Полный текст (1 191 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
-﵀ خرج حديث ابن عمر: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) ومالك يقول: لا خيار، بلغه، ورواه، وخرجه، وروي الحديث من طريقه، هل نقول الإمام مالك مبتدع، لأنه ما أثبته الخبر هو تأول الخبر، ما قال نعم الحديث صريح في خيار المجلس ولا أرى خيار المجلس، هذا مصادمة للنبي ﵊، فمثل هذه خطر عظيم جداً، ولا يمكن أن يقول الإمام مالك أو غير مالك بهذا القول، الإمام مالك تأول الخبر، يعني ما لم يتفرقا، بالكلام، وابن حزم يرد على مالك وأبي حنيفة في تأويل هذا الخبر، أنه لا بيع قبل التفرق بالكلام، والحديث يثبت البيع، والبيِّع والبيِّعان، أو يكون بيعين وهما لم يتفرقا في الكلام ما تم الإيجاب والقبول، هل يسمى بيع، ما يسمى بيع، فقولهم ضعيف مرجوح، ولهذا قال ابن أبي ذئب ينبغي أن يستتاب مالك، لماذا؟ لأن تأويله للخبر ضعيف، نعم هو متأول وله أدلة أخرى يدعم بها قوله، ويرى أن الحديث معارض بأدلة أخرى، وهو إمام من أئمة المسلمين، نجم السند وإمام دار الهجرة لا أحد يطعن فيه، لكن مع الأسف يوجد ممن يناقش الأئمة في مثل هذه المسائل، ويأتي بالألفاظ البشعة، كأن يقول: وبهذا قال مالك فأين الدليل؟ وأحياناً يقول: هذا قول من لا يؤمن بيوم الحساب، أو يقول: هذا قول فلان وهو لا يساوي رجيع الكلب، هل هذا من أدب المسلم فضلاً عن طلبة العلم، فضلاً عن أهل العلم، الخلاف له أدب، والقول لا يمكن أن يقبل بهذه الطريقة مهما كانت قوته، لأن النفوس لها حرم ينبغي مراعاتها، والرفق ما دخل في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه، وأنت تنظر تناقش إمام كبير سواء كان من الموجودين أو من المتقدمين، ينبغي أن تتأدب بأدب أهل العلم، عليك بالرفق، تناقش عالم من العلماء من المعاصرين، ترى أنه أخطأ، لكن أن تناقشه بأدب إن كنت نداً له فلا مانع من أن تبسط المسألة بأدلتها وتلزمه بقبولها ما لم يجب عنها، لكن إذا كنت طالب وهو شيخ، فلا تأتي بأسلوب تدخل إلى قلب الشيخ ليسمع لك، وبالمقابل هو أيضاً مخاطب بأدب آخر، وهو الوجوب والانصياع، لقال الله قال رسوله، لكن أنت أيضاً من أجل أن يقبل ما تأتي به، وأنت ترجو ثواب الله -جل وعلا-، بقبوله الحق، فأنت تعرض
стр. 352
ما عندك بالأسلوب المناسب، بعد أن تقدم بمقدمة بعد أن تبين له أنك استفدت منه، وأنه من أهل العلم والفضل وله فضل على الأمة، لكن هذه المسألة لو قيل فيها كذا؟ أو هل يثبت عنكم كذا؟ أو ما حجتكم في كذا؟ بالأسلوب المناسب اللطيف من أجل يقبل، لأنك تخاطب عالم، ما تخاطب إنسان عادي، ولا شك أن النفوس لها الحرم، وينبغي مراعاة هذه الحرم.
المسائل الفرعية منها ما حصل عليه الإجماع، كالأمور المعلومة بالضرورة من دين الإسلام، فهذه لا يسوغ الخلاف فيها، ولا يجوز الخلاف فيها، بل بعضهم أو كأنهم يطبقون على أن من أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة أنه يكفر، يعني لو قال: بتحريم الخبز مثلاً، ولا تأويل له سائغ، يعني لو قال: هذا خبز، لا يجوز حرام أكله، طيب ليش حرام؟ قال: فيه تعفين معفن، فهو ضار، نقول: نعم هذه مقبولة، لكن خبز لا ضرر فيه نظيفة لا إشكال فيه أو تمر لا يضر، إذا حرمه، قد ثبتت النصوص القطعية بإباحته عند أهل العلم يكفي، نقول: مثل هذا لو أباح أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، لو أباح الزنا أو أباح شرب الخمر وهو ممن لا يخفاه مثل هذا فإنه يحكم بكفره عند أهل العلم، وإن كانت مصنفة ضمن المسائل الفرعية.
стр. 353
الفروع الاجتهادية التي قد تخفى أدلتها، هذه المسائل وهذه الفروع الخلاف فيها واقع في الأمة قديماً وحديثاً، ولن يرتفع مثل هذا الخلاف، خلاف واقع بين الصحابة، كاختلاف الفهوم أو فيما يتعلق بالأدلة على ما سيأتي هذا الخلاف موجود، ولا تثريب على من خالف ويعذر المخالف حينئذ لخفاء الأدلة أو لتعارضها أو لاختلاف ثبوتها كما سيأتي التفصيل، لكن من ترجح عنده قول بدليله لا يسوغ له مخالفته، بل عليه أن يعمل بما ترجح عنه وما يدين الله به، معتمداً على الدليل الذي هو عمدة المسألة يقول شيخ الإسلام: لا شك أن ما يحتاج المسلمون إلى معرفته فإن الله -جل وعلا- نصب على الحق فيه دليلاً، ما يحتاج المسلمون، يحتاج المسلمون إلى معرفته، هذا لا شك أن الله -جل وعلا- قد نصب على الحق فيه دليلاً، لكن هذا الدليل المنصوب، لمعرفة الراجح من المرجوح قد يدركه بعض أهل العلم دون بعض، وهذا لتعظم الأجور المرتبة على الاجتهاد، وإلا لو كانت المسائل كلها أدلتها قطعية لا تحتمل ما صار للاجتهاد مجال التي رتبت عليه الأجور ورفع بسببه درجات أهل العلم.
أسباب الخلاف: شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- له رسالة في الباب أسماها رفع الملام عن الأئمة الأعلام، وهي مطبوعة مرات وتداولها الناس ويتداولها أهل العلم وطلاب العلم، وهي جديرة وحرية بالعناية والاهتمام من قبل طلاب العلم، وهناك كتب أخرى في الباب منها الإنصاف في التنبيه على أسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم، لأبي محمد عبد الله بن محمد بن السيد بطليوسي الأندلسي توفي سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، وهناك أيضاً الإنصاف في بيان أسباب الخلاف للدهلوي، وهناك مشاركات للمعاصرين أيضاً جمعوا فيها من أقوال المتقدمين ما ينفع في هذا الباب، إذا اطلعنا على هذه الكتب عذرنا الأئمة ولذا يقول شيخ الإسلام في كتابه الذي سماه رفع الملام عن الأئمة الأعلام، فاللوم مرفوع عنهم.
стр. 354
يمكن تلخيص الأسباب التي جعلت أهل العلم يختلفون في كثير من المسائل، منها: عدم بلوغ الدليل، هذا دليل ثابت عن النبي ﷺ بلغ أحمد ولم يبلغ أبا حنيفة فعمل به أحمد ولم يعمل به أبو حنيفة، أو العكس، وأبو موسى لما استأذن على عمر ثلاث ثم انصرف وخرج إليه فدعاه، فقال: ما لك انصرفت، قال: فأورد حديث الاستئذان ثلاثاً، الحديث خفي على عمر، وعمر آلم من أبي موسى، وألصق بالنبي ﷺ من أبي موسى لا شك أن الكبير قد يخفى عليه ما يدركه الصغير، وأهل العلم إنما يكلفون بما بلغهم، قد يبلغه الخبر ولا يبلغه ناسخه، قد يبلغه الخبر ولا يبلغه مخصصه، قد يبلغه الخبر ولا يبلغه مقيده، قد يبلغه الخبر لكن يفهم منه غير ما فهمه العالم الآخر، "عرفة كلها موقف وارفعوا عن بطن عرنة" الجمهور على أن بطن عرنة أنها ليست من عرفة، والوقوف فيها غير مجزئ وعند المالكية أنها من عرفة والوقوف فيها مجزئ، وكلهم يستدلون بهذا الحديث كلهم بلغهم الخبر، كيف يستدلون أحدهم يقولون: لا يجزئ، وأحدهم يقول: يجزئ، والدليل واحد، ارفعوا عن بطن عرنة، الذين يقولون أنه ليس من عرفة، والوقوف لا يجزئ فيه قالوا النهي، ارفعوا، الأمر بالرفع، ومقتضاه النهي عن الوقوف فيه، فدل على أنه ليس من عرفة، لأن عرفة كلها موقف، لأنه لو كان من عرفة لكان جزءا منها وعرفة كلها موقف، ولو كان منها لما أمرنا بالرفع عنه، والمالكية يقولون: لا، الدليل هذا الخبر، لأنها لو تكن من عرفة، لما كان هناك داعي لذكرها أصلاً، يعني هل قال: ارفعوا عن منى، ارفعوا عن مزدلفة، ما قال هذا، فلو لم تكن من عرفة لما كان لذكرها داعي، هذا سببه الاختلاف في فهم الحجة، الاختلاف في فهم الحجة، لكن ينبغي أن يكون الفهم مقيد، بفهم من، بفهم الصحابة، بفهم أهل العلم، الذين لهم خبرة ودربة ومعرفة ومزاولة، ومعاناة للنصوص، يأتي شخص غريب لا يحفظ شيء من النصوص، ولم يتعامل مع النصوص لا من قريب ولا من بعيد، وليس له فيها قبيل ولا دبير، ثم يأتي يقول: أيش المانع أنا أفهم منها مثلما يفهم الأئمة؟ نقول: لا، هل يعتد بفهم من يقول يجوز دفع الزكاة لمن يملك الملايين التي ضاقت بها البنوك؟ لكنه مقصر
стр. 355
على نفسه، لأنه محروم، ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [(٢٥) سورة المعارج] هذا محروم، ندفع له الزكاة، هذا فهمك القاصر، مثل هذا يسوغ فهمه للنصوص، ويعمل بمقتضى فهمه أو يُعمل به؟ أبداً، تعلم أولاً: ثم بعد ذلك افعل، وأقول مثل ذلك في نصوص كثيرة يتداولها الكتاب الآن يفهمون منها غير ما فهمه سلف هذه الأمة وأئمتها، ويبقى أنه قد يوجد من يفهم من النص ما قد خفي على من قبله، قد يوجد ((رب مبلغ أوعى من سامع)) لكن فهم سلف هذه الأمة عليه المعول، ومن جاء بفهم لم يفهمه من تقدم، لا شك أنه مخالف وسالك غير سبيل المؤمنين، النزاع في ثبوته، بلغ الخبر جميع الأئمة، واشتهر الخبر في الأوساط العلمية، لكنهم اختلفوا منهم من يقول هذا الخبر ثابت، ومنهم من يقول: الخبر ضعيف، يختلفون في ثبوته، يستدل على وجوب أمر من الأمور، بحديث يضاف إلى النبي ﵊، فيناقش من ينفي الوجوب، ويقول: بالإباحة، فيقول له: الدليل قول النبي ﷺ كذا، فيقول: يا أخي نعم أنا ما خفي علي هذا الدليل، لكن الحديث ضعيف في فلان، أو سنده منقطع، أو معارض بما هو أقوى منه، أو متنه مشتمل على شذوذ أو علة، وغير ذلك من وجوه الضعف المعتبرة عند أهل العلم، فقد يبلغ الخبر لكن ينازع في ثبوته، قد يسلم بثبوته، لكنه يعارضه بأدلة أخرى كما هو موقف الإمام في حديث: ((البيعان بالخيار)) قد يعمل من العلماء بحديث صحيح صريح، ثم يعارضه غيره بدليل صحيح صريح مدعياً أن دليله ناسخ لدليل الآخر، وقد يكون الأمر كذلك، فيستدل الحنابلة على أن الحجامة تفطر، أفطر ((الحاجم والمحجوم)) حديث شداد بن أوس، يرد عليهم الشافعية، بأن النبي ﵊ احتجم وهو صائم، ورأوا أن هذا متأخر لأنه في حجة الوداع، وذاك عام الفتح، المقصود أن مثل هذه الأمور معاذير لأهل العلم في خلافهم، قد يقول قائل: النبي ﵊: ((الماء من الماء)) فلا غسل إلا بالإنزال، وكان هذا في أول الأمر، لكن يعارضه من يقول: أنه بمجرد الجماع ولو لم ينزل، يجب الغسل، إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل، يعني ولو لم ينزل،
стр. 356
فهذا ناسخ لذاك، ومن لم يبلغه الناسخ أو أمكنه أن يجمع بينهما، قد يعمل بالخبر الأول، أو يجيب عن الحديث الثاني، إذا أمكن الجواب اعتقاد التخصيص ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) فيتيمم على ضوء هذا الخبر بجميع ما على وجه الأرض، ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)) يستدل المخالف بأنه لا يتيمم إلا بالتراب برواية: ((وجعلت تربتها لنا طهوراً)) وفي هذا تتباين الأنظار، هل هذا تخصيص أو تقييد؟ فإذا قلنا تخصيص والتربة والتراب فرد من أفراد الأرض، قلنا: أن ورود الخاص في مثل هذا الموضع بحكم موافق لحكم العام لا يقتضي التخصيص، وإنما يذكر الخاص للعناية بشأنه والاهتمام به، لكن إذا قلنا أنه تقييد، والتربة وصف من أوصاف الأرض، قلنا يحمل المطلق على المقيد، وهذا هو منشأ الخلاف، والمسألة في غاية الدقة، اعتقاد الخصوصية يستدل مستدل بعموم حديث النبي ﵊ لأمته فيأتي العالم الآخر فيقول: لا، هذا لا يتناوله، بل هذا خاص بالنبي ﵊ هذا خاص به بدليل أنه فعل بعد أن نهى، يقول مثلاً على سبيل المثال جاء في الحديث: ((غط فخذك، فإن الفخذ عورة)) وجاء عن النبي ﵊ حديث عنه في الصحيح: "حسر النبي ﷺ عن فخذه"، إذا قال: ((الفخذ عورة)) قال في الثاني: حسر النبي ﵊ عن فخذه، قال الأول هذا خاص بالنبي ﵊، بدليل أنه أمر بالتغطية، وفعل ما يخالف هذا الأمر فنحمله على الخصوصية، والخصوصية والحمل على اختصاصه بالحكم لا بد له من دليل، فينظر في الأدلة الأخرى هل فيها ما يثير غير مجرد فعله ﵊؟ وإذا نظرنا إلى المسألة مع النظر إلى الدليلين نظرنا إليها باعتبار أن تغطية الفخذ كمال أو نقص؟ كمال، هل يقال النبي ﵊ يتسامح معه في فعل النقص، ويطلب من الأمة الكمال، ممكن هذا؟ لا، لا يمكن، إذن هذا المسلك ضعيف، فنلجأ إلى مسلك آخر وأمور كثيرة تعتري هذه المسألة والاختلاف بين أهل العلم أمره كبير ومنشأه وسببه إما ما يرجع إلى النصوص بلوغها وفهمها وما يعارضها وما يوافقها أو الإجمال في الألفاظ، الإجمال في الألفاظ،
стр. 357
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [(٢٢٨) سورة البقرة] القرء: لفظ مجمل يتناول الحيض ويتناول الطهر، فاختلف العلماء هل المراد بالأقراء الأطهار أو الحِيَض؟ لأن هذا اللفظ مجمل يتناول هذا وهذا، فمنهم من رجح الطهر، ومنهم من رجح الحيض، بناء على هذا الإجمال، لاختلاف في القواعد، القواعد الأصولية، كل إمام عنده قواعد استنبطها من نصوص الشريعة، فقد تكون هذه القواعد، يندرج تحتها فروع كثيرة جداً، لكن يأتي من النصوص الخاصة لبعض المسائل المندرجة تحت هذه القاعدة، أو تكون هذه القاعدة معارضة بقاعدة مثلها.
من أسباب الخلاف:
من الأسباب التي نشأ عنها الخلاف بين أهل العلم اختلافهم في التقعيد، كل واحد من أهل العلم له قواعد يسير عليها، أهل البدع قعدوا قواعد من خلالها ردوا بعض النصوص، رد، وأهل العلم ممن هم على الجادة وجد بينهم الخلاف، وقعدوا قواعد أخذوها من النصوص الشرعية وهذه القواعد يختلفون فيها وبسبب اختلافهم في هذه القواعد اختلفوا في بعض الفروع المندرجة تحتها، فمثلاً يتفقون على أن القرآن أصل، وأن السنة أصل، والإجماع أصل، والقياس عند الجمهور أصل، لكن من لا يرى القياس مثلاً، ينازع في كثير من المسائل المثبتة بالقياس، أو بجميع المسائل المثبتة بالأقيسة، منهم من يرى قول الصحابي أصل، وغيره لا يراه أصل، فيستدل من يراه أصلاً بقول صحابي، ويخالفه الآخر بمعارضته بأن قول الصحابي لا يحتج به، منهم من يرى الاستحسان، منهم من يرى الاستصحاب، منهم من يرى العمل بالضعيف، ومنهم من لا يرى العمل بالضعيف، منهم من ينازع في الاحتجاج بالحديث الحسن في الأحكام، وبناء على هذا إذا استدل بخبر ضعيف من يرى العمل به يستدل به ويخالفه من لا يرى به، وقل مثل هذا في الحسن وغير ذلك من الأصول التي يعتمد عليها أهل العلم.
الإنكار والمراعاة في مسائل الاختلاف:
стр. 358
يطلق بعض العلماء أن مسائل الاختلاف لا ينكر فيها، لا إنكار في مسائل الاختلاف، وإنما الإنكار في المسائل التي اتفق عليها، بعضهم يطلق هذا كالنووي في شرح مسلم، والسيوطي في الأشباه والنظائر وغيرهم يطلقون، كثير ممن يصرح بهذا، لكن ما المراد بالخلاف الذي لا ينكر؟ المراد به الخلاف المعتبر المعتمد على نص، استثنوا من ذلك بعض الصور، منها: أن يكون القول بعيد المأخذ، بعيد المأخذ، فلا ينظر إلى الخلاف الشاذ، يعني عندك مثلاً الحنفية يقولون: المحلل مأجور، فاعل خير، أيش معنى المحلل؟ الذي ينكح زوجة المطلق ثلاثاً لتحل له، يقولون: هذا مأجور، فإذا وجدنا محلل على ضوء هذا ننكر عليه أو ما ننكر، لأن الحنفية خالفوا؟ الذي بلغه الخبر اللعن الذي بلغه اللعن، لا ينكر؟ ينكر، لأن هذا الخلاف مخالف لنص صريح، وهو قول شاذ، الخلاف الذي يرجح الحاكم أحد طرفيه، يعني في مسألة خلاف ثم يفتي بعض العلماء بأحد الأقوال ويتبناه الإمام، الحاكم، يرتفع الخلاف، ويقررون أن حكم الحاكم يرفع الخلاف، لكن شيخ الإسلام قد يقيد هذه القاعدة، يقيدها بما يعرفه الحاكم، ويكون له نظر في المسألة، أما الحاكم الذي ليس له نظر، ولا دخل في هذه المسألة هل حكمه يرفع الخلاف؟ افترضنا أن المسألة مختلف فيها، مسألة الطلاق أو شبهه، ثم جاؤوا إلى قاضي أهل للقضاء، فحكم بأحد القولين، نقول: هذا رفع الخلاف، نثبت الطلاق أو انتفى، لكن عندنا مسألة القرء، هل يراد به الحيض أو الطهر؟ ثم يأتي الحاكم وهو في هذه المسائل لا علم له، هل يرفع الخلاف، إذا قال لا، المراد بالقرء الحيض أو الطهر؟ شيخ الإسلام يقرر أنه علاقة له بهذه الأمور حتى يكون له نظر في هذه المسألة، الحاكم الذي يرفع قوله الخلاف حكمه يرفع الخلاف، هو الذي له نظر فيه، إذا عمل الناس في بلد ما على قول معتبر له دليله، ومشوا عليه ثم جاء من جاءهم ليريد أن يرفع هذا القول ويوجد فيهم شقاق ونزاع، وإن كان قوله معتبر، ومعمول به في جهات أخرى، مثل هذا لا يلتفت إليه، لا سيما إذا كان العمل هم على عمل فيه احتياط، فمثلاً قد يقول قائل: عندنا الحجاب تغطية الوجه في هذه البلاد هو المعمول به، وهو المعمول به في جميع أقطار المسلمين
стр. 359
قبل مائة عام، قبل أن يتسلط الاستعمار على المسلمين، هو المعمول به في جميع أقطار المسلمين تغطية الوجه، ثم يأتي من ينازع، ويقول: الوجه فيه خلاف مثل هذا الخلاف لا يلتفت إليه.
الخروج من الخلاف:
بعض العلماء يستحب الخروج من الخلاف، يرى استحباب الخروج من الخلاف، فإذا قال عالم: هذا الأمر محرم، وقال آخر: جائز، يقول: اترك هذا العمل خروجاً من الخلاف، وكثيراً ما يعللون بأن حكم هذه المسألة كذا، خروجاً من الخلاف، كيف خروجاً من الخلاف؟ هل الخروج من الخلاف دليل من الأدلة؟ لا، لكن دليل المخالف الذي لم يترجح لمخالفه يتركه المخالف من أجل دليله خشية أن يكون راجحاً، ولا سيما أنه إذا عمل به لا يعارض معه دليل صحيح صريح، التحري والاحتياط، التحري والاحتياط بعض الناس يقول نفعل هذا احتياطاً، في بعض المسائل لا يمكن الاحتياط فيها، طيب رضاع مشكوك فيه، قالت امرأة والله أنا رضعت فلانة، لكن لا أدري أنا رضعتها مرتين أو ثلاث أو خمس؟ هذا يمكن الاحتياط لا يتزوجها من له صلة بهذه المرأة، ومع ذلك لا تكشف له مراعاة لطرفي المسألة، وهذا يمكن فيه الاحتياط، ولهذا قال النبي ﵊: ((هو لك يا عبد بن زمعة، واحتجبي يا زمعة)) نعم، احتياط، لكن إذا أدى الاحتياط إلى ترك مأمور أو فعل محظور فشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يقول: "الاحتياط في ترك هذا الاحتياط".
هناك مسائل متعلقة بموقف القاضي والمفتي من مسائل الخلاف، القاضي حضر عنده خصوم يتبعون لإمام أنت تخالفه في مسألة الخصومة، زوج وزوجة على مذهب أبي حنيفة تزوجوا من غير ولي وأنت عاقد أتوا لتثبت هذا الزواج، وأنت ترى أن الولي شرط، تثبت أو ما تثبت؟ هم يتبعون لإمام معتبر تبرأ الذمة بتقليده، لكن أنت أيضاً تدين الله -جل وعلا- بما ترجح عندك في مثل هذا تلزمهم الولي، ولا تصحح هذا العقد إلا به، ولهذا يشترط الحنابلة والشافعية أن يكون القاضي مجتهداً، لئلا يضطرب ويتذبذب في مثل هذه المسائل والقضايا، ليحكم بمجرد مقتضى اجتهاده، وهو قول المالكية، وعند الحنفية يجوز أن يكون مقلداً.
стр. 360
الصلاة خلف المخالف في أحكام الصلاة مثلاً، عندنا مسائل عملية قاعدة، أنت تصلي وأنت ترى أن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة، ثم تصلي خلف واحد لا يطمأن في صلاته، وهو لا يرى الطمأنينة ركن، حينئذ لا تصلي ورائه لأنه أخل بما يبطل الصلاة في نظرك، فلا تصل خلفه، وليس له دليل بل الدليل يخالفه، لكن لو ارتكب هذا الإمام مبطل من مبطلات الصلاة في نظرك وله دليل سائغ، شخص لا يرى الوضوء من لحم الإبل، فصلى بالناس، تصلي وراءه وأنت ترى أن لحم الإبل ينقض الوضوء، تصلي وراء أو ما تصلي؟ دليله سائغ، تصلي وراءه، نعم، لكن الذي لا يرى الطمأنينة لا تصلي وراءه. إما يجهر بالبسملة أو يقنت في الصبح كالشافعية تصلي وراءه أو ما تصلي؟ تصلي وراءه، ولذا جاء في رسالة الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحم الله- الجميع، قال: ولا نصلي خلف الحنفية الذين لا يرون الطمأنينة، ونصلي خلف الشافعي الذي يجهر بالبسملة، ويقنت في الصبح، فالمسائل تختلف بلا شك، أيضاً الذي لا يرى الوضوء من الحجامة مثل من لا يرى الوضوء من لحم الإبل.
سئل الإمام أحمد عمن رأى الإمام قد احتجم ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ؟ أتصلي خلفه؟
стр. 361
فقال: كيف لا أصلي خلف مالك وسعيد بن المسيب، يعني أئمة لهم أدلتهم، فمراعاة الإمام للمصلين لمن خلفه، إذا كانوا يخالفونه في أحكام الصلاة، أهل العلم بعضهم يرى الارتباط الوثيق بين المأموم والإمام، فيقرر أن صلاة المأموم تبطل ببطلان صلاته إمامه، فتبعاً لهذا هل يراعي المأموم من خلفه؟ أو لا يراعيهم؟ عرفنا أن المأموم يصلي خلف الإمام وإن كان مخالفاً له في بعض المسائل دون بعض، لكن المأموم، المأموم لا يرى الجهر بالبسملة، الإمام لا يرى الجهر بالبسملة، وكلهم يرون الجهر بالبسملة، ماذا يصنع؟ يجهر أو ما يجهر؟ هل يراعي المأمومين أو ما يراعيهم؟ نقول: هذه المسألة سهلة والخلاف فيها سائغ، ولو راعاهم والخلاف شر كما تقدم عن ابن مسعود لا بأس، لكن إذا كانوا يرون يخل بالصلاة يراعيهم أو ما يراعيهم؟ لا يراعيهم، ولذا نقرر أن قاعدة الخلاف شر المأثور عن ابن مسعود ليست على إطلاقها، فتقبل في بعض المسائل دون بعض، والمسألة كبرى وتحتاج إلى دورة ما هو محاضرة، مسألة الخلاف وما يتعلق به لا سيما وأن الخلاف الآن على أشده ويفتي من خلال وسائل الإعلام من ليس بأهل للفتوى، وأطلع عوام المسلمين على الأقوال المخالفة، وعلى الشبه التي تقع في قلوبهم، وهم في قعر بيوتهم مثل هذا الموضوع يحتاج إلى عناية كبيرة، فلو أقيم له دورة ما هو بكثير، فأطلع العوام على الخلاف، فحصل عندهم شيء من الاضطراب، وكثير منهم نسب هذا الخلاف إلى اختلاف الدين، فيرون أن الدين تغير، وأن الدين عرضة لئن يغير، وأن يبدل هم لا يعرفون من أسباب الخلاف شيء التي يعذرون بها أهل العلم، فما دام العوام أطلعوا على الخلاف من حقهم أن يطلعوا على أسباب الخلاف بأسلوب يناسب عقولهم وإدراكهم.
الموقف ممن يفتي بغير علم أو بهوى أو ديدنه التساهل، أو ديدنه التشدد، المقصود أنه ليس على الجادة، الدين يسر، ولن يشاد أحد الدين إلا غلبه، لكن لا يعني هذا أننا نتنصل من الدين ونتتبع الرخص، لا، علينا بالدليل، فكل قول يسرده الدليل هو الذي يجب أن يعمل به، وهو الذي يفتى به.
стр. 362
مع الأسف أن القنوات وغيرها من وسائل الإعلام مكنت بعض الناس من القول على الله بغير علم وهذه كارثة، فليحذر أولئك الذين يفتون الناس بغير علم من المفتونين مما جاء بالفتوى والتقول على الله بغير علم، ولو لم يكن في ذلك إلا ما جاء في سورة الزمر، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ [(٦٠) سورة الزمر] هل يمكن أن يقول الذي يفتي بغير علم أنا ما كذبت على الله؟ ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [(١١٦) سورة النحل] بل يدخل في هذه المسألة دخولاً أولياً. وقد أخبر النبي ﷺ : ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً -ينتزعه من صدور الرجال- ولكن يقبضه بقبض العلماء)) نحن نرى تطاول بعض من لا علم عنده، أو من يتمكن ولم يرسخ قدمه في العلم، أو يفتي بهوى، نرى تطاوله بعد قبض بعض العلماء، فكيف لو قبض أهل العلم، ولم يبق إلا أمثال هؤلاء الذين يفتون بالهوى؟ نسأل الله السلامة والعافية.
منهم من يسلك مسلك التساهل، محتجاً بأن الدين يسر، ((ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)) وما خير النبي ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما، نعم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، لكن متى هذا؟ هذا في وقت التنزيل، الذي ينزل الآن الوحي بالتأييد واختيار النبي ﷺ شرع، لكن هل يختار أيسر القولين من ليس بمشرع؟ هذا مثلما ذكرنا، هذا تتبع للرخص، ومثل هذا يخرج من الدين بالكلية ولا يشعر، فمثل هؤلاء يجب أن يمنعوا من الفتوى، والتقول على الله بغير علم، والله المستعان.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
طيب نأخذ بعض الأسئلة:
سؤال: إذا لم يعجب بعض الناس فتوى من بعض العلماء قالوا: كل يؤخذ من قوله ويرد؟ فمن الذي يأخذ ويرد؟
стр. 363
الجواب: الذي يأخذ ويرد من له نظر، من لديه أهلية النظر في أقوال أهل العلم بأدلتها ويستطيع أن يرجح بين هذه الأقوال، من خلال هذه الأدلة، ويعمل بالراجح، ويترك المرجوح فإذا تبين له رجحان قول بدليله يأخذه وإلا رده، وليس لكل أحد أن يأخذ ويرد، فالذي ليست لديه أهلية فرضه تقليد أهل العلم.
سؤال: ما الواجب على من بلغه سوء أو خطأ من أحد من الناس سواء من الصالحين أو الدعاة؟ وما هو منهج أهل السنة والجماعة في التعامل في مثل هذه المواقف؟
الجواب: عليه أن يمحضه النصح، فالدين النصيحة، فالنصيحة إنما هي في السر بينك وبينه، تمحضه النصيح، يا أخ بلغنا عنك أنك قلت: كذا، أو عملت كذا، فما حجتك على هذا القول أو على هذا العمل؟ إن أبدى حجة صحيحة يعذر، إن أبدى قولاً أو تأويلاً سائغاً يعذر، ويبين له خلافه، وإن لم يبدِ دليلاً يخوف بالله -جل وعلا- سراً بينك وبينه، وإن كان قوله مما قد يغتر به بعض الناس وفيه شيء من الابتداع أو مخالفة الشرع، ولم يرتدع، ولم ينتصح مثل هذا يبين القول، وأنه خطأ، وينشر هذا البيان بين الناس، ويجب أن يكون البيان على مستوى بلوغ الخبر.
سؤال: ما حكم مناظرة أو حوار المخالف في الاعتقاد بدعوته، وما الضابط؟ وهل هناك محذور شرعي لمناظرته؟
الجواب: أولاً المناظرات التي يطلع عليها عوام الناس هذه لا تجوز بشيء، لأن العوام لا يستوعبون مثل هذه الأمور، مثل هذه الشبه فقد يعلق في أذهانهم شبه لا يستطاع اجتثاثها فتبقى المناظرات خاصة بأهل العلم، لكن إذا انبرى لهذه المناظرة مبتدع، وفي وسائل الإعلام والمناظرة حاصلة حاصلة، فلا بد من الرد عليه، لكن من من؟ ممن يحسن الرد، أما يأتي شخص لا يحسن الرد ليس عنده ما يعتمد عليه، ليس على أساس متين، وتأصيل قوي، تأصيل علمي قوي، مثل هذا إذا ضعف نسب ضعفه إلى ضعف مذهبه، ومثل هذا لا يجوز، أيضاً ما العلم ينبغي أن يكون المناظر حاضر البديهة. بعض الناس عنده علم لكن إذا احتيج إلى هذا العلم غاب عن ذهنه، فإذا أوى إلى فراشه تذكر، مثل هذا ما يصح يناظر أبداً، فلا بد أن يكون على تأصيل وتأسيس متين قوي، وأن يكون مع ذلك قوي الحجة، واضح البيان، سريع الاستحضار.
стр. 364
سؤال: من الناس من إذا أحب شخصاً تعصب لأجله، فلا يقبل الحق إلا منه، فالصواب ما يراه صواباً، والخطأ ما يراه خطأ؟
الجواب: يا أخي لا تقلد دينك الرجال، وكل يؤخذ من قوله ويرد، إلا المعصوم ﵊، فهذا العالم الذي تراه بالفعل عالم والناس والأمة تشهد له، هذا ليس بمعصوم، لا بد أن يقع منه الخطأ، وليس بمعصوم، فحينئذ الصواب منه يقبل وغيره يرد عليه.
سؤال: ظهر في الآونة الأخيرة ظاهرة التحزب حتى أصبح البعض من طلاب العلم ما يسلم ولا يرد السلام على المخالف فما التوجيه نحو ذلك؟
الجواب: إذا كان الخلاف في أصل الدين، فمعاملة المخالف في أصل الدين سواء كان كافراً أو مبتدعاً بدعة مكفرة، معروف عند أهل العلم وواضح، المخالف في أصل الدين ببدعة غير مكفرة، فمثل هذا يسلك في حقه الأصلح، والتأليف أمر معروف في الشرع، ويصرف للمؤلفة قلوبهم من الزكاة، وهي ركن من أركان الإسلام، من أجل تأليفه وتقريب دعوته، فمثل هذا يسلك معه الأصلح، والصلة والهجر كلاهما علاج، ويفعل معه الأنجع بعلاجه. أما ما ظهر بين طلاب العلم –مع الأسف الشديد– من الجفاء فمثل هذا لا شك أنه من التحريش الذي رضي به الشيطان، لأنه قد يكون بين اثنين لا اختلاف بيتهما، حقيقة قد يختلفان في أمر لا أثر له، أمر يسير للمخالف فيه مندوحة والشرع يستوعبه.
سؤال: ما المقصود بتجديد الخطاب الديني وما ضابطه الشرعي؟
الجواب: تجديد الخطاب الديني نسمعه كثيراًَ في الأيام الأخيرة، والمراد به مخاطبة الناس بما يناسب العصر، وتطورات العصر، وأن الناس لا بد أن يغير معهم الخطاب، سواء كانوا من الموافقين أو المخالفين، والتغيير والتجديد إذا كان في حدود ما يبيحه الله ورسوله فهو مقبول وإلا فلا. والله أعلم.
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 365
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صفحات مشرقة في عبادات العلماء
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن هذه المحاضرة أو هذا الدرس ليس لي فيه خيار، ولو استشرت فيه لما قبلت، نعم أنا موافق على إلقاء درس في الوقت نفسه، لكن لو عُرض عليَّ مثل هذا العنوان لما قبلت، ولا أقول في مقدمة هذا الدرس إلا ما قلته في مقدمة الهمة في طلب العلم، يعني كمن يضرب مثل بشجاعة أجبن الناس، أو بكرم أبخل الناس، يعني يؤتى بمثلي ليلقي درساً عن عبادات العلماء والتقصير معروفٌ لدى الخاص والعام؟! نسأل الله -جل وعلا- أن يمن علينا وعليكم بالعمل بالعلم، وأن يتفق الظاهر مع الباطن، هذا الموضوع يحتاج إلى شخصٍ يتحدث عن نفسه، وطالما تحدثت عن نفسي في محاضرات كثيرة في الآفات التي تعتري طالب العلم، وأضرب الأمثلة من نفسي، وإن لم يعلم السامع، أقول: هذا الموضوع يحتاج إلى شخصٍ يتحدث عن نفسه.
стр. 366
ويمكن أن أبرر القبول -بعد الإعلان- بصنيع ابن القيم -رحمه الله تعالى- في طريق الهجرتين ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى-: المنهج الذي يسير عليه المقربون من استيقاظهم إلى نومهم، ذكر خطة عمل يسيرون عليها، ماذا يصنعون إذا انتبهوا من النوم قبل الصبح؟ ثم بعد ذلك ما صنيعهم إذا دخلوا المسجد لأداء صلاة الصبح، ثم بعد ذلك جلوسهم حتى ترتفع الشمس، ثم بعد ذلك انصرافهم إلى أعمالٍ أخرى من أعمال الآخرة، وليس من أعمال الدنيا، ثم يأتون لصلاة الظهر، والصلاة شغلهم الشاغل، فمنهم من يقضي ما بين الصلاتين بالعبادة من ذكر وتلاوة وصلاة، ومنهم من يقضيه في العلم والتعليم، ثم بعد صلاة العصر لهم برنامج ذكره ابن القيم في كتابه، فليرجع إليه، ثم بعد المغرب كذلك، ثم بعد صلاة العشاء، يأتي وقت الوظيفة، وإذا أووا إلى فرشهم كما قال ابن القيم: ذكروا أذكار النوم، وهي كما قال: تقرب من الأربعين، ومن منا يستحضر أربعة فضلاً عن أربعين، ابن القيم لما ذكر هذا البرنامج الذي يسير عليه المقربون، أقسم بالله لئلا يُظن أنه يتحدث عن نفسه، والمظنون به أنه يتحدث عن نفسه، هذا الذي يغلب على الظن، ومع ذلك يقسم ابن القيم -رحمه الله تعالى- أنه ما شمَّ لهم رائحة، هذا ابن القيم هو يرسم هذا المنهج للمقربين، فضلاً عن غيرهم من الأبرار، وأصحاب اليمين.
ابن القيم -رحمه الله تعالى- وهذه زيادة في الإيضاح والفائدة- ذكر أنهم إذا جلسوا بعد صلاة الصبح يذكرون الله تعالى حتى ترتفع الشمس، يقول: منهم من يصلي، ومنهم من ينصرف دون صلاة، لكن لما ذكر حال الأبرار، قال: إنهم لا ينصرفون إلا بعد الصلاة، يعني صلاة الضحى؛ لأن المقربين ينصرفون من عبادة إلى عبادة، ولن ينسوا صلاة الضحى؛ لأن وقتها الفاضل لم يأتِ بعد، المذكور في قوله ﵊: ((صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال)).
وأما بالنسبة للأبرار فإنهم لا ينصرفون إلا بصلاة؛ لأنهم ينصرفون بعد ذلك إلى أعمالهم في أمور الدنيا، ويخشى أن ينسوا صلاة الضحى.
стр. 367
والظاهر من كلام ابن القيم أنه لا يصحح الحديث الوارد في ذلك، أن من جلس ينتظر طلوع الشمس وصلى الصبح بجماعة، وجلس بمصلاه حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، انقلب بأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة.
كأنه لا يصحح هذا الخبر، وإلا لو صح عنده لما انصرف أحد لا من المقربين ولا من الأبرار إلا بعد هذه الصلاة، والحديث بطرقه يقوي القول بتحسينه، وإن صححه بعضهم، لكن الكلام لأهل العلم فيه ظاهر، يقوى القول بتحسينه، إذا عرفنا هذا ابن القيم رسم الخطة، ويغلب على الظن لما عرف عنه من عبادات متنوعة، بعضها إذا سمعه القارئ يظنه ضربٌ من الخيال، أو أساطير، مع هذه العبادات المتنوعة يقسم بالله أنه ما شمَّ لهم رائحة.
فماذا نقول إذا كان هذا ابن القيم يقسم بالله أنه ما شم لهم رائحة؟ ونحن نذكر في هذه المحاضرة شيء من عبادات العلماء، وهم من المقربين، فماذا نقول؟
وأعتذر عما قاله الأخ الذي قدم، وذكر ما ذكر مما يخالف الواقع، وليس من عادتي أن أقاطع أحد في كلامه، وإلا لا شك أنه جاوز في الوصف، فأسأل الله -جل وعلا- أن يعفو عني وعنه وعنكم.
إذا عرفنا هذا فعنوان المحاضرة: "إشراقات" هذا لمن عرف حقيقة الأمر، وإلا فكثيرٌ من الناس يظن أن العبادة والإكثار منها، يعني في عرف عامة الناس ومن في أحكامهم ظلمات، لماذا؟ لأنه يحبس نفسه في مكانٍ ضيق ينزوي به عن الناس، فهو في ضيق، وهذا لم يجرب ما جرب القوم، ولو جرب عرف حقيقة الأمر، وأنها هي السعادة وهي النعيم، وهي جنة الدنيا، التي تحدث عنها شيخ الإسلام وابن القيم، وكثيرٌ من أهل العلم.
عبادات العلماء:
بعد هذه المقدمة أقول: عبادات العلماء:
العلماء الذين يستحقون أن يوصفوا بهذا الوصف هم أهل العلم والعمل، ولا يستحق الوصف بالعالم إلا من عمل، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ ثم قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [(٩) سورة الزمر] فدل على أن أهل العلم المستحقين لهذا الوصف هم أهل العمل، فالذين لا يعملون بالعلم ليسوا من أهل العلم.
стр. 368
وفي الحديث المختلف في تصحيحه عند أهل العلم وممن صححه الإمام أحمد ﵀: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)) فأهل العلم هم العدول، ومفهومه أن الذين لا يتصفون بهذا الوصف من أهل الفسق والتفريط الذين لا يستحقون الوصف بالعدالة ليسوا من أهل العلم ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)) فالذين لا يعملون بالعلم ليسوا بعدول، إذاً الذي يحملونه ليس بعلم.
ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- له رأي مشهور، ووافقه عليه جمعٌ من أهل العلم: أن كل من عرف بحمل العلم فهو ثقة عدل مرضي؛ لهذا الحديث، كل من حمل العلم فهو عدل لهذا الحديث.
يقول الحافظ العراقي:
ولابن عبد البر كل من عني
فإنه عدلٌ لقول المصطفى
بحمله العلم ولم يوهنِ
يحمل هذا العلم لكن خولفَا
خولفَا ابن عبد البر يعني على فهمه العكسي، الذي فهمناه من الحديث أن الذي ليس بعدل لا يسمى ما يحمله علم، وفهم أن كل من يحمل العلم وله عناية به أنه عدل، لكن الواقع يرد هذا القول؛ لأننا نرى من يحمل هذا العلم ممن هو متصفٌ بالفسق، فكيف يعدل مثل هذا؟ ولذا يقول الحافظ العراقي: "لكن خولفَا" خولف ابن عبد البر في فهمه؛ لأننا نرى ورأينا ورأيتم ممن يُعد من بحور العلم بحسب الظاهر، ومع ذلك علامات وآثار الفسق ظاهرة، هذا في الحقيقة ليس بعلم.
стр. 369
ومن أقوى الأدلة على هذا الفهم قول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [(١٧) سورة النساء] هل التوبة خاصة بالجهال الذين لا يعرفون الأحكام، أو أنه لو كان عارفاً بالحكم، يعرف أن الزنا حرام ويزني، يعرف الحكم بدليله، يعرف أن شرب الخمر حرام ويشرب، يعرف الحكم بدليله، ويعرف أن السرقة حرام ويسرق، ويعرف أن الربا حرب لله ورسوله ويرابي، ثم بعد ذلك يتوب؟ نقول: هل هذا مقبول التوبة أو غير مقبول؟ إذا أخذنا الجهالة على عدم العلم بالحكم، قلنا: هذا ليست له توبة، ولم يقل بهذا أحدٌ من العلم ﴿فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [(٢٧٥) سورة البقرة] التوبة تهدم ما كان قبلها، المقصود أن هذا الجاهل المنصوص عليه هو الذي يقدم على المعصية ولو كان عارفاً بالحكم بدليله، فالذي يعصي هذا جاهل ولو عرف الحكم، وهذا لا يشكل معنى الحديث مع وجود من يحمل العلم من غير العدول، فالعلم يقتضي العمل، والعلم ثمرته العمل.
للخطيب البغدادي كتاب مختصر أسماه (اقتضاء العلم العمل) يقول في مقدمته:
"ثم إني موصيك يا طالب العلم بإخلاص النية بطلبه، وإجهاد النفس على العمل بموجبه، فإن العلم شجرة والعمل ثمرة، وليس يُعد عالماً من لم يكن بعلمه عاملاً، فلا تأنس بالعمل ما دمت مستوحشاً من العلم، ولا تأنس بالعلم ما كنت مقصراً في العمل، ولكن اجمع بينهما، وإن قل نصيبك منهما".
لأنه قد تحصل المزاحمة، العلم يحتاج إلى وقتٍ طويل، نقول: اعمل بما علمت، ولن يعوقك هذا عن تحصيل العلم؛ لأنه يكثر السؤال من كثيرٍ من الطلبة يقول: أن العمل قد يعوقنا عن تحصيل العلم، ولا سيما العمل الميداني الذي يتطلب وقتاً، كإنكار المنكرات في الأسواق وغيرها، نقول: سدد وقارب، إذا بلغك عن الله وعن رسوله أمر أو نهي فاعمل به، بادر بالعمل به؛ لأن هذا هو الثمرة.
يقول: "وما شيء أضعف من عالم ترك الناس علمه لفساد طريقته، وجاهل أخذ الناس بجهله لنظرهم إلى عبادته".
стр. 370
لا شك أن عامة الناس يُحسنون الظن بأهل العبادة، وما حصلت الفجوة التي نعيشها بين العلماء والعامة؛ وما حصل من وقوع الناس في أعراض أهل العلم إلا بسبب تقصيرهم في العمل، عامي يحضر إلى المسجد مع الأذان فإذا التفت بعد الصلاة إذا شخص من أهل العلم يقضي بعض الصلاة، هذا نفسه لا توافقه على سؤاله، وإن كان بعضهم يقول: خذ من علمه، ولا تأخذ من عمله، هذا الكلام ليس بصحيح.
وفي صحيح مسلم: جاء شخص من العراق إلى ابن عمر، يريد أن يسأله عما مسألة في المناسك، فقال: عليك بابن عباس، ابن عباس علم وعمل، لكن في مجال العمل لا شك ابن عمر معدود من العباد، وسيأتي شيء من طريقته وعمله، قال: عليك بابن عباس، شهادة حق وإنصاف، فقال: ذلك رجل مالت به الدنيا ومال بها، يعني أنه ليس في زهده مثل ابن عمر، ولا يظن به أنه يزاول المنكرات، أو يأكل مشتبهات، أبداً، حَبر الأمة وترجمان القرآن، لكن عامة الناس ثقتهم بالعامل، فإذا رأوا من أهل العلم من يظهر عمله عليه على جوارحه وفي سرته وعلانيته يقتدون به.
قال ﵀ بعد ذلك: "وهل أدرك من السلف الماضين الدرجات العلى إلا بإخلاص المعتقد، والعمل الصالح، والزهد الغالب في كل ما راق من الدنيا".
يعني كل شيء له ضريبة، توسعت في أمر الدنيا يكون على حساب الآخرة؛ لأنها ضرة، ومع ذلك ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [(٧٧) سورة القصص] لكن كم ممن يقال له هذا الكلام في وقتنا هذا؟ الناس بحاجة حتى من أهل العلم مع الأسف ومن طلابه أن يقال له: لا تنس نصيبك من الآخرة؛ لأنه وجد بعد انفتاح الدنيا، شاهدنا وسمعنا أشياء حتى من بعض من ينتسب إلى العلم شيء لا يخطر على البال، من الانصراف، وإن لم يكن من ذلك إلا انصراف القلب.
يعني إذا حدث، قصة حصلت هذه الأيام أن مجموعة صلوا صلاة الظهر وجهر الإمام وأمنوا، هؤلاء ماذا بقي للآخرة في قلوبهم؟! وسمع من يقول -وهو ساجد-: آمين، لا شك أن هذا سببه الانصراف عن الآخرة، والإقبال على الدنيا؛ لأن القلب ما يحتمل كل هذه الأمور إلا ممن وفقه الله -جل وعلا-.
стр. 371
فشخص من أهل الدنيا ويملك مليارات، يقول: دعانا في يوم من الأيام فإذا بمجلسه غاص بالناس، هل هم الأعيان؟ هل هم الوجهاء؟ هل هم الملأ من القوم؟ لا، كلهم فقراء، وبعد ذلك يجلس وبدون مبالغة، جلس نصفه خارج المجلس ونصفه داخل، متكئ على الباب، وهؤلاء الفقراء في صدر المجلس، ومع ذلك لما وضع الوليمة رفض أن يجلس معي، جلس معهم، وكان من عادته وديدنه أن يدخل المسجد يصلي العصر ولا يخرج إلا بعد صلاة العشاء، يعني هل الآخرة تعوقهم من تحصيل الدنيا؟ في سلف هذه الأمة أثرياء، ومع ذلك هم النجوم في العلم والعمل، وهذا لا يعوق، والدنيا لا تضر إلا لمن رأى أنه استغنى ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ [(٦ - ٧) سورة العلق] فإذا رأى في نفسه أنه استغنى الآن وقعت الهلكة، أما إذا كانت الدنيا تحت تصرفه، وفي يده لا في قلبه، فإن هذا نِعَم على نِعَم.
يقول ﵀ في مقدمة كتابه آنف الذكر:
"وهل وصل الحكماء إلى السعادة العظمى إلا بالتشمير في السعي والرضا بالميسور، وبذل ما فضل عن الحاجة للسائل والمحروم".
ثم عاد بدأ بنا، قال: "وهل جامع كتب العلم إلا كجامع الفضة والذهب، وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليهما، وهل المغرم بحبها إلا ككانزهما".
ثم ذكر حديث أبي برزة إلى آخر كلامه ﵀.
جامع الكتب الذي يجمع من الكتب يملأ الدور بالكتب، لكنه لا يفيد منها، ولا يبذل منها، هذا لا شك أنه ككانز الذهب والفضة. وابن خلدون يقول: "أن كثرة التصانيف من عوائق التحصيل".
وهذا شيء مجرب، جربانه وجربه غيرنا، يعني يحتار الإنسان إذا أراد أن يختار تفسير آية من بين خمسين تفسير، أو ينظر شرح حديث من بين عشرات الشروح، يحتار قبل أن يبدأ، فإذا بدأ قال: لعل فلان تكلم أكثر، ولعل علان تكلم أكثر، ثم يضيع الوقت بمثل هذا، وحدث ولا حرج عما يضيع من الأوقات في ترتيبها، ترتيب هذه الكتب، وتنظيفها، ونقلها من مكان إلى مكان، هذا لا شك أنه شيء عائق عن التحصيل.
стр. 372
وأدركنا شيوخنا ممن ليس لديهم من الكتب إلا الأصول المهمة في ثلاثة دواليب لا تزيد عن ثلاثمائة مجلد، أربعمائة مجلد، ومع ذلكم إذا فُتح أي مجلد وجد عليه أثر، أثر قراءة، وأثر في العلم وأثر في العمل، فليس جمع الكتب مما يمدح به الشخص إذا لم يكن ممن يستفيد من هذه الكتب، ويعمل بما علم، ولذا قال: "هل جامع الكتب إلا كجامع الذهب والفضة".
أثر هذه الكتب إذا دخلت في القلب، ولم يفد منها الفائدة المرضية، كأثر الذهب والفضة، يعني شخص من الأشخاص منهوم بالكتب، ومع ذلك قد تضيع عليه صلاة الجماعة بسبب الكتب، يعني عنده موعد مع شخص عنده كتب. . . . . . . . . يبيع، ثم بعد ذلك يمتطي السيارة مع الأذان ليصلي عنده، فإذا وصل إليه فإذا الجماعة قد صلوا، وهذا كثير، لماذا؟ لأن الوسائل حلت محل الغايات عندنا، وقاصر النظر عن إدراك المطلوب، ولا أريد أن أطيل في مثل هذا؛ لأنها حقيقة مرة نعاني منها، ويعاني غيرنا منها، فالقصد القصد، ولا يعني هذا أن طالب العلم لا يشتري كتب، يشتري ما يحتاجه من الكتب، والكتب متوفرة وميسورة -ولله الحمد-، لكن إما أن يجمع كل كتاب وكل طبعة من كل كتاب! هذا لا شك أنه يعوق عن التحصيل.
ثم ذكر ﵀ حديث أبي برزة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه ماذا عمل به؟ )) وهذا هو الشاهد ((وعن علمه ماذا عمل به؟ )) فهو سوف يسأل عن هذا العلم الذي نام عنه، وكتمه عن الناس، وسئل فلم يجب، ولم يبذله، وقد جاء في الخبر: ((ابن آدم علم مجاناً كما علمت مجاناً)) وكثيرٌ من أهل العلم يتورع عن بذله، وليس هذا بورع، نعم قد يكون بالنسبة لبعض الناس الذي لا يملك نفسه عن قول: لا أعلم، قد يكون عليه خطر، قد يسأل عما لا يحسن ولا يتقن، ثم بعد ذلك تصاب المقاتل، على الإنسان أن يبذل، ولكن لا يبذل إلا ما يعلم، ولا يتشبع بما لم يعطَ.
قال علي بن أبي طالب ﵁: "هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل".
стр. 373
ولا شك أن العمل هو الذي يثبت العلم، ولذا لو سألت شخصاً يبلغ من العمر خمسين سنة مثلاً، وسألته عن المناسك وقد حج في أول عمره، ما تجده يدرك من أحكام المناسك إلا الشيء اليسير، لكنه يدرك أحكام الصلاة، لا سيما إذا كان لديه أهلية، ومن أهل العلم من أخطأ في كثير من أحكام المناسك؛ لأنه لم يحج، ومنهم من حج بعد تأليفه في المناسك فأحرق ما ألفه؛ لأنه لم يعمل بهذا العلم، ثم لما عمل استنار له الطريق، واتضح له الحق.
وعن الحسن ﵁ قال: "ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني"، يعني الإنسان يدعي ويتشبع ويتصنع لكن هذا لا يكفي "ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال".
وعن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : ((مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج، يضيء للناس ويحرق نفسه)) والحديث لا بأس به جيد.
((مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج، يضيء للناس ويحرق نفسه)) والنصوص في هذا كثيرة جداً.
ولو لم يكن إلا حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، وفيهم العالم الذي يعلم الناس، أفنى عمره في العلم والتعليم، ثم بعد ذلك في النهاية يكون من أول من تسعر بهم النار، وإنما يعلم ليقال: عالم، نسأل الله السلامة والعافية.
فالإخلاص لله -جل وعلا- في العلم أمرٌ لا بد منه، بل هو من أول شروطه، فالعلم من أمور الآخرة المحضة، التي لا تقبل التشريك، وإذا قلنا العلم فالمراد به العلم بالكتاب والسنة، وما يعين على فهم الكتاب والسنة.
مسألة الإكثار من العبادة:
стр. 374
المسألة التي يشار إليها قبل الدخول في الموضوع، مسألة الإكثار من التعبد، من أهل من قال: أنه بدعة، فمثلاً الصلاة لو تتبعنا مما نُص عليه من فعله ﵊ غير الأدلة الإجمالية، وجدناه يصلي الفرائض سبع عشرة ركعة، والرواتب والوتر، فيكون المجموع أربعين، منهم من قال: من زاد على ذلك دخل في حيز الابتداع، لكن هذا الكلام ليس بصحيح؛ لأن النصوص العامة والخاصة من فعله ﵊ تدل على خلاف ذلك، نعم من تعبد لله -جل وعلا- بما لم يشرعه مما لم يسبق له شرعية من كتاب الله وسنة نبيه ﵊ لا شك أنه مبتدع؛ لأن البدعة العمل الذي يتعبد به مما لم يسبق له شرعية من الكتاب والسنة، والبدع كلها ضلالة، وإذا اشتغل أحدٌ ببدعة، لا شك أنه على حساب سنة. فليحرص الإنسان على تحرير المقام، فلا يفرط بسنة، ولا يرتكب بدعة؛ لأن بعض الناس قد يقصر في هذا الباب علمه وفهمه، ويزيد حرصه، ثم بعد ذلك يدخل في حيز البدع وهو لا يشعر، ومر بنا ومر بغيرنا أننا قد نتذكر ما حفظناه من بعض الأذكار الصحيحة، فلا نذكر، وقد نذكر بعضها ونترك بعضها، فإذا تأملنا أننا زدنا في أذكار عن الحد المشروع مثلاً من الأذكار المحددة، قد يكون زدنا فيها، ثم بعد ذلك لم نوفق للأذكار الثابتة.
فعلى الإنسان أن يحرص أن لا يعمل عملاً إلا وعنده فيه أصل من الكتاب والسنة، فالنبي ﵊ قبل ذلك ما ثبت أصله في الكتاب والسنة كالصلاة والذكر والتلاوة والصيام والحج والإنفاق في سبيل الله، والجهاد والدعوة وغير ذلك، هذا كلها أصولها ثبتت في الكتاب والسنة، فالإكثار منها على الهيئة المشروعة في الأوقات التي جاءت من قبل الشارع، جاء عدم المنع منها ليس ببدعة، للأدلة العامة والخاصة التي تذكر، بل الممنوع من ذلك كما تقدم في حد البدعة ما لم يسبق له شرعية من كتاب أو سنة.
стр. 375
الاجتهاد في التعبد حسب الطاقة ثبت عن النبي ﵊، فقد قام ﵊ في الليل حتى تفطرت قدماه، وصلى بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران بركعة واحدة، فماذا عن بقية الصلاة؟ ماذا عن الركوع والسجود؟ فإطالة الصلاة مطلوبة؛ لأنها ثابتة عن النبي ﵊، وكثرة الركعات أيضاً مطلوبة؛ لأنه ثبت عنه ﵊ الإطلاق ((صلاة الليل مثنى مثنى)) وثبت عنه ﵊ أنه أجاب من سأله مرافقته في الجنة فقال: ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) وهذا يتطلب إكثار من الركعات، فالتطويل ثبت بفعله ﵊، والإكثار ثبت بقوله وحثه ﷺ .
ثم يأتي من يأتي ويقول: أن الإكثار من التعبد بدعة، ما عرف عن النبي ﵊ أنه قام ليلة كاملة، وهذا عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، مع أنه ﵊ إذا دخلت العشر شد المئزر وأحيا الليل، فهذا وارد على هذا الحديث، فإذا دخل التخصيص بمثل هذا النص، عموم خبر عائشة أضعفه، هذا مقرر عند أهل العلم, وما دام ثبت أنه أحيا الليالي العشر، عشر رمضان، يدل على أن إحياء الليل ليس ببدعة، وقد عرف عن سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين فمن دونهم ممن يأتي ذكره في الأمثلة -إن شاء الله تعالى- هذا بالنسبة للصلاة.
الصيام ثبت عنه ﵊ أنه يصوم حتى يقال: لا يفطر، وثبت عنه أنه كان يفطر حتى يقال: أنه لا يصوم، وكان يصوم من الأشهر الحرم، يصوم في المحرم، ويصوم من شعبان أكثره، فلا يقال: أن مثل هذا العلم بدعة، مع قوله ﵊: ((أفضل الصلاة صلاة داود، وأفضل الصيام صيام داود، ينام نصف الليل، ثم يقوم ثلثه، ثم ينام سدسه)) بالنسبة للصيام يصوم يوماً ويفطر يوماً، ثم يأتي من يقول النبي ﵊ نجزم أنه ما صلى يوم وأفطر يوم؛ لأنه ثبت أنه كان يصوم حتى يقال: لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا يصوم.
من كان وضعه في احتياج الناس إليه مثل حال الرسول ﵊ يفاضل بين هذه العبادات، وأهل العلم يقررون أن العبادات المتعدية النفع مقدمة على العبادات الخاصة.
стр. 376
في مسلم عن عائشة أن النبي ﵊ ما كان يصوم العشر، وثبت من حديث بعض أزواجه أنه كان يصوم العشر، فعائشة تذكر من حاله الغالب أنه كان لا يصوم العشر؛ لأنه مشغول بحاجات الناس. وأيضاً ثبت في الحديث الصحيح: ((ما من أيام العمل الصالح فيهن خيرٌ وأحب إلى الله من هذه الأيام العشر)) ثم بعد ذلك ثبت عنه ﷺ أنه قال: ((من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً)) فإذا ضممنا هذا الحديث إلى هذا الحديث، قلنا بمشروعية صيام العشر، وكونه ﵊ لا يصوم العشر أحياناً مثل ما قال: ((عمرةٌ في رمضان تعدل حجة)) ومع ذلك ما ثبت عنه ﵊ أنه اعتمر في رمضان، هل نقول: أن العمرة في رمضان ليست مشروعة؟ يكفينا قوله ﵊.
والنبي ﷺ قد يترك العمل رأفة بأمته، خشية أن يفرض عليهم، لو تظافر قوله ﵊: ((عمرة في رمضان تعدل حجة)) مع فعله، ماذا يكون الواقع؟ الآن الناس يموتون، يعتمر في رمضان أكثر من ملونين شخص، يجتمعون في ليلة واحدة، لو تظافر فعله مع قوله كيف يكون العمل؟ لكن من الناس من يقول: النبي ﵊ ما اعتمر في رمضان، والحمد لله لنا أعمال بدائل، نقول: يكفينا ما ثبت من قوله ﵊.
لكن إذا عمل عملاً وندم عليه ولم يحثنا عليه، اقتدينا به في مثله، فلا نكلف أنفسنا في مثل هذا العمل، كدخول الكعبة مثلاً، ما ثبت عن النبي ﵊ حثنا على دخولها، لكنه دخلها، ومع ذلك ندم على ذلك؛ لئلا يشق على أمته.
فانظروا لما لم يتظافر القول مع العمل صار الأمر أقل، ولو تظافر القول مع العمل في عمرة رمضان لوجدنا الزحمة التي لا تطاق، فبعض الناس يتشبث بكونه ﵊ لم يعتمر في رمضان، ويتسلى بذلك.
стр. 377
تقول عائشة ﵂: "وأيكم يطيق ما كان رسول الله ﷺ يطيق؟! " بذله وتضحيته في الصلاة والصيام والدعوة والجهاد شيء لا يطاق، لكن تجد مثلاً بعض الناس يذكر عنه في التلاوة أشياء، يذكر عنه ما يتعجب منه في التلاوة، لماذا؟ لأنه صارت على حساب أعمال أخرى، وبعضهم يذكر عنه على ما سيأتي من ذكر الأمثلة من الصلاة ما لا يخطر على البال، وصار هذا على حساب عبادات أخرى، فالنبي ﵊ يفاضل، ويوازن بين هذه العبادات، ووقته مشغول ومعمور بالطاعة، والتبليغ ودعوة الناس إلى الخير. تقول عائشة: "وأيكم يطيق ما كان رسول الله ﷺ يطيق؟! " ومحل ذلك كما قال ابن حجر: "ما لم يفضِ إلى الملل" لما جاء في الحديث الصحيح: ((أكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا)) وأخرج البخاري من حديث عائشة ﵂ مرفوعاً: ((عليكم ما تطيقون من الأعمال، فإن الله لا يمل حتى تملوا)) وجاء في الحديث الصحيح: ((أفضل الأعمال ما داوم عليها صاحبه)).
стр. 378
بعده ﵊ وجد الاجتهاد في العبادة من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم من غير نكير، فلا يمكن أن يوصف مثل هذا بالابتداع؛ لأنه عمل سلف هذه الأمة، وخير هذه الأمة، اقتداءً بنبيها ﵊، وقد قال ﵊: ((الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر)) فجاء الحث على الذكر والتلاوة في الكتاب والسنة، قال الله -جل وعلا-: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [(٣٥) سورة الأحزاب] وقال ﵊: ((سبق المفردون ... الذاكرون الله كثيراً والذاكرات)) وجاء الترغيب بتلاوة القرآن، ففي كل حرفٍ من القرآن عشر حسنات، عبادات أجورها لا يمكن أن يحاط به، ممن لا تنفذ خزائنه، ومع ذلك لا تكلف شيئاً، والمحروم لا تنفعه مثل هذه النصوص، إلا أن الله -جل وعلا- قال: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [(٤٥) سورة ق] ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [(١٧) سورة القمر] ما هو كل الناس، ولذلك تجد بعض الناس يصعب عليه أن يفتح المصحف، وتجده حافظ ومع ذلك لا يقرأ، ولا شك أن هذا حرمان، وبكل حرف عشر حسنات، والختمة الواحدة بأكثر من ثلاثة ملايين حسنة، يعني الجزء الواحد الذي يقرأ بربع ساعة مائة ألف حسنة.
стр. 379
وهذا أمرٌ في غاية اليسر، مصداقاً لقول الله -جل وعلا-: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [(١٧) سورة القمر] يعني: الإنسان إذا جلس بعد صلاة الصبح ينتظر الشمس إلى أن ترتفع بإمكانه أن يقرأ القرآن في سبع، وهو مرتاح، وهذا لا يعوقه عن شيء من أعماله، لكن هذا الأمر يحتاج إلى شيء من المجاهدة، ثم بعد ذلك التلذذ كغيره من العبادات، وإلا فالأصل أن هذه العبادات تكاليف، ومما حفت به الجنة، والجنة حفت بالمكاره، يعني خلاف ما تشتهيه النفوس، فإذا جاهد نفسه، وعلم الله -جل وعلا- منه صدق الرغبة والنية أعانه، حتى تلذذ بذلك، وأثر عن السلف أنهم كابدوا قيام الليل، وما أشق قيام الليل على من لم يعتاده، تجده مستعد يجلس في القيل والقال إلى قرب الفجر، ثم بعد ذلك صراع مع نفسه، هل يوتر بركعة أو يقول الوتر سنة؟ ولئلا يشبه بالفرائض نتركه أحياناً، هذا شيء مجرب، وما كُره السهر والحديث بعد صلاة العشاء إلا لهذا الأمر؛ لأنه يعوق عن ذكر الله وعن الصلاة؛ لأنه على حساب الذكر، فإذا صلى العشاء ونام نام على خير، والصلاة كفرت ذنوبه ((الصلوات الخمس إلى الصلوات الخمس كفارات لما بينهما ما لم تغش كبيرة)) نام على ذنوب مكفرة، ولذا كان ابن عمر إذا تحدث بعد صلاة العشاء صلى قبل أن ينام، لينام عن صلاة.
стр. 380
هذا الحديث القيل والقال لا شك أنه يعوق صاحبه عن الذكر والتلاوة، ولذا نرى مع قوله ﵊: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) بعض الناس يقول: الحج أربعة أيام، بالإمكان أن تضبط النفس ولا يتكلم بكلمة، لكن إذا كان قد عود نفسه على القيل والقال يستطيع أن يملك نفسه ثلاثة أيام؟ وبعض الناس يجاور في العشر الأواخر، ويجلس من صلاة العصر إلى صلاة المغرب في المسجد الحرام، فالمتوقع أنه ترك أهله وترك أمواله وجاور في هذه البقعة طلباً للثواب، والإكثار من العبادات، تجده يفتح المصحف إذا صلى العصر، ثم إذا قرأ صفحة أخذ يلتفت يميناً وشمالاً؛ لأنه ما تعرف على الله في الرخاء يعرفه في الشدة، ثم بعد ذلك إن رأى أحداً ممن يعرفه وإلا أطبق المصحف ثم يؤنبه ضميره لماذا أنا جئت؟ يفتح المصحف مرة ثانية، ثم يقوم من مكانه يبحث عمن يبادله الحديث، وتجد بعض الناس نظره في الساعة خشية أن يؤذن المغرب قبل أن يتم حزبه، هذا تعود في حال الرخاء، والله -جل وعلا- يقول: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [(٤) سورة الليل].
الذكر:
الذكر من أفضل العبادات، وذكر له ابن القيم فوائد عظيمة جداً في مقدمة الوابل الصيب، وهو لا يكلف شيئاً، سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر، يعني هذه تقال بدقيقة ونصف، ومن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير كمن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، والمائة عشرة من ولد إسماعيل، مع ما فيها من حفظ ورفع درجات، وحط سيئات، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له إلى آخره مائة مرة بعشر دقائق.
والاستغفار شأنه عظيم، وجاء التنصيص عليه بالكتاب، وصحيح السنة، والإنسان تجده إما بالقيل والقال، أو بالسكوت، عرفنا أن هذا الشيء لا يكلف شيئاً، لكن على الإنسان أن يري الله -جل وعلا- من نفسه خيراً، ويعزم، ويترك أو يسد منافذ الشيطان إلى قلبه ليوفق لمثل هذه الأعمال.
стр. 381
النبي ﵊ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وثبت عنه ﵊ أنه قال: ((أرحنا يا بلال بالصلاة)) كثير من المصلين الآن يصلي خلف إمامٍ لا تزيد صلاته على خمس دقائق، ومع ذلك ينظر في الساعة في كل ركن من أركان الصلاة، ويراوح بين رجليه، وثبت من خلال التجربة -من أهل العلم والعلم- أن الذي يتعامل مع الله -جل وعلا- هو القلب، فشخصٌ يناهز المائة، يصلي خلف شخصٍ قراءته عادية، يقرأ في كل تسليمة بجزء من القرآن، ويلوم الإمام لما استعجل في التسليمة الأخيرة، وشباب في العشرين والخمسة والعشرين والثلاثين ممن يطلب العلم، ويحرص على طلب العلم، تجده إذا صلى الإمام التسليمة من التراويح بعشر دقائق ضاق به ذرعاً، وبحث عن مسجدٍ آخر، والمساجد تمتلئ من طلاب العلم إذا كان الإمام لا يطيل القراءة، والله المستعان.
وقال ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-: "صليت مع رسول الله ﷺ حتى هممت بأمرِ سوء، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه" وهذا الحديث في الصحيحين.
ومرض ﵊ ليلةً فلما أصبح قيل: يا رسول الله: "إن أثر الوجع عليك لبين، فقال: ((إني علا ما ترون -بحمد لله- قد قرأت السبع الطوال)) نحن إذا زكم الإنسان وأصيب برشح، أول ما يتبادر إلى ذهنه حديث أن الإنسان إذا مرض أو سافر يكتب له ما كان يعمله صحيحاً مقيماً، من أجل أيش؟ ألا يصلي، ولا يقرأ، يمكن ولا يذكر الله -جل وعلا-.
وكان مع ذلك ﵊ يخشع في صلاته ويبكي، فعن عبد الله بن الشخير -رضي الله تعالى عنه- قال: "أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء" وربما قام ليلة بآية واحدة، فعند ابن خزيمة وابن ماجه بسند لا بأس به أن النبي ﷺ قال: "قام بآية حتى أصبح يرددها" قوله -جل وعلا-: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [(١١٨) سورة المائدة].
стр. 382
الله -جل وعلا- أمر نبيه ﵊ إذا فرغ أن ينصب ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [(٧ - ٨) سورة الشرح] قال ابن عباس: "فإذا فرغت من صلاتك فانصب" أي بالغ في الدعاء وسله حاجتك، وقال ابن مسعود: "إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل" وقال الحسن وقتادة: "إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب لعبادة ربك" فهو مأمور بهذا، والنصب هو التعب، ولا يمكن النصب والتعب بأداء أربعين ركعة في اليوم والليلة، بل لا بد من المزيد على ذلك في الكم والكيف؛ ليتحقق النصب المأمور به.
عبادة الصحابة:
الصحابة -رضوان الله عليهم- اقتدوا بنبيهم وقدوتهم وأسوتهم كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- وعن بقية الصحابة، فقد كان أبو بكر ﵁ خير الأمة بعد نبيها ﵊، وفي سيرته من نصرة النبي ﵊ وبذله نفسه وماله في نصرته ﵊ مما لا يحتاج إلى إطالة، إضافة إلى ما عرف عنه من كثرة الصلاة، وأنه كان -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- كما في الحديث الصحيح رجلاً أسيفاً، إذا قرأ الآية تسمع قراءته من البكاء.
وذكر الحافظ ابن كثير عن ليل عمر ﵁ أنه كان يصلي بالناس العشاء ثم يدخل بيته فلا يزال يصلي إلى الفجر.
ولا يقال إن عمر -رضي الله تعالى عنه- في هذه الحالة مخالف لما ورد عنه ﵊ أنه كان يكره الحديث بعدها؛ لأنه جاءه سائل فقال له ذلك الحديث، النبي ﵊ كان يكره النوم قبلها -أي صلاة العشاء- والحديث بعدها، قال: "إني سائلك عن شيء من العلم" قال: اجلس، فجلس حتى أصبح، فمثل هذا لا يعارض ذلك الحديث. فالمقصود به -الحديث بعدها- الذي يعوق عن الصلة بالله -جل وعلا-، أما ما يعين ويوثق هذه الصلة فهو مطلوب، فقد سهر النبي ﵊ في بعض الليالي للنفع والصلاة وغيرهما.
стр. 383
وقد ترجم الإمام البخاري وغيره -رحمة الله على الجميع- (باب السمر في العلم) وذكروا أمثلة من ذلك. وقال -رضي الله تعالى عنه - يعني عمر- لمعاوية بن خديج: "لأن نمت بالنهار لأضيعن الرعية، ولئن نمت بالليل لأضيعن نفسي، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية؟! ".
الإشكال أن هذه الحقائق قد تخفى على بعض طلاب العلم كيف؟ يأتي طالب علم دافعه الحرص على التعلم إلى شيخ، فيجده في المسجد يقرأ القرآن بعد الصلاة، ثم يقول له: أنا أريد أن أقرأ عليك الكتاب الفلاني، فيقول: يا أخي أنا مشغول، ما أستطيع، ثم يذهب يتحدث في المجالس، الشيخ يقول: أنا مشغول، وهو جالس يقرأ قرآن، خلل في التصور يا أخي، إذا نسي نفسه كيف ينفع الناس؟! لا بد أن يتخذ ويقتطع من عمره ومن جهده ما يعينه على نفع الناس، فهذا عمر -رضي الله تعالى عنه- يقول: "لئن نمت بالليل لأضيعن نفسي، فيكيف بالنوم مع هذين يا معاوية؟! ".
ثبت عن عثمان ﵁ أنه كان يقرأ القرآن في ركعة، وأقل ما يتصور في الختمة الواحدة ست ساعات، أقل ما يتصور في الختمة كاملة ست ساعات، ومع ذلكم عرف من حالهم -أعني سلف هذه الأمة- أنهم إذا قرؤوا تأثروا، فإذا تأثروا بالليل يعادون بالنهار.
أقول: عرف من سلف هذه الأمة عن أكثر من واحد منهم أنهم إذا قرؤوا تأثروا، فإذا تأثروا يعادون من الغد، يعادون، يزارون، مرضى، ونحن نسمع من يبكي في قراءة القرآن، وهو موجود -ولله الحمد- في هذه الأمة، لكن ما الأثر بعد هذه القراءة؟ تجده يبكي في أول الآية، ثم في آخرها الصوت لم يعتدل بعد، ثم في الآية التي تليها كأنه الآن دخل في الصلاة، فأين التأثر؟!.
القلوب غطاها الران وغطتها المكاسب، وغطاها التخليط في المآكل، الشبهات لم يتورع عنها كثير من طلاب العلم فضلاً عن المباحات التي كان سلف هذه الأمة يتورعون عنها ويتركونها خشية أن تجرهم إلى الحرام.
ذُكر عن علي -رضي الله تعالى عنه- أنه كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، لكن شيخ الإسلام بن تيمية في منهاج السنة يقول: الوقت لا يستوعب.
стр. 384
يعني لو افترضنا ألف ركعة، كل ركعة بدقيقة، يعني تصور أن تصلى ركعة مجزئة بدقيقة، ألف ركعة كل ركعة بدقيقة تحتاج إلى ألف دقيقة، ألف دقيقة كم هي ساعة؟ العشرة الساعات ستمائة دقيقة، وتسعمائة، خمسة عشر ساعة، والمائة تحتاج إلى ساعة ونصف، يعني ستة عشر ونصف ساعة صلاة، فقط صلاة. شيخ الإسلام يقول: الوقت لا يستوعب.
وابن القيم ﵀ في مدارج السالكين ذكر عن بعضهم أنه يصلى أربعمائة ركعة، فعلق المعلق -الشيخ حامد الفقيه ﵀ فقال: إذا اعتبرنا أن كل ركعة بدقيقتين فالوقت لا يستوعب، لكن صلاة ركعة بدقيقة تحصل به الصلاة المجزئة.
ولهذا ثبت عن الإمام أحمد أنه كان يصلي في اليوم والليلة ثلاثمائة ركعة، والحافظ عبد الغني كما سيأتي في ذكره -إن شاء الله تعالى- يصلي ما بين طلوع الشمس وارتفاع وقت النهي إلى الزوال ثلاثمائة ركعة، لكنه يقتصر في قراءته على الفاتحة والمعوذتين، والله المستعان.
في الصحيحين أن النبي ﵊ قال: ((نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل)) قال سالم ابنه: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً، مبادرة في الامتثال، لما قال له النبي ﵊: ((يا عبد الله، كن كأنك غريب، أو عابر سبيل)) فكان عبد الله يقول: إذا أصبحت لا تنتظر المساء، وإذا أمسيت لا تنتظر الصباح.
بنى بيته بأسبوع بيده، بأسبوع، فكم تبنى البيوت الآن؟ بيوت سوقة الناس، وأقلهم شأناً يحتاجون إلى أقل تقدير سنة، ثم بعد ذلك انظر ما تحملوه من الديون التي جاء الوعيد بشأنها، والشهادة في سبيل الله تكفر كل شيء إلا الدين، وابن عمر يبني بيته في أسبوع بيده؟!.
الناس إلى عهد قريب قبل انفتاح الدنيا إذا خرج صاحب الحاجة من بناء بيت أو شبهه من المسجد وقف عند الباب وقال: أعان الله من يعين، وساعدوه، الآن من يستطيع أن يقول مثل هذا الكلام؟ والله المستعان.
حال السلف في العبادة:
وعن أبي عثمان النهدي قال: تضيفت أبا هريرة سبعاً، فكان هو وامرأته وخادمه يقسمون الليل أثلاثاً، يصلي هذا ثم يوقظ هذا.
وقال ابن المبارك: ما بلغني عن أحد من أصحاب النبي ﷺ من العبادة ما بلغني عن تميمٍ الداري.
стр. 385
وعن عثمان بن طلحة قال: كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاثة، شجاعة ولا عبادة ولا بلاغة.
وعن الربيع بن خثيم قال: أتيت أويساً القرني -هذا سيد التابعين، وجاء مدحه في صحيح مسلم، وعمر طلب منه أن يدعو له بأمر النبي ﵊ قال: فوجدته قد صلى الصبح، وقعد فقلت: لا أشغله عن التسبيح، فلما كان وقت الصلاة قام فصلى إلى الظهر، فلما صلى الظهر صلى إلى العصر، فلما صلى العصر جلس يذكر الله إلى المغرب، فلما صلى المغرب صلى إلى العشاء، ثم نعس بعد صلاة العشاء أخذته عينه فلما انتبه، يقول: سمعته يقول: اللهم إني أعوذ بك من عينٍ نوامة، وبطنٍ لا تشبع، ذكر ذلك الشاطبي في الاعتصام.
وعن ابن المسيب قال: ما فاتتني الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة، مبادرة إلى الفرائض، والفرائض أولى بالاهتمام من النوافل، وإذا اهتم بالفرائض وفق للنوافل، وإذا فرط في الفرائض كيف يوفق للنوافل؟! قال: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة، وما نظرت في قفا رجلٍ في الصلاة منذ خمسين سنة، ذكر ذلك الذهبي في السير.
وعن عثمان بن حكيم قال سمعت سعيد بن المسيب يقول: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد. وثبت عن بعضهم أنه قال: أن الذي لا يأتي إلى الصلاة حتى يدعى إليها إنه لرجل سوء.
وقال سعيد بن جبير: لقيني مسروق فقال: يا سعيد ما بقي شيء يرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا بالتراب، وما آسى على شيء إلا السجود لله تعالى.
وعن إبراهيم بن محمد بن المنتشر قال: كان مسروق يرخي الستر بينه وبين أهله، ويقبل على صلاته ويخليهم ودنياهم، ذكر ذلك أبو نعيم في الحلية.
وعن شرحبيل أن رجلين أتيا أبا مسلم الخولاني -عبد الله بن ثُوب- فلم يجداه في منزله، فأتيا المسجد فوجداه يركع، فانتظراه فأحصى أحدهم أنه ركعة ثلاثمائة ركعة.
وقال أبو الأحوص: قال لنا أبو إسحاق السبيعي: يا معشر الشباب اغتنموا -يعني قوتكم وشبابكم- قلما مرت بي ليلة إلا واقرأ فيها ألف آية، وإني لأقرأ البقرة في ركعة.
стр. 386
ألف آية تكون: في جزء، ألف آية تكون: أقل من جزء، يعني إذا قلنا: القرآن ستة آلاف، إذا قسمناها على الثلاثين كم يكون في الجزء؟. . . . . . . . . إذا قلنا: ثلاثين؟ .. لا أقل ... لعلها تكون خمسة أجزاء أو أربعة أجزاء، يعني ورد خاص، قال: ما مرت بي ليلة إلا واقرأ فيها ألف ليلة، وإني لأقرأ البقرة بركعة، وإني لأصوم الأشهر الحرم وثلاثة أيام من كل شهر والاثنين والخميس.
المقصود أنه من أهل العلم إضافة إلى العلم، أبو إسحاق السبيعي من كبار المحدثين، من الرواة الحفاظ، ومع ذلك لم يشغله ذلك عن العمل، ويخبر الشباب بهذا، وليس هذا من إظهار العمل الذي يقلل الأجر، وإنما هو من أجل الاقتداء، فإذا غلب على الظن أنه يقتدى به كان الأثر المترتب على إظهاره أكثر من الأثر المترتب على إخفاءه، قال: ذهبت الصلاة مني وضعفت، وإني لأصلي فما اقرأ وأنا قائم إلا بالبقرة وآل عمران.
وقال حماد بن سلمة: ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله فيها إلا وجدناه مطيعاً، إن كان في ساعة صلاة وجدناه يصلي، وإن لم تكن في ساعة صلاة وجدناه إما يتوضأ أو عائداً مريضاً أو مشيعاً جنازة أو قاعداً في المسجد، قال: فكنا نرى أنه لا يحسن أن يعصي الله .
وقال معتمر بن سليمان التيمي لمحمد بن عبد الأعلى: لولا أنك من أهلي ما حدثتك عن أبي بهذا، مكث أبي أربعين سنة يصوم ويفطر يوماً، ويصلي الصبح بوضوء العشاء، وربما أحدث الوضوء من غير نوم.
وقال يحيى ابن المغيرة: زعم جريرٌ أن سليمان التيمي لم تمر ساعة إلا تصدق بشيء، فإن لم يكن صلى ركعتين.
وأما ما يروى عن أمير المؤمنين في الحديث سفيان الثوري فكثيرٌ جداً، فعن معمر بن إسماعيل قال: قام سليمان بمكة سنة فما فتر من العبادة سوى من بعد العصر إلى المغرب، وكان يجلس مع أصحاب الحديث وذلك عبادة.
стр. 387
وعن ابن مهدي قال: كنت لا أستطيع سماع قراءة الثوري من كثرة بكاءه، وقال ابن مهدي: ما عاشرت في الناس رجلاً آسف من الثوري. وقال الفريابي: كان سفيان يصلي ثم يلتفت إلى الشباب فيقول: إذا لم تصلوا اليوم فمتى؟. وقال الأوزاعي ﵀: من أطال قيام الليل هون الله عليه وقوف يوم القيامة. وقال الوليد بن مسلم: ما رأيت أكثر اجتهاداً في العبادة من الأوزاعي. وقال أبو مسهر عنه: كان يحيي الليل صلاة وقرآناً وبكاءً. قال حدثني بعض إخواني من أهل بيروت أن أمه كانت تدخل -يعني أم هذا الأخ- كانت تدخل منزل الأوزاعي، وتتفقد موضع الصلاة، صلاة الإمام الأوزاعي، فتجده رطباً من دموع في الليل. ودخلت امرأة لها صلة بزوج الأوزاعي فنظرت فوجدت بللاً في مسجده في موضع سجوده، فقالت لها: ثكلتك أمك، أراك غفلت عن بعض الصبيان حتى بال في مسجد الشيخ، فقالت لها: ويحك، هذا يصبح كل ليلة من أثر دموع الشيخ في سجوده.
وعن عبد الرحمن بن مهدي: لو قيل لحماد بن سلمة أنك تموت غداً ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً. قال الحافظ الذهبي: كانت أوقاته -يعني حماد بن سلمة- معمورة بالتعبد والأوراد. وقال موسى بن إسماعيل: لو قلت لكم: إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكاً، لصدقت، كان مشغولاً إما أن يحدث أو يقرأ أو يسبح أو يصلي، قد قسم النهار على ذلك. مات حماد بن سلمة في الصلاة في المسجد.
стр. 388
لكن لا شك أن التبسم حصل منه ﵊، وحصل -وهو نادر- أن ضحك ﵊ حتى بدت نواجذه، لا شك أن هذا من شدة التحري؛ لأن بعض الناس لا يستطيع أن يوازن في مثل هذه المضايق؛ لأن بعض الناس لو ضحك استمر، وبعض الناس لو غفل ذهل، فهو يحزم نفسه على هذا لئلا يسترسل، بعض المضايق لا يستطيعها كثيرٌ من الناس، فمثلاً: مزاولة الأسباب مع قوة التوكل، هذا صعب جداً، يعني يذهب الإنسان إلى الطبيب، ثم بعد ذلك يحصل من التوكل على مثل ما كان عليه ﵊ بعيد، فإما أن يحسم المادة ويترك التطبب، أو يحصل في قلبه ما يحصل، بعض الناس لا يستوعب، كيف يموت أعز الناس عليه ولا يجد في نفسه شيء؟! كيف تدمع عيونه ويبكي ويحزن، ومع ذلك لا يحصل في نفسه شيء من الاعتراض على القدر؟ كما كان من حاله ﵊؟. تضيق الأنظار في مثل هذه المواقف، حتى إن بعضهم لما مات ولده ضحك، ما استطاع أن يستوعب، فهذا حماد ما رؤي ضاحكاً، والله المستعان.
وقال يحيى بن أيوب: حدثني بعض أصحاب وكيع الذين كانوا يلزمونه أن وكيعاً كان لا ينام حتى يقرأ جزأه من كل ليلة ثلث القرآن، ثم يقوم في آخر الليل فيقرأ المفصل ثم يجلس، فيأخذ بالاستغفار حتى يطلع الفجر. وقال عبد الله بن أحمد: كان أبي ﵀ يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، فلما مرض بسبب الجلد، حينما ثبت في المحنة كان يصلي كل يومٍ وليلة مائة وخمسين ركعة، وهذا ذكره أكثر من ترجم له. وقال إبراهيم بن هانئ النيسابوري: وكان -يعني الإمام أحمد- رأساً في العبادة وعلو الهمة، كان أبو عبد الله حيث توارى من السلطان عندي. وذكر من اجتهاده في العبادة أمراً عجباً قال: وكنت لا أقوى معه على العبادة، وأفطر يوماً واحداً واحتجم.
стр. 389
وقال أحمد بن سلامة النيسابوري الحافظ: كان هناد بن السري ﵀ كثير البكاء، فرغ يوماً من القراءة لنا، يعني يقرئهم الحديث، توضأ فجاء إلى المسجد فصلى إلى الزوال، وأنا معه في المسجد، ثم رجع إلى مسجده فتوضأ وجاء فصلى من الظهر، وأخذ يقرأ في المصحف حتى صلى المغرب، قال فقلت: لبعض جيرانه ما أصبره على العبادة، فقال: هذه عبادته بالنهار منذ سبعين سنة، فكيف لو رأيت عبادته بالليل؟.
وكان محمد بن إسماعيل البخاري -رحمه الله تعالى- يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح في كل ثلاثة ليالٍ بختمة. وقال بكر بن منير: كان محمد بن إسماعيل يصلي ذات ليلة، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى الصلاة قال: انظروا أيش آذاني؟ وفي رواية وقد تورم جسده، فقيل له: لما لم تخرج من صلاتك؟ قال: كنت في سورة فأحببت أن أتمها.
وكان بقي بن مخلد الإمام الحافظ المعروف صاحب المسند الكبير يختم القرآن كل ليلة في ثلاثة عشرة ركعة، وكان يصلي بالنهار مائة ركعة، ويصوم الدهر، وكان كثير الجهاد فاضلاً.
على كل حال صوم الدهر معروف حكمه عند أهل العلم، وجاء في الحديث الصحيح: ((لا صام من صام الأبد)) وجاء أن صيام الدهر مفضول، وأن أفضل الصيام صيام داود، لكن بعض الناس إذا فتح له باب من باب العبادة استرسل فيه ونسي نفسه، ونسي ما جاء فيه من نصوص.
وكان الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي لا يضيع شيء من زمانه بلا فائدة، فإنه كان يصلي الفجر ويلقن القرآن، وربما أقرأ شيئاً من الحديث، ثم يقوم فيتوضأ فيصلي ثلاثمائة ركعة بالفاتحة والمعوذتين، كما سبق الإشارة إليه إلى قبل الظهر، وينام نومةً، فيصلي الظهر، ويشتغل إما بالتسميع -تسميع الحديث- أو بالنسخ إلى المغرب، فإن كان صائماً أفطر وإلا صلى من المغرب إلى العشاء، ويصلي العشاء وينام إلى نصف الليل أو بعده، ثم قام كأن إنساناً يوقظه فيصلي، ثم يتوضأ ويصلي إلى قرب الفجر، ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر، فهذا دأبه.
стр. 390
وقال موفق الدين بن قدامة: كان الحافظ عبد الغني جامعاً للعلم والعمل، كان رفيقي في الصبا وفي طلب العلم، وما كنا نستبق إلى خيرٍ إلا سبقني إليه إلا القليل، وكمل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة وعداوتهم، وابن قدامة ذكر في ترجمته من العبادة الشيء الكثير، فما ترك قيام الليل من شبابه إلى أن مات، فإذا رافق ناساً في السفر ناموا وحرسهم يصلي. ومع ذلك ترك هذا الأثر الكبير في العلم، يعني قد يقول قائل: كيف يؤلف المغني وهو يصلي بالليل والنهار؟! ولا يدري أن هذا خيرٌ معين للتأليف والعلم والتعليم. وقال الحافظ الذهبي في السير: كان قدوة صالحاً عباداً قانتاً لله ربانياً، خاشعاً مخلصاً عديم النظير، كبير القدر، كثير الأوراد والذكر والمروءة والفتوة والصفات الحميدة، قل أن ترى العيون مثله، وكان يكثر الصيام، ويتلو كل ليلة سُبعاً مرتلاً في الصلاة.
وأما ما ذكر عن شيخ الإسلام بن تيمية -نختصر باعتبار أن الوقت قرب- من العلم والعمل فشيء يشبه المستحيل، فمع كثرة مؤلفاته ذكر من عبادته وتهجده وأذكاره وصيامه وجهاده، ويقرر في ذلك أن هذا هو السبب في إعانته على العلم، وكان مع ذلك مجبولاً على الكرم، وما شد على دينار ولا درهمٍ قط، بل كان مهما قدر على شيء من ذلك يجود به كله، وكان لا يرد من يسأله شيئاً يقدر عليه من دراهم ولا دنانير ولا ثياب ولا كتب، حتى الكتب يعطيها.
وقال ابن رجب في ذيل الطبقات عن الإمام المحقق ابن القيم -رحمه الله تعالى-: وحج مرات كثيرة، وجاور بمكة، وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة وكثرة الطواف أمراً يتعجب منه.
وقال ابن القيم في مقدمة مفتاح دار السعادة الذي ألفه بمكة، وكان هذا من بعض التحف التي فتح الله بها عليّ حين انقطاعي إليه عند بيته، وإلقاء نفسي ببابه مستكيناً ذليلاً ... إلى أن قال: فما خاب من أنزل إليه حوائجه وعلق به آماله، وأصبح ببابه مقيماً، وبحماه نزيلاً.
следующие страницы →