Полный текст (1 191 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
المقصود أن الذكر شأنه عظيم وفضله جزيل ولا يكلف شيء، ولا يكلف المسلم شيء، يعني من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، مائة مرة، شوفوا الأجور وما يترتب على مثل هذا الذكر من حرز للإنسان، حرز لكن الحرمان، هذه تقال في عشرة دقائق، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم)) سبحان الله وبحمده مائة مرة، ((من قال في يومه: سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)) هذه كم تحتاج إلى يوم؟ أو تجلس العصر بدقيقة ونصف تقول: سبحان الله وبحمده مائة مرة، تستغفر مائة مرة بدقيقة، تصلي على النبي ﵊ عشر مرات، وجاء الوعد الثابت تقرأ قل هو الله أحد عشر مرات، كلها ما تحتاج إلى شيء، كل هذه الأمور ما تحتاج من يومك ولا ربع ساعةِ، والنبي ﵊ يحفظ عنه في المجلس الواحد أكثر من سبعين أنه يستغفر، ويقول ﵊ وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو أعلم الناس وأخشاهم لله، وأتقاهم يقول: ((إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم أكثر من مائة مرة)) فكيف بنا الذي لا ننفك من مزاولة ما لا يرضي الله -جل وعلا-؟! فعلى الإنسان أن يحرص على الأذكار، وأن يجعل لكتاب الله نصيباً وافراً من يومه، ولا يجعله على الفرغة؛ لأنه إذا تركه وقال: أنا الآن أنا مشغول نتركه في الليل، إذا جاء الليل قال: لعلنا نجمع الوردين في يوم واحد، ما يمشي هذا، إذا ما فرغت للقرآن من سنام الوقت، ما تترك له الفضلة، ما تقرأ القرآن، عرفنا ناس اهتموا بهذا الأمر حتى أن منهم وهو مسافر إذا جاء وقت القراءة لبق السيارة وقرأ، وأنهى حزبه من القرآن وكمل واصل، الدنيا ملحوق عليها، أي شيء نفوته، فتشتغل بأنواع العبادات من الصلاة والذكر والتلاوة وغيرها، وصلة الأرحام أيضاً، ينبغي أن يهتم لها
стр. 492
طالب العلم في هذه الليالي المباركة.
يقول: أيهما أفضل للإمام في صلاة التراويح أن يقرأ من المصحف أو عن ظهر قلب إذا كان حفظه ضعيفاً؟
على كل حال الأصل أن يقرأ من حفظه؛ لأن الحنفية يخالفون في حكم القراءة من المصحف، وعائشة ﵂ اتخذت إماماً يقرأ من المصحف، والجمهور يقيسون القراءة من المصحف بحمل النبي ﵊ أمامة بنت زينب وهو في الصلاة، فإذا قام حملها، وإذا ركع وضعها، وإذا سجد وضعها، المقصود أن القراءة من المصحف لا شيء فيها؛ لكن الأكمل للإمام أن يقرأ من حفظه إذا كان حفظه ضعيفاً وكثرت أخطاؤه يقرا من المصحف.
يقول: يوجد من بعض طلاب العلم من يتقصد الصلاة عند أئمة عرفوا بحسن أصواتهم، ويتركون المساجد التي بجوارهم فما حكم عملهم؟
هذا إذا لم يكن في نفس الإمام الذي بجواره ولا الجماعة جماعة المسجد شيء، وارتفعت منزلته عن أن يتهم بأنه يترك الصلاة مثل هذا كما قال الإمام أحمد: "يتبع الأنفع لقلبه" حديث ابن عباس الذي فيه أن رسول الله ﷺ صلى الليل خمسة عشر ركعة، هو عد صلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ست أو سبع ثم أوتر هذا في البخاري.
يقول: أنا أقوم أحياناً الليل، ولكن أحياناً لا أحس بلذة العبادة فما الحل؟
هذه مصيبة الجميع، هذه الذي يشترك فيها كثير من الناس، الفرائض التي على الإنسان أن يعنى بها، كثير من الناس لا يخرج منها بشيء، فضلاً عن أن يخرج بالعشر أو بالربع، يدخل في المسجد ويخرج كأنه داخل مقهى، ما يحس بأدنى تحرك للقلب، وسببه التخليط في المكاسب، والإكثار من الفضول، هذا هو السبب، والله المستعان، فعلى الإنسان أن يحرص على تدبر ما يقرأ، ويتفكر، ويحضر قلبه بقدر استطاعته، ويصدق اللجأ إلى الله -جل وعلا- في أن يحيي قلبه.
يقول: سمعت أن قيام الليل جماعة في غير رمضان بدعة، فهل يقاس عليه الاعتكاف جماعة في رمضان وكذلك الاجتماع للفطر في غير رمضان؟
стр. 493
القيام في غير رمضان جماعة، قيام الليل في غير رمضان جماعة ليس ببدعة، النبي ﵊ صلى بابن مسعود، صلى بابن عباس في غير رمضان، وصلى بأنس واليتيم والعجوز من ورائهم نافلة في النهار، فالتجميع ليس ببدعة؛ لكن كونه ديدن الإنسان في عمره كله لا يصلي الليل إلا جماعة هذا الذي محل نظر، أما كونه يحصل أحياناً فلا، فهل يقاس عليه الاعتكاف جماعة في رمضان؟ الاعتكاف جماعة إيش معنى جماعة؟ يعني يجتمع عشرة عشرين في غرفة واحدة ويضيعون أوقاتهم، لا، الأصل أن ينزوي الإنسان في زاوية في المسجد، أو يحتجر حجيرة إن تيسر، أو في غرفة مستقلة، فهذا يكون أجمع لقلبه، وأبعد عن الرياء، وأحفظ لوقته؛ لكن إن لم يتيسر إلا غرف يسير يجتمع فيها خمسة ستة على أن يحرصوا على استغلال الوقت، كذلك الاجتماع للفطر في غير رمضان ما فيه شيء ((من فطر صائماً)) يشمل أن يفطر معه على مائدته، وهذا فيه نوع اجتماع، ويشمل أيضاً أن يدفع له فطوراً يفطر عليه في بيته.
يقول: ما الدليل على ختم دعاء القرآن داخل الصلاة؟
هذا ما عليه دليل فيما أعلم.
يقول: جرت عادة بعض الأئمة في العشر الأواخر من رمضان تقديم تسليمتين لتكون مع صلاة التراويح فهل لهذا العمل أصل في السنة؟
стр. 494
لا أدري ما الذي يجعلهم يصنعون هذا، يصلون خمس تسليمات خفيفة، ثم يصلون تسليمة ثقيلة؛ لأنها تهجد، إيش معنى تهجد؟ إيش الفرق بينها وبين التسليمة التي قبلها؟ لا أعرف له أصلاً، هم يريدون أن يخففوا من صلاة آخر الليل، علماً بأن صلاة آخر الليل مشهودة، وهي أفضل من صلاة أول الليل، فإما أن تقتصر على الصلوات الخفيفة في أول الليل، ثم بعد ذلك تصلي في آخر الليل صلاة ثقيلة مناسبة لوقت النزول، أو تجعل الصلاة كلها ثقيلة، إذا كنت تريد تقول: لا أريد أن أصلي أكثر من إحدى عشر، تصلي ركعتين بعد صلاة الفريضة في أول الليل ثقيلتين، ما هي بتراويح، تصلي تسليمتين، وتترك ثلاث في آخر الليل، أما بهذه الطريقة لا أعرف له أصل، وهو موجود، حتى موجود قبل أربعين أو خمسين سنة، موجود يعني في الرياض وفي القصيم موجود، يقرنون شيء من صلاة التهجد مع التراويح؛ ولكن لا أعرف له أصلاً، ولا أدري ما الفرق بين التسليمة الخامسة والسادسة؟ هذه بخمس دقائق، وهذه بنصف ساعة.
يقول: إذا كنت في بيت فأردت قيام الليل وأنا أنام في المجلس فهل الأفضل الجهر بالقراءة أو السر، وكذلك تشغل الإنارة أو تركها مغلقة أفضل؟
إذا كنت لا تحتاج الإنارة وخشيت من إيقاد المصابيح أن يشعر بك أحد، فالأقرب إلى الإخلاص ألا تشعل الإنارة إذا لم تحتج إليها، وكذلك رفع الصوت يكون بين الجهر والسر.
يقول: عندما يبدأ الإمام بالدعاء، هو يبدأ بتمجيد الله وتحميده والثناء عليه، ما يفعل المأموم يرفع يديه ويسبح مع كل تحميدة وثناء؟
رفع اليدين للدعاء، إذا شرع الإمام للدعاء يرفع يديه.
يقول: هل يبدأ بحمد الله أو بما جاء في حديث الحسن؟
حديث الحسن يدخل مع أدعية القنوت، وليس بتوقيفي القنوت، دعاء ومحله من الصلاة في الوتر، أو في الفرائض عند النوازل، وليس فيه حد معين بحيث يتعبد به، فيطلب ما يحتاج إليه الخاص والعام.
يقول: هل من ترك قيام بعض الليالي مثل من سافر بعض الليالي ولم يستطع القيام هل له الفضل الوارد في قوله: ((من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه))؟
стр. 495
على كل حال من سافر وله عمل يعمله في الحضر، يكتب له ما كان يعمله مقيماً، وكذلك إذا مرض؛ لكن في مثل هذه الليالي لا يفرط في العمل الصالح ولو كان مسافراً.
يقول: يوجد مسجد خارج حارتنا ويبعد حوالي عشر دقائق بالسيارة وإمامه حسن الصوت ويطيل في قيامه ومناسب لي جداً لحصولي فوائد عظيمة كالخشوع وتدبر القرآن فهل ذهابي جائز؟
جائز، وهو الأنفع لقلبك، على أن تشعر الإمام أنك ما تركته زهداً فيه ولا كراهة لشيء من أفعاله، إمام مسجدك القريب منك، لتستمر المودة والمحبة التي من أجلها شرعت الجماعة.
يقول: هل أفضل صلاة التراويح مع الإمام أول الليل أو تأخيرها آخر الليل في البيت؟
هذا سبق الحديث عنه.
يقول: انتشرت في هذه الأزمان عند بعض الشباب تتبع الأصوات الحسنة للأئمة مما أدى إلى تطريب بعض الأئمة لأصواتهم وتلحينها تلحيناً يشبه الأناشيد؟
على كل حال التطريب ممنوع، وجُرح المنهال بن عمر لكونه يقرأ القرآن بالتلحين، ليس معنى التلحين أنه يغني، لا، لكن يمد بعض المدود الزائدة، وهذا أمر مخترع ومبتدع؛ لكن تزيين الصوت بالقرآن مطلوب وجاء فيه: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) ((ليس منا من لم يتغنَ بالقرآن)) ((ما أذن الله بشيء ما أذن لنبي تغنى بالقرآن)) المقصود أن تحسين الصوت مطلوب.
وقد يقول قائل: إذا تأثرت من تحسين الصوت ولم أتأثر بالقراءة نفسها من إمام أقل منه صوتاً، فأنا ما تأثرت بالقرآن، أنا تأثرت بالصوت، نقول: لا يا أخي، أنت تأثرت بالقرآن المؤدى بهذا الصوت، وهذه مسألة تشكل على كثير من الناس، يقول: أنا أسمع سورة الواقعة من فلان ما كأنها قرآن، ولا أتأثر، وأسمعها من فلان فأتأثر، نقول: أنت ما تأثرت بالصوت، تأثرت بالقرآن المؤدى بهذا الصوت، ولذا أمرنا بتزيين الصوت بالقرآن.
يقول: ما رأيك من تتبع الأصوات خلال صلاة التراويح والقيام، والذهاب إلى المساجد البعيدة، ولذلك هل صحيح عشق الأصوات مثل عشق الصور، ومن يتعبد بها فقد شابه المتصوفة؟
стр. 496
نقول: تزيين القرآن بالصوت بما لا يخرج القرآن عن حقيقته، أما إذا أدى ذلك إلى إخراج القرآن عن حقيقته أو حصل منه زيادة في الحروف، بعض الناس يجلب من هذه المحدثات التي الأصل عدمها في العبادات يعني مكبرات الصوت، يجلب منها وهي على كل حال محدثة، والأصل عدمها، فإذا قامت الحاجة الداعية لذلك لا مانع من استعمالها، وهو المفتى به والمعمول به؛ لكن تبقى أن الحاجة تقدر بقدرها، يأتي إمام خلفه خمسة أشخاص ويأتي بمكبرات بعشرات الألوف، أو يأتي بمؤثرات صوتيه تردد ورائه، هذا لا يليق أبداً بالصلاة، هذا تلاعب.
يقول: هل الأفضل قراءة القرآن السريعة في رمضان، أم القراءة المتأنية المتدبرة مع قراءة التفسير لما يشكل؟
هذا يقصد في خارج الصلاة، يختلف أهل العلم في كثرة المقروء مع السرعة في القراءة، أو قلة المقروء مع التأني في القراءة والتدبر؛ هذه مسألة خلافية بين أهل العلم؛ لكن المسألة مفترضة -يا إخوان- فيمن أراد أن يقرأ ساعة، هل يقرأ خمسة أجزاء أو يقرأ جزأين؟ أيهما أفضل؟ هذا محل الخلاف، ما هو بالخلاف في شخص يريد أن يقرأ خمسة أجزاء هز وإلا ترتيل؟ هذا ما فيه خلاف، الترتيل أفضل إجماع، ومع ذلك فالجمهور على أن الترتيل والتدبر أفضل من مجرد الهذ.
نعم أجر الحروف في الهذ أكثر؛ لأن الأجر مرتب على كثرة الحروف؛ لكن أجر التدبر والترتيل أعظم، يمثل ابن القيم هذا الكلام بمن أهدى درة واحدة قيمتها مرتفعة جداً واحدة، هذا ختم مرة بالتدبر والترتيل، ومن أهدى عشر درر قيمة هذه العشر أقل من هذه الدرة، وعلى كل حال كل على خير، والأفضل التدبر والترتيل ولو قل المقروء؛ لكن المسألة مسألة تعود؛ لأن الإنسان إذا تعود على الهذ يصعب عليه أن يترسل، فعلى الإنسان أن يقرأ على الوجه المأمور به من أول الأمر، وإذا كان في الأوقات الفاضلة والأماكن، أماكن المضاعفات، وأراد أن يكسب أكبر قدر من الحسنات، فله ذلك وكثير من السلف يفعله، أثر عنهم أنهم يختمون كل يوم، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 497
القرآن في شهر رمضان
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد قال -جلا وعلا-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ ماذا يرجون؟ ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [(٢٩) سورة فاطر] يرجون تجارة لا يسطو عليها لص ولا سارق، ولا يخاف عليها من كساد، إنما هي رابحة لن تبور ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ [(٣٠) سورة فاطر] تجارة رابحة -أيها الإخوان- لو حسبنا القرآن الكريم الذي جاء الترغيب في قراءته، وأن لكل حرفٍ عشر حسنات، يقول الرسول ﵊: ((لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) والقرآن على الخلاف بين أهل العلم في المراد بالحرف، هل المراد به حرف المبنى، أو حرف المعنى، فالأكثر على أن المراد به حرف المبنى، وذلك اللائق بفضل الله -جل وعلا-، وعلى هذا فالقرآن بالحسابات العادية التجارية، الحرف بعشر حسنات، وهو أكثر من ثلاثمائة ألف حرف، حرف المبنى، إذاً الختمة الواحدة كفيلة بتحصيل ثلاثة ملايين حسنة، هذا على أقل تقدير، والله يضاعف لمن يشاء، إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، حتى جاء في المسند أن الله -جل وعلا- يضاعف لبعض عباده الحسنة إلى ألفي ألف حسنة، مليوني حسنة، والحديث فيه مقال، لا يسلم من ضعف؛ لكن فضل الله لا يحد.
وعلى القول الثاني: وهو أن المراد بالحرف حرف المعنى، يكون عدد حروف القرآن حروف المعاني، يعني كلمات القرآن، تزيد على سبعين ألف يعني الربع، على هذا تكون الختمة الواحدة فيها سبعمائة ألف حرف، شيخ الإسلام ابن تيمية يرجح القول الثاني؛ لكن ثقتنا بفضل الله -جل وعلا- أعظم من ثقتنا بعلم شيخ الإسلام ﵀، فالمرجح أن المراد بالحرف حرف المبنى، وهذا هو اللائق بفضل الله -جل وعلا- وكرمه، فإذا قلنا: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [(٢٩) سورة فاطر] أقل ما يقال في الختمة الواحدة: ثلاثة ملايين حسنة.
стр. 498
وجاء الحث على قراءة القرآن، وتعلم القرآن، وتعليم القرآن، وتدبر القرآن، وفهم القرآن، والعمل بالقرآن، النصوص في ذلك كثيرة جداً، ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)) ((لا حسد إلا في اثنتين)) (لا حسد) يعني لا غبطة ((إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله القرآن فهو يقوم به)) يعني يتعلمه ويعلمه، تعلم هذا الكتاب العظيم، ولذا يغبط كثيرٌ من الناس من إذا تخرج واصل الدراسة، وهذا مع النية الصالحة لا شك أنه مغبوط، يصرف وقته فيما ينفعه؛ لكن الحسد الحقيقي والغبطة الحقيقية إنما تكون في هذين الأمرين، ولذا قال في الحديث الصحيح: ((لا حسد إلا في اثنتين)) وجاء في الحديث الصحيح: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)) تعلم القرآن، وتعليم القرآن، وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته، يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "أهل القرآن هم العاملون به، العالمون به، المعلمون له" حتى قال: "ولو لم يحفظوه" يعني بعض الناس يصل إلى حد قارب من اليأس من حفظ القرآن؛ لأنه فرط في أول الأمر، ثم كثرت مشاغله، فعليه أن يعنى بكتاب الله، قراءة وإقراءً وتدبراً، التدبر له شأن عظيم، وإن كان تحصيل أجر الحروف يحصل ولو لم يتدبر الإنسان، ولو قرأ القرآن هذاً، يحصل أجر الحروف؛ لكن القراءة على الوجه المأمور به أفضل عند جمهور أهل العلم، وإن قلت الحروف، قراءة الهذّ تحصل أجر الحروف، والدليل على ذلك ما في مسند الدارمي بإسناد حسن: ((يقال لقاري القرآن: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ هذّاً كان أو ترتيلاً)) فدل على أن قراءة الهذّ شرعية، إلا أنها دون قراءة الترتيل المأمور به ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [(٤) سورة المزمل]، وجاء الأمر بتدبر القرآن، والحث عليه في أربع آيات: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [(٨٢) سورة النساء]، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [(٢٤) سورة محمد]، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [(٢٩) سورة ص].
стр. 499
المقصود أن التدبر أجره قدرٌ زائد على مجرد أجر تحصل الحروف، والقراءة على الوجه المأمور به، كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: "تورث من العلم والعمل واليقين والطمأنينة والإيمان ما لا يدركه إلا من فعله" فلا شك أن القراءة بالتدبر والترتيل عند عامة أهل العلم أفضل من قراءة الهذّ، ولو كانت أقل في عدد الحروف؛ لأنه وإن كانت قراءة الهذّ محصلة لأجر الحروف، إلا أن كون العمل يأتي على مراد الله -جل وعلا- يفوق ما جاء مما رتب عليه الأجر الكبير أضعاف مضاعفة.
ألا ترى أن الذي أصاب السنة أفضل بمراحل ممن له الأجر مرتين: ((والذي يقرأ القرآن وهو يتتعتع فيه له أجران)) له أجر القراءة، وأجر المشقة، ((والماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة)) فلا يستوي أجر عُدَّ وحسب على ما عند الله -جل وعلا- مما يوافق مراده ، هذا من جهة فإذا افترضنا أن شخصاً قال: أريد أن أجيد في ساعة، هل أقرأ في هذه الساعة خمسة أجزاء أو أقرأ جزئين؟ نقول له: إن كنت تريد مجرد أجر الحروف فاقرأ الخمسة، وهو مرجحٌ عند الإمام الشافعي، وإن كنت تريد ما هو أعظم من ذلك لتحقق الهدف الذي من أجله أنزل القرآن فاقرأ جزئين، وأجرك أعظم عند جمهور أهل العلم.
ونحن مقبلون على شهرٍ عظيم مبارك، هو شهر القرآن ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [(١٨٥) سورة البقرة] هو شهر القرآن عند أهل العلم، ولذا إذا دخل رمضان أقبل كثيرٌ من السلف على كتاب الله ، وتركوا أعمالهم، وارتباطاتهم الخاصة والعامة؛ لينكبوا على كتاب الله -جل وعلا-.
وذكر في سيرهم شيءٌ هو في عداد كثيرٍ من طلاب العلم مع الأسف الشديد ضربٌ من الخيال، أو من الأساطير، حتى كان بعضهم يختم القرآن في يوم، وبعضهم مرة في النهار، ومرة في الليل، وهذا ثابت عن بعض الصحابة، وهو كثيرٌ في التابعين ومن بعدهم.
стр. 500
قد يقول قائل: النبي ﵊ قال لعبد الله بن عمرو: ((اقرأ القرآن في سبع ولا تزد)) يعني لو قرأ القرآن في أقل من سبع زاد وخالف، وجاء في الحديث الذي في السنن وهو صحيح: ((لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث)) هذه النصوص أولاً حديث عبد الله بن عمرو جاء ليعالج مشكلة، وهي أن عبد الله بن عمرو كان مندفعاً؛ ليفرغ نفسه للعبادة ليقوم الليل فلا ينام، ويصوم النهار فلا يفطر، ويقرأ القرآن في كل لحظةٍ من لحظاته، فمثل هذا المندفع يعالج بالتخفيف، ولذا جاء العرض عليه بأن يقرأ القرآن في كل شهرٍ مرة، في كل شهرٍ مرتين، ثم قيل له: ((اقرأ القرآن في سبع ولا تزد)) فمثل هذا علاج لبعض المندفعين، يبدأ بالأخف الأخف؛ لكن لو جاء شخص مفرط معرض إذا قيل له: اقرأ القرآن في كل يوم وعسى أن يقرأه في كل شهر، فمثل هذا يورد له من أعمال السلف ما ثبت عنهم عله أن يندفع لقراءة القرآن، عله أن تشحذ الهمة لقراءة كتاب الله .
أما حديث: ((لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث)) فهو محمول عند أهل العلم على من كان ديدنه ذلك، أما من استغل المواسم الزمانية والمكانية فلا يدخل في هذا، على أن ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو يحمله أهل العلم على أنه للرفق به، وما جاء بالرفق بالشخص فإنه لا يدل على ظاهره من الأمر، بل يحمل على حاله وحال من يشبهه كمن ذكره من المندفعين.
القرآن هو كلام الله الذي لا يشبع منه طالب العلم، وفيه الأعاجيب، لا تنقضي عجائبه، عجباً لهذا الكلام الذي يردد في كل يومٍ عند بعض الناس، وفي كل ثلاث وفي كل سبع عند كثير، ويقرأه الإنسان في كل وقت ولا يمله، بينما لو ردد كلام البشر مرتين أو ثلاث لن يطيق أكثر من ذلك، فالقرآن كما ذكرنا كلام الله -جل وعلا-، وفضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، فعلينا أن نعنى بكتاب الله -جل وعلا- في كل وقت، وقراءة القرآن في سبع لا تكلف شيئاً، من جلس بعد صلاة الصبح حتى تنتشر الشمس في كل يوم قرأ القرآن بسبع ولم يحتاج إلى المزيد على ذلك.
стр. 501
من المتقدمين من يقرأ -معروف عند أهل العلم- من يقرأ قراءة الهذّ لتحصيل الحروف ويكثر من ذلك ويجعل له ختمة تدبر، يفيد منها في قلبه وفي علمه وفي عمله.
فتدبر القرآن إن رمت الهدى ... فالعلم تحت تدبر القرآنِ
لكن لو خصص الإنسان ساعة بعد صلاة الصبح ونصف ساعة بعد صلاة العصر، وهذا الوقت لا يعيقه عن شيءٍ من أمور دينه ودنياه، كفيلٌ أن يقرأ القرآن بسبع بالتدبر المناسب، لو زاد نص ساعة زاد الأمر تدبراً وتفكراً وإفادةً.
وعلى طالب العلم أن يقرأ ما يعينه على فهم كلام الله -جل وعلا-، من كلام أهل العلم الموثوقين حول القرآن، من التفاسير المختصرة، ويغني من ذلك تفسير الشيخ ابن سعدي أو تفسير الشيخ فيصل بن مبارك، أما من يريد أن يقرأ ويفيد من جميع أنواع علوم القرآن، ويمكنه أن يستنبط من القرآن فعليه بالمطولات، والتفاسير الموثوقة موجودة، ولله الحمد.
стр. 502
المقصود أن طالب العلم يعجب من حاله إذا زهد بكتاب الله، مع الأسف الشديد أن بعضهم لا يفتح القرآن إلا في رمضان، أو إن تيسر له أن يحضر إلى الصلاة قبل الإقامة بخمس أو عشر دقائق فتح القرآن، بل الأعجب من ذلك من يتعجب ممن يقرأ القرآن، يأتي طالب ينتسب إلى العلم لبعض المشايخ ويقول له: إنه يريد أن يقرأ عليه كتاب في العلم في الحديث أو في الفقه أو في العقيدة أو في غيرها من التخصصات الشرعية التي تعينه في سيره إلى الله والدار الآخرة، ثم يجد الشيخ يقرأ القرآن في المسجد، فيعتذر الشيخ بأنه مشغول، فيتعجب الطالب كيف يقول: مشغول وهو جالس يقرأ قرآن؟ هذا كلام له دلالته، دلالة خطيرة، كأن بعض طلاب العلم ليس في قاموسهم وفي ترتيبهم نصيب من كتاب الله ، وهذه سمعت ما هو بكلام افتراضي، هذا كلام مسموع، وملاحظ ومشاهد، نعم الإقبال على الحفظ موجود، والحفظة فيهم كثرة -ولله الحمد- أكثر من ذي قبل، كما جاء في الحديث الصحيح: ((يكثر العلم ويقل العمل)) ولذا نجد آثار ذلك ظاهرة من وجود الجفاء عند كثيرٍ ممن يطلب العلم لا سيما ممن لم يتمكن العلم إلى قلبه، ولذا تجد نصيب الكبير منهم في القيل والقال، أخطأ فلان، زل فلان، أفتى فلان، قال فلان، وهل جعلك الله حكماً بين العباد؟! مثل هذا في الغالب أنه لا يفلح، وفي الغالب أن يحرم بركة العلم والعمل، كما نص على ذلك ابن عبد البر وغيره.
فالمقصود أن على طالب العلم أن يلزم خاصة نفسه، وأن يحرص على ما ينفعه من كسب الحسنات ودرء وترك السيئات، ويحافظ على ما اكتسبه، ولا يأتي مفلساً يوم القيامة، يأتي بأعمالٍ أمثال الجبال، ثم يفرقها بين فلان وعلان، يأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وسرق مال هذا، وقذف هذا، ثم يأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته إلى آخره في الحديث المعروف في حديث المفلس.
стр. 503
مع الأسف أنه يوجد في صفوف طلاب العلم من هذه صفته، فاكهتهم الأعراض، لا سيما أعراض أهل العلم، هم يفترضون في أهل العلم العصمة، ولا عصمة لأحد، كلٌ يخطئ، وكلٌ يؤخذ من قوله ويرد، إلا النبي ﵊ المعصوم، وما عدا ذلك يخطئ، إذا كنت بالفعل مشفق على صاحبك الذي أخطأ امنحه النصيحة، اكتب له، قابله، ناقشه إلى غير ذلك، وإلا فالتعريض فيه لا يغني عن التصريح لا سيما إذا خشي الضرر من انتشار هذه الفتوى التي هي خلاف الصواب، فلا مانع أن يقال: من غير تسمية، بعض الناس يفتي بكذا، والمرجح عند أهل العلم كذا، حتى لا ينسب إلى نفسه شيء وهو ما زال صغيراً، والله المستعان، ولا أريد أن أطيل عليكم، وكلكم يعرف مثل هذا الكلام؛ لكن الشيخ -حفظه الله- طلب هذه الكلمة المختصرة عن كتاب الله، وإلا كلكم يعرف مثل هذا الكلام، والله المستعان، لكن إذا كان هناك أسئلة؟
يقول: هل يجوز للمسلمة الكلام مع زوج أختها بتوسع، بمعنى أنها تتناقش معه بقضية معينة، أو يدور بينهما حوار جاد، أو أستشيره في أمر، واعتباره مقرباً منا، ويفهم مشاكلنا، فهل هذا التوسع في الحديث مع زوج الأخت لا شيء فيه، وطبعاً بدون خضوع أو ضحك ومن وراء حجاب، أي مراعاة للضوابط الشرعية المعروفة، وقد يحدث مثل ذلك على الماسنجر، أو عبر شبكة الإنترنت؟ أرجو الإيضاح، جزاكم الله خيراً.
стр. 504
زوج الأخت ليس محرماً لأخت زوجته، فالأصل أن لا يراها ولا تراه؛ لكن إذا أمنت الفتنة، وقامت الحاجة، إذا أمنت الفتنة، ودعت الحاجة إلى ذلك، وكان الكلام بقدر الحاجة، ولا خضوع فيه، فلا بأس -إن شاء الله تعالى-؛ لكن لا بد من أمنِ الفتنة مع عدم الاسترسال؛ لأن مثل هذا قد يكون في أول الأمر تؤمن الفتنة؛ لكن مع الاسترسال والأخذ والرد يقع في قلبه شيء، لا سيما إذا كان ممن في قلبه شيء من المرض، ولم يخلُ إلا القليل النادر في هذا الزمان لا سيما مع الوسائل -وسائل الشر- التي وجدت بين المسلمين، مما زادت من أمراض القلوب، لا سيما فيما يتعلق فيه بالنساء، وصور مرئية ومسموعة ومقروءة، وأمور يعني لا تخطر على بال، فمن الخير كل الخير أن لا ترى المرأة رجال ولا يرونها هذا من جهة، وأن لا تكلم الرجال إلا بقدر الضرورة، ولو كتبت هذه المشكلة وأعطيت الأخت ليقرأها زوجها ويجيب عنها كان محققاً للهدف من غير ترتب أي محظور، والله المستعان؛ لكن يبقى إذا أمنت الفتنة، ودعت الحاجة، والكلام بقدر الحاجة من غير خضوع فلا شيء في ذلك -إن شاء الله تعالى-.
أثابكم الله، السؤال الثاني يقول: فضيلة الشيخ -أحسن الله إليك- ما الفرق بين حرف المعنى والمبنى وجزاكم الله خيراً؟
стр. 505
حروف المبنى التي هي حروف التهجي ألف باء تاء ثاء ... إلى آخره، التي تبنى منها الكلمات، حروف المعاني يقصد منها الكلمات التي تحمل المعاني، ولا يقصد بها الحرف الاصطلاحي الذي لا يصلح مع دليلُ الاسم ولا دليل الفعل، بل هو أعم من ذلك، الاسم حرف والفعل حرف، والحرف الاصطلاحي حرف، فمثلاً: هل (الم) مثل (ألم)؟ ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [(٢) سورة البقرة] مثل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [(١) سورة الفيل]؟ هل هذه مثل هذه؟ يعني على أي شيء بين (الم) و (ألم)؟ لا، ومع ذلكم (ألم) ثلاثة حروف على القول المرجح عند جمهور أهل العلم؛ لأنه يصدق عليه أنه حرف، الهمزة حرف لغةً واصطلاحاً وعرفاً، ومثله اللام والميم يعني إذا قلنا: أن المراد به حرف المعنى قلنا: (ألم) هذه كم؟ حرف وإلا حرفين؟ حرفين، الهمزة في المثال حرف معنى، و (لم) حرف معنى أيضاًَ، فهما حرفان بدلاً من أن تقول:. . . . . . . . . حرف.
أثابكم الله، وهذا سؤال أيضاً عبر الشبكة المذكورة يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أرجو التفضل بالإجابة على سؤالي وهو: أن زوج أختي عندما كان صغيراً فتح له أبوه حساباً في البنك باسمي، وذلك في أحد الدول الأوروبية، وعندما كبر ووجد طبعاً في حسابه طبعاً مبلغاً كبيراً من الربا فاحتار أن يضع هذا المال الحرام بالنسبة ... فقيل له: إن هذا المال حرامٌ عليك وحلالاٌ على غيرك، فقرر إعطاء هذا المال لأخي حتى يبدأ به حياته، وأخي غير متزوج مع العلم أننا -والحمد لله- لسنا فقراء، وغير محتاجين، لكن قلت في نفسي: إن هذا المال المفروض إعطاءه للفقراء بنية التخلص منه، لا بنية الصدقة، سؤالي هل أخذ أخي لهذا المال حلالٌ له، وهل هذه القاعدة صحيحة بأنه حرامٌ على زوج أختي وحلالٌ على غيره.
стр. 506
الفوائد الناتجة عن الربا بالصور المحرمة لا شك أنه سحت، وخبيث وحرام، لا يجوز استعماله، ولا يجوز الإنفاق منه في سبيل الله إلا على سبيل التخلص منه؛ لأنه خبيث، والله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً، وجاء في كسب الحجام أنه خبيث ((أطعمه ناضحك)) فإن أعطي وأطعم ما لا يعقل، أو صرف في المصارف الخبيثة كدورات المياه، وما أشبه ذلك فلا بأس حينئذٍ بنية التخلص، أما كونه يأخذه شخص ليأكله ويستفيد منه، ويبني عليه جسمه وجسده وجسد من يعول، فهذا ليس بصحيح، إنما يتخلص منه للمصارف الدنيئة، ولا يدخل هذا في عموم كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الأموال التي فيها الشبهة تسدد منها الديون، هذه ليست شبهات، هذه محرمات صريحة، مقطوع بها، فلا يقال: هذه من الشبهات التي ذكرها شيخ الإسلام، فإذا تاب المرابي فليس له من المال إلا رأس المال، على خلافٍ في رأس المال هل المراد به في أول دخوله هذه التجارة، أو المراد به عند التوبة، قولان لأهل العلم، والجمهور على أنه عند دخوله في التجارة، فإذا افترضنا أن شخصاً زاول تجارة الربا الصريح بمبلغ ألف ريال، ثم استمر على ذلك عشر سنوات، فنظر في الحساب فإذا فيه مليون ريال، الحساب فيه مليون ريال، وفيه مائة ألف في الذمم، ما استلمت، هل رأس المال الألف أو المليون؟ على قولين: فالأكثر على أن رأس المال الألف وما زاد على ذلك يجب أن يتخلص منه، ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ [(٢٧٩) سورة البقرة] والآية محتملة ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ التي دخلتم بها التجارة، ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ وقت التوبة، والتوبة تجب ما قبلها، والقول الثاني: راجحٌ من حيث النظر؛ لأن فيه الحث على التوبة، والإعانة على التوبة، وإن كان القول غير قول الجمهور، وهو المعتمد والمفتى به؛ لكن الثاني له وجهٌ من النظر؛ لأنه يحث على التوبة، ويعين عليها، فإذا كان الإنسان عنده من الأموال مليون ريال، وعند الناس له من جراء الربا مائة ألف لا يجوز لا أن يستوفي منه شيئاً؛ لكن المليون هو رأس ماله الآن وقت التوبة، والفوائد التي لم يقبضها ليست
стр. 507
له، هذا على القول الثاني، ويرجح من حيث النظر بأنه فيه إعانة على التوبة، والكافر إذا أسلم لا يؤمر بقضاء ما فاته من العبادات ترغيباً له في الإسلام، فإذا أسلم مَن عمره سبعون سنة فقيل له: عليك أن تقضي صلوات خمسة وخمسين سنة، وصيام خمسة وخمسين سنة، احتمال أن يقول أيش؟ هذه مشقة عليه، فلا يتشجع للدخول في الإسلام، ومثل هذا الذي دخل التجارة بألف، ثم زاول التجارة بهذه المهنة الخبيثة المتفق على خبثها، ثم قيل له بعد عشر سنوات: مالك إلا هذا الألف، وما عدا ذلك لا يجوز لك أن تأخذه، احتمال أن يقول: ننتظر ما نتوب الآن، ويسوف حتى يبغته الأجل؛ لكن إذا أعين على التوبة بأن يقال له: لك رأس مالك الآن والتوبة تهدم ما كان قبلها، والآية محتملة، صار ذلك سبباً في استقامة حاله، وانشراح صدره للتوبة، وأسلوب يستعمله شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يقول: "ومن المحال في العقل والدين" ثم يورد ما يرده -رحمه الله تعالى-. ولقائلٍ يقول: ومن المحال في العقل والدين أن يحث الله -جل وعلا- على التوبة، ويحب التوابين، ويفرح بتوبة العبد، ويصد من أراد التوبة عنها؛ لأنه وجد من دخل التجارة بعشرين ريال، وتاب عن مائتي مليار، لا شك أن المسألة حظ النفس قد يسد، من يقوى على مثل هذا، من يستطيع مثل هذا، على كل حال المسألة قابلة للنظر، والقول المعتمد عند أهل العلم هو الأول، وهو قول الجمهور، وأنه ليس له من ماله إلا ما دخل به التجارة، وما زاد على ذلك ليس له؛ لكن هذه عرض للقول الآخر، وله عندي حظٌ من النظر.
أثابكم الله، وهذا سؤال من أحد الإخوة الحضور: يسأل عن حدود الوسطية ومفهومها، يقول: لأن من الناس من يذم التمييع والتساهل، ويهرب طالباً الوسطية، وإذا هو يسقط مع الجانب الآخر، وهو جانب التنطع والغلو التشدد، ومنهم بالعكس من يهم التنطع والغلو، ويهرب طالباً الوسطية، ثم يسقط مع الجانب التسهيل والتيسير، كما يذكر، فما حدود الوسطية ومفهومها؟
стр. 508
الوسطية هي سمة هذا الدين، وهي سمة أهل السنة والجماعة، فالدين وسط بين الأديان، وأهل السنة والجماعة وسط بين المذاهب، وشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- أبدع في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في الواسطية، حينما شرح طرفي النقيض في كل مسألة من مسائل الاعتقاد، ثم قال: وأهل السنة وسط في ذلك في باب كذا بين كذا وكذا، وأهل السنة وسط في ذلك في باب كذا بين كذا وكذا ... إلى آخره.
فالوسط هو أن تتقي الله -جل وعلا-، وتسأله الإعانة والتوفيق والتسديد، وأن تعمل الواجبات وتترك المحرمات، إذا أمرت بشيء فبادر إلى العمل به، وإذا نهيت عن شيء فبادر إلى الانتهاء عنه ((إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)) والدين يسر ((ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)) ((يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا)) فالمقصود أن دين الله وسط بين الغالي والجافي، لا شك أن التكاليف تكاليف، وهي إلزامٌ فيه كلفة على النفس، الواجبات فيها كلفة على النفس، ترك المحرمات ورغبات النفوس فيها كلفة على النفس، لا يعني أن الدين وسط وأنه يسر أن نتفلت من الواجبات، ونرتكب المحرمات، والدين يسر، لا يا أخي، الله -جل وعلا- الذي قال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [(١٥٦) سورة الأعراف] هو شديد العقاب أيضاً، فأنت مأمورٌ منهي، فعليك أن تأتمر بقدر طوقك واستطاعتك ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [(٢٨٦) سورة البقرة] ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [(٧) سورة الطلاق] لكن أيضاً عليك أن تنتهي، فالجنة حفت بالمكاره؛ لأن بعض الناس يستغل مثل هذه النصوص على التنصل من الدين بالكلية، وهذا المسلك سلكه بعض المبتدعة إلى أن وصلوا إلى حدٍ تزندقوا، خرجوا من الدين بالكلية.
فالدين عبارة عن أوامر ونواهي، والجنة حفت بالمكاره، فأنت استفتي قلبك، إذا عرض عليك أمر فإن كنت من أهل النظر والاستدلال وعندك من الدليل ما يدعوك إلى الأقدام عليه فأقدم، ما يدعوك عن الإحجام عنه فأحجم، إذا لم تكن من أهل النظر ففرضك التقليد، وسؤال أهل العلم، فاسأل من تبرأ الذمة بتقليده، اسأل أهل العلم اسأل أهل الدين، اسأل أهل الورع.
стр. 509
وليس في فتواه مفتي متبع ... ما لم يضف للعلم والدين الورع
فالمسألة دائرة بين أمرين، والناس اثنان: أحدهما: صاحب علم ونظر مثل هذا فرضه النظر، ينظر في النصوص على أنها دين لا على أنها اتباع شهوات؛ لأن بعض الناس ينظر في المذاهب لا ينظر في النصوص، ويقول النبي -عليه الصلاة السلام-: ((ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما)) أبو حنيفة يقول كذا ومالك يقول كذا، إذاً أبو حنيفة أسهل أو مالك أسهل، الإمام مالك معتبر مالك نجم السنن، أبو حنيفة الإمام الأعظم كلهم أئمة كلهم على العين والرأس؛ لكن أيش معنى هذا؟ هذا أنك تتبع هواك ما تتبع الدين، انظر في أدلة هؤلاء وهؤلاء ثم إذا ترجح عندك فاعمل بما تدين الله به، واترك عنك بنية الطريق، ولو كثر الكلام، ولو كثر الطنطنة، ولو كثر من يخرج إلى القنوات، ويقلل من شأن الدين والمتدينين، ويريد أن يخرج الناس من أديانهم بالفتاوى المائعة، التي لا تعتمد لا على نقل ولا على عقل، فعلى الإنسان إن كان من أهل النظر أن يعمل بما يدين الله به من خلال الدليل الصحيح، وإن لم يكن من أهل النظر فعليه أن يقلد من تبرأ الذمة بتقليده، والله المستعان.
أثابكم الله، هذا السؤال ورد عبر الشبكة المذكورة يقول: أقوم بمسابقات ثقافية تتعلق بالعقيدة والثقافة العامة المفيدة للطلاب، بحيث تكون في ورق تصوير، وأشترط الدخول في المسابقة دفع ريال واحد، عن كل ورقة، وأقوم بشراء الجائزة بقيمة الورق المباع على الطلاب، ما حكم هذا التصرف؟
стр. 510
الأصل أن السبق لا يجوز إلا في الجهاد، ولذا جاء في الحديث: ((لا سبق إلا في خفٍ أو نصلٍ أو حافر)) وما عدا ذلك لا يجوز، شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- وغيره من أهل العلم توسعوا وقالوا: إن ما يعين على تحصيل العلم الشرعي، وتحصيل العلم الشرعي ضربٌ من الجهاد يجوز فيه السبق، والسبق بشروطه، لا يكون من الطرفين، بحيث يدفع ثم بعد ذلك إما أن يغنم وإما أن يغرم، لا، فإذا أردت أن تحتسب وتضع مسابقة في كتابٍ أو شريط فلا تكلف الناس شيئاً، لا تأخذ منهم شيء، لا تأخذ منهم مقابل ولو يسير؛ لأن الذي يبيح الريال يبيح الريالين، يبيح الخمسة، يبيح العشرة، يبيح المائة، ولو قلت: أني أستغل هذه الموارد في الصرف على هذه المسابقة وغيرها من المسابقات، لا يا أخي لا تستغل الناس، ولا تأخذ منهم شيء، ولو كان يسيراً، نعم أجرك على الله، وإن استعنت بالله ثم بإخوانك ممن يمدك بهذه الجوائز لكان أفضل، وإلا فالأصل المنع، والجوائز على خلاف الأصل، فلا تضعف هذا الأصل الذي هو على خلاف الأصل، فأنت أجرك على الله، واحتسب وضع الجوائز من عندك، وعند من يعينك من إخوانك المسلمين، ولا تأخذ من الناس شيئاً.
أثابكم الله، هذا سؤال من أحد الإخوة يقول: فضيلة الشيخ بعض الأئمة -هداهم الله- في التراويح يستعجلون في القراءة والصلاة من أجل التبكير في الخروج، ومجاراة بعضهم لبعض، حتى إنه يحصل سباقٌ بينهم أيهم يخرج أولاً، ما توجيهكم حفظكم الله؟
إذا كان المنظور إليه في الصلاة التي هي أخص العبادات فالمبادرة بالخروج لا شك أن هذه حقيقة مرة، توجد عند بعض الناس، وإن كانت قلت، توجد قبل أكثر من الآن، ولله الحمد، أكثر من الآن توجد قبل فيما أدركناه، لكن لا ينبغي للمصلي أن ينظر إلى الوقت، نعم الناس لهم ظروف، ولهم حاجات، والإمام واحدٌ من الناس له ظروفه؛ لكن إن كان الهدف أن يقال: فلان خرج قبل فلان، هذا ليست حقيقة، وليست هدف، وليست مقصد صحيح فضلاً على أن يكون شرعياً.
стр. 511
أدركت شيخاً جاز المائة، وهو يصلي صلاة التهجد واقفاً، خلف إمام متوسط القراءة، يعني لا يشجع على طول القيام، ويقرأ في كل تسليمة جزءً من القرآن، خمسة تسليمات في التهجد يقرأ خمسة، في ليلةٍ من الليالي ليالي الشتاء سمع مؤذناً يؤذن الأذان الأول، والعادة جرت أنه يؤذن الأذان الأول متى؟ إذا فرغوا من الصلاة، فالإمام لما سمع هذا المؤذن خفف الركعة الأخيرة من التسليمة الأخيرة، فلما سلم قال له هذا الشيخ الكبير الذي جاوز المائة على مسمعٍ من الناس كلهم بأسلوبه وعبارته: يوم جاء وقت النزول خففت! يعني آخر الليل تخفف! جاوز المائة وأنا أدركته، فيا إخوان المسألة أنت واقفٌ بين يدي أكبر من كل كبير، وتقول: الله أكبر، وترفع الحجاب بينك وبين ربك، وتنادي ربك، في أيام معدودات، في ليالٍ يسيرات، ومع ذلك هم يسارعون، فلا أقل من أن يقرأ في الثماني الركعات جزءً من القرآن، في العشرين الأيام الأولى، جزء من القرآن، ويش المانع، وخلي الصلاة تنتهي بساعة، ما يصير؟ الدنيا ملحوق عليها، هذا شيء أيها الإخوان يدعو إلى مثل هذه العجلة، المسألة ساعة وبعد الساعة لك، والليل طويل، ولله الحمد، مع الأسف الشديد أن ليالي رمضان تستغل فيما لا ينفع، كثيرٌ من الناس يستغلوها فيما يضر.
بعض أهل العلم، بعض من يتصدى لتعليم الناس يتشبه بالسلف، ويعطل الدروس، ويقول: رمضان شهر القرآن، ويطلب منه الدروس، ويقول: لا خلاص، مالك يترك التحديث، وفلان وفلان وفلان؛ لكن هل بالفعل هو يفعل هذا، أو هذا من تلبيس الشيطان عليه، يريد أن يعطل هذه الدروس ولا يصنع شيئاً، هذا الواقع أيها الإخوة، بعض الناس يعطل الدروس، ولا يرتبط بأي جهدٍ علمي، ومع ذلك هو يقول: إنه يتشبه بالسلف، وهو مجرد ما يصلي التراويح وقلبه مشغولٌ بما سيفعله بعد ذلك، ينتقل من قهوة فلان أو استراحة فلان أو علان، أو يجلس في بيته للقيل والقال، ينتظر الداخل والخارج، المسألة أيام معدودات.
إذا لم يكن عوناً من الله للفتى ... فأول ما يقضي عليهم اجتهاده
стр. 512
كثيرٌ من الناس يحرص على أن يجتهد في هذا الشهر المبارك؛ لكنه لم يتعرف على الله في الرخاء، ليست له معاملة مع ربه طول العام، ثم يريد أن يقبل في هذا الشهر المبارك، لا شك أنه لا يعان على ذلك، كثيرٌ من الناس يتفرغ في رمضان أو في نصفه أو في العشر الأخيرة منه، ويهجر أهله ووطنه، ويذهب إلى الأماكن المقدسة ليتفرغ للصلاة والصيام وقراءة القرآن، ثم يجلس بعد صلاة العصر يفتح المصحف، يعني المتوقع أن يقرأ خمسة ستة في أيام الشتاء وإلا عشرة في أيام الصيف، يفتح المصحف ثم يقرأ خمس دقائق ورقة ورقتين ثم يلتفت يميناً وشمالاً لعله يجد أحد، وإلا ذهب يبحث عن الناس؛ لأنه لم يتعرف على الله في الرخاء، وليس له وردٌ مرتب، حزب مقرر يومياً من القرآن، ونظير ذلك من يحج، ويقول النبي ﵊ قال: ((من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) والحج أربعة أيام، يقول: لن أتكلم بكلمة باحفظ الحج، وهو ديدنه طول العام القيل والقال، لا شك أنه لن يعان على السكوت خلال أربعة أيام، إن جاءه أحد وإلا ذهب إلى الناس يتحدث معهم.
فالوصية وصية عظيمة، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، نريد أن نعمل بأوقات المواسم ونجد أننا لا نعان على ذلك، تجد الإنسان طول أيام العام يسهر، فإذا جاء وقت النزول الإلهي تجده في صراع مع نفسه هل يوتر أو لا يوتر؟ وهو محسوب على أهل الفضل وطلب العلم، صراع هل يوتر وإلا ما يوتر؟
стр. 513
الحسنة تقول: أختي أختي، لو أنفقت هذه الساعات أو بعض هذه الساعات فيما يرضي الله -جل وعلا- أعنت على هذا الوتر، فتجده يبرر لنفسه أوترت البارحة، ولا يريد أن أشبه الوتر بالواجبات، الليلة جمعة، وقد نهي عن تخصيص يوم الجمعة بالقيام، تعليلات، وهو جالس كل الليل في القيل والقال، لا يعان على الوتر إحدى عشر ركعة، تسع ركعات، سبع ركعات، خمس ثلاث، ولو واحدة أحياناً، قد يقول وهو يغالط الحقيقة، الساعة ثنتين الآن الأذان الساعة أربع أربع ونصف أقوم قبلها بعشر دقائق ربع ساعة وأوتر، أقول: هذا في الغالب يضحك على نفسه، ما أعين وهو مستيقظ كيف يعان وهو نائم؟! فعلينا أن ننتبه لهذا الأمر، نتعرف على الله، تكون صلتنا بالله -جل وعلا- مستمرة دائمة غير منقطعة ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ﴾ [(١٦٢ - ١٦٣) سورة الأنعام] أما أن نأتي في أوقات المواسم وأوقات المضاربات ونريد أن نكتسب، ودهرنا كله تفريط، لا يمكن أن يصير هذا، وإلا ما الفرق بين العابد والمفرط؟ لا يظهر الفرق بين العابد والمفرط، والله المستعان.
أثابكم الله، لكن طالب العلم اللي يجلس في رمضان ويحتج في مالك وغيره من السلف فهل يعذر في هذا الزمن الذي الناس في حاجة فيه إلى الدروس والمواعظ؟
هو الغالب –غالباً- أن النفع المتعدي أفضل من اللازم، هذه قاعدة أغلبية عند أهل العلم، وإن كانت الصلاة نفعها قاصر، أفضل من الزكاة وهي نفعٌ متعدي؛ لكن القاعدة أغلبية في نوافل العبادات لا شك أن النفع المتعدي أفضل من القاصر، يبقى أنه في وقت الاعتكاف في العشر الأخيرة من رمضان أهل العلم قاطبة ينصون على أن هذه الأيام إنما تكون للعبادات الخاصة، ليتفرغ القلب في هذه الأيام أو في هذه الليالي العشر للعبادات الخاصة من صلاة وتلاوة وصيام وذكر فقط، إلا في شيء يسير لا يعيقه عما هو بصدده في مسائل علمية يسيرة، يعني تعينه أيضاً على ما بصدده، يتوسعون في هذا، يتسامحون في مثل هذا، وإلا فالأصل أن مثل هذا خاص، وما عدا ذلك نرجع إلى الأصل العام، وهو أن النفع المتعدي أفضل من القاصر.
стр. 514
هذا سؤال عبر الشبكة المذكورة، يقول السائل: هل هناك زواج بشاهدة الله فقط، وبقبول وإيجاب من الطرفين، كأن تقول له: زوجتك نفسي، ويقول: وأنا قبلت، والله شاهدٌ، فهل يعتبر أمام الله زواج أم لا؟
الزواج له أركان وله شروط، لا بد فيه من الولي ((لا نكاح إلا بولي)) ولا بد فيه أيضاً من شاهدي عدل، ليختلف النكاح عن السفاح فلا بد من الولي، ولا بد من الإيجاب والقبول، ولا بد أيضاً من شاهدي عدل، هذا هو القول المرجح عند أهل العلم، يتسامح الإمام مالك ﵀ في الشهود، يتسامح أبو حنيفة في الولي، لكن الذي تدل عليه النصوص أنه لا بد من الولي، ولا بد من شاهدي العدل، إضافة إلى جانب القبول وانتفاء الموانع.
القنوت -عفا الله عنك- في رمضان ما المشروع في دعاء القنوت وما آدابه؟
القنوت في الوتر مشروع أصله؛ لكن المداومة عليه هذا خلاف السنة، بعض السلف لا يرى أنه لا قنوت إلا في النصف الثاني من رمضان، ويرى أن القنوت في النصف الأول وسائر العام لا دليل عليه؛ لكن إذا ثبت أصله، وأنه ثبت القنوت في الوتر إذاً يقنت؛ لكن تشبيهه باللوازم في القراءة أو بما يلزم المصلي، وكونه لا يخلُّ به هذا لا شك أنه خلاف الأصل، فينبغي أن لا يحافظ عليه.
هذا سؤال أيضاً عبر الشبكة يقول:. في مسند أحمد من حديث البراء بن عازب ﵁ الطويل قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار .. الحديث، يقول الرسول ﷺ : ((إن العبد المؤمن يقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي)) سؤالي هو: لماذا يطلب المؤمن الرجوع للأهل والمال بالرغم من أنهما ليسا من الباقيات الصالحات، وإذا كان يطلب الرجوع ليبشر أهله، فماذا عن المال؟
ليرجع إلى أهله وماله في مقره من الجنة، لا ليرجع إلى أهله وماله في الدنيا، في مقره من الجنة يرجع يأنس بأهله وماله في الجنة.
هذا سؤال من الإخوة يقول: فضيلة الشيخ أيهما أفضل للمؤمن في رمضان ختم القرآن أم مراجعة حفظه، ومحاولة حفظ عدد من الأجزاء، وما قصة الحديث الوارد في الوعيد على من حفظ آية ثم نسيها؟
стр. 515
ينبغي أن يقسم الوقت بين القراءة والنظر في المصحف، ولعل هذا يكون في النهار، ومدارسة القرآن ومراجعة الحفظ، وحفظ الجديد يكون في الليل؛ لأن جبريل ﵇ كان يدارس النبي ﵊ في كل ليلة من ليالي رمضان، فينبغي أن تكون المدارسة والمذاكرة والمحافظة على الحفظ، وحفظ الجديد في الليل، والقراءة تكون في النهار.
هذا سؤال أيضاً عبر الشبكة، تقول: أنا امرأة عندما أريد أن أصلي أجعل ثوب للصلاة، وهو ما يسمى بالشرشف أو جلال، هل هذا من تخصيص ثوب للصلاة؟
الصلاة إذا كان الثوب ساتر لجميع البدن، وهو طاهر صحت الصلاة بأي ثوب ولو ثوب المهنة، إذا لبس بطاهرته فالصلاة صحيحة، وتخصيص الصلاة بثوب يكون أطهر وأنقى من باب الاحتياط للعبادة من غير تعبد بهذا الثوب لذاته، فلا شك أنه أكمل، إذا لم تتعبد بهذا الثوب أو تعتقد أن الصلاة لها لباسٌ خاص، أما إذا عرفت أن الصلاة تصح بكل ثوبٍ طاهر ساتر مغطي لجميع جسمها، ثم خصصت ثوباً تراه أنظف وأطيب وأطهر للصلاة ولا تزاول فيه المهنة؛ لتأخذ زينتها عند هذه الصلاة لا شك أن هذا لا بأس به -إن شاء الله تعالى-.
أثابكم الله، أحد الإخوة يقول: ما وجه كون الصيام لله بين سائر الأعمال كما في حديث: ((الصوم لي، وأنا أجزي به))؟
стр. 516
يقول ابن عبد البر ﵀: كفى شرفاً للصوم أن أضافه الله -جل وعلا- إلى نفسه ((الصوم لي، وأنا أجزي به)) ولذا قال جمعٌ من أهل العلم: أنه لا تدخله المقاصة، كيف لا تدخله المقاصة؟ حديث المفلس الذي تعدى شره وضرره إلى الناس يأخذون من حسناته، إلا الصيام لا تدخله مقاصة، ولذا يقول الله -جل وعلا- في الحديث القدسي: ((الصوم لي)) يعني ليس لأحدٍ فيه شركة، ومن جهة أخرى الصوم لا شك أنه سر بين العبد وبين ربه، ما الذي يمنع الصائم من أن يدخل غرفته ويتناول كأساً من الماء؟ ما الذي يمنع أن يدخل غرفته الخاصة به ويغلق على نفسه، وقد وسع الله على الناس، كل غرفة من غرف الناس اليوم فيها ثلاجة، وفيها كل ما يتطلبه الإنسان، فيتناول ما يشاء؟ لكن ملكته المراقبة، التي ولدها الصيام تمنعه من ذلك، وهي التقوى التي ذيلت بها آية الصيام ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [(١٨٣) سورة البقرة] هذه التقوى، تتقي الله -جل وعلا- في السر والعلن، أمام الناس لا تأكل، وأيضاً إذا خلوت بنفسك لا تأكل ولا تشرب، ولا تزاول مفطراً، والله المستعان.
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد.
стр. 517
صفحة جديدة ١ أحكام الصيام
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
حكم صيام رمضان:
فإن الصيام عبادة من أعظم العبادات، وفريضة من أوجب الفرائض، بل ركن من أركان الإسلام إجماعاً، من جحد وجوبه كفر اتفاقاً، ومن اعترف بوجوبه –أعني صيام شهر رمضان– لكنه لم يصم كسلاً وتفريطاً فقد قيل بكفره في رواية في مذهب الإمام أحمد، وقول معروف عند بعض أصحاب مالك -رحم الله الجميع-.
وهو قول مشهور ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في رواية عن الإمام أحمد في كفر تارك الأركان العملية، أما من لم يتلفظ بالشهادتين فليس بمسلم، ولم يدخل في الإسلام أصلاً؛ لأن النبي ﵊ قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)).
وأما بالنسبة للصلاة التي هي ثانية أركان الإسلام فالقول بكفره كفراً أكبر مخرجاً عن الملة منقول عن سلف هذه الأمة وأئمتها، والنصوص في ذلك صحيحة وصريحة ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)) ((بين العبد وبين الكفر والشرك ترك الصلاة)).
والخلاف في هذه المسألة معروف عند أهل العلم، لكن المفتى به والمرجح أنه يكفر، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وليس في تكفيره معارضة لقول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [(٤٨) سورة النساء] لأن ترك الصلاة كفر أو شرك داخلة في الآية ((بين العبد وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة)) فإذا ترك الصلاة فقد كفر أو أشرك، فهو داخل في الآية.
وأما الاستدلال بالآية على عدم كفره مع في الحديث الصحيح: ((بين العبد وبين الكفر والشرك ترك الصلاة)) فترك الصلاة شرك، قد يقول قائل: أن مثل هذا لا ينطبق عليه تعريف الشرك الذي يذكره أهل العلم، لكن النص دل على أنه شرك، وليس لأحد كلام مع كلامه ﵊.
وجمع من أهل العلم يرون أن كفره لا يخرج عن الملة، وإن كان المنقول عن الصحابة أنهم لا يرون شيئاً تركه كفر إلا الصلاة.
стр. 518
من أهل العلم من المغاربة في القرن السابع يرى أن الخلاف في كفره إنما هو مجرد تنظير، لا حقيقة له، لأنه لا يتصور مسلم يترك الصلاة، تنظير، يعني مثلما يقول العلماء في الفرائض: توفي زيد عن ألف جدة، وإلا فلا حقيقة لمثل هذا الخلاف، لأنهم لا يتصورون مسلماً يترك الصلاة، اللهم إلا أن يكون قرب قيام الساعة، هذا قاله بعض العلماء، لأن الصلاة أمرها عظيم ما كان معهوداً في عهد السلف، ولا في القرون المفضلة، وإنما تسامح الناس وتساهلوا فيما بعد، وكنا إلى وقت قريب لا نسمع بتارك الصلاة في بلادنا، يعني إذا فاته شيء منها مع الجماعة نظر إليه نظرة خاصة، ونقص قدره عند الناس، وصار على خوف ووجل، بل قد يعزر، ثم يستفتى أهل العلم، يستفتيه أب أن ولده قد لا يصلي صلاة الصبح مع الجماعة، فيقال: هذا ولد لا خير فيه، هذا يطرد من البيت، يهجر ويطرد من البيت، ثم بعد ذلك تساهل الناس، وتسامحوا حتى وصل الأمر أنه يوجد في بيوت كثير من المسلمين من يترك الصلاة بالكلية، فإذا أفتي بالفتوى السابقة أنه يطرد من البيت ويهجر في مثل ظروفنا التي نعيشها يتلقفه ألف شيطان، فيزداد مع ترك الصلاة إلى أمور تضره وتضر غيره، بحيث يتعدى خطره إلى غيره، فتسامح الناس حتى في الفتيا في مثل هذا، فيقول: عليك أن تبذل له النصيحة وتشدد عليه حتى يصلي.
أما مسألة الطرد فلا يسمع بها في هذه الأيام، مع أن الأمر جد خطير، الأمر خطير جداً، فإذا حكم بكفره كفراً مخرجاً عن الملة، فلا خير في مجالسته، ولا مساكنته، ثم بعد ذلك صار الناس ينظرون في الأقوال الأخرى لأنهم ابتلوا فيمن يترك الصلاة أو يترك الصيام.
على كل حال كفر تارك الصلاة هو المفتى به، وهو المرجح عند شيوخنا، وأما بقية الأركان الزكاة، الصيام، الحج، فجماهير أهل على عدم كفر تاركها إذا اعترف بوجوبها، وإن كان القول بكفره كالصلاة قول معروف في مذهب أحمد، وعند أصحاب مالك ﵀.
التساهل بالفرائض:
стр. 519
وجد التسامح في الثوابت، في الأركان الخمسة، تجد طالب منتسب إلى العلم الشرعي في كلية الشريعة مثلاً بلغ وكلف وهو ذو جدة مستطيع للحج ولا يحج، بعذر والله عندنا تسليم البحث مباشرة، ولا في وقت بأن أبحث، أخي هذا ركن من أركان الإسلام، والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ﴾ [(٩٧) سورة آل عمران] هذه يستدل بها من يقول بكفر تارك الحج ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ يقول: أن البحث يسلم بعد الحج مباشرة، ولا في وقت لأبحث، ويترك ركن من أركان الإسلام من أجل البحث، وهذا يجعل الإنسان يعيد النظر في نيته في طلبه للعلم، بل سمعنا من يقول: أن الحج في موسم ربيع وأمطار، نحن أصحاب رحلات ونزهات، هذه أعذار وعلل يتعلل بها بعض شباب المسلمين في التساهل في الأركان.
الصوم تجد الولد يبلغ مبلغ الرجال بل في بعض الفتاوى لأهل العلم، امرأة تقول: بلغت السادسة والعشرين وأمي تقول: أنت صغيرة، لا تحتملين الصوم، يعني كلفت ضعف السن الذي يكلف به في العادة، الثالثة عشرة، فإذا تساهل الناس بالأركان فما الذي يحافظون عليه؟.
في الحديث الصحيح أن النبي ﵊ بعث يوم عاشوراء: أن من أكل فليصم بقية يومه، ومن صام فليمسك، وكنا نصوم صبياننا، ونلهيهم باللعب من العهن –يعني من الصوف– إذا بكى الواحد منهم أعطي هذه اللعبة، صيام.
стр. 520
المصيبة أننا نرى التساهل في صفوف المسلمين يزداد، مع أن العلم ينتشر ويكثر ووسائل التبليغ بحيث يصل هذا العلم إلى كل شبر من أقطار المعمورة ومع ذلك يتساهلون، الجهل غير موجود إلا في بعض الجهات التي لا عناية لهم بالعلم أصلاً، أو من لم يرفع به رأساً، وإلا -الحمد لله- الآن وجد من في السبعينات من الأميين الذين لا يقرؤون ولا يكتبون، ومع ذلك حفظوا القرآن بعد السبعين، ووجد من يحفظ الأحكام بأدلتها من خلال إذاعة القرآن، من برنامج نور على الدرب، البرنامج المبارك الذي انتفع به القاصي والداني، ومع ذلك نجد التساهل، نعم قد يقول قائل: إن سبب هذا التساهل انتشار الأقوال واطلاع الناس عليها، لكن العبرة بما يسنده الدليل، الذي يدل عليه الدليل هو القول الصحيح، وما عداه لا عبرة به، ولا قول لأحد مع قول الله -جل وعلا- وقول نبيه ﵊.
стр. 521
هذه الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام عرفنا حكم من تركها، وجاء التشديد فيها، يقول الرسول ﵊ في الحديث المتفق عليه من حديث ابن عمر ﵄ قال: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان)) وعند مسلم تقديم الصيام على الحج، والاختلاف بين اللفظين بين الرواة معروف، أما المتفق عليه فهو تقديم الحج على الصيام، وعلى هذا بنى الإمام البخاري صحيحه، والجمهور على تقديم الصيام على الحج، عملاً برواية مسلم، وأن الراوي أخطأ في تقديم الحج على الصيام، هذا إذا قلنا: أن الخطأ ممن دون ابن عمر، وإلا فابن عمر قيل له كما في الصحيح: "صيام رمضان والحج؟ قال: لا، الحج وصيام رمضان فابن عمر حينما روى الحديث على الوجهين، مروي عنه على الوجهين، مرة بتقديم الصيام، ومرة بتقديم الحج، واستدرك عليه فقال: لا، الحج وصوم رمضان، أو صوم رمضان والحج، كما في مسلم، أراد أن ابن عمر أن يؤدب هذا المستدرك عليه الذي لا علم له ولا سمعه من النبي ﵊، بينما ابن عمر هو الذي سمعه، فقد يكون ابن عمر سمعه على الوجهين، وأراد أن يؤدب هذا الذي استدرك عليه كما يفعل بعض طلاب العلم في مجالس الكبار، تجده يستدرك بدون أدب، وإلا لو جاء بالاستدراك على صيغة استفهام ما يلام؛ لأن الشيخ ليس بمعصوم، قد يرى منه الخطأ والنسيان، لكن بهذه الطريقة يقول: لا صوم رمضان والحج، فأراد أن ابن عمر أن يؤدبه، ومثل هذا يحتاج إلى تأديب، وهذا موجود مع الأسف بكثرة في صفوف طلاب العلم بين يدي الأكابر، تجده من أيسر الأمور أن يرد على شيخه أو على من هو أكبر من شيخه.
إذا عرفنا أن صيام شهر رمضان ركن من أركان الإسلام، من جحده فقد كفر -نسأل الله السلامة والعافية- ومن فرط فيه فقد جاء: ((من أفطر يوماً من رمضان بغير عذر، لم يقضه صوم الدهر ولو صامه)) نسأل الله العافية.
صيام التطوع:
стр. 522
وجاء الحث على الصيام سواء يستوي في ذلك المكتوب، وهو أهم، وجاء الحث على أنواع من صيام النوافل كيوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر، البيض مثلاً ست شوال، وتسع ذي الحجة، وغيرها من الأيام التي جاء الحث على صيامها، وإن كان الحث على التسع مركب، بمعنى أنه جاء الحث على العمل في العشر ((ما من أيام العمل الصالح فيهن خير وأحب إلى الله من هذه الأيام العشر)) لأنها فضلت على أيام العشر الأخيرة من رمضان، ثم جاء البيان بأن الصيام من أفضل الأعمال، هو ركب من هذا وهذا أن الصيام في عشر الحجة من أفضل الأعمال.
بعضهم يقول: يعني ثبت من حديث عائشة ﵂: أنه ما صام العشر، نقول: ثبت من حديث غيرها أنه صام العشر، وإذا ثبت الحث وعارضه الفعل، فالذي يلزمنا القول، وأما فعله ﵊ إذا لم يعارض بقول فهو الأصل، قدوة، وهو الأسوة، أما إذا عارضه قوله فيختص به ﵊، ومن في حكمه، فإذا كان من يحتاجه العامة بحيث إذا صام اختل عمله، قلنا: لا تصم، ولو طردنا ما يقال في هذا وأن صيام العشر ما دام ثبت أن النبي ﵊ لم يصم العشر، قال بعضهم: أنه بدعة، والشيخ ابن باز ﵀ في فتاويه، يقول: من قال أنه بدعة فهو جاهل، لا يعرف معنى البدعة، وإذا طردنا مثل هذا القول قلنا: أن العمرة في رمضان بدعة، لأن النبي ﵊ لم يعتمر في رمضان، مع أنه جاء الحث عليها، في الحديث الصحيح ((عمرة في رمضان تعدل حجة)) وفي رواية: ((حجة معي)).
حِكَم الصوم:
стр. 523
الصوم شرع لحكم ومصالح عظيمة أعظمها: تحقيق التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [(١٨٣) سورة البقرة] فهذه هي أعظم فوائد الصيام، لكن قد يقول قائل: إن الناس يصومون ولا يتحقق لهم هذا الهدف الذي من أجله شرع الصيام! نقول: أعد النظر في صيامك، هل صيامك على الوجه المطلوب؟ على الوجه الشرعي الذي تترتب عليه آثاره، أم أن فيه خللاً؟ هذا كلام الله -جل وعلا-: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ و (لعل) كما يقول ابن عباس وغيره ليست على بابها، يعني: للترجي، وإنما هي من الله واجبة، فالصوم الشرعي على وجهه يحقق التقوى، كما أن الصلاة التي تكاملت شروطها، وأديت على الوجه الشرعي، تنهى عن الفحشاء والمنكر، والحج إذا أدي على وجهه ((خذوا عني مناسككم)) ولم يخالطه شيء مما يخرمه، ويخرم كماله يرجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ونحن نرى من يصلي يفرط في بعض الواجبات، ويرتكب بعض المحظورات، إذاً ما نهته صلاته عن الفحشاء والمنكر! نقول: أعد النظر في صلاتك، يصوم ولا يفرط في يوم من أيام رمضان، وقد يحرص حرصاً يخرجه عن الهدي الشرعي بأن يحتاط لصيامه فيقدم السحور، ويؤخر الفطور، وكل هذا من أجل الاحتياط لصيامه، فنقول: مثل هذا الاحتياط لا ينفعك، ولا تزال الأمة بخير ما أخروا السحور، وعجلوا الفطر، أقول: مع هذه الشدة ومع هذا الاحتياط، تجد التقوى لم تتحقق فيه، لأن صيامه فيه خلل، فعلى الإنسان أن يعيد النظر في عباداته، بعضهم يحج ويرجع بآثامه وذنوبه، لأنه لم يؤد الحج على الوجه الشرعي.
فعلينا أن نتفقه في الدين، وننظر في هدي سيد المرسلين، مخلصين في ذلك لله -جل وعلا-، من أجل أن تترتب الآثار على هذه العبادات، فتجد الإنسان -مثلما ذكرنا- يصوم ويصلي ويحج، ويبلغ من العمر ما يبلغ، وهو على عادته، وكأن شيئاً لم يكن، تجد حاله قبل رمضان وبعد رمضان لا فرق، ما تغير من حاله شيء.
стр. 524
يحج ويرجع ثم يعود إلى ما كان يزاوله قبل الحج، يدخل المسجد ويصلي الصلاة ثم بعد ذلك إذا خرج كأن شيئاً لم يكن، تجده يعتكف في العشر الأواخر، وقبل الاعتكاف يفوته شيء من الصلوات، تجده إذا خرج بعد إعلان خروج رمضان فاته شيء من صلاة العشاء، خرج المغرب، وفاته شيء من صلاة العشاء، والعهد قريب، لماذا؟ لأن هذه العبادات ما أديت على الوجه الشرعي، فيها نقص، فيها خلل، ولا يقال بإعادة هذه العبادات أو ببطلانها، لا، إذا اكتملت شروطها وأركانها وواجباتها صحت، وسقط بها الطلب، ولا يطالب بإعادتها، لكن الآثار المترتبة عليها إنما تكون إذا أديت على الوجه الشرعي.
كثير من المسلمين يسمع الحديث الصحيح: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة؛ كفارات لما بينهن ما لم تغش كبيرة)) ((ما اجتنبت الكبائر)) كما في بعض الألفاظ، ثم بعد ذلك يصلي صلاة ليس له إلا عشر أجرها، هذه الصلاة كما يقول شيخ الإسلام ﵀: إن كفرت نفسها كفى.
فعلى الإنسان مثل ما قلنا يعيد النظر في هذه العبادات، ويؤديها على الوجه الشرعي، ويحرص أن يتعرف على سنة ﵊، ليؤدي العبادات على الوجه المطلوب، مخلصاً في ذلك لله -جل وعلا-، فأول الأهداف التي من أجلها شرع الصيام تحقيق التقوى.
стр. 525
من الأهداف تحقيق العفاف، وهذا مهم في حياة المسلم ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) ونعود إلى ما قلناه سابقاً أن الصوم الذي يحقق هذا الهدف، وهو العفاف هو الصوم الشرعي الذي يؤتى به على الوجه المطلوب، قد يقول قائل -وقد قيل-: كثير من الشباب لا يردهم الصوم ولا يكفهم عن ثوران شهواتهم، كلام من لا ينطق عن الهوى ((ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)) ثم بعد ذلك يكثر الأكل بالليل، وينام النهار، ويقول: أنا شهوتي تزيد في رمضان، نعم شهوتك تزيد في رمضان ولا بد، لأن السبب في كونه وجاء أولاً: النية خالصة لله -جل وعلا-، الأمر الثاني: أنه الإتباع متحقق فيه، الأمر الثالث: أن الطريقة والهدي النبوي في كيفية الأكل والشرب والنوم والاستيقاظ على الأصل، أما شخص يسهر الليل من أكل إلى أكل إلى شرب، ومشاهدة ما يثير الشهوة عنده، ثم بعد ذلك في النهار ينام أكثر الوقت يعني يأكل كثيراً بالليل ثم ينام بالنهار، متى يحرق هذه الأمور التي خزنها؟ هذه الأطعمة التي خزنها في جوفه؟ هذا الصوم لا يتحقق منه الهدف الذي يترتب عليه العفاف، فعليه أن يقلل الأكل وفي وقته، أن يتناول أكلة السحر، ثم بعد ذلك لا ينام النهار، بل يشتغل؛ لأن الوقت قصير.
стр. 526
وينبغي أن يستغل هذا الموسم العظيم يفرط فيه كثير من الناس، فتجده في النهار نائم، وفي الليل في القيل والقال، ولا يستفيد من هذا الموسم العظيم، مواسم الدنيا يستغلها الناس استغلال قد يخل بالعقل أحياناً، تجد الإنسان يتصرف تصرفات من أجل استغلال مواسم الدنيا بحيث يقرب من أعمال المجانين، تجده يحرص على كل شيء، ويستفيد من كل شيء في أمور دنياه، لكن إذا جاءت مثل هذه المواسم انظر ترى، نوم في النهار، وقد ينام عن الفرائض عن الصلوات، هذه كارثة بالنسبة للصائم أن ينام عن الصلوات المفروضة، وقد يؤخر صلاة الظهر وصلاة العصر إلى أن ينتبه مع غروب الشمس، هذا يوجد في بيوت المسلمين من يفعل هذا من الذكور والإناث، لكن هل تتحقق آثار الصيام على مثل هذا الصيام؟ لا –والله- ما تتحقق، بل قد لا تتحقق ممن فعل دون ذلك، يعني من فوت صلاة الجماعة، لا شك أن في صومه خللاً، وإن كان صومه هو فاتته الجماعة صومه صحيح، ولا يؤمر بإعادتها، لكن مع ذلك صومه فيه خلل، فضلاً عن كونه يزاول أعمال تخل بعقيدته، كترك الصلاة مثلاً، أو تعمد تأخير الصلاة عن وقتها، أو يزاول أعمال فيها شرك ولو أصغر، فلا شك أن أثر هذه الأمور على القبول واضح، وإذا كان الفساق جاء فيهم يعني في مفهوم قوله -جل وعلا-: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] مفهومه أن الفساق لا يتقبل منهم، وأي فسق أعظم من تأخير الصلوات عن وقتها ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ومعروف أن المراد بالقبول هنا نفي للثواب المرتب على العبادة، لا أن العبادة باطلة ويؤمر بإعادتها، ما قال بها أحد من أهل العلم، ولكن الثواب المرتب عليها لا يتحقق، لأن نفي القبول في النصوص، يأتي ويراد به نفي الصحة ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)) و ((لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار)) ويأتي ويراد به نفي الثواب المرتب على العبادة كما هنا.
بم يثبت دخول الشهر ؟
стр. 527
الصيام صيام شهر رمضان يثبت برؤية الهلال، لقوله ﵊: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)) ومعلوم أن هذا لا يتحقق بالنسبة لجميع الناس، إنما يتحقق لبعض الناس أن يرى الهلال ثم بشهادته إذا قبلت يلزم الناس الصوم ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته)) فإذا رآه لزمه الصوم، وإذا شهد به وقبلت شهادته لزم الناس الصوم، ويثبت دخول الشهر بشهادة عدل واحد، إذا رآه بالعين، لأن الرؤيا حقيقتها النظر بالبصر، وشهد في ذلك عند الجهات، وقبلوا شهادته فإنه يلزم الناس الصوم، ولا يطالب كل إنسان أن يرى بنفسه، لأن هذا مستحيل، لأن من المكلفين من يستحيل رؤية الهلال بالنسبة له، إما لضعف في بصره، أو لفقده –فقد البصر– فعلم بذلك أن الرؤية ولو من واحد، كما جاء في حديث ابن عمر أنه رأى الهلال فأمر النبي ﵊ بصيامه، وكذلك ما يشهد له من حديث ابن عباس في قصة الأعرابي الذي شهد بأنه رأى الهلال، وقرره النبي ﵊ فقال: ((أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ )) فأثبت شهادته، وأمر الناس بالصيام، ويكفي في دخول الشهر شاهد واحد ثقة، وهل الرؤية من باب الشهادة أو من باب الإخبار؟ بمعنى أنه يقبل فيه من يقبل خبره، أو أنه شهادة لا يقبل فيه إلا من يقبل في الشهادة؟ فرق بين البابين، لأن دائرة الإخبار أوسع من دائرة الشهادة، لأن الإخبار يقبل فيه الواحد، يقبل فيه المرأة، ويقبل فيه العبد، المقصود أنه يقبل لأنه دين، وأما إذا قلنا: شهادة، ويتعلق بها حقوق الخلق، فلا بد من شاهدين، ولذا خرج دخول الشهر بالنص، بحديث ابن عمر وحديث ابن عباس، وبقيت بقية الأشهر على الأصل، وأنها شهادة تترتب عليها حقوق مالية فلا بد من شاهدين، وفيها الحديث: ((وإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا)) خرج الصوم بشهادة ابن عمر وبشهادة الأعرابي.
قد يقول قائل: أن حديث ابن عمر وحديث ابن عباس في قصة الأعرابي لا تدل على أن الشاهد واحد، بل هما اثنان ابن عمر والأعرابي، نقول: لا، هذه قصة وهذه قصة، هذه في سنة وهذه في سنة أخرى.
стр. 528
كما يثبت دخول الشهر بإكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً، فإذا تم شعبان ثلاثين يوماً وجب الصيام، فإذا لم يُر الهلال فلا بد من إكمال شعبان ثلاثين يوماً، ويوم الشك لا يجوز صيامه، "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ " ونهى عن تقدم رمضان بيوم أو يومين ﵊.
تبييت نية الصيام:
стр. 529
إذا ثبت دخول الشهر لزم تبييت النية، النية مبيتة عند كل مسلم، بأنه كلما جاء رمضان يصوم، لكن إذا لم يبيت النية قبل طلوع الصبح فإن صيامه لا يصح، والنية شرط لصحة الأعمال، كما في حديث عمر ﵁ ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) فلا بد من تبييت النية، وجاء في الحديث: ((لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل)) وهذا في الفرض، أما في النفل فقد دل الحديث على أنه كان ﵊ إذا جاء إلى أهله سألهم هل عندهم شيء -يعني مما يؤكل- فإن أجابوا بالنفي، قال: إنه صائم ﵊، فتصح نية النفل من أثناء النهار، على ألا يذهب غالب النهار؛ لأن الحكم للغالب، والنية حينئذ تنعطف، فيؤجر على صيام اليوم كاملاً، وهذا من فضل الله -جل وعلا-، وإن كان بعضهم إنما له أجر ما نواه من أثناء النهار، لكن باعتبار أن الصيام من أثناء النهار غير صحيح، وليس بشرعي، وأنه لا يصح الصيام إلا من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ثبت له هذا الأجر فضل من الله -جل وعلا-، وإن لم ينو إلا في أثناء النهار، ولا بد حينئذ من استيعاب الوقت، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ [(١٨٧) سورة البقرة] لا بد من هذا، وأهل العلم يقولون: إن إمساك جزء من الليل مما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، بمعنى أنه لا يجوز له أن يأكل بعد طلوع الفجر، بل يلزمه أن يمسك قبيل طلوع الفجر؛ لأنه ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ لأن الفجر يعني إدراكه لعموم الناس صعب، متعذر، لا يحصل إدراكه إلا للخواص من الناس، فإذا عرفه وبلغ هؤلاء الخواص فإن تبليغهم للعامة لا يمكن أن يأتي في لحظة، وإذا كان إدراكه بدقة متعذر، فلا بد من إمساك جزء من الليل ولو يسير، جزء يسير ليضمن أنه صام من طلوع الفجر إلى غروب.
стр. 530
وكذلك لا يفطر حتى يتحقق أن قرص الشمس قد غاب كاملاً، فإن أكل بعد طلوع الفجر ظاناً أنه لم يطلع ولا بد لهذا الظن من مستند، أما التفريط، بعض الناس ينام في مكان مظلم، والمكيف شغال، ما يسمع شيء، فإذا انتبه واستيقظ بعد الأذان أكل، هذا إذا استيقظ عليه أن يتثبت، ويسأل قبل أن يأكل هل طلع الفجر أو لم يطلع؟ نقول: يأكل باعتبار أن الأصل بقاء الليل؟ لا، لا يا أخي أنت مفرط وعليك القضاء حينئذ، أما إذا بذلت الأسباب واستيقظت ونظرت في الأفق، وسألت من حولك، بذلت الأسباب ثم تبين لك أنك أكلت النهار والأصل بقاء الليل، كثير من الناس يفرط، يستيقظ بعد الأذان بنصف ساعة مثلاً أو بربع ساعة أو والناس يصلون، يسمع الإقامة ثم يأكل، نقول: يا أخي أنت مفرط، يقول: الأصل بقاء الليل، لا يا أخي، لو ترك مثل هذا، نقول: بإمكانك أن تنام في قبو، في مطمورة كما يقول أهل العلم، يعني بحيث لا ترى الضياء، إلى الإفطار، تقول الأصل بقاء النهار، ما هو بصحيح هذا، ثم بعد ذلك عليه أن يستمر ممسكاً عن الطعام والشراب والجماع والشهوة، عليه أن يمسك عن المفطرات حتى يتيقن غروب الشمس.
следующие страницы →