Полный текст (1 191 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
يقول ابن كثير: "وسيأتي تقرير ذلك في الأعراف إن شاء الله تعالى".
ونحن نذكر كلام القرطبي؛ لأن ابن كثير أحال عليه.
يقول القرطبي في تفسيره: "الجنة: البستان، الجنة: البستان، وقد تقدم القول فيها، ولا التفات لما ذهبت إليه المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن في جنة الخلد وإنما كان في جنة بأرض عدن، وإنما كان في جنة بأرض عدن".
يقول القرطبي: "واستدلوا على بدعتهم" يعني المسألة مسألة عقدية الآن صارت بين أهل السنة والمعتزلة والقدرية، فتبحث على أساس أنها مسألة عقدية، واستدلوا على بدعتهم بأنها لو كانت جنة الخلد لما وصل إليها إبليس، بأنها لو كانت جنة الخلد لما وصل إليها إبليس، فإن الله تعالى قال: ﴿لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [سورة الطور: ٢٣]، يعني إبليس، ما الذي جعله يطرد من رحمة الله وجعله يستحق اللعنة؟ العصيان، ترك الأمر الإلهي الرب -جل وعلا- يقول: ﴿اسْجُدُواْ لآدَمَ﴾ [سورة البقرة: ٣٤]، ورفض أن يسجد، فهل في هذا ما يمنع أنه يدخل الجنة قبل ذلك، قبل اللعن والطرد؟ ما في ما يمنع، يقولون: واستدلوا على بدعتهم بأنه لو كانت جنة الخلد لما وصل إليها إبليس، فإن الله تعالى قال: ﴿لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾، وقال: ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾ [سورة النبأ: ٣٥]، وقال -جل وعلا-: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا* إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [سورة الواقعة: ٢٥ - ٢٦]، وهذا النفي لسماع اللغو والكذاب والتأثيم، ولا يسمعون منهم الذين نفي سماعهم؟ هم أهلها الذين خلقهم الله لها، يعني بعد استقرارهم فيها.
وأنه لا يخرج منها أهلها لقوله: ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [سورة الحجر: ٤٨] وأيضاً فإن جنة الخلد هي دار القدس قدست عن الخطايا والمعاصي تطهيراً لها وقد لغا فيها إبليس وكذب وأخرج منها آدم وحواء بمعصيتهما.
قالوا أيضاً –يعني المتعزلة والقدرية- قالوا: وكيف يجوز على آدم مع مكانه من الله وكمال عقله كيف يجوز على آدم مع مكانه من الله وكمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد والملك الذي لا يبلى؟
هذه من أدلتهم، من أدلتهم.
стр. 37
فالجواب يقول القرطبي: فالجواب: أن الله تعالى عرف الجنة بالألف واللام، عرف الجنة بالألف واللام ومن قال: أسال الله الجنة لم يفهم منه، لم يفهم منه في تعارف الخلق إلا طلب جنة الخلد، لم يفهم منه في تعارف الخلق إلا طلب جنة الخلد، يعني حينما يقول الإنسان في دعائه وهو ساجد، أو في قنوته، أو في أدبار الصلوات، أو في مواطن الإجابة: أسأل الله الجنة، هل ينصرف الذهن إلى أن هذه الجنة بستان، بستان رآه وأعجبه، أو يطلب الله بستان أي بستان؟ أو يطلب جنة الخلد؟ في عرف الناس كلهم إذا أطلقت الجنة انصرفت إلى جنة الخلد، لكن أصحاب الجنة مثلاً دلت القرائن وسياق الكلام إلى أنها ليست جنة الخلد، إنما هي بستان، ولا يستحيل في العقل دخول إبليس الجنة لتغرير آدم، هذا كلام القرطبي- وقد لقي موسى آدم ﵉ فقال له موسى: أنت أشقيت ذريتك وأخرجتهم من الجنة، فأدخل الألف واللام ليدل على أنها جنة الخلد المعروفة فلم ينكر ذلك آدم، ولو كانت غيرها لرد على موسى، قال: أنا ما خرجت، انتقلت من أرض إلى أرض، ومن أرض في بستان فيها بستان في عدن، من ناحية عدن انتقل إلى أرض أخرى وأسوي بستان آخر، فأدخل الألف واللام ليدل على أنها جنة الخلد المعروفة فلم ينكر ذلك آدم، ولو كانت غيرها لرد على موسى، فلما سكت آدم على ما قرره موسى صح أن الدار التي أخرجهم الله منها بخلاف الدار التي أخرجوا إليها، فصح أن الدار التي أخرجهم الله منها بخلاف الدار التي أخرجوا إليها.
يعني لو كانت جنة بستان في الأرض ما صار هناك فرق بينها وبين بستان آخر، لكن هناك فرق بين الجنة التي أخرجوا منها، والجنة، أو الدار التي أهبطوا إليها، وأما ما احتجوا به من الآي السابقة، ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾ [سورة الواقعة: ٢٥]، ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾ [سورة النبأ: ٣٥]، وأما ما احتجوا به من الآي فذلك إنما جعله الله فيها بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة، ولا يمتنع أن تكون دار الخلد لمن أراد الله تخليده فيها وقد يخرج منها من قضي عليه بالفناء، وقد يخرج منها من قضي عليه بالفناء.
стр. 38
وقد أجمع أهل التأويل، وقد أجمع أهل التأويل، على أن الملائكة يدخلون الجنة على أهل الجنة ويخرجون منها، يدخلون الجنة على أهل الجنة ويخرجون منها، وقد دخلها النبي ﵊ ليلة الإسراء ثم خرج منها، وأخبر بما فيها، وأنها هي جنة الخلد حقاً.
وأما قولهم: إن الجنة دار القدس وقد طهرها الله تعالى من الخطايا فجهل منهم، فجهل منهم، وذلك أن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة، أن يدخلوا الأرض المقدسة، وهي الشام.
وأجمع أهل الشرائع على أن الله تعالى قدسها، وقد شوهد فيها المعاصي والكفر والكذب، ولم يكن تقديسها مما يمنع فيها المعاصي وكذلك دار القدس.
يعني هذا التقديس كوني وإلا شرعي؟ نعم .... التقديس شرعي، يعني يجب أن تقدس، لكن ما قدست، أما لو كان أمراً كونياً ما وقع خلافه.
وقال أبو الحسن بن بطال: وقد حكى بعض المشايخ أن أهل الجنة، أو أن أهل السنة، وقد حكى بعض المشايخ أن أهل السنة مجمعون على أن جنة الخلد التي أهبط منها آدم ﵇، أن جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم ﵇، فلا معنى لقول من خالفهم فلا معنى لقول من خالفهم.
وقولهم: كيف يجوز على آدم في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد؟ أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد؟ فيعكس عليهم، يعني بدلاً من أن يكون هذا دليلاً لهم، يكون دليلاً عليهم، فيعكس عليهم ويقال: كيف يجوز على آدم وهو في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد في دار الفناء؟! إذا قلنا: أنه في دار الخلد كيف يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد، أنتم تقولون: هو في دار الفناء في الأرض، كيف يطلب شجرة الخلد وهو في دار الفناء، مع كمال عقله؟ هذا ما لا يجوز على من له أدنى مسكة من عقل فكيف بآدم الذي هو أرجح الخلق عقلاً على ما قال أبو أمامة على ما يأتي.
ثم ذكر قول أبي أمامة: "لو أن أحلام بني آدم منذ خلق الله الخلق وضعت في كفة ميزان ووضع حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم".
ومعلوم أن النبي ﵊ أشرف وأعظم من آدم عليهما -الصلاة والسلام-، فيستثنى من هذا.
стр. 39
كيف نستثني النبي ﵊ من قوله: ""لو أن أحلام بني آدم منذ خلق الله الخلق، وضعت في كفة ميزان ... إلى آخره"؟
هذا مقتضاه أنه مرفوع، والخلاف في دخول المتكلم في كلامه معروف بين أهل العلم، فعلى هذا لا يدخل النبي ﵊ في هذا الكلام؛ لأنه هو الذي تكلم به، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [سورة طه: ١١٥]، أطال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في تقرير هذه المسألة بأقوالها وذيولها بعد أن أفاض في ذكر الحكمة في إهباط آدم من الجنة في مفتاح دار السعادة.
قال: "قالت طائفة منهم أبو مسلم، و، أبو مسلم، ومنذر بن سعيد البلوطي وغيرهما: أنها إنما كانت جنته في الأرض في موضع عال منها، لا أنها جنة المأوى التي أعدها الله لعباده المؤمنين يوم القيامة وذكر منذر بن سعيد هذا القول في تفسيره عن جماعة فقال: وأما قوله لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [سورة البقرة: ٣٥]، فقالت طائفة: أسكن الله تعالى آدم ﷺ جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة.
وقال آخرون: "هي جنة غيرها جعلها الله له واسكنه إياها ليست جنة الخلد، قال: وهذا قول، أي القول الثاني، قول: تكثر الدلائل الشاهدة، تكثر الدلائل الشاهدة له والموجبة للقول به؛ لأن الجنة التي تدخل بعد القيامة هي من حيز الآخرة، هي من حيز الآخرة، وفي اليوم الآخر.
وأطال في ذكر أدلة هذا القول إلى أن قال: وقد روي عنه أنه قال لأم حارثة، عنه ﵊ أنه قال لام حارثة: لما قالت له: يا رسول الله إن حارثة قتل معك فإن كان صار إلى الجنة صبرت واحتسبت وإن كان صار إلى ما سوى ذلك رأيت ما افعل، فقال لها رسول الله ﷺ : ((أو جنة واحدة)) يعني هل لا يوجد إلا جنة واحدة؟ ((إنما هي جنان)) ((إنما هي جنان)) ((إنما هي جنان كثيرة)) فاخبر ﷺ أن لله جنات كثيرة فلعل آدم أسكنه الله جنة من جناته ليست هي جنة الخلد.
стр. 40
لكن هذه الجنان التي أشير إليها في قصة حارثة، هذه الجنان التي أشير إليها في قصة حارثة إنما هي الجنات التي سبق ذكرها السبع، وكلها على ما سيأتي في المسألة الثالثة، نعيمها دائم وليس بفان، فهي من دار الخلد.
قالوا: وقد جاز، أو وقد جاء في بعض الأخبار أن جنة آدم كانت بأرض الهند قالوا: وهذا وإن كان لا يصححه رواة الأخبار ونقلة الآثار فالذي تقبله الألباب ويشهد له ظاهر الكتاب أن جنة آدم ليست جنة الخلد، ولا دار البقاء، ولا دار البقاء، وكيف يجوز، تابع كلام منذر بن سعيد البلوطي في تفسيره: وكيف يجوز أن يكون الله اسكن آدم جنة الخلد ليكون فيها من الخالدين، وهو قائل للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [سورة البقرة: ٣٠]؟ استدلال ظاهر وإلا غير ظاهر؟ يعني أسكنه جنة الخلد ليكون من الخالدين، ثم يخبر الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، مقتضى إخباره للملائكة أنه سوف يخرجه من هذه الجنة ويسكنه الأرض ليكون خليفة له في أرضه، فلو كانت دار الخلد لكان في هذا خلف في الكلام، هذا مشكل وإلا غير مشكل؟ وكيف يجوز أن يكون الله أسكن آدم جنة الخلد ليكون فيها من الخالدين، وهو قائل للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾؟ يعني نظير ما قيل: ﴿وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [سورة هود: ٧١]، ثم يرى في المنام أنه يذبحه، على قول من يقول أن الذبيح إسحاق، كيف يوعد إبراهيم بإسحاق ومن ورائه يعني من بعده يعقوب، ثم يرى في المنام أنه يذبحه؟ يتصور هذا وإلا ما يتصور؟ يعني التنظير في هذه المسألة لو كان الذبيح إسحاق لكان التنظير مطابقاً، يعني لو قيل مثلاً: أنه جاء في الرؤيا من يقول: إن فلان يعيش مدة عشرين سنة، يعيش مدة عشرين سنة، وجاءت رؤيا أخرى تدل على أنه يولد لهذا الشخص ولم يتزوج قبل العشرين لقلنا: إن هذه الرؤيا إحداهما باطلة؛ لأنها تكذب الأخرى؛ لأنها تكذب الأخرى.
стр. 41
إشكالهم كيف يجوز أن يكون الله أسكن آدم جنة الخلد ليكون فيها من الخالدين، وهو قائل لملائكته: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [سورة البقرة: ٣٠]؟ يعني لما بُشر إبراهيم ﵇ بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب ثم قيل له: اقتل ولدك، اذبح ولدك إسحاق، يعني هل هذا يؤثر في نفسه، وتترتب عليه الحكمة والمصلحة التي اختبر فيها إبراهيم وولده، وقد ضُمن له أن يولد لهذا الولد؟ ما يتصور هذا، يكون هذا الكلام لمجرد يعني ما يترتب عليه آثار، واختباره وابتلاءه بذبح ولده من أعظم المحن التي تمر على البشر، وإذا ضمن له أن هذا الولد سوف يولد له، والأمر بالذبح قبل الولادة، ارتاح ما في ذبح، فكيف يقال: إن الذبيح إسحاق؟ ولو قيل، لو، عند من يقول أن الذبيح إسحاق، قالوا: هذا الكلام، كلام منذر ابن سعيد صحيح.
стр. 42
ولا يمنع أن يكون أن يضمن له الخلد المشروط، المشروط بألا يعصي، مضمون الخلد بأن لا يعصي، فلما حصل له ما حصل، وكل إنسان لا يدري ما مصيره، لا يدري ما مصيره؛ لكن ركب فيه حرية الاختيار، خلق للجنة أهلاً، وخلق للنار أهلاً، لكن يقول قائل: لماذا أعمل وأنا ما أدري أنا من أهل النار، أنا من أهل الجنة؟ يقول: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) فأنت طائع مختار، لكن الحرية والاختيار، لكن ليست مستقلة، هي تابعة لاختيار الله -جل وعلا- ومشيئته، وإرادته، خلافاً لما يقوله القدرية النفاة وفي مقابلهم الجبرية، وكيف أخبر الملائكة أنه يريد أن يجعل في الأرض خليفة، ثم يسكنه دار الخلود ودار الخلود لا يدخلها إلا من يخلد فيها كما سميت بدار الخلود، فقد سماها الله بالأسماء التي ذكرنا لها السبعة، تسمية مطلقة لا خصوص فيها فإذا قيل للجنة دار الخلد لم يجز أن ينقص مسمى هذا الاسم بحال فهذا بعض ما احتج به القائلون بهذا المذهب وعلى هذا فإسكان آدم وذريته في هذه الجنة لا ينافي كونهم في دار الابتلاء والامتحان، وحينئذ كانت تلك الوجوه والفوائد التي ذكرتموها ممكنة الحصول، يعني الفوائد التي ذكرها ابن القيم -رحمه الله تعالى- من الحكم العظيمة، والمصالح الكبيرة التي ترتبت على معصية آدم، وعلى أخراجه من الجنة؛ لأن آدم ﵇، ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [سورة طه: ١٢١]، ولا يمكن أن يحتج بالقدر على المعصية، هو احتج بالقدر لما حاجه موسى، وجاء في الحديث الصحيح: ((فحج آدم موسى)) لكن هل احتج بالقدر على المعصية، لما تاب منها والتوبة تهدم ما كان قبلها، والتائب توبة نصوحاً تبدل سيئاته حسنات، انمحى أثر السيئة والمعصية، بقي المصيبة التي ترتبت على هذه المعصية.
стр. 43
لو أن إنساناً تساهل في صلاة من الصلوات وفوتها عن وقتها من غير عذر، أثم وعصى وأتى أمراً من عظائم الأمور ثم صارت هذه المعصية سبباً لحادث سيارة مثلاً خسر فيه مبالغ طائلة، تاب من هذه المعصية وأناب إلى الله -جل وعلا- وعزم ألا يعود، ثم قيل له: لماذا حصل هذا الحادث؟ بعض الناس، لا سيما بعض الآباء، يقول للولد: أنت ما تشوف اللي قدامك؟ لماذا حصل هذا الحادث؟ لما كانت المعصية قائمة، لا يجوز أن يقول إن الله -جل وعلا- قدر علي هذه المعصية، جعلني لا أنهض إلى الصلاة حتى خرج وقتها، فالاحتجاج بالقدر على المعاصي هو حجة المشركين، ﴿لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [سورة الأنعام: ١٤٨]، لكن المصيبة إذا تاب من المعصية، يعني إذا كانت المعصية قائمة، قلنا: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [سورة الشورى: ٣٠]، احمد ربك اللي ما مت في هذا الحادث، لكن إذا تاب من هذه المعصية استدل واحتج بالقدر هذا أمر كتبه الله عليّ، وقدره عليَّ، هذا حاله، فيبقى المعاصي لا يجوز الاحتجاج بالقدر عليها، وأما بالنسبة للمصائب فإنه يحتج بالقدر عليها كما حصل في قصة آدم، آدم احتج بالقدر، لكن هل احتجاجه بالقدر على أنه أكل من الشجرة وعصى آدم ربه فغوى لا، آدم تاب من هذه المعصية، والتوبة تهدم ما كان قبلها، وتجب ما كان قبلها، وبقي أثر هذه المعصية التي هي المصيبة، فيحتج بالقدر على وقوع هذه المصيبة.
يقول ابن القيم ﵀: فالجواب أن يقال: هذا فيه قولان للناس ونحن نذكر القولين واحتجاج الفريقين ونبين ثبوت الوجوه التي ذكرناها وأمثالها على كلا القولين ونذكر أولاً قول من قال: إنها جنة الخلد التي وعدها الله المتقين وما احتجوا به وما نقضوا به حجج من قال إنها غيرها ثم نتبعها مقالة الآخرين وما احتجوا به وما أجابوا به عن حجج منازعيهم من غير انتصاب لنصرة أحد القولين".
ابن القيم ساق الأدلة الأقوال بأدلتها، وأفاض في ذلك وما رجح، لماذا؟ لأنه لا يريد تقرير هذه المسألة في هذا الموضع، وإنما يقرر الآثار التي رتبت على إهباط آدم والحكم والمصالح العظيمة التي رتبت على إهباطه من الجنة.
стр. 44
"من غير انتصاب لنصرة أحد القولين وإبطال الآخر إذ ليس غرضنا ذلك وإنما الغرض ذكر بعض الحكم والمصالح المقتضية لإخراج آدم من الجنة، وإسكانه في الأرض في دار الابتلاء والامتحان" وبسط القول، وبسط القول في ذلك في حدود عشر ورقات، حدود عشر ورقات من الطبعات القديمة، غير المحققة، يعني لو حققت لجاءت في مجلد لطيف، هذه العشر ورقات، وذكر المسألة مبسوطة في حادي الأرواح في الجزء الأول من الطبعة المحققة في خمس وأربعين صفحة، في خمس وأربعين صفحة، هذا يرجع إليه.
إذا عرفنا هذا وأن قول عامة أهل السنة أن الجنة التي أسكنها آدم هي دار الخلد، وهي التي أهبط منها، بسبب معصيته، فيترتب على هذا مع ما تظافر بذلك من النصوص، نصوص الكتاب والسنة أن الجنة وهي المسألة الثانية، المسألة موجودة الآن، مخلوقة من أول الأمر.
يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في حادي الأرواح:
الباب الأول: في بيان وجود الجنة الآن؛ لأن الخلاف مع الجهمية والمعتزلة في هذه المسألة من قولهم: أن خلق الجنة قبل مصير أهلها إليها ضرب من العبث، يعني تجلس الجنة آلاف السنين، ونعيمها موجود، رآه النبي، رأى شيئاً منه ﵊ في ليلة الإسراء، يقولون: قبل الاحتياج إليها هذا ضرب من العبث، ولو أن شخصاً بنا قصرا ًمنيفاً وشيده وخسر عليه الأموال الطائلة في بلد ما؛ لأنه ينوي الانتقال إلى هذا البلد بعد التقاعد مثلاً، وهو الآن عين، يعني بعد أربعين سنة إذا تقاعد يبي ينتقل إلى هذا القصر، لعد هذا ضرب من إيش؟ من العبث، بل حكم عليه بالجنون، هذه حجة المعتزلة، والله -جل وعلا- لا يسأل عما يفعل، له الحكمة البالغة، وله المشيئة النافذة.
стр. 45
يقول: "الباب الأول في بيان وجود الجنة الآن: لم يزل أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون وتابعوهم، وأهل السنة، والحديث قاطبة، يعني جميعاً، ولا واحد منهم خالف في ذلك، وفقهاء الإسلام يقول: وأهل التصوف والزهد على اعتقاد، على اعتقاد ذلك وإثباته مستندين في ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة وما علم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، من أولهم إلى آخرهم، فإنهم دعوا الأمم إليها، فإنهم دعوا الأمم إليها، وأخبروا بها إلى أن نبغت نابغة من القدرية والمعتزلة فأنكرت أن تكون الآن مخلوقة، وقالت: بل الله ينشئها يوم المعاد، بل الله ينشئها يوم المعاد، وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد، أصلهم الفاسد، وللمعتزلة عندهم من أصولهم: أن الله -جل وعلا- يجب عليه رعاية الأصلح، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، يجب عليه رعاية الأصلح، قال: وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله وانه ينبغي له أن يفعل كذا ولا ينبغي له أن يفعل كذا، وقاسوه على خلقه في أفعاله فهم مشبهة في الأفعال، ودخل التجهم فيهم فصاروا مع ذلك معطلة في الصفات، يعني مشبهة في الأفعال، معطلة في الصفات، يعني الذي جاءت به النصوص، نصوص الكتاب والسنة نفوه، والذي لم يرد به دليل من الكتاب والسنة، بل دل الدليل على نفيه أثبتوه، ونظير هذا ما يقع فيه ابن حزم أحياناً، بل مطرد عنده مسألة نفي القياس في الفروع، مع أنه في الأصول استعمله أحياناً في مقدمة المحلى.
стр. 46
فصاروا مع ذلك معطلة في الصفات، وقالوا: خلْقُ الجنة قبل الجزاء عبث فإنها تصير معطلة مدداً متطاولة ليس فيها سكانها، وقالوا: ومن المعلوم أن ملكاً لو أتخذ داراً واعد فيها ألوان الأطعمة والآلات والمصالح وعطلها من الناس ولم يمكنهم من دخولها قروناً متطاولة، لم يكن ما فعله واقعاً على وجه الحكمة، ووجد العقلاء سبيلاً إلى الاعتراض عليه، يعني هم شبهوا الخالق -جل وعلا- بخلقه، وجعلوا ما يليق بالمخلوق هو اللائق بالخالق، وهذا نسأل الله السلامة والعافية من ضلالهم، وبعدهم، وحيدهم عن النصوص، واستعمالهم واسترسالهم في تحكيم العقول على النصوص، وتقديمهم الآراء على ما جاء عن الله وعن رسوله، في أمور لا يمكن للعقل البشري أن يصل إليها، فحجروا على الرب تعالى بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة وشبهوا أفعاله بأفعالهم وردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة، وردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي شرعوها هم، وردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب، أو حرفوها عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالفهم فيها والتزموا فيها لوازم أضحكوا عليهم فيها العقلاء".
стр. 47
لا شك أن من استرسل وراء الأوهام أنه لا بد أن يأتي بشيء مضحك، يعني لو قيل لشخص جالس في هذا المسجد: ما الذي وراء هذا الحائط؟ هل يستطيع أن يدرك؟ يعني في أمور مطردة يمكن يقول: هذه مواقف سيارات؛ لأن فيها سيارات، هذا الغالب، وقد يصيب في هذا، لكن في أمور لا يمكن، ليس لها نظير تقاس عليه، ليس لها نظير يمكن أن تقاس عليه، معروف أن الجهات المحيطة بالمسجد أنها إما مواقف وإلا شوارع يمكن يصيب في مثل هذا الأمر، لكن هناك أمور لا يمكن أن تدرك؛ لأنها لا يوجد ما يقاس عليها، لا تدركها الأفهام، ولا تبلغها الأوهام، لو قيل لشخص: ما الذي تحت الأرض مثلاً؟ ما يدري، ما الذي وراء الحائط؟ ما يدري، ما الذي فوق السطح؟ ما يدري، وهذه في أمور قريبة ومطردة ويمكن الوصول إليها بسهولة، ولها نظائر يمكن أن تقاس عليها، كيف يتكلم الإنسان في أمور لا يمكن إدراكها؛ لأنها لم تر، ولم تحس، إنما جاءت بها النصوص السمعية، فيجب الوقوف على هذه النصوص السمعية ولا تُتعدى، وليس هذا من باب التفويض الذي يقول به بعض المبتدعة؛ لأن أهل السنة يُمرون آيات الصفات كما جاءت، ويعتقدون أن لها معان لائقة بالرب -جل وعلا-، لكن المفوضة يقولون: ليس لها معان، فنحن ندرك ما مُكّنا من إدراكه، ولا ندرك ما حجبنا عن إدراكه، يعني بعض الناس قد يلتبس عليه أمر التسليم، تسليم السلف والأئمة لما جاء عن الله ورسوله فيما يتعلق بالله -جل وعلا-، ويلتبس عليه ما يراه أهل التفويض، ومع الأسف أنه كتب بعضهم، بعض طلاب العلم أن مذهب أهل السلف، مذهب السلف التفويض، وجاء بأقوالهم التي تدل على أن آيات الصفات تمر كما جاءت، ولا يتعرض لها، يقول: ما الفرق بين هذا وهذا والتفويض؟ نقول: يا أخي فرق بين أن تسمع كلمة زيد رجل في المغرب مثلاً، تسمع عن شيخ من المشايخ أن اسمه زيد، وبين عكس كلمة زيد، ديز مثلاً فالمفوضة يرون الصفات مثل زيد، لا معنى لها البتة، والذي يثبت الصفات على ما جاء عن الله وعن رسوله من غير مشابهة لمخلوق، لكن هذا من باب التنظير يعرف أن زيد العالم الفلاني في المشرق أو في المغرب أنه مثل الناس، تحس أن، أو له صفات، له عينان، وله سمع، وله بصر، وله يدان، وله رجلان، إلى
стр. 48
آخره، إلى غير ذلك، لكن أنت ما تدرك هذه الكيفيات، بالنسبة لزيد الذي لم تره، ولم يوصف لك، ولا قيل إنه مثل فلان، أنت ما تدرك هذه الصفات، لكن تعرف معاني هذه الصفات، ففرق بين أن تعرف المعنى، وبين أن تجهل الكيفية، وبين أن تقول: هذا اللفظ لا معنى له البتة.
لماذا أقول مثل هذا الكلام وأستطرد فيه؟ لأنه جيء لنا من بعض المواقع، ومن بعض ما ينشر في الإنترنت وغيره مثل هذا الكلام، وأن مذهب السلف هو التفويض، يا أخي السلف يعرفون المعنى، الاستواء معلوم، لكن ما الذي يجهلون؟ يجهلون الكيفية، الاستواء له معنى في لغة العرب، وله معنى في النصوص، لكن الكيفية يجهلونها، أنت إذا سمعت أن زيد فلان ابن فلان من علماء مصر، من علماء الشام، ما رأيته، ولا قيل لك إنه مثل فلان، تراه شبيه بفلان، تعرف أن له عيون مثل الناس، وله يدان مثل الناس، وله أرجل مثل الناس، وطوله له قامة، وله كذا، لكن أنت ما تدرك هل عيناه صغيرتان أو كبيرتان، أو يداه طويلتان، أو لونه أسود، أو أبيض، ما تدري؛ لأنك ما رأيته، ولا رأيت من يشبهه، فأنت تعرف هذه المعاني، لكن كيفيات هذه المعاني لا تدركها، بخلاف عكس زيد، إذا قيل: ديز، ديز إيش معناها؟ ما لها معنى، ليس لها معنى، وهذا نظير قول المفوضة، وهذا كلام ما له معنى، يمر كما جاء ما له معنى.
فحجروا على الرب ﵎ بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة، وشبهوا أفعاله بأفعالهم، وردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب -جل وعلا-، أو حرفوها عن مواضعها، وضللوا وبدعوا من خالفهم فيها، والتزموا فيها لوازم أضحكوا عليهم فيها العقلاء".
стр. 49
يعني حينما يقول بعض المبتدعة ممن يعطل الأسباب ويقول: إن الأسباب وجودها مثل عدمها، قال بعض الأشعرية: أنه يجوز للأعمى وهو في الصين أن يرى بقة الأندلس، يعني هذا مثال يمكن يضحك المجانين، فضلاً عن كونه يضحك العقلاء، يعني أعمى، رجل أعمى لا يرى يديه أعمى بالصين في أقصى المشرق يمكن أن يرى البق، الحب، الواحدة من البق، البقة صغار البعوض وهو في الأندلس، كيف؟ الذين قالوا هذا الكلام ترى ليسوا يعني أناس عادين، يعني أعطوا من الذكاء شيء لا يخفى على البال، عباقرة، لكن الذكاء وحده لا يكفي، بل لا بد من الزكاء، كما قال شيخ الإسلام في الحموية: "أعطوا ذكاءً وما أوتوا زكاءً "، لكن لو جعلوا القرآن والسنة قائدهم انتهت هذه المشكلة، لكنهم استرسلوا في أمور لا يمكن الوصول إليها بمجرد العقل، بمجرد الذكاء، فتاهوا وضلوا، وأصيبوا بالحيرة، حتى رجع بعضهم في آخر عمره إلى أن يتمنى أن لو كان على عقيدة العجائز، وهنا يقول: أضحكوا العقلاء، أقول: أضحكوا المجانين أحياناً، لو تقول لمجنون شوف هذا الأعمى ذا ترى يشوف اللي وين؟ اللي بمكة، كان يضحك عليك، وهو مجنون، ولهذا يذكر السلف في عقائدهم أن الجنة والنار مخلوقتان ويذكر من صنف في المقالات أن هذه المقال، مقالة أهل السنة والحديث قاطبة لا يختلفون في هذا، ثم نقل كلاماً طويلاً لأبي الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين عرض فيها لكثير من مسائل الاعتقاد وفيه قال: "ويقرون أن الجنة والنار مخلوقتان".
стр. 50
ثم قال ابن القيم: "وقد دل على ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى* عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى* عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [سورة النجم: ١٣ - ١٥]، وقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى، يعني ليلة الإسراء، ورأى بيقظة، فليس بمنام، فلا يقال هذه والله رؤيا، يقظة رآها، وقد رأى النبي ﷺ سدرة المنتهى، ورأى عندها الجنة كما في الصحيحين من حديث أنس في قصة الإسراء وفي آخره: ((ثم أنطلق بي جبريل حتى أتى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدرى ما هي قال: ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك)) وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: ((أن أحدكم إذا مات عرض على مقعده، وفي رواية عليه مقعده بالغداة والعشي أن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وأن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة)).
وفي الصحيحين في صلاة الخسوف قال ﷺ : ((أني رأيت الجنة وتناولت منها عنقوداً ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا)) الحديث.
وفي صحيح البخاري من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((بينما أنا أسير في الجنة وإذا بنهر في الجنة حافتاه قباب الدر المجوف قال: قلت ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك فضرب الملك بيده فإذا طينه مسك أذفر))، ودخل النبي ﵊ مرة ورأى فيها قصراً لعمر بن الخطاب، وأخرى سمع خشخشة بلال بين يديه، إلى غير ذلك مما لا يمكن حصره.
يقول الإمام أبو جعفر الطحاوي في عقيدته الشهيرة: "والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبداً ولا تبيدان، فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلاً، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له".
стр. 51
يقول الشارح، شارح الطحاوية، وجل كلامه منقول عن ابن القيم وكثير منه عن شيخ الإسلام ابن تيمية، لكنه لا يعزو، لكنه لا يعزو، لا لشيخ الإسلام، ولا لابن القيم، وكثير من مباحث الكتاب مأخوذ بحروفه بالصفحة والصفحتان من كلام شيخ الإسلام، أو من كلام ابن القيم، وفعل ذلك ترويجاً لكتابه؛ لأنه على معتقد أهل السنة والجماعة وإذا عزا لشيخ الإسلام أو لابن القيم وهو حنفي المذهب ما راج كتابه عند قومه، وفي عصره، وفي مصره وبلده؛ لأنهم على مذاهب تخالف ما قرره شيخ الإسلام من عقيدة أهل السنة والجماعة، فترويج الكتب أحياناً يكون بالحذف كما هنا، يعني لو قال: قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال ابن القيم، وهو في بلد يخالفون شيخ الإسلام في المعتقد، ما قبلوا منه، كما أنه قد يروج الكتاب بذكر ما لا يرتضى من المذاهب التي لا يعتد بها في الاتفاق ولا في الخلاف، فمثلاً تجد في كتب الشوكاني والصنعاني ترويج لكتبهم بذكر أقوال الزيدية والهادوية وغيرها من طوائف الشيعة، يروجونها؛ لأنهم في بلد في وقتهم أكثر أهله من الهادوية، فيروجون الكتب، لو ترك مذهب الهادوية مثلاً ما ذكره يمكن ما يروج الكتاب، ومثل هذا قد يتجاوز فيه، المقصود أن الشخص لا يذكر باطل، ولا يرجح خلاف الدليل، قد يتجاوز في مثل هذا، لكن هل يمكن أن يروج كتاب ببدعة كبرى مكفرة، كما فعل الفيروز آبادي صاحب القاموس بشرح البخاري؟ شرح البخاري بشرح مطول جداً يعني لو قدر تمامه لكان في أكثر من خمسين مجلد، وفرغ من عشرين مجلدة كبار، لكنه روج كتابه بنقل مقالات ابن عربي، من القول بوحدة الوجود، وأودع فيه كثير مما في "الفصوص" و"الفتوحات"، وغيرهما من مؤلفاتهم، يعني ينقل ويترك؛ لأن مقالة ابن عربي راجت في بلده في وقت من الأوقات، هل نروج للكتب بمثل هذا؟ ما الفائدة من التأليف؟ الفائدة لينتفع الإنسان في دنياه وأخراه، وهل ينتفع الإنسان في دنياه وأخراه بمثل هذا الكلام الباطل الكفري نسأل الله السلامة والعافية؟ لا يمكن، والحافظ الذهبي ﵀ يقول في الميزان: "والله إن العيش خلف أذناب البقر، -يعني فلاح مزارع- خير من علم مثل علم ابن عربي" عامي لا يقرأ ولا يكتب أفضل من ملئ الأرض من
стр. 52
ابن عربي من أهل المقالات الباطلة والفاسدة.
يقول الشارح: " أما قوله: إن الجنة والنار مخلوقتان فاتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل أهل السنة على ذلك حتى نبغت نابغة من المعتزلة والقدرية، وهذا كلام ابن القيم بحروفه، فأنكرت ذلك وقالت: بل ينشئهما الله يوم القيامة، ثم ذكر نحو ما ذكره ابن القيم فيما تقدم نقله عنه.
ويقول الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه: باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة.
يقول الحافظ بن حجر في شرح الترجمة يقول: باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة: أي موجودة الآن وأشار بذلك إلى الرد على من زعم من المعتزلة أنها لا توجد إلا يوم القيامة وقد ذكر المصنف في الباب أحاديث كثيرة، أحاديث كثيرة دالة على ما ترجم به فمنها ما يتعلق بكونها موجودة الآن، ومنها ما يتعلق بصفتها وأصرح مما ذكره في ذلك ما أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد قوي عن أبي هريرة ﵁ قال: لما خلق الله الجنة، قال لجبريل: أذهب فأنظر إليها الحديث.
المسألة الثالثة:
وهي أن الجنة باقية ونعيمها باق وليس بفان .
يقول الإمام المحقق البارع ابن القيم في كتابه النافع الماتع حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، وله كلام نفيس في آخر النونية، يعني على طالب العلم أن يرجع إليه، نعم يحتاج أحياناً إلى شرح، النونية مشروحة من قبل الشيخ إبراهيم بن عيسى، ومن قبل محمد خليل هراس، ومن قبل مجموعة من أهل العلم، والشيخ ابن سعدي ﵀ شرح مواضع منها.
وحادي الأرواح كالشرح لما أشرت إليه مما ذكره ابن القيم فيما يتعلق بالجنة، وما أعده الله -جل وعلا- لأوليائه المتمسكين بالكتاب والسنة.
يقول ابن القيم في حادي الأرواح: الباب السابع والستون في أبدية الجنة يعني ختم كتابه في أبدية الجنة، في كما قال ابن القيم: وخاتمة النعيم خلودهم،
هذا وخاتمة النعيم خلودهم ... أبداًَ بدار الخلد والرضوان
يقول في الباب السابع والستون في أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد.
стр. 53
ابن القيم بحث هذا وبحث مسألة فناء النار، وأطال في تقرير ذلك من الوجهين ولا رجح في الأخير، ومع ذلك بعض المتعصبين ممن تلبس بضرب من البدعة، كصاحب فيض القدير شرح الجامع الصغير ذكر في الجزء السادس صفحة مائتين وأربعة، أو مائتين وواحد وأربعين الظاهر، مائتين وواحد وأربعين، أنا بعيد الآن جداً، مائتين وواحد وأربعين، التي هي وفاة الإمام أحمد لا وفاة الشافعي، مائتين وواحد وأربعين يقول: إن ابن القيم ختم كتابه في صفة الجنة بذكر فناء النار، ختم كتاب صفة الجنة بذكر فناء النار، وكأنه قال كلاماً شديداً في حق ابن القيم وأنه يختم له بما ختم به، نسأل الله السلامة والعافية، كلام، كلام نسأل الله العافية تحدوا إليه البدعة، وابن القيم ﵀ من أئمة وأعلام السنة الذين هدموا المذاهب تبعاً لشيخه شيخ الإسلام -رحم الله- الجميع.
يقول في أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد:
"هذا مما يعلم بالاضطرار أن الرسول ﷺ أخبر به قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [سورة هود: ١٠٨]، ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ يعني: غير مقطوع، يعني غير منته، يقول: ولا تنافي بين هذا وبين قوله ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ واختلف السلف في هذا الاستثناء، هذا الاستثناء أورد فيه القرطبي في تفسيره في تفسير آية هود عشرة أقوال لأهل العلم، عشرة أقوال لأهل العلم.
стр. 54
يقول ابن القيم: ولا تنافي بين هذا وبين قوله ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ وقد اختلف السلف في هذا الاستثناء، فقال معمر عن الضحاك: هو في الذين يخرجون من النار فيدخلون الجنة يقول سبحانه: أنهم خالدون في الجنة ما دامت السماوات والأرض إلا مدة مكثهم في النار، إلا مدة مكثهم في النار؛ لأن الاستثناء من الشيء قد يكون من آخره، وقد يكون من أوله، وقد يكون من أثناءه، قال: قلت: ويحتمل ويحتمل، وهذا يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون الإخبار عن الذين سعدوا وقع عن قوم مخصوصين وهم هؤلاء، الذين دخلوا النار، وحصل الاستثناء لهذه المدة التي هي مدة بقائهم في النار ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ يعني من هذ المدة، وإلا فالأصل أنهم منذ أن انتهوا من الدنيا، ومن البرزخ، يدخلون الجنة إلى أبد الآباد، ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ هذه المدة التي مكثوا فيها في النار.
يقول: وهذا يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون الإخبار عن الذين سعدوا عن قوم، وقع عن قوم مخصوصين وهم هؤلاء.
والثاني -وهو الأظهر- أن يكون وقع عن جملة السعداء، عن الجميع، والتخصيص بالمذكورين هو في الاستثناء وما دل عليه، يعني لا يكون في الأفراد في الأشخاص إنما يكون في المجموع، لا في الجميع، الاستثناء إنما يكون في الجميع من الذين سعدوا، مجموعهم لا في جميعهم ولا في أفرادهم.
قال: وأحسن من هذا، أو وأحسن من هذين التقديرين أن تُرد المشيئة إلى الجميع حيث لم يكونوا في الجنة في الموقف، يعني ما دخلوا الجنة بمجرد قيامهم من قبورهم، لبثوا مدة في الموقف، فالاستثناء حاصل أو متجه إلى هذه المدة، لم يكونوا في الجنة في الموقف، وعلى هذا فلا يبقى في الآية تخصيص وقالت فرقة أخرى: هو استثناء استثناه الرب -جل وعلا-، ولا يفعله كما تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وأنت لا تراه بل تجزم بضربه.
стр. 55
وقالت فرقة أخرى: هذا الاستثناء إنما هو مدة احتباسهم، إنما هو مدة احتباسهم عن الجنة ما بين الموت والبعث وهو البرزخ، وهو البرزخ إلى أن يصيروا إلى الجنة، ثم هو خلود الأبدي فلم يغيبوا عن الجنة إلا بقدر إقامتهم في البرزخ، وهذا يجرنا إلى كلام هو عن الدور، هل الدور ثلاث، أم داران فقط، الدنيا والآخرة، أو الدنيا والبرزخ والآخرة؟.
في الطحاوية وشرحها قرر أن الدور ثلاثة، دنيا، وبرزخ، بينهما حاجز لا من هذا ولا من هذا وآخرة، وفي القاموس يقول: "الدنيا نقيض الآخرة، ومقتضى كون الدنيا نقيضاً للآخرة أنه ليس إلا داران فقط؛ لأن النقيضين لا يمكن أن يرتفعا، وإذا قلنا أن البرزخ غير الدنيا والآخرة يمكن أن يرتفع الوصف بالدنيا والآخرة ويبقى مدة البرزخ وفترة البرزخ.
وقالت فرقة أخرى: الاستثناء راجع إلى مدة لبثهم في الدنيا، يعني الأصل أن هؤلاء خلقوا للجنة، هؤلاء خلقوا للجنة، وهؤلاء خلقوا للنار، فالأصل أنهم من خلقهم يؤولون إلى ما خلقوا له، وهو الجنة، أو الطائفة الأخرى يؤولون إلى ما خلقوا له وهي النار نسأل الله السلامة والعافية، فلبثهم في الدنيا هو الذي وقع له، أو وقع عليه الاستثناء ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾.
وهذه الأقوال يقول ابن القيم: وهذه الأقوال متقاربة ويمكن الجمع بينها بأن يقال: أخبر سبحانه عن خلودهم في الجنة كل وقت إلا وقتاً يشاء الله -جل وعلا- ألا يكونوا فيها، وذلك يتناول، وذلك يتناول وقت كونهم في الدنيا، وفي البرزخ، وفي موقف القيامة، وعلى الصراط، وكون بعضهم في النار مدة، وعلى كل تقدير فهذه الآية من المتشابه، فهذه الآية من المتشابه، إلا ما شاء الله.
والمتشابه يجب رده إلى المحكم، والذي يتتبع المتشابه هو الذي بقلبه زيغ نسأل الله السلامة والعافية، الذي يترك المحكم الذي لا يحتمل، ويذهب إلى المتشابه ليلبس به على غيره هذا هو الذي في قلبه: زيغ، إذا رأيتم الذين يتتبعون المتشابه فهم الذين ذكر الله فيهم من الزيغ فاحذروهم كما تقول عائشة.
стр. 56
وعلى كل تقدير فهذه الآية من المتشابه، وقوله تعالى فيها: ﴿عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [سورة هود: ١٠٨]، محكم، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾ [سورة ص: ٥٤]، وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا﴾ [سورة الرعد: ٣٥]، وقوله: ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [سورة الحجر: ٤٨]، وقد أكد الله سبحانه خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن، وأخبر أنهم ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [سورة الدخان: ٥٦]، وهذا استثناء منقطع، وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله: إلا ما شاء الله، ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ تبين لك المراد من الآيتين واستثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود كاستثناء الموتة الأولى، كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية، وذاك مفارقة للجنة تقدم على خلودهم فيها، وبالله التوفيق.
وقد قال النبي ﷺ : ((من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت)) وقال ﵊: ((ينادي مناد يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وأن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وأن تحيوا فلا تموتوا أبداً)) خرّجه الإمام مسلم.
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخد ري عن النبي ﷺ أنه قال: ((يجاء بالموت في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة، فيطلعون مشفقين، خائفين وجلين، يطلعون مشفقين؛ -لأنهم في نعيم تام، وسعادة يخشون أن يحصل ما ينغص هذه السعادة وهذا النعيم، فيطلعون مشفقين -، ويقال: يا أهل النار، فيطلعون فرحين؛ لأنه احتمال أن يكون عاقبة هذا النداء التخفيف عنهم، فيطلعون فرحين فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، فيذبح بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت)).
стр. 57
يقول الإمام الحافظ ابن كثير في تفسيره في تفسير آية هود: يقول الله تعالى: ﴿وأما الذين سعدوا﴾ وهم أتباع الرسل، ﴿ففي الجنة﴾، أي: فمأواهم الجنة، أتباع الرسل، يعني قبل نسخ شرائعهم، لا يأتي من يقول أنه يوجد من أتباع الرسل الآن، نقول: لا، الذي يزعم أنه يسعه الخروج عن شريعة محمد ولو كان تابعاً لنا، أو يزعم أنه تابع لنبي قبله، هذا نسأل الله العافية من النواقض، ولذا يحكم أهل العلم على أن اليهود والنصارى كفار بالإجماع، وإن كانوا يزعمون أنهم أتباع لموسى وعيسى، ولذا قال: وهم أتباع الرسل يعني في أوقاتهم، ووقت قيام شرائعهم، أما بعد بعثة النبي ﵊: ((والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني، فلا يؤمن بي إلا دخل النار))، ولا يسع أحد الخروج عن شريعة محمد كائناً من كان، ﵊، يعني كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى، ففي الجنة أي فمأواهم الجنة، ﴿خالدين فيها﴾ أي ماكثين فيها أبداً ﴿ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ معنى الاستثناء ههنا أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمراً واجباً بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى فله المنة عليهم دائماً ولهذا يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس.
وذكر القرطبي في تفسيره الأقوال في الاستثناء وأنها عشرة فيرجع إليه، فيرجع إليها من أراد التوسع في أراد في هذه المسألة.
في عقيدة الإمام الطحاوي: والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان ولا تبيدان.
يقول الشارح: قوله: لا تفنيان أبداً، ولا تبيدان، هو قول جمهور الأئمة من السلف والخلف، وقال ببقاء الجنة، وبفناء النار، جماعة منهم، والقولان مذكوران في كتب التفسير وغيرها.
وقال بفناء الجنة والنار، الجهم بن صفوان إمام المعطلة، وليس له سلف قط، لا من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين، ولا من أهل السنة، وأنكره عليهم عامة أهل السنة وكفروه به، وصاحوا به، وبأتباعه من أقطار الأرض، وهذا قاله تبعاً لأصله الذي اعتقده وهو امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث، يعني تسلسل الحوادث في المستقبل، عندهم ممنوع، عند الجهمية.
стр. 58
وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة وافقه على هذا الأصل يعني المآل واحد إلا أن العذاب ينقطع، وافقه على هذا الأصل لكن قال: إن هذا يقتضي فناء الحركات، فقال بفناء حركات الجنة والنار حتى يصيروا في سكون دائم، لا يقدر أحد منهم على حركة.
على كل حال الجنة والنار مستثناة معها الثمانية، هي ضمن الثمانية التي كتب لها البقاء
ثمانية حكم البقاء يعمها ... من الخلق والباقين في حيز العدم
هي العرش والكرسي نار وجنة ... وعجب وأرواح كذا اللوح والقلم
هذه لا تفنى كما جاءت بذلك الأدلة.
ابن القيم -رحمه الله تعالى- في نونيته وهو يتكلم عن جهم بن صفوان يقول:
وقضى بأن الله كان معطََّلاً، وقضى بأن الله كان معطلاً يعني في الماضي ما في حوادث، تسلسل الحوادث في الماضي، كما أنه طرد ذلك من امتناع تسلسل الحوادث في المستقبل.
قال:
وقضى بأن الله كان معطلاً ... والفعل ممتنع بلا إمكان
ثم استحال وصار مقدوراً ... له من غير أمر قام بالديان
بل حاله سبحانه في ذاته ... قبل الحدوث وبعده سيان
الفعل ممتنع، ثم استحال، وصار مقدوراً له،
وقضى بأن النار لم تخلق،
وقضى بأن النار لم تخلق ... ولا جنات عدن بل هما عدمان
فإذا هما خلقا ليوم معادنا ... فهما على الأوقات فانيتان
وتلطف العلاف من أتباعه ... فأتى بضُحكة جاهل مجان
من المجون.
قال الفناء يكون في الحركات ... لا في الذات واعجباً لذا الهذيان
أيصير أهل الخلد في جناتهم ... وجحيمهم كحجارة البنيان
ما حال من قد كان يغشى أهله، يعني تتعطل الحركات فجأة عنده، يعني مثل الذي يتكلم، مثل المكبر ثم يطفأ الكهرباء، ما حاله؟، أو يقرأ ثم يطفأ النور، ما حاله؟ يقول:
ما حال من قد كان يغشى أهله ... عند انقضاء تحرك الحيوان
وكذاك ما حال الذي رفعت يداه ... أكلة من صحفة وخوان
فتناهت الحركات قبل وصولها ... للفم عند تفتح الأسنان
أسنانه متفتحة باقية، ثم تعطلت الحركات، ماذا يكون وضعه؟ اليد مرفوعة، واللقمة في اليد، والأسنان مفتوحة.
وكذاك ما حال الذي امتدت يدٌ ... منه إلى قنو من القنوان
فتناهت الحركات قبل الأخذ هل ... يبقى كذلك سائر الأزمان؟
تباً لهاتيك العقول فإنها ... والله قد مسخت على الأبدان
стр. 59
تباً لمن أضحى يقدمها على ... الآثار والأخبار والقرآن
في آخر النونية وهذا حقيقة على طالب العلم أن يعنى به، فيما يتعلق بالجنة وهو حادي، حادي للمسلم أن يعمل بما سمع، وما بلغه من نصوص الكتاب والسنة فعلاً وتركاً، المقصد رضا الله -جل وعلا-، لكن ملاحظة هذه الأمور التي جاءت بها النصوص لا تؤثر كما قدمنا، ولذلك ابن القيم ذكر أشياء رغب فيها الشارع، وجعلها مما يستحث همة المسلم، أشياء تجعله يعمل بما يبلغه من نصوص الكتاب والسنة، وعلى طالب العلم أن يرجع إليه، وإذا أشكل عليه شيء من النظم يرجع إلى حادي الأرواح، فإنه كالشرح له.
يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى-:
هذا وخاتمة النعيم خلودهم ... أبداً بدار الخلد والرضوان
أو ما سمعت منادي الإيمان يخـ ... ـبر عن مناديهم بحسن بيان
لكم حياة ما بها موت وعا ... فية بلا سقم ولا أحزان
ولكم نعيم ما به بؤس وما ... لشبابكم هرم مدى الأزمان
كلا ولا نوم هناك يكون إذ ... نوم وموت بيننا أخوان
هذا علمناه اضطرارا من كتا ... ب الله فافهم مقتضى القرآن
والجهم شيخ القوم أفناها ... وأفنى أهلها تبا لذا الفتان
طرداً لنفي دوام فعل الرب في الـ ... ـماضي وفي مستقبل الأزمان
وأبو الهذيل يقول يفنى كلما ... فيها من الحركات للسكان
وتصير دار الخلد مع سكانها ... وثمارها كحجارة البنيان
قالوا ولولا ذاك لم يثبت لنا ... رب لأجل تسلسل الأعيان
فالقوم أما جاحدون لربهم ... أو منكرون حقائق الإيمان.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
طالب: كتب الله أجرك وأحسن إليك، وسدد خطاك ورفعك قدرك دنيا وأخرة.
هذه يا شيخ بعض الأسئلة وردت إلينا.
الشيخ: الساعة كم، الإخوان يملون، نتخولهم
طالب:. . . . . . . . .
ربع ساعة، لمدة ساعتين، طيب.
طالب: إلى عشرة ونصف.
إيه، إيه.
هذا يقول من الإنترنت؟ لماذا سميت الآيات في أمور الآخرة نصوص سمعية؟
لأن مبناها أولاً وأخراً على السمع، ولا للرأي ولا للنظر ولا للعقل فيها أدنى مجال، إنما معولها أولاً وأخراً على السمع.
يقول: ما نعيم المرأة التي لم تكن متزوجة في الدنيا في الجنة؟
стр. 60
أقول: إذا دخلت الجنة حصل لها ما يحصل لأهل الجنة مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وقد يتردد على ألسنة بعض النساء، أن الرجال لهم حور، ولهم كذا، ولهم قصور، النساء شقائق الرجال، النساء شقائق الرجال، ولن يقع في قلبها أدنى ما يخدش هذا القلب، ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ [سورة الحجر: ٤٧]، فكل إنسان يرى أنه لا أحد أسعد منه، والله المستعان.
يقول: هناك فرق بين ابن عربي، وابن العربي فهل وضحت ذلك جزاكم الله خيراً لكي لا يلتبس علينا
ابن عربي الحاتمي صاحب الفصوص، وصاحب الفتوحات، والمسامرة وغيرها من كتبه المشتملة على الضلال نسأل الله السلامة والعافية، هذا معروف أنه القائل بوحدة الوجود، وهذا حاتمي، وكلاهما من الأندلس، لكن ابن العربي المالكي المعارفي أبو بكر صاحب أحكام القرآن، وصاحب عارضة الأحوذي، والمسالك في شرح الموطأ، وغيرها من كتب نافعة ومتينة إلا أنه في نصوص الصفات على مذهب الخلف، مؤول، لكن في كتبه العلم العظيم، فيستفاد من علمه، وهو في هذه الأبواب أعني أبواب البدع المغلظة الكبرى مثل مقالة ابن عربي الثاني، أو مثلاً ما يتعلق بالصحابة أو غيرها، فهو على مذهب أهل السنة في هذه الأبواب، وإن كان في باب الصفات عنده شيء من المخالفة.
يقول: ما صحة قول القائل إن رحمة الله تقتضي فناء النار؟
أولاً: لا شك بأن رحمة الله -جل وعلا- سبقت غضبه، لكنه -جل وعلا- يعاقب، ومن استحق النار استحقها بعدل الله -جل وعلا-، فقد قال أو عمل عملاً لا تقوم له الجبال، فالشرك أمره عظيم، والكفر شأنه خطير، وفي نيته أن لو طالت به الحياة أبد الآباد أن يستمر على كفره وشركه فيعاقب ببقائه في النار، نسأل الله السلامة والعافية.
يقول بالنسبة، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم.
يقول: هل الجن الذين رؤيتهم في الدنيا مخفية يرون في الجنة على أشكالهم الحقيقية؟
المسألة خلافية بين أهل العلم، هل يدخلون الجنة مع الإنس؟ أو يكتفى بعدم إدخالهم النار؟ وعلى كل حال هذه أمور، أقوال أهل العلم معروفة فيها.
هل الذي ينعم في الجنة الروح مع الجسد أم كلاهما؟
كلاهما.
стр. 61
وهل يجتمع المؤمن مع أهله وإخوانه وأبيه وأمه في الجنة؟
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ [سورة الطور: ٢١]، وأزواجهم معهم، إذا كانوا معهم في الإيمان، ولو قصرت به أعمالهم.
يقول: هل الجنان السبع أسماء مختلفة لشيء واحد أم أنها أقسام؟
الجنة درجات، الجنة درجات، وجنان متعددة.
يقول: ما معنى: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له))؟
لما ذكر النبي ﵊ أن هذه الأمور فرغ منها، وكل إنسان كتب، كتبت شقاوته أو سعادته، لما كان في بطن أمه إذا بعث إليه الملك بكتب الكلمات الأربع، ما دام مكتوب شقي أو سعيد لماذا أعمل؟ قال النبي ﵊: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) احرص على أن تعمل بعمل أهل السعادة، واحذر أن تعمل بعمل أهل الشقاء، واعمل في ذلك كله مخلصاً لله -جل وعلا-، ((وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)) وا لعكس، وجاء بعض الروايات ((على ما يبدو للناس)) يعني أن في أصل عمله خلل من الأصل.
يقول: تعبت الملائكة من كتابة الأجر فشكوا إلى ربهم فقال: هو في صحائفها إلى يوم القيامة؟
أثقلت كاهل الملك، يعني كما جاء في الحديث أنه قال كلمة يعني لعظمها عند الله -جل وعلا- أنها أثقلت الكاهل، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
هذا يقول: في محافظتنا التي أسكن فيها ظهر شباب في الوقت الحالي عليهم سمة الصلاح والاستقامة. يقولون: الناس تركوا السنة ولم يتعلموها ولم يعرفوا موقفهم من أهل البدع، الأمر الذي هو مستغرب عندنا هو التكلم في بعض العلماء والمشايخ والدعاة، ويقولون: إنهم مبتدعة، وبعضهم خوارج، ويحذرون منهم المجتمع، فما حصل شقاق في قريتنا مما حصل، أو مما حصل شقاق في قريتنا بسبب هذا الأمر ويقولون: هذا هو المنهج السلفي والصحيح أرجو التوضيح لهذه الفتنة التي وقعنا فيها؟
стр. 62
الإنسان مطلوب منه أن يحقق العبودية التي من أجلها خلق، وتكون بفعل ما أمر الله -جل وعلا- وبالانتهاء عما نهى عنه، بفعل الأوامر وترك النواهي، ثم إذا حصّل الإنسان هذه التقوى وجعلها وقاية بينه وبين النار وجمع من الأعمال أمثال الجبال كما جاء في بعض الأحاديث لا يأتي مفلساً يوم القيامة، يوزع هذه الأعمال على الناس، على غير هذا فلان فيه، وهذا علان فيه، والله -جل وعلا- لم يجعلوه حكماً بين العباد، وأعرض المسلمين حفرة من حفر النار كما قال ابن دقيق العيد ﵀، قال: قال رسول الله ﷺ : ((أتدرون من المفلس؟ )) قال: المفلس من لا درهم له ولا متاع، قال: ((لا، المفلس من يأتي بأعمال)) من صلاة وصيام وجهاد وحج وغيرها، ((يأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته)) وفي حديث معاذ: ((وهل يكب الناس على وجوههم، أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)) فعلى الإنسان أن يتقي الله -جل وعلا- في أعراض إخوانه المسلمين.
من ثبت عنده شيء من المخالفة يناصح، مقتضى النصيحة أن تسدي له هذا العيب الذي اطلعت عليه أو بلغك عنه، وإذا لم يمتثل وما ارتكبه عن الناس منه ضرر متعد يتعداه إلى غيره، حينئذ يحذر من هذا العمل، يحذر من هذا العمل، وإذا لم يمكن إلا بالتصريح، ولا يكفي بذلك التلميح، والضرر المترتب على قوله أو على فعله بالغ بالنسبة لغيره، مثل هذا يرد عليه.
يقول: كيف نوفق بين قول الله ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٤٦]، وبين العمل طمعاً في الجنة، وجعلها غايةً للإنسان؟
يعني هذا شيء ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ شيء من الاستفعال، وأن أعمالهم لا تؤهلهم في نظرهم لدخول الجنة، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [سورة المؤمنون: ٦٠]، خائفة، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، أن يعمل الأعمال الصالحة ويبتعد عما حرم الله -جل وعلا- ويبقى خائفاً وجلاً ألا تقبل منه هذه الأعمال.
стр. 63
قالت عائشة ﵁-ا: أهم الذين يزنون، ويسرقون، ويشربون الخمر؟ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ قال: ((لا يا ابنة الصديق هم الذين يصلون ويزكون ويصومون ويخافون ألا تقبل أعمالهم)) فيجمعون بين حسن العمل وإساءة الظن بالنفس مع الأمل القوي بالله -جل وعلا-.
وبين العمل طمعاً في الجنة، وجعلها غايةً للإنسان؟
على الإنسان أن يعمل، وأن يطمع برحمة الله -جل وعلا- وأن يشفق ويخشى من نفسه ونيته وإخلاصه ألا يكون عمله خالصاً لله -جل وعلا-.
يقول: كثير من يجادل في الثوابت يقول: أختلف معك فتبقى وجهة نظري؟
إن كان يقصد الثوابت التي لا خلاف فيها، أو دعائم الإسلام العظام التي عُلمت من الدين بالضرورة هذه ليست وجهة نظر، هذه مفاصلة، مفارقة، المسائل التي فيها الخلاف سائغ، والأدلة تحتملها تبقى وجهة نظرك، لكن ما اتفق عليه أهل العلم، أو علم من دين الإسلام بالضرورة مثل هذا ليس فيه وجهة نظر.
يقول: ذكرتم في بعض المحاضرات قولكم: من حلل زاد المستقنع يصبح فقيهاً، فكيف وما المراد بالتحلل، التحليل؟
قلنا: أن كيفية التفقه من أي متن فقهي، سواءً كان الزاد أو غيره أن يفهم هذا المتن، وتتصور مسائله، تصور وتوضح وتجلى، ثم يستدل لهذه المسائل ثم يذكر الموافق، ويذكر المخالف، ودليل المخالف ثم يوازن بين هذه الأدلة، ويعرف الراجح من المرجوح، حينئذ يصبح فقيهاً أهلاً للاجتهاد.
طريقة السلف لقراءة القرآن الكريم كانوا يختمون في سبع فكيف؟
النبي ﵊ قال لعبد الله بن عمرو: ((اقرأ القرآن في سبع، ولا تزد)) قراءة القرآن في سبع يعني من جلس بعد صلاة الصبح يقرأ القرآن حتى تنتشر الشمس يقرأ القرآن في سبع، وهذا عمل لا يعوقه عن تحصيل مصالحه لا في دينه، ولا في دنياه، يعني إذا جلس لمدة ساعة أو أكثر من ساعة، قليلاً يقرأ فيها نصيبه على التحزيب الذي ذكره عن السلف، كما جاء في سنن أبي داود وغيره، أن يقرأ في اليوم الأول ثلاث، وفي الثاني خمس، وفي الثالث سبع، وفي الرابع تسع، وفي الخامس إحدى عشرة، وفي السادس ثلاثة عشرة، وفي السابع حزب المفصل.
يقول: من كان يظن أنه مريض بالذهاب، إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 64
لا، لا قبل، هذه.
يقول: وهو مرض نفسي، وهناك علامات تدل على ذلك فما النصيحة مع العلم أنه طالب علم؟
عليه أن يرقي نفسه، ويلح على الله -جل وعلا- في الدعاء، وإذا ذكر له علاج مجرب نافع لمثل هذا فلا مانع من استعماله.
يقول: ما رأيكم في كتاب "بستان الواعظين" بما أن فيه أشياء مبالغة،،، لا يصدقها العقل؟
كتب ابن الجوزي الوعظية فيها جمل نافعة مرققة للقلوب، وفيها أيضاً جمل قد لا يصدقها العقل، وفيه أيضاً اعتماد على أحاديث ضعيفة كثيرة بل فيه أحاديث موضوعة.
يقول: جاء في الحديث: ((إن الجنة قيعان، فإذا قال العبد: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، غرست له بكل واحدة منها غرس في الجنة)) فكيف يفهم هذا مع ما ورد من نصوص الكتاب والسنة في وصف الجنة وما فيها من الأشجار والثمار، وهل يتصور أن في الجنة أراضي خالية من شجر وأخرى على العكس؟
هذه أمور جاءت بها النصوص فعلينا أن نرضى ونسلم، وأن لا نسترسل مع هذه التفاصيل، وهذه الأوهام، بل نُعمل النصوص كل نص في موقعه، وأنت ما يضيرك أن تقول الباقيات الصالحات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ويكثر غرسك في الجنة، ومثله سائر النعيم الموعود به الموعود به، هل نقول: إن الجنة الآن فيها مجال لمن سيأتي ويعمل أعمال صالحة لتبنى له القصور وتغرس له الأشجار؟ الله أعلم، لكن مع ذلك عليك أن تعمل بما يخصك وما يعنيك، يقول إبراهيم لمحمد عليهما -الصلاة والسلام-: ((يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة قيعان، وأن غراسها التسبيح والتكبير، والتحميد والتهليل ... إلى آخره)). انتهى؟
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 65
الإيمان بالملائكة
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
حكم الإيمان بوجود الملائكة:
فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفي صحيح مسلم من حديث عمر -رضي الله تعالى عنهما- أنهم كانوا جلوساً عند النبي ﷺ إذ دخل عليهم رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، يقول: ولا يعرفه منا أحد، فجلس إلى النبي ﵊، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه، فسأل النبي ﵊ عن مقامات الدين التي هي الإسلام والإيمان والإحسان، فسأله عن الإسلام ففسره بأركانه الخمسة التي هي الشهادتان، والصلاة، والزكاة والصيام، والحج، ثم سأله عن الإيمان ففسره بأركانه الستة أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، ثم سأله عن الإحسان فقال: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)).
في هذا الحديث دلالة قولية وفعلية، قولية وفعلية على الملائكة، والذي جاء واحد منهم، بل هو أشرفهم وأكرمهم وهو جبريل ﵇؛ لقوله في الحديث: فلبثنا ملياً، قالوا: لا يعرفه منا أحد، فلبثنا ملياً، فقال النبي ﵊: ((أتدرون من السائل؟ )) قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: ((هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)) مجيئه إلى النبي ﵊ فيه الدلالة الفعلية على وجود الملائكة، وأن جبريل واحد منهم، وفي جوابه عن الإيمان بالركن الثاني من أركانه الإيمان بالملائكة، والإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان إجماعاً.
من أنكرهم، أو شك في وجودهم كفر إجماعاً، كفر بالإجماع، وكان الكفار يثبتون وجود الملائكة، لكنهم ضلوا من ناحية أخرى وهي اعتقادهم أو قولهم بأنهم بنات الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
стр. 66
الإيمان بالملائكة: هو الركن الثاني من أركان الإيمان، وجاء تالياً للإيمان بالله -جل علا- في نصوص كثيرة ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ﴾ [(٢٨٥) سورة البقرة].
في الحديث السابق آنف الذكر جعل الإيمان بالملائكة بعد الإيمان بالله، والإيمان بهم من الإيمان بالغيب، الذي لا بد منه؛ لأن الشهادة والمشاهَد لا يطلب الإيمان به، لا ينكره إلا من في عقله خلل، والإيمان المجدي هو الإيمان بالغيب، وإذا نزلت العلامات علامات الموت وصار يقيناً لا تنفع نفساً إيمانها، ولا تنفع التوبة عند الغرغرة إذا شاهد الملائكة جاءوا لقبض روحه لا ينتفع بإيمانه، ولذا لما آمن فرعون بعد أن رأى الموت عياناً ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [(٩١) سورة يونس] لا ينفع، وإذا طلعت الشمس من مغربها لا ينفع نفساً إيمانها، وكذلك إذا خرجت الدابة أو الدجال صار الإيمان ليس غيباً، صار شهادة، والمدح إنما يكون بالإيمان بالغيب ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [(٣) سورة البقرة] أما الإيمان بالمشاهد والتصديق به لا يختلف فيه أحد، ولا يطلب من أحد أن يؤمن بمشاهد من حيث وجوده لا من حيث ما أتى به، النبي ﵊ يجب الإيمان به وهو مشاهد، لكن المراد الإيمان بما جاء به عن الله -جل وعلا-، ليس الإيمان بوجوده؛ لأنه لا ينكر وجوده أحداً ممن يراه.
أصل كلمة الملائكة:
стр. 67
إذا عرفنا هذا، عرفنا أن الإيمان بالملائكة ركن، بل هو الركن الثاني من أركان الإيمان بعد الإيمان بالله -جل وعلا- فمن الملائكة؟ وما أصل هذه الكلمة؟ وما اشتقاقها؟ وهل هي مشتقة أو جامدة ليست مشتقة؟ كلام أهل اللغة في هذا كثير، ويقولون كما في (بصائر ذوي التمييز) للفيروز آبادي يقول: "الملك واحد الملائكة، الملك واحد الملائكة، والملائك قيل: أصله أَلِك، والمالكة والمألكة والمألك الرسالة، ومنه اشتُق الملائكة لأنهم رسل الله؛ لأنهم رسل الله، وقيل: القول الأول أنه مأخوذ من أَلِك، وقيل: من لأك بتقديم اللام على الهمزة، والملأكة: الرسالة، وأَلِكْني إلى فلان أي أبلغه عني، وأصله ألئكني، حذفت الهمزة، ونقلت حركتها إلى ما قبلها، والملأك: الملك؛ لأنه يبلغ عن الله تعالى، ووزنه مفعل، العين محذوفة ألزمت التخفيف إلا شاذاً".
стр. 68
في المفردات للراغب يقول بعض المحققين: الملك من المُلك، قال: والمتولي من الملائكة شيئاً من السياسات يقال له: مَلَك محركة، ومن البشر يقال له: مَلِك، يعني من الملائكة من يتولى على بعض الأشياء، الصافات، الذاريات، هذا يتولى عمل موكل به، وجبريل له مهمة وميكائيل له مهمة، وإسرافيل له مهمة، وملك الموت له أيضاً .. ، موكل إليه أمر مهم وهكذا، هؤلاء يقال للواحد منهم: مَلَك، تولى شيئاً من تدبير بعض الأمور، ومن البشر إذا تولى تدبير شيئاً من الأمور يقال له: مَلِك، مَلِك بكسر اللام، يقول: فكل مَلَك ملائكة، وليس كل ملائكة ملكاً، يعني جموع غفيرة من الملائكة جمعهم يقال لهم: ملائكة، وعلى كلامه لا يقال لواحدهم: ملك، يدخل البيت المعمور في كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة، سبعون ألفاً من الملائكة هؤلاء في الجملة لم يوكلوا بشيء على حد زعم هذا القائل فلا يقال للواحد منهم: ملك، يقال لهم: ملائكة؛ لأن المَلك والملِك من أوكل إليه تدبير أمر مهم من الأمور، الواحد يقال له: مَلَك من الملائكة، ومَلِك من البشر، هذا كلامه، قال: وليس كل ملائكة ملكاً، بل المَلَك عندهم هم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [(٥) سورة النازعات] ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ﴾ [(٤) سورة الذاريات] ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ [(١) سورة النازعات] ونحو ذلك، يعني من أوكل إليهم تدبير هذه الأمور الواحد يقال له منهم: مَلَك، في مقابل الواحد من البشر الذي يتولى أمراً من الأمور يقال له: مَلِك، كذا قال، وكلامه فيه غرابة؛ لأنه يدخل البيت المعمور في كل يوم سبعون ألف مَلَك، الواحد منهم يقال له: مَلَك، وإن لم يعرف لكل واحد منهم بعينه تدبيراً معيناً، وحديث الأطيط: ((أطت السماء)) وإن كان لأهل العلم فيه كلام ((وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك ساجد أو قائم)) لا شك أن هذا الكلام فيه غرابة.
يقول القرطبي في تفسيره: الملائكة واحدها ملك، قال ابن كيسان وغيره: وزنه .. ، وزن ملك فعل من المِلك.
وقال أبو عبيدة: هو من مفعل أصله ملأك من لأك إذا أرسل، والألوكة والمألكة والمألوكة: الرسالة، قال لبيد:
وغلام أرسلته أمه ... بألوكٍ فبذلنا ما سأل
стр. 69
بألوك يعني: برسالة، وقال آخر:
أبلغ النعمان عني مألكا ... إنني قد طال حبسي وانتظاري
ويقال: ألكني أي: أرسلني، فأصله على هذا مألك، الهمزة فاء الفعل ثم إنهم قلبوها إلى عينه فقالوا: ملأك، ملأك، يعني صار فيه تقديم وتأخير، الأصل تقديم الهمزة ثم قدمت اللام عليها، ثم سهلوها، سهلوا الهمزة فقالوا: مَلَك.
وقيل: أصله ملأك من ملك يملك، نحو شمأل من شمل، فالهمزة زائدة عن ابن كيسان أيضاً، وقد تأتي في الشعر على الأصل، كما قال الشاعر:
فلست لإنسيٍ ولكن لملأكٍ ... تنزل من جو السماء يصوبُ
يصوب يعني: ينزل، ومنه: ((اللهم اجعله صيباً نافعاً)) يعني نازلاً بالخير والبركة، يعني: المطر، ومنه في الحديث: "لم يشخص رأسه ولم يصوبه" يعني لم يرفع رأسه في الركوع ولا ينزله.
وقال النضر بن شميل: لا اشتقاق للمَلك، الملك غير مشتق، لا اشتقاق للملك عند العرب، يقول: والهاء في الملائكة تأكيد لتأنيث الجمع، ومثله الصلادمة والصلادم: الخيل الشداد، واحدها: صلدم، وقيل: الهاء في الملائكة للمبالغة، كنسابة، وعلامة، وفهامة، وما أشبه ذلك.
الحافظ ابن حجر في فتح الباري يقول: الملائكة جمع ملك بفتح اللام، فقيل: مخفف من مألك، وقيل: مشتق من الألوكة وهي الرسالة، وهذا قول سيبويه والجمهور، وأصله لأك، وقيل: أصله الملْك بفتح ثم سكون وهو الأخذ بقوة، وحينئذٍ لا مدخل للميم فيه، وأصل وزنه مفعل فتركت الهمزة لكثرة الاستعمال، وظهرت في الجمع، وزيدت الهاء إما للمبالغة، وإما لتأنيث الجمع، وجمع على القلب، جمع على القلب وإلا لقيل: مآلكة، ليست ملائكة مآلكة؛ لأن الهمزة متقدمة في أصل المادة، مآلكة.
وعن أبي عبيدة في الملك الميم أصلية، وزنه فعل كأسد، بهذا الكلام الكثير يجعل طالب العلم يتعب في البحث عن أصل المادة في معاجم اللغة، في أي حرف وفي أي مادة يبحث عن لفظة ملك في معاجم اللغة؟
стр. 70
المعاجم التي ترتب على أواخر الحروف فيها إشكال وإلا ما فيها إشكال؟ ما فيها إشكال؛ لأن آخر الكلمة كاف، لكن المعاجم التي ترتب المواد على أوائل الحروف يتعب الطالب في البحث عن هذه المسألة في هذه المعاجم؛ لأنه لا يدرى أأصلها لام؟ أصل الحرف الأول لام أو همزة؟ ومعاناة كتب اللغة تحتاج إلى شيء من الانتباه إلى أصل المادة، مثل التقوى إذا بحثت عنها مثلاً في القاموس أو في لسان العرب، أو في الصحاح هذه كلها مرتبة على أواخر الحروف، وإذا بحثت عنها في الأساس، أساس البلاغة، وفي المصباح المنير فإنك تبحث عنها باعتبار الحرف الأول، الحرف الأول، وهذا مهم بالنسبة لمن يعاني كتب اللغة، كيف يرد الكلمة إلى أصلها وقد اختلف في أصلها؟ التقوى من (وقى) من الوقاية، فالحرف الأول واو، والأخير حرف لين هل هو واو يعني يقال: تقوى، أو هو ياء من وقيته؟ المقصود أنه من مادة (وقى)، والبحث في الحروف اللينة يعني في آخر الكتب سهل، سواءً كان أصله واو أو ياء أو ألف، فهناك معاجم أصعب من هذه المعاجم، وهذا استطراد قد يستفيد منه بعض الطلاب من أجل أن يرجعوا إلى المصادر الأصلية حينما يريدون كشف المعاني، معاني الكلمات، هناك قواميس مرتبة على المخارج، وهذه أصعب من الترتيب على أواخر الكلمات أو أوائلها، ولا يمكن الإفادة منها إلا بالفهارس، مثل تهذيب اللغة، ومثل المحكم لابن سيدة، وغيرهما مثل العين، وغيرها من الكتب، فمن أراد أن يبحث في كتب اللغة عن ملك، إن كان يبحث في الكتب التي رتبت على أواخر الحروف فلا إشكال يعني في حرف الكاف، مع أنه في الفصل يحتاج إلى شيء من التعب، يعني في الباب لا يحتاج إلى تعب، باب الكاف ما يحتاج إلى تعب، لكن فصل اللام أو فصل الهمزة يحتاج إلى شيء من العناء، وهذا يجعل الطالب يهتم بمثل هذا الكلام، وإن كان بعضهم يرى أن هذا لا مدخل له في الموضوع، وهذا تضييع، بعض الناس مثل هذا تضييع وقت، هذا ليس بتضييع وقت، هذا من أهم المهمات.
стр. 71
قال: وعن أبي عبيدة في الملك الميم أصلية، ووزنه فعل كأسد، هو من الملْك بالفتح وسكون اللام، وهو الأخذ بقوة، وعلى هذا فوزن ملائكة فعائلة، ويؤيده أنهم جوزوا في جمعه: أملاك، وأفعال لا يكون جمعاً لما في أوله ميم زائدة.
صفة الملائكة:
стр. 72
يقول ابن حجر: قال جمهور أهل الكلام من المسلمين: الملائكة أجسام لطيفة أجسام لطيفة، أعطيت قدرة على التشكل بأشكال مختلفة، ومسكنها السموات، أجسام لطيفة، لطافتها من حيث الخفة والقدرة على التصرف بسرعة إذ ينزل الملك من عند الله -جل وعلا- من فوق سبع سماواته إلى النبي بلحظة، بلحظة، وبين الأرض والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وبين الأولى والثانية خمسمائة عام، إلى أن يصل إلى جهة العلو التي فيها الرب -جل وعلا-، كم من عام وبلحظة ينزل بالوحي! وبمقاييس الفلكيين في الساعات أو في السنوات الضوئية، يقولون: إن أسرع شيء هو الضوء، ويحتاج إلى الوصول إلى أدنى الكواكب بمائة وستة وثمانين مليون سنة ضوئية، يعني ما أدري كيف يعتمدون في هذه الحسابات يعني؟ عندهم مقاييس وعندهم كذا، لكن عندنا نصوص، عندنا نصوص، يعني بين الأرض والسماء الأولى مسيرة خمسمائة عام، ومقاييسهم هذه إن كانت مبنية على تجربة بالوصول إلى هذه المسافات في هذه المدة ولا إخال ذلك فممكن، لكن ما يظن أنهم وصلوا إلى ما ذكروا، الأعمار ما تصل إلى هذا الحد، ولا ندري ما يراد بالسنة الضوئية -الله أعلم-، يعني عندهم أرقام يعني تصديقها قد يكون من تصديق الخيال، يعني عندهم هذا الجبل له مائة مليون سنة، وهذا الجبل له عشرة ملايين سنة، وهذا الجبل، وهذه الصخرة، وهذه الحصاة، وهذه .. ، يعني عندهم مقاييسهم التي يقتنعون بها، لكن ما أدري كيف يقنعون غيرهم؟ عندنا أن بين السماء الدنيا والأرض خمسمائة عام في الحديث هذا ما عندنا غير هذا، أكثر من هذا ما عندنا؛ لأن هذا مما لا يدركه البشر، فلا بد فيه من توقيف وسمع ونص يعتمد عليه ويعول عليه، أما مجرد كلام أناس أخذوا علومهم هي في الأصل عن غير المسلمين، هي في الأصل وافدة، وهذه الأمور التي لا تدرك بالحس ولا بالتجربة، هذه لا بد فيها من توقيف، لا بد من تنصيص عمن لا ينطق عن الهوى، وإلا التخمين لا ينفع في هذه الأمور.
стр. 73
لطافة أجسام الملائكة من هذه الحيثية، باعتبار أنه يستطيع أن يصل ويقطع هذه المسافة في لحظة، لطافة هذه الأجسام النورانية باعتبار أنها قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، فجبريل يأتي النبي ﵊ أحياناً على صورة رجل كما في الحديث الذي ذكرناه آنفاً، ((أحياناً يتمثل لي الملك رجلاً)) وكثيراً ما يأتي على صورة دحية الكلبي، يتشكل على صورة رجل، وأحياناً .. ، وقد رآه مرتين على هيئته وخلقته ستمائة جناح، ستمائة جناح قد سد الأفق، بل قالوا: إن واحداً من هذه الأجنحة سد الأفق، هذه لا شك أنها أمور مهولة تدل على عظمة الخالق وقدرته، ثم بعد ذلك البحث الذي يذكر في كتب الشروح أن القدر الزائد ما بين الخلقة الأصلية ستمائة جناح سد الأفق، وما بين مجيئه على هيئة رجل أو في صورة رجل أين يذهب هذا الزائد؟ هذا البحث لا شك أنه عقيم، إيش معنى عقيم؟ لا يترتب عليه نفع لا في الدنيا ولا في الآخرة، والاسترسال فيه ضرب من العبث، وإلا أطال الشراح في هذا الزائد إلى أي شيء يصير؟
مسكن الملائكة:
مسكن الملائكة السماوات، وينزلون في مناسبات، وينزلون أيضاً لأمور وكلت إليهم، ينزلون ليلة القدر ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [(٤) سورة القدر] وينزلون للقتال مع المسلمين، كما حصل في بدر، والله -جل وعلا- يكلفهم بما يشاء، وجبريل ينزل على الرسل بالوحي وإلا فالأصل أن المسكن السماوات.
الملائكة: هم عباد الله المكرمون، والسفرة بينه تعالى وبين رسله -عليهم الصلاة والسلام-، وهم كرام خلقاً وخُلقاً، وهم بررة، طهرهم الله وقدسهم ذاتاً وصفةً وأفعالاً، هم مطيعون لله -جل وعلا-، خلقهم الله -جل وعلا- من النور، خلقهم من نور، كما في الحديث الصحيح: ((خلق الملائكة من نور، وخلق الجن من النار، وخلق البشر مما علمتم))، أو ما عرفتم، يعني من طين.
ليسوا بناتاً لله كما يقوله المشركون، ولا أولاداً، ولا شركاء، ولا أنداد، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون والملحدون علواً كبيراً.
стр. 74
قال الله -جل وعلا-: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [(٢٦ - ٢٧) سورة الأنبياء] وقال -جل وعلا-: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [(١٩) سورة الزخرف] ستكتب شهادتهم ويسألون عن هذه الشهادة، وفي حكمهم من يتكلم بالأمور الغيبية من غير علم، هذه شهادة، وقول بغير علم، سيسأل عن هذه الكتابة، وقال -جل وعلا-: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ* يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [(١٩ - ٢٠) سورة الأنبياء].
خلقهم متفاوت فمنهم من تقدم ذكره جبريل ﵇ له ستمائة جناح، كما صحت بذلك السنة عن النبي ﵊، وقد رآه على هذه الصورة مرتين، مرة في الأبطح بمكة، ومرة ليلة المعراج، ومنهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، كما جاء في صدر سورة فاطر: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء﴾ [(١) سورة فاطر] الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله -جل وعلا-: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [(٣١) سورة المدثر] لكن منهم من جاءت تسميته، ومنهم من جاء ذكر عمله الموكل إليه، ومنهم من بقي على الغيب، إنما أخبرنا عنه إجمالاً، فنؤمن به إجمالاً، وما أخبرنا عنه تفصيلاً يجب علينا أن نؤمن به تفصيلاً، كما جاء في نظائره من الرسل والكتب، ذكر لنا بعض الرسل وحجب عنا بعضهم، نؤمن تفصيلاً بما ذكر لنا تفصيلاً، وإجمالاً بما ذكر لنا إجمالاً.
стр. 75
منهم الموكل بالوحي من الله -جل وعلا- إلى رسله -عليهم الصلاة والسلام-، وهو الروح الأمين، جبريل ﵇، كما في قوله -جل وعلا-: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ* بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [(١٩٣ - ١٩٥) سورة الشعراء] ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [(١٠٢) سورة النحل]، ومنهم الموكل بالقطر وتصاريفه، يعني بالمطر وتصاريفه إلى حيث أمره الله ، وهو ميكائيل ﵇، وله مكانة علية، ومنزلة رفيعة، وله أعوان يفعلون ما يأمرهم به بأمر ربه، ويصرفون الرياح والسحاب كما يشاء الله ، وقد جاء في بعض الآثار: "ما من قطرة تنزل من السماء إلا ومعها ملك يقررها في موضعها من الأرض" وجاء في الحديث: ((اسق حديقة فلان)) وسمع هذا الكلام ((اسق حديقة فلان)) والبشر لا حول لهم ولا طول ولا قوة ولا قدرة على إنزال المطر، إنما القادر عليه الرب -جل وعلا-، عنده الخزائن، وكونهم يتطاولون عبثاً على الاستمطار، وما يزعمونه من أنهم يستطيعون أن يصنعوا شيئاً من ذلك، هذا كله من محادة الله ومعارضته ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ* أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾ [(٦٨ - ٦٩) سورة الواقعة] لا ينزل المطر إلا الله -جل وعلا-.
следующие страницы →