Полный текст (1 191 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
وقال ربيعة والليث بن سعد وأبو حنيفة والأوزاعي هي واجبة على الموسر، إلا الحاج بمنى، وقال محمد بن الحسن: هي واجبة على المقيم بالأمصار، والمشهور عن أبي حنيفة أنه إنما يوجبها على مقيم يملك نصاباً.
وقال ابن قدامة في المغني: أكثر أهل العلم على أنها سنة مؤكدة غير واجبة، وذكر من تقدم ذكره في الطرفين، إلا أنه ذكر مالكاً فيمن أوجبها وهو خلاف المعروف من مذهبه بل مذهبه أنها سنة.
من قال بوجوبها استدل بأدلة، منها: قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [(٢) سورة الكوثر] وقد تقدم.
ومنها ما رواه البخاري في صحيحه من حديث جندب بن سفيان البجلي قال: شهدت النبي ﷺ يوم النحر فقال: ((من ذبح قبل أن يصلي فليعد –أمر- فليعد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح)).
فقوله: فليعد، وليذبح كلاهما أمر؛ لاقتران الفعل بلام الأمر، والأصل في الأمر الوجوب.
من أدلتهم ما رواه أبو داود في سننه عن عامر بن أبي رملة قال: "أخبرنا مخنف بن سليم قال: ونحن وقوف مع رسول الله ﷺ بعرفات قال: ((يا أيها الناس إن على كل أهل بيت في عام أضحية وعتيرة، أتدرون ما العتيرة؟ قال: هي التي يقول الناس الرجبية)).
قال ابن حجر في الفتح: أخرجه أحمد والأربعة بسند قوي، لكن قال الخطابي فيه أبو رملة مجهول، وقال ابن حجر في التقريب: أبو رملة شيخ لابن عون لا يعرف، يعني فكيف يكون بسند قوي وأبو رملة لا يعرف.
قال الذهبي في الميزان: عامر أبو رملة فيه جهالة وقال عبد الحق: إسناده ضعيف.
وقال أبو داود في سننه بعد سياق الحديث: العتيرة منسوخة، هذا خبر منسوخ، والناسخ له ما رواه الجماعة من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا فرع ولا عتيرة)).
والعتيرة -كما قال الترمذي-: ذبيحة كانوا يذبحونها في رجب يعظمون بها الشهر المحرم شهر رجب.
من أدلتهم ما رواه أحمد وابن ماجه -وصححه الحاكم- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من وجد سعة فلم يضحي فلا يقربن مصلانا)).
قال ابن حجر في البلوغ في هذا الحديث: رواه أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم، ورجح الأئمة غيره وقفه.
стр. 1087
وقال في فتح الباري: وأقرب ما يتمسك به لوجوب الأضحية حديث أبي هريرة رفعه: ((من وجد سعة فلم يضحِّ فلا يقربن مصلانا)) يقول: أخرجه ابن ماجه وأحمد ورجاله ثقات، لكن اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب، قاله الطحاوي وغيره، ومع ذلك فليس صريحاً في الإيجاب، وفي المسألة أحاديث أخرى كلها ضعيفة، لكن الأحاديث التي ذكرناها هي التي يعول عليها من يقول بوجوب الأضحية.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد.
الحديث الأخير حديث أبي هريرة في قوله ﵊: ((من وجد سعة فلم يضحِّ فلا يقربن مصلانا)) دلالته على وجوب الأضحية ظاهرة وإلا غير ظاهرة؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم، من أي وجه؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم، يعني مثل دلالة: ((من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مصلانا)) إذا قلنا بوجوب الأضحية بهذا السياق قلنا أن صلاة الجماعة ليست بواجبة من ذلك السياق، وصلاة الجماعة واجبة، ومع ذلك النهي عن قربان المسجد، وقربان المصلى إنما هو تعزير، ((من وجد سعة فلم يضحِّ فلا يقربن مصلانا)) هذا طرد له من المصلى، كما أن ((من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مساجدنا)) فلا يؤذنا، هذا أيضاً تعزير وليس فيه دلالة على عدم وجوب صلاة الجماعة.
فالمسألة طردية عكسية، يعني إن قلنا بأن هذا يدل على الوجوب -وجوب الأضحية- على هذا يلزمنا أن نقول بعدم وجوب صلاة الجماعة، كيف ذلك؟
لأننا إذا وازنا بين الأمرين المفعول والمتروك في الطرفين ظهرت لنا هذه النتيجة، وصلاة الجماعة واجبة، والنبي ﵊ هم بتحريق البيوت على المتخلفين، وقال للرجل الأعمى الذي لا يجد قائداً يلائمه: ((أتسمع النداء؟ )) قال: نعم، قال: ((أجب لا أجد لك رخصة)) وأي وجوب أعظم من هذا، هذه أدلة من قال بالوجوب، فننظر إلى أدلة الجمهور.
الجمهور استدلوا بأدلة منها:
стр. 1088
ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أم سلمة أن النبي ﷺ قال: ((إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئا))، وفي لفظ عند مسلم أيضاً: ((إذا دخل العشر وعنده أضحية يريد أن يضحي فلا يأخذن شعراً ولا يقلمن ظفراً))، وفي لفظ له عنها: ((إذا أراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره)).
ووجه الاستدلال أن الأضحية موكولة إلى إرادة المضحي، ولو كانت واجبة لما كانت كذلك، قال النووي: قال الشافعي: "هذا دليل على أن التضحية ليست بواجبة؛ لقوله ﷺ : ((وأراد)) فجعله مفوضاً إلى إرادته، ولو كانت واجبة لقال: فلا يمس من شعره حتى يضحي".
الآن الاستدلال سياق الخبر هل هو لبيان حكم الأضحية، أو لبيان المنع من مس الشعر والبشر لمن أراد أن يضحي؟
يعني دلالته الأصلية نعم في حكم الأخذ من الشعر والبشرة لمن أراد أن يضحي، نعم فيه دلالة تبعية وليست أصلية، أن الأمر وكل إلى إرادة المضحي، ولا شك أن الدلالة التبعية معتبرة، إلا إذا عورضت بما هو أقوى منها؛ لأن الخبر إنما سيق من أجل منع من أراد أن يضحي أن يأخذ من شعره وبشرته شيئاً، ولم يسق لبيان حكم الأضحية، فدلالته الأصلية في حكم أخذ الشعر لمن أراد أن يضحي، ودلالته التبعية يعني لو لم يوجد معارض قلنا، على أنه يمكن أن يقال بمثل هذا السياق حتى في الأركان، نعم، من أراد أن يحج فليحتط لنفسه باللباس -مثلاً- لأن الوقت شتاء مثلاً، من أراد أن يحج فليحتط لنفسه باللباس، يعني يأخذ فروة يأخذ بطانية يأخذ شيئاً يتقي به من شر البرد، هل هذا يدل على عدم وجوب الحج؟ يعني الكلام سيق لبيان حكم الحج؟ إنما سيق للاحتياط، كما أن الحديث الذي معنا ((من أراد أن يضحي)) نعم سياقه للمنع من أخذ البشرة، ولذا الدلالة الأصلية ما سيقت من أجل حكم الأضحية.
стр. 1089
والعلماء يختلفون في اعتبار الدلالة الفرعية، أما الأصلية يتفقون عليها، يتفقون على اعتبار الدلالة الأصلية، لكن الدلالة الفرعية يختلفون فيها اختلاف كبير، حتى أن الشاطبي كأنه يميل إلى عدم اعتبار الدلالة الفرعية، لكن لا شك أن القول الوسط أن الدلالة الفرعية إذا لم تعارض فهي معتبرة، والعلماء ما زالوا يستنبطون من أدلة الكتاب والسنة من الجملة الواحدة أكثر من فائدة، لا يقتصرون على الدلالة الظاهرة من النص، بل يسترسلون ويستنبطون منه أدلة أخرى، لكن مثل هذا إنما سيق لبيان حكم أخذ الشعر ممن أراد أن يضحي، وتنظيره مثل ما سمعتم، قد يكون فيكم من لم يحج حجة الإسلام، فإذا قيل لكم بمجموعكم بمن فيكم ممن لم يحج حجة الإسلام وهو قادر على ذلك وهي ركن من أركان الإسلام: إذا أراد أحدكم أن يحج فليحتط لنفسه، أو من أراد منكم أن يحج فليحتط لنفسه؛ لأن الجو بارد، ويخشى من الضرر، هل نقول أن هذا فيه ترخيص للجميع لمن أراد أن يحج أو لمن لم يرد، لا، دلالة الحديث الأصلية ما سيقت لهذا.
طالب. . . . . . . . .
طيب أنا جيب لك مثال.
الحنفية يقولون: أن وقت صلاة العصر يبدأ من مصير ظل الشيء مثليه، يعني لو وقفت بالشمس صار ظلك طولك مرتين، والجمهور يقولون: لا، مثله مرة واحدة بس، إلى قدر هذا بمَ استدلوا؟
استدلوا بحديث: ((إنما مثلكم ومثل من قبلكم كمثل رجل استأجر أجيراً من أول الصبح إلى وقت الظهر بدينار، ثم استأجر أجيراً من وقت الظهر إلى العصر بدينار، ثم استأجر أجيراً من وقت العصر إلى غروب الشمس بدينارين، فاحتج أهل الكتاب نحن أكثر عملاً وأقل أجراً)).
وجه الاستدلال: اليهود الذين عملوا من أول النهار إلى الزوال واضح احتجاجهم، ولهم أن يحتجوا؛ لأنهم عملوا ضعف العمل الباقي، لكن اليهود كيف يطيب لهم الاستدلال بأنهم عملوا أكثر من عمل المسلمين، وصلاة العصر تبدأ من مصير ظل الشيء مثله؟
قالوا: لا، ما يمكن أن يحتج اليهود إلا إذا كان الوقت يمتد إلى مصير ظل الشيء مثليه، على شان يصح احتجاجهم.
نقول: الاستدلال بمثل هذا الحديث صحيح وإلا ما هو بصحيح؟ صحيح وإلا ما هو بصحيح؟ الدلالة أصلية وإلا فرعية؟
стр. 1090
فرعية بعيدة كل البعد عن المراد، مع أن في حديث عبد الله بن عمرو: ((ووقت العصر من مصير ظل الشيء مثله إلى أن تغرب الشمس))، هذا في الصحيح، نقابل هذه الدلالة بمثل هذا الحديث الصحيح الصريح؟ يعني هل الدلالة من الأحاديث المعتبرة؟
يا إخواني، نفرق بين الدلالات قوة وضعفاً، لا بد من التفريق، يعني الأئمة حينما يتكلمون ويحتجون بالنصوص ما يتكلمون من فراغ، ما يتكلمون من فراغ، يعني ما تورد حديث على أبي حنيفة، حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم وتنكره أبداً، ما أحتج بهذا الحديث.
طيب صحيح، قال: صحيح لكن ما أحتج به، ما يمكن أن يقول هذا مثل أبي حنيفة، لكن يجيب لك حديث ما يخطر على بالك، ولا على بال غيرك من أهل العلم.
فالدلالة الفرعية لا شك أنها معتبرة، لكن يبقى أنها إذا عورضت بما هو أقوى منها تلغى، مثل المفهوم؛ المفهوم معتبر إذا عورض بمنطوق يلغى؛ لأنه أقوى منه، فمثل هذا ينتبه له.
فالدلالة الأصلية للخبر إنما هي لأخذ الشعر والبشر لمن أراد أن يضحي، الدلالة الفرعية ((وأراد أن يضحي)) لو لم تعارض لقلنا بها.
على كل حال، مثل هذا يحتاج إلى بسط، مثل هذه المسألة على وجه الخصوص تحتاج إلى ضرب أمثلة، يعني من استدل على أن الحائض تقرأ القرآن بأيش، حائض تقرأ القرآن، النبي ﵊ قال لعائشة: ((افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)) قالوا الحاج يقرأ القرآن، طيب ولا يفعل غير هذا؟ افعلي يعني مما هو من أعمال الحج الخاصة به، افعلي كل ما يفعله الحاج، طيب الحاج يأكل ويشرب وينام ويتكلم وكذا، نقوم نلزم الحائض أن تفعل؛ لأن الحاج يفعل هذا، يعني إبعاد، إبعاد واستغراق في العموم، لا شك أن هذه الدلالة الفرعية يعني تضعف كلما بعدت، إنك تجد العلماء يستنبطون من الحديث عشر فوائد، يعني من جملة واحدة يستنبطون عشر مسائل الأولى واضحة مثل الشمس، ما يختلف فيها أحد، الثانية قريبة منها، الثالثة، قريبة منها، إلى أن تصل إلى العاشرة وفيها خفاء شديد، يعني هل كل هذه الفوائد معتبرة؟ نعم معتبرة إذا لم تعارض، فإذا عروض شيء منها بما هو أقوى منه، ألغي.
стр. 1091
مما احتجوا به ما رواه البيهقي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((هن علي فرائض وهن لكم تطوع، النحر والوتر وركعتا الضحى))، وهذا الحديث إسناده ضعيف.
وقال النووي في الشرح المهذب: صح عن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما كانا لا يضحيان مخافة أن يعتقد الناس وجوبها، صح عن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما لا يضحيان مخافة أن يعتقد الناس وجوبها، يعني الواجب يمكن أن يترك من أجل أن يعتقد الناس أو لا يعتقد؟!
طيب الأمر استقر بوفاة النبي ﵊ فما الداعي لفعل أبي بكر وعمر؟ لأنهما خليفتان راشدان أمرنا باتباعهما والاقتداء بسنتهما.
لكن يأتي شاب في الثانوية -وهذه مسألة واقعة- الناس يصلون على الجنائز في المسجد الحرام وهو جالس جالس، سلموا الناس، لماذا لم تصلي؟ قال: لئلا يعتقد الوجوب، نجلس لبيان الجواز، هذه مسألة حقيقة يعني!! قد يقع بعض التصرفات من الشباب -أنا سمعت بأذني- وأنا ذاهب إلى رمي الجمرة يوم العيد اثنين من الشباب أجزم بأنهما ما دخلا الجامعة بعد، قال الحمد لله الذي ما أرانا ما كنا نتخوف من البدع، قال صاحبه: مثل إيش؟ قال: مثل قيام الليل ليلة مزدلفة، فالنبي ﵊ نام حتى أصبح!!
يعني حديث ما ترك الوتر سفراً ولا حضراً، وكونه ما نقل يعني هل يعني أنه ما حصل أو كذا؟ يعني تعجب من كيفية جرأة هؤلاء الشباب، على الإنسان أن يعرف قدر نفسه، عامة أهل العلم على الاستحباب، وأنها ليلة من سائر الليالي بل من أفضل الليالي، ومع ذلك يقول: ما رأينا مبتدعة ولله الحمد.
يعني الذين يسبون الصحابة ويدعون غير الله -جل وعلا- هؤلاء ما هم مبتدعة، لكن الذي يوتر ليلة مزدلفة هذا مبتدع.
هذا خلل، والله خلل في التصور وفي التحصيل، يحتاجون إلى تربية من جديد، يجلس والناس ألوف مؤلفة تصلي على الجنائز؛ لئلا يظن الوجوب! أو لبيان الاستحباب؟!، ولعله يريد أن فعله يصرف الحكم من كذا إلى كذا، والله المستعان.
стр. 1092
أبو بكر وعمر على العين والرأس يتركان؛ لئلا يظن الوجوب؛ لأننا أمرنا بالاقتداء بهما، ولذلك كثير ما يستدل أهل العلم على الوجوب بفعل الخلفاء الراشدين، وأكثر من يستدل بهذا الإمام مالك ﵀ يعني يذكر الخبر المرفوع، ثم يذكر فعل أبي بكر وعمر لماذا؟ ليبين أن الحكم محكم غير منسوخ، ولو كان منسوخاً لما فعله أبو بكر وعمر، فيستدل بفعلهما، وقد أمرنا بالاقتداء بهما، والله المستعان.
قال ابن حجر في فتح الباري: قال ابن حزم: لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة، وصحَّ أنها غير واجبة عن الجمهور، ولا خلاف في كونها من شرائع الدين.
استدل المجد ابن تيمية صاحب المنتقى جد شيخ الإسلام -رحم الله الجميع- على عدم الوجوب بتضحية الرسول ﷺ عن أمته، وذكر حديث جابر ﵁ قال: "صليت مع رسول الله ﷺ عيد الأضحى، فلما انصرف أتي بكبش فذبحه" فقال: ((باسم الله، الله أكبر، اللهم هذا عني، وعن من لم يضحِّ من أمتي)) رواه أحمد أبو داود والترمذي.
وحديث علي ابن الحسين عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: ((اللهم هذا عن أمتي جميعاً، من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ))، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه عن نفسه، ويقول: ((هذا عن محمد وآل محمد)) فيطعمهما جميعاً المساكين، ويأكل هو وأهله منهما، فمكثنا سنين ليس لرجل من بني هاشم يضحي؛ قد كفاه الله المئونة برسول الله ﷺ ". رواه أحمد.
يقول الشوكاني في شرحه: وجه "دلالة الحديثين على الوجوب أن تضحيته ﷺ عن أمته وعن أهله تجزئ كل من لم يضحِّ، سواءً كان متمكناً من الأضحية أو غير متمكن، ثم تعقبه بقوله: ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن حديث: ((على كل أهل بيت أضحية)) يدل على وجوبها على كل أهل بيت يجدونها، فيكون قرينة على أن تضحية رسول الله ﷺ عن غير الواجدين من أمته".
стр. 1093
على كل حال مما تقدم من أدلة الفريقين، يتضح أن أقوى أدلة القائلين بالوجوب الآية، وحديث جندب بن سفيان والأمر بإعادة الذبح، ((فليذبح مكانها أخرى)) والذبح أيضاً: ((ومن لم يذبح فليذبح)) هذا ظاهر في الوجوب.
وأقوى أدلة المخالفين رد أمر التضحية إلى إرادة المضحي كما في حديث أم سلمة عند مسلم وغيره، ولا شك أن الأدلة تقرب من التكافؤ، وإذا كان الأمر كذلك فالذي ينبغي على المسلم أن يحتاط لدينه، ويخرج من العهدة بيقين إبراءً للذمة وخروجاً من الخلاف، فيضحي إذا كانت الأضحية لا تشق عليه، أو إذا كان يستطيع أن يقترض ثم يجد سداداً لذلك فليقترض.
وترجم الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- باب سنة الأضحية، وقال ابن عمر: "هي سنة ومعروف".
هل على الحاج أضحية:
الإمام مالك -رحمه الله تعالى- استثنى الحاج بمنى، وقال: "لا تسن له الأضحية؛ لأن ما يذبحه هدي لا أضحية" واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ففي الاختيارات قال: "ولا تضحية بمكة وإنما هو الهدي".
وخالفهم جماهير أهل العلم؛ نظراً لعموم أدلة الأمر بالأضحية في الحاج وغيره، ولبعض النصوص المصرحة بمشروعية الأضحية للحاج بمنى، وترجم الإمام البخاري في صحيحه: باب الأضحية للمسافر والنساء.
ذكر حديث عائشة ﵂ أن النبي ﵊ دخل عليها وقد حاضت بسرف، قبل أن تدخل مكة وهي تبكي فقال: ((ما لك، أنفست؟ )) قالت: نعم، قال: ((إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاقض ما يقضي الحاج غير ألا تطوفي بالبيت))، فلما كنا في منى أُتيت بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ قالوا: ضحى رسول الله ﷺ عن أزواجه بالبقر". وهذا الحديث في الصحيحين، وعند مسلم بلفظ "أهدى" بدل ضحى.
قال ابن حجر: الظاهر أن التصرف من الرواة، يعني بعضهم يقول أهدى، وبعضهم يقول ضحى؛ لأن الوقت واحد، وقت الأضحية ووقت الهدي واحد، فبعضهم يعبر عنه بالأضحية وبعضهم يعبر عنه بالهدي.
стр. 1094
يقول: "الظاهر أن التصرف من الرواة؛ لأنه ثبت في الحديث ذكر النحر فحمله بعضهم على الأضحية؛ فإن رواية أبي هريرة صريحة في أن ذلك كان عمن اعتمر من نسائه، فقويت رواية من رواه بلفظ: " أهدى" وتبين أنه هدي التمتع؛ فليس فيه حجة على مالك في قوله: لا ضحايا على أهل منى، وتبين توجيه الاستدلال به على جواز الاشتراك في الهدي والأضحية والله أعلم.
إذا عرف هذا فليس في الحديث ما ينفي التضحية، يعني لا نقول أنه قطعي في حكم التضحية لقوله: "ضحى عن نسائه بالبقر"؛ لاحتمال أن يكون أطلق ضحى وأراد أهدى، لا سيما وقد جاء في بعض الألفاظ: "أهدى عن نسائه بالبقر"، لكن ليس فيه تعرض لنفي الأضحية؛ الأضحية ثبتت بأدلة أخرى، وكونه ﵊ أهدى عن نسائه البقر، لا يعني أنه لم يضحِّ عنهن، إذا عرف هذا فليس في الحديث ما ينفي التضحية لعدم ذكرها، فتبقى على حكمها المبين في نصوص أخرى كما قال الجمهور.
في قواعد ابن رجب في من فروع قاعدة: (إذا اجتمعت عبادتان من جنس واحد ليست إحداهما مفعولة على جهة القضاء، ولا على طريق التبعية للأخرى في الوقت، تداخلت أفعالهما، واكتُفى فيهما بفعل واحد وهو على ضربين).
إذا اجتمعت عبادتان من جنس واحد: ليست إحداهما مقضية يعني والأخرى مؤداة، وليست إحداهما تفعل على طريق التبعية للأخرى، تداخلت أفعالهما، واكتفى فيهما بفعل واحد وهو على ضربين: -
أحدهما: أن يحصل له بالفعل الواحد العبادتان جميعًا، بشرط أن ينويهما على المشهور.
الثاني: أن يحصل له أحدى العبادتين، وتسقط عنه الأخرى، ولذلك أمثلة: فذكر منها:
إذا اجتمع عقيقة وأضحية فهل تجزئ الأضحية عن العقيقة أم لا؟
هذا المولود ولد في اليوم الرابع يوم العيد يوم السابع، وأراد أن يذبح العقيقة ونواها عقيقة وأضحية، تجزئ وإلا ما تجزئ؟
عبادتان من جنس واحد ليست إحداهما مقضية؛ كلها في الوقت، وليست هذه مشروعة على سبيل التبعية للأخرى، وليست تابعة لشيء آخر، تتداخل؛ مقتضى القاعدة أنها تتداخل.
إذا اجتمع عقيقة وأضحية فهل تجزئ الأضحية عن العقيقة أم لا؟.
стр. 1095
على روايتين منصوصتين يعني عن الإمام أحمد، وفي معناه لو اجتمع هدي وأضحية واختار الشيخ تقي الدين أنه لا تضحية بمكة وإنما هو الهدي.
أقول: ينظر في قوله بمكة، هل المراد الحاج فقط، أو نقول المقيم بمكة لا أضحية عليه، كما أنه لا هدي عليه، هذه متعة وهذا قران ما عليه، ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة]، فهل أهل مكة ما يضحون؟ أو المراد من حج منهم، أو المراد من أهدى منهم، سواءً كان حاجاً أو غير حاج؟؟ الذي يظهر أن المراد من أهدى، حاجاً كان أو غير حاج، لكن من لم يهدِ، النصوص تشمل، تشمله كما تشمل غيره.
قال ابن القيم ﵀ في الهدي، -الهدي الذي ينحر وإلا كتاب؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم، كتاب اسمه زاد المعاد، لكن تعارف أهل العلم على تسميته واختصار اسمه بـ (الهدي): "الأضحية والهدايا والعقيقة مختصة بالأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام، ولم يعرف عنه -عن رسول الله ﷺ ولا عن الصحابة، هدي ولا أضحية ولا عقيقة من غيرها، وهذا مأخوذ من القرآن من مجموع أربع آيات: إحداها: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [(١) سورة المائدة].
والثانية قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [(٢٧) سورة الحج].
والثالثة قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ* ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [(١٤٢ - ١٤٣) سورة الأنعام]، ثم ذكرها.
الرابعة قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [(٩٥) سورة المائدة]، فدل على أن الذي يبلغ الكعبة من الهدي هو هذه الأزواج الثمانية، وهذا استنباط علي بن أبي طالب".
стр. 1096
وهذا أمر مجمع عليه، أن الهدي والأضحية والعقيقة لا تصح إلا من بهيمة الأنعام، إلا ما حُكي عن الحسن بن صالح أنها تجوز التضحية ببقرة الوحش عن عشرة، والضبي عن واحد، وروي عن أسماء أنها قالت: ضحينا مع رسول الله ﷺ بالخيل، وما روي عن أبي هريرة أنه ضحى بديك، وكل هذه لا تثبت، ولا اعتبار بها.
وقت الأضحية:
ووقت الذبح يوم العيد بعد الصلاة أو قدرها، إلى آخر يومين من أيام التشريق، فتكون أيام النحر ثلاثة، يوم العيد، ويومان بعده، هذا المذهب عند الحنابلة، وهو قول عمر، وعلي، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة وأنس، وإليه ذهب مالك والثوري وأبو حنيفة، يعني قول الجمهور أنها ثلاثة أيام.
وروي عن علي-﵁ أن آخر أيام الذبح آخر أيام التشريق، وتكون على هذا أربعه، وبه قال عطاء والحسن والشافعي لحديث: ((أيام منى كلها منحر))؛ ولأنها أيام تكبير وإفطار، فكانت محلاً للنحر كالأولين واختاره شيخ الإسلام.
ابن سيرين يقول: لا يجوز النحر إلا في يوم النحر خاصة؛ لأنها وظيفة عيد فاختصت بيوم العيد كالصلاة وأداء الفطرة يوم الفطر.
ودليل المذهب أن الذبح في ثلاثة أيام فقط بل هو قول الجمهور بل هو قول الأكثر، دليل المذهب النهي عن الادخار فوق ثلاث، ولا يجوز الذبح في وقت لا يجوز ادخار الأضحية إليه، وحكم الادخار سيأتي، وشيخ الإسلام، والمفتى به الآن أن الذبح في جميع أيام التشريق الثلاثة، وعلى هذا تكون أيام الذبح أربعة.
حكم ذبح الأضحية قبل الصلاة:
من ذبح أضحيته قبل أن يصلي إمام المسلمين صلاة العيد فإن ذبيحته لا تجزئه عن الأضحية، وإنما شاته التي ذبحها لحم يأكله هو ومن شاء وليست بشاة نسك؛ لما روى البخاري في صحيحه عن البراء ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ((إن أول ما يبدئ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر من فعل فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك بشيء)) وفي الباب عن أنس وجندب ابن سفيان -وكلها متفق عليها- كلها مصرحة بأنه لا يجوز الذبح قبل الصلاة.
стр. 1097
ومن كان في مكان لا تصلى فيه العيد فإنه يتحرى بذبح أضحيته قدر ما يصلي الإمام صلاة العيد عادة ثم يذبح، يعني لو انتظر ساعة بعد طلوع الشمس له أن يذبح؛ لأن الصلاة في الغالب تكون انتهت.
السن المجزئ للأضحية:
اختلف العلماء في السن المجزئ، ففي صحيح مسلم عن جابر-﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضان))، والمسنة هي الثنية من كل شيء، من الإبل والبقر والغنم، قاله النووي.
ومذهب الجمهور أن الجذعة من الضان يجزئ، مع أنه يقول: ((لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضان)) الجمهور أن الجذع من الضأن يجزئ، سواءً وجدت المسنة أو لا.
وحكي عن عمر والزهري أنهما قالا لا يجزئ، الجذع من الضأن، استدلالاً بالحديث ((لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضان)) وقد يحتج لهما بظاهر هذا الحديث، وقال الجمهور هذا الحديث محمول على الاستحباب والأفضل.
اختلفوا في الجذع من الضأن فقيل ما له سنة تامة، قال النووي وهو الأصح عند أصحابنا، وهو الأشهر عند أهل اللغة وغيرهم، وقيل ما له ستة أشهر، وهذا قول الحنابلة كما في المقنع وشرحه يقول: "ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن، وهو ما له ستة أشهر، والثني مما سواه، والثني من الإبل ما كمل له خمس سنين، ومن البقر ما له سنتان، ومن المعز ما له سنة"، فيجزئ الجذع من الضأن لحديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((نعم، أو نعمت الأضحية الجذع من الضأن)).
وعن أم بلال بنت هلال عن أبيها أن رسول الله ﷺ قال: ((يجوز الجذع من الضأن ضحية)).
وعن مجاشع بن سليم أن النبي ﷺ كان يقول: ((إن الجذع يوفي مما يوفي منه الثني)) وعن عقبة بن عامر قال: "ضحينا مع رسول الله ﷺ بالجذع من الضأن" وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً، وعلى العمل بها عامة أهل العلم، أن الجذع من الضأن يجزئ، وأن الحديث الأول محمول على الاستحباب.
стр. 1098
ترجم الإمام البخاري ﵀ باب قول النبي ﷺ لأبي بردة: ((ضحِّ بالجذع من المعز، ولن تجزئ عن أحد بعدك))، وذكر حديث أبي بردة، وأنه ضحى قبل الصلاة، فقال له النبي ﷺ : ((شاتك شاة لحم)) فقال: إن عندي داجناً، جذعة من المعز، فقال: ((اذبحها ولا تصلح لغيرك)).
وفي الاختيارات لشيخ الإسلام ابن تيمية، قال: "تجوز الأضحية بما كان أصغر من الجذع من الضأن لمن ذبح قبل صلاة العيد جاهلاً بالحكم ولم يكن عنده ما يعتد به في الأضحية غيرها؛ لقصة أبي بردة بن ميار ويحمل قوله ﷺ : ((ولن تجزئ عن أحد بعدك)) أي بعد حالك، يعني شيخ الإسلام حمل الحديث على الحال، لا على الشخص، والجمهور على أنها لا تجزئ عن أحد أبداً، يعني لا يذبح، إذا ما كان عنده إلا جذعة من المعز لا يذبح، أو أقل من جذع الضأن لا يذبح، ليست أضحية، ليست مما يشرع التقرب به؛ لأن النبي ﵊ قال: ((لن تجزئ عن أحد بعدك))، شيخ الإسلام يقول: تجزئ، وحمل الحديث على الحال، يعني بعد حالك، يعني غير حالك هذه لا تجزئه، أما من كانت حاله مثل حالك تجزئ، ولا شك أن هذا من شيخ الإسلام ﵀ مقبول باعتبار إحاطته بنصوص الشريعة وقواعدها العامة والمصالح وغيرها والمقاصد -مقاصد الشريعة- لكن غيره هل يمكن أن يقول مثل هذا الكلام؟ هل يمكن أن يقول غير شيخ الإسلام غير هذا الكلام، يعني هل لطالب علم أن يقول: أبداً لن تجزئ، يقول تجزئ، يمكن أن يقوله طالب علم؟ ما يمكن، هل يمكن أن يقول طالب علم: أحابستنا هي الرسول يقول: ((أحابستنا هي)) يقول الحائض ما تحبس الرفقة، لكن شيخ الإسلام بسعة علمه واطلاعه على نصوص الشريعة ومقاصدها وقواعدها العامة يقول مثل هذا الكلام، ولا إمامة إلا بجرأة، كما هو معروف، لكن يبقى أن الجرأة لمن؟ ما يقول والله شاب من الشباب أو متعلم من المتعلمين ولا حتى عالم دون شيخ الإسلام بمراحل أن يقول مثل هذا الكلام.
стр. 1099
لا يجزئ في الأضحية العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، الكبيرة التي لا تنقي، كما رواه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان من حديث البراء بن عازب، قال أبو داود: "لا تنقي يعني ليس لها مخ".
وأخرج أبو داود من حديث عقبة بن عامر السلمي أنه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المصفرة" وهي التي تستأصل أذنها، والمستأصلة التي استئصل قرنها، والبخقاء التي تبخق عينها، والمشيعة وهي التي لا تتبع الغنم عجفاً أو ضعفاً، والكسراء الكسيرة لكن الحديث فيه ضعف.
وأخرج أيضاً أبو داود عن علي قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن ولا نضحي بعوراء ولا مقابلة ولا مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء المقابلة مقطوعة طرف الأذن، والمدابرة المقطوعة من مؤخرة الإذن، والشرقاء قال: المشقوقة الإذن، والخرقاء مخروقة الأذن للسمة، يعني للوسم، وهذا أيضاً ضعيف.
مقطوع الألية، يستورد من الغنم ما هو مقطوع الألية لا سيما من استراليا، جمع من أهل العلم على أنه يجزئ؛ لأن قطع الألية إنما هو لمصلحته كالخصاء، لمصلحة الفحل أو المضحى به.
أخرج أحمد وابن ماجة والبيهقي من حديث أبي سعيد قال: اشتريت كبشاً لأضحي به، فعدى الذئب فأخذ الألية منه، فسألت النبي ﷺ فقال: ((ضحي به)) والحديث ضعيف؛ لأن فيه جابر الجعفي مضعف عند أهل العلم شديد الضعف، وشيخه مجهول، لكن له شاهد عند البيهقي.
من أحكام الأضحية:
أفضل الأضاحي الإبل ثم البقر ثم الضأن ثم الماعز، فتجزئ البدنة والبقرة عن سبعة، قال شيخ الإسلام: "الأجر في الأضحية على قدر القيمة مطلقاً"، ولعل مستنده قوله في الحديث: "ثمينين".
وتنحر الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، فيطعنها بالحربة في الوهدة التي بين أصل العنق والصدر، ويذبح البقر والغنم ويقول عند ذلك: بسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك، اللهم تقبله عن فلان.
يتولى الذبح بنفسه إن كان يحسن ذلك كما فعل النبي ﵊، وإذا كان لا يحسن ذلك ولم يعتد هذا الأمر فأقل الأحوال أن يحضر الذبح، ثم يأكل ويهدي ويتصدق منها أثلاثاً.
стр. 1100
لا يجوز لمن أراد أن يضحي أن يأخذ من شعره أو بشرته شيئاً -كما تقدم في حديث أم سلمة- وبذلك قال سعيد بن المسيب، وربيعة، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وداود، وقال بعضهم أن الحديث محمول على الكراهة، كراهة التنزيه لا التحريم.
في البخاري من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كنا نتزود لحوم الأضاحي على عهد النبي ﷺ إلى المدينة" يعني يأخذون يتزودونها أكثر من ثلاثة أيام، يعني طريقهم هذا يأكلون منها، بل قد يدخرونها إذا وصلوا إلى المدينة يبقى منها شيء.
عن سلمة بن الأكوع قال: قال النبي ﷺ : ((من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وبقي منها شيء))، يعني نهي عن الادخار بعد ثلاث، والصحابة: كنا نتزود لحوم الأضاحي على عهده إلى المدينة وهذا يستمر أكثر من ثلاثة أيام، بل يأخذ أسبوع وأكثر. سلمة بن الأكوع قال: قال النبي ﷺ : ((من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وبقي منه شيء))، فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله، نفعل كما فعلنا عام الماضي قال: ((كلوا وأطعموا وادخروا فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأردت أن تعينوا منها))، يعني تتصدقون بما زاد عن حاجتكم في الأيام الثلاثة.
ومن حديث عائشة ﵂ قالت: "الضحية كنا نملح منه فنقدم به إلى النبي ﷺ بالمدينة فقال: ((لا تأكلوا إلا ثلاثة أيام)) وليست بعزيمة، ولكنه أراد أن نطعم والله أعلم.
وجاء في الخبر أن النهي عن الادخار فوق ثلاث إنما كان من أجل الدافة: قوم قدموا إلى المدينة وبهم حاجة وجوع، فنهي عن الادخار من أجل أن يتصدق على هؤلاء المحتاجين، والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1101
الأضحية فضلها وأحكامها
(الحكمة من تنوع العبادات، اللغات في الأضحية، ما ورد من السنة في الأضحية، حكم الأضحية، أدلة القائلين بالوجوب، أدلة القائلين بعدم الوجوب، الأصناف التي تجزئ في الأضحية، وقت الذبح، سلامة الأضحية من العيوب)
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
تتشرف مؤسسة الدعوة الخيرية في جامع الأمير فيصل بن فهد -يرحمهم الله- وعبر برنامجها المتعلق بملتقى الدعوة الثامن في مجالس عشر ذي الحجة، في هذا اليوم الموافق الأربعاء الثاني والعشرين من شهر ذي القعدة لعام (١٤٢٧هـ) وضمن سلسلة هذه اللقاءات التي يقوم على لقائها نخبة من كبار علمائنا الأفاضل.
يسرنا في هذه الليلة المباركة أن يكون معنا أحد علمائنا الأجلاء فضيلة الشيخ العلامة الدكتور/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير، وعنوان هذا اللقاء: (الأضحية فضلها وأحكامها) وما زلنا وإياكم نعيش هذه الأيام مع علمائنا الأجلاء في طرح ما يتعلق بمسائل عشر ذي الحجة، وفي هذا اليوم سيتحدث فضيلة شيخنا عن عدد من العناصر فيما يتعلق بالأضحية (فضلها وأحكامها).
أولاً: في الترغيب فيها.
ثانياً: فضلها.
ثالثاً: أحكامها.
رابعاً: سننها وآدابها.
سادساً: عيوبها.
سابعاً: تنبيهات مهمة لمن أراد أن يضحي.
أرحب بكم جميعاً أيها الحضور، وأرحب بالأخوة المشاركين معنا في عدد من المواقع في مدينة عرعر، وفي جامع الأمير عبد العزيز بن مساعد، وكذلك الأخوة الذين يشاركوننا عبر الموقع، أرحب بكم في هذا اللقاء، وأنبه كالمعتاد أنه سيتم طرح ثلاثة أسئلة على محاضرة الشيخ، ثم بعد ذلك ننتقل إلى أسئلة المناطق، وأسئلة الحضور، وكذلك الأسئلة التي تردنا عبر الموقع.
أسأل الله بمنه وكرمه أن يبارك في جهود شيخنا، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأن يجعل ما يبذله ويقدمه في ميزان حسناته، وأن يبارك له في جهوده ووقته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أترككم مع فضيلة الشيخ فليتفضل مشكوراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1102
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
الحكمة من تنوع العبادات:
فمن نعم الله -جل وعلا- على المسلمين، على هذه الأمة أن نوع لها العبادات، وشرع لها الشرائع المتنوعة المناسبة لجميع الطبقات، وجميع الفئات، تنوع العبادات نعمة عظيمة من الله -جل وعلا-، فلو كانت العبادات كلها من نوع واحد بدنية مثلاً لشق الأمر على كثير من الناس، فكثير من الناس لديه استعداد أن يبذل الأموال الطائلة ولا يتعب جسده في ركعتين، ونوع آخر لديه الاستعداد التام على أن يتعب بدنه حفاظاً على ماله، فجاءت العبادات في هذه الشريعة الكاملة الشاملة الخاتمة للشرائع منوعة، فمنها العبادات البدنية كالصلاة مثلاً والصيام، فهذه يُكثِر منها من وفقه الله -جل وعلا-، ويسر عليه العبادات البدنية، ليتوفر له أجره عند الله -جل وعلا-، وجاء في فضل الصلاة، وهي عبادة بدنية، وفضل الصيام ما جاء من نصوص الكتاب والسنة، لكن كثير من الناس لم يفتح له هذا الباب، لا يستطيع الإكثار من الصلوات، مع أن النبي ﵊ قال: ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) والقنوت طول القيام كما هو معروف.
ومنهم من لا يستطيع الإكثار من نوافل الصيام مع أن النبي ﵊ قال: ((من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً)) فتجد بعض الناس مستعد يدفع عشرة آلاف ولا يصوم يوم، ومن الناس من هو بالعكس، مستعد أن يصوم الأيام المتتابعة، وأن يقوم الليالي المتواصلة، ولا تجود نفسه ببذل شيء من المال، والمسألة مفترضة في القدر الزائد عن الواجبات، وأما الواجبات سواءً كانت بدنية أو مالية فلا يعفى منها أحد؛ لكن الكلام في النوافل، بعض الناس يفتح له باب الصلاة، وبعضهم باب الصيام، وبعضهم باب الإنفاق في سبيل الله، وهكذا.
стр. 1103
ولذا جاءت العبادات متنوعة، وهذه العبادة الخاصة وهي عبادة النسك، والذبح لله -جل وعلا- الذي هو نوع من أنواع العبادة التي لا يجوز صرفها لغير الله -جل وعلا-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [(١٦٢ - ١٦٣) سورة الأنعام] فمن ذبح لغير الله -جل وعلا- فقد أشرك.
قد يلتبس على بعض الناس ما يذبح لإكرام الضيف مثلاً، أو لكونه سكن بيتاً جديداً، أو ما أشبه ذلك مما تعارف الناس على ذبحه، فهل هذا يتعارض؟ هل يقول الإنسان: أن هذه ذبيحة لفلان وليست لله؟ وقد ذبحت على اسم الله -جل وعلا-، قال ذابحها: بسم الله والله أكبر، وأكرم بها ضيفه ممتثلاً لقول النبي ﵊: ((من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) وقد تعزب هذه النية عنه، لكنها داخلة فيما يجمل، وإن كان الأجر يترتب على استحضار هذه النية، وما أشبه ذلك، فالضيافات المعروفة عند العرب ثمان كما قدرها أهل العلم وحددوها، المقصود أن مما يذبح تقرباً إلى الله -جل وعلا- هذه الشعيرة من شعائر الدين.
اللغات في الأضحية:
ويقال لها: أضحية، بضم الهمزة، وإِضحية بكسرها، والجمع أضاحي، كما يقال لها: ضحية، وجمعها ضحايا، ويقال لها أيضاً: أضحاة، وجمعها أضحى، كأرطاة وأرطى.
هذه اللغات في هذه اللفظة: أضحية وإضحية، وجمعهما أضاحي، وضحية كعطية وهدية، وجمعها ضحايا، كهدايا وعطايا، وأضحاه، وجمعها أضحى، كأرطاة وأرطى.
والأضحية مشروعة بإجماع المسلمين، وشرعيتها تظافرت عليها الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع.
стр. 1104
ورد أحاديث كثيرة كما جاء في القرآن ما يشير إليها من قوله -جل وعلا-: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [(٢) سورة الكوثر] والمراد بالصلاة في هذه الآية هي صلاة العيد وعيد النحر، والنحر هنا المأمور به في قوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ ذبح الضحايا والهدايا، هذا ما يتعلق بعيد الأضحى، أما بالنسبة لعيد الفطر فجاء قوله -جل وعلا-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [(١٤ - ١٥) سورة الأعلى] هذه وظيفة عيد الفطر، ووظيفة عيد الأضحى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [(٢) سورة الكوثر] والأمر هنا الأصل فيه الوجوب، وثبوته قطعي؛ لكن دلالته على المراد (فصلِ) أمر بالصلاة، (وانحر) أمر بالنحر، يستدل بهذا من يقول: بوجوب الأضحية على ما سيأتي.
الثبوت قطعي؛ لأنه بين الدفتين في المصحف؛ لكن دلالة الصلاة هنا على صلاة العيد، ودلالة الأمر بالنحر على الأضحية ليست بقطعية، ولذا اختلف أهل العلم في حكمها، في الطرفين، في صلاة العيد وفي النحر، والجمهور على عدم وجوب صلاة العيد وجوباً عينياً، كما يدل له قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ كما أن مذهب الجمهور على عدم وجوب الأضحية كما سيأتي، وذلكم لأن دلالة الآية في الموضعين على الصلاة وعلى النحر ليست قطعية، وقال بالوجوب في الطرفين الحنفية، قال بوجوب صلاة العيد الحنفية، وقالوا بوجوب النحر، بوجوب الأضحية الحنفية أيضاً، فمذهبهم مطرد.
شيخ الإسلام يوافقهم على وجوب صلاة العيد، ويؤكد في استحباب الأضحية؛ لكنه لا يصل بها إلى حد الوجوب، المقصود أن الأضحية هي ما يذبح يوم عيد النحر، وما يليه من أيام التشريق، على ما سيأتي من الخلاف في هذه المسألة.
стр. 1105
وكأنها أخذت من اسم الوقت الذي شرع ذبحها فيه، وهو الضحى، ثم سمي بها اليوم، يوم العيد، عيد الأضحى، يعني هل نقول: أن الأضحية أخذت من عيد الأضحى؟ لا، لماذا؟ لأنه يلزم عليه الدور، العيد أخذ من الضحايا والهدايا هذه من الضحية؛ لأنه تذبح فيه الأضاحي، والأضحية أخذت من يوم العيد هذا هو الدور، وهذا ممنوع، ترتيب شيء على شيء مترتب عليه ممنوع عند أهل العلم، ولا يمكن، ما يتصور؛ لكن أخذت الأضحية من الضحى من الوقت الثابت المعروف، الذي يلي الصبح الضحى، وقبل الظهيرة أخذت من هذا؛ لأنها تذبح في هذا الوقت، يعني في الغالب بعد الصلاة -صلاة العيد- وقبل الزوال تذبح الضحايا هذا في الغالب، ويجوز ذبحها إلى آخر الوقت الذي جاءت به النصوص، وبعد ذلك أُخذ عيد الأضحى منها، أضيف إليها لأنها تفعل فيه.
ما ورد من السنة في الأضحية:
ورد عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة تدل على مشروعيتها منها:
حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين، ويسمي ويكبر، ويضع رجله على صفاحِهِما، وفي لفظ: "ذبحهما بيده" [متفق عليه] وفي لفظ: "سمينين" ولأبي عوانة في صحيحه: "ثمينين" الأصل ما جاء في صحيح مسلم "سمينين" وفي صحيح أبي عوانة "ثمينين" نفس الحديث لأن مستخرج أبي عوانة على صحيح مسلم، وهذا مما اختلف فيه المستخرج على أصله، فهل العبرة بالأصل أو بالمستخرج؟ العبرة بالأصل.
стр. 1106
أهل العلم يقولون: من فوائد المستخرجات ورود ألفاظ زائدة في المستخرجات لا توجد في الأصل، هذه من فوائد المستخرجات؛ لأنها تزيد ألفاظ وجمل، فهل نقول: إن هذه الزيادة مقبولة وتضم إلى ما في الأصل أو نقول: إن الأصل كلمة واحدة في سياق واحد، فإما سمينين أو ثمينين؟ في الأصل سمينين، لو جاء في المستخرج سمينين ثمينين، قلنا: زيادة؛ لكنها جاءت بدل من اللفظ الأصلي، فتقبل مثل هذه، أو نرجح بين اللفظين؟ أو نقول: لعله ثبت اللفظان، وبعض الروات حفظ لفظاً، وبعضهم حفظ لفظاً آخر، فنجمع بينهما، نلفق من الروايتين سياقاً واحداً، ونطلب من الأضحية أن تكون سمينة ثمينة في الوقت نفسه؟ وعلى هذا لو كانت ثمينة فقط ليست بسمينة لا تكون فاضلة، أو العكس لو كانت سمينة وليست ثمينة لا تكون فاضلة حتى تكون سمينة ثمينة، وعلى رواية مسلم يكفينا أن نتوخى السمينة، ولو كانت رخيصة، وعلى رواية المستخرج نتوخى الثمينة ولو كانت غير سمينة، ولا شك أن كونها سمينة أنفع للفقراء، وكونها ثمينة تدل على طيب نفس باذلها، على طيب نفس المضحي، ولذا جاء الأمر بطيب النفس بها، على ما سيأتي، وإن كان فيه كلام.
المقصود أن على الإنسان أن تطيب نفسه بما يبذله لله -جل وعلا-، ولا شك أن هذا من تعظيم شعائر الله، توخي النافع للفقير مع كونه ثميناً يعني ثمنه مرتفعاً، من غير مباهاة؛ لأنه يوجد في الناس مع الأسف الشديد من يباهي، من يشتري خروف مثلاً بألفين، ثم يتحدث به في المجالس، أنا اشتريت خروف بألفين، في المجالس، وهذه المباهاة لا شك أنها تنقص من الأجر إن لم تقضِ عليه.
وقد اشترى شخص قبل عشرين سنة خروفاً بسبعمائة ريال، فلقيه شخص فقال له: ما هذا؟ قال: هذا أضحية للوالد ﵀، قد اشتريتها بسبعمائة ريال، انظر إلى حجمها، انظر إلى ظهرها، قال: لكن في ذمة أبيك دين لي بمقدار خمسمائة ريال، قال: الحقه ما عندي لك شيء، أيهما أهم إبراء ذمته أو التضحية له بهذه الأضحية؟
стр. 1107
بلا شك أن إبراء الذمة وقد علق بدينه، ولا شك أن مثل هذه التصرفات لا شك أن لها دلالة على ما في الباطن، وإن كانت القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب؛ لكن هناك دلالات وقرائن تدل على ما وراء الألفاظ تشتري له أضحية في ذلك الوقت، يعني الأضحية يمكن يضحي بمائتين، ويدفع الخمسمائة للدائن، وهذا هو التصرف السليم؛ لكن الآن اشترى هذه الأضحية بسبعمائة، وعينها لوالده لا يستطيع إرجاعها؛ لكن لو رده رداً جميلاً، قال: أنا والله ما عندي خبر من دينك، وأبشر -إن شاء الله- نسعى في سداده، بدلاً من أن يقول: الحقه واتبعه ما عندي لك شيء، فمثل هذه التصرفات لا شك أنها موجودة مع الأسف بين مسلمين، وتجد الإنسان إذا سافر سفر طاعة وأنفق فيه الأموال يتحدث به في المجالس: اعتمرنا في العشر الأواخر، واستأجرنا بخمسين ألف، بستين ألف، ثم بعد ذلك على شان إيش؟ هل تتصور أن هؤلاء المخلوقين الضعفاء الذين لا يقدمون لك نفعاً ولا ضراً تستفيد من كلامك هذا عندهم؟ أبداً، فمثل هذه الأمور الإخلاص يقتضي السر، وعلى هذا نبحث عن السمين الثمين، وشيخ الإسلام سيأتي كلامه في أن الأفضل الثمين مطلقاً، ورواية أبي عوانة تدل على هذا، ولا شك أن هذا يدل على طيب نفس، فرق بين من فكر في الأضحية، أو أهدى للبيت هدية، أو هدياً ثم بعد ذلك يبحث عن أرخص الأشياء، ويجاهد نفسه في إخراج القيمة، وبين من يبادر إذا سمع النص ذهب بحث عن أفضل ما يوجد، ولما أمر إبراهيم ﵊ بذبح ابنه تردد؟ تله للجبين، وأمة كاملة بنو إسرائيل يؤمروا بذبح بقرة فذبحوها وما كادوا يفعلون، لا شك أن هذه المبادرة تدل على ارتياح قلبي، وعلى سرعة ومبادرة بالامتثال.
ولمسلم من حيدث عائشة أن النبي ﵊ أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأتي به ليضحي به فقال لها: ((يا عائشة هلمي المُدية)) ثم قال: ((اشحذيها بحجر)) المُدية السكين، ((اشحذيها بحجر)) لتكون حادة ((وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)) ويذبح بكل حاد إلا السن والظفر، أما السن فعظم، وأما الظفر فمُدى الحبشة، كما جاء في الحديث الصحيح.
стр. 1108
يعني كون الظفر مدى الحبشة هل معنى هذا أنه ينهى عن استعماله مطلقاً فيما تستعمل به السكين، أو أنه في الذبح خاصة؟
العلة كونه مُدى الحبشة، يعني سكين الحبشة، فلو اشتريت مسواكاً ثم بعد ذلك أردت استعماله فقلت: بظفرك كذا لتزيل اللحى الذي عليه، هل نقول: استعملت مدى الحبشة؟ أو نقول: هذا لا بأس به؟ انظروا للعلة، العلة المنصوصة في الحديث الصحيح، ((أما السن فعظم، وأما الظفر فمُدى الحبشة)) يعني لو أن إنساناً ذبح عصفوراً بظفره مُدى الحبشة، قال: كما يزال لحى السواك بالظفر وكلاهما مُدى الحبشة، وبدل ما استعمل السكين هنا لا تستعملها نفس الشيء، أو نقول: هذا خاص بالذبح؟ يعني استعمال المُدية خاص بالذبح أو عام؟ وإذا استحضرنا هذه العلة في المدية، وأن الظفر مدى الحبشة، هل نقول: أن هذا يمنع في الذبح ويمنع في غيره؟
طالب:. . . . . . . . .
يا إخوان لا نستحضر فيما في أذهاننا، نحن نناقش حديث، هذه العلة المنصوصة، هل هي مطردة في جميع ما يستعمل فيه المدية أو خاصة بالذبح؟
طالب: صدر الحديث نص على الذبح.
قل هذا فرد من أفراد العام في جميع ما يستعمل فيه المدى، التنصيص على فرد لا يعني التخصيص، كون السن عظم هل يمنع من استعماله؟ يعني عندك حبل معقود بقوة تحله بسنك، تقول: عظم، نفس القضية الأولى، يعني كونه عظم يعني لا نستعمله؟ نعم يا إخوان أجيبوا.
يعني قضية العظم وتنجيسه بالدم، يعني إذا استحضرنا لكن ما يمكن يُستحضر كون النهي عن الاستنجاء بعظم وتلويثه وكذا، هل نستحضر مثل هذا ونقرن بين الحكمين؟
طالب: لا.
لماذا؟
طالب: لأن العظم طعام الجن.
يعني طعام الجن، ولن يكون السن في يوم من الأيام طعاماً للجن، يعني هذه العلل هل نقول: أنها مؤثرة مطردة، أو أنها كالتعبدية؟ يعني ما فائدة التنصيص على العلة؟ يعني العلة المنصوصة لها شأن عند أهل العلم بمعنى أنه يدور الحكم معها وجوداً وعدماً، فهل نطرد هذه العلل فيما يستعمل فيه العظم بالنسبة للسن؟ وما تستعمل فيه المدية بالنسبة للظفر؟
طالب: لا.
لماذا؟
طالب: لأن الحكمة تعبدية.
إيه تعبدية لو لم تذكر العلة؛ لكن العلة منصوصة.
طالب: أحسن الله إليك هل الظفر يريح الذبيحة؟
كيف؟
стр. 1109
طالب: هل الظفر يريح الذبيحة؟
طيب لو أتينا بمدية غير مشحوذة، يصح وإلا لا؟
طالب: يصح.
ما تريح الذبيحة لكن الذبح صحيح.
طالب: لكن يا شيخ حديث: ((إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة))؟
مأمورين بهذا؛ لكن أنت افترض أن شخص جاء بمدية كلّة، ثم حرحر الذبيحة إلى أن ذبحها ذبحاً صحيحاً بقطع الودجين والبلعوم، الذبح صحيح، يعني لو ذبحها بمنشار أساء وظلم وتعدى وخالف النهي، ومع ذلك الذبح صحيح، في شيء؟
طالب: السن من جنس الذبيحة.
يعني بحث مثل هذه الأمور ترونه مجدي وإلا نتجاوزه؟ نعم لا سيما قدامنا طلاب علم.
طالب: مجدي بلا شك.
لأن مثل هذا ما أشوف أحد يتطرق له، حتى في الكتب والمؤلفات، ما في أحد تطرق له؛ لكن الذي قدامنا طلاب علم، وتربية طلاب العلم على مثل هذه الأمور لا بد، كيف يتعاملون مع النصوص؟ يعني لو قال لك: علة منصوصة ((أما السن فعظم)) هل نقول: إن اطراد العلة يمشي على جميع العظام فنمنع الذبح بجميع العظام؛ لأن السن عظم وقد نهي عنه، واطراد العلة يكون من هذه الحيثية؟ ولا نطرد العلة بالنسبة للسن فنستعمله استعمال المدية باستمرار؛ لأن عندنا اللفظ فيه تنصيص على العلة، فهل المراد من العلة طرد الحكم في جميع العظام؛ لأن السن عظم فجميع العظام لا تجزئ التذكية بها، ولو جئت بضلع بعير وأردت أن تذبح به قلنا: ما يجوز؛ لأنه عظم، ولو جئت بلحي شاة أو جمل وذبحت به قلنا: ما يجوز؛ لأن السن عظم، وليس الاطراد فيما تستعمل فيه المدية، بقوله: ((مدى الحبشة)) وكأن هذا متماثل للاستنباط من الحديث.
وأما بالنسبة للظفر فالمسألة مسألة ذبح، وكونه مدى الحبشة هل يقتضي هذا أننا ممنوعون من جميع ما يستعمله الكفار في الذبح؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 1110
أما ما يشترك فيه الشعوب والناس كلهم من مسلمين وكفار وغيرهم هذا ما يقول أحد بمنعه؛ لكن لو عرفنا أن هذه الآلة ما يذبح بها إلا اليهود فقط، أو ما يذبح بها إلا النصارى، أو ما يذبح بها إلا ملة من الملل المخالفة لدين الإسلام تركنها من أجل التشبه بهم، فالظفر نتركه من أجل التشبه بالحبشة، وإذا كان الترك من أجل التشبه فاستعماله في غير هذا الموضع لا يقتضي التشبه، وإذا كان المنع للتشبه ينتفي التشبه لأنهم يذبحون به.
ثم قال: ((اشحذيها بحجر)) ففعلت فأخذها وأخذه فأضجعه ثم ذبحه فقال: ((بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد)) ثم ضحى به.
التسمية شرط لحل الذبيحة، فالذبيحة التي لا يذكر عليها اسم الله لا يجوز الأكل منها، ميتة، والخلاف بين أهل العلم فيمن نسى التسمية، ومقتضى الاشتراط أنها لا تصح عمداً أو سهواً، إذا تركت.
وقد ترجم الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: باب أضحية النبي ﷺ بكبشين أقرنين، ويذكر سمينين، إشارة إلى الرواية التي أوردها أبو عوانة، ويذكر سمينين، وقد أوردها الإمام البخاري بصيغة التمريض.
وأجمع المسلمون على مشروعية الأضحية، ومثلما تقدم الذبح عبادة لا يجوز صرفه لغير الله تعالى، فمن ذبح لغير الله فقد أشرك، وعلى هذا جميع من يعتد بقوله من أهل العلم لا يجيزون الذبح لغير الله -جل وعلا-، كما في قوله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ﴾ [(١٦٢ - ١٦٣) سورة الأنعام] فجعل الذبح مثل الصلاة، لا يصرف لغير الله -جل وعلا-.
يقول الحافظ ابن كثير ﵀ بعد أن ذكر الآية: "يأمر الله تعالى نبيه أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله، ويذبحون لغير اسمه أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله، ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [(٢) سورة الكوثر] أي: أخلص له صلاتك وذبحك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم، والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى".
стр. 1111
ورد في فضل الأضحية أحاديث، أولاً: إذا عرفنا أن الأضحية جاء ذكرها في القرآن، والأمر بها، وجاءت بها السنة الصحيحة الصريحة، فهل يلزم مع ذلك أن يذكر فضلها بالتفصيل؟ هل يلزم من مشروعيتها أن يذكر الفضل المرتب عليها؟ لا، لا يلزم، ولذلك الأحاديث الواردة في فضلها كلها ضعيفة، ورد في فضل الأضحية أحاديث منها حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: ((ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق دم، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفساً)) رواه الترمذي، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث هشام بن عروة إلا من هذا الوجه، ورواه ابن ماجه أيضاً، وفي إسناده سليمان بن يزيد راويه عن هشام وهو ضعيف، فالخبر ضعيف.
وعن زيد بن أرقم قال: قال أصحاب رسول الله ﷺ : "يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ " قال: ((سنة أبيكم إبراهيم)) قالوا: "فما لنا فيها يا رسول الله؟ " قال: ((بكل شعرة حسنة)) قالوا: فالصوف؟ قال: ((بكل شعرة من الصوف حسنة)) رواه ابن ماجه والحاكم وقال: صحيح الإسناد، وقال المنذري في الترغيب: "بل واهي" ضعيف جداً يعني، عائذ الله المجاشعي وأبو داود نفيع بن الحارث الأعمى ساقطان، فالحديث شديد الضعف، يعني لا يقول قائل: إن هذا ينجبر بالذي قبله؛ لأن هذا لا يفيد، وجوده مثل عدمه، وحكم عليه الألباني في ضعيف الترغيب بالوضع.
وذكر المنذري في الباب أيضاً أحاديث كلها تدل على فضل الأضحية؛ لكن كلها ضعيفة، ومع ذلكم أجمع المسلمون على مشروعيتها كما تقدم.
حكم الأضحية:
стр. 1112
واختلفوا في حكمها، فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها سنة مؤكدة في حق الموسر، ولا تجب عليه، قال النووي في المجموع شرح المهذب: "هذا مذهبنا -يعني الشافعية- وبه قال أكثر العلماء، منهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنهما- وبلال وابن مسعود البدري -رضي الله تعالى- عن الجميع، وسعيد بن المسيب وعطاء وعلقمة والأسود ومالك وأحمد وأبو يوسف وإسحاق وأبو ثور والمزني وداود وابن المنذر"، يعني هذا قول الجمهور، أكثر أهل العلم على أنها سنة مؤكدة.
وقال ربيعة والليث بن سعد وأبو حنيفة والأوزاعي هي واجبة على الموسر إلا الحاج بمنى.
وقال محمد بن الحسن: "هي واجبة على المقيم بالأمصار" يعني دون المسافر، ولو لم يكن حاجاً، لأن الحاج بالنسبة لقول أبي حنيفة يكفيه الهدي، وسيأتي في كلام شيخ الإسلام أن الحاج ليس عليه أضحية، وأما بالنسبة لقول محمد بن الحسن أنه مسافر لا شك أن المشقة لاحقة به، والخلاف فيها قوي فلا تجب على المسافر.
والمشهور عن أبي حنيفة أنه إنما يوجبها على مقيم يملك نصاباً، ويقول ابن قدامة في المغني: "أكثر أهل العلم على أنها سنة مؤكدة غير واجبة" وذكر من تقدم ذكره في الطرفين، يعني من قال بالوجوب، ومن قال بالاستحباب، إلا أنه ذكر مالكاً فيمن أوجبها، يعني مع أبي حنيفة، وهو خلاف المعروف من مذهبه بل مذهبه أنها سنة.
أدلة القائلين بالوجوب:
أما من قال بوجوبها فقد استدل بأدلة، منها: قوله الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [(٢) سورة الكوثر] وهذا تقدم ذكره، ووجه الاستدلال كما هو واضح في الأمر، والأصل في الأمر الوجوب.
والأمر الثاني: ما رواه البخاري في صحيحه من حديث جندب بن سفيان البجلي قال: شهدت النبي ﷺ يوم النحر فقال: ((من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح)).
((من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى)) يعني لو لم تكن واجبة هل يؤمر بإعادتها؟ ((ومن لم يذبح فليذبح)) واللام في: (فليعد) وفي: (فليذبح) هي لام الأمر، والأصل في الأمر الوجوب.
стр. 1113
ومن ذلكم ما رواه أبو داود في سننه عن عامر أبي رملة، قال: "أخبرنا مخنف بن سليم، قال: ونحن وقوف مع رسول الله ﷺ بعرفات قال: ((يا أيها الناس إن على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة)) "أتدرون ما العتيرة؟ قال: هي التي يقول الناس: الرجبية".
يقول ابن حجر في الفتح: "أخرجه أحمد والأربعة بسند قوي، إلا أنه قول غير قوي"، يقول الخطابي: "فيه أبو رملة مجهول" ويقول ابن حجر نفسه في التقريب: "أبو رملة شيخ لابن عون لا يعرف" فيكيف يكون قوي وفيه هذا الذي لا يعرف؟
قال الذهبي في الميزان: "عامر أبو رملة فيه جهالة" وقال عبد الحق: "إسناده ضعيف"، وقال أبو داود في سننه بعد سياق الحديث: "العتيرة منسوخة، وهذا خبر منسوخ" ما الناسخ؟ ما رواه الجماعة من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا فرع ولا عتيرة)) والفرع أول النتاج، كان ينتج لهم فيذبحونه، والعتيرة كما قال الترمذي: "ذبيحة كانوا يذبحونها في رجب، يعظمون بها شهر رجب".
ومن أدلة القائلين بالوجوب ما رواه أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((من وجد سعة فلم يضحِ فلا يقربن مصلانا))، قال ابن حجر في البلوغ في هذا الحديث: "رواه أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم، ورجح الأئمة غيره وقفه"، وقال في فتح الباري: "وأقرب ما يتمسك به لوجوب الأضحية حديث أبي هريرة رفعه: ((من وجد سعة فلم يضحِ فلا يقربن مصلانا)) أخرجه ابن ماجه وأحمد، ورجاله ثقات؛ لكن اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب، قاله الطحاوي وغيره، ومع ذلك فليس صريحاً في الإيجاب، يعني على سبيل التنزل، وتصحيح الخبر هل يدل على الوجوب؟ فلا يقربن مصلانا؟ أما على قول من يقول بوجوب صلاة العيد يدل على الوجوب وإلا ما يدل؟
طالب: يدل.
لماذا؟ لأنه في مقابل ترك واجب، ولا يترك الواجب إلا لما هو أوجب منه، وأما على قول من يقول باستحباب صلاة العيد فلا يدل على الوجوب.
стр. 1114
نأتي إلى مسألة عكس هذه توضح هذه، هذا الحديث يدل على الوجوب إذا قلنا: بوجوب صلاة العيد، ماذا عن قوله ﵊: ((من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مساجدنا)) وصلاة الجماعة واجبة؟ يعني هل نقول: إن صلاة الجماعة ليست واجبة؛ لأنه مُنع منها من يأكل الثوم والبصل وإلا لو قلنا: بوجوب صلاة الجماعة، وهو القول الحق الذي لا مراء فيه، والأدلة عليه متظاهرة متكاثرة؛ لكن هذا على سبيل المناقشة يعني مع طلاب علم، وإلا تقرير المسألة مفروغ منها، وصلاة الجماعة واجبة، ولا يعذر منها إلا العاجز عنها.
((من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مساجدنا)) فنحن بين أمرين، إما أن نقول: إن صلاة الجماعة ليست بواجبة، أو نقول: إن الثوم والبصل حرام كما يقول ابن حزم؟ لأنه لا يمنع من صلاة الجماعة الواجبة إلا لأمر أعظم منه، والثوم والبصل لما ذكره النبي ﵊ كما في صحيح مسلم قيل له: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: ((أنا لا أحرم ما أحل الله)) ابن حزم لا شك أنها تضاربت عنده النصوص، وهو ممن يرى أن صلاة الجماعة شرط لصحة الصلاة، يعني أقوى مما يذهب إليه أهل التحقيق، فلا يمنع من الجماعة التي هي شرط لصحة الصلاة إلا لأمر محرم.
فالذي يقول بوجوب صلاة الجماعة هل يلزمه أن يقول: بتحريم أكل الثوم والبصل؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، يعني تركهما واجب إذاً أكلهما محرم، ولا يتم الإتيان لصلاة الجماعة إلا بتركهما، فتركهما واجب إذاً أكلهما محرم ضد الواجب؟
стр. 1115
وهل في مثل هذه النصوص ترخيص لمن فعل هذه المخالفات في ترك الجماعة؟ أو أنه تعزير وطرد له عن الجماعة؟ لكن لما خف الأمر في نفوس الناس كان هذا الأمر عظيم جداً عند المسلمين أن يطرد من المسجد، لكن لما خف الأمر عند كثير من المسلمين ظنوه ترخيص، وإلا لو كان جالساً في مجلس بين ملأ من القوم ثم قيل له: اخرج، هذا سهل عليه؟! هذا ليس بسهل عليه، فكيف يمنع من دخول المسجد ويرى الأمر سهل؟ هذا ليس بالسهل، إنما هو تعزير له، وعلى هذا فهذا ليس بصريح في الوجوب من قوله: ((فلا يقربن مصلانا)) كما أن قوله ﵊: ((من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مساجدنا)) ليس صريحاً في التحريم، وقد نص النبي ﵊ على الإباحة، ومع ذلك سماهما شجرتين خبيثتين، فهل وصفهما بالخبث يقتضي إدخالهما في قوله -جل وعلا-: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [(١٥٧) سورة الأعراف] أو أن الخبث يطلق بإزاء أمور متعددة؟ يطلق على الدون، على الأقل ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [(٢٦٧) سورة البقرة] يعني لو كان عندك تمر فاخر وتمر أقل منه، ثم أنفقت من الأقل، أنت منهي عن هذا؛ لكن ما في أجر إذا أنفقت؛ لكن هذا نهي إرشاد، يعني أنفق ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [(٩٢) سورة آل عمران] ومع ذلك لا تيمموا الخبيث الرديء، وإن كان نافعاً للمحتاج، بعض الناس يقصد الخبيث الرديء، يقصد الرديء ويكثر منه، يقول: بدلاً من أن أشتري مائة كيلو من التمر الجيد أشتري خمسمائة كيلو من التمر الوسط وأنفع أكبر قدر من الفقراء، هذا مقصد حسن، هل نقول: أنه ترك الطيب ولجأ إلى الخبيث؟ المقصود أن مثل هذه الأمور لا شك أن هذه أحوال تنزل منازلها، فإذا رأينا أن المحتاجين أكثر من أن يحصر القدر الطيب فيهم ويعمهم نتوجه إلى ما هو أقل منه بحيث نكثر ونستوعب أكبر قدر من الفقراء، ومع ذلك هو خبيث بالنسبة لما فوقه، فالخبث نسبي وإلا فهو طيب حلال، داخل في ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [(١٥٧) سورة الأعراف] يعني لو نظرنا إلى أسعار التمر مثلاً تجد بمائة ريال الكيلو، وكيلو بمائة ريال وتجد بريالين، وعندك أسر كثيرة
стр. 1116
محتاجة إلى التمر، تقول: أنا معي ألف ريال، نقول لك: اشترِ عشرة كيلو، ووزعهم على تمرة واحدة، أو اشترِ خمسمائة كيلو ووزع على الجميع شيء يكفيهم مدة، لا شك أن هذا مطلوب، الموازنة مطلوبة، فالخبث هنا نسبي.
أدلة القائلين بعدم الوجوب:
استدل من قال بعدم وجوبها وهم الجمهور بأدلة، منها:
ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أم سلمة أن النبي ﷺ قال: ((إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً)).
وفي لفظ عند مسلم أيضاً: ((إذا دخل العشر وعنده أضحية يريد أن يضحي فلا يمس شعراً، ولا يقلمن ظفراً)) وفي لفظ له عنها: ((إذا أراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره)) ووجه الاستدلال من حديث أم سلمة بألفاظه أن الأضحية موكولة إلى إرادة المضحي؛ لكن هل الحكم سيق لبيان حكم الأضحية، أو سيق لحكم ما يحتف بها من مقدماتها؟ يعني لو كان نص لمجموعة من الناس فيهم الذي حج، وفيهم الذي لم يحج الفرض، وقيل لهم: من أراد منكم أن يحج فليحتط لنفسه؛ لأن الجو بارد، هل في هذا ما يدل على أن الحج ليس بواجب؟
طالب: لا.
ما يدل على أن الحج ليس بواجب، فكونه موكول إلى إرادته ما سيق لبيان حكم الأضحية، الجمهور يستدلون بهذا الحديث، قالوا: إن الأضحية موكولة إلى إرادة المضحي، ولو كانت واجبة لما كانت كذلك، يقول النووي نقلاً عن الإمام الشافعي: "هذا دليل على أن التضحية ليست بواجبة لقوله: ((وأراد)) فجعله مفوضاً إلى إرادته ولو كانت واجبةً لقال: "فلا يمس من شعره حتى يضحي" لكن هل السياق فيه دلالة صريحة على عدم وجوب الأضحية؟ ما في دلالة صريحة؛ لأن الخبر ما سيق لذلك، وهذه المسألة، مسألة الدلالة الأصلية، والدلالة التبعية، الدلالة الأصلية يجمع أهل العلم على أنها هي المعتبرة، ولا ينازع فيها أحد؛ لكن الدلالة التبعية يختلفون فيها اختلاف قوي، والشاطبي في الموافقات بسط المسألة، وقرر أنه لا يستدل بها، مع أن الكلام في القبول والرد بالإطلاق لا يسوغ.
стр. 1117
يعني من أمثلة هذه المسألة حديث: ((إنما مثلكم ومثل من قبلكم كمثل رجل استأجر أجيراً من أول النهار إلى منتصفه بدينار، ثم استأجر أجيراً من الزوال إلى وقت العصر بدينار، ثم استأجر أجيراً من العصر إلى المغرب بدينارين، فاحتج أهل الكتاب فقالوا: نحن أكثر عملاً، وأقل أجراً)).
يستدل به الحنفية على أن وقت صلاة العصر يبدأ من مصير ظل الشيء مثليه، هل الحديث سيق لهذا؟ ما سيق لهذا، كيف يتم الاستدلال للحنفية؟ قالوا: اليهود عملوا من أول النهار إلى المنتصف، هذا ما فيه إشكال هذا أكثر؛ لكن عمل النصارى من الزوال إلى وقت العصر، وعمل المسلمين من وقت العصر إلى الغروب لا بد أن يكون عمل النصارى أكثر ليتم صدق القول بأنهم أكثر عملاً، فلا بد أن يكون الظهر أطول من العصر، وعلى هذا فالعصر يبدأ من مصير ظل الشيء مثليه، ومع ذلكم الحديث ما سيق لهذا، ومعارض بأدلة صحيحة صريحة تدل على المقصود، وأن وقت العصر يبدأ من مصير ظل الشيء مثله، معارض بأدلة صحيحة صريحة، ومع ذلكم الظهر حتى على القول بأن وقت العصر يبدأ من مصير ظل الشيء مثله أطول في كل زمان وفي كل مكان، لو حسبنا لو نظرنا التقويم وجدنا هذا.
هذه دلالة تبعية ما سيق الحديث من أجلها، فهل نستدل بهذا على هذا الحكم، فضلاً عمن يقول: أن عمر الأمة من هذا الحديث ألف وأربعمائة سنة، ثم يقول: إن مدة العالم سبعة آلاف سنة، والعصر مقداره خمس المدة خمس النهار، إذاً المدة خمس الألف، وما أدري إيش؟ ألف وأربعمائة سنة، يعني هل الحديث سيق لهذا؟ هذه دلالة تبعية وليست أصلية، وهذه مما يختلف فيها أهل العلم.
стр. 1118
فهل الحديث ((إذا دخلت العشر وأرد أحدكم أن يضحي)) هو سيق لبيان حكم الأضحية، أو لبيان حكم آخر؟ ومع ذلكم الأدلة يأتي منها الدليل الواحد بل الجملة الواحدة ما يستنبط منها عشرة أحكام، وهذا واضح من صنيع أهل العلم في التفاسير يستنبطون من الآية الواحدة أحكام كثيرة، شيء جاء بالأصالة، شيء دلالته على المراد كالشمس، ومنها ما دلالته أخفى، إلى أن يصل إلى الدلالة التي لا تلوح لكل أحد، فالدلالة التبعية لا شك أنها معتبرة ما لم تعارض بما هو أقوى منها، يعني لو لم يرد في الباب في وقت صلاة العصر شيء إلا هذا الحديث التمسناه؛ لكن ورد أحاديث صحيحة صريحة تحدده بدقة من أوله إلى آخره، فلسنا بحاجة إلى هذه الدلالة التبعية.
стр. 1119
من الأدلة ما رواه البيهقي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: ((هن علي فرائض، وهن لكم تطوع، النحر والوتر وركعتا الضحى)) لكن إسناده ضعيف، وقال النووي في الشرح المهذب: "صح عن أبي بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما- أنهما كانا لا يضحيان، مخافة أن يعتقد الناس وجوبها" وجوب الأضحية، يقول النووي: "صح عن أبي بكر وعمر -رضي الله تعالى عنهما- أنهما كانا لا يضحيان مخافة أن يعتقد الناس وجوبها" هل هذا سائغ من الشيخين؟ أو هما إمامان إماما هدى وقدوة للناس، يعني لو لم يتركها أبو بكر ولا سَنة، ولم يتركها عمر ولا سَنة ظن الناس وجوبهما، وقد أمرنا بالاقتداء بهما؟ لا شك أن مثلهما في مقامهما قد يكون الترك أفضل في حقهما، أما في حقه ﵊ إذا ترك هذا واضح لبيان الجواز، ومقام أبا بكر وعمر وقد صح عنهما ذلك أيضاً هما قدوة، وقد أمر النبي ﵊ بالاقتداء بهما، وكونها سنة مؤكدة لا شك أنه قد يعرض للمفوق وهو الترك ما يجعله فائقاً، لا سيما إذا وجدت قرائن تدل على أن بعض الناس يرى الوجوب، يعني مثل ما جاء في أنواع النسك، بعض الصحابة ترك الفاضل إلى المفضول لبيان أنه جائز، وليس هذا لكل أحد، شاب في الثانوي أو في السادسة عشر من عمره، جالس ما صلى على الجنازة في المسجد الحرام، فلما قيل له: قال: لبيان الجواز؛ لئلا يعتقد وجوبها، هذا الحرمان بعينه، هذه مسألة واقعة ورده بالحرف؛ لكن هل يؤخذ من مثل هذا، أو يقتدى به، أو يلتفت إليه؟ بينما مثل أبي بكر وعمر لا شك أنهما قدوة، قدوة للناس، فلو لم يتركها أبو بكر ولا عمر ولو مرة واحدة يبينان فيها الجواز؟ لا شك أن فعلهما ينظر إليه من قبل الأمة، وهما إماما هدى، والنووي ﵀ صحح ما ذكر عنهما.
قال ابن حجر في فتح الباري: "قال ابن حزم: لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة، وصح أنها غير واجبة عن الجمهور، ولا خلاف في كونها من شرائع الدين".
стр. 1120
واستدل المجد ابن تيمية في المنتقى على عدم الوجوب بتضحية الرسول ﷺ عن أمته، وذكر حديث جابر -رضي الله تعالى عنهما- قال: "صليت مع رسول الله ﷺ عيد الأضحى، فلما انصرف أتي بكبش فذبحه" فقال: ((باسم الله والله أكبر، هذا عني وعن من لم يضحِ من أمتي)) رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
وأيضاً ذكر حديث علي بن الحسين عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أتي بأحدهما، وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: ((اللهم هذا عن أمتي جميعاً، من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ)) ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه، ويقول: ((هذا عن محمد وآل محمد)) فيطعمهما جميعاً المساكين، ويأكل هو وأهله منهما، يقول: فمكثنا سنين ليس لرجل من بني هاشم يضحي، قد كفاه الله المئونة برسول الله ﷺ " رواه الإمام أحمد.
يقول الشوكاني في شرحه نيل الأوطار: "ووجه الدلالة من الحديثين على عدم الوجوب أن تضحيته ﷺ عن أمته وعن أهله تجزئ كل من لم يضحِ، سواءً كان متمكناً من الأضحية أو غير متمكن، ثم تعقبه بقوله: ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن حديث: ((على كل أهل بيت أضحية)) يدل على وجوبها على كل أهل بيت يجدونها، فيكون قرينةً على أن تضحية رسول الله ﷺ عن غير الواجدين من أمته".
فقوله: ((من لم يضحِ)) يعني مع عدم القدرة، أما القادر فلا يعفى عنها، على كل حال مما تقدم يتضح أن أقوى الأدلة للقائلين بالوجوب الآية: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [(٢) سورة الكوثر] وحديث جندب بن سفيان ((فليعد)) ((وليذبح)) لا شك أن اللام لام الأمر، والأصل في الأمر الوجوب.
وأقوى أدلة المخالفين رد أمر التضحية إلى إرادة المضحي، كما في حديث أم سلمة عند مسلم وغيره، ولا شك أن المسألة في الطرفين محتملة.
طالب: لماذا لا يكون قول النبي ﷺ ((فليعد)) ((وليذبح)) لأنه عين الأضحية؟
لا، قال: ((من ذبح قبل صلاة الإمام فليعد)) غير قصة أبي بردة بن نيار، غيرها.
стр. 1121
وإذا كان الأمر كذلك فالمرجح قول الجمهور؛ لأن الأدلة تكاد تكون متكافئة، ومع ذلك إذا كانت المسألة بهذه المثابة فلا يلزم المسلم إلا بملزم، والأصل براءة الذمة، وعلى هذا على المسلم أن يحرص على هذه الشعيرة، لا سيما وأنه قيل بوجوبها، والأدلة قابلة للنظر، إبراءً لذمته، وخروجاً من الخلاف.
وترجم الإمام البخاري ﵀: باب سنة الأضحية، وقال ابن عمر: "هي سنة ومعروف"، إذا عرفنا ذلك فقد استثنى الإمام مالك الحاج بمنى، وقال: "لا تسن له الأضحية؛ لأن ما يذبحه هدي لا أضحية" واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ففي الاختيارات: "ولا تضحية بمكة، وإنما هو الهدي".
لا تضحية بمكة، هل المقصود مكة الحاج؟ أو ممن وجد في مكة وقت الأضحية؟ وإذا أهدى غير الحاج إذا أهدى للبيت هو غير حاج، شيخ الإسلام يقول: "ولا تضحية بمكة، وإنما هو الهدي" يعني هل كلام شيخ الإسلام على عمومه أن كل من وجد بمكة لا أضحية عليه؟ أو أن المراد به الحاج، كما قال مالك؟ استثنى مالك الحاج بمنى، وقال: "لا تسن له الأضحية؛ لأن ما يذبحه هدي لا أضحية"؟
ويمكن التوفيق بين القولين أن من كان بمكة ممن يريد الهدي من الحاج، وعلى هذا لو حج مفرداً، ولا هدي عليه، لا واجب ولا تطوع، يضحي وإلا ما يضحي؟ مالك وشيخ الإسلام ما تركوا الأضحية إلى غير بدل، وإنما تركاها لبدل وهو الهدي، فالحاج مفرداًً نقول: والله شيخ الإسلام الحاج ما عليه أضحية فلا تضحي، وهو لا يهدي لا واجب ولا مستحب، أو تبقى أدلة الأضحية في محلها؟ وإنما إذا أهدى سقطت عنه الأضحية؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 1122
أدلة الأضحية في محلها، الأدلة الدالة على استحبابها استحباباً مؤكداً في محلها، فإن أراد أن يهدي سواءً كان هديه واجب، كهدي التمتع والقران، أو مستحب، كما يساق إلى البيت من غير إيجاب، فإن هذا تسقط عنه الأضحية، هذا كلام شيخ الإسلام، وقبله الإمام مالك، خالفهم جميع أهل العلم، أو جماهير أهل العلم نظراً لعموم أدلة الأمر بالأضحية في الحاج وغيره، ولبعض النصوص المصرحة بمشروعية الأضحية للحاج بمنى، وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه: باب الأضحية للمسافر والنساء، وذكر حديث عائشة ﵂ أن النبي ﵊ دخل عليها، وحاضت بسرف، يعني وقد حاضت بسرف، قبل أن تدخل مكة، وهي تبكي، فقال: ((ما لك؟ أنفست؟ )) قالت: نعم، قال: ((إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاقضي ما يقضي الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)) فلما كنا بمنى أتيت بلحم بقر، تقول عائشة: "أتيت بلحم بقر" فقلت: ما هذا؟ قالوا: ضحى رسول الله ﷺ عن أزواجه بالبقر"، يعني تمسك بقوله: "ضحى رسول الله ﷺ عن أزواجه بالبقر" من يقول: بأن الأضحية مشروعة للحاج بمنى، يعني ولو أهدى، ولو أهدى يضحي، وهذا في الصحيحين، أخرجه مسلم بلفظ: "أهدى" بدل "ضحى"، قال ابن حجر: "الظاهر أن التصرف من الرواة" يعني التصرف بين أهدى وضحى إنما هو من الرواة؛ لأنه ثبت في الحديث ذكر النحر فحمله بعضهم على الأضحية، فإن رواية أبي هريرة صريحة في أن ذلك كان عمن اعتمر من نسائه، فقويت رواية من رواه بلفظ: "أهدى" وتبين أنه هدي التمتع، فليس فيه حجة على مالك في قوله: "لا ضحايا على أهل منى" وتبين توجيه الاستدلال به على جواز الاشتراك في الهدي والأضحية، إلى آخره.
الآن في الحديث المخرج في البخاري: "ضحى رسول الله ﷺ عن أزواجه بالبقر" يعني تمسك بهذا الجماهير فقالوا: أن الأضحية إضافة إلى النصوص العامة التي وردت في الأضحية، أن الحاج بمنى يضحي، أخذاً من لفظ: "ضحى"، اللفظ الثاني وهو عند مسلم: "أهدى" فلا يكون في الحديث دليل، وتبقى النصوص العامة على وضعها.
стр. 1123
إذا عرف هذا فليس في الحديث ما ينفي التضحية، يعني إذا لم يكن به ما يثبت التضحية؛ لأنه ورد بدل "ضحى" "أهدى" إذا كان لا يوجد فيه ما يثبت التضحية فليس فيه ما ينفي التضحية، لعدم ذكرها، فتبقى على حكمها المبين في النصوص الأخرى، كما قال الجمهور، طيب إذا أراد أن يضحي ويهدي يجمع بينهما، بناءً على قول الجمهور؟ أراد أن يضحي ويهدي ويذبح عقيقة عن ولده أو بنته، عندنا ثلاثة أشياء، هدي وأضحية وعقيقة، اجتمعت في يوم واحد، أراد أن يهدي، وينويها أضحية وعقيقة في الوقت نفسه، يصح وإلا ما يصح؟
طالب: ذبيحة واحدة؟
ذبيحة واحدة.
طالب: ما يصح.
يصح وإلا ما يصح؟ الهدي هدي تطوع ساقه من الحل أهداه للبيت من غير إيجاب، وقال: تدخل فيها، واليوم السابع ولدت له بنت في اليوم الرابع من الحجة، وقال: هذا اليوم السابع نذبح واحدة تكفي عن ثلاث.
طالب:. . . . . . . . .
طيب ننظر في قواعد ابن رجب يقول ﵀: "إذا اجتمعت عبادتان من جنس واحد ليست إحداهما مفعولة على جهة القضاء، ولا على طريق التبعية للأخرى في الوقت تداخلت أفعالهما، واكتفى فيهما بفعل واحد، وهو على ضربين: أحدهما: أن يحصل له بالفعل الواحد العبادتان جميعاً، بشرط أن ينويهما جميعاً على المشهور، الثاني: أن يحصل له إحدى العبادتين، وتسقط عنه الأخرى، ولذلك أمثلة: فذكر منها:
إذا اجتمع عقيقة وأضحية، فهل تجزئ الأضحية عن العقيقة أم لا؟ على روايتين منصوصتين:
وفي معناهما لو اجتمع هدي وأضحية، واختار الشيخ تقي الدين أنه لا تضحية بمكة، وإنما هو الهدي.
وتقدم المراد من قوله: "بمكة" أنه ليس المراد به الموجود بمكة، ولا يريد هدي ولا أضحية، ولا شك أن حضور المسجد الحرام له دخل في التخفيف، لما ذكر هدي التمتع قال: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة] يعني كون الإنسان بمكة من أهل المسجد الحرام ومن حاضريه لا شك أن هذا له دخل في التخفيف.
الآن اجتمع عندنا عبادات من جنس واحد، وكلها مؤداة، لا مقضية، وليست واحدة منها تبع للأخرى، يقول: "تداخلت أفعالهما، واكتفي فيهما بفعل واحد".
стр. 1124
"أحدهما: أن يحصل له بالفعل الواحد العبادتان جميعاً بشرط أن ينويهما على المشهور" هذا إذا حصل له بالفعل الواحد العبادتان يكون أجره أجر من فعل الأمور كلها، "الثاني: أن يحصل له إحدى العبادتين" يحصل له الهدي، وتسقط عنه الأضحية، وتسقط عنه العقيقة، وحينئذ لا يحصل له إلا أجر الهدي؛ لكن لا يطالب بأضحية، ولا يطالب بعقيقة، "أن يحصل له إحدى العبادتين، وتسقط عنه الأخرى، ولذلك أمثلة" فذكر منها إذا اجتمع عقيقة وأضحية، وقل أيضاً: هدي، فهل تجزئ الأضحية عن العقيقة أم لا؟ على روايتين منصوصتين يعني عن الإمام أحمد، وفي معناهما لو اجتمع هدي وأضحية، واختار الشيخ تقي الدين أنه لا تضحية بمكة وإنما هو الهدي، بعض الناس يكون عنده عقيقة فيؤجلها يقول: أتركها حتى يأتي ضيف، فإذا جاء ضيف استضافه، وأصر عليه أن يلبي الدعوة، وذهب واشترى من السوق شاة، وقال: اللهم هذه عن فلانة بنته، ويكرم بها الضيف، تجزئ وإلا ما تجزئ؟
طالب:. . . . . . . . .
يعني إذا دلت القرينة على أنها عقيقة وإن صرح بها عند الضيف هذا لا إشكال فيه، قال: والله هذه عقيقة، أو حينما عرض عليه قال: عندنا عقيقة، هذه ما فيها إشكال؛ لكن إذا أظهر للضيف ولمن جاء معه أن هذا إكراماً لهم؟ يأتي ((من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)) السياق سياق ذم؛ لأنه يظهر للناس خلاف الواقع، يظهر للناس أنه كريم، يظهر للشخص ومن معه أنه أكرمه، مثل هذه الصورة في إجزائها نظر؛ لكن لو قال له: إن هذه عقيقة، ودعاه ودعا غيره لحضورها هذا لا إشكال فيه، يعني إذا دلت القرينة على أنها ما ذبحت من أجله، جاء ضيف في يوم عيد النحر ليلة الحادي عشر، فقدم له ذبيحة على الطعام، هل في مثل هذه الحالة يحتاج أن يقول: هذه أضحية؟ ما يحتاج؛ لأن القرائن تدل على أنه مضحي اليوم والحمد لله وقدمناها، مثل هذه القرينة تدل على أنه ليس من باب إنما ذبحت لإكرامه، فإذا دلت القرائن كفت وإلا فلا بد من أن يصرح من أنها ليست له، هذه عقيقة، وإن لم يصرح ففي إجزائها نظر.
الأصناف التي تجزئ في الأضحية:
стр. 1125
يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في الهدي -ما هو بالهدي الذي يذبح يهدى للحرم، لا، كتابه اسمه: زاد المعاد في هدي خير العباد، وأهل العلم يختصرونه بالهدي-: "الأضحية والهدايا والعقيقة مختصة بالأزواج الثمانية المذكورة في سورة (الأنعام) ولم يعرف عنه ﷺ ولا عن الصحابة هدي، ولا أضحية، ولا عقيقة من غيرها، وهذا مأخوذ من القرآن من مجموع آيات:
إحداها: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [(١) سورة المائدة] والثانية: قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [(٢٧) سورة الحج] والثالثة: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [(١٤٢ - ١٤٣) سورة الأنعام] ثم ذكرها، الرابعة: قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [(٩٥) سورة المائدة] فدل على أن الذي يبلغ الكعبة من الهدي هو هذه الأزواج الثمانية، وهذا استنباط علي بن أبي طالب ﵁".
وهذا أمر مجمع عليه، إلا ما حكي عن الحسن بن صالح أنها تجوز التضحية ببقرة الوحش عن عشرة، والضبي عن واحد، وروي عن أسماء أنها قالت: "ضحينا مع رسول الله ﷺ بالخيل" وما روي عن أبي هريرة أنه ضحى بديك، يعني يذكر عن أبي هريرة، وحديث أسماء لا يصح، وما يذكر عن الحسن بن صالح هذا اجتهاده، وما يذكر عن أبي هريرة أنه ضحى بديك أيضاً لا يثبت عنه.
أثيرت مسألة التضحية بالدجاج قبل بضع سنين ثلاث سنوات أو أربع في جهة من الجهات، واستدلوا بهذا، استدلوا بقول من يقول: "إنها غنم المساكين" نعم المساكين يأكلونها مع طعامهم لا شك، وهي غنمهم، الذين لا يجدون الغنم ولا الإبل؛ لكن لا يضحون بها، وليس من هديه ﵊ التضحية بهذا النوع، على كل حال الإجماع قائم على أن الأضحية لا تكون إلا من الإبل والبقر والغنم.
وقت الذبح:
следующие страницы →