Полный текст (1 191 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
ـ[دروس الشيخ عبد الكريم الخضير]ـ
المؤلف: عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن حمد الخضير
دروس مفرغة من موقع الشيخ الخضير
[الكتاب مرقم آليا، رقم الجزء هو رقم الدرس - ٤٣ درسا]
стр. 2
نعمة التوحيد
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
ففي هذه الساعة الطيبة المباركة نجتمع لنتذاكر ونتدارس موضوع هو أهم الموضوعات على الإطلاق، هو رأس المال الحقيقي، توحيد الله -جل وعلا- وإفراده في أفعاله المعبر عنه بتوحيد الربوبية، وأفعال الخلق التي من أجلها خلق الإنس والجن، وهو توحيد العبادة، وما وصف به نفسه -جل وعلا-، وما وصفه به رسوله ﵊، لا اقصد بذلك تفصيل هذه المواضيع، التي أفاض فيها أئمة الإسلام وعلماء الأمة من الصدر الأول إلى يومنا هذا في بيانها وتجليتها، وإعطائها ما تستحق من العناية، وجاء فيها من نصوص الكتاب والسنة ما لا يحاط به؛ لأهميتها، وموضوع المحاضرة فيما بلغني وإن لم أكن رأيت إعلاناً لكن قالوا: إنه نعمة التوحيد هكذا؟ هذا العنوان؟
طالب:. . . . . . . . .
نعمة التوحيد، العنوان مركب من مضاف ومضاف إليه، والحديث عن الشيء كما يقول أهل العلم: فرع عن تصوره، وتصور هذا العنوان بمعرفة جزئي المركب، فما النعمة؟ وما التوحيد؟
قد يقول قائل: إن النعمة لا يختلف أحد في معرفتها، ولو سألت أي شخص مهما كانت ثقافته وجدته يعرف النعمة، وإذا سألته عن التوحيد عرف لك التوحيد على حسب ما تلقاه عن شيوخه ومن يقتدي بهم، ولذا يختلفون في تعريف التوحيد، يختلفون اختلافاً متبايناً، أهل السنة يتفقون على تعريف هو ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وأهل البدع كل له تعريفه الذي يختص به، وتجد المبتدع يزعم أنه موحد ويقول: لا إله إلا الله وهو يطوف على القبر، ويزعم أنه محقق للتوحيد، بينما من هذه حاله كما قرر أئمة الدعوة أن أبا جهل أعرف منه بالتوحيد، وأعرف منه بلا إله إلا الله.
لأهمية هذا الموضوع كتب عنه كثيراً وألفت فيه الكتب المفردة بهذا العنوان: (التوحيد)، ولسلف هذه الأمة نصيب وافر من التأليف، وأيضاً لأصحاب الجوامع من كتب السنة أيضاً عناية فائقة بهذا الباب.
стр. 3
قد يقول قائل: لماذا جعل الإمام البخاري كتاب التوحيد آخر كتاب في صحيحه؟ هل هذا لعدم أهميته؟ نقول: إن الإمام البخاري افتتح كتابه بكتاب الإيمان وختمه بكتاب التوحيد؛ ليكون المعتني بصحيح البخاري بين هذين الكتابين بحيث لا ينساهما إذا طال به العهد، ومر على أبواب الدين كلها قد ينسى ما كتبه في أول الكتاب فيذكره بما سطره الإمام في آخره من أبواب التوحيد التي جلها في توحيد الأسماء والصفات، الذي شاع في عصره -رحمه الله تعالى- إنكاره من قبل المبتدعة.
النعمة جمع أو كما في لسان العرب يقول: النعيم والنُعماء والنَعماء والنعمة، النعيم والنُعماء والنَعماء والنعمة كله الخفض والدعة، الخفض والدعة والمال، فالمال نعمة ((نعم المال الصالح للرجل الصالح)) يعني إذا استغل فيما وجه إليه الإنسان في صرفه، وقبل ذلك كسبه من وجوه الحل وإلا فهو نقمة، وكثير من النعم التي يتمتع بها الناس إما أن تكون نعمة، وإما أن تكون نقمة، السمع والبصر والفؤاد وغيرها كلها من أعظم نعم الله على المخلوقين، ومع ذلكم قد تكون من أعظم النقم عليهم إذا لم تستغل فيما يرضي الله -جل وعلا-، قال: والمال وهو ضد البأساء والبؤساء، ضد البأساء والبؤساء، وقوله : ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ﴾ [(٢١١) سورة البقرة] يقول: يعني في هذا الموضع حجج الله الدالة على أمر النبي ﷺ ، وقال -جل وعلا-: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [(٨) سورة التكاثر] أي تسألون يوم القيامة عن كل ما استمتعتم به في الدنيا، تسألون يوم القيامة عن كل ما استمتعتم به في الدنيا، وجمع النعمة نعم وأنعم، كشدة وأشد، حكاه سيبويه، قال النابغة:
فلن أذكر النعمان إلا بصالح ... فإن له عندي يدياً وأنعماً
стр. 4
والنُعم بالضم خلاف البؤس، يقال: يوم نُعم، ويوم بُؤس، والجمع أنعم وأبؤس، ثم قال بعد ذلك بعد كلام طويل: والنعمة اليد البيضاء الصالحة والصنيعة والمنة، وما أنعم به عليك،، ونعمة الله بكسر النون منُّه، وما أعطاه الله العبد مما لا يمكن غيره أن يعطيه إياه كالسمع والبصر، نعمة الله يقول: بكسر النون منه، وما أعطاه الله العبد مما لا يمكن غيره أن يعطيه إياه كالسمع والبصر، مفهوم هذا أنه إذا كان مما يمكن أن يناله الإنسان من غيره فإنه لا يسمى نعمة الله، إنما قصر نعمة الله على ما يعطاه الإنسان مما لا يمكن غيره أن يعطيه إياه، قد يقول قائل: إن البشر يستطيعون أن ينفعوا غيرهم، وينعمون عليهم بما زاد في أيديهم عن حاجتهم، لكن المعطي في الحقيقة هو الله -جل وعلا-، وإن كانت على يد أحد من البشر، والنبي ﵊ يقول: ((إنما أنا قاسم، والله المعطي)) لأن الإنسان يتصور أن هذا الإنسان هو الذي أنعم عليه، هذا الإنسان هو الذي أنعم عليه، قد تنسب النعمة إلى الإنسان باعتبار أنه هو المباشر لها، وقد يقال: فلان أعطى فلاناً، والله في الحقيقة هو المعطي، لكن باعتبار أنه هو المباشر لهذه النعمة من نعم الله، ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [(٣٧) سورة الأحزاب] يعني أنت باشرت المنة عليه بالعتق وإلا فالمعتق هو الله -جل وعلا-، والمعطي هو الله -جل وعلا-، إذا كان النبي ﵊ يقوله بالنسبة للعلم والتعليم، يقول: ((الله هو المعطي وإنما أنا قاسم، فمن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) النبي ﵊ يقسم ويعدل في القسم، ويلقي ما عنده من علم على الصحابة على حد سواء، يقسم بينهم ويعدل بينهم، لكن الله -جل وعلا- هو المعطي، وهو الذي يمنح هذا ويمنع هذا.
стр. 5
يقول -جل وعلا-: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [(٢٠) سورة لقمان] ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ وقال تعالى: ﴿شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ﴾ [(١٢١) سورة النحل] قال ابن عباس: النعمة الظاهرة الإسلام، والباطنة ستر الذنوب، النعمة الظاهر الإسلام، يعني الأمور العملية التي تشاهد، والباطنة ستر الذنوب وهذا مثال، تفسير بالمثال وإلا فكم لله -جل وعلا- من نعم ظاهرة، وكم له أيضاً من نعم باطنة، لكن السلف منهم من يفسر بالمثال ولا يقصد بذلك الحصر.
هذا بالنسبة للمضاف وهو نعمة .. ، والمضاف إليه وهو التوحيد، الذي هو الجزء الثاني من جزئي المركب، مصدر وحد، يقول ابن منظور: التوحيد: الإيمان بالله وحده لا شريك له، والله الواحد الأحد، والله الواحد الأحد ذو الوحدانية والتوحيد، أو ذو الوحدانية والتوحد، الوحدانية والتوحد.
يقول ابن سيدة: والله الأوحد والمتوحد وذو الوحدانية، ومن صفاته الواحد الأحد، يقول أبو منصور وغيره، أبو منصور الأزهري صاحب التهذيب: الفرق بينهما -بين الواحد والأحد- أن الأحد بني لنفي ما يذكر معه من العدد، بني لنفي ما يذكر معه من العدد تقول: ما جاءني أحد، والواحد اسم بني لمفتتح العدد، تقول: ما جاءني واحد من الناس ولا تقول: جاءني أحد، فالواحد منفرد بالذات في عدم المثل والنظير، الواحد منفرد بالذات في عدم المثل والنظير، والأحد منفرد بالمعنى، فلكل واحد منهما ما يخصه.
стр. 6
الأحد جاء في قوله -جل وعلا- في سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [(١) سورة الإخلاص] ثعلب وهو من أئمة اللغة الثقات يقول: الآحاد جمع واحد وحاشا أن يكون للأحد جمع، وحاشا أن يكون للأحد جمع، يعني نظر إلى اللفظة باعتبارها من أسماء الله، والله -جل وعلا- متوحد متفرد لا ند له ولا نظير، وإذا كان الأمر كذلك فلا يجمع هذا اللفظ فهل كلامه صحيح؟ يعني العلماء حينما قالوا: آحاد، خبر الآحاد، أو خبر الواحد ملاحظ أنهم يجمعون الواحد على آحاد، لما قال: الآحاد جمع واحد وحاشا أن يكون للأحد جمع، هو نظر إليه باعتباره اسم من أسماء الله -جل وعلا-، لكن هل هو من الأسماء التي يختص بها الله -جل وعلا- أو من الأسماء المشتركة؟ مثل: الكريم، الرحيم، الرءوف هذه مشتركة، ومما يختص به الله -جل وعلا- من الأسماء: الله، والرحمن هل هو من الصنف الأول بمعنى أنه مشترك وحينئذٍ لا يجوز جمعه؟ لا يجوز جمعه، يجمع راحم ((الراحمون يرحمهم الرحمن)) لكن ما يجوز جمع الرحمن، ولا يجوز جمع الله لأنه لا يوجد له سمي، لكن ما يشترك بين الخالق والمخلوق فيه كالكريم يجمع، والرحيم يجمع، فهل الأحد كما قال ثعلب: لا يجوز جمعه حاشا أن يكون للأحد جمع؟ هو مشترك كما يطلق على الله -جل وعلا- يطلق على اليوم الذي يلي السبت، غداً السبت والذي بعده الأحد، وكم في الشهر من أحد؟ أربعة آحاد، وما الذي يمنع من الجمع لأن الاسم مشترك، يعني نبهت على هذا لأن ثعلب أكد على هذه المسألة وأصر على أنه لا يمكن جمعه، وإن كان في الاستعمال -استعمال أهل العلم- حينما قالوا: خبر الواحد وخبر الآحاد مفاد كلامهم أنهم يريدون به جمع الواحد، والأحد منفرد بالمعنى، ولا يجمع هذين الوصفين إلا الله .
стр. 7
قال الأزهري: والواحد من صفات الله تعالى معناه أنه لا ثاني له، ويجوز أن ينعت الشيء بأنه واحد، يجوز أن ينعت الشيء بأنه واحد، يعني إذا قيل: كم عندك من بيت؟ تقول: واحد، ما في ما يمنع، ويجوز أن ينعت الشيء بأنه واحد، فأما أحد فلا ينعت به غير الله تعالى لخلوص هذا الاسم الشريف له -جل ثناؤه- وتقول: أحدت الله تعالى ووحدته وهو الواحد الأحد، هذا يؤيد كلام هذا المذهب يؤيد كلام ثعلب أنه لا ينعت به غير الله، لكن ماذا عن يوم الأحد؟ وجاءت به النصوص، جاءت به النصوص، نصوص صحيحة، جاءت بلفظ الأحد والمراد به اليوم الذي يلي السبت، فهل يرد عليهم مثل هذا؟ فأما أحد فلا ينعت به غير الله تعالى لخلوص هذا الاسم الشريف له -جل ثناؤه- وتقول: أحدت الله تعالى ووحدته وهو الواحد الأحد.
جاء عن النبي ﵊ أنه قال لرجل .. ، أنه قال لرجل ذكر الله وأومأ بأصبعيه، يعني كأنه في التشهد لما قال: أشهد أن لا إله إلا الله أشار بأصبعيه كلتيهما، فقال له النبي ﵊: ((أحد أحد)) يعني أشر بالسبابة اليمنى فقط، لتشير بذلك إلى أن المعبود والمذكور واحد، وهو الله -جل علا-، أي أشر بأصبع واحدة، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وصححه الترمذي وغيره.
ابن حجر في شرح كتاب التوحيد في فتح الباري في آخر الكتاب نقل عن أبي القاسم التميمي في كتاب الحجة قوله: "التوحيد مصدر وحد يوحد، ومعنى وحدت الله اعتقدته منفرداً بذاته وصفاته لا نظير له ولا شبيه، وقيل: معنى وحدته علمته واحداً، وقيل: سلبت عنه الكيفية والكمية فهو واحد في ذاته لا انقسام له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وفي إلهيته وملكه وتدبيره لا شريك له، ولا رب سواه، ولا خالق غيره".
إذا علم هذا فالتوحيد إفراد الله تعالى بما يختص به من ربوبية وألوهية والأسماء والصفات.
стр. 8
وقد اجتمعت الثلاثة في قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا توحدي الربوبية ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ هذا توحيد الإلوهية ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [(٦٥) سورة مريم] هذا توحيد الأسماء والصفات، إشارة بهذه الآية إلى أنواع التوحيد الثلاثة التي حصر أهل العلم التوحيد فيها بطريق الاستقراء؛ لأن ممن يشوش الآن ويقول: ما الدليل على هذا الحصر؟ ويضيف بعضهم توحيد المتابعة، لا بد أن تكون متابعته لواحد، لكن هل هذا مما يتعلق بالله -جل وعلا-؟ نعم نحن نوحد متابعتنا للنبي ﵊، فلا قدوة لنا ولا أسوة غيره، لكن توحيده وطاعته تابعة لتوحيد الله -جل وعلا- وطاعته، التوحيد هو الغاية من خلق الجن والإنس، كما قال -جل وعلا-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [(٥٦) سورة الذاريات] فالجن والإنس خلقوا لغاية، خلقوا لهدف، لا بد من تحقيق هذا الهدف، وهو تحقيق العبودية لله -جل وعلا-، فينبغي أن يكون هذا الهدف هو الهاجس، هو نصب عيني المسلم، وأنه خلق من أجل هذا، وأن ما يسعى وراءه غير تحقيق هذا الهدف أو ما يعين على تحقيق هذا الهدف هذا كله هباء، ولذلك عرف سلف هذه الأمة هذه الغاية وعملوا من أجلها، ولم يلتفوا إلى غيرها إلا بقدر ما يتحقق به هذا الهدف، ولذا يقول الله -جل وعلا- ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [(٧٧) سورة القصص] ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ من أجل أن تعيش لتحقق هذا الهدف، وإلا فالدنيا ليست غاية وليست بمقر، وإنما هي ممر ومزرعة للدار الآخرة، ومع الأسف إذا نظرنا إلى حال المسلمين اليوم في كثير من الأقطار وجدنا العكس، يعني سواءً قال ذلك بلسان المقال أو بلسان الحال، تجد حال كثير من الناس هدفه وغايته الدنيا، ثم بعد ذلك إن بقي شيء من وقته التفت إلى عبادات ألفها ويأتي بها على وجه الله أعلم به، ولا أدل على ذلك من حال المسلمين بعد أن فتح لهم من أنواع التجارة التي لا تكلفهم شيء، وانصرف إليها جل الناس من صغير وكبير، من رجال ونساء، من غني حتى الفقراء دخلوا فيها، اللي هي تجارة
стр. 9
الأسهم، كل بحسبه، انصرفوا إليها انصرافاً كلياً وأثر ذلك على حلقات التعليم، وأثر ذلك على أعمال الناس التي استأجروا عليها واستأمنوا عليها، فتجد الموظف وهو في مكتبه عنده الجهاز يبيع ويشري ويحسب، والمصلي أيضاً تجده لا يعقل من صلاته إلا القليل النادر، وهذا حكم يعني الغالب وإلا يوجد من تعامل بهذه المعاملة ولا أثرت فيه تأثير مثل غيره، يعني إذا سمع من يقول: آمين وهو ساجد يرفع صوته بها، هذا يعقل من صلاته شيء؟ نعم، والمساهمون في الصالات في البنوك مجرد ما يسلم الإمام التسليمة الأولى تجدهم مثل ما يحصل من سلام الإمام في المسجد الحرام، تجد كثير من الناس لا يسلم الثانية ليذهب ليقبل الحجر وحصل من كثير من الناس في صالات البنوك قريب من هذا، فنسوا كل شيء، عطلوا أعمالهم، وأهملوا أسرهم، وضيقوا على أنفسهم، والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [(٧٧) سورة القصص] لأن هذه الغاية العظمى التي هي العبادة يمكن للإنسان أنه إذا جاهد في أول الأمر من أجل تحقيقها ثم صار يتلذذ بها احتمال أن ينسى الدنيا، لكننا بحاجة الآن أن نذكر المسلم أن لا ينسى نصيبه من الآخرة، هذه هي الغاية، التوحيد هو الغاية أيضاً من إنزال الكتب ومنها القرآن كما قال -جل وعلا-: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [(١ - ٢) سورة هود] التوحيد إذا حقق يمنع الخلود في النار، إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة خردل، يعني فرق بين من يدخل النار ليهذب وينقى ثم يخرج منها إلى النعيم المقيم، وإذا علمنا حال آخر من يخرج من النار ويدخل الجنة يقال له: تمن، فتنقطع به الأماني، ما يدري ماذا يقول؟ يعني آخر واحد ويش بيقول؟ فيقال له: تمن، فتنقطع به الأماني، فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك أعظم ملك في الدنيا؟ قال: إي وربي، أرضى، ما توقع هذا ثم يقال: لك هذا ومثله، ومثله، ومثله ومثله، إلى عشرة أمثاله، تصور أعظم ملك في الدنيا عشرة أمثاله، هذا إذا خرج، إذا كان في قلبه مثقال حبة من خردل، مثقال حبة خردل من إيمان، لكن
стр. 10
الذي ليست توجد لديه .. ، أو لديه هذا المثقال -نسأل الله السلامة والعافية- في النار، في العذاب الأبدي السرمدي ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [(٥٦) سورة النساء] ﴿مَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [(٤٨) سورة الحجر] فهذا فيه دلالة على عظم شأن هذا التوحيد الذي الفرق بين هذا وهذا مثقال حبة خردل، لكن ماذا عن الذي يحقق التوحيد ويمتلئ قلبه من التوحيد؟ هذا يمنعه دخول النار بالكلية، إذا تحقق وأخلص كما جاء ذلك في حديث عتبان في الصحيحين وغيرهما قال: ((فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)).
تحقيق التوحيد يحصل به الأمن التام في الدنيا والآخرة:
تحقيق التوحيد يحصل به الأمن التام في الدنيا والآخرة، ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [(٨٢) سورة الأنعام] مفهومه أن الذين لبسوا إيمانهم بظلم لا يحصل لهم الأمن، وليسوا بمهتدين، أقول: هذه الآية أول ما نزلت خاف منها الصحابة -رضوان الله عليهم- وأينا لم يظلم؟ يظلم نفسه الظلم حاصل، الله -جل وعلا- حرمه على نفسه، وجعله بين الناس محرماً، لكن المقصود به في هذه الآية الشرك ((ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح)) ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [(١٣) سورة لقمان]؟.
стр. 11
يقول -جل وعلا- في سورة النور: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ آمنوا وعملوا الصالحات ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [(٥٥) سورة النور] ما الدين الذي ارتضي؟ ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [(٣) سورة المائدة] ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ ومعنى العبادة هنا التوحيد، يعبدونني بدليل المقابل ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [(٥٥) سورة النور] وعلى هذا فالمشرك لا تحصل له هذه الخصال، ونحن نسعى جادين إلى تحصيل الأمن وتحقيقه بعد أن وجد ما يزعزعه من بعض التصرفات، ونغفل عن مثل هذه التوجيهات الإلهية، لماذا لا نعتني بالتوحيد ونحارب الشرك بجميع مظاهره ليتحقق لنا هذا الوعد الذي هو الأمن؟ ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [(٥٥) سورة النور] ونحن نبحث جادين عن وسائل تحقيق الأمن ونغفل عن مثل هذا، فلا أمن إلا بتحقيق التوحيد، ولا أمن إلا بنبذ الشرك، وهذه هي النعمة العظمى التي يتقلب بها من منَّ الله عليه بتحقيق التوحيد وتخليصه وتنقيته من شوائب الشرك والبدع.
стр. 12
فقد التوحيد إذا كان .. ، إذا كان الربح العظيم في الدنيا والآخرة بتحقيق التوحيد، ففقد التوحيد هو الخسارة الحقيقية، خسارة الدنيا والآخرة، الإنسان يشتري سيارة بمائة ألف ويبيع بتسعين بثمانين بسبعين ألف خسارة، لكنها ليست بالخسارة لأن الدنيا كلها غير مأسوف عليها، عند من يعرف حقيقة الدنيا والآخرة، الذي يعرف حقيقة الدنيا وأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة يعرف أن الخسارة الحقيقية هي خسارة النفس والمال يوم القيامة، كما قال -جل وعلا-: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ الخاسرين خسارة حقيقية، خسارة لا ربح معها تبيع سيارة بخسارة عشرة آلاف، تبيع سلعة بمكسب، لكن الخسارة التي لا ربح معها ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ هذه هي الخسارة التي لا تعوض، أما اليوم تشتري السيارة تبيعها بخسارة عشرة آلاف، تشتري بيت تبيعه بمكسب مائة ألف، ما في خسارة، ما في خسارة ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ [(٤٥) سورة الشورى] بعض العلماء وهو معروف عن مالك أنه لا غبن ولا شيء اسمه: خيار الغبن، يعني إذا بعت سلعة وفيها نقص من قيمتها الثلث فأكثر جمع من أهل العلم يرون أن لك خيار الغبن، مالك يقول: ما في شيء اسمه: غبن، في الدنيا ما في غبن، الغبن وين؟ ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [(٩) سورة التغابن] يوم القيامة، الدنيا كلها ما تسوي شيء، سعيد بن المسيب ﵀ لما جاءه الواسطة يكتب ابنته لابن الخليفة قال له: يا سعيد جاءتك الدنيا بحذافيرها، جاءتك الدنيا بحذافيرها، نعم اتصور ابن الخليفة ابن الملك جاء يخطب بنتك، كثير من الناس خطر على عقله كيف ابن خليفة يجي يخطب ابنتي؟ لأن الدنيا صارت هدف، صارت غاية، قال سعيد: إذا كانت الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة فماذا ترى أن يقص لي من هذا الجناح؟ يعني لو قيل: هذا مفتاح بيت المال كله لك، فماذا ترى أن يقص من هذا الجناح لي؟ والدنيا كلها من أولها إلى آخرها لا تزن عند الله جناح بعوضة
стр. 13
((وركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها)) فمثل هذه الأمور على المسلم أن ينظر إليها بعناية، وأن يعيد النظر فيها، يعني يحصل في مجالس بعض الناس أن الإنسان إذا حج جاء من باب الفضول قال له بعض الناس -وهذا حصل-: تبيع حجتك بمائة ألف؟ بعض المساكين يقول: نعم نحج حجة ما تكلف ولا ألف بدلها، لكن ما الذي يقوم أمام هذه العبادة العظيمة التي إن كان حجه مبرور رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ((والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)) والله المستعان.
فهذه الخسارة والكارثة حقيقة هي خسارة الدين.
وكل كسر فإن الدين يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبرانُ
الدين ما يجبره شيء، لكن أي كسر في الدنيا أو حتى في الجسد ينجبر، ولو قدر أن إنساناً حصل له ما حصل، والتفت إلى ربه وذكره، ذكره الله في نفسه، يعني ذكره خالياً بمفرده ((من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسه، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه)) هذا في الصحيح في البخاري وغيره، يعني ماذا يحصل للإنسان وإن كان طالب علم، وإن كان كبيراً في نفسه في قومه إذا قيل له: ذكرك الملك فلان أو الأمير فلان البارحة وأثنى عليك خير، والله أعلم يجلس أسبوع ما نام، وماذا يقدم له؟ وماذا يؤخر هذا المخلوق وهو مثله؟ والله ما يستطيع أن يقدم له شيء، لو يحصل له صداع ما استطاع أن يقدم له شيء، إلا أنه تسبب يدخله مستشفى وإلا يجيب له طبيب وإلا .. ، لكن ((من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه)) ونحن نغفل عن هذه الحقائق، وإذا جلسنا في مجالسنا عمرناها بالقيل والقال، ونسهر الساعات الطويلة قال فلان، ذكر فلان، الصحيفة الفلانية ذكرت كذا، والقناة الفلانية قالت كذا، هذا إذا سلم من المحرمات، فإذا سلم من المحرمات وانشغل بالقيل والقال وعمر وقته بها فإذا أراد أن يتعبد ثقلت عليه العبادة، عنده استعداد يسهر إلى الساعة ثلاث، قيل وقال مع أحبابه وأصدقائه، ثم إذا دخل شخص عرف بصلاحه توقعوا أنه يحد من متعتهم في الحديث استثقلوه، فإذا لم يبق من الليل إلا الشيء اليسير عالج نفسه للوتر ولو بركعة، تجده لا يعان على ذلك، لكن لو كان وقته معموراً بذكر الله صارت العبادة هي جنته، والله المستعان.
стр. 14
جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة قبولها متوقف على تحقيق التوحيد:
стр. 15
جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة قبولها متوقف على تحقيق التوحيد ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ [(٢٣) سورة الفرقان] ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [(٦٥) سورة الزمر] وهذا يقال لمن؟ للرسول ﵊ فكيف بغيره؟ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ فلا بد من تحقيق التوحيد، وهو الذي به تحفظ الأعمال، وبه تضاعف هذه الأعمال، وكل ما قوي التوحيد والإخلاص لله -جل وعلا- كملت جميع الأعمال الصالحة وتمت، والمخلص في إيمانه وفي توحيده تخف عليه الطاعات، يعني نسمع من سلف هذه الأمة من يصلي في اليوم والليلة مئات الركعات، والنبي ﵊ يقول لمن سأله مرافقته في الجنة: ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) الإمام أحمد حفظ عنه ثلاثمائة ركعة في يوم وليلة، كيف خفت عليه هذه العبادة؟ الرسول القدوة الأعظم ﵊ قام حتى تفطرت قدماه، كيف خف عليه هذا القيام؟ لقوة إيمانه وإخلاصه وتوحيد قصده إلى الله -جل وعلا-، وقف بين يدي ربه -جل وعلا- فقرأ الفاتحة ثم قرأ البقرة ثم قرأ النساء ثم آل عمران ثم ركع، يرتل ﵊ يقرأ القرآن على الوجه المأمور به، ويردد ويسأل ويستعيذ ويتأمل ويتدبر فخمس أكثر من خمسة أجزاء تحتاج إلى كم من الوقت؟ وهل نقول إنه ما صلى إلا ركعة واحدة؟ صلى ﵊ نعم لم يحفظ عنه أنه قام ليلة كاملة إلا ما ذكر في العشر الأواخر من رمضان أنه إذا دخلت العشر شد المئزر واعتزل أهله، وأحيا ليله، وأما ما عدا ذلك فهو يخلطه بقيام ونوم، لكن قراءة خمسة أجزاء على الوجه المأمور به لا تقل عن ساعتين، ثم ركع ركوعاً طويلاً نحواً من قيامه، ثم سجد سجوداً طويلاً نحواً من ركوعه وهكذا، يعني الصلاة على هذا الوجه، وعلى هذه الطريقة من يطيقها؟ من يطيقها؟ لا نقرن هذا بالبدن وقوة البدن أبداً، لا علاقة بين هذا الفعل وبين قوة البدن وضعفه، تجد الشاب في الثلاثين من عمره عنده استعداد أن يحمل مائتي كيلو ويجري بها، يعني بعض الناس عنده قدرة، وعنده قوة، لكن إذا صف خلف الإمام تجده يراوح بين قدميه، تتعب هذه
стр. 16
ثم يرفعها ثم .. ، والإمام ماذا يقرأ؟ إذا قرأ عشر آيات قالوا: طول، فلا ارتباط للبدن مع تحمل هذه العبادات الطويلة، إنما العلاقة بين في هذه العبادات إنما هي للقلب فقط، القلب السليم هو الذي يحمل البدن، هو الذي يحمل البدن، والشيخ الكبير الذي جاوز المائة يصلي التهجد خلف إمام قراءته متوسطة؛ لأن بعض الأئمة يتشجع المأموم إذا صلى خلفه لحسن صوته، هذا قراءته متوسطة، والشيخ معتمد على عصاه جاز المائة، والإمام يقرأ في كل تسليمة جزء من القرآن، في كل تسليمة يقرأ جزء، وهؤلاء أدركناهم اللي يقرؤون في الجزء بالتسليمة، لكن الآن كثير من الأئمة ورقة واحدة، في التهجد ورقة، وأما بالنسبة للتراويح فأقل، بعضهم نصف وجه، ربع ورقة، سئلنا سؤال حقيقي ما هو بافتراضي، إمام يسأل عن آية الدين هل يجوز قسمها بين الركعتين؟ آية الدين، والله المستعان، هذا الشيخ الذي جاوز المائة يعتمد على عصاه ويصلي خلف إمام قائماً يقرأ في التسليمة جزء من القرآن وصوته لا يشجع لما خفف الإمام في التسليمة الأخيرة لأنه سمع مؤذناً؛ لأنه إذا سمع المؤذن معناه أن المسجد انتهى من صلاة التهجد هذا الأذان الأول، خفف، لما سلم استلمه هذا الشيخ الكبير يوبخه ويؤنبه، ويقول: لما جاء وقت اللزوم يعني بتعبيره فهو عامي أو شبه عامي، لما جاء وقت اللزوم يعني هذا أهم الأوقات خففت؟! والآن تجد المساجد التي عرف أئمتها بالتخفيف تمتلئ من الناس، نعم الناس كثير منهم بحاجة إلى ما يعنيهم، لكن ليس إلى هذا الحد، يتلاعب الناس بالقرآن، يسأل عن آية الدين هل تقسم وإلا ما تقسم؟ والإمام مطلوب بالتخفيف، مطلوب بمراعاة المأمومين، لكن مثل التهجد في العشر الأواخر من رمضان ظرف لا يعوض، والله المستعان.
стр. 17
شخص بالمقابل شخص كبير زاد على الثمانين يقولون: له أكثر من عشر سنوات أو قالوا: عشرين شككت، ما صلى قائماً، يصلي وهو جالس، لما جاء يوم العيد وجاءت العرضة أظن أكثر من ساعة وهو يعرض قائماً بيده السيف، قالوا: يا فلان أما تتقي الله تصلي جالس وهذا .. ؟ قال: والله ما أدري ما الذي حملني؟ ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [(٤) سورة الليل] يعني هذه صورة وهذه صورة وكلها موجودة في المجتمع، فما الذي تختاره لنفسك؟ المخلص في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات لما يرجوه من الثواب، ويهون عليه ترك المعاصي لما يخشى من سخط الله وعقابه ومع ذلك يعينه الله -جل وعلا- على تحقيق ما يريد من أمور الدين والدنيا.
التوحيد يخفف على العبد المصائب:
تحقيق التوحيد يخفف على العبد المكاره، ويهون عليه المصائب، فبحسب تكميل العبد للتوحيد والإيمان يتلقى هذه المصائب وهذه المكاره وهذه الآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة لماذا؟ لأنها كلما عظمت المصيبة وعظم الألم زاد الأجر، فإذا كان يرجو ثواب الله وثواب الله نصب عينيه، كما يفعل في تجارة الدنيا، تجده يتعب الليل والنهار من أجل أن يكثر الكسب، ويتحمل هذه المشاكل، وذكر أن بعض كبار التجار يسهرون في بعض البنوك أمام الشاشات الليل كله، ويلاحظون إذا طلعت وإذا نزلت، وهذه حبة سكر، وهذه حبة ضغط، وهذه ما أدري إيش؟ يناظر الشاشات إذا ارتفع كذا وإذا نزل انخفض كذا، يعني بالله هل هذا أسهل أو صلاة ركعتين في جوف الليل؟ لكن من الذي يلقى مثل هذه الأعمال؟ ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [(٣٥) سورة فصلت].
لو ننظر بمقاييسنا أن صاحب العقد العظيم الذي جمع هذه الأموال ثم ماذا؟ يروح ويتركها ويقتسمها الورثة، وقد يحصل بينهم أدنى مشكلة فيدعون عليه الذي هو السبب في هذه المشكلة، وعليه الآثام، ولهم الغنم، الغنيمة الباردة للوارثة، وعليه إثمها وحسابها إن كان قد ارتكب شيئاً من المخالفات.
стр. 18
فتجد هذا يتلقى هذه المصائب بقلب منشرح ونفس مطمئنة، وتسليم ورضا بأقدار الله المؤلمة، وذلكم لأن الإيمان بالقضاء حلوه ومره خيره وشره ركن من أركان الإيمان، الذي لا يصح إلا به، والموحد حر من رق العباد، حر من رق العباد والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم، وهذا هو العز الحقيقي والشرف الغالي، تجد بعض الناس حينما يكون رجاؤه معلق بشخص تجد حياته دائماً في خوف وفي وجل من هذا الشخص؛ لئلا يطلع على شيء منه لا يرضاه، وإذا تعلق بآخر كذلك، وهكذا تجد حاله دائماً مضطربة، لا يبلغه كلمة، ولا يرى فعلاً يبغضه، فالموحد حر من رق العباد ومن التعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم وهذا هو العز الحقيقي والشرف الغالي، فيكون بذلك متألهاً متعبداً لله، فلا يرجو سواه، ولا يخشى غيره، ولا ينيب إلا إليه، ولا يتوكل إلا عليه، وبذلك يتم فلاحه ونجاحه في الدنيا والآخرة، وما أروع المثل الذي ضربه الله -جل وعلا- للموحد والمشرك، وأمثال القرآن من أولى ما يعنى به طالب العلم؛ لأنه بالمثال يتضح المقال، والله -جل وعلا- قال عنها: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [(٤٣) سورة العنكبوت] يعني تمر على المثل ولا تفهمه وأنت تدعي العلم هذا منفي في القرآن، فعلينا أن نعنى ونهتم لهذه الأمثال أمثال القرآن.
ما أروع المثل الذي ضربه الله -جل وعلا- للموحد والمشرك قال -جل وعلا-: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [(٢٩) سورة الزمر].
стр. 19
ضرب الله مثلاً أي للمشرك والموحد رجلين مملوكين، هذا مملوك وهذا مملوك، لكن هذا مملوك لشخص واحد، وهذا مملوك لأشخاص، رجل فيه شركاء متشاكسون أي سيئو الأخلاق، يتجاذبونه ويتعاورونه في مهماتهم المختلفة، إذا أرسله أحدهما إلى المحل الفلاني قال: لا، روح إلى المحل الفلاني، إذا فعل قال الثاني: لا، لا تفعل هذا افعل كذا، إذا لبس قال: لا، لا تلبس هذا الثوب البس الثوب وهكذا، واحد يأمره وواحد ينهاه، شركاء متشاكسون أي سيئو الأخلاق، يتجاذبونه ويتعاورونه في مهماتهم المختلفة فلا يزال متحيراً متوجع القلب لا يدري أيهم يرضي بخدمته؟ وعلى أيهم يعتمد في حاجته؟ ورجلاً سلماً لرجل أي: خلص ملكه له لا يتجه إلا إلى جهته، ولا يسير إلا لخدمته، فهمه واحد وقلبه مجتمع، همه واحد وقلبه مجتمع، هل يستويان؟ أي صفة وحالاً، أي في حسن الحال وراحة البال، كلا، وهكذا حال من يثبت آلهة شتى لا يزال متحيراً خائفاً لا يدري أيهم يعبد؟ وعلى ربوبيته أيهم يعتمد؟ وحال من يعبد إلا إلهاً واحداً فهمه واحد، ومقصده واحد، ناعم البال، خافض العيش والحال.
والمقصود أن توحيد المعبود فيه توحيد الوجهة، ودرء الفرقة، كما قال -جل وعلا- عن يوسف ﵇ أنه قال: ﴿أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [(٣٩) سورة يوسف] الحمد لله يعني ننتبه لهذه الجملة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [(٢٩) سورة الزمر] لماذا عقب المثل بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [(٢٩) سورة الزمر] وهذا هو المناسب لدرسنا، الحمد لله، يقول أبو السعود في تفسيره: هذا تقرير لما قبله من نفي الاستواء بطريق الاعتراض، وتنبيه للموحدين على أن ما لهم من المزية بتوفيق الله تعالى، وأن هذه نعمة جليلة موجبة عليهم أن يداوموا على حمده وعبادته أو على أن بيانه تعالى بضرب المثل أن لهم المثل الأعلى وللمشركين مثل السوء، صنع جميل، ولطف تام منه ، مستوجب لحمده وعبادته.
стр. 20
أنت إذا تصورت وتأملت هذا المثل، وكنت ممن من الله عليك بالتوحيد، يعني لم تملك نفسك حتى تقول: الحمد لله، وإذا كنت في مصائب الدنيا يندب أن تقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاه به، فكيف بالمصيبة والكارثة العظمى التي هي الشرك؟
وقوله -جل وعلا-: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [(٢٩) سورة الزمر] إضراب وانتقال من بيان عدم الاستواء على الوجه المذكور إلى بيان أن أكثر الناس وهم المشركون لا يعلمون ذلك مع كمال ظهوره لا يعلمون ذلك، يعني المشرك في صراع نفسي دائم، والموحد في توحيده للوجهة إلى الله -جل وعلا- مطمئن، مطمئن مرتاح البال، وذاك فيه نزاع، وفيه اضطراب شديد، المشرك لا يعلم هذه الحقيقة وهو يعيشها، والموحد يعرف هذه الراحة التامة من نفسه، وإن وجد شيء من الخلل عنده هذه الراحة وهذه النعمة تتزعزع عنده بقدر هذا الخلل، ولذا نسمع في بعض أوساط المسلمين من ينتحر للتخلص من الحياة لماذا؟ لأن في توحيده خلل، هذه الراحة التي يعيشها المسلم تزعزعت عند هذا فصار عنده شيء من الخلل الذي دعاه إلى مثل هذا العمل ليتخلص من هذا الشقاء الذي يعيشه، وإلا لو كانت المسألة خلل في أمور دنيا، مع حضور امتثال هذا المثل، وتصور هذا المثل فإن الدنيا يعني بحذافيرها لا تعدل شيئاً، فيتجاوز هذه المحن، ولو مكث في السجن ما مكث من أجل ديون ركبته تجده مرتاح البال ناعم البال؛ لأنه يضع الدنيا في كفة، والجنة في كفة، والآخرة في كفة، لا نسبة بينهما، العمر كم؟ كم العمر؟ وكم نسبة الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة؟ لا شيء، يعني إذا عاش الإنسان مائة سنة، افترض أن إنسان عُمِّر مائة سنة ثم ماذا؟ يموت وتنتهي الدنيا، يبقى الآخرة التي لا نهاية لها أبد الآباد، إما في نعيم دائم، وإلا في شقاء لا نهاية له.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [(٢٩) سورة الزمر] إضراب وانتقال من بيان عدم الاستواء على الوجه المذكور إلى بيان أن أكثر الناس وهم المشركون لا يعلمون، لا يعلمون ذلك مع كمال ظهوره، فيبقون في ورطة الشرك والضلال.
стр. 21
الله -جل وعلا- نفى العلم عن الكفار، وأثبت لهم العلم فيما يتعلق بظاهر الحياة الدنيا، فهل يعلمون باطن وحقيقة الحياة الدنيا؟ ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [(٧) سورة الروم] يعني علمهم واكتشافاتهم واختراعاتهم وما وصلوا إليه مما يبهر ومما يحير هل هذا متعلق بظاهر الدنيا أو في حقيقتها وباطنها؟ الله -جل وعلا- يقول: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أما حقيقة الحياة الدنيا لو علموه وأسلموا وآمنوا، لو علموا حقيقة الدنيا لأسلموا، لقادهم هذا العلم إلى الإسلام، ولذا بعضهم إذا تعدى وتجاوز الظاهر إلى الباطن تجده لا يتمالك أن ينطق بالشهادتين.
стр. 22
إذا علمنا أن نعمة التوحيد هي أعظم النعم التي أعطانا الله -جل وعلا- وأسدانا من غير حول منا ولا قوة، فعلينا أن نشكر هذه النعمة، وأن نشكر سائر النعم الظاهرة والباطنة التي حرمها كثير من الناس، وعلينا أن تظهر علينا آثار هذه النعمة، وأن نتحدث بها؛ لأن كثيراً من الناس في غفلة عنها؛ لأنهم ينظرون إلى أن النعمة بما يتعلق بأمور الدنيا، لكن إذا نبه المسلم إلى أن أعظم ما يملك ورأس ماله هو دينه انتبه والتفت إلى المحافظة على رأس المال، وأن نحدث بذلك وندعو إليه، وأن ندعو إلى هذا التوحيد؛ لأن ((من دل على هدى كان له مثل أجر فاعله)) ((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)) فادعوا إلى هذا التوحيد وتبينه للناس، كما قال -جل وعلا-: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [(١١) سورة الضحى] وعليك أيضاً: أن تكثر من قول: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [(١٩) سورة النمل] هل هذا خاص بمن بلغ الأربعين؟ نعم؟ يعني في القرآن ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ [(١٥) سورة الأحقاف] ولذلك تجد بعض الشباب يتحاشى أن يقول مثل هذه الكلمة لأنه ما بلغ أشده، يعني مثل شخص سمع واحد في السجود يقول: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني، يكررها، لما سلم قال: تتوقع أنها ليلة القدر؟ لأن النبي ﵊ وجه عائشة إلى قولها إذا وافقت ليلة القدر، فمثل هذه الأمور يعني وإن ارتبطت بسبب لكن لا تقصر على هذا السبب، فيقول الصغير والكبير ومن بلغ الأربعين ومن قصر دونها ومن تعداها يقول: رب أوزعني، يعني: ألهمني وألزمني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [(١٥) سورة الأحقاف] فالشكر لله تعالى هو الطريق الوحيد، بل السبيل الأوحد لدوام هذه النعم، وزيادتها كما قال -جل وعلا-: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ
стр. 23
إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [(٧) سورة إبراهيم] وهذه النعم لا تغير إلا إذا غير الإنسان، إلا إذا غير الإنسان نعمة الله كفراً، وانظروا إلى مآلهم ومصيرهم الذين غيروا نعم الله كفراً ﴿أَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [(٢٨) سورة إبراهيم]-نسأل الله العافية- في الدنيا قبل الآخرة، ولا نغير ولا نبدل نعمة الله كفراً فنستحق العذاب العاجل والآجل ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [(٥٣) سورة الأنفال] فالسبب هو الإنسان نفسه، فإذا غير غُير عليه، إذا ثبت ثبتت له النعمة، وبالشكر تزداد النعم، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
هل يجوز للمعتدة من وفاة زوجها أن تحضر المحاضرات في المساجد والمعاهد العلمية؟
لا، عليها أن تلزم البيت.
كيف نوجه الآثار الواردة عن السلف في الزيادة في العبادة بغير ما ثبت عن النبي ﵊ كصلاة الإمام أحمد في اليوم ثلاثمائة ركعة؟
стр. 24
هناك من السنن ما هي أفعال للنبي ﵊، ومنها ما هي أقوال، والأفعال يقرر أهل العلم أنها لا عموم لها، والأقوال هي التي تتناول الأمة، وقد يحث النبي ﵊ على شيء: ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) ولا يفعله خشية أن يفرض على الأمة، وقد يعوق عنه يعوقه عنه وينشغل عنه بما هو أهم منه من النفع المتعدي، يعني لو قدر أن إنسان من أهل العلم ارتبطت حاجات الناس به، وتعلق نفعهم به، والإنسان إذا كثرت نعم الله عليه ازدادت حاجة الناس إليه كما هو معلوم، فإذا ترتب على ذلك أنه لو انشغل بعبادة خاصة يعني بدلاً من أن يصلي في اليوم والليلة أربعين ركعة الرواتب ثنتا عشرة ركعة، والفرائض سبعة عشرة والوتر إحدى عشرة، يعني لو زاد على ذلك تأثر نفعه للناس، ولو قلنا له: صم صيام داود، قال: أنا لا أستطيع أن أجمع بين التصدر لتعليم الناس وإفتائهم مع صيام داود، نقول: لا تصم صيام داود، علم الناس، ووجه الناس، وانفع الناس، وأفتي الناس، وخلِ صيام داود لإنسان ليست عنده هذه القدرة، فإذا كان يؤثر على الإنسان على عمله العام لا سيما وأن العمل العام أفضل، يعني العلم وتعليم العلم أفضل بكثير من كثرة الصيام والصلاة، فهل نقول للشيخ الذي لا يستطيع أن يوفق بين هذه العبادات الخاصة وبين النفع العام نقول: لا، اتجه إلى هذه العبادات لأنها ثبتت عن السلف؟ النبي ﵊ ارتبطت به حاجة الأمة كلها، فهو يقوم ﵊ بالتبليغ، ويعلم الناس، ويوجههم، وأيضاً لو فعل هذه الأمور إضافة إلى الحث عليها بقوله لتعطل كثير من المصالح، وبعض الأمور قد يتقاتل عليها الناس.
стр. 25
النبي ﵊ حث على العمرة في رمضان، وقال: ((إنها تعدل حجة)) وفي رواية: ((حجة معي)) فماذا يكون الأمر لو اعتمر النبي ﵊ في رمضان؟ كان يتقاتل الناس على العمرة في رمضان، ونجد المشقة العظيمة وأضعاف أضعاف من يعتمر في هذه الأوقات؛ لأن بعض الناس يتذرع ويقول: النبي ﵊ ما اعتمر في رمضان، ويجلس في بلده، وهو بهذا يخف الأمر على المسلمين، وكل ميسر لما خلق له، فلو تظافر القول والفعل لاجتهد الناس في التحصيل، ولضاقت بهم المسالك، النبي ﵊ دخل الكعبة ثم بعد ذلك ندم، وقال: إنه لو استقبل من أمره ما دخل، لماذا؟ لئلا يلزم على ذلك مشقة، وهو الرءوف الرحيم بأمته ﵊، فقوله: ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) يناسب هذا الشخص ما عنده شغل، ليست لديه أهلية للتعليم ولا دعوة ولا شيء، حفظ حديث أو حديثين وبلغهم وانتهى، يتجه إلى العبادة وخلاص.
يقول: أنا صاحب مطبعة ورق، حاولت الاتفاق مع أحد مكاتب الدعاية والإعلان على أن يرسلوا لي عملاء وأن يكون لهم نسبة من البيع، لكن صاحب المكتب لم يبدو منه أي تجاوب ولم يبلغ ولم يقم بإبلاغ أي من موظفيه، وصار أحد الموظفين لديه يرسل لي عمل على أن تكون العمولة لجيبه الخاص فهل يجوز ذلك؟
هذه العمولة التي تدفع لهذا الشخص الذي يرسل لك زبائن هذه أجرته، فإن كان عمله واتفاقه مع الناس يخل بعمله الذي تعاقد معه مع صاحبه هو أجير، فإن كان هذا يخل بعمله، ويعوقه عن إتقانه وإحسانه، فإن هذا لا يجوز، وإن كان لا يعوقه عن شيء يتفق مع الناس خارج وقت الدوام، ويوجههم، فهذه أجرته وسمسرته.
يقول: ما حد سترة المأموم؟ هل هو متر أو ذراع؟ نرجو التوضيح مع بيان الراجح؟
أولاً: المأموم سترة الإمام سترة لمن خلفه، ليس عليه سترة، المأموم ولو مر بين يديه من مر لا يضره، المطالب بالسترة هو الإمام والمنفرد، الإمام والمنفرد، أما ارتفاع السترة فيكفي مقدار ثلثي ذراع كمؤخرة الرحل، وأما بالنسبة لسمكها فالسهم يكفي، يستتر ولو بسهم.
يقول: ما حكم التصوير حيث أننا نجد الكثير ممن توسع في ذلك؟
стр. 26
التصوير جاءت النصوص الصحيحة بتحريمه والتشديد في أمره، هذا من حيث الإجمال، ولا أحد يشكك لا الذي يصور الآن ولا قبل الآن، التصوير حرام، لكن الخلاف في كون التصوير الموجود الآن تصوير تتناوله النصوص أو هو مجرد حفظ ليس بتصوير، فالذين تساهلوا فيه لا سيما من أهل العلم الموثوقين؛ لأنه وجد الآن من علمائنا أهل العلم والعمل من يصور، يعني يُصوَّر، لا يصور بنفسه، يصور، ولا ينكر على صوره، ويخرج في القنوات، وهو معروف بعلمه وعمله وإخلاصه لا يشك فيه، لكنه ينازع في كون التصوير بهذه الآلات داخل في النصوص، وبعضهم يصرح يقول: مستحيل أن يرتب هذا العذاب الشديد ((أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون)) أن يكون بضغطة زر يكون هذا العذاب الأليم، نقول: لا يا رجال كلمة يهوي بها في النار سبعين خريفاً، وضغطة زر من المسدس تقتل مؤمن خالد مخلد في النار وهي ضغطة زر، وإذا قال: أنا ما صورت الآلة هي التي صورت، قلنا أيضاً: ما قتل المسدس هو الذي قتل، فالمسألة في النزاع في هذا التصوير، وعهدنا من الناس لا سيما في المسجد الحرام والمشاعر الكاميرات تكسر، يعني بعلم من المسئولين وبنظر، بل قد يتبناها بعضهم والآن يعتقدها بعض الناس عبادة، يصف النساء أمام الكعبة ثم يأخذ لهن الصور في المطاف، والله المستعان.
بعض الكلام مفهوم وبعضه غير ...
ما هي أفضل الكتب اللازمة لطالب العلم في التحصيل؟ عجزت أقرأ الباقي.
على كل حال بالنسبة للكتب في جميع الفنون، ولجميع طبقات المتعلمين هذه مدونة عند أهل العلم، كل طبقة من طبقات المتعلمين كتب تناسبهم في الفنون المختلفة، وهناك أشرطة سميت: كيف يبني طالب العلم مكتبته؟ يمكن أن يستفيد منها السائل وغيره.
ما حكم أن ينوي الشخص بعبادته أجر الآخرة وصلاح أبنائه ودنياه؟
стр. 27
أما ما نص عليه ما جاء النص عليه في نصوص الكتاب والسنة فملاحظته لا تؤثر في العمل، ملاحظته لا تؤثر في العمل، ((من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره -أو في أجله- فليصل رحمه)) هو يصل الرحم امتثالاً لأمر الله -جل وعلا- ورجاء ما عنده خوف من عقابه ومع ذلك يلحظ ما ذكر في الحديث، يريد أن يبسط له في رزقه، ويؤجل في مدة إقامته في هذه الدنيا هذا لا يؤثر، ولا يضر من قصده، ومن قرأ الآيتين من سورة البقرة كفتاها -من آخرها-، وآية الكرسي وكذا رتب عليها ثواب عاجل، وعليها الثواب الآجل، ملاحظة الثواب العاجل لا تضر؛ لأنها لو كانت ضارة أو مؤثرة لما نص عليها في الأخبار الصحيحة.
يقول: هل تصح هذه المقولة: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه؟
أما من حيث المعنى فهي صحيحة؛ لأن المكروه قد يكون مكروهاً في أمر الدنيا ويرتب عليه ثواب عظيم في أمر الآخرة، فيحمد الله -جل وعلا- على كون هذه العاقبة له في أخراه، وأما من صدر منه أي عمل مكروه فإنه لا يحمد عليه، وأما الله -جل وعلا- إذا حصل في تقديره بالنسبة لك شيء تكرهه فهو محمود باعتبار العاقبة، فأنت تحمده من هذه الحيثية، وليس في أفعاله -جل وعلا- شر محض.
هل خوارم المروءة ثابتة في كل زمان أم أنها تختلف باختلاف الزمان؟
تختلف، يعني ما عده الناس خارماً في زمان أو في بلد من البلدان يتقى، وما لم يعدوه خارماً ولو كان خارماً في بلد آخر أو في زمان متقدم فإن هذا إذا لم يكن فيه نص يدل على منعه فلا يتقى حينئذٍ.
يقول: هناك شبهة يطرحها بعض الناس حيث يقولون: إننا وإن دخلنا النار فإن منتهانا إلى الجنة؛ لأننا من أهل التوحيد فكيف الرد؟
стр. 28
نقول: صحيح لكن هل تطيق البقاء في النار لحظة؟ وقد فضلت على نارنا بتسعة وستين جزءاً، جزء من سبعين جزء، يعني لو كانت مثل نارنا، وهي واحدة على سبعين من نار جهنم، ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [(١٤) سورة الليل] ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [(٢٤) سورة البقرة] ويل: وادٍ في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لذابت، هل تستطيع أن تلمس الإنارة هذه؟ فضلاً عن كونك تضع يدك على النار الحقيقية سواءً كانت من حطب أو من غاز أو ما أشبه ذلك، فكيف بالنار التي فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً؟ يعني الذي يقول هذا الكلام عنده تحمل؟ يستطيع؟ وما يدريه أنه يمكث أحقاب بقدر أعماله وبقدر مخالفاته؟ وقد يعاقب على مثل هذا الكلام بعدم العفو عنه وإلا فالذنوب كلها تحت المشيئة، الإنسان قد يرتكب كبائر ثم يغفر الله له، لكن إذا قال مثل هذا الكلام هو يعرض نفسه، يعني مثل هذا الكلام قد يكون فيه محادة لأوامر الله -جل وعلا-، وإلا كلامه مآله إلى الجنة إذا كان من أهل التوحيد، هذا ما يشك فيه أحد، وقد يعاقب بارتكاب هذه المحرمات مع هذا التأويل الذي يحتج به أن يستدرج ويصل به الأمر إلى أن يخلع التوحيد من قلبه بالكلية -نسأل الله السلامة والعافية-، والكلام من حيث التنظير ما فيه إشكال، لكن الكلام على التطبيق، هل يستطيع أن يصبر على النار؟ هل يستطيع أن يصبر على حر الرمضاء؟ جرب يوم واحد من أيام الصيف، اخرج إلى المسجد بدون حذاء لصلاة المغرب، لا أقول: لصلاة الظهر أو العصر، لصلاة المغرب بعد أن تغيب الشمس، شوف أنت تتحمل وإلا ما تتحمل؟ وأبو طالب عليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه، وأنت جرب، جرب حر الرمضاء تشوف.
يقول: ما الرد على من يستشهد بحديث الرسول ﷺ لمعاذ: ((إن حق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً)) يستشهد به على أنه لا يدخل النار أبداً حتى ولو تمادى في العصيان؟
يعني هذا النص المجمل يقضى به على جميع النصوص المحكمة؟ النصوص المحكمة الوعيد الذي رتب على شارب الخمر مثلاً على شرب الخمر أو على الزنا أو على غيره من الجرائم، نقول: لا يعذب من لا يشرك به شيئاً؟! يعني نص مجمل يرد إلى النصوص الأخرى المبينة المفسرة المفصلة.
стр. 29
ما المقصود بركعتي الفجر؟ هل هي الفريضة أم النافلة؟
المقصود النافلة.
يقول: ذكرت أن الغاية الوحيدة هي التوحيد وعبادة الله فماذا عن عمارة الأرض وتحسين الحياة فيها وتعمرها، أليس ذلك من غاية المؤمن أيضاً الرجاء التوضيح؟
الغاية والهدف تحقيق العبودية، وعمارة الأرض والاستخلاف فيها إنما هو من أجل إقامة هذا الهدف.
يقول: رجل ذهب إلى كاهن وكان يتعامل معه وكان على جهل ثم بعد ذلك تاب إلى الله وصدق في توبته هل عليه شيء؟
لا شيء عليه، كمن كان مشركاً ثم أسلم
أحياناً يأتيه الشيطان ويقول له: بأنه لا توبة لك أو. . . . . . . . .
على كل حال إذا تحققت شروط التوبة، وصارت توبته نصوحاً، وأقلع وندم، وعزم على ألا يعود، مخلصاً في ذلك لله -جل وعلا- فهذا ... ، التوبة تهدم ما كان قبلها، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 30
مسائل متعلقة بالجنة
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فتقدم من تكلم في هذا الموضوع خمسة، خمسة وإلا ستة؟
طالب: نعم خمسة.
стр. 31
خمسة من خير من يتكلم في هذا الباب نحسبهم والله حسيبهم، ولا أدري ماذا أبقوا لنا من المسائل المتعلقة بهذا الموضوع الحادي للمسلم على العمل، وعنوان، العنوان الذي يشمل هذه الدروس قرأته، وأراه الآن كتب غاية، فهل الجنة غاية، أو الغاية رضى الرب، أو أن الله -جل وعلا- ما ذكرها في كتابه وعلى لسان نبيه ﵊؛ إلا لتلاحظ في القصد، وأما القصد أولاً وأخراً فهو رضى الله -جل وعلا-، تحقيق ما خلق الإنسان من أجله وهو عبودية الله -جل وعلا-، هذه الغاية، وإذا ذكر ما يمكن ملاحظته أثناء العمل سواءً كان من أمر الدنيا، أو من أمر الآخرة، فملاحظته لا تضر بالعمل، يعني إذا جاء الحث على ذكر من الأذكار مثلاً وأنه سبب لحفظ الإنسان، أو لطول عمره، أو لكثرة ماله، ثم لاحظ هذا الأمر الذي ذكر في النص فإن ملاحظته لا تؤثر، إلا إذا كان ذلك هو الباعث الأصلي من غير نظر إلى امتثال ما جاء عن الله وعن رسوله ﵊، فمثلاً من سره أن ينسأ له في أثره، أن يبسط له في رزقه فليصل رحمه، لو أن شخصاً قال: هذه الغاية، وهذا المقصد الذي جاء في هذا الحديث للحث على هذا العمل الصالح، لو كانت ملاحظته مؤثرة في العمل، خادشة للإخلاص ما ذكر في الخبر، إذا كان الباعث للإنسان على البر والصلة، هو مجرد أن يطول عمره ويبسط له في رزقه غير ملاحظ رضا الله -جل وعلا-، فإن هذا يحصل له ما قصد وإنما لكل امرئ ما نوى، ولكن إذا كان الباعث على أصل العمل هو ما يرضي الله -جل وعلا- امتثالاً وتحقيقاً للأدلة القطعية من نصوص الكتاب والسنة التي جاءت بالبر والصلة تحث على البر والصلة إذا كان هدفه الأصلي رضا الله -جل وعلا- ولاحظ ما جاء في النص ((إنه يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره))، هذا لا يؤثر، عدم الإخلاص في البر، عدم الإخلاص يعني انتفاء الإخلاص بالكلية من البر والصلة، وملاحظة ما رتب على ذلك من أمر ومصلحة دنيوية لا يتحقق في العمل قول النبي ﵊: ((إنما الأعمال بالنيات)) قد يتحقق له: ((وإنما لكل امرئ منا نوى))، لكن لن يتحقق له أول الحديث الجملة الأولى في الحديث، وفرق بين ((إنما الأعمال بالنيات)) وبين ((إنما لكل
стр. 32
امرئ منا نوى)).
وعلى هذا كون الإنسان المسلم يجعل الجنة غايته، أو يجعل الحور العين غايته، مثلاً جاء ذكر هذه الأمور المشجعة من النعيم المقيم وما اشتملت عليه الجنة مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، هذه الأمور مشجعة، كما أنه بالمقابل إذا خاف من النار ومن عذاب النار، هل نقول: إن من رجا الجنة رجاءه لله، ومن خاف النار خوفه لله، أو الرجاء للجنة والخوف للنار، هذه المسألة مشكلة، وقد تشكل على كثير من طلاب العلم، نقول: الله -جل وعلا- هو الذي جعل الجنة ثواباً للمطيع، والنار عقاباً للعاصي، ومثال ذلك: لو أن شخصاً بيده عصا –ولله المثل الأعلى- بيده عصا وهددك بالضرب أو بيده سيف هل خوفك من السيف أو من حامل السيف؟ فإذا خفت النار فأنت خائف من الذي جعلها عقاباً لك إذا عصيت الله -جل وعلا-، وإذا رجوت الجنة، فإنما ترجو الله -جل علا- الذي جعلها ثواباً لك.
بعضهم يقول، بعض الطوائف يقولون: لا يجوز أن يلاحظ في العمل ويراعى غير الرب -جل وعلا- ورضاه ومحبته، ويستدلون على ذلك بآخر آية في سورة الكهف: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الكهف: ١١٠]، وملاحظة الجنة والخوف من النار هذا كله من الإشراك، نقول: هذا الكلام ليس بصحيح، بل كلام باطل، ولو كان هذا الكلام صحيحاً لما طفحت النصوص، نصوص الكتاب والسنة بذكر الجنة والترغيب فيها، وذكر النار والتحذير منها، وعلى هذا هل في إشكال في العنوان: غايتي؟ نعم.
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب: هذا يكون فيه، من حيث الكتابة وكذا من كذا يكون فيه مشكلة. . . . . . . . .
المقصود هو رضا الله -جل وعلا- الموصل إلى جناته، وعلى كل حال مثل ما ذكرنا إذا كان العمل عمله الإنسان مخلصاً فيه لله -جل وعلا-، محققاً حديث ((إنما الأعمال بالنيات)) فلا يضره ما طرأ بعد ذلك من الغايات التي، والبواعث التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله ﵊، فلا تؤثر في العمل.
стр. 33
لكن بعض الناس يركز على شيء في الجنة مثل الحور العين، يجعل هذه هي الغاية وهي الهدف، نقول: أعظم نعيم في الجنة هو التلذذ برؤية الباري -جل وعلا-، هذا هو أعظم نعيم، أعظم من نعيم الحور العين، مع أن الرغبة في الحور العين، وكون هذا حاث على العمل، هذا ما فيه إشكال؛ لأنه جاءت به النصوص، فنفرق بين أن يكون هذا هو الأصل الباعث على العمل ليخالف: ((إنما الأعمال بالنيات)) أو يكون في ضمن العمل، مكمل للعمل الذي جاء الحث عليه، فيكون داخلاً في قوله: ((وإنما لكل امرئ ما نوى)).
إذا عرفنا هذا، المسائل التي طلبت في هذا الدرس مع أنها لم تتحرر لدي؛ لأن الأخوة الذين سبقونا بهذه الدروس ما أدري ما الموضوعات التي تطرقوا لها، والذي أخشاه كل ما أخشاه التكرار، وأعرض لمسائل متعلقة بالجنة، مسائل علمية متعلقة بالجنة وهي مشكلة وفيها خلاف بين أهل العلم، يغلب على ظني أن من سبقني لم يتعرض لها.
أولاً: ما الجنة؟ وما تعريف الجنة؟
في أبيات لابن القيم -رحمه الله تعالى- في نونيته نذكرها في آخر المحاضرة إن -شاء الله تعالى-.
الجنة كما يقول الراغب الأصفهاني في المفردات يقول: أصل الجَنّ: ستر الشيء عن الحاسة، ستر الشيء عن الحاسة، يقال: جَنَّهُ الليل وأَجَنَّه وجَنَّ عليه فجنه: ستره وأجنه جعل له ما يُجنه كقولك: قبرتُه وأقبرته وسقيته وأسقيته وجَنَّ عليه كذا: ستر عليه قال الله : ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [سورة الأنعام: ٧٦] والجنان: القلب، القلب لكونه مستوراً عن الحاسة، لكونه مستوراً عن الحاسة، هذا هو الأصل؛ لأنه محبوس في القفص الصدري والظهر، هذا هو الأصل فيه، لا يقول: إن الجنان الآن يمكن الاطلاع عليه بالعمليات الجراحية، هذا خلاف الأصل.
والجِنان: القلب لكونه مستوراً عن الحاسة، والمجِن والمجِنة: الترس الذي يُجِن صاحبه. يقول الله : ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [سورة المجادلة: ١٦] وفي الحديث: ((الصوم جُنّة))، هم يستترون بأيمانهم، يعني المنافقين، والصائم يستتر بصيامه ويقيه صيامه، ويستره عن عذاب الله تعالى.
стр. 34
ومن ذلك الجنين؛ لأنه مستور في الظلمات الثلاث، والجِن مستترون عنا، لا نراهم، وكذلك الجُنُون الآفة التي تغطي وتستر العقل عن مزاولة ما يزاوله غيره ممن لم يتصف بوصفه.
والجَنّة: كل بستان ذي شجر، والجنة: كل بستان ذي شجر، يستر بأشجاره الأرض يقول الله -جل وعلا-: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ [سورة سبأ: ١٥] ﴿وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سورة سبأ: ١٦] ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ [سورة الكهف: ٣٩]، كل هذه بساتين.
قيل: وقد تسمى الأشجار الساترة جنة، وعلى ذلك حمل قول الشاعر:
من النواضح تسقى، أو
. . . . . . . . . ... تَسْقِي النواضح جنةً سحقاً
يعني أشجار مرتفعة عالية.
وسميت الجنة –يعني بهذا الاسم- إما تشبيهاً بالجنة في الأرض، التي هي البستان - وإن كان بينهما بون شاسع- فرق كبير بين البستان في الدنيا، وبين الجنة التي أعدها الله لأوليائه، إذ ليس في جنان الدنيا مهما عظمت مما في جنة الخلد إلا الأسماء، كما يقول ابن عباس.
إما تشبيهاً بالجنة في الأرض -وإن كان بينهما البون الشاسع، والفارق الكبير، وإما لستر نعمها عنا المشار إليها بقوله -جل وعلا-: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة السجدة: ١٧] ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة السجدة: ١٧]، أخفي الجزاء؛ لأنهم أخفوا العمل، ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [سورة السجدة: ١٦]، أخفوا العمل فأخفي لهم الجزاء.
قال ابن عباس ﵄: إنما قال: جنات، إنما قال: جنات بلفظ الجمع لكون الجنان سبعاً، لكون الجنان سبعاً: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليين.
стр. 35
فالجنان سبع، إذا عرفنا هذا فمما يتعلق بالجنة من المسائل العلمية الجنة التي أسكنها الله -جل وعلا- آدم، ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [سورة البقرة: ٣٥]، سكنها مدة ثم حصل ما حصل من الأكل من الشجرة، ثم عوقب بإهباطه إلى الأرض، هذه الجنة هل هي جنة الخلد؟ أو جنة في الأرض؟ كلام طويل لأهل العلم، يعني أفاض العلامة ابن القيم -رحمة الله عليه- في أوائل مفتاح دار السعادة، وأيضاً في حادي الأرواح، أفاض في ذكر الأقوال والأدلة التي يستدل بها كل طرف ممن يقول: إنها هي جنة الخلد، أو يقول: إنها جنة أخرى في ربوة ومرتفع من الأرض.
يقول الله -جل وعلا-: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ* فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [سورة البقرة: ٣٥ - ٣٦].
يقول الحافظ بن كثير -رحمه الله تعالى-: "وقد اختلف في الجنة التي أُسكنها آدم أهي في السماء أم في الأرض؟ فالأكثرون على الأول".
قد يقول قائل: هذا الخلاف الذي أطال العلماء في بحثه وتقريره والاستدلال له، هل يترتب عليه فائدة عملية أو لا؟ يعني تضييع الوقت في مثل هذه المسائل هل يترتب عليها فائدة وإلا ما يترتب عليها فائدة؟ وهل يلزم من كل مسألة تبحث أن يكون لها فائدة عملية وثمرة للخلاف؟ أو أن هناك من المسائل العقدية العلمية التي لا يلزم أن يكون هناك لها أثر عملي مرئي؟ هذه من المسائل التي بحثت في كتب أهل العلم سواءً كانت في التفاسير، أو في كتب العقائد، أو غيرها على كل حال هي مسألة معروفة عند أهل العلم ومقررة والخلاف فيها طويل.
يقول الحافظ بن كثير -رحمه الله تعالى-: "وقد اختلف في الجنة التي أُسكنها آدم أهي في السماء، أو في الأرض؟ فالأكثرون على الأول". فالأكثرون على الأول، -يعني هي التي في السماء-.
وحكى القرطبي عن المعتزلة والقدرية القول "بأنها في الأرض".
стр. 36
يقول ابن كثير: "وسيأتي تقرير ذلك في الأعراف إن شاء الله تعالى".
ونحن نذكر كلام القرطبي؛ لأن ابن كثير أحال عليه.
يقول القرطبي في تفسيره: "الجنة: البستان، الجنة: البستان، وقد تقدم القول فيها، ولا التفات لما ذهبت إليه المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن في جنة الخلد وإنما كان في جنة بأرض عدن، وإنما كان في جنة بأرض عدن".
يقول القرطبي: "واستدلوا على بدعتهم" يعني المسألة مسألة عقدية الآن صارت بين أهل السنة والمعتزلة والقدرية، فتبحث على أساس أنها مسألة عقدية، واستدلوا على بدعتهم بأنها لو كانت جنة الخلد لما وصل إليها إبليس، بأنها لو كانت جنة الخلد لما وصل إليها إبليس، فإن الله تعالى قال: ﴿لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [سورة الطور: ٢٣]، يعني إبليس، ما الذي جعله يطرد من رحمة الله وجعله يستحق اللعنة؟ العصيان، ترك الأمر الإلهي الرب -جل وعلا- يقول: ﴿اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ [سورة البقرة: ٣٤]، ورفض أن يسجد، فهل في هذا ما يمنع أنه يدخل الجنة قبل ذلك، قبل اللعن والطرد؟ ما في ما يمنع، يقولون: واستدلوا على بدعتهم بأنه لو كانت جنة الخلد لما وصل إليها إبليس، فإن الله تعالى قال: ﴿لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾، وقال: ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾ [سورة النبأ: ٣٥]، وقال -جل وعلا-: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا* إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [سورة الواقعة: ٢٥ - ٢٦]، وهذا النفي لسماع اللغو والكذاب والتأثيم، ولا يسمعون منهم الذين نفي سماعهم؟ هم أهلها الذين خلقهم الله لها، يعني بعد استقرارهم فيها.
وأنه لا يخرج منها أهلها لقوله: ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [سورة الحجر: ٤٨] وأيضاً فإن جنة الخلد هي دار القدس قدست عن الخطايا والمعاصي تطهيراً لها وقد لغا فيها إبليس وكذب وأخرج منها آدم وحواء بمعصيتهما.
قالوا أيضاً –يعني المتعزلة والقدرية- قالوا: وكيف يجوز على آدم مع مكانه من الله وكمال عقله كيف يجوز على آدم مع مكانه من الله وكمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد والملك الذي لا يبلى؟
هذه من أدلتهم، من أدلتهم.
стр. 37
فالجواب يقول القرطبي: فالجواب: أن الله تعالى عرف الجنة بالألف واللام، عرف الجنة بالألف واللام ومن قال: أسال الله الجنة لم يفهم منه، لم يفهم منه في تعارف الخلق إلا طلب جنة الخلد، لم يفهم منه في تعارف الخلق إلا طلب جنة الخلد، يعني حينما يقول الإنسان في دعائه وهو ساجد، أو في قنوته، أو في أدبار الصلوات، أو في مواطن الإجابة: أسأل الله الجنة، هل ينصرف الذهن إلى أن هذه الجنة بستان، بستان رآه وأعجبه، أو يطلب الله بستان أي بستان؟ أو يطلب جنة الخلد؟ في عرف الناس كلهم إذا أطلقت الجنة انصرفت إلى جنة الخلد، لكن أصحاب الجنة مثلاً دلت القرائن وسياق الكلام إلى أنها ليست جنة الخلد، إنما هي بستان، ولا يستحيل في العقل دخول إبليس الجنة لتغرير آدم، هذا كلام القرطبي- وقد لقي موسى آدم ﵉ فقال له موسى: أنت أشقيت ذريتك وأخرجتهم من الجنة، فأدخل الألف واللام ليدل على أنها جنة الخلد المعروفة فلم ينكر ذلك آدم، ولو كانت غيرها لرد على موسى، قال: أنا ما خرجت، انتقلت من أرض إلى أرض، ومن أرض في بستان فيها بستان في عدن، من ناحية عدن انتقل إلى أرض أخرى وأسوي بستان آخر، فأدخل الألف واللام ليدل على أنها جنة الخلد المعروفة فلم ينكر ذلك آدم، ولو كانت غيرها لرد على موسى، فلما سكت آدم على ما قرره موسى صح أن الدار التي أخرجهم الله منها بخلاف الدار التي أخرجوا إليها، فصح أن الدار التي أخرجهم الله منها بخلاف الدار التي أخرجوا إليها.
يعني لو كانت جنة بستان في الأرض ما صار هناك فرق بينها وبين بستان آخر، لكن هناك فرق بين الجنة التي أخرجوا منها، والجنة، أو الدار التي أهبطوا إليها، وأما ما احتجوا به من الآي السابقة، ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾ [سورة الواقعة: ٢٥]، ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾ [سورة النبأ: ٣٥]، وأما ما احتجوا به من الآي فذلك إنما جعله الله فيها بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة، ولا يمتنع أن تكون دار الخلد لمن أراد الله تخليده فيها وقد يخرج منها من قضي عليه بالفناء، وقد يخرج منها من قضي عليه بالفناء.
стр. 38
وقد أجمع أهل التأويل، وقد أجمع أهل التأويل، على أن الملائكة يدخلون الجنة على أهل الجنة ويخرجون منها، يدخلون الجنة على أهل الجنة ويخرجون منها، وقد دخلها النبي ﵊ ليلة الإسراء ثم خرج منها، وأخبر بما فيها، وأنها هي جنة الخلد حقاً.
وأما قولهم: إن الجنة دار القدس وقد طهرها الله تعالى من الخطايا فجهل منهم، فجهل منهم، وذلك أن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة، أن يدخلوا الأرض المقدسة، وهي الشام.
وأجمع أهل الشرائع على أن الله تعالى قدسها، وقد شوهد فيها المعاصي والكفر والكذب، ولم يكن تقديسها مما يمنع فيها المعاصي وكذلك دار القدس.
يعني هذا التقديس كوني وإلا شرعي؟ نعم .... التقديس شرعي، يعني يجب أن تقدس، لكن ما قدست، أما لو كان أمراً كونياً ما وقع خلافه.
وقال أبو الحسن بن بطال: وقد حكى بعض المشايخ أن أهل الجنة، أو أن أهل السنة، وقد حكى بعض المشايخ أن أهل السنة مجمعون على أن جنة الخلد التي أهبط منها آدم ﵇، أن جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم ﵇، فلا معنى لقول من خالفهم فلا معنى لقول من خالفهم.
وقولهم: كيف يجوز على آدم في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد؟ أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد؟ فيعكس عليهم، يعني بدلاً من أن يكون هذا دليلاً لهم، يكون دليلاً عليهم، فيعكس عليهم ويقال: كيف يجوز على آدم وهو في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد في دار الفناء؟! إذا قلنا: أنه في دار الخلد كيف يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد، أنتم تقولون: هو في دار الفناء في الأرض، كيف يطلب شجرة الخلد وهو في دار الفناء، مع كمال عقله؟ هذا ما لا يجوز على من له أدنى مسكة من عقل فكيف بآدم الذي هو أرجح الخلق عقلاً على ما قال أبو أمامة على ما يأتي.
ثم ذكر قول أبي أمامة: "لو أن أحلام بني آدم منذ خلق الله الخلق وضعت في كفة ميزان ووضع حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم".
ومعلوم أن النبي ﵊ أشرف وأعظم من آدم عليهما -الصلاة والسلام-، فيستثنى من هذا.
стр. 39
كيف نستثني النبي ﵊ من قوله: ""لو أن أحلام بني آدم منذ خلق الله الخلق، وضعت في كفة ميزان ... إلى آخره"؟
هذا مقتضاه أنه مرفوع، والخلاف في دخول المتكلم في كلامه معروف بين أهل العلم، فعلى هذا لا يدخل النبي ﵊ في هذا الكلام؛ لأنه هو الذي تكلم به، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [سورة طه: ١١٥]، أطال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في تقرير هذه المسألة بأقوالها وذيولها بعد أن أفاض في ذكر الحكمة في إهباط آدم من الجنة في مفتاح دار السعادة.
قال: "قالت طائفة منهم أبو مسلم، و، أبو مسلم، ومنذر بن سعيد البلوطي وغيرهما: أنها إنما كانت جنته في الأرض في موضع عال منها، لا أنها جنة المأوى التي أعدها الله لعباده المؤمنين يوم القيامة وذكر منذر بن سعيد هذا القول في تفسيره عن جماعة فقال: وأما قوله لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [سورة البقرة: ٣٥]، فقالت طائفة: أسكن الله تعالى آدم ﷺ جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة.
وقال آخرون: "هي جنة غيرها جعلها الله له واسكنه إياها ليست جنة الخلد، قال: وهذا قول، أي القول الثاني، قول: تكثر الدلائل الشاهدة، تكثر الدلائل الشاهدة له والموجبة للقول به؛ لأن الجنة التي تدخل بعد القيامة هي من حيز الآخرة، هي من حيز الآخرة، وفي اليوم الآخر.
وأطال في ذكر أدلة هذا القول إلى أن قال: وقد روي عنه أنه قال لأم حارثة، عنه ﵊ أنه قال لام حارثة: لما قالت له: يا رسول الله إن حارثة قتل معك فإن كان صار إلى الجنة صبرت واحتسبت وإن كان صار إلى ما سوى ذلك رأيت ما افعل، فقال لها رسول الله ﷺ : ((أو جنة واحدة)) يعني هل لا يوجد إلا جنة واحدة؟ ((إنما هي جنان)) ((إنما هي جنان)) ((إنما هي جنان كثيرة)) فاخبر ﷺ أن لله جنات كثيرة فلعل آدم أسكنه الله جنة من جناته ليست هي جنة الخلد.
стр. 40
لكن هذه الجنان التي أشير إليها في قصة حارثة، هذه الجنان التي أشير إليها في قصة حارثة إنما هي الجنات التي سبق ذكرها السبع، وكلها على ما سيأتي في المسألة الثالثة، نعيمها دائم وليس بفان، فهي من دار الخلد.
قالوا: وقد جاز، أو وقد جاء في بعض الأخبار أن جنة آدم كانت بأرض الهند قالوا: وهذا وإن كان لا يصححه رواة الأخبار ونقلة الآثار فالذي تقبله الألباب ويشهد له ظاهر الكتاب أن جنة آدم ليست جنة الخلد، ولا دار البقاء، ولا دار البقاء، وكيف يجوز، تابع كلام منذر بن سعيد البلوطي في تفسيره: وكيف يجوز أن يكون الله اسكن آدم جنة الخلد ليكون فيها من الخالدين، وهو قائل للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [سورة البقرة: ٣٠]؟ استدلال ظاهر وإلا غير ظاهر؟ يعني أسكنه جنة الخلد ليكون من الخالدين، ثم يخبر الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، مقتضى إخباره للملائكة أنه سوف يخرجه من هذه الجنة ويسكنه الأرض ليكون خليفة له في أرضه، فلو كانت دار الخلد لكان في هذا خلف في الكلام، هذا مشكل وإلا غير مشكل؟ وكيف يجوز أن يكون الله أسكن آدم جنة الخلد ليكون فيها من الخالدين، وهو قائل للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾؟ يعني نظير ما قيل: ﴿وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [سورة هود: ٧١]، ثم يرى في المنام أنه يذبحه، على قول من يقول أن الذبيح إسحاق، كيف يوعد إبراهيم بإسحاق ومن ورائه يعني من بعده يعقوب، ثم يرى في المنام أنه يذبحه؟ يتصور هذا وإلا ما يتصور؟ يعني التنظير في هذه المسألة لو كان الذبيح إسحاق لكان التنظير مطابقاً، يعني لو قيل مثلاً: أنه جاء في الرؤيا من يقول: إن فلان يعيش مدة عشرين سنة، يعيش مدة عشرين سنة، وجاءت رؤيا أخرى تدل على أنه يولد لهذا الشخص ولم يتزوج قبل العشرين لقلنا: إن هذه الرؤيا إحداهما باطلة؛ لأنها تكذب الأخرى؛ لأنها تكذب الأخرى.
следующие страницы →