← Джавами‘

Джавами‘ · id 23349

دروس الشيخ عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

والإسلام جاء تعريفه في حديث جبريل المشهور لما سأل النبي ﵊ أجابه بقوله ﵊: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً)) وهذا الحديث متفق عليه كما هو معروف من حديث أبي هريرة، وتفرد به مسلم من رواية عمر، والإسلام في الأصل: الإذعان والانقياد والاستسلام. معنى قوله: (المرء): ((من حسن إسلام المرء)) المرء: الرجل، المرء هو الرجل يقابله المرأة، يعني هذا مما يفرق بينه وبين مؤنثه بالتاء، مرء وامرأة، وإن جاء للرجال هل معنى أن النساء لا يخاطبن بمثل هذا الحديث؟ ((من حسن إسلام المرء)) ألا تدخل المرأة في المرء؟ المرء هو الرجل يقابله المرأة، وجاء في الحديث ((من حسن إسلام المرء)) هل معنى هذا أن النساء في حل من مثل هذا الحديث؟ يحسن إسلامها ولم لم تترك ما لا يعنيها؟ والخبر إن جاء في الرجال؛ فالرجال نُص عليهم من باب التغليب، ويدخل في خطاب الرجال النساء، يدخلن في عموم خطاب الرجال، كما قال -جل وعلا- عن مريم ﵍: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [(١٢) سورة التحريم] يعني الخطاب متمحض لامرأة، يعني ما تدخل في عموم الرجال؟ يعني لو قال: كانت من القانتات، لأن الخطاب يخصها، لكن لما كان مخاطبة الشريعة كلها جاءت للرجال أو جلها للرجال من باب التغليب يدخل في ذلك النساء إلا إذا دل الدليل على اختصاص الرجال بشيء، أو اختصاص النساء بشيء آخر. معنى الترك: ((تركه)) الترك يقابل الفعل، والترك عمل قلبي، الترك عمل، لئلا يقال: ((إنما الأعمال بالنيات)) والصيام ترك إذن لا يحتاج إلى نية، نقول: لا، الترك عمل قلبي داخل في الأعمال، ولذا سماه الصحابي عملاً في قوله: لئن قعدنا والنبي يعملُ ... فذاك منا العمل المضللُ إن قعدوا عن مساعدته في بناء المسجد وتركهم لمساعدته سماه عملاً. لئن قعدنا والنبي يعملُ ... فذاك منا العمل المضللُ والترك وإن كان عملاً قلبياً إلا أنه ترك لأعمال ظاهرة. الأمور التي لا تعني الإنسان:

стр. 317

((تركه ما لا يعنيه)) (ما) هذه اسم موصول، وهي في الأصل لغير العاقل، بمعنى الذي، ويؤتى بها للتعميم؛ لأن الغالب غير العقلاء، مما لا يعنيه، و (لا) هذه نافية، و ((يعنيه)) يقال: عناه الأمر يعنيه إذا تعلقت عنايته به، وكان من غرضه وإرادته. يقول الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-: والعناية شدة الاهتمام بالشيء، يقال: عناه يعنيه إذا اهتم به وطلبه، كثيراً ما يقال: عُني به فلان، وقد يقال: اعتنى به فلان، هذا الشيء عُني به فلان، أو اعتنى به فلان، أيهما الأفصح؟ مثلاً كتاب -كتاب لإمام من الأئمة- حققه شخص، قال: اعتنى به وخرج أحاديثه، ورقم آياته وقابل نسخه فلان، اعتنى به، وقد يقال: عني به أو بعناية فلان، أيهما أفصح؟ طالب: اعتنى به. اعتنى به أفصح، كيف؟ أيهما أفصح يا شيخ؟ طالب:. . . . . . . . . لا هم ينصون على أن عني به أفصح؛ لأن المصدر عناية أفصح من اعتنى به، وإن جاز في اللفظ الثاني ليس هناك ما يمنع من استعمالها، إلا أنها أقل؛ لأن الاعتناء بالشيء والعناية به متقاربان، لكن أصل المادة العناية. وهنا قال: ((ما لا يعنيه)) ما قال: يعتني به، يقول الطوفي: والذي يعني الإنسان من الأمور ما يتعلق بضرورة حياته في معاشه وسلامته في معاده، وذلك يسير بالنسبة إلى ما لا يعنيه، فإذا اقتصر الإنسان على ما يعنيه من الأمور سلم من شر عظيم عميم، وذلك يكون بحسن الإسلام؛ لأن السلامة من الشر خير عظيم، والسلامة من الشر من حسن إسلام المرء.

стр. 318

والإنسان إذا عرف الهدف من وجوده، الهدف لماذا خلق؟ وحدد الهدف، وسعى لتحقيق هذا الهدف، وما يخدم هذا الهدف، سلم من شر كبير، وارتاح الراحة التامة، ونعم باله، وسلم من كثير من الأمور التي يتعرض لها كثير من الناس من أسباب الشقاء في هذه الحياة، إذا عرف الإنسان أنه مخلوق للعبادة، مخلوق لعبادة الله -جل وعلا-، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [(٥٦) سورة الذاريات] وسعى لتحقيق هذا الهدف، وجاء من باب التبع لتحقيق هذا الهدف، ما يُعِينه على البقاء في هذه الدنيا لتحقيق هذا الهدف، فالهدف من الوجود ومن الخلق العبادة، لكن هل تستطيع أن تعبد الله -جل وعلا- من غير أن تأكل أو تشرب أو تنام أو تلبس؟ لا تستطيع، إذن هذه الأمور وسائل لتحقيق الهدف الأعظم، هذه الوسائل بعض الناس يجعلها هي الأهداف، لما كانت هذه وسائل جاء التنبيه عليها في قوله -جل وعلا-: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [(٧٧) سورة القصص] الذي يقال له هذا الكلام من تصور الهدف وسعى لتحقيقه، لو تصور الهدف من وجوده، وسعى بالفعل جاداً لتحقيقه، يقال له: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ لكن الذي هدفه الدنيا، ينبغي أن يقال له: يا أخي لا تنس الآخرة، كما هو حال كثير من الناس اليوم، وما أصيب الناس بالشقاء والأمراض سواء كانت العضوية أو النفسية إلا لما كان هدفهم وغايتهم. . . . . . . . .

стр. 319

أقول: من سعى لتحقيق الهدف من وجوده ارتاح الراحة التامة من كثير مما يعانيه الناس اليوم من أمراض عضوية ونفسية، لماذا؟ لأن هدفه محدد، غير مشتت، هدفه أن يرضي الله -جل وعلا- بعبادته التي خلق من أجلها، فهو يسعى لتحقيق هذا الهدف، وما يعين على تحقيق هذا الهدف من باب التبع، لا على سبيل الاستقلال، لا على جهة الاستقلال، لكن إذا كان هدفه الدنيا تشتت، الدنيا كما يقول الناس: لا يلحق لها طرف، أمورها لا تنتهي، مطالبها لا يمكن الإحاطة بها، وجاءت الإشارة إلى هذا المعنى في قوله ﵊: ((من أصبح والدنيا همه شتت الله شمله)) بلا شك يريد أن يحوش الدنيا بحذافيرها لا يستطيع، الدنيا لا يمكن الإحاطة بها، ونهم الإنسان إذا انفتح على هذه الدنيا لا يمكن أن يرتاح له بال؛ لأنه أي شيء يراه بحيث يعجبه عند فلان أو علان يريده، ذكر عند فلان بيت قصر منيف، سعى لتحقيق هذا الهدف، ذكر عند علان سيارة فارهة، سعى لتحقيق هذا الهدف، ذكر عند فلان امرأة جميلة أو بنت سعى لتحقيق هذا الهدف، كيف يحيط بهذه الأمور؟ لا يمكن أن يحيط بهذه الأمور ولو بذل جميع ما أوتي من .... وما مد له من عمر، واستغل جميع اللحظات من عمره لا يستطيع أن يحقق مثل هذه الأمور، ولن يحصل له من دنياه إلا ما كتب له، لكن من جعل الهدف الشرعي الحقيقي وهو عبادة الله -جل وعلا- على مراده -جل وعلا- وعلى ضوء ما جاء عن نبيه ﵊ القدوة الأسوة، يجتمع همه، ولا يتفرق شمله، ويحدد مساره وحينئذ يرتاح يمشي على نور وعلى بينة، وعلى برهان، وعلى بصيرة. يقول: والذي يعني الإنسان من الأمور ما يتعلق بضرورة حياته في معاشه وسلامته في معاده، وهذا الأهم وذلك يسير بالنسبة إلى ما لا يعنيه، فإذا اكتفى الإنسان على ما يعينه من الأمور سلم من شر عظيم، وذلك يعود بحسن الإسلام؛ لأن السلامة من الشر خير عظيم، والسلامة من الشر من حسن إسلام المرء.

стр. 320

ثم قال: والذي يعني الإنسان من أمر معاشه –يعني الذي بواسطته يحقق الهدف من وجوده– ما يشبعه من جوع، لكن لو زاد على ذلك؟ عاد عليه بالضرر، زاد عليه بالتخمة والأمراض، ويرويه من عطش، فإن زاد على ذلك؟ كذلك، ويستره من ظهور عورته، ويعفه من زنا، وما تعلق بذلك على جهة دفع الضرورة، لا على جهة التلذذ والتمتع والاستكثار، ولا يمنع الشرع من أن يتمتع الإنسان بهذه الوسائل التي يحقق بها الهدف، ولذلك جعل في بضع أحدكم صدقة، أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: ((نعم)) له أجر، الشرع لا يمنع من التلذذ ولا يمنع من الانتفاع بما أباحه الله -جل وعلا-. لكن الإنسان إنما يستعمل هذه الأمور ليستعين بها على طاعة الله -جل وعلا- لينال بها وهي أمور عادية، أمور يضطر إليها الإنسان تنقلب بالنية الصالحة بالاستعانة بها على طاعة الله -جل وعلا- تنقلب عبادات والذي يعنيه من أمر معاده الإسلام والإيمان والإحسان، والذي يعنيه من أمر معاده ما جاء في حديث جبريل، الإسلام والإيمان والإحسان، والإمعان في هذا والاستكثار منه أولى من الإقلال والاختصار بخلاف الأول، الإمعان من أركان الإسلام وشرائعه من الإيمان وما يعالج أمراض القلوب من الإحسان والمراقبة لله -جل وعلا-، الإكثار من هذا أولى من الإقلال، بخلاف الإكثار من أمور الدنيا أمور المعاش، الإقلال منها أولى، لكن لا يصل الحد من الإقلال في أمور الدنيا، إلى أن يصل إلى حد يتضرر به البدن، بحيث لا يستطيع القيام بما أوجب الله عليه، ولا يصل الإكثار من بعض أبواب الدين الإخلال بما هو أهم منها وأوجب، جاء في الحديث: ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) يعني الإكثار من الصلاة، من نوافل العبادة، من قراءة القرآن، من الذكر، من نفع الناس العام والخاص، النفع المتعدي واللازم، هذه أمور مطلوبة شرعاً؛ لكن مع التوازن.

стр. 321

ومن المصالح العظيمة في هذه الشريعة الكاملة تنوع العبادات، نعم بعض الناس يفتح له باب وتصعب عليه أبواب، وهذا الباب يكون أنفع لقلبه، نقول: الزم هذا الباب ولا تنس الأبواب الأخرى، فبعض الناس عنده استعداد يجلس يقرأ القرآن في اليوم عشر ساعات، لكن يقوم ليصلي ركعتين أثقل عليه من الجبل، وبعض الناس عنده استعداد أن يصلي من ارتفاع الشمس إلى الزوال أكثر من ركعة، لكن تقول له: اجلس اقرأ القرآن صعب عليه، نعم نقول: من فتح له باب موصل إلى مرضاة الله يلزم هذا الباب، لكن لا يفرط في الأبواب الأخرى، ولذا تنوع العبادات في الشرع مقصد عظيم والجنة لها أبواب وكل باب يدعى منه فئة من الناس، لكن من الناس من يدعى من جميع هذه الأبواب، يعني من عمل بجميع شرائع الدين يدعى من جميع هذه الأبواب، ومنهم أبو بكر ﵁ وأرضاه-، لكن بعض الناس تثقل عليه الصلاة ويخف عليه الصيام يثقل عليه الصيام ويخف عليه تلاوة القرآن، يثقل عليه الذكر ويهون عليه الجهاد وهكذا، هذه أبواب كلها موصلة إلى الجنة وإلى مرضاة الله -جل وعلا- فعلى الإنسان أن يلزم ما فتح له من أبواب، وسهل عليه من طريق، ولا ينس الأبواب الأخرى، لا سيما ما أوجب الله عليه منها. يقول الحافظ ابن رجب ﵀: "ليس المراد أن يترك ما لا عناية له به، ولا إرادة بحكم الهوى وطلب النفس، بل بحكم الشرع والإسلام، ولهذا جعله من حسن الإسلام" أيش معنى هذا الكلام؟

стр. 322

بعض الناس يترك كثير من الأمور لأن هواه ورغبته لا تقبل مثل هذا الأمور، يترك التدخل في أمور الآخرين لبعدهم عنه مثلاً، هو لا يستطيع أن يكلف نفسه أن يذهب إلى فلان أو علان، تركه لا تبعاً لما جاء به النبي ﵊ ولا بحكم الشرع وإنما لهوى النفس، فإذا حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه في الإسلام من الأقوال والأفعال، فإن الإسلام يقتضي فعل الواجبات كما في حديث جبريل، ويدخل فيه ترك المحرمات كما في حديث أبي موسى في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﵊ سئل: أي المسلمين أفضل؟ قال: ((من سلم المسلمون من لسانه ويده)) حديث جبريل في الأفعال، فسر الإسلام بالأفعال، وهذا الحديث يدل على أن ترك المحرمات من الإسلام، أي المسلمين أفضل؟ قال: ((من سلم المسلمون من لسانه ويده)) يعني ترك ما يضر بالآخرين، وسلم الناس منه، وهذا في باب الترك. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((المسلم أخو المسلم، فلا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)) وهذا في انتهاك المحرمات. إذا حسن إسلام المرء بفعل الواجبات وترك المحرمات اقتضى ترك كل ما لا يعنيه، كل ما لا يعنيه اقتضى تركه، إذا حسن إسلامه بفعل الواجبات اقتضى حسن إسلامه ووفق لترك كل ما لا يعنيه من المحرمات مرة أخرى والمشتبهات والمكروهات ومن المباحات التي لا يحتاج إليها، قد يقول قائل: المباحات لماذا تترك؟ الإكثار من المباحات وتمرين النفس عليها، وتعويد النفس عليها لا شك أنها تكون وصف ملازم لهذه النفس، بحيث لو طلبها فلم يجدها من بابها، من أبوابها المباحة لا شك أن النفس تستدعيه إلى أن يطلبها من الوجوه التي فيها شيء من الكراهة، إذا لم يجد في الأبواب التي فيها الكراهة وتساهل في أمور الشبهات ثم بعد ذلك قاده ذلك وجره إلى ارتكاب المحرمات، ولهذا كان السلف يتركون كثير من المباحات خشية أن يقعوا أو يجرهم الاسترسال في هذه المباحات إلى انتهاك المحرمات؛ لأن النفس راغبة إذا رغبتها، إذا رغبتها راغبة، لكن إذا ترد إلى قليل تقنعُ.

стр. 323

النفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضا وإن تفطمه ينفطم النفس لا شك أنها تحتاج إلى الوقوف إلى أن تؤطر وتقصر ما لا يمكن تجاوزه، فإذا ترك المحرمات والمشتبهات والمكروهات وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها فإن هذا كله -مما ذكر- لا يعني المسلم، المحرمات لا تعنيه، المكروهات لا تعنيه ليس بحاجة إليها، إذا ترك فضول المباحات لم يحتج إلى المكروهات، وإذا ترك المكروهات ففراره عن المحرمات من باب أولى، والمسألة توفيق من الله -جل وعلا-، وبذل من الإنسان وسعي من الإنسان، الإنسان إذا فطم نفسه عن بعض المباحات التي لا يحتاج إليها لا شك أنه سوف يوفق إلى ترك المكروهات فضلاً عن المحرمات. إذا كمل إسلامه وبلغ إلى درجة الإحسان، كمل إحسانه وتم إيمانه وبلغ إلى درجة الإحسان، وهو أن يعبد الله -جل وعلا- كأنه يراه، نعم من الذي دعاه إلى ترك هذه المباحات؟ وما الذي حمله على ترك المكروهات والمحرمات؟ مراقبته لله -جل وعلا-، هذه المراقبة بعد أن راقب الله -جل وعلا- في ترك المباحات، ترك فضول المباحات، لا. . . . . . . . . مباحات، لأن الله أحل الطيبات، ترك الفضول من المباحات والمكروهات والمحرمات الذي دعاه إلى ذلك المراقبة لله -جل وعلا-، هذه المراقبة إذا تولدت عند الإنسان هي درجة الإحسان، وهذه الدرجة أن يعبد الله -جل وعلا- كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه، فمن عبد الله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه، أو على استحضار قرب الله منه وإطلاعه عليه فقد حسن إسلامه، يعني الأكمل أن تعبد الله -جل وعلا- كأنك تراه، فاستحضر هذا، إن لم تستحضر هذا والمسألة يعني عون من الله -جل وعلا- استحضر أن الله -جل وعلا- مطلع عليك، وحاسب نفسك وراقب ربك في أي عمل تريده، فمن عبد الله على استحضار قربه منه ومشاهدته بقلبه أو على استحضار قرب الله منه وإطلاعه عليه فقد حسن إسلامه، ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في إسلام وليشتغل بما يعنيه فيه.

стр. 324

كثير من الناس جهودهم يضيع أكثرها في لا شيء، تجده وهو سائر في الطريق. . . . . . . . .، هذه العمارة لو أن لونها كذا كان أفضل، لو أن الحجر من هنا، لو أن كذا، يضيع عمره في هذا، فلان لو عمل كذا لو قدم كذا لو أخر كذا، عليك بخاصة نفسك، ما أنت مسؤول عن غيرك، نعم أنت مكلف بدعوة الآخرين بإرشاد الآخرين بتوجيه الآخرين في منعهم مما يضرهم، نعم أنت مكلف بهذا، لكن الأمور التي لا قيمة لها والتي ليست من المقاصد، وليست مما خلقت من أجله ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)). إذا حقق المسلم منزلة المراقبة واستحضر قرب الله منه استحيا منه، يعني لو تصورنا أن الزاني وهو يزاول هذه الفاحشة يستحضر أن الله -جل وعلا- مطلع عليه، ما أقدم على هذه المعصية، لو استحضرنا أن المرابي وهو يعقد الصفقة يستحضر أن الله مطلع عليه وأنه يزاول حرب الله -جل وعلا- ما أقدم على هذا العمل، لكن الذي يقود إلى هذه الأمور الغفلة، والغفلة عقوبة من الله -جل وعلا-، سببها ما يغطي القلوب من غشاوة الذنوب، هذا هو الران، إذا حقق المسلم منزلة المراقبة واستحضر قرب الله منه واستحيا منه، وترك ما يسخطه بل ما لا يقرب إليه، واهتم بما يقرب منه حتى تقر عينه بعبادته، ويأنس بمناجاته، ويستوحش من غيره، يعني نسمع في سير المتقدمين التلذذ بمناجاة الله، الوحشة من مجالسة المخلوقين، أظن هذا ضرب من الخيال لماذا؟ لأن الإنسان يؤدي هذه العبادة على وجه قد لا يكتب له من أجرها شيئاً، يأتي بشروطها وأركانها، لكن لا يحضر قلبه في جزء منها، مثل هذه العبادة يتلذذ بها صاحبها؟ يرتاح بها المتعبد؟ هذه الصلاة التي يكبر تكبيرة الإحرام ويسلم وما استحضر منها شيء مثل هذه العبادة يتلذذ بها صاحبها؟! يتلذذ بمناجاة ربه إذا سجد وانطرح بين يديه؟ أبداً، تجده متى ينتهي من أداء هذه العبادة الآن وجدت الساعات في جدران المساجد تجد الإنسان ينظر إليها من دخوله من تكبيره الإحرام إلى السلام وعينه في الساعة متى ينتهي؟ لماذا؟ يروح يستأنس مع فلان وعلان، عكس ما عليه سلف هذه الأمة، من أنسهم بالله وتلذذهم بمناجاته واستياحشهم من غيره، والله المستعان. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد.

стр. 325

أقول: إذا حقق المسلم منزلة المراقبة واستحضر قرب الله منه واستحيا منه وترك ما يسخطه وما لا يقرب إليه واهتم بما يقرب منه حتى تقر عينه بعبادته ويأنس بمناجاة ربه ويستوحش من غيره كما حصل ذلك لسلف هذه الأمة، بخلاف من غفل عن مراقبة الله -جل وعلا- فإنه لا يتلذذ بالعبادة، بل تثقل عليه ويأنس بغيره وهذا أمر مشاهد ومجرب. مكانة هذا الحديث عند أهل العلم: هذا الحديث كما قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-: أصل عظيم من أصول الأدب، ويعني بالأدب الأدب الشرعي، المراد بالأدب هنا الأدب الشرعي، المستمد من كتاب الله وسنة نبيه ﵊ بخلاف ما تعارف عليه الناس من تسمية العلم القسيم للتاريخ وغيره من العلوم بعلم الأدب الذي هو يسمى أدب درس لا أدب نفس، هذا العلم المسطر في كتب غالبها لا يسلم من قلة الأدب، بل من فقد الأدب، جل كتب الأدب -مع الأسف الشديد- لا يسلم من فقد الأدب من المجون والسخرية والاستهتار وإيراد ما ينافي الفضائل من أخبار المردان وقصصهم التي يستحي العاقل من قراءتها بمفرده فضلاً عن ذكرها وروايتها كالأغاني وغيره من الكتب التي سودت بها الصحف. فالحديث كما قال ابن رجب -رحمه الله تعالى-: أصل عظيم من أصول الأدب، وقد حكى الإمام أبو عمرو بن الصلاح، مع الأسف الشديد أن يوجد من يروج لمثل هذا الأدب الماجن، وينعى على من يتكلم فيه، أو يهذب كتبه، نعم ينتقد بعض الأدباء المعاصرين ينتقد كتاب (زهر الآداب) للحصري، هذا الكتاب من أنظف كتب الأدب، يقول: أنه أغفل جانب مهم من جوانب الأدب من أهم جوانب الأدب الذي هو المجون، يقول: الحياة تفقد حيويتها حينما تكون أدب خالص، هذا كلام عاقل هذا؟ هذا كلام عاقل يتعامل مع نصوص الكتاب والسنة؟ هذا كلام أقل أحواله أنه سكران، أذهب إلى أبعد من ذلك فأقول: إن بعض الغي رشد، هذا أدب هذا؟ هذا سوء أدب.

стр. 326

فالحديث أصل عظيم من أصول الأدب، وقد حكى الإمام أبو عمرو بن الصلاح عن أبي محمد بن أبي زيد إمام المالكية القيرواني في زمانه أنه قال: جماع آداب الخير وأدلته تتفرع من أربعة أحاديث: قول النبي ﷺ : ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل: خيراً أو ليصمت)) يعني من التزم هذا الأدب يقول: خير أو يصمت، هذا يرتاح من أمور كثيرة، ويرتاح أو يسد على نفسه باب عظيم من أبواب كسب السيئات، يقول: خيراً أو ليصمت، وقوله: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) وقوله ﵊ لمن طلب منه الوصية: ((لا تغضب)) وقوله ﵊: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) والحديث منطوقه يدل على مدح ترك ما لا يعني، منطوق الحديث يدل على مدح ترك ما لا يعني، مفهومه يدل على الحث على اشتغال الإنسان بما يعنيه، يعني إذا مدح في ترك ما لا يعنيه، فمفهومه –مفهوم المخالفة لهذا الخبر– أنه يمدح بفعل ما يعنيه، الحث على اشتغال الإنسان بما يعنيه من أمور الدين والدنيا، فالحديث بمنطوقه ومفهومه من جوامع الكلم التي تجمع خيري الدنيا والآخرة.

стр. 327

يقول الطوفي: واعلم أن كل شيء فإما أن يعني الإنسان أو لا يعنيه، وعلى التقديرين: فإما أن يفعله الإنسان أو يتركه، فهي أربعة أقسام، يعني قسمة منطقية، تمامها أربعة أقسام ذكر منها اثنين، القسم الأول: فعل ما يعني وترك ما لا يعني، وهما حسنان، يعني فعل ما يعني وترك ما لا يعني هذان حسنان يقول، الثاني: يقابله، ترك ما يعني وفعل ما لا يعني، وهما قبيحان، ترك الثالث والرابع للعلم بهما، أنه للتزاوج، فعل ما يعني وما لا يعني هذا حسن من وجه قبيح من وجه، الرابع: ترك الأمرين، ترك ما يعني وما لا يعني، هذا أيضاً قبيح من وجه وحسن من وجه، وإذا عرفنا هذا فمما لا يعني فضول الكلام، فضول الأكل، فضول النوم، فضول النظر، الفضول بعمومها لا تعني المسلم، والخطرات، الهواجس، الأماني كلها لا تعني المسلم التي تحول دون الإنسان وتحصيل ما ينفعه في معاشه ومعاده، وهي من أعظم مداخل الشيطان إلى قلب العبد، فمن وفق لترك ما لا يعني من الكلام من المباح فضلاً عن المحرم من الغيبة والنميمة وغيرها لا شك أن هذه علامة لإرادة الخير للإنسان، ومن كلام السلف: من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه إلا فيما ينفعه، أن يقل خيراً. وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه. قال ابن رجب -رحمه الله تعالى- وهو كما قال: فإن كثيراً من الناس لا يعد كلامه من عمله فيجازف فيه، ولا يتحرى، وقد خفي هذا على معاذ بن جبل ﵁ حتى سأل النبي ﷺ أنؤاخذ بما نتكلم به؟ فقال النبي ﵊: ((ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على وجوههم -أو قال-: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)). احفظ لسانك أيها الإنسانُ ... لا يلدغنك إنه ثعبانُ ومع الأسف الشديد أن حال كثير من المسلمين اليوم بل يوجد في طلبة العلم -مع الأسف الشديد- من وظف نفسه للقيل والقال فيما لا يعني.

стр. 328

يقول ابن رجب: وهذا يدل على أن كف الإنسان وضبطه وحبسه هو أصل الخير كله، وأن من ملك لسانه فقد ملك أمره وأحكمه وضبطه، وقال: والمراد بحصائد الألسنة جزاء الكلام المحرم، وعقوباته فإن الإنسان يزرع بهذه الدنيا بأقواله وأعماله، يقول: فإن الإنسان يزرع بقوله وعمله الحسنات والسيئات، يعني فاختر لنفسك. يزرع بقوله وعمله الحسنات والسيئات ثم يحصد يوم القيامة ما زرع، فمن زرع خيراً من قول أو عمل حصد الكرامة، ومن زرع شراً من قول أو عمل حصد غداً الندامة، وحديث معاذ يدل على أن أكثر ما يدخل النار النطق؛ لأن معصية النطق يدخل فيها الشرك بالله -جل وعلا- وهو أعظم الذنوب عند الله ، ويدخل فيها القول على الله بغير علم، وهو قرين الشرك، القول على الله بغير علم ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [(١١٦) سورة النحل] يعني الفتوى بغير علم تدخل دخولاً أولياً في مثل هذا، ولو لم يكن في الباب إلا قوله -جل وعلا-: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ [(٦٠) سورة الزمر] الأمر ليس بالسهل ليس بالهين، احفظ لسانك، ويدخل فيها شهادة الزور التي عادلت الإشراك بالله ويدخل فيها القذف وغير ذلك من الكبائر والصغائر، كالكذب والغيبة والنميمة وسائر المعاصي الفعلية لا يخلو غالباً من قول يقترن بها يكون. . . . . . . . . عليها, هل يمكن أن ينفك غناء عن قول مثلاً؟ ما يمكن، هل ينفك ربا عن قول؟ ما يمكن، فأكثر ما يورد الناس المهالك هو القول، لأنه قد وجد دون فعل، والفعل لا يمكن أن يوجد دون قول، وفي حديث معاذ السابق الذي سبق بعضه، سأل النبي ﵊ عن عمل يدخل الجنة ويباعده فيه عن النار، وأخبره النبي ﷺ أنه سأله عن عظيم، لكنه يسير على من يسره الله عليه، فأخبره بشرائع الإسلام المدخلة الجنة، قال بعد ذلك: ((ألا أخبرك بملاك ذلك كله)) قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه، وقال: ((كف عليك هذا)) قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ .. الحديث، فقال: ((ثكلتك أمك يا معاذ)).

стр. 329

ففي هذا بيان خطر اللسان، وأنه هو الذي يوقع في المهالك، وأن ملاك الخير في حفظه حتى لا يصدر منه إلا ما هو خير، كما قال ﷺ : ((من يضمن لي ما بين لحييه ورجليه أضمن له الجنة)) وقال -عليه الصلاة السلام- وقد تقدم ذكره: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل: خيراً أو ليصمت)) وثبت في الحديث الصحيح: ((وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً)) وهذا الحديث الصحيح. . . . . . . . . فالأمور خطيرة جداً، فليحذر المسلم -لا سيما طالب العلم- من الوقيعة في الناس، لا سيما في أهل العلم، أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، عذاب القبر بسبب أمرين: الاستنزاه من البول، والمشي بين الناس بالنميمة، والنميمة قول، من حصائد اللسان، فليحذر طالب العلم من الوقيعة في الناس لا سيما أهل العلم، والملاحظ أن من يعتني بذلك ويتصدى له أنه في الغالب يخسر بركة العلم والعلم، عقوبة من الله -جل وعلا-، ويزين له الشيطان أنه على ثغرة، جرح وتعديل والكلام في فلان وعلان، هذا يا أخي أهل العلم إنما جوزوا الكلام في الرواة في الجرح والتعديل للأثر المترتب على ذلك، بل أوجبوه لماذا؟ لأنه لا يمكن معرفة الصحيح من الضعيف من سنة النبي ﵊ إلا بهذا، لكن جرحت فلان أو علان من الناس لا دخل له من قريب ولا بعيد في الرواية أنت الآن عرضت نفسك، فاحفظ لسانك أخي. وأما فضول الأكل، فلا شك أن الإنسان إذا أكثر الأكل ثقل بدنه وعاقه ذلك عن تحصيل الفضائل، وجره إلى الإخلاد إلى الراحة والكسل وكثر نومه وحرم بسبب ذلك النشاط للعبادة، فمن كان هذا وصفه لا شك أن يستثقل العبادة من الصلاة والصيام وغيرهما مما يقرب إلى الله .

стр. 330

النوم، النوم لا سيما الذي يعوق عن تحصيل الفضائل سببه الأكل، ففضول هذا يجر إلى فضول هذا، وكلاهما مذموم، وأما السهر فهو مكروه شرعاً، والمذموم من النوم سببه كثرة الأكل قد يكون للسهر دخل في كثرة النوم؛ لأن الإنسان إذا سهر في الليل وطال الكلام وأمضى ليله بدون فائدة، فإنه لا شك أنه يعاقب بأن ينام اليوم التالي ولا يفيد النوم، والسهر كما هو معروف مكروه شرعاً، فكان ﵊ يكره الحديث بعد صلاة العشاء، والمذموم من النوم هو القدر الزائد على ما يحفظ الصحة ويعين على الطاعة. والكلام في هذا يطول جداً. أما فضول النظر أيضاً لا شك أنه يقود إلى ما لا تحمد عقباه، لا سيما النظر إلى المحرمات، وقد كان الناس منهم المبتلى بالنظر إلى النساء، والنساء خروجهن قليل، والمبتلى بهذا قليل، لكن الآن بعد انتشار هذه الآلات ودخولها في أعماق البيوت، هذه ابتلي بها كثير من المسلمين مع الأسف الشديد، بل يوجد من كبار السن من ابتلي بمشاهدة هؤلاء النسوة العاريات المومسات، الإنسان يستثقل ويستبشع دعوة أم جريج عليه، ويقع فيها كل ليلة، لا يموت حتى يرى وجوه المومسات، تجد هذا ليل ونهار ينظر في وجوه المومسات الأمر ليس بالسهل، وقد عوقب كثير من المسلمين بالتخلف عن الصلوات بسببها، تجده من قناة إلى قناة إلى أن يخرج وقت الصلاة، كبار سن عمار مساجد في الستين والسبعين كانوا عمار مساجد ابتلي بالسهر مع هذه القنوات، ومع ذلك الآن يتركون صلاة الفجر مع الجماعة، هذه عقوبات، هذه فيها خطر أن يفتن في آخر لحظة إذا ابتلي بهذه الأمور. الخطرات والهواجس والأماني:

стр. 331

وأما الخطرات والهواجس والأماني التي تعوق عن ذكر الله ، بحيث ينشغل الإنسان بها عن ذكر الله والتفكر في عظمته وبديع صنعه فأمر خطير جداً، وكذلك الأماني التي تعوق عن الاستعداد ليوم المعاد، كما جاء في الحديث الصحيح: ((يشب ابن آدم ويشب معه خصلتان: حب الدنيا، وطول الأمل)) فمن أطال الأمل لا شك أنه يسوف في العمل، فإذا جاءه أمر الله بغتة ندم ولات ساعة مندم، فحري بالمسلم -لا سيما طالب العلم- أن يشمر في طلب ما يرضي الله ويقرب إليه ويترك ما لا يحتاج إليه من هذه الأمور، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الأسئلة: هذا سائل يقول: يا فضيلة الشيخ ورد عن بعض الصحابة قولهم إذا سئلوا في أمر: أوقع هذا؟ فإن وقع حدثوا فيه بما يعلمون، وإن لم يقع قالوا: دعوه حتى يقع؟ فهل يدخل هذا في ترك ما لا يعني؟ وما حكم الاشتغال بمعرفة أحكام ما لا يتعلق بالذمة، أو ما لم يقع؟ وهل يعتبر ناقل الفتوى من القائل على الله بغير علم؟

стр. 332

أما ما عرف عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين من تدافعهم الفتوى، لعلمهم بخطرها، وعظم شأنها فالمفتي موقع عن الله -جل وعلا-، فإذا وجد من ينوب بها ويقوم بها ويسقط الواجب فعلى الإنسان أن يدفعها، ومن وجوه الدفع أن يقال للسائل إذا كان السؤال لا فائدة عملية من ورائه، أن يسأل: هل وقع أم لم يقع؟ وهذا وجه من وجوه الدفع، أما إذا كان السائل من طلاب العلم الذي يريد أن يعرف هذه المسألة، وما تفرعت عنه، ويقيس عليها نظائرها، كما وجد من العلماء الأئمة المتبوعين في كتبهم وكتب أتباعهم من تفريع المسائل وتشقيق المسائل لتمرين الطلاب، لتمرين الطلاب عليها، هذا لا بأس والحاجة داعية إليه، لكن إذا عرف من السائل أنه لا يستفيد من هذا السؤال، يصرف عنه، ويصرف عنه بما هو أهم منه، فإذا سأل شخص أمر لا يحتاجه أجيب بما يحتاج إليه، بقدر الإمكان، وهذا يسمونه الأسلوب الحكيم، قد يسأل الإنسان سؤال ليس بحاجته، سأل طفل في الثالثة ابتدائي سأل أحد الشيوخ قال: ما حكم حلق شعر الصدر؟ الطفل ما بعد صار له شيء، قال: أنت هذا السؤال لا ينفعك ولا يفيدك، فاسأل عما يفيدك، مثل هذا السؤال تعرف أنه ليست واقعة نازلة لا يجوز كتم العلم فيها، هذه كتمها فيها مندوحة، فكون الإنسان يصرف عن سؤاله إلى ما هو أهم منه، لا سيما إذا ظهر من السائل أنه لا علاقة له بالسؤال، أو لا يعنيه السؤال، كالعامي أو آحاد الناس، يسأل في مسائل عملية كبرى، قد يكون فيها مصير للأمة بكاملها، يسأل واحد من أفراد الناس، يصرف عنها، هذا السؤال لإنسان له دور له أثر، إذا عرف الجواب، فيصرف إلى ما يعنيه، فالسؤال يدخل، الذي لا يعني الشخص يدخل دخولاً أولياً في حديث اليوم: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) قد يجاب بعض الناس إذا سأل بعض الأسئلة أن يقال: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) ويجاب بهذا؛ لأن هذا الأمر لا يعنيك. أما ناقل الفتوى إذا كان المفتي الأول ممن تبرأ الذمة بقوله، فناقل الفتوى مأجور، مأجور مشيع للخير، أما إذا كانت الفتوى ممن لا تبرأ الذمة به، أو مما هو من زلات العلماء فهذا لا شك أنه إشاعة لمثل هذه الزلات، ولا يجوز.

стр. 333

وهذا يقول: كثير من الشباب الذين يشتغلون بطلب العلم ضعفت همتهم وخفت عزيمتهم بسبب الظروف الراهنة، والمصائب الحالة على المسلمين، وصرنا نسمع عبارات منها قول بعضهم: إلى متى تقرؤون هذه الكتب القديمة، وإخوانكم يقتلون في كل مكان، إلى آخر مثل هذه الأقوال. فما توجيهكم حفظكم الله؟ هذا الأسلوب أسلوب تخذيل؛ لأن الإنسان الذي يقول مثل هذا الكلام لم يسع إلى حل ينفع الأمة ويخرجها من مأزقها أبداً، هو يردد هذا الكلام ليخذل من شمر في طلب العلم، وليس بيده حل آخر، ولا أنفع للأمة بكاملها من الرجوع إلى دين -جل وعلا- وإلى كتابه إلى دستورها العظيم. هو الكتاب الذي من قام يقرؤه ... كأنما خاطب الرحمن بالكلم فيه المخرج من جميع الفتن، فإذا تركنا كتاب الله -جل وعلا-، وتعلقنا بتحليلات صحف وأخبار إذاعات وقنوات ماذا نجني؟ ماذا نجني من ضياع الوقت في هذه الأمور التي نجد أننا على ثغر ونتابع الأخبار وقد لا نقدم ولا نؤخر، لكن على طالب العلم أن يعنى بما هو بصدده من طلب العلم وتحصيله وإصلاح نفسه وإصلاح من تحت يده، ومن يستطيع إصلاحه، هذا هو الواجب في مثل الظروف، والالتفات إلى أهل العلم والالتفاف حولهم، والاقتداء بالنبي ﵊ وبسلف هذه الأمة. كثيرة الأسئلة التي سطرت بمحبتك في الله يا فضيلة الشيخ؟ أحبكم الله الذي أحببتموني فيه. وهذا سائل يقول: ما رأيك بما يستشهد بهذا الحديث على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

стр. 334

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي جاء الأمر به والتأكيد عليه، حتى عده جمع من أهل العلم ركن من أركان الإسلام ((من رأى منكم منكراً فليغيره ... )) هل نستطيع أن نقول: هذا لا يعنينا؟ هل يستطيع مسلم أن يقول: هذا لا يعنيني؟ مع قوله ﵊: ((من رأى منكم منكراً فليغيره .... )) ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [(١٠٤) سورة آل عمران] مع هذه النصوص يستطيع ساذج فضلاً عن طالب علم أن يقول: هذا الأمر لا يعنينا ليدخل في الحديث: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) هو يعنيك بالدرجة الأولى، لا سيما إذا رأيت هذه المنكرات، فالحديث: ((من رأى منكم منكراً ... )) المنكر يعني كل من رآه، فهو مأمور بتغييره، لكن التغيير يختلف من شخص إلى شخص، منهم من يستطيع التغيير بيده، يلزمه ذلك، منهم من لا يستطيع التغيير بيده ينتقل على الثاني يغير بلسانه، منهم من لا يستطيع التغيير بلسانه ينتقل إلى التغيير بالقلب، على أن لا يغير المنكر بما يترتب عليه منكر أعظم منه، المسألة تحتاج إلى سياسة شرعية، أما كون المنكر لا يعنينا هذا الكلام ما هو بصحيح، يعنينا بالدرجة الأولى، نحن مأمورون بتغييره، كل من رأى المنكر مأمور بتغييره، إلى أن يتغير المنكر، ويأثم من لم يغير المنكر.

стр. 335

الأمر الثاني: أن المنكر لا سيما المنكر الظاهر، سبب لهلاك الجميع، فإذا كثر الخبث وانتشر ولا يوجد من يغيره ومن ينكره هلك الناس، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كثر الخبث)) فإذا تتابع الناس على عدم الإنكار وتواطؤا على ذلك، وشاعت المنكرات انتشرت فما يقال: بكثير من المعاصي الآن عمت بها البلوى، هل تريدون مثل هذا أن تعم البلوى بالزنا؟ أن تعم البلوى بالربا؟ فلا يستطيع الناس الانفكاك منه، إذا تواطأ الناس على تركه رآه فلان وفلان وعلان. . . . . . . . . بينهم بحيث لا يستطيعون دفعه، تواطأ الناس على السكوت على بعض المنكرات التي هي في نظرهم صغيرة استفحلت وانتشرت بحيث صح فيها أن يقال: أنها عمت بها البلوى، فلا نستطيع إنكارها، عموم البلوى بها ضريبة السكوت الأول، فإذا كان مثل هذا القائل يرى أن الناس لا ينكرون المنكرات يرى هذا خلا بامرأة، وهذا يعقد صفقة ربا، وهذا يقذف فلان ولا ينكر، إيش معنى هذا الكلام؟ هذه المخالفة لأمره ﵊ وأمر الله -جل وعلا- من قبل ذلك؛ فلا شك أنها من أعظم المنكرات، وإذا رأى الناس المنكر ولم يغيروه ماذا يحدث لهم؟ أوشك الله أن يعمهم بعقابه، نسأل الله -جل وعلا- أن يلطف بنا. وهذا سائل يقول: ما رأيك في موقع الدرر السنية على الإنترنت الخاص بالحكم على الأحاديث من خلال أقوال العلماء وهل هو موثوق؟ أنا لا أدخل في المواقع ولا أعرفها، لا أدخل المواقع ولا أعرفها، لكن ينقل لنا بعض الأشياء من بعض المواقع لكن تصوري ليس بكامل عن هذا الموقع، فلا أستطيع الحكم عليه. وهذا سائل يقول: هل الحديث عن الأحوال التي تمر بها الأمة وتحليلها ومتابعة أحداثها كما يحصل في العراق وفلسطين وغيرها يوماً بعد يوم يعد من ترك ما لا يعني؟

стр. 336

أما الاهتمام بشؤون المسلمين، الاهتمام بأمور المسلمين هذا أمر لا بد منه، ولا بد أن يكون الإنسان على اطلاع، لا يكون الإنسان مغيب، لا وجود له في المجتمع، عليه أن يطلع، لكن عليه بالتوازن، يطلع إطلاع ينفعه، وينفع غيره، يقدم حلول ممكنة، أما يطلع ويختفي بعدين ثم الفائدة إيش؟ لا بد إذا اطلع أن يسعى بجهده وطريقته بالأسلوب المناسب لبذل ما ينفع في حل هذه المشكلات، أما أن يصرف جهده ووقته ويفني عمره بالإطلاع من دون حل هذا لا ينفع، بل ينصرف إلى ما هو أهم منه. فعلى الإنسان ألا يكون غفل لا يعرف ما يدور في أمته وحوله، وعليه أيضاً ألا يصرف جهده إلى مثل هذه الأمور التي نفعها -إن وجد- لا سيما من آحاد الناس الذين لا يقدمون ولا يؤخرون، نفعها أقل من الانصراف بالكلية إلى تعلم العلم الشرعي والعمل به. وهذا هو السؤال الأخير يقول: فضيلة الشيخ آمل من فضيلتكم أن تضعوا قواعد يوازن الشباب بها بين طلب العلم والدعوة والعبادة والجهاد ومجالات النفع للمسلمين وجزاكم الله خيراً؟ أما بالنسبة للتوازن فللعبادة الخاصة عليه أن يعنى بما أوجب الله عليه، وما يسدد به ويرقع به خروم هذه العبادات، من نوافلها المطلوبة لتكميلها، عليه الصلوات المفروضة وتكميلها بالرواتب، وعليه بما حافظ النبي ﵊ عليه، وبما حث عليه وما جاء عنه، عليه بالصيام والإكثار من نوافل الصيام من الأيام التي جاء الحث على صيامها ولا يصرف همه إلى عبادة من العبادات بحيث تعوقه عن غيرها، عليه أن ينوع هذه العبادات فتنويع العبادات كما أشرنا سابقاً من مقاصد الشرع.

стр. 337

لكن قد يفتح للإنسان باب يسهل عليه التلذذ بهذه العبادة وينشرح صدره لها ويسهل عليه غيرها، فيكثر من هذه العبادة ولا ينسى غيرها مع أن الطالب في دور الشباب عليه أن يتجه إلى العلم، إلى تحصيل العلم، وما علمه يعمل به، ويدعو غيره إليه، وعليه أن يكون في أموره متوازناً بحيث لا يتجه إلى العلم بالكلية ويترك الأمر والنهي والدعوة ويترك أيضاً نوافل العبادات مشتغلاً بالعلم؛ أهل العلم يقولون: أن الاشتغال بالعلم أفضل من نوافل العبادات، لكن يبقى أن المسألة توازن، يعني أفضل من نوافل العبادات هل تترك الرواتب من أجل تحصيل العلم؟ لا تترك الرواتب وهي من نوافل العبادات من أجل تحصيل العلم، نعم الذي له عادة يقرأ القرآن في ثلاث، وقراءته القرآن في ثلاث تعوقه عن متابعة تحصيل العلم، نقول: يا أخي اقرأ القرآن في سبع واصرف بقية الوقت لتحصيل العلم، الذي يصلي اليوم والليلة مائة ركعة، نقول: صل أربعين ركعة وزد عليها الشيء اليسير بحيث تصرف بقية الوقت إلى تحصيل العلم، وهكذا بقية نوافل العبادة، على الإنسان أن يكون في أموره كلها متوازناً. والله المستعان.

стр. 338

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ولا تختلفوا فتفشلوا الشيخ/ عبد الكريم الخضير الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: في هذه الساعة من هذه الليلة المباركة، نجتمع في بيت من بيوت الله، نتذاكر جملاً من مسائل العلم المتعلقة بالخلاف بين أهل العلم، والنزاع المبني على الدليل، وهذا هو المضنون بأهل العلم.

стр. 339

وعنوان المحاضرة اطلعت عليه أخيراً بعد الإعلان، ولعل هذا سربه الاختلاف في فهم بعض الأمور بين الإخوان المرتبين لهذه المحاضرات وبين المكتب، أما أنا ما مر علي هذا العنوان بهذه الصيغة (ولا تختلفوا فتفشلوا) لأنه كأنه منزوع من نص، والنص ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ﴾ [(٤٦) سورة الأنفال] والنصوص في هذا الباب كثيرة جداً، منها ما جاء بالنزاع ومنها ما جاء في الاختلاف، وكلها جاءت من النصوص الملزمة من كتاب الله، وسنة نبيه ﵊، لكن اللفظ المعلن عنه لا يوجد ما يؤيده من الكتاب ولا من السنة بلفظه، وإن كان المعنى موجود، الله -جل وعلا- قد حث على الاجتماع، حث على الاجتماع، ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ [(١٠٣) سورة آل عمران] فنهى عن الفرقة والاختلاف, وحث على الاجتماع والائتلاف، وجاء من نصوص الكتاب والسنة ما ذكرت بعضه، من قوله -جل وعلا-: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾ [(١٥٢) سورة آل عمران] وعصيتم من بعد ما أراكم من تحبون، فالنزاع يؤدي إلى الخصام، والخصام لا شك أنه مؤد إلى الضعف، ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [(٤٣) سورة الأنفال] ﴿إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ وَاللهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [(١٢٢) سورة آل عمران] ﴿وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ﴾ [(٤٦) سورة الأنفال] والتنازع والمنازعة المجاذبة، ويعبر بهما عن المخاصمة، والمجابذة، يقول الله -جل وعلا-: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ [(٥٩) سورة النساء] هنا يكون الاحتكام إلى الله ورسوله عند وجود الخلاف، فردوه إلى الله والرسول، ومن الرد إلى الله والرسول الرد إلى القواعد العامة المستنبطة مما جاء عن الله وعن رسوله، وإلى الأصول المأخوذة من الكتاب والسنة، يقول -جل وعلا-، وقال تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [(٦٢) سورة طه] والفشل ضعف مع جبن، إذا كان عند التنازع والمنازعة

стр. 340

والنزاع المجاذبة والمشادة والمخاصمة والمجادلة، فالفشل المرتب على هذا النزاع هو ضعف مع جبن، وتفشل الماء إذا سال، وفي تهذيب اللغة قال الليث: رجل فشل، وقد فشل يفشل عند الحرب، والشدة إذا ضعف وذهبت قواه، ويقال: إنه لخشل فشل، وإنه لخشل فشل، يقول الله -جل وعلا-: ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [(٤٦) سورة الأنفال] يقول الزجاج: أي تجبنوا عن عدوكم إذا اختلفتم، ولا شك أن الاختلاف والتنازع في الآراء سبب للفرقة والفشل مما يجعل المختلفين لقمة سائغة لأعدائهم، وهنا شواهد الأحوال على هذا قائمة، لما كانت الأمة متحدة تحت راية واحدة، ومندرجة تحت قول واحد عمدته الكتاب والسنة، ولا يعني أنه لا يوجد خلاف في الآراء يوجد خلاف، لكن خلاف لا يؤدي إلى الفرقة، الإشكال في الخلاف المؤدي إلى التنازع والمخاصمة والفرقة، الاجتماع في الرأي والكلمة، ألفة ينشأ عنها اتحاد وقوة، والاختلاف في الظاهر يؤدي إلى الاختلاف في الباطن، وهذا لا شك فيه، كما أن الاتفاق في الظاهر يؤدي إلى الاتفاق في الباطن، ولهذا حرم النبي ﵊ التشبه بالكفار، لأن موافقتهم في الظاهر تؤدي إلى موافقتهم في الباطن، والعكس بالعكس، خلاف معهم في الظاهر يؤدي إلى منابذتهم في الباطن، وقل مثل هذا في الخلاف والوفاق مع المخالفين من المسلمين، بالنسبة للاختلاف، وهذا في النصوص التي تقدمت في النزاع، وهذا في الاختلاف، ﴿فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا﴾ [(٢١٣) سورة البقرة] فالخلاف الذي سببه البغي والعدوان هذا يؤدي إلى النتيجة التي جاء ذمها في القرآن والسنة، ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [(١٩) سورة آل عمران] ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [(٣٧) سورة مريم] ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [(٦٥) سورة الزخرف] ﴿وَمَا

стр. 341

اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [(١٠) سورة الشورى] ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [(١٧٦) سورة البقرة] ﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾ [(٢١٣) سورة البقرة] قال -جل وعلا-: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [(٢١٣) سورة البقرة] فالذين آمنوا يوجد معهم الاختلاف، لكن هداية وتوفيق، وغيرهم يوجد بينهم خلاف لكن مع خصام ونزاع وجدال يفضي إلى الخذلان –نسأل الله العافية-.

стр. 342

﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [(١٠٥) سورة آل عمران]، ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ [(١٤) سورة الشورى] ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ﴾ [(١٩) سورة يونس] ﴿فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءهُمُ الْعِلْمُ﴾ [(٩٣) سورة يونس] ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [(٦٤) سورة النحل] ﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [(٦٣) سورة الزخرف] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [(٧٦) سورة النمل] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [(٣) سورة الزمر] ﴿أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [(٤٦) سورة الزمر] ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [(٦٣) سورة الزخرف] لأنه لو بين جميع ما يختلف فيه لارتفع الاجتهاد، الذي هو من نعم الله -جل وعلا- على هذه الأمة، الاجتهاد الذي رتبت عليه الأجور، لمن تأهل له ونظر في النصوص بتجرد، من غير هوى، ومع ذلكم فإن أصاب الحق فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، لا يقال: كيف هذه النصوص مع وجود الخلاف الكثير، بين الصحابة فمن بعدهم، يوجد خلاف بين الصحابة في مسائل كثيرة من العلم، يوجد خلاف بين أبي بكر وعمر، يوجد خلاف بينهما وغيرهما، وهذا كله مبناه ومرده إلى أمور تذكر فيما بعد إن شاء الله تعالى. الاختلاف والمخالفة:

стр. 343

الاختلاف والمخالفة: أن يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الآخر، في حاله أو قوله، يعني هذا إذا ذهب من جهة اليمين، وذاك من جهة الشمال، ببدنه اختلفا، لكن لو صارا في طريق واحد حصل الاتفاق بينهما، وقل مثل هذا في الأقوال، إذا قال هذا يجب وقال هذا يحرم، اختلف، والخلاف أعم من الضد، لأن كل ضدين مختلفان، وليس كل مختلفين ضدين، الخلاف أعم من الضد، لأن كل ضدين مختلفان، لأنه لا يمكن أن يجتمع الضدان، فهما مختلفان، وليس كل مختلفين ضدين، ولما كان الاختلاف بين الناس في القول قد يقتضي ويفضي إلى التنازع استعير ذلك للمنازعة والمجادلة، قال الله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ [(٣٧) سورة مريم] وقال أيضاً: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [(١١٨) سورة هود] فهذه الاختلاف بين الناس في الأقوال لا شك أنه قد يفضي إلى التنازع والمجادلة والمخاصمة والفرقة لا سيما إذا كان منشأ الاختلاف عن هوى، لا بحثاً عن الحق، أما من يبحث عن الحق فلن يحصل منه شيء من هذا، الذي يبحث عن الحق لا شك أنه يوفق ويسدد سواء أصاب الحق أو لم يصبه.

стр. 344

جاء في الحديث: ((اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك)) ففيه طلب الهداية إلى الصواب والحق في الأمور المختلف فيها جاء أيضاً أن الاختلاف سبب لرفع ما ينفع، سبب لرفع ما ينفع، فتلاحى رجلان فرفعت، اختصم رجلان واختلفا، فرفعت يعني ليلة القدر، رفع العلم بها، خرج النبي ﵊ لخبرهم فيها، لكنه تلاحى رجلان، وهذا من شؤم الخلاف، وإن كانت العاقبة حميدة لهذه الأمة بأن يكثر الاجتهاد، ويطول زمن التعبد والاتصال بالله -جل وعلا- فتعظم الأجور، فالخيرة فيما يختاره الله ، إن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكهم الله بسبب خلافهم، وجاء في يوم الجمعة: هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه –يعني وهدانا الله -جل وعلا- لاختياره –الذي فرض على الأمم يوم الجمعة، فاختلفوا فاختار اليهود يوم السبت، واختار النصارى يوم الأحد، وهدى الله هذه الأمة إلى ما يريده الله -جل وعلا- ويرجوه، أفضل الأيام، وجاء في الحديث الصحيح: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)) يعني بالنسبة للزمان في الدنيا نحن الآخرون، آخر الأمم، لكن يوم القيامة نحن السابقون، والسبب في ضلالهم عما افترض عليهم واختلافهم، وفي الحديث الصحيح رواه أحمد وغيره: ((حتى أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه)) وفي الحديث أيضاً المخرج في صحيح مسلم: ((استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)) وهذا فيه دليل على أن الاختلاف في الظاهر، يجر إلى الاختلاف في الباطن، ومنه أيضاً: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم)) في البخاري عن علي -رضي الله تعالى عنه- قال: "أقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف، اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف، حتى يكون الناس جماعة" يعني اختلف رأيه بالنسبة لأمهات الأولاد، مع رأي أبي بكر وعمر، نعم، لكنه مع ذلك قال: "اقضوا بما كنتم تقضون به" لأن المسألة اجتهادية، اقضوا كما كنتم تقضون فإني أكره الاختلاف، حتى يكون الناس جماعة، أو أموت كما مات أصحابي، قال ابن حجر: "فإني أكره الاختلاف" أي الذي يؤدي إلى النزاع، قال ابن كين: "يعني مخالفة أبي بكر وعمر" وقال غيره: المخالفة

стр. 345

التي تؤدي إلى النزاع والفتنة، ويؤديه قوله بعد ذلك، حتى يكون الناس جماعة، حتى يكون الناس جماعة، جاء في الخبر: ((اختلاف أمتي رحمة)) وهذا الخبر لا أصل له، ولا يوقف له على إسناد، ذكره نصر المقدسي والبيهقي بغير سند، وأورده الحليمي أيضاً، لكنه خبر لا أصل له، وهو معارض بقول الله -جل وعلا-: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [(١١٩) سورة هود] فدل على أن الاختلاف ليس برحمة، نعم ما يؤدي إليه بعض الاختلاف المبني على الاجتهاد الذي ليس فيه معارضة ولا مصادمة لنص ثابت صريح صحيح، مثل هذا قد يكون فيه سعة، ورحمة لبعض الناس، لا سيما بالنسبة لمن فرضه التقليد، تقليد أهل العلم، إذا كان مقلداً لإمام بعينه، تبرأ الذمة بتقليده، وقوله أخف من قول غيره، لكن لا يعني هذا أن للإنسان الذي فرضه التقليد، سواء كان عامياً أو طالب علم مبتدئ في حكم العامي، أنه يتنقل في المذاهب بحثاً عن الأسهل وهذا ما يعرف عند أهل العلم بتتبع الرخص، مثل هذا لا شك أنه يخرج من الدين وهو لا يشعر، لأنه ما من مسألة إلا وفيها أقوال، فإذا كان ينتقى من هذه المسائل أسهل الأقوال، هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم، قال أحمد: حرام، وقال أبو حنيفة: مكروه، وقال مالك: جائز، يأخذ رأي مالك في هذه المسألة، جاءت مسألة بالعكس، قال مالك: حرام، قال أبو حنيفة: مكروه، قال أحمد: جائز، يأخذ برأي أحمد في هذه المسألة، هل هذا هو المراد؟ مثل هذا يخرج من الدين بالكلية، يتنصل عن جميع الشرائع، ولا يبقى عنده إلا ما علم من الدين بالضرورة، مما اتفق عليه وأجمع عليه العلماء، ولهذا يقولون: من تتبع الرخص تزندق، يعني يخرج من الدين وهو لا يشعر، مثل هذا لا يسوغ له أن ينتقل وينتقى من المذاهب، بل إذا قلد إماماً رأى أن ذمته تبرأ بتقليده امتثالاً لقول الله -جل وعلا-: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [(٧) سورة الأنبياء] يلزمه قوله في كل مسألة، اللهم لو حجة، بدليل صحيح صريح في المسألة، فانتقل من تقليد هذا الإمام إلى اعتماد هذا الدليل، فيبرأ من هذه، بل هناك كتاب اسمه: (رحمة الأمة في اختلاف الأئمة) رحمة الأمة في

стр. 346

اختلاف الأئمة، وهو مبنى على هذا الحديث الذي لا أصل له، وهو لمحمد بن عبد الله الدمشقي الشافعي، اسمه رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، وعرفنا أن الحديث لا أصل له، ابن مسعود ﵁ فيما رواه أبو داود في كتاب المناسك، عبد الله بن مسعود صلى أربعاً في الحج، وهو يرى القصر، وقد عاب على عثمان ﵁ أنه صلى أربعاً لو قصر أفضل، صلى ابن مسعود أربعاً فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعاً، قال: الخلاف شر، الخلاف شر، الخبر، وإن كان في إسناده جهالة، لكنه صار عمدة ومطية لكثير ممن أراد أن يوافق حسب هواه بعض المخالفين، فإذا وجد في بلد يعتمدون على إمام بعينه ثم حضر عندهم أو وجد بينهم، تجده يوافقهم ويقول الخلاف شر، يترك بعض الواجبات ويقول: الخلاف شر، وأحياناً يرتكب بعض المحرمات ويقول: الخلاف شر، لكن هل هذا الكلام على إطلاقه؟ إن صح عن ابن مسعود، الخلاف في جملته شر، والوفاق والاتفاق خير، لكن يبقى أنه هل كل خلاف شر، يعني هل معنى هذا أننا إذا قدمنا إلى بلد وأهله على مذهب معين يعملون عملاً هو في نظرك واجتهادك محرم، تقول: الخلاف شر، وتعمله، وتوافقهم على ما يعملون، ذهبت إلى بلد أهله حنفية، يشربون النبيذ، تشرب النبيذ وتقول: الخلاف شر، أو أهله مالكية، يأكلون من اللحوم ما ترى تحريمه تأكل معهم وتقول: الخلاف شر، وأنت عندك الدليل الواضح الصريح على منعه وتحريمه، أو تترك بعض الواجبات بناء على أن الخلاف شر، لا شك أن الجملة في أصلها في جملتها، لها أصل لكن يبقى أنها تحتاج إلى تقييد، تحتاج إلى تقييد، هناك قواعد يطلقها أهل العلم تحتاج إلى تقييد، هنا الخلاف شر، يعني ترى المحرم وترتكب المحرم وتقول: الخلاف شر، نعم إذا كانت المسألة خلاف بين فاضل ومفضول، أنت عندك سنة وهم عندهم مباح مثلاً، ويفعلونه تقول: الخلاف شر أو العكس، هم يفعلون أمراً يرونه مباحاً وأنت تراه مكروه، لا مانع الخلاف شر، لكن يبقى أنه لا احتياط فيما تعارض فيه الأقوال معارضة بينة، أنت تراه واجب وهم يرونه محرم تتفق معهم وتقول: الخلاف شر، هذه لا بد من تقييدها، أهل العلم يطلقون أيضاً العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ونقلوا الاتفاق على ذلك،

стр. 347

على أنه أحياناًَ يحتاج إلى اللجوء إلى السبب والتخصيص به لأن عموم اللفظ معارض بما هو أقوى منه، فيحتاج إلى تقييد مثل هذه القواعد التي يطلقها أهل العلم، فإذا كان الخلاف بين فاضل ومفضول، وأردت أن توافقهم ارتكاباً للمفضول، أو كانت المسألة مسألة اجتهادية ليس فيها نص صريح صحيح نعم، مسألة اجتهادية، فلك أن ترتكب القول المرجوح، لا سيما إذا كان يترتب عليه مصلحة راجحة، أما إذا كان عمدة المسألة، إذا كان عمدة المسألة دليلاً مرفوعاً صحيحاً صريحاً، فلا مندوحة لك من العمل به مهما ترتب عليه، ولا اختلاف مصدر اختلف، وهو نقيض الاتفاق، يقول ابن منظور: اختلف الأمران لم يتفقا، وكل ما لم يتساوى فقد اختلف، والخلاف المضادة، وخالفه إلى الشيء عصاه إليه أو قصده بعد أن نهاه عنه، الحديث يقول: فأخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة، يعني أقصدهم، هؤلاء الذين تخلفوا عن الصلاة، يخالف إليهم النبي ﵊ بمعنى أنه يقصدهم في منازلهم، والخلف والخلاف والاختلاف عند الفقهاء بمعنى، عند الفقهاء بمعنى واحد، وقد يطلق على الخلاف النزاع، وهذا كثير على ألسنة أهل العلم، يسمونه نزاع، مع أنه جاء ذم النزاع والمنازعة والتنازع، فكثيراً ما يقولون: تحرير محل النزاع، يعني محل الخلاف، يعني إذا قيل لك هل البسملة آية من القرآن، أو ليست بآية؟ تقول: أولاً: نحرر محل النزاع، وذلك بإخراج المسائل المتفق عليها، ثم يبقى المسائل المختلف فيها، تحرير محل النزاع تقول: اجمعوا على أن البسملة بعض آية من سورة النمل، وأنها ليست بآية في أول براءة، ثم اختلفوا فيما عدا ذلك، هنا حررت محل النزاع، وهو خلاف، يسمونه نزاع، ودرجوا على هذا، يطلق بعض الفقهاء على مخالفي مذهبه الخصوم، الخصوم دليلنا ودليل الخصوم، هذا موجود في كتب أهل العلم، أو ما هو موجود؟ نصب الراية ما هو مبني على هذا، دليل الخصوم، يعني المخالفين، هل نفهم من هذا أن هؤلاء العلماء الذين أطلقوا على الخلاف نزاع، وأطلقوا على المخالف خصم، أنهم يحملون في قلوبهم شيئاً على هؤلاء المخالفين، أو أن هذه ألفاظ اصطلاحية درجوا عليها، ولا يعني أن في قلوبهم شيئاً عليهم، يعني أصل الكلمة قد يكون قوي جداً،

стр. 348

لكنها مع كثرة الاستعمال ولو في الألسنة لها قد يخص مدلولها العرفي، نعم، ولا معنى صاحب نصب الراية فقيه محدث، نعم هو فقيه حنفي، ينتصر لمذهبه، لكن يبقى أنه من أهل العلم، هل معنى هذا أنه يحمل في قلبه حقداً على خصومه فيما يقتضيه لفظ الخصومة والمخاصمة، هل نقول: أن هذا موجود، أو أنا نقول أن العلماء تداولوا هذه الألفاظ، وكثرت على ألسنتهم، وصاروا يلفظون بها، ويكتبونها في مصنفاتهم من غير قصد لمعناها الأصلي. بعض العلماء يفرق بين الاختلاف والخلاف، كيف؟ قد عرفنا أن الخلف والخلاف والاختلاف بمعنى، يقول الناظم: جرى الخلف أما بعد من كان بادئاً (يعني الاختلاف). ويقول الحافظ العراقي: والخلف في مبتدع ما كفرا (والمراد به الخلاف). ويطلق هنا الخلف والمراد به الخلاف والاختلاف. بعضهم يفرق بين اللفظين الخلاف والاختلاف، يقولون الأول: الذي هو الاختلاف، يستعمل في قول بني على دليل، يسمونه اختلاف، والثاني: فيما لا دليل عليه، يسمونه خلاف، وأيد ذلك التهنوي في كشاف اصطلاحات الفنون، أن القول المرجوح في مقابلة الراجح يقال له: خلاف لا اختلاف، قال: والحاصل منه ثبوت الضعف في جانب المخالف في الخلاف كمخالفة الإجماع وعدم ضعف جانبه في الاختلاف، لكن هل هذا التفريق معتبر في إطلاق كثير من أهل العلم، لا نرى له أثراً في كثير من إطلاقات أهل العلم لهذين اللفظين، تسمعون قالوا: خلاف أو اختلاف. الخلاف أنواع:

стр. 349

منه اختلاف التضاد: وهو الخلاف الحقيقي، وهو الذي لا يمكن التوفيق بين الأقوال المندرجة تحته، اختلاف تضاد، يعني حينما يقال هذا حرام وهذا واجب، هل يمكن أن نستطيع التوفيق بين القولين، ونعمل بالقولين، لا يمكن أن نوفق بين هذين القولين، والاحتياط في مثل هذا مستحيل، فلا بد أن نرجح هذا أو هذا، لأن الاختلاف من اختلاف التضاد، هناك اختلاف تنوع، وهذا يمكن الجمع بين جميع الأقوال، فمثلاً ما أثر عن النبي ﵊ من أدعية الاستفتاح، هل نقول نرجح بين هذه الأدعية ونعمل بواحد منها أو نقول هذا اختلاف تنوع، بمعنى أننا نستفتح بهذا، ونستفتح بالثالث، وإذا عرفنا أن بعضها يقال فيه ظرف في حال أو في وقت عملنا به، وقل مثل هذا في صيغ التشهد، وقل مثل هذا فيما ثبت عن النبي ﵊، ربنا لك الحمد، ربنا ولك الحمد، اللهم ربنا لك الحمد، اللهم ربنا ولك الحمد، هل نرجح بأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى ونعتمد ما اجتمع الواو، واللهم لأنه أكثر، أو نقول: كلها ثابتة، فأحياناً نقول هذا، ونقول هذا، ولعل هذا هو المتجه، يعني حينما يختلف المفسرون في تفسير الصراط، وفي كثير من ألفاظ القرآن ما هو من هذا النوع اختلاف تنوع، وأشار إلى هذا شيخ الإسلام، وضرب له أمثلة في مقدمة التفسير الأول اختلاف التضاد، ينقسم إلى اختلاف معتبر، واختلاف غير معتبر، اختلاف معتبر واختلاف غير معتبر، فالمعتبر ما دل عليه الدليل، يعني له مأخذ شرعي، فهو خلاف معتبر، أما ما لا دليل عليه، مما بني على استحسان أو اجتهاد أو قياس في مقابل النص، فالقياس في مقابل النص عند أهل العلم فاسد الاعتبار، هناك خلاف أيضاً يتساهل فيه أهل العلم، وخلاف يتشددون فيه، فالخلاف في أصول الدين مثلاً، الخلاف في أصول الدين المسائل المتعلقة بأصول الدين، وهو مسائل الاعتقاد، لا تخلو إما أن يثبت اتفاق السلف عليها بحيث لا يوجد بينهم مخالف، كوجود الله ووحدانيته وأسمائه وصفاته التي جاءت النصوص الصريحة بها، فهذا القسم لا يسوغ فيه الخلاف، ولا يعذر فيه المخالف، ويطلق عليه حينئذ مبتدع، الذي يخالف في مسائل الاعتقاد، التي اتفق عليها الصحابة والتابعون، ومن تبعهم من

стр. 350

سلف هذه الأمة وأئمتها، مسائل الخلاف، مسائل الاعتقاد التي ثبت فيها الاختلاف بين السلف، وهذه في الغالب إذا كانت الأدلة محتملة، إذا كانت الأدلة محتملة للنفي والإثبات كاختلافهم في رؤية النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء، تقول عائشة: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم الفرية، وابن عباس يثبت الرؤية، فترجيح أحد القولين سائغ، لكن بالدليل، بالمرجح، لا عن هوى، هناك مسائل صفات مثلاً يتفق أهل العلم على أنها من آيات الصفات، ويبقى وجه ربك، السمع والبصر وغيرها مما ثبتت بالنصوص القطيعة من الكتاب والسنة، هذه ليس بين سلف هذه الأمة خلاف فيها، لكن هناك آيات يختلف هل هي من آيات الصفات؟ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [(١١٥) سورة البقرة] وهناك أيضاً ما لا يقوى الدليل على إثبات الصفة به، من وجهة نظر المخالف، فعلى سبيل المثال صفة العزم، هل تثبت لله -جل وعلا-، صفة العزم، شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى أثبت لأهل السنة هذه الصفة، قولين، قال: القول الأول: لا تثبت صفة العزم لله -جل وعلا- لماذا؟ لأنه لم يرد فيها حديث صحيح صريح مرفوع عن النبي ﷺ والصفات توقيفية، القول الثاني: وهو الأصح، كما يقول شيخ الإسلام أننا نثبت العزم لله -جل وعلا-، هل فيه حديث صريح الرفع، الباب توقيفي، كيف يقول شيخ الإسلام وهو الأصح، فيه آثار، لكن من أقواها ما جاء عن أم سلمة كما في كتاب الجنائز من صحيح مسلم: "فعزم الله لي فقلتها" فأثبتت صفة العزم وأن الله يعزم، ولم تصرح برفعه إلى النبي ﵊، لكن مثل هذا هل تقوله أم المؤمنين من غير توفيق؟ هل تدرك أم المؤمنين مثل هذا من غير أن تسمع من النبي ﷺ فيه شيئاً، نقول هذا له حكم الرفع، لأنه لا يقال بالاجتهاد ولا بالرأي، ولهذا أثبتوا صفة العزم بهذا الخبر، ومن نفاها فله سند، فمثل هذا يسوغ فيه الخلاف، أما ما اتفق عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام، فهذا لا مندوحة لأحد في أن يخالف فيه، الخلاف في الفروع، وهو عند أهل العلم أسهل، ولهذا لم يبدعوا أحداً من المخالفين في المسائل الفرعية، الإمام مالك

стр. 351

-﵀ خرج حديث ابن عمر: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) ومالك يقول: لا خيار، بلغه، ورواه، وخرجه، وروي الحديث من طريقه، هل نقول الإمام مالك مبتدع، لأنه ما أثبته الخبر هو تأول الخبر، ما قال نعم الحديث صريح في خيار المجلس ولا أرى خيار المجلس، هذا مصادمة للنبي ﵊، فمثل هذه خطر عظيم جداً، ولا يمكن أن يقول الإمام مالك أو غير مالك بهذا القول، الإمام مالك تأول الخبر، يعني ما لم يتفرقا، بالكلام، وابن حزم يرد على مالك وأبي حنيفة في تأويل هذا الخبر، أنه لا بيع قبل التفرق بالكلام، والحديث يثبت البيع، والبيِّع والبيِّعان، أو يكون بيعين وهما لم يتفرقا في الكلام ما تم الإيجاب والقبول، هل يسمى بيع، ما يسمى بيع، فقولهم ضعيف مرجوح، ولهذا قال ابن أبي ذئب ينبغي أن يستتاب مالك، لماذا؟ لأن تأويله للخبر ضعيف، نعم هو متأول وله أدلة أخرى يدعم بها قوله، ويرى أن الحديث معارض بأدلة أخرى، وهو إمام من أئمة المسلمين، نجم السند وإمام دار الهجرة لا أحد يطعن فيه، لكن مع الأسف يوجد ممن يناقش الأئمة في مثل هذه المسائل، ويأتي بالألفاظ البشعة، كأن يقول: وبهذا قال مالك فأين الدليل؟ وأحياناً يقول: هذا قول من لا يؤمن بيوم الحساب، أو يقول: هذا قول فلان وهو لا يساوي رجيع الكلب، هل هذا من أدب المسلم فضلاً عن طلبة العلم، فضلاً عن أهل العلم، الخلاف له أدب، والقول لا يمكن أن يقبل بهذه الطريقة مهما كانت قوته، لأن النفوس لها حرم ينبغي مراعاتها، والرفق ما دخل في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه، وأنت تنظر تناقش إمام كبير سواء كان من الموجودين أو من المتقدمين، ينبغي أن تتأدب بأدب أهل العلم، عليك بالرفق، تناقش عالم من العلماء من المعاصرين، ترى أنه أخطأ، لكن أن تناقشه بأدب إن كنت نداً له فلا مانع من أن تبسط المسألة بأدلتها وتلزمه بقبولها ما لم يجب عنها، لكن إذا كنت طالب وهو شيخ، فلا تأتي بأسلوب تدخل إلى قلب الشيخ ليسمع لك، وبالمقابل هو أيضاً مخاطب بأدب آخر، وهو الوجوب والانصياع، لقال الله قال رسوله، لكن أنت أيضاً من أجل أن يقبل ما تأتي به، وأنت ترجو ثواب الله -جل وعلا-، بقبوله الحق، فأنت تعرض

стр. 352

ما عندك بالأسلوب المناسب، بعد أن تقدم بمقدمة بعد أن تبين له أنك استفدت منه، وأنه من أهل العلم والفضل وله فضل على الأمة، لكن هذه المسألة لو قيل فيها كذا؟ أو هل يثبت عنكم كذا؟ أو ما حجتكم في كذا؟ بالأسلوب المناسب اللطيف من أجل يقبل، لأنك تخاطب عالم، ما تخاطب إنسان عادي، ولا شك أن النفوس لها الحرم، وينبغي مراعاة هذه الحرم. المسائل الفرعية منها ما حصل عليه الإجماع، كالأمور المعلومة بالضرورة من دين الإسلام، فهذه لا يسوغ الخلاف فيها، ولا يجوز الخلاف فيها، بل بعضهم أو كأنهم يطبقون على أن من أنكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة أنه يكفر، يعني لو قال: بتحريم الخبز مثلاً، ولا تأويل له سائغ، يعني لو قال: هذا خبز، لا يجوز حرام أكله، طيب ليش حرام؟ قال: فيه تعفين معفن، فهو ضار، نقول: نعم هذه مقبولة، لكن خبز لا ضرر فيه نظيفة لا إشكال فيه أو تمر لا يضر، إذا حرمه، قد ثبتت النصوص القطعية بإباحته عند أهل العلم يكفي، نقول: مثل هذا لو أباح أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، لو أباح الزنا أو أباح شرب الخمر وهو ممن لا يخفاه مثل هذا فإنه يحكم بكفره عند أهل العلم، وإن كانت مصنفة ضمن المسائل الفرعية.

стр. 353

الفروع الاجتهادية التي قد تخفى أدلتها، هذه المسائل وهذه الفروع الخلاف فيها واقع في الأمة قديماً وحديثاً، ولن يرتفع مثل هذا الخلاف، خلاف واقع بين الصحابة، كاختلاف الفهوم أو فيما يتعلق بالأدلة على ما سيأتي هذا الخلاف موجود، ولا تثريب على من خالف ويعذر المخالف حينئذ لخفاء الأدلة أو لتعارضها أو لاختلاف ثبوتها كما سيأتي التفصيل، لكن من ترجح عنده قول بدليله لا يسوغ له مخالفته، بل عليه أن يعمل بما ترجح عنه وما يدين الله به، معتمداً على الدليل الذي هو عمدة المسألة يقول شيخ الإسلام: لا شك أن ما يحتاج المسلمون إلى معرفته فإن الله -جل وعلا- نصب على الحق فيه دليلاً، ما يحتاج المسلمون، يحتاج المسلمون إلى معرفته، هذا لا شك أن الله -جل وعلا- قد نصب على الحق فيه دليلاً، لكن هذا الدليل المنصوب، لمعرفة الراجح من المرجوح قد يدركه بعض أهل العلم دون بعض، وهذا لتعظم الأجور المرتبة على الاجتهاد، وإلا لو كانت المسائل كلها أدلتها قطعية لا تحتمل ما صار للاجتهاد مجال التي رتبت عليه الأجور ورفع بسببه درجات أهل العلم. أسباب الخلاف: شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- له رسالة في الباب أسماها رفع الملام عن الأئمة الأعلام، وهي مطبوعة مرات وتداولها الناس ويتداولها أهل العلم وطلاب العلم، وهي جديرة وحرية بالعناية والاهتمام من قبل طلاب العلم، وهناك كتب أخرى في الباب منها الإنصاف في التنبيه على أسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم، لأبي محمد عبد الله بن محمد بن السيد بطليوسي الأندلسي توفي سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، وهناك أيضاً الإنصاف في بيان أسباب الخلاف للدهلوي، وهناك مشاركات للمعاصرين أيضاً جمعوا فيها من أقوال المتقدمين ما ينفع في هذا الباب، إذا اطلعنا على هذه الكتب عذرنا الأئمة ولذا يقول شيخ الإسلام في كتابه الذي سماه رفع الملام عن الأئمة الأعلام، فاللوم مرفوع عنهم.

стр. 354

يمكن تلخيص الأسباب التي جعلت أهل العلم يختلفون في كثير من المسائل، منها: عدم بلوغ الدليل، هذا دليل ثابت عن النبي ﷺ بلغ أحمد ولم يبلغ أبا حنيفة فعمل به أحمد ولم يعمل به أبو حنيفة، أو العكس، وأبو موسى لما استأذن على عمر ثلاث ثم انصرف وخرج إليه فدعاه، فقال: ما لك انصرفت، قال: فأورد حديث الاستئذان ثلاثاً، الحديث خفي على عمر، وعمر آلم من أبي موسى، وألصق بالنبي ﷺ من أبي موسى لا شك أن الكبير قد يخفى عليه ما يدركه الصغير، وأهل العلم إنما يكلفون بما بلغهم، قد يبلغه الخبر ولا يبلغه ناسخه، قد يبلغه الخبر ولا يبلغه مخصصه، قد يبلغه الخبر ولا يبلغه مقيده، قد يبلغه الخبر لكن يفهم منه غير ما فهمه العالم الآخر، "عرفة كلها موقف وارفعوا عن بطن عرنة" الجمهور على أن بطن عرنة أنها ليست من عرفة، والوقوف فيها غير مجزئ وعند المالكية أنها من عرفة والوقوف فيها مجزئ، وكلهم يستدلون بهذا الحديث كلهم بلغهم الخبر، كيف يستدلون أحدهم يقولون: لا يجزئ، وأحدهم يقول: يجزئ، والدليل واحد، ارفعوا عن بطن عرنة، الذين يقولون أنه ليس من عرفة، والوقوف لا يجزئ فيه قالوا النهي، ارفعوا، الأمر بالرفع، ومقتضاه النهي عن الوقوف فيه، فدل على أنه ليس من عرفة، لأن عرفة كلها موقف، لأنه لو كان من عرفة لكان جزءا منها وعرفة كلها موقف، ولو كان منها لما أمرنا بالرفع عنه، والمالكية يقولون: لا، الدليل هذا الخبر، لأنها لو تكن من عرفة، لما كان هناك داعي لذكرها أصلاً، يعني هل قال: ارفعوا عن منى، ارفعوا عن مزدلفة، ما قال هذا، فلو لم تكن من عرفة لما كان لذكرها داعي، هذا سببه الاختلاف في فهم الحجة، الاختلاف في فهم الحجة، لكن ينبغي أن يكون الفهم مقيد، بفهم من، بفهم الصحابة، بفهم أهل العلم، الذين لهم خبرة ودربة ومعرفة ومزاولة، ومعاناة للنصوص، يأتي شخص غريب لا يحفظ شيء من النصوص، ولم يتعامل مع النصوص لا من قريب ولا من بعيد، وليس له فيها قبيل ولا دبير، ثم يأتي يقول: أيش المانع أنا أفهم منها مثلما يفهم الأئمة؟ نقول: لا، هل يعتد بفهم من يقول يجوز دفع الزكاة لمن يملك الملايين التي ضاقت بها البنوك؟ لكنه مقصر

стр. 355

على نفسه، لأنه محروم، ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [(٢٥) سورة المعارج] هذا محروم، ندفع له الزكاة، هذا فهمك القاصر، مثل هذا يسوغ فهمه للنصوص، ويعمل بمقتضى فهمه أو يُعمل به؟ أبداً، تعلم أولاً: ثم بعد ذلك افعل، وأقول مثل ذلك في نصوص كثيرة يتداولها الكتاب الآن يفهمون منها غير ما فهمه سلف هذه الأمة وأئمتها، ويبقى أنه قد يوجد من يفهم من النص ما قد خفي على من قبله، قد يوجد ((رب مبلغ أوعى من سامع)) لكن فهم سلف هذه الأمة عليه المعول، ومن جاء بفهم لم يفهمه من تقدم، لا شك أنه مخالف وسالك غير سبيل المؤمنين، النزاع في ثبوته، بلغ الخبر جميع الأئمة، واشتهر الخبر في الأوساط العلمية، لكنهم اختلفوا منهم من يقول هذا الخبر ثابت، ومنهم من يقول: الخبر ضعيف، يختلفون في ثبوته، يستدل على وجوب أمر من الأمور، بحديث يضاف إلى النبي ﵊، فيناقش من ينفي الوجوب، ويقول: بالإباحة، فيقول له: الدليل قول النبي ﷺ كذا، فيقول: يا أخي نعم أنا ما خفي علي هذا الدليل، لكن الحديث ضعيف في فلان، أو سنده منقطع، أو معارض بما هو أقوى منه، أو متنه مشتمل على شذوذ أو علة، وغير ذلك من وجوه الضعف المعتبرة عند أهل العلم، فقد يبلغ الخبر لكن ينازع في ثبوته، قد يسلم بثبوته، لكنه يعارضه بأدلة أخرى كما هو موقف الإمام في حديث: ((البيعان بالخيار)) قد يعمل من العلماء بحديث صحيح صريح، ثم يعارضه غيره بدليل صحيح صريح مدعياً أن دليله ناسخ لدليل الآخر، وقد يكون الأمر كذلك، فيستدل الحنابلة على أن الحجامة تفطر، أفطر ((الحاجم والمحجوم)) حديث شداد بن أوس، يرد عليهم الشافعية، بأن النبي ﵊ احتجم وهو صائم، ورأوا أن هذا متأخر لأنه في حجة الوداع، وذاك عام الفتح، المقصود أن مثل هذه الأمور معاذير لأهل العلم في خلافهم، قد يقول قائل: النبي ﵊: ((الماء من الماء)) فلا غسل إلا بالإنزال، وكان هذا في أول الأمر، لكن يعارضه من يقول: أنه بمجرد الجماع ولو لم ينزل، يجب الغسل، إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل، يعني ولو لم ينزل،
следующие страницы →