلامها، وتعفير الخدود عليها، وأخذ ترابها، ودعاء أصحابها، والاستغاثة بهم، وسؤالهم النصر، والرزق والعافية، والولد، وقضاء الدين، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفان، وغير ذلك من الحاجات التي كان عبّاد الأوثان يسألونها من أصنامهم، فإن أصل هذه الزيارة البدعية الشركية مأخوذ منهم. وليس شيء من ذلك مشروعا باتفاق علماء المسلمين؛ إذ لم يفعله رسول رب العالمين، ولا أحد من الصحابة والتابعين، وسائر أئمة الدين، بل قد أنكر الصحابة ما هو دون ذلك بكثير" (١). وقال في سبب تأليفه لكتاب مجالس الأبرار: "أردتُّ أن أجمع لبعض إخوان الآخرة، ... وأبين فيه من الاعتقادات الصحيحة والأعمال الآخرة، وأحذر عما فيه من استمداد القبور وغيره من فعل الكفرة، وأهل البدع الضالة المضلة الفجرة، لما رأيت كثيراً من الناس في هذا الزمان جعلوا القبور كالأوثان، يصلون عندها ويذبحون القربان، ويصدر منهم أفعال وأقوال لا تليق بأهل الإيمان، فأردت أن أبين ما ورد به الشرع في هذا الشأن، حتى يتميز الحق من الباطل عند من يريد تصحيح الإيمان والخلاص من كيد الشيطان، والنجاة من عذاب النيران، والدخول في دار الجنان. والله الهادي وعليه التكلان". وقال أيضًا: "ومنهم من يستغيث بالمخلوق سواء كان المخلوق حيا أو ميتا، أو مسلما أو غير مسلم، ويتصور الشيطان بصورته، ويقضي حاجة من يستغيث به، فيظن أنه هو الذي استغاث به، وليس كما يظن، بل إنما هو الشيطان أضلّه لما أشرك بالله فإن الشيطان يضل بني آدم بحسب قدرته ... ، فإنه إذا أعانهم على مقاصدهم فهو يضرهم أضعاف ما ينفعهم، فإذا كان منتسبًا إلى الإسلام إذا استغاث بمن يحسن به الظن من شيوخ المسلمين، يجيء إليه الشيطان في صورة ذلك الشيخ، فإن الشيطان كثيرًا ما يجيء على صورة الصالحين، ولا يقدر أن يتمثل بصورة رسول رب العالمين. ثم إن ذلك الشيخ المستغاث به- إن كان ممن له علم- لا يخبره الشيطان بأقوال أصحابه المستغيثين به، وإن كان ممن لا علم له يخبره بأقوالهم، وينقل إليهم كلامه، فيظن أولئك الجهلة أن الشيخ سمع أصواتهم، وأجابهم مع بُعد المسافة، وليس كذلك، بل إنما هو بتوسّط الشيطان" (٢). • وقال العلامة منصور بن يونس البهوتي الحنبلي في باب حكم المرتد، أثناء تعداده لما تحصل به الردة: "وقال [أي: شيخ الإسلام ابن تيمية] أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم إجماعا. انتهى) أي كَفَر؛ لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ " (٣).

стр. 40

• وقال العلامة صنع الله الحلبي المكي الحنفي (المتوفى: ١١٢٠): "وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أنّ للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، وبهممهم تنكشف المهمات، فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات، مستدلين على أن ذلك منهم كرامات. وقرّرهم على ذلك من ادعى العلم بمسائل، وأمدهم بفتاوى ورسائل، ... وجوّزوا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيهما الأجور. وهذا - كما ترى- كلام فيه تفريط وإفراط، وغلو في الدين بترك الاحتياط، بل فيه الهلاك الأبدي، والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادرة الكتاب العزيز المصدّق، ومخالف لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة. فكل بناء على غير أصولهم تلبيس، وفي غير مناهجهم مخايل إبليس. وفي التنْزيل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ " (١). وقال أيضًا: "وما قيل من أنه يجوز الاستغاثة بالأنبياء والصالحين فإنما المراد به التبرك بذكرهم، والتوسل بهم بلا إمداد منهم. فإياك ثم إياك في شأنك من مغالطة إخوانك! اللهم طهرنا من معرة ذلك، وأعذنا من إيهام ما فيه المهالك. والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه، كقولهم: يالزيد! يالقومي! ياللمسلمين! كما ذكروا ذلك في كتب النحو بحسب الأسباب الظاهرة بالفعل. أما الاستغاثة بالقوة والتأثير، أو في الأمور المعنوية من الشدائد كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه فمن خصائص الله، فلا يُذكر فيها غيره، قال جل ذكره: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ﴾ فنفى دعاء غيره، فتعين انفراده به، فاعقد على مثله، ولا تكن ممن ضل بعقله ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ... وأما كونهم معتقدين التأثير منهم، وأن لهم التصرف في قضاء حاجاتهم كما تفعله جاهلية العرب والصوفية الجهال، وينادونهم ويستنجدون بهم، فهذا من المنكرات؛ لأن الأحياء إذا انتفى عنهم التصرف - كما مرّ آنفًا- فكيف يثبت للأموات؟! " (٢).

стр. 41

وقال أيضاً: "فمن اعتقد أنّ لغير الله من نبي أو ولي أو روح، أو غير ذلك في كشف كربة، وقضاء حاجة تأثيراً، فقد وقع في وادي جهل خطير، فهو على شفا حفرة من السعير. وأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات، فحاشا لله أن تكون أولياء الله بهذه المثابة، وأن يظنّ بهم أن دفع الضر وجلب النفع منهم كرامةٌ، فهذا ظن أهل الأوثان، كما أخبر الرحمن: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. وأما أهل الإيمان فليس لهم غير الله دافع، ومنه تحصل المنافع، قال جل ذكره ﴿أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء﴾، ﴿أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لَاّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾. فإنّ ذِكرَ ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي وملك وولي وغيرهم على وجه الإمداد منه إشراك مع الله؛ إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره. نعم ذكر الأنبياء والصالحين في الدعاء على وجه التوسل بهم، كقوله: نسألك يا الله بمحمد وآله، ونحو ذلك لا بأس به. وأما الطلب منهم على وجه التأثير والشفاعة اللازمة فمن اعتقاد أهل الأوثان كما مرّ بيانه مرة بعد أخرى. فمن اعتقد أنّ جلب المنافع ودفع المضار من غير الله أو ممن أشركه مع الله فقد افترى في دينه فرية ما مثلها بلية" (١). وقال أيضًا: "الكرامة لا تحدّي فيها، ولا هي عن قصد حتى تكون من تصرفاتهم. وفي التنزيل ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ﴾، ﴿قُل لَاّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾، فهذا خطاب لأكبر رسل الله، فكيف بغيره من أولياء الله؟! ولكن ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. وأما من قرّرهم على ذلك ممن ادعى العلم، وأمدّهم بمسائل وفتاوى ورسائل فإنما هو من زعمه المرتّب أو جهله المركّب، أو من فساد سرّه، أو من خَبَلٍ في عقله، أو من تعصبه لخصمه وقع في سوء فهمه، أو من حسده للأقران أخذ يسفسط في البرهان بقال فلان وأفتى فلان مع ما فيه من الخلل ومحض الزلل، وتركه ما في هذا الشأن من هداية القرآن الذي تبين بنصوصه المترقية عن درجة التأويل وإيضاح السبيل، وانكشف به الحجاب عن العقول، وتبين للناس ما فيه من المنقول، وأقام الله به الأدلة على الهداية، وأرشد المتقين لما فيه من الدراية. فهل تستند إلى غيره الأفكار مع وضوح ما فيه من الأسرار؟! أفي عقولهم جِنّة أم على قلوبهم أكنّة؟ فوالله لقد تلخص فيه الصواب، وتميز به القشر من اللباب ...

стр. 42

فهل يحل لمؤمن أن يستمد بغير الله في الشدائد، أو ينتصر بغيره ويترجى منه الفوائد مع قوله جل ذكره: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾، وقوله: ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ﴾، فهل يحوم حول ذلك من استضاء بمنار القرآن؟! أو ينطق بمثله من آمن بالله الواحد المنان؟! فما زعْمُ مَن أفتى بجواز ذلك؟! فهل على قول الله استدراك؟! كلا والله! ما هم فيه إلا في انضاج بلا ضرام، واستسمان ذات أورام ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ " (١). • وقال الإمام الشاه عبد العزيز الملقب عند الحنفية بسراج الهند (المتوفى: ١٢٣٩): "إن بعض المشركين يدعون غير الله لدفع البليات" (٢). • وقال الإمام المجدد الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي الملقب عند الحنفية بحجة الله على العالمين (المتوفى: ١١٧٦): "كل من ذهب إلى بلدة أجمير أو قبر سالار ومسعود أو ما ضاهاها لأجل حاجة يطلبها فإنه آثم إِثماً أكبرَ من القتل والزنا، وليس مثله إلا مثل من كان يعبد المصنوعات أو مثل من كان يدعو اللات والعزى" (٣). وقال أيضاً: "واعلم أنّ طلب الحوائج من الموتى، عالما بأنه سبب لإنجاحها كفرُ يجب الاحتراز عنه، تُحرِّمه هذه الكلمةُ [أي: كلمة التوحيد]، والناس اليوم فيها منهمكون" (٤). وقال أيضًا: "وأمّا الإشراك بالله استعانة فحدّه: أن يطلب حاجة عالمًا بأن فيه قدرة إنجاحها من صرف الإرادة النافذة: كالشفاء من المرض، والإحياء، والإماتة، والرزق، وخلق الولد، وغيرها مما يتضمنه أسماء الله تعالى. والإشراك بالله تعالى دعاء فحدّه: أن يذكر غير الله تعالى، عالما بأنّ فعله ذلك نافع في معاده، أو قربه إلى الله تعالى، كما يذكرون شيوخهم إذا أصبحوا" (٥).

стр. 43

وقال أيضًا في تعداده للأمور التي جعلها اللّه في الشريعة الإسلامية من مظنات الشرك: "ومنها أنهم كانوا يستعينون بغير الله في حوائجهم من شفاء المريض وغناء الفقير وينذرون لهم ويتوقعون إنجاح مقاصدهم بتلك النذور، ويتلون أسماءهم رجاء بركتها، فأوجب الله تعالى عليهم أن يقولوا في صلواتهم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ وليس المراد من الدعاء العبادة كما قاله بعض المفسرين بل هو الاستعانة لقوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ " (١). وقال أيضاً: "يا أيها الناس ما لكم أشركتم بالله ما لم ينزل به سلطانا، اتخذ أهلُ كل بلد من أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، أتعلمون أنّ الله بعيد عنكم، وأنّ هؤلاء أقربُ إليكم منه؟، كلا، إن الحق العلي الكبير مع كونه منزها غاية التنزيه تدلّى إلى خلقه، فما من أحد يقول: يا ربي يا ربي، إلا وهو يقول بإزائه: يا عبدي" (٢). وقال أيضًا: "لقد تبين أن هذا النوع من الدعاء في الحقيقة نوع من أنواع العبادة، لأن الله تعالى قد بين أن هؤلاء المدعوين سيكفرون بعبادة هؤلاء الداعين، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، وقول النبي ﷺ : «الدعاء هو العبادة»، وقوله ﷺ : «الدعاء مخ العبادة». فثبت أنّ دعاء هؤلاء القبورية ونداءهم الأولياء عند الكربات، واستغاثتهم بهم عند الملمات، أو زيارة قبورهم للاستعانة بهم، هو في الحقيقة عبادة من هؤلاء القبورية لهؤلاء الأولياء، وإن هم يزعمون أنهم يذهبون لزيارة قبورهم، ولا يعبدونهم، فهم قد عبدوهم وهم لا يشعرون" (٣). • وقال العلامة محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني (المتوفى:١١٨٢): "فإفرادُ الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتِمُّ إلَاّ بأن يكونَ الدعاءُ كلُّه له، والنداءُ في الشدائد والرخاء لا يكون إلَاّ لله وحده، والاستغاثة والاستعانة بالله وحده، واللّجوء إلى الله والنذر والنحر له تعالى ... ومَن فعل شيئاً مِن ذلك لمخلوق حيٍّ أو ميت أو جماد أو غيره فقد أشرك في العبادة، وصار مَن تُفعل له هذه الأمور إلَهاً لعابديه، سواءٌ كان مَلَكاً أو نبيًّا أو وليًّا أو شجراً أو قبراً أو جنيًّا أو حيًّا أو ميتاً، وصار العابدُ بهذه العبادة أو بأيِّ نوع منها عابداً لذلك المخلوق مشركاً بالله، وإن أقَرَّ بالله وعَبَدَه، فإنَّ إقرارَ المشركين بالله وتقرُّبَهم إليه لَم يُخرجهم عن الشركِ، وعن وجوب سَفك دمائِهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم غنيمة، فالله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك، لا يقبل عملاً شورك فيه غيرُه، ولا يؤمن به مَن عَبَدَ معه غيرَه" (٤).

стр. 44

وقال: "قد عرفتَ مِن هذا كلِّه أنَّ مَن اعتقد في شجر أو حجر أو قبر أو مَلَكٍ أو جنيٍّ أو حيٍّ أو ميت أنَّه ينفع أو يضر، أو أنَّه يقرِّب إلى الله، أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع به والتوسل به إلى الرب تعالى، إلَاّ ما ورد في حديث فيه مقال في حقِّ نبيِّنا محمد ﷺ أو نحو ذلك، فإنَّه قد أشرك مع الله غيره، واعتقد ما لا يَحلُّ اعتقادُه، كما اعتقده المشركون في الأوثان، فضلاً عمَّن ينذر بماله وولده لميِّت أو حي، أو يطلبُ من ذلك الميت ما لا يُطلب إلَاّ من الله تعالى من الحاجات، من عافية مريضِه، أو قدوم غائبه، أو نيله لأيِّ مطلب من المطالب، فإنَّ هذا هو الشرك بعينه الذي كان ويكون عليه عُبَّادُ الأصنام. والنَّذرُ بالمال للميت ونحوه ، والنَّحر على القبر، والتوسل به وطلب الحاجات منه، هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنَّما كانوا يفعلونه لِمَا يسمُّونه وثناً وصنماً، وفعله القبوريون لِمَا يسمُّونه وليًّا وقبراً ومَشهداً، والأسماء لا أثر لها ولا تغيِّر المعاني ضرورة لغوية وعقلية وشرعية، فإنَّ مَن شرب الخمرَ وسمَّاها ماء، ما شربَ إلَاّ خَمراً، وعقابُه عقابُ شارب الخمر، ولعلَّه يزيد عقابه للتدليس والكذب في التسمية ... وكذلك تسمِيةُ القبرِ مَشهداً ومَن يعتقدون فيه وليًّا، لا تخرجه عن اسم الصَّنم والوثن؛ إذ هم مُعامِلون لها معاملة المشركين للأصنام، ويطوفون بهم طواف الحجاج ببيت الله الحرام، ويَستلمونهم استلامَهم لأركان البيت، ويُخاطبون الميت بالكلمات الكفرية، مِن قولهم: على الله وعليك، ويَهتفون بأسمائِهم عند الشدائد ونحوها ... وفي كلِّ قرية أمواتٌ يهتفون بهم وينادونهم ويرجونهم لجلب الخير ودفع الضر، وهذا هو بعينه فعلُ المشركين في الأصنام ... فهذا الذي عليه هؤلاء شرك بلا ريب" (١). وقال أيضًا: "فإن قلتَ: أفيصير هؤلاء الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة والخلعاء مشركين كالذين يعتقدون في الأصنام؟ قلت: نعم! قد حصل منهم ما حصل من أولئك وساووهم في ذلك، بل زادوا عليهم في الاعتقاد والانقياد والاستعباد، فلا فرق بينهم. فإن قلت: هؤلاء القبوريون يقولون: نحن لا نشرك بالله تعالى ولا نجعل له ندًّا، والالتجاءُ إلى الأولياء والاعتقاد فيهم ليس شركاً. قلت: نعم! ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾، لكن هذا جهل منهم بمعنى الشرك، فإنَّ تعظيمَهم الأولياء ونحرَهم النحائر لهم شركٌ، والله تعالى يقول: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي: لا لغيره، كما يفيدُه تقديم الظرف، ... فهذا الذي يفعلونه لأوليائهم هو عين ما فعَلَه المشركون وصاروا به مشركين، ولا ينفعهم قولهم: نحن لا نشركُ بالله شيئاً، لأنَّ فعلَهم أَكْذبَ قولَهم.

стр. 45

فإن قلت: هم جاهلون أنهم مشركون بما يفعلونه. قلتُ: قد صرَّح الفقهاء في كتب الفقه في باب الرِّدة أنَّ مَن تكلَّم بكلمة الكفر يَكفر وإن لَم يقصد معناها، وهذا دالٌّ على أنَّهم لا يعرفون حقيقةَ الإسلام، ولا ماهية التوحيد، فصاروا حينئذ كفاراً كفراً أصليَّا، فإنَّ الله تعالى فَرَضَ على عباده إفرادَه بالعبادة ﴿أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ اللَّهَ﴾، وإخلاصها له ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، ومَن نادى الله ليلاً ونهاراً وسرًّا وجهاراً وخوفاً وطمعاً، ثمَّ نادى معه غيرَه فقد أشرك في العبادة، فإنَّ الدعاءَ من العبادة، وقد سمَّاه الله تعالى عبادةً في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ بعد قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. فإن قلت: فإذا كانوا مشركين وجَب جهادُهم، والسلوك فيهم ما سلَكَ رسولُ الله ﷺ في المشركين. قلت: إلى هذا ذهب طائفةٌ من أئمَّة العلم، فقالوا: يَجب أوَّلاً دعاؤهم إلى التوحيد، وإبانةُ أنَّ ما يعتقدونه ينفعُ ويَضر، لا يغني عنهم من الله شيئاً، وأنَّهم أمثالهم، وأنَّ هذا الاعتقاد منهم فيه شركٌ لا يتم الإيمانُ بما جاءت به الرسلُ إلَاّ بتركه والتوبة منه، وإفراد التوحيد اعتقاداً وعملاً لله وحده. وهذا واجبٌ على العلماء، أي: بيان أنَّ ذلك الاعتقاد الذي تفرَّعت عنه النذور والنحائر والطواف بالقبور شركٌ محرَّم، وأنَّه عينُ ما كان يفعله المشركون لأصنامهم، فإذا أبان العلماءُ ذلك للأئمَّة والملوك، وَجَبَ على الأئمة والملوك بعثُ دعاة إلى الناس يَدعونهم إلى إخلاص التوحيد لله، فمَن رجع وأقرَّ حقن عليه دمه وماله وذراريه، ومَن أصَرَّ فقد أباح الله منه ما أباح لرسوله ﷺ من المشركين. فإن قلت: الاستغاثة قد ثبتت في الأحاديث، فإنَّه قد صَحَّ أنَّ العباد يوم القيامة يستغيثون بآدم أبي البشر، ثمَّ بنوح، ثمَّ بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، وينتهون إلى محمد ﷺ بعد اعتذار كلِّ واحد من الأنبياء، فهذا دليلٌ على أنَّ الاستغاثة بغير الله ليست بمنكر. قلت: هذا تلبيس، فإنَّ الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء فيما يقدرون عليه لا يُنكرُها أحد، وقد قال الله تعالى في قصة موسى مع الإسرائيلي والقبطي: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، وإنَّما الكلام في استغاثة القبوريِّين وغيرهم بأوليائهم، وطلبهم منهم أموراً لا يقدر عليها إلَاّ الله تعالى، مِن عافية المريض وغيرها" (١).

стр. 46

وقال أيضًا: "نعم استغاثةُ العِباد يوم القيامة وطَلبهم من الأنبياء إنَّما يدعون الله تعالى ليفصِلَ بين العباد بالحساب حتَّى يُريحَهم من هَوْل الموقف، وهذا لا شكَّ في جوازه، أعنِي طلبَ دعاء الله تعالى من بعض عباده لبعض، بل قد قال ﷺ لعمر ﵁ لَمَّا خَرَج معتمراً: «لا تنسنا يا أُخَيَّ من دعائك»، وأَمَرَنا سبحانه أن ندعو للمؤمنين ونستغفر لهم في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ﴾، وقد قالت أم سُليم ﵂: "يا رسولَ الله! خادمُك أنس، ادعُ الله له"، وقد كان الصحابة ﵃ يطلبون الدعاءَ منه ﷺ وهو حي، وهذا أمرٌ متفق على جوازه، والكلام في طلب القبوريِّين من الأموات أو من الأحياء الذين لا يَملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرًّا، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً أن يشفوا مرضاهم، ويردُّوا غائبَهم، وينفسوا عن حبلاهم، وأن يسقوا زرعَهم، ويُدِرُّوا ضروعَ مواشيهم، ويحفظوها من العين، ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها أحدٌ إلَاّ الله تعالى. هؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، فكيف يطلب الإنسانُ من الجماد أو من حي - الجماد خير منه - لأنَّه لا تكليفَ عليه. وهذا يبيِّن ما فعله المشركون الذين حكى الله ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ الآية، وقال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾. فهؤلاء القبوريُّون والمعتقدون في جُهَّال الأحياء وضُلَاّلهم سَلَكوا مَسالكَ المشركين حَذو القُذَّة بالقُذَّة، فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يُعتقد إلَاّ في الله، وجعلوا لهم جُزءاً من المال، وقَصدوا قبورَهم من ديارهم البعيدة للزيارة، وطافوا حول قبورهم وقاموا خاضعين عند قبورهم، وهتفوا بهم عند الشدائد، ونحروا تقرباً إليهم. وهذه هي أنواع العبادات التي عرفناك" (١). وقال أيضًا: "وكذلك أصحابه [أي: النبي ﷺ ] من بعده لا يُعلم عن أحدٍ منهم أنَّه استغاث به ﵌ بعد موته، ولا يمكن أحدٌ يأتي بحرفٍ واحدٍ عن أصحابه أنَّه قال: يا رسول الله، ويا محمد مستغيثاً به عند شدة نزلت به. بل كلٌّ يرجع عند الشدائد إلى الله تعالى، حتى عُبّاد الأصنام إذا مسهم الضر في البحر ضلّ من يدعون إلا إياه، وهذا خليل الله إبراهيم لما أُرمي به إلى النار لاقاه جبريل في الهواء فقال له: هل من حاجة؟ قال: أما إليك فلا. وهذه الأدعية النبوية المأثورة قد ملأت كتب الحديث ليس منها حرفٌ واحدٌ فيه استغاثةٌ بمخلوق وسؤالٌ بحقه" (٢).

стр. 47

وقال أيضًا: "فهذه البدعة وهي الاستغاثة بالأموات وإنزال الحاجات بهم والتوسل إنَّما هو بقية من عبادة الأصنام؛ فإنَّ الجاهلية كانوا يستغيثون بهم ويطلبون الحاجات منهم، وكلُّ بدعة ضلالة، كما ثبت في الأحاديث، وأيُّ ضلالةٍ أعظم من عبدٍ يُنزل حاجاته بالأموات ويعرض عن باري البريات. وقد ثبت أنَّه ﵌ بايعه جماعة من الصحابة على أن لا يسألوا الناس شيئاً، فكان أحدهم إذا سقط سوطه وهو على راحلته لم يسأل من يناوله، بل ينزل بنفسه، كلُّ هذا لتفرد الله بالسؤال وطلب الحاجات. وإن قال: لم أُعرض عن الله، إنَّما تقربت بهم إليه. فيقال: هذا بعينه هو الذي قاله من قال إنَّه لا يعبد الأصنام إلا لتقربه إلى الله زلفى، غاية الفرق أنَّ صنمه من حجارة أو خشب، وصنمك من سلالة من طين. وأماَّ التوسل وطلب الحاجات فهو العبادة، بل هو مخ العبادة كما ثبت في الأحاديث. ولو كان التوسل بالأموات جائزاً أو مندوباً لعلَّم رسولُ الله ﵌ أمته ذلك، فإنَّه قد علمهم كلَّ خير ونهاهم عن كلِّ شر، فإنَّه علمهم صلاة الاستخارة، وأذكار الصباح والمساء، والدعوات عند العوارض من الهم والغم والأخواف، بل قال لهم: «من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي» الحديث، فعلمهم التأسية عند المصايب، ولم يأت عنه حرفٌ أنَّه قال: من نزل به أمر فليستغث بي. وقد نهى العلماء عن هذه البدعة والضلالة وبينوا أنَّها حرامٌ" (١). وقال أيضًا: "وأما طواف الزائر بقبر الميت وتقبيلُه الأركان وسؤالُ الحاجات منه وعنده فهي عبادة المشركين لأصنامهم" (٢). • وقال العلامة حسين بن مهدي النعمي الحسني التهامي (المتوفى:١١٨٧ هـ): "دعاءُ المخلوق وقصده بذلك من متفاحش الظلم ومتبالغ الشرك، ومنازعة في خاص حق الله، وخضوع وتذلل بخالص عبادته لسواه؛ إذ روح كونك عبداً له تعالى هو هذا المقام، وهذا التكيف والتصور بهذه الحالة" (٣).

стр. 48

وقال أيضًا: "فدعاءُ غير الله تعالى: إخراج للدعاء عن محله وموضوعه، كقيامه بتلك الصلاة على تلك الكيفية للمقبور والحجر، سواء بسواء، والفصل بين الصلاة والدعاء: فصلٌ بين متآخيين، وتفريق بين الفرقدين، وإلا فليجعلوا للمقبور صلاة وصياماً ونحوهما يفارق الذم والتشريك، ويكون صالحاً خالياً عن الفساد والمنكر، سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم. فما بال الدعاء الذي هو العَلَمُ المشهور في العبادة وآيات التنزيل، بل هو في الحقيقة بداية الأمر ومشرعه، وقطب رحاه، سل من مركزه، واستنزل من شوامخ صياصيه، وهو أظهر وأشهر معنى من العبادة، وأكثر تنصيصاً وتعييناً" (١). وقال أيضًا: "ومن أمعن النظر في آيات الكتاب وما قصَّ من محاورات الرسل مع أممهم وجد أن أسّ الشأن، ومحط رحال القصد شيوعاً وكثرةً وانتشاراً وشهرةً، هو دعاء الله وحده، وإخلاص العبادة له، وأنّ الغافلين كانوا بنقيض هذه الصفة من دون أن يضيفوا لما عبدوه شيئاً من صفات الربوبية كخلق ورزق وغيرهما، أو يجعلوا لها من ذواتها وصفاتها مقتضياً وملزماً للعبادة، بل أعربوا عن اتخاذها آلهة لتقريبهم إلى الله وشفاعتها عنده" (٢). وقال أيضًا: "ولقد تتبعنا في كتاب الله فصول تراكيبه، وأصول أساليبه، فلم نجده تعالى حكى عن المشركين أنّ عقيدتهم في آلهتهم وشركائهم التي عبدوها من دونه أنها تخلق، وترزق، وتحيي، وتميت، وتنزل من السماء ماء، وتخرج الحي من الميت، والميت من الحي ... بل إذا ضاق عليهم الأمر واشتدت بهم الكرب فزعوا إلى الله وحده، فإذا سئلوا عن حقيقة دينهم هل هو شرك في الربوبية؟ دانوا وأذعنوا للرب وحده بالاختصاص بكل ذلك والانفراد، وهذا واضح لمن ألقى السمع للقرآن فيما حكى عنهم ... فهذا شرك القوم واتخاذهم الآلهة الذي كان سبباً أن سجّل عليهم ربهم القاهر فوق عباده بالشرك والغي والضلال والكفر والظلم والجهالة" (٣).

стр. 49

وقال أيضًا: "ومن يتكلم بهذا [أي: أنّ الحاصل من العامة هو قصد التوسل بالصالحين فقط] لا يدري ما فشا في العامة، وما صار هجيراهم عند الأموات ومصارع الرفات من دعائهم، والاستغاثة بهم، والعكوف حول أجداثهم، ورفع الأصوات بالخوار، وإظهار الفاقة، والاضطرار، واللجأ في ظلمات البحر والتطام أمواجه الكبار، والسفر نحوها بالأزواج والأطفال، والله قد علم ما في طي ذلك كله من قبيح الخلائق والأفعال، وارتكاب ما نهى الله عنه وإضاعة حقوق ذي العزة والجلال، والالتجاء المحقق إلى سكان المقابر في فتح أرحام العقام، وتزويج الأرامل والأيامى من الأنام، واستنزال السحائب والأمطار واستماحة المآرب والأوطار، ودفع المحاذير من المكاره والشدائد، والإناخة بأبوابها لنيل ما يرام من الحوائج والمقاصد ... وليعرف كل سامع لما نمليه أن القائل "بأن العوام قد يقع منهم عبارات موهمة، وقصارى أمرهم التوسل" إما غالط أو خالط، أو جاهل للدين. وإلا فما بعد هذا؟! " (١). وقال أيضًا بعد أن ذكر كثيرًا من استغاثات العوام وحالاتهم: "فما من مسلم عرف معنى الإيمان بالله حقًا وتوحيده، وأنس بطرائق هذا الدين الحنيف قبل استيلاء تلك البدع المحدثات على القلوب يرى شيئا من هذا حسنًا بل جائزًا بل معصية لا تدافع التوحيد، فضلاً عن أن يؤصّل لكونه بابًا من الدين، والدين بحمد الله واضح المناهج، بيّن المدارج، لا يحتمل أوهام من ضل وزلّ وخرّ لوجهه في مهاوي هذا الضلال المبين. أفيقول ذو عقل: إن ما حكيناه "مجرد توسل، وعبارة موهمة بمنزلة اللغو في اليمين"؟! اللهم إنا نبرأ إليك من هذه المخادعة لك ولدينك، فإن من عنده مسكة من عقل ينادي: إنه لا يتمحل لضلال الناس عن إخلاص عبادة ربهم بهذه التمحلات السمجة إلا من لا يفهم ولا يدري. ومن عجيب ما أتته العامة من طرائف هذا الباب وغرائبه الفاحشة التي زعم ذلك المخادع القائل "إنها مجرد توسل وعبارة موهمة" ما شاهدناه بالمعاينة مكتوبًا على راية مشهد من المشاهد "هذه راية البحر التيار فلان ابن فلان، به أستغيث وأستجير، وبه أعوذ من النار" (٢).

стр. 50

وقال أيضًا: "فالداعي سوى الله والملتجئ إلى غيره، وصارف اضطراره وافتقاره عنه إلى من دونه، بهيئة ما ينبغي أن يكون لله، ... ومثبت ما لله من التأثير لخلقه على جهة اتصاف المحل ولو في الجملة، إما بالاعتقاد أو بالتهيؤ كما تترجم عنه الحالة الدعائية وحكم صورتها، ... مضيّعٌ لمعنى العبودية ومقتضيات الربوبية التي لا انفكاك عنها" (١). وقال أيضًا: "ولا نعلم كبير معنى للشرك - إذ نعاه الله إلى أهله- سوى باب العمل لغيره، والدعاء لسواه، وما يستتبعان أو ينشأ عنهما، وإن كان العمل للأوثان لم يقع إلا للاستشفاع لا للاستحقاق للذات كما هو صريح ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى﴾. فالقصد الثاني وهو التوسل غير نافع مع القصد الأول، وهو إرادة السوى بالعمل، وجعله له، وإضافته إليه، وتوجيهه له، إذ هذا فرقُ من وراء الجمع. وهل يستطاع بحجة واضحة أن يمانعنا بشرٌ أنّ "يا ولي الله افعل" من هذا القبيل، كالصلاة له سواء؟! إذ الوضع واحد كما شرحناه" (٢). وقال أيضًا: "فتأمل قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾، وتضمنه بيان معنى ذلك الدعاء والقصد به، والغاية الباعثة عليه، والصفة التي تكيف بها، فإنه مترجم عن أنهم يسألون المدعو أغراضهم، فكشف لهم - إذ لم يكونوا منزلين منزلة من يجهل- عن حقيقة الأمر، وأنه لا يملك مما سألوه شيئًا، ولا يستطيع لهم قط إجابة. ولا نخال أن القوم يعتقدون - إذ دعوا أوثانهم- أنها تدبِّر الأمر، وتملك التصرف فيه، فأي دلالة في دعائها عليه مع تسميتها أيضًا شفعاء؟! فهل يمكن مع هذا أن يجزم بكون القصد على نمط العبارة. وهذا بعينه - دع ما جاوزه- قد ملأ أرجاء البسيطة، ودان به العامة في سكان المقابر، ودعاء أصحاب الأجداث في كشف الملمات، ودفع المهمات، وقضاء المطالب والمآرب والحاجات، برًا وبحرًا، وسهلاً ووعرًا. وإن تراجم الكتاب العزيز، وبراهينه بتلك المثابة والمنزلة والبيان الذي تلوناه عليك من آياته البينة، وكلماته المفصلة المعينة، التي لا تبقي شكًا ولا شبهة ولا ارتيابًا عند من وازن وتدبر.

стр. 51

فتعين اتحاد الجهتين جزمًا في أنّ صنع المقابرية - الذي مرّ لك منه ما تفاحش نكره- هو الذي سلكه الوثنيون حذوك النعل بالنعل، والقذة بالقذة، وتبعوا آثارهم فيه حرفًا بحرف، وخطوة بخطوة، ودخلوا الجِحرة التي دخلوها، وولجوا الأبواب التي ولجوها، بحيث إن فصل أحدهما من الآخر فصل الشيء من عينه، اللهم إلا على جهة مجاوزة المقابرية لحد أولئك في أكثر الحالات كما نبهناك على الحجة في ذلك، ودللناك على صدر من صنيع العامة مما يشعر به ذلك. فنعم. ولا إله إلا الله كيف التبس مثل هذا، وهو من أبين البينات، وأوضح الواضحات" (١). • وسُئل العلامة محمد بن سليمان الكردي الشافعي الأشعري ، فقيه الشافعية بالديار الحجازية في عصره (المتوفى: ١١٩٤) عن التوسل؟ وعن المراد بقول بعض أهل العلم: مَن جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كَفَر؟ فأجاب: أما التوسل بالأنبياء والصالحين فهو أمر محبوب ... وجعْل الوسائط بين العبد وبين ربه، فإن صار يدعوهم كما يدعو الله تعالى في الأمور، ويعتقد تأثيرهم في شيء من دون الله تعالى فهو كفر. وإن كان المراد من جعلهم وسائط أن يتوسل بهم إلى الله في قضاء مهماته مع اعتقاد أنّ الله هو النافع الضار المؤثر في الأمور دون غيره، فالذي يظهر عدم كفره، وإن كان هذا اللفظ قبيحاً يتبادر منه الكفر، ومن ثمت أطلق صاحب الفروع من الحنابلة القول بكفره، قال: قالوا: إجماعاً. ونقله ابن حجر في كتابه الإعلام وأقرّه" (٢). • وقال العلامة عبد الخالق بن علي المزجاجي الحنفي الزبيدي (المتوفى: ١٢٠١): " وقد قال تعالى في إثر سماء «أصبح من عبادي مؤمن وكافر، أما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مُطرنا بنوء كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب». وقد ذهب العامة هذا المذهب في الأولياء، فإن مرضوا، قالوا: هذا من فلان، وإن شفوا قالوا: بركة سيدي فلان، فلما اعتقدوا ضرهم ونفعهم حلفوا بهم من دون الله، ونذروا لهم من دون الله، واستسقوهم من دون الله. فإن أجرى الله تعالى الوادي قالوا: شيء لله يا فلان، وإن قبض عنهم المطر قالوا: حمقة فلان، والله سبحانه القابض الباسط المحيي المميت، وكل شيء بيده من ملك وملكوت، ولو ذهبنا نتكلم في الكتاب والسنة من التحذير عن ذلك لكان يرى الناس قد هلكوا، ولهذا تراهم أكثر أتباع الدجال. فافهم هذه الجملة" (٣).

стр. 52

• وقال العلامة مرتضى الزبيدي (المتوفى: ١٢٠٥): "وقبيح بذوي الإيمان أن يُنزلوا حاجتهم بغير الله تعالى مع علمهم بوحدانيته وانفراده بربوبيته، وهم يسمعون قوله تعالى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ ... ليعلم العارف أن المستحَق لأن يُلجأ إليه ويستعان في جميع الأمور ويعول عليه هو الواجب الوجود المعبود بالحق الذي هو مولى النعم كلها .... ويشغل سره بذكره والاستغناء به عن غيره" (١). • وقال الإمام عبد القادر بن أحمد الكوكباني (المتوفى: ١٢٠٧): "ثبت في حديث قضاء الدَّين «يا محمد أتوسل بك إلى ربك»، وقد جعله الناس أصلاً في التوسل بالأنبياء والملائكة والصالحين، بل بالجمادات الفاضلة كالكعبة والعرش والكرسي واللوح والقلم وغير ذلك، وفيه إشكال لا يقبله إلا من يخاف يوم القيامة السؤال، ولا يلتفت إلى ما أطبق عليه بلا دليل كثيرٌ من الرجال، وهو أن التوسل بغير كرم الله وجوده لا بدّ فيه من إذن الشارع؛ لأنّ الأصل في التوسل بغير الله وصفاته المنع؛ إذ المشركون قد قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، فلم يؤذن لهم بالتوسل بعيسى بن مريم والملائكة ﵈، بل حَكَمَ الله عليهم بالشرك ... وهذا الكلام إنما يقبله من امتزج التوحيد بفؤاده، وعلم أنّ جبريل وميكائيل والذرة والفيل على بساط العبودية والتذليل من أفراد عباده لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعاً، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة، فإذا دَهَمَته سقطة أو مصيبة قال: يا الله. أمّا مَن أُشرب قلبه أنّ النفع يقع من غير الله، فإذا سقط قال: يا فلان، أو لَامَه أحد قال: إنما توسلت بأنبياء الله وعباده الصالحين. فإذا قلت له: من أجاز لك التوسل بغير الله؟ أعرض عنك ورأى أنك قد أشركت بالأنبياء والأولياء؛ لأنه لا يعرف معنى التوحيد ولا معنى الشرك، فأنا لم أخاطب بهذا الكلام من كان بهذه الصفة" (٢).

стр. 53

• وقال ا لقاضي ثناء الله الباني بتي الملقب عند الحنفية ببيهقي الوقت (المتوفى: ١٢٢٥) في كتابه إرشاد الطالبين وتبعه كثير من علماء الحنفية، منهم الشيخ الجنجوهي (١٣٢٣)، مبينًا أن استغاثات القبورية بالأموات شرك بالله تعالى وكفرٌ به: "لا يجوز عبادة غير الله، ولا استعانة من غيره تعالى؛ لأن ذلك من حق الله تعالى وحده، كما قال سبحانه بصيغة الحصر: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فلا يجوز النداء للأولياء، لأنه من العبادة، كما لا يجوز الانحناء إلى القبور، ولا الطواف بها، لأن الطواف لا يكون إلا بالكعبة، ولأن الطواف كالصلاة، فلا تجوز لغير الله. ولا يجوز أيضا دعاء الأنبياء والأولياء في الكربات، سواء كانوا من الأحياء أو من الأموات؛ لأن الدعاء من العبادة بصريح الكتاب والسنة، ولكن بعض الجهال يقولون عند الكربات: "يا شيخ عبد القادر الجيلاني شيئا لله"، ويقول بعضهم: "يا خواجة شمس الدين الباني بتي شيئا لله"، فهذا لا يجوز، بل هو شرك، وكفر؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فالذين يدعونهم القبورية هم عباد مثلهم، لا قدرة لهم على النفع والضر وإنجاح الحوائج. فإن قال قائل من هؤلاء القبورية: إن هذه الآية نزلت في حق الكفار، وهم كانوا يدعون الأصنام، أما نحن فلا ندعوا الأصنام، بل ندعوا أولياء الله تعالى. فالجواب: أن لفظ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بمعنى "غير الله" لفظ عام، فالعبرة لعموم اللفظ، لا لخصوص النزول، فيدخل فيه: الأنبياء، والأولياء، وكل ما سوى الله تعالى، فلا يجوز نداء غير الله عند الكربات، سواء كان من الأصنام، أو الأحياء، أو الأموات" (١). • وقال الإمام الشاه عبد القادر ابن الإمام ولي الله الدهلوي (المتوفى: ١٢٣٠ هـ): " الشرك هو: أن يعتقد في غير الله صفة من صفات الله تعالى، كالعلم بكل شيء، أو فعل كل شيء، أو أنّ بيد فلان خيرًا وشرا، أو يصرف لغير الله من التعظيم ما لا يليق إلا لله تعالى كالسجدة وطلب الحاجة، أو اعتقاد أنّ فلانًا له الاختيار أي التصرف" (٢). • وقال العلامة الحسن بن خالد الحازمي الحسني (المتوفى: ١٢٣٤ ه): "قال الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، وقال تعالى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وهذا شامل لنوع الدعاء دعاء العبادة ودعاء المسألة، فإن الدعاء في القرآن يراد به دعاء المسألة تارة، ويراد به دعاء العبادة تارة، ويراد بها مجموعها تارة، وهما متلازمان؛ فإنّ دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره أو دفعه، وكل من يملك الضر والنفع حقًا فإنه هو المعبود حقًا، ...

стр. 54

ويدعى خوفًا ورجاءًا دعاء العبادة، فالنوعان متلازمان، ولكنه في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ ظاهر في دعاء المسألة وهو متضمن لدعاء العبادة، لذا أمر بإخفائه وإسراره. والدعاء هو مخ العبادة ولبها، وفيه من العبودية ما ليس في غيره من العبادات ... ولذا أنكر الله غاية الإنكار على من دعا من دونه من لا يستجيب له فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ... فتوحيد الله لا يتم إلا بأن يكون النداء في الشدائد والرخاء له وحده، فمن دعا مع الله غيره فقد جعله معه شريكًا واتخذه إلها؛ لأن الدعاء عبادة، بل هو مخها ولبها، والإله المألوه أي المعبود، فمن طلب من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله فقد عبده مع الله" (١). وقال أيضًا: "وهؤلاء الضلال في هذا الزمان إذا عصفت بهم الريح تنادوا ليدع كل منكم شيخه، ولا تسمع إلا يا زيلعي يا حضرمي يا بدوي يا عبد القادر يا شاذلي يا صندل يا أبا فراج فرجها يا فلان يا فلان، لا تسمع منهم من يقول يا الله، فيرتج المركب بالأصوات بذكر الشيوخ، وهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، وأباح دم صاحبه وماله وذريته لأهل الإسلام، لأنه سأل غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله، فقد عبده مع الله واتخذه إلها وربا وإن سماه شيخًا وسيدًا، أو لمناقضته كلمة التوحيد بالكفر والشرك هو لحقيقته ومعناه، لأنه أعطاه غاية خضوعه وذله وفقره ومسكنته من الدعاء والسجود والتقرب بالذبح ونحوها لغير الله" (٢). • وقال العلامة علي بن محمد سعيد السويدي الشافعي (المتوفى: ١٢٣٧): "الاستعاذة الالتجاء من كل شر، فمن استعاذ بغير الله فقد خاب وخسر، وإنّ المستعيذ بغير الله تعالى متخذ مَن استعاذ به وليًا ونصيرًا من دون الله، لقوله: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ ... فمن استعاذ بغير الله على وجه التخليص من الشرور التي لا يدفعها إلا علام الغيوب فهو بمن استعاذ به مشرك" (٣). وقال أيضًا: "فبالنظر التام إلى ما كان عليه المشركون من تقريبهم لأوثانهم, لتقربهم إلى الله, لكونهم شفعاء لهم عند الله, وشفاعتهم بسبب أنهم رسل الله أو ملائكة الله أو أولياء الله, ... ويتبين لك ما عليه الناس الآن, والله المستعان" (٤). وقال أيضًا: "اعلم أن الشرك إما أن يكون في الربوبية وإما في الألوهية، والثاني إما أن يكون في الاعتقاد وإما في المعاملة الخاصة برب العباد، وهذا الثاني الذي يتفرع منه شرك العبادة منقسم إلى أقوال وأفعال" (٥).

стр. 55

وقال أيضًا: "فطلب معرفة التوحيد الواجب على العبيد من أهم المطالب وأنجح المآرب، فالشرك في الربوبية لم يقل به أحد من الكفار، ولا قال أحد بوجود خالقين واجبي الوجود وإن حصل من بعض الكفار التعطيل في الربوبية كتعطيل فرعون وأضرابه. وأما الشرك في الألوهية فهو أنواع بحسب تأله المتألهين وزعم الزاعمين، ولم يقل أحد أنّ للعالم إلهين متماثلين متكافئين إلا الثنوية، وأما الوثنية العابدون ما سوى الله فإنهم لا يقولون بالتعدد، وإن أطلقوا عليها اسم الآلهة" (١). وقال أيضًا عن حديث الأعمى: "قال الطيبي: الباء في بك للاستعانة، وقوله: (إني توجهت بك) بعد قوله (أتوجه إليك) فيه معنى قوله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾ فيكون خطابًا لحاضر معاين في قلبه مرتبط بما توجه به عند ربه من سؤال نبيه عليه الصلاة السلام الذي هو عين شفاعته، ولذلك أتى بالصيغة الماضوية بعد الصيغة المضارعية المفيد كل ذلك أن هذا الداعي قد توسل بشفاعة نبيه في دعائه، فكأنه استحضره وقت ندائه، ومثل ذلك كثير في المقامات الخطابية والقرائن الاعتبارية" (٢). • وقال العلامة إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي الشهيد (المتوفى:١٢٤٦): "نداءُ الأموات من بعيد أو قريب للدعاء إشراك في العلم، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾، وقد دلت هذه الآية على أن المشركين قد أمعنوا في السفاهة فقد عدلوا عن الله القادر العليم إلى أناس لا يسمعون دعاءهم، وإن سمعوا ما استجابوا، وهم لا يقدرون على شيء. فظهر من ذلك أن الذين يستغيثون بالصالحين الذين كانوا في الزمن السابق من بعيد، وقد يكتفي بعض الناس فيقولون: يا سيدنا ادع الله لنا يقض حاجتنا، ويظنون أنهم ما أشركوا، فإنهم ما طلبوا منهم قضاء الحاجة، وإنما طلبوا منهم الدعاء، وهذا باطل؛ فإنهم وإن لم يشركوا عن طريق طلب قضاء الحاجة، فإنهم أشركوا عن طريق النداء، فقد ظنّوا أنهم يسمعون نداءهم عن بُعد كما يسمعون نداءهم عن قرب، وكان ذلك سواء في حقهم، ولذلك نادوا من مكان بعيد مع أن الله قال: ﴿وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ " (٣). وقال أيضًا: "والحاصل أنه ما سلك عباد الأوثان في الهند طريقًا مع آلهتهم إلا وسلكه الأدعياء من المسلمين مع الأنبياء والأولياء والأئمة والشهداء والملائكة والجنيات، واتبعوا سنن جيرانهم من المشركين شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وحذو القذة بالقذة، والنعل بالنعل. فما أجرأهم على الله! وما أبعد الشقة بين الاسم والمسمى والحقيقة والدعوى، وصدق الله العظيم، إذ قال في سورة يوسف: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ...

стр. 56

وكذلك تبين أنّ الكفار الذين كانوا في عصر النبي ﷺ ، لم يكونوا يعدلون آلهتهم بالله، ويرونهم مع اللَّه بمنزلة سواء، بل كانوا يقرون بأنهم مخلوقون وعبيد، ولم يكونوا يعتقدون أبدًا أنّ آلهتهم لا يقلون عن اللَّه قدرة وقوة، وهم والله في كفة واحدة. فما كان كفرهم وشركهم إلا نداءهم لألهتهم، والنذور التي كانوا ينذرون لها، والقرابين التي كانوا يقربونها بأسمائهم، واتخاذهم لهم شفعاء، ووكلاء، فمن عامل أحدًا بما عامل به الكفار آلهتهم، وإن كان يقر بأنه مخلوق وعبد، كان هو وأبو جهل في الشرك بمنزلة سواء ... فاعلم أنّ الشرك لا يتوقف على أن يعدل الإنسان أحدًا بالله، ويساوي بينهما، فلا فرق، بل إنّ حقيقة الشرك أن يأتي الإنسان بخلال وأعمال - خصها اللَّه بذاته العلية، وجعلها شعارًا للعبودية- لأحد من الناس، كالسجود لأحد، والذبح باسمه، والنذر له، والاستغاثة به في الشدة، واعتقاد أنه حاضر ناظر في كل مكان، وإثبات قدرة التصرف له، وكل ذلك يثبت به الشرك، ويصبح الإنسان به مشركًا، وإن كان يعتقد أن هذا الإنسان، أو الملك أو الجنّي الذي يسجد له، أو يذبح، أو ينذر له، أو يستغيث به، أقل من اللَّه شأنا، وأصغر منه مكانا، وأن اللَّه هو الخالق، وهذا عبده وخلقه، لا فرق في ذلك بين الأولياء والأنبياء، والجن والشياطين، والعفاريت، والجنيات، فمن عاملها هذه المعاملة كان مشركًا، لذلك وصف اللَّه اليهود والنصارى الذين غلوا في أحبارهم ورهبانهم، مثل ما غلا المشركون في آلهتهم بما وصف به عباد الأوثان والمشركين، وغضب على هؤلاء الغلاة المنحرفين كما غضب على غلاة المشركين، فقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ " (١). وقال أيضًا: "وقد حذر اللَّه في هذه الآية المسلمين من أمة محمد ﷺ من أن تغرهم نفوسهم فيقولوا: إن نبينا ﷺ له دالة عند اللَّه، يضر وينفع، ويدفع ويمنع، ويفعل ما يشاء، ونحن في أمته، فنحن نأوي إلى ركن شديد، وحرز حريز، فإن وكيلنا عند اللَّه، وشفيعنا إليه، من اللَّه بمكان ليس لأحد، فلا خوف علينا ولا خطر، وبذلك يسترسلون في الخيال، ويتوسعون في الأماني ويستخفون بالعمل، ولذلك أمر اللَّه نبيه بأن يخبر الناس أنه لا يملك لهم ضرا ولا رشدا، وأنه - وهو سيد الأنبياء - لن يجيره من اللَّه أحد، فكيف يستطيع أن يجيرهم من اللَّه، ويمنعهم من عذاب اللَّه وعقابه؟ " (٢). وقال أيضًا: "اعلم أنّ الشرك قد شاع في الناس في هذا الزمان وانتشر، وأصبح التوحيد غريبا ... ومن المشاهد اليوم أن كثيرا من الناس يستعينون بالمشايخ، والأنبياء، والأئمة، والشهداء، والملائكة، والجنيات، عند الشدائد، فينادونها، ويصرخون بأسمائها، ويسألونها أو يطلبون منها قضاء الحاجات وتحقيق المطالب، وينذرون لها، ويقربون لها قرابين لتسعفهم بحاجاتهم، وتقضي مآربهم" (٣).

стр. 57

وقال أيضًا: "وقد اعتاد بعض الناس إذا عرضت لهم حاجة، أو ألمت بهم ملمة، أن يقرؤوا ورد "يا شيخ عبد القادر جيلاني شيئا لله" في عدد مخصوص، ومدة مخصوصة، ودل هذا الحديث على كراهة هذا التعبير وشناعته، فإنه سؤال للشيخ عبد القادر الجيلاني، وتوسل بالله تعالى إليه، والعكس أصح، فيجوز التوسل بدعاء الشيخ إلى اللَّه، لا التوسل بالله إليه. والحاصل أنه لا يجوز التلفظ بكلمة تشم منها رائحة الشرك، أو إساءة أدب مع اللَّه؛ فإن اللَّه هو المتعالي، الغني، القادر، الملك الجبار، لا يبالي بأحد، إذا شاء بطش على شيء دق وصغر" (١). • وقال الإمام محمد بن علي الشوكاني (المتوفى:١٢٥٠): "فاعلم أنّ الرزية كل الرزية، والبلية كل البلية أمر غير ما ذكرناه من التوسل المجرد والتشفع بمن له الشفاعة، وذلك ما صار يعتقده كثير من العوام وبعض الخواص في أهل القبور وفي المعروفين بالصلاح من الأحياء من أنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ ، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله ، حتى نطقت ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم فصاروا يدعونهم تارة مع الله، وتارة استقلالا، ويصرخون بأسمائهم ويعظمونهم تعظيم من يملك الضر والنفع، ويخضعون لهم خضوعا زائدًا على خضوعهم عند وقوفهم بين يدي الله في الصلاة والدعاء، وهذا إذا لم يكن شركًا فلا ندري ما هو الشرك، وإذا لم يكن كفرًا فليس في الدنيا كفر" (٢). وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى ﴿قُل لَاّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً إِلَاّ مَا شَاء اللّهُ﴾: "وفي هذه أعظم واعظ وأبلغ زاجر لمن صار ديدنه وهجيراه المناداة لرسول الله ﷺ والاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه. وكذلك من صار يطلب من الرسول ﷺ ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه، فإن هذا مقام رب العالمين الذي خلق الأنبياء والصالحين وجميع المخلوقين ورَزَقهم وأحياهم ويميتهم، فكيف يطلب من نبي من الأنبياء أو ملك من الملائكة أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه، ويترك الطلب لرب الأرباب القادر على كل شيء الخالق الرازق المعطي المانع؟! وحسبك بما في هذه الآية موعظة؛ فإن هذا سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول لعباده: ﴿لَاّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً إِلَاّ مَا شَاء اللّهُ﴾، فكيف يملكه لغيره، وكيف يملكه غيره ممن رتبته دون رتبته ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته لنفسه، فضلا عن أن يملكه لغيره؟! فيا عجبًا لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله ، كيف لا يتيقظون لما وقعوا فيه من الشرك ولا يتنبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى لا إله إلا الله، ومدلول ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟!

стр. 58

وأعجب من هذا اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أشد منها، فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق المحيي المميت الضار النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله ومقرِّبين لهم إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر والنفع، وينادونهم تارة على الاستقلال، وتارة مع ذي الجلال، وكفاك من شر سماعه، والله ناصر دينه ومطهر شريعته من أوضار الشرك وأدناس الكفر. ولقد توسل الشيطان أخزاه الله بهذه الذريعة إلى ما تقر به عينه، وينثلج به صدره، مِن كُفر كثير من هذه الأمة المباركة ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ إنا لله وإنا إليه راجعون" (١). وقال أيضًا: "وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا. وبالجملة إنهم لم يَدَعوا شيئًا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا تجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف لا عالما ولا متعلما ولا أميرا ولا وزيرا ولا ملكا. وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أنّ كثيرا من هؤلاء المقبوريين [القبوريين] أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرا، فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق، وهذا من أبين الأدلة الدالة على أنّ شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنّ الله تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة. فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين أي رزء للإسلام أشد من هذا الكفر؟! وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله؟! وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة؟! وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبًا؟! " (٢). وقال أيضًا: "وقد تقرر أنّ شرك المشركين الذين بعث الله إليهم خاتم رسله ﷺ لم يكن إلا باعتقادهم أنّ الأنداد التي اتخذوها تنفعهم وتضرهم وتقربهم إلى الله وتشفع لهم عنده، مع اعترافهم بأن الله سبحانه هو خالقها وخالقهم، ورازقها ورازقهم، ومحييها ومحييهم، ومميتها ومميتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلَاّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾، ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك.

стр. 59

وإذا تقرر هذا، فلا شك أنّ من اعتقد في ميت من الأموات، أو حي من الأحياء أنه يضره أو ينفعه إما استقلالا أو مع الله تعالى، أو ناداه أو توجه إليه، أو استغاث به في أمر من الأمور التي لا يقدر عليها المخلوق، فلم يخلص التوحيد لله، ولا أفرده بالعبادة؛ إذ الدعاء بطلب وصول الخير إليه ودفع الضر عنه، هو نوع من أنواع العبادة. ولا فرق بين أن يكون هذا المدعو من دون الله أو معه حجرا أو ملكا أو شيطانا كما كان يفعل ذلك في الجاهلية، وبين أن يكون إنسانا من الأحياء أو الأموات كما يفعله الآن كثير من المسلمين، وكل عالم يعلم هذا ويقرّ به، فإن العلة واحدة، وعبادة غير الله تعالى وتشريك غيره معه يكون للحيوان كما يكون للجماد، وللحي كما يكون للميت. فمن زعم أن ثمّ فرقا بين من اعتقد في وثن من الأوثان أنه يضر أو ينفع، وبين من اعتقد في ميت من بني آدم أو حي منهم أنه يضر أو ينفع، أو يقدر على أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى، فقد غلط غلطًا بينًا، وأقر على نفسه بجهل كثير، فإنّ الشرك هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به، أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه، ومجرد تسمية المشركين لما جعلوه شريكا بالصنم والوثن والإله لغير الله زيادة على التسمية بالولي والقبر والمشهد كما يفعله كثير من المسلمين، بل الحكم واحد إذا حصل لمن يعتقد في الولي والقبر ما كان يحصل لمن كان يعتقد في الصنم والوثن، إذ ليس الشرك هو مجرد إطلاق بعض الأسماء على بعض المسميات، بل الشرك هو أن يفعل لغير الله شيئا يختص به سبحانه، سواء أطلق على ذلك الغير ما كانت تطلقه عليه الجاهلية أو أطلق عليه اسما آخر، فلا اعتبار بالاسم قط، ومن لم يعرف هذا فهو جاهل لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به أهل العلم. وقد علم كل عالم أن عبادة الكفار للأصنام لم تكن إلا بتعظيمها، واعتقاد أنها تضر وتنفع، والاستغاثة بها عند الحاجة والتقريب لها في بعض الحاجات بجزء من أموالهم، وهذا كله قد وقع من المعتقدين في القبور، فإنهم قد عظّموها إلى حدٍ لا يكون إلا لله سبحانه، بل ربما يترك العاصي منهم فعل المعصية إذا كان في مشهد من يعتقده أو قريبًا منه مخافة تعجيل العقوبة من ذلك الميت، وربما لا يتركها إذا كان في حرم الله أو في مسجد من المساجد أو قريبا من ذلك، وربما حلف بعض غلاتهم بالله كاذبا ولم يحلف بالميت الذي يعتقده. وأما اعتقادهم أنها تضر وتنفع فلولا اشتمال ضمائرهم على هذا الاعتقاد لم يدعُ أحدٌ منهم ميتًا أو حيًا عند استجلابه لنفع، أو استدفاعه لضر، قائلاً: يا فلان افعل لي كذا وكذا، وعلى الله وعليك، وأنا بالله وبك" (١).

стр. 60

وقال أيضًا: "فإن قلت: إنّ هؤلاء القبوريين يعتقدون أن الله تعالى هو الضار والنافع، والخير والشر بيده، وإن استغاثوا بالأموات قصدوا إنجاز ما يطلبونه من الله سبحانه. قلت: وهكذا كانت الجاهلية، فإنهم يعلمون أن الله هو الضار النافع وأن الخير والشر بيده، وإنما عبدوا أصنامهم لتقربهم إلى الله زلفى كما حكاه الله عنهم في كتابه العزيز. نعم إذا لم يحصل من المسلم إلا مجرد التوسل الذي قدمنا تحقيقه فهو كما ذكرناه سابقاً، ولكن مَن زعم أنه لم يقع منه إلا مجرد التوسل وهو يعتقد من تعظيم ذلك الميت ما لا يجوز اعتقاده في أحد من المخلوقين، وزاد على مجرّد الاعتقاد فتقرَّب إلى الأموات بالذبائح والنذور، وناداهم مستغيثا بهم عند الحاجة، فهذا كاذب في دعواه أنَّهُ متوسِّل فقط، فلو كان الأمر كما زعمه لم يقع منه شيء من ذلك، والمتوسَّلُ به لا يحتاج إلى رشوة بنذر أو ذبح، ولا تعظيم ولا اعتقاد، لأنّ المدعو هو الله، وهو أيضا المجيب، ولا تأثير لمن وقع به التوسل قطُّ، بل هو بمنزلة العمل الصَّالح، فأيُّ جدوى في رشوة مَن قد صار تحت أطباق الثَّرى بشيء من ذلك، وهل هذا إلَاّ فعل من يعتقد التأثير اشتراكا أو استقلالا، ولا أعدل من شهادة أفعال جوارح الإنسان على بطلان ما ينطق به لسانه من الدَّعاوى الباطلة العاطلة، بل من زعم أنه لم يحصل منه إلَاّ مجرَّد التوسل وهو يقول بلسانه: يا فلان مناديا لمن يعتقده من الأموات، فهو كاذب على نفسه. ومن أنكر حصول النداء للأموات والاستغاثة بهم استقلالا، فليخبرنا ما معنى ما نسمعه في الأقطار اليمنية من قولهم: يا ابن عجلان، يا زيلعي، يا ابن علوان، يا فلان يا فلان. وهل ينكر هذا منكر، ويشك فيه شاك؟ وما عدا ديار اليمن فالأمر فيها أطم وأعم، ففي كل قرية ميت يعتقده أهلها وينادونه، وفي كل مدينة جماعة منهم، حتى أنهم في حرم الله ينادون: يا ابن عباس، يا محجوب، فما ظنّك بغير ذلك؟! فلقد تلطف إبليس وجنوده أخزاهم الله تعالى لغالب أهل الملة الإسلامية بلطفة تزلزل الأقدام عن الإسلام، فإنا لله وإنا إليه راجعون. أين من يعقل معنى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ﴾. وقد أخبرنا الله سبحانه أن الدعاء عبادة بمحكم كتابه بقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. وأخرج أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح من حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الدعاء هو العبادة» ... كذلك النحر للأموات عبادة لهم، والنذر لهم بجزء من المال عبادة لهم، والتعظيم عبادة لهم، كما أنّ النحر للنسك وإخراج صدقة المال والخضوع والاستكانة عبادة لله بلا خلاف، ومن زعم أن ثَمّ فرقاً بين الأمرين فيهده إلينا. ومن قال: إنه لم يقصد بدعاء الأموات والنحر لهم والنذر عليهم عبادتهم، فقل له: فلأي مقتضى صنعت هذا الصنيع؟ فإنّ دعاءك للميت عند نزول أمر بك لا يكون إلا لشيء في قلبك عبّر عنه لسانك، فإن كنت تهذي بذكر الأموات عند عروض الحاجات من دون اعتقاد منك لهم فأنت مصاب بعقلك" (١). وقال أيضًا: "فإن قلت: إنّ المشركين كانوا لا يقرون بكلمة التوحيد، وهؤلاء المعتقدون في الأموات يقرون بها.

стр. 61

قلتُ: هؤلاء إنما قالوها بألسنتهم وخالفوها بأفعالهم، فإنّ من استغاث بالأموات أو طلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه، أو عظّمهم أو نذر عليهم بجزء من ماله أو نحر لهم فقد نزّلهم منزلة الآلهة التي كان المشركون يفعلون لها هذا الأفعال، فهو لم يعتقد معنى لا إله إلا الله ولا عمل بها، بل خالفها اعتقاداً وعملاً، فهو في قوله لا إله إلا الله كاذبٌ على نفسه، فإنه قد جعل إلهاً غير الله يعتقد أنه يضر وينفع، فَعَبَده بدعائه عند الشدائد والاستغاثة به عند الحاجة، وبخضوعه له وتعظيمه إياه، ونحر له النحائر، وقرب إليه نفائس الأموال. وليس مجرد قول لا إله إلا الله من دون عمل بمعناها مثبتاً للإسلام، فإنه لو قالها أحد من أهل الجاهلية وعكف على صمنه يعبده لم يكن ذلك إسلاماً" (١). وقال أيضًا: "فإن قلت: هؤلاء المعتقدون في الأموات لا يعلمون بأن ما يفعلونه شرك، بل لو عُرض أحدهم على السيف لم يقرّ بأنه مشرك بالله ولا فاعل لما هو شرك، بل ولو علم أدنى علم أن ذلك شرك لم يفعله. قلت: الأمر كما قلت، ولكن لا يخفى عليك ما تقرر في أسباب الردة أنه لا يعتبر في ثبوتها العلم بمعنى ما قاله مَن جاء بلفظ كفري أو فعل فعلا كفريا. وعلى كل حال، فالواجب على كل من اطلع على شيء من هذه الأقوال والأفعال التي اتصف بها المعتقدون في الأموات أن يبلِّغهم الحجة الشرعية، ويبين لهم ما أمره الله بيانه وأخذ عليه الميثاق ألا يكتمه كما حكى ذلك لنا في كتابه العزيز فيقول لمن صار يدعو الأموات عند الحاجات، ويستغيث بهم عند حلول المصيبات، وينذر لهم النذور وينحر لهم النحور، ويعظمهم تعظيم الرب سبحانه: إن هذا الذي يفعلونه هو الشرك الذي كانت عليه الجاهلية، وهو الذي بعث الله رسوله بهدمه، وأنزل كتبه في ذمّه، وأخذ على النبيين أن يبلغوا عباده أنهم لا يؤمنون حتى يخلصوا له التوحيد ويعبدوه وحده، فإذا علموا بهذا علما لا يبقى معه شك ولا شبهة، ثم أصروا على ما هم فيه من الطغيان والكفر بالرحمن وجب عليه أن يخبرهم بأنهم إذا لم يقلعوا عن هذه الغواية، ويعودوا إلى ما جاءهم به رسول الله ﷺ من الهداية، فقد حلت دماؤهم وأموالهم، فإن رجعوا وإلا فالسيف هو الحكم العدل كما نطق به الكتاب المبين وسنة سيد المرسلين في إخوانهم المشركين" (٢). وقال أيضًا: "بل هؤلاء القبوريون قد وصلوا إلى حد في اعتقادهم في الأموات لم يبلغه المشركون في اعتقادهم في أصنامهم، وهو أن الجاهلية كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله وحده، وإنما يدعون أصنامهم مع عدم نزول الشدائد من الأمور كما حكاه الله عنهم بقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى البَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ لإِنسَانُ كَفُوراً﴾ وبقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.

стр. 62

بخلاف المعتقدين في الأموات فإنهم إذا دهمتهم الشدائد استغاثوا بالأموات ونذروا لهم النذور، وقلّ من يستغيث بالله سبحانه في تلك الحال، وهذا يعلمه كل من له بحث عن أحوالهم" (١). • وقال العلامة محمد بن محسن العطاس (توفي بعد سنة ١٢٥٢): "فاعلم أنّ الله تعالى بعث الأنبياء من أولهم إلى آخرهم يدعون العباد إلى إفراد الله بالعبادة، لا إلى إثبات أنه خلقهم ونحوه؛ إذ هم مقرون بذلك كما ذكرناه، ولم يعبدوا الأصنام بالخضوع لهم والتقرب بالنذر والنحر لهم إلا لاعتقادهم أنها تقربهم من الله، وتشفع لهم لديه، فأرسل الله الرسل تأمرهم بترك عبادة ما سواه، وأنّ هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه في الأنداد باطل، والتقرب إليهم باطل، وإنّ كل ذلك لا يكون إلا لله وحده. وأمر عباده أن يقولوا: إياك نعبد، ولا يصدقوا قائل هذا إلا إذا أفرد العبادة لله، وإلا كان كاذبًا فيها من أن يقول هذه الكلمة، إذ معناها: نخصك بالعبادة ونفردك بها، وهو معنى قوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ لِما عرف من علم البيان أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، أي لا تعبدوا إلا الله ولا تعبدوا غيره، ولا تتقوا إلا الله وألا تتقوا غيره كما في الكشاف. فإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا أن يكون جميعها كلها له، والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، والاستغاثة والاستعانة لله وحده، واللجوء إلى الله، والنذر له، والنحر له، وجميع أنواع العبادة، ومن يفعل شيئًا من ذلك لمخلوق من حي أو ميت أو جماد فقد أشرك في العبادة، وصار مَن يُفعل له هذه الأمور إلهًا لعابديه سواء كان ملكًا أو نبيًا أو وليا أو شجراً أو قبرًا، وصار بهذه العبادة أو بأي نوع منها عابدًا لذلك المخلوق وإن أقرّ بالله وعبده، فإن إقرار المشركين بالله وتقربهم إليه لم يخرجهم عن الشرك، وعن وجوب سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونهب أموالهم، فالله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك، لا يقبل عملاً شورك فيه غيره ... وقد عرفت من هذا أنّ من اعتقد في حجر أو قبر أو ملك أو حي أو ميت أنه ينفع ويضر، وأنه يقرب إلى الله، أو يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد الشفع به إلى الرب تعالى - إلا ما ورد في حديث فيه مقال في حق نبينا ﷺ ونحو ذلك، فإنه قد أشرك مع الله غيره، واعتقد ما لا يحل اعتقاده" (٢). وقال أيضًا: "وكل من دعا من دون الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك؛ لأن الدعاء اعتراف بالعبودية، فبدعائه له صيره إلهاً" (٣). • وقال العلامة محمد عابد السندي الحنفي (المتوفى: ١٢٥٧) في طوالع الأنوار شرح تنوير الأبصار: "ولا يقول: يا صاحب القبر، يا فلان اقض حاجتي، أو سلها من الله، أو كن لي شفيعًا عند الله. بل يقول: يا من لا يشرك في حكمه أحدًا اقض لي حاجتي هذه" (٤).

стр. 63

• وللإمام الشاه محمد إسحاق الدهلوي (المتوفى: ١٢٦٢ هـ) في كتاب المسائل المئة تحقيق في الرد على القبورية، حاصله: أن الاستغاثة بالأموات متضمنة لعدة أنواع من الشرك، كالشرك في العلم، والشرك في التصرف، والشرك في السماع (١). • وقال العلامة عبد الله بن أحمد باسودان (المتوفى: ١٢٦٦) وهو من أكابر فقهاء حضرموت في وقته: "وقد فشت في العامة اعتقادات فاسدة في أولياء الله، فإن مرضوا، قالوا: هذا صدر من فلان، وإن شفوا قالوا: بركة سيدي فلان، فلما اعتقدوا ضرهم ونفعهم حلفوا بهم ونذروا لهم من دون الله، واستشفوا بهم من دون الله. فإن أجرى الله سبحانه الوادي قالوا: شيء لله يا فلان، وإن قبض الله عليهم المطر قالوا: قبضها فلان .. والله سبحانه القابض الباسط المحيي المميت، وكل شيء بيده في ملك ملكوت، ولو ذهبنا لما في الكتاب والسنة من التحذير في ذلك لعرف الناس أنهم قد هلكوا، وأكثر هؤلاء بل كلهم أتباع الدجال. نعوذ بالله من الضلال. ويقع من هؤلاء في زيارة قبور الأولياء أو غيرهم كثيرٌ من الجهالات والمآثم المتكررة، هذا ما قاله الشيخ عبد الخالق المزجاجي الزبيدي" (٢). • وقال الإمام محمود الآلوسي المفسِّر ، مفتي الحنفية ببغداد (المتوفى: ١٢٧٠) عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ﴾: "وفي الآية ما يدل على أنّ صنيع أكثر العوام اليوم من الجؤار إلى غيره تعالى ممن لا يملك لهم بل ولا لنفسه نفعا ولا ضرا عند إصابة الضر لهم، وإعراضهم عن دعائه تعالى عند ذلك بالكلية، سفهٌ عظيم وضلال جديد، لكنه أشد من الضلال القديم. ومما تقشعر منه الجلود وتصعر له الخدود الكفرة أصحاب الأخدود، فضلا عن المؤمنين باليوم الموعود إن بعض المتشيخين قال لي وأنا صغير: إياك ثم إياك أن تستغيث بالله تعالى إذا خطْبٌ دهاك، فإنّ الله تعالى لا يعجل في إغاثتك ولا يهمه سوء حالتك، وعليك بالاستغاثة بالأولياء السالفين، فإنهم يعجلون في تفريج كربك ويهمهم سوء ما حلّ بك، فمجّ ذلك سمعي، وهمى دمعي، وسألت الله أن يعصمني والمسلمين من أمثال هذا الضلال المبين، ولكثير من المتشيخين اليوم كلمات مثل ذلك" (٣).

стр. 64

وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: "فالآية دالة على أن المشركين لا يدعون غيره تعالى في تلك الحال، وأنت خبير بأنّ الناس اليوم إذا اعتراهم أمر خطير وخطب جسيم في بر أو بحر دعوا من لا يضر ولا ينفع ولا يرى ولا يسمع، فمنهم من يدعو الخضر وإلياس، ومنهم من ينادي أبا الخميس والعباس، ومنهم من يستغيث بأحد الأئمة، ومنهم من يضرع إلى شيخ من مشايخ الأمة، ولا ترى فيهم أحدًا يخص مولاه بتضرعه ودعاه، ولا يكاد يمر له ببال أنه لو دعا الله تعالى وحده ينجو من هاتيك الأهوال. فبالله تعالى عليك قل لي: أي الفريقين من هذه الحيثية أهدى سبيلا وأي الداعيين أقوم قيلا؟ وإلى الله تعالى المشتكى من زمان عصفت فيه ريح الجهالة وتلاطمت أمواج الضلالة، وخرقت سفينة الشريعة، واتخذت الاستغاثة بغير الله تعالى للنجاة ذريعة، وتعذر على العارفين الأمر بالمعروف، وحالت دون النهي عن المنكر صنوف الحتوف" (١). وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾: "وقد رأينا كثيرا من الناس على نحو هذه الصفة التي وصف الله تعالى بها المشركين يهشّون لذكر أموات يستغيثون بهم ويطلبون منهم ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم توافق هواهم واعتقادهم فيهم، ويعظمون من يحكي لهم ذلك وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه ، وسرْد ما يدل على مزيد عظمته وجلاله، وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة وينسبونه إلى ما يكره، وقد قلت يومًا لرجل يستغيث في شدة ببعض الأموات وينادي: يا فلان أغثني، فقلت له: قل يا الله فقد قال سبحانه: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ﴾ فغضب، وبلغني أنه قال: فلان منكر على الأولياء. وسمعت عن بعضهم أنه قال: الولي أسرع إجابة من الله وهذا من الكفر بمكان. نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزيغ والطغيان" (٢). وقال أيضًا: "وبعد هذا كله أنا لا أرى بأسا في التوسل إلى الله تعالى بجاه النبي ﷺ عند الله تعالى حيا وميتا، ... نعم لم يعهد التوسل بالجاه والحُرْمة عن أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ولعل ذلك كان تحاشيًا منهم عما يخشى أن يعلق منه في أذهان الناس -إذ ذاك وهم قريبو عهد بالتوسل بالأصنام- شيء، ثم اقتدى بهم من خلفهم من الأئمة الطاهرين، وقد ترك رسول الله ﷺ هدم الكعبة وتأسيسها على قواعد إبراهيم لكون القوم حديثي عهد بكفر كما ثبت ذلك في الصحيح. وهذا الذي ذكرته إنما هو لدفع الحرج عن الناس والفرار من دعوى تضليلهم- كما يزعمه البعض- في التوسل بجاه عريض الجاه ﷺ لا للميل إلى أنّ الدعاء كذلك أفضل من استعمال الأدعية المأثورة التي جاء بها الكتاب وصدحت بها ألسنة السنة، فإنه لا يستريب منصف في أنّ ما علّمه الله تعالى ورسوله ﷺ ودرج عليه الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وتلقاه من بعدهم بالقبول أفضل وأجمع وأنفع وأسلم، فقد قيل ما قيل إن حقا وإن كذبا.

стр. 65

بقي هاهنا أمران: الأول: أن التوسل بجاه غير النبي ﷺ لا بأس به أيضا إن كان المتوسَّل بجاهه مما عُلم أن له جاهًا عند الله تعالى كالمقطوع بصلاحه وولايته، وأما من لا قطع في حقه بذلك فلا يتوسل بجاهه لما فيه من الحكم الضمني على الله تعالى بما لم يعلم تحققه منه عز شأنه، وفي ذلك جرأة عظيمة على الله تعالى. الثاني: أن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم، مثل: يا سيدي فلان أغثني، وليس ذلك من التوسل المباح في شيء، واللائق بحال المؤمن عدم التفوّه بذلك وأن لا يحوم حول حماه، وقد عدّه أناس من العلماء شركا، وإن لا يكنه فهو قريب منه. ولا أرى أحدًا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت المغيب يعلم الغيب أو يسمع النداء ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى وإلا لما دعاه ولا فتح فاه، وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم، فالحزم التجنب عن ذلك وعدم الطلب إلا من الله تعالى القوي الغني الفعال لما يريد. ومن وقف على سر ما رواه الطبراني في معجمه من أنه كان في زمن النبي ﷺ منافق يؤذي المؤمنين فقال الصديق رضي الله تعالى عنه: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق فجاؤوا إليه، فقال: «إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله تعالى» لم يشك في أن الاستغاثة بأصحاب القبور- الذين هم بين سعيد شَغَله نعيمه وتقلبه في الجنان عن الالتفات إلى ما في هذا العالم، وبين شقي ألهاه عذابه وحبسه في النيران عن إجابة مناديه والإصاخة إلى أهل ناديه- أمرٌ يجب اجتنابه، ولا يليق بأرباب العقول ارتكابه، ولا يغرنك أن المستغيث بمخلوق قد تُقضى حاجته وتنجح طلبته؛ فإن ذلك ابتلاء وفتنة منه ، وقد يتمثل الشيطان للمستغيث في صورة الذي استغاث به فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به، هيهات هيهات إنما هو شيطان أضله وأغواه وزيّن له هواه، وذلك كما يتكلم الشيطان في الأصنام ليضل عبدتها الطغام، وبعض الجهلة يقول: إن ذلك من تطور روح المستغاث به، أو من ظهور ملك بصورته كرامة له، ولقد ساء ما يحكمون، لأن التطور والظهور وإن كانا ممكنين لكن لا في مثل هذه الصورة وعند ارتكاب هذه الجريرة، نسأل الله تعالى بأسمائه أن يعصمنا من ذلك، ونتوسل بلطفه أن يسلك بنا وبكم أحسن المسالك" (١).

стр. 66

وقال أيضًا: "وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً﴾ إلخ إشارة إلى ذم الغالين في أولياء الله تعالى حيث يستغيثون بهم في الشدة غافلين عن الله تعالى، وينذرون لهم النذور، والعقلاء منهم يقولون: إنهم وسائلنا إلى الله تعالى، وإنما ننذر لله ، ونجعل ثوابه للولي، ولا يخفى أنهم في دعواهم الأولى أشبه الناس بعبدة الأصنام القائلين ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ودعواهم الثانية لا بأس بها لو لم يطلبوا منهم ذلك شفاء مريضهم أو ردّ غائبهم أو نحو ذلك، والظاهر من حالهم الطلب، ويرشد إلى ذلك أنه لو قيل: انذروا لله تعالى واجعلوا ثوابه لوالديكم فإنهم أحوج من أولئك الأولياء لم يفعلوا، ورأيت كثيرا منهم يسجد على أعتاب حجر قبور الأولياء، ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعا في قبورهم لكنهم متفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم، والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة أو خمسة، وإذا طولبوا بالدليل قالوا: ثبت ذلك بالكشف، قاتلهم الله تعالى ما أجهلهم وأكثر افترائهم، ومنهم من يزعم أنهم يخرجون من القبور ويتشكلون بأشكال مختلفة، وعلماؤهم يقولون: إنما تظهر أرواحهم متشكّلة وتطوف حيث شاءت وربما تشكلت بصورة أسد أو غزال أو نحوه، وكل ذلك باطل لا أصل له في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة، وقد أفسد هؤلاء على الناس دينهم وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة في اليهود والنصارى، وكذا لأهل النحل والدهرية. نسأل الله تعالى العفو والعافية" (١). وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلَاّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾: "وقد يقال نظرًا إلى مفهوم الآية: إنهم من يندرج فيهم كل من أقر بالله تعالى وخالقيته مثلا وكان مرتكبًا ما يعد شركًا كيفما كان، ومن أولئك عبدة القبور الناذرون لها المعتقدون للنفع والضر ممن الله تعالى أعلم بحاله فيها، وهم اليوم أكثر من الدود" (٢). • وقال العلامة محمد بن ناصر الحازمي الحسني التهامي (المتوفى: ١٢٨٣): "فمن طلب غير الله أحدًا من الأموات، أو النجوم، أو الشمس أو القمر، أو النور أو الظلمة، فقد غيَّر معنى لا إله إلا الله، وإن نطق بها أو تكلم بما يدل عليها؛ فإنّ المشركين يعرفون معنى لا إله إلا الله، ولهذا قال المشركون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، فإنه أمرهم النبي ﷺ أن يقولوا لا إله إلا الله، فأنكروا هذا؛ لأنهم يعلمون أن معناها ترك الأصنام، وأن لا يُدعى إلا الله، ولا يعبد سواه، فهؤلاء الذين يطلبون المعتَقَد لم يعرفوا معنى لا إله إلا الله، ولم يقوموا بحقها" (٣).

стр. 67

وقال أيضًا: "من اعتقد في شجر أو حجر أو جني أو حي أو ميت أنه ينفع أو يضر أو أنه يقرب إلى الله تعالى يشفع عنده في حاجة من حوائج الدنيا بمجرد التشفع والتوسل إلى الرب تعالى، فإنه قد أشرك مع الله غيره. واعتقد ما لا يحل اعتقاده" (١). وقال أيضًا: "فإنّ دعاؤهم [أي: عباد القبور] في المهمات لأسماء رجا صالحين، قد جعلوا على قبور بعضهم التوابيت والخرق النفيسة، والقباب، وسرجوا عليها في الليل، وعكفوا عليها هو بعينه فعل عباد الأصنام، وعباد الأصنام يعلمون أن هؤلاء لا يغنون عنهم من الله شيئًا، وإنما قصدوا التقرب إلى الله تعالى، وهؤلاء كذلك يقولون: إنهم مذنبون، وهؤلاء أقرب إلى الله تعالى منهم وسائط ووسائل، وهذا بعينه فعل عباد الأصنام" (٢). وقال أيضًا: "وأعظم من هذا أنه يستعان بهم عند الملمات، ويستغاث بهم في المهمات، ... ومع أن كل أحد من هؤلاء يدعو معتقده إذا مسه الضر، وربما كان معتقده مقبورًا في مصر والداعي في اليمن، فإنهم يدعون البدوي والجيلاني في بغداد وبينهم البر والبحر، والله تعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، ويقول ﷺ : «الدعاء هو العبادة» ثم يتلو هذه الآية، وهذه الصيغة تفيد الحصر، فمن دعا غير الله تعالى فقد عبد سواه، والله يقول لمصطفاه ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ﴾ ويقول ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. ومن عبد غير الله فقد أشرك، والله تعالى يقول لسيد المخلصين: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ " (٣). وقال أيضًا: "فإذا رددنا ما تنازعنا فيه، وقلنا بتحريم دعوة غير الله والاستغاثة به وما الحق في ذلك، فوجدنا القرآن ينادي بالنهي عن دعوة غير الله ويختمها بالوعيد الشديد لمن فعل ذلك، ولو لم يُحتج على صاحب الرسالة [أي: داود بن جرجيس] إلا بآية واحدة، لانقطعت حجته، ووهت شبهته، والسنة كذلك تنادي في النهي عن أن يدعى مع الله غيره، كما في الصحيح عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار». ومسمّى الدعاء هو السؤال والطلب لغة وشرعاً شاء المشرك أو أبى، ... والندّ هو الشبه والمثل، فمن استغاث بغير الله من ميت أو غائب، أو دعاه فقد شبّهه بالله الذي يصمد إليه كل مخلوق في كل ما يحتاجون إليه في دنياهم وأخراهم" (٤). • وقال العلامة محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل (المتوفى: ١٢٩٨): "والقسم الثاني [أي: من البدع التي ليست حسنة]: ما يدعو إلى إباحة ما حرم الله، ومن ذلك ما عمّ الابتلاء به من التقرب إلى الأولياء في قبورهم بأنواع الطاعات، وتعظيم نحو حائط أو عمود أو شجر رجاء شفاء أو قضاء حاجة. وهذا القسم أعظم وأشد من القسم الذي قبله، ويُخشى منه الوقوع في الكفر.

стр. 68

إذا تقرر هذا فالرايات والأعلام التي تنصب على قبور الأولياء والصالحين من جملة البدع التي لم تكن في خير القرون، ولا جرى على فعلها السلف الصالح، ولا يعود على الولي نفع أخروي بوضعها ... ولا ينبغي أن يوجد عند القبور شيء من البدع القبيحة، بل هي مواضع الاستغفار والقراءة والدعاء لهم والاعتبار بمحلهم لحديث: «زوروا القبور فإنها تذكر الآخرة» أخرجه ابن ماجه، وعند مسلم «فإنها تذكر الموت». والبدع منافية للاعتبار" (١). • وقال الشيخ فضل الله الجيلاني الهندي الحنفي (المتوفى: ١٢٩٩ هـ) عند شرح حديث «أشرف العبادة الدعاء»: "أشرف العبادة: أي الأمور التي يظهر فيها المرء عبوديته وكونه عبد الله، فمن أشرفها الدعاء، أي ليس الدعاء إلا إظهار المرء فاقته والاستكانة إلى ربه ... ، إذ الدعاء هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله، والاستكانة له، ولذا جعل جزاء الاستكبار الصغار والهوان ... وإذا اعتبرنا العبادات الشرعية سوى الدعاء وجدنا الشارع قد شرع الدعاء في كل منها بما يوافق ذلك القصد، فصار الدعاء عبارة عن الأمرين: السؤال باللسان، والقصد بالجنان؛ لأن الدعاء باللسان إنما هو ترجمة لذلك القصد، فإذا صح هذا: فإننا إذا أفرزنا الدعاء من العبادة - وهو القصد القلبي، وترجمته اللسانية - لم يبق من العبادة إلا صورتها، ولا شك أن القصد القلبي مع الترجمة عنه أكرم على الله تعالى وأشرف من صورة العبادة مجردة عن ذلك، ولهذا صح أن «الدعاء مخ العبادة»، وهو معنى: أن الدعاء هو العبادة، على وزان قوله ﷺ «الحج عرفة» " (٢). وقال أيضًا عند شرحه لما في الأثر أنه خدرت رِجْل ابن عمر، ... إلخ: "وعلى كل حال فصورة النداء في بعض الروايات ليس على حقيقته، ولا يتوهم أنه للاستعانة أو الاستغاثة، وإنما المقصود إظهار الشوق وإضرام نار المحبة، وذكر المحبوب يسخن القلب وينشطه فيذهب انجماد الدم فيجري في العروق، وهذا هو الفرح، والخطاب قد يكون لا على إرادة الإسماع" (٣).

стр. 69

• وقال العلامة عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي (المتوفى: ١٣٠٤) جوابا على استفتاء وَرَدَهُ عن حكم الورد الذي يقوله بعضهم إذا عرضت له حاجة، أو ألمت به ملمة، فيقول: "يا شيخ عبد القادر جيلاني شيئا لله" في عدد مخصوص ومدة معينة: قال ﵀: "إن الاحتراز عن مثل هذا الورد لازم. أولاً: لأن هذا الورد متضمن كلمة "شيئًا لله" وقد حكم بعض الفقهاء بكفر من قاله. وثانيا: لأنّ هذا الورد يتضمن نداء الأموات من أمكنة بعيدة، لم يثبت شرعا أن الأولياء لهم قدرة على سماع النداء من أمكنة بعيدة، إنما ثبت سماع الأموات لتحية من يزور قبورهم، ومن اعتقد أن غير اللَّه حاضر وناظر، وعالم للخفي والجلي في كل وقت وفي كل آن، فقد أشرك، والشيخ عبد القادر وإن كانت مناقبه وفضائله قد جاوزت العدّ والإحصاء، إلا أنه لم يثبت أنه كان قادرا على سماع الاستغاثة والنداء من أمكنة بعيدة، وعلى إغاثة هؤلاء المستغيثين، واعتقاد أنه ﵀ كان يعلم أحوال مريديه في كل وقت، ويسمع نداءهم من عقائد الشرك، والله أعلم" (١). انتهى مختصرا. • وقال العلامة محمد صديق خان القنوجي (المتوفى: ١٣٠٧): "والذي يظهر أنّ الحامل لمن ادعى العلم والعقل على محبة ما لا ينفع ولا يضر، والتوسل به والاعتقاد فيه، إتباع من يظن به الخير من أهل العلم، ودرجهم إبليس شيئا فشيئا حتى تعودوا ذلك وألفوه وسوغ لهم ذلك التقليد وعدم النظر في الكتاب والسنة. ومن نظر بإنصاف فيهما لم يخف عليه الحق الصراح، ولهذا لا تسمع عند الشدائد في مدائن الإسلام الاستغاثة بالله ولا الاستعانة به ولا التوسل به ولا دوام ذكره إلا قليلا أقل، وإنما يجيز أكثرهم اللهج بالمشايخ والأولياء. اللهم إنا نبرأ إليك من أمثال تلك الضلالات والمحدثات. ونعوذ بك من جميع ما كره الله" (٢). وقال أيضًا: "فالدعاء هو التوحيد، فمن دعا غير الله فقد أشرك، ودعاءُ غيره سبحانه شرك لا شك فيه" (٣). وقال أيضًا: "فمن استغاث بغيره في الشدائد، ودعا غيره فقد كفر" (٤). وقال أيضًا: "من استغاث بالأموات زعمًا منه أنهم يشفعون له في الدنيا فقد سلك سبيل اليهود والنصارى" (٥). • وقال الشيخ نعمان الألوسي ولد الإمام المفسر (المتوفى: ١٣١٧): "إن قلتَ: إنّ للمستغاث بهم قدرة كسبيه وتسببية فتُنسب الإغاثة إليهم بهذا المعنى.

стр. 70

قلنا له: إن كلامنا فيمن يستغاث به عند إلمام ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، أو لسؤال ما لا يعطيه ويمنعه إلا الله سبحانه، وأما فيما عدا ذلك مما يجرى فيه التعاون والتعاضد بين الناس، وإغاثة بعضهم ببعض فهذا شيء لا نقول به ولا ننكره كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، ونعدّ منعه جنوناً، كما نعد إباحة ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى شركاً وضلالاً. وكون العبد له قدرة كسبية لا يخرج بها عن مشيئة رب البرية لا يستغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله، ولا يستعان به ولا يتوكل عليه، ويلتجأ في ذلك ... فإذا علمت ذلك فلا يقال لحي أو ميت قريب أو بعيد: ارزقني، أو أمت فلاناً، أو اشف مريضي، إلى غير ذلك مما هو من الفعال الخاصة به . وبالجملة، فالاستغاثة والاستعانة والتوكل أغصان دوحة التوحيد المطلوب من العبيد" (١). وقال أيضًا: "بقي ههنا شيء يورده المجيزون على هؤلاء المانعين، وهو أنه لا شك أن من عبد غير الله مشرك حلال الدم والمال، وأنّ الدعاء المختص بالله سبحانه عبادة، بل هو مخّ العبادة، ولكن لا نسلّم أن طلب الإغاثة ممن استُغيث بهم شرك مطلقاً، وإنما يكون شركاً لو كان المستغيث معتقداً أنهم هم الفاعلون لذلك خلقاً وإيجاداً، فحينئذ يكون من الشرك الاعتقادي قطعاً، أما من اعتقدهم الفاعلين كسباً وتسبباً فليس بمسلَّم، ولئن سلمنا فليس المقصود من طلب الإغاثة منهم وندائهم إلا التوسل بهم وبجاههم، وإن كان اللفظ ظاهراً يدل على الطلب منهم، وأنهم المطلوبون بهذا النداء، لكن مقصود المستغيث التشفع والتوسل بهم إلى ربهم، وهو ﷺ من أشرف الوسائل إلى الله سبحانه، وقد أمرنا سبحانه بطلب ما يتوسل به، فقال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾. فكيف تحظرونها بل تجعلونها شركاً مخرجاً عن الملة وليس في قلوب المسلمين إلا هذا المعنى؟!، وإن في ذلك تكفير أكثر الناس، من غير ارتياب والتباس. وكيف تحكمون على أناس قد أظهروا شعائر الإسلام من أذان وصلاة، وصوم، وحج، وإيتاء زكاة، يأتون بكلمة التوحيد، ويحبون الله ويحبون سيد المرسلين، ويتبلغون بالقبول التام ما جاء عنهما من أمور الدين ... فأجاب المانعون بقولهم: أما قولكم أن ليس مقصودهم إلا التوسل والتشفيع، وإن تكلموا بما يفيد غيره، فإنه يدل على أنّ الشرك لا يكون إلا اعتقادياً، وأنّ اللفظ لا يكون كفراً إلا إذا طابق الاعتقاد. وهذا يقتضى سدّ أبواب الشرائع، ومحو الأبواب التي ذكرها الفقهاء في الردة. ولا سيما ما ذكرته الحنفية من التكفير بألفاظ يذكرها بعض الناس من غير اعتقاد، كيف وأن الله سبحانه يقول: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ والكلمة التي قالوها كانت على جهة المزح مع كونهم في زمن رسوله ﷺ ، وكانوا يجاهدون ويصلون، ويفعلون جميع الأوامر، وقال تعالى: ﴿أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾، وقد ذكر المفسرون: أنهم قالوها على جهة المزح. وكذلك العلماء كفّروا بألفاظ سهلة جداً، وبأفعال تدل على ما هو دون ذلك، لا سيما الحنفية كما لا يخفى على من تتبع كتبهم.

стр. 71

ولو قلنا: إن الألفاظ لا عبرة بها، وإنما العبرة للاعتقاد لأمكن لكل من تكلّم بكلام يحكم على قائله بالردة اتفاقاً أن يقول: لِمَ تحكمون بردتى؟! فيذكر احتمالاً ولو بعيداً، يخرج به عما كفر فيه، ولما احتاج إلى توبة ولا توجّه عليه لوم أبداً. وهذا ظاهر البطلان، ولساغ لكل أحد أن يتكلم بكل ما أراد، فتنسد الأبواب المتعلقة بأحكام الألفاظ" (١). وقال أيضًا: "ومن نظر بعين الانصاف، وتجنب سبيل الاعتساف، ونظر إلى ما كان عليه الأولون، وعرف كيف كان شركهم، وبماذا أرسل إليهم النبي ﷺ ، وكيف التوحيد، وما معنى الإله والتأله، وتبصّر في العبادات وأنواعها، تحقّق أن هذا الالتجاء والتوكل والرجاء بمثل طلب الشفاعة هو الذى نهى عنه الأولون، وأُرسل لأجل قمعه المرسلون، وبذلك نطق الكتاب، وبينه لنا خير من أوتي الحكمة وفصل الخطاب، سيما إذا استغيث بهم لدفع الشدائد والملمات، ولرفع الكرب المهمات، مما لا يقدر على دفعه إلا خالق الأرض والسماوات. وقد كان الأولون إذا وقعوا في شدة دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إذا هم يشركون. ومن فعل هذا بحالتي الشدة والرخاء، بل في قسمي المنع والعطاء فقد غلا وتجاوز حدّه" (٢). وقال أيضاً: "المراتب في هذا الباب ثلاثة: أحدهما: أن الدعاء لغيره تعالى سواء كان المدعو حياً أو ميتاً، وسواء كان من الأنبياء أو غيرهم، بأن يقال: يا سيدي فلان أغثني، أو أنا مستجير بك، أو نحو ذلك. فهذا شرك بالله تعالى، وهو مثل عبادة الأصنام في القرون الماضية" (٣). وقال أيضًا: "ثم إذا جاز أن يقول الضال: إنه يطلب من مخلوق كل ما يطلب من الخالق من كشف الشدائد، فكذلك يطلب منه ما يطلب من الخالق من إعطاء الفوائد فحينئذ يجوز أن يطلب من المخلوق كل ما يطلب من الخالق مطلقاً. وهذا الكفر شر من كفر عباد الأصنام، فإن أولئك لم يكونوا يطلبون من الأوثان كل ما يطلبون من الرحمن، بل لهم مطالب لا يطلبونها إلا من الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾، فبيّن أنه إذا جاء عذاب الله أو أتت الساعة لا يدعون إلا الله، فلا يطلبون كشف الشدائد، وإنزال الفوائد إلا منه. فمن جوَّز طلب ذلك من المخلوق كان أضل من هؤلاء المشركين، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ﴾، وقال ﵊ لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ... » الحديث. وقول القائل: لكونهم أسباباً ووسائل فكلام مجمل، فإن أراد أنهم وسائط، والداعي يزعم أنهم شفعاء، فالآيات متضافرة على منعه. وإن أراد أن الداعي لا يطلب منهم، ولكن يطلب من الله تعالى بحرمتهم وجاههم فهذا لا يسمى استغاثة بالمسؤول به. وما زلت أبحث عن هذه المسالة وأكشف ما أمكنني من كلام السلف والأئمة والعلماء - هل يجوز أحد منهم التوسل بالصالحين في الدعاء، أو فَعَلَ أحدٌ منهم ذلك، فما وجدته" (٤).

стр. 72

وقال أيضًا: "وإذا علمت هذا، فاعلم أنّ الاستغاثة بالشيء طلب الإغاثة والغوث منه، كما أن الاستعانة بشيء طلب الإعانة منه. فإذا كانت بنداء من المستغيث للمستغاث كان ذلك سؤالاً منه، وظاهر أن ذلك ليس توسلاً به إلى غيره، بل طلب منه، إذ قد جرت العادة أن من توسل بأحد عند غيره أن يقول لمستغاثه: أستغيثك على هذا الأمر بفلان، فيوجِّه السؤال إليه ويقصر أمر شكواه عليه، ولا يخاطب المستغاث به ويقول له: أرجو منك، أو أريد منك، أو أستغيث بك، ويقول: إنه وسيلتي إلى ربي، فإنّ هذا غير معروف. وإن كان كما يقول: فما قدّر عظم المتوسَّل إليه حق قدره وتعظيمه، وقد رجا وتوكل والتجأ إلى غيره. كيف واستعمال العرب يأبى عنه، فإن من يقول: صار لي ضيق فأستغيث بصاحب القبر فحصل الفرج، يدل دلالة جبلّية على أنه قد طلب الغوث منه، ولم يفد كلامه أنه توسل به عند غيره، بل إنما يراد هذا المعنى إذا قال: توسلت أو أستغيث عند الله تعالى بفلان، أو يقول لمستغاثه وهو الله سبحانه: أستغيث إليك بفلان، فيكون حينئذ مدخول الباء متوسّلاً به، ولا يصح إرادة هذا المعنى إذا قلت: استغثت بفلان، وتريد التوسل به، وسيما إذا كنت داعيه وسائله، بل قولك هذا نصٌّ على أنّ مدخول الباء مستغاث وليس بمستغاث به. والقرائن التي تكشفه من الدعاء له، وقصر الرجاء عليه شهود عدول، ولا محيد عما شهدت به ولا عدول. فهذه الاستغاثة، وتوجّه القلب إلى المسؤول بالسؤال والإبانة، محظور على المسلمين، لم يشرعها لأحد من أمته رسولُ رب العالمين. قال الشيخ محمد الأمين السويدي الشافعي: ولا يجوِّز ذلك إلا من جهل آثار الرسالة، ولهذا عمت الاستغاثة بالأموات عند نزول الكربات، يسألونهم ويتضرعون إليهم، فكان ما يفعلونه معهم أعظم من عبادتهم واعتقادهم في رب السماوات اهـ" (١). • وقال العلامة علي بن أحمد باصبرين صاحب كتاب هداية العبيد إلى خالص التوحيد (توفي في العشر الأول من القرن العشرين): " (التاسعة) مما يحرم ما يقال عند إقبال الزائرين إلى المزور: (يا وليّ الله جئنا إليك، وحططنا الذنب بين يديك" (٢).

стр. 73

وقال أيضًا: "مجرد دعاء غيره تعالى لا يوجب الكفر الجلي، وإنما فيه تفصيل يرجع إلى الداعي والمدعو إليه، فإن سلمت عقيدة الداعي كما ذكرنا نُظر إلى المدعو إليه، فإن كان مما جرت العادة فيه أنّ لغير الله فيه - بحسب الظاهر- دخلاً، كأن قال عطشان: يا فلان أسقني، أو عاجز عن الركوب يا فلان احملني على دابتي، ... جرت فيه الأحكام الخمسة لا الكفر الجلي. وإن كان مما لا دخل فيه لغير الله كـ يا فلان وفقني، أو اغفر لي ذنوبي، ... فهذا كله ونحوه كأجرني من الله أو من عذاب الله، أو أسعدني مما يحرم التفوه به مطلقًا، وهو الشرك الخفي، ولا يخرج من الدين، ويزجر ويعزّر مرتكبه، هذا مع سلامة عقيدته الباطنة (١)، وإلا فهو كافر مطلقًا (٢) ". • وقال الشيخ محمد عبده (المتوفى: ١٣٢٣): "فالإشراك اعْتِقَاد أَنّ لغير الله أثرا فَوق مَا وهبه الله من الْأَسْبَاب الظَّاهِرَة، وَأَن لشيء من الْأَشْيَاء سُلْطَانا على مَا خرج عَن قدرَة المخلوقين، وَهُوَ اعْتِقَاد من يعظم سوى الله مستعينا بِهِ فِيمَا لَا يقدر العَبْد عَلَيْهِ كالاستنصار في الْحَرْب بِغَيْر قُوَّة الجيوش، والاستشفاء من الْأَمْرَاض بغير الأدوية الَّتِي هدَانَا الله إِلَيْهَا، والاستعانة على السَّعَادَة الأخروية أَو الدُّنْيَوِيَّة بِغَيْر الطّرق وَالسّنَن الَّتِي شرعها الله لنا، هَذَا هُوَ الشّرك الذى كَانَ عَلَيْهِ الوثنيون وَمن ماثلهم، فَجَاءَت الشَّرِيعَة الإسلامية بمحوه وردّ الْأَمر فِيمَا فَوق الْقُدْرَة البشرية والأسباب الكونية إِلَى الله وَحده" (٣). وقال أيضًا: "إنّ من تتبع استعمال العرب في كلامهم يجد أنهم لا ينطقون لفظ العبادة على الخضوع والتذلل للملوك والأمراء مهما بولغ فيهما، ولا يسمون تذلل العاشق المستهتر لمن يعشقه عبادة وإن غلا فيه أشد الغلو. وإنما يخصون لفظ العبادة بالتعظيم الناشئ عن الشعور بأن للمعظَّم سلطة غيبية وأسرارًا معنوية وراء الأسباب الظاهرة، وخلاف ما يُعهَد من سائر الخلق. وللعبادة صور كثيرة أشهرها وأعمها الدعاء وطلب قضاء الحوائج التي تتعاصى على الأسباب المكتسبة، فيتعذر أو يتعسر الوصول إليها، ولذلك اجتمع المفسرون على تفسير ألفاظ الدعاء بالعبادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ وقوله: ﴿وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾، وفي الحديث المشهور «الدعاء مخ العبادة».

стр. 74

وأصل الدعاء النداء والطلب مطلقًا، أو مع ملاحظة استعلاء المنادى المطلوب منه، وإذا لوحظ معه تعظيم المدعو، واعتقاد أن له سلطة غيبية وراء الأسباب الظاهرة، أو طُلب منه ما لا يُنال بالكسب كان عبادة، سواء كان اعتقاد السلطة له لذاته أو لأنه واسطة بين الداعي وبين الله تعالى يقربه إليه زلفى. ولا يخرجه عن معنى العبادة تسميته باسم آخر كالتوسل والاستشفاع كما هو المتبادر من القرآن الكريم واللغة، والعبرة بالحقائق لا بالأسماء والاصطلاحات، ولا بالوساوس والخيالات" (١). وقال أيضًا: "فَالشِّرْكُ أَنْوَاعٌ وَضُرُوبٌ، أَدْنَاهَا مَا يَتَبَادَرُ إِلَى أَذْهَانِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ الْعِبَادَةُ لِغَيْرِ اللهِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَهُ، وَأَشَدُّهَا وَأَقْوَاهَا مَا سَمَّاهُ اللهُ دُعَاءً وَاسْتِشْفَاعًا، وَهُوَ التَّوَسُّلُ بِهِمْ إِلَى اللهِ وَتَوْسِيطُهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ تَعَالَى، فَالْقُرْآنُ نَاطِقٌ بِهَذَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ السِّيَرِ وَالتَّارِيخِ، فَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ أَشَدُّ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ، وَأَقْوَى مَظَاهِرِهِ الَّتِي يَتَجَلَّى فِيهَا مَعْنَاهُ أَتَمَّ التَّجَلِّي، وَهُوَ الَّذِي لَا يَنْفَعُ مَعَهُ صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا عِبَادَةٌ أُخْرَى. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا الشِّرْكَ قَدْ فَشَا فِي الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ، وَأَوْرَدَ شَوَاهِدَ عَلَى ذَلِكَ عَنِ الْمُعْتَقِدِينَ الْغَالِينَ فِي الْبَدَوِيِّ شَيْخِ الْعَرَبِ وَالدُّسُوقِيِّ وَغَيْرِهِمَا لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ. وَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِينَ يُؤَوِّلُونَ لِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يَتَكَلَّفُونَ الِاعْتِذَارَ لَهُمْ لَزَحْزَحَتِهُمْ عَنْ شِرْكٍ جَلِيٍّ وَاضِحٍ إِلَى شِرْكٍ أَقَلَّ مِنْهُ جَلَاءً وَوُضُوحًا، وَلَكِنَّهُ شِرْكٌ ظَاهِرٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الشِّرْكِ الْخَفِيِّ الَّذِي وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ، الَّذِي لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ إِلَّا الصِّدِّيقُونَ" (٢). • وقال الفقيه المحدث محمد بشير بن محمد بدر الدين السهسواني الهندي (المتوفى: ١٣٢٦): "قوله [أي: دحلان]: لأنا معشر أهل السنة لا نعتقد تأثيراً ولا خلقاً ولا إيجاداً ولا إعداماً ولا نفعاً ولا ضراً إلا لله وحده لا شريك له، ولا نعتقد تأثيراً ولا نفعاً ولا ضراً للنبي ﷺ ولا لغيره من الأموات، فلا فرق في التوسل بالنبي ﷺ وغيره من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وكذا بالأولياء والصالحين، لا فرق بين كونهم أحياء وأمواتاً، لأنهم لا يخلقون شيئاً، وليس لهم تأثير في شيء، وإنما يتبرك بهم لكونهم أحباء الله تعالى، وأما الخلق والإيجاد والإعدام والنفع والضر فإنه لله وحده لا شريك له.

стр. 75

أقول: فيه كلام من وجوه: (الأول): أنه يعتقد كثير من العوام وبعض الخواص في أهل القبور وفي المعروفين بالصلاح من الأحياء أنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ ، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله ، حتى نطقت ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم، فصاروا يدعونهم تارة مع الله، وتارة استقلالاً ... و (الثاني): أنّ مجرد عدم اعتقاد التأثير والخلق، والإيجاد والإعدام، والنفع والضر إلا لله لا يبرئ من الشرك، فإن المشركين الذين بَعث اللهً الرسل إليهم أيضاً كانوا مقرين بأن الله هو الخالق الرازق، بل لابد فيه من إخلاص توحيده وإفراده، وإخلاص التوحيد لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله لله، والنداء والاستغاثة والرجاء واستجلاب الخير واستدفاع الشر له ومنه لا بغيره ولا من غيره ... و (الثالث): أن مجرد كون الأحياء والأموات شركاء في أنهم لا يخلقون شيئاً وليس لهم تأثير في شيء لا يقتضي أن يكون الأحياء والأموات متساوين في جميع الأحكام حتى يلزم من جواز التوسل بالأحياء جواز التوسل بالأموات، وكيف وليس معنى التوسل بالأحياء إلا التوسل بدعائهم وهو ثابت بالأحاديث الصحيحة، وأما التوسل بدعاء الأموات فلم يثبت بحديث صحيح ولا حسن. قوله: وأما الذين يفرقون بين الأحياء والأموات، فإنهم بذلك الفرق يتوهم منهم أنهم يعتقدون التأثير للأحياء دون الأموات، ونحن نقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. فهؤلاء المجوّزون التوسل بالأحياء دون الأموات أو المعتقدون تأثير غير الله هم الذين دخل الشرك في توحيدهم؛ لكونهم اعتقدوا تأثير الأحياء دون الأموات. أقول: هذا كلام تقشعر منه الجلود، أما يعلم هذا القائل الصنديد، والمتفوه العنيد، أنّ الفارقين بين الأحياء والأموات هم الذين يمنعون مما هو دون اعتقاد تأثير الله بمراحل ويصرحون بكونه شركاً؟! فكيف يتوهم منهم أنهم يعتقدون تأثير غير الله؟! سبحانك هذا بهتان عظيم. على أن مناط الفرق بين الأحياء والأموات ليس اعتقاد التأثير للأحياء دون الأموات كما زعم هذا المتقوّل على الموحدين، إنما مناطه ثبوت التوسل بالأحياء بالأحاديث الصحيحة دون الأموات. قوله: فالتوسل والتشفع والاستغاثة كلها بمعنى واحد، وليس لها في قلوب المؤمنين معنى إلا التبرك بذكر أحباء الله تعالى، لما ثبت أن الله يرحم العباد بسببهم سواء كانوا أحياء أو أمواتاً. أقول: هذا الحصر غير مسلم، ... (١). قوله: فالمؤثر والموجد حقيقة هو الله تعالى، وذِكْرُ هؤلاء الأخيار سبب عادي في ذلك التأثير، وذلك مثل الكسب العادي فإنه لا تأثير له. أقول: كون ذكر هؤلاء الأخيار سبباً عادياً في ذلك التأثير من أين عُلم؟ وأي دليل عليه؟ ولو سُلِّم فالسببية لا تستلزم المشروعية، ألا ترى أنّ كثيراً من العقود الفاسدة سبب لتحصيل المنافع وليست بمشروعة.
следующие страницы →