← Джавами‘

Джавами‘ · id 23349

دروس الشيخ عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

إذا وجد من يأخذ بيد طالب العلم من المرحلة المتوسطة ووجهه إلى من ينفعه الحضور عنده من أهل العلم، مثل هذا -في الغالب أنه- يسلك الطريق، لكن الإشكال فيمن لا ينتبه إلا بعد التخرج في الجامعة، ثم بعد ذلك توظف، قد يتوظف في القضاء، وقد يتوظف في منصب يقتضي أن يعرض نفسه للإفتاء، وقد يتوظف في الدعوة، ويعرض نفسه لأسئلة الناس، ثم بعد ذلك هو بين أمرين: إما أن يقول: لا أدري في جل المسائل، وهذا حرج كبير، أن يأخذ راتباً في مقابل لا أدري؛ لأنه إنما وظف في هذا المرفق لينفع الناس، أو تحمله نفسه الأمارة بالسوء والكبر والحياء العرفي، لا الحياء الشرعي، أن يفتي بغير، وهو في هذه الحالة يضل بنفسه ويضل الناس، فأنا أقول: من البداية يا أخوة، لا بد أن نمسك الطريق من أوله، ونطلب العلم على الجادة، ويكون همنا تحصيل علم الوحيين الكتاب والسنة، ولا يعني هذا أننا نقتصر على القرآن، صحيح البخاري، صحيح مسلم، إلى آخره، لا بد أن نقرأ ما يعيننا على فهم الكتاب والسنة، ونحن في قراءتنا للغة العربية أجرنا كمن يقرأ القرآن أو يفسر القرآن، لماذا؟ لأنه وسيلة، والوسائل لها أحكام المقاصد، أنت قرأت اللغة العربية من أجل أيش؟ من أجل أن تفهم الكتاب والسنة، لك أجر من يتعلم الكتاب والسنة، قرأت في علوم الحديث لكي تعرف ما يثبت وما لا يثبت من حديث النبي ﵊ لك أجر من يقرأ ويُقرأ الحديث؛ لأن الوسائل لها أحكام الغايات، قرأت في أصول الفقه لتعرف كيف تتعامل مع النصوص، نصوص الكتاب والسنة لك أجر من يتعلم ويعلم الكتاب والسنة؛ لأنك لا تتعلم هذا العلم بمفرده، نعم قد يكون بعض الناس يفني عمره بهذه الوسائل ولا يصل إلى الغايات.

стр. 632

مثل هذا محروم؛ لأن هذه وسائل، كمن يمشي من أجل الخُطا وأجر الخطا إلى المسجد، فإذا وصل باب المسجد وقف، ما دخل، فهذه وسيلة، وأجر الخطا إنما رتب من أجل الصلاة، فمن خرج إلى الصلاة لا ينهزه إلا الصلاة له بكل خطوة حسنة، فإذا اقتصر على الوسيلة مشى تطهر في بيته وخطا إلى المسجد خمسين خطوة مائة خطوة، ألف خطوة، ثم وقف عند الباب، نقول: هذا مثل من يتخصص باللغة العربية ولا يستعمل هذه اللغة في علم الكتاب والسنة وفهم الكتاب والسنة، وقل مثل هذا في كل العلوم الوسائل؛ لأن القصد من معرفة اللغة العربية فهم الوحيين، القصد من علوم الآلة عموماً كيفية التعامل مع نصوص الوحيين، فليكن همنا الكتاب والسنة، ولا يمنع ذلك، لا يعني هذا أني أقول للإخوان لا تقرؤا في اللغة العربية، لا تقرؤا في أصول اللغة ولا في علوم الحديث، ولا في قواعد التفسير، لا، هذه أمور لا بد منها لفهم الغاية التي هي نصوص الكتاب والسنة. كيف يتعامل شخص ما عرف اللغة العربية مع كتاب أنزل بلغة العرب؟ كيف يفرق بين الحقائق الواردة في القرآن، الألفاظ الواردة في القرآن، كيف يتعامل معها على أنها حقائق لغوية أو عرفية أو شرعية؟ حتى يعرف هذه الحقائق.

стр. 633

فعلى طالب العلم أن يهتم بهذا غاية الاهتمام، ويأخذ منه ما يكفيه ولا يزيد على ذلك، قد تحتاج الأمة إلى متخصصين في اللغة العربية يفيدون أهل العلم فيما يحتاجون إليه من عويص المسائل ودقائق المسائل، لكن والحمد لله ما يكفي لفهم الوحيين أمره ميسور، يعني من قرأ الآجرومية مع شروحها وحواشيها، استفاد فائدة عظيمة، والآجرومية خمس ورقات ما تزيد، ثم إن أتبعها بالقطر، -قطر الندى- وألفية ابن مالك، فهذا نور على نور، لكن لا يكون على حساب نصوص الوحيين، ثم بعد ذلك إذا انتهى من الآجرومية، ثم القطر، ثم الألفية تطلعت نفسه إلى ما هو أعظم من ذلك من شروح المفصل، وشروح الكافي، وشروح كذا، لا، نقول: خذ من علم العربية ما يكفيك، وبعض الناس إذا قيل له علم العربية اقتصر على النحو، هذا الكلام ليس بالصحيح، العربية علوم وفروع متعددة، فطالب العلم يحتاج من علوم العربية كلها الاثني عشر علم، العلوم العربية الاثني عشر علماً ما يحتاج إليه، يحتاج علم النحو، يحتاج علم الصرف، يحتاج علم المعاني، البديع البيان، الوضع، الاشتقاق، إلى غير ذلك من العلوم، فقه اللغة، متن اللغة، يحتاج إلى العلوم كلها، لكن مع ذلك لا تكن هذه العلوم على حساب الوحيين، لا تكن هذه العلوم على حساب الوحيين. قد يقول قائل: إن الجامعات في هذه البلاد وغيرها، فيها أقسام للغة العربية، فيها أقسام للغة العربية، معنى هذا تغلق هذه الأقسام؟ نقول: لا يا أخي، الأمة بأمس الحاجة إلى هذه الأقسام، لكن ما الذي يمنع أن يكون التطبيق في هذه الأقسام على الكتاب والسنة؟ يعني إذا شرح باب من أبواب النحو، قال نطبق على القرآن، ثم جاء بسورة الفاتحة، نستخرج من سورة الفاتحة، ما مر بنا في هذا الباب، ثم بعد ذلك الباب الثاني على مقطع من سورة البقرة، أو من قصار السور، والباب الثالث ... وهكذا.

стр. 634

وبهذا يفهم الكتاب القرآن العظيم، وبه يفهم، وترسخ لغة العرب؛ لأن القرآن بلغة العرب، قد يمر عليه في القرآن بعض الألفاظ التي فيها اختلاف مع اللغة العربية، فيما يقرر في قواعد العربية يوجد الشيء، كلمات يسيرة في القرآن، تختلف عما قرره النحاة، وعلى هذا لا بد أن نخضع النحو إلى أفصح الكلام ولا عكس، لا نتطلب إجابات وتقديرات، تبعد بنا على فهم القرآن، من أجل قواعد وضعها النحو، نقول: خير ما يضبط به علم النحو التطبيق على القرآن، التطبيق على القرآن، وفي شرح "الأزهرية" من بعيد أبعاد، أو هو شرح شذور الذهب، في آخره إعراب قصار السور، لتمرين الطلاب على إعراب القرآن وفهم اللغة في آن واحد. فالآن لك عناية بالنحو، كثير من الطلاب يصاب بيأس بالنسبة لهذا العلم، لنقول: قرأت النحو، حفظت الآجرومية والقطر والشروح وبدأت بالألفية، لكن ما أشوف اللسان يتعدل، اللسان ما تعدل إلى الآن، نقول: يا أخي لا تيأس؛ لأنك بتعلمك هذا العلم، لا يلزم أن يقوم لسانك، إلا إن كنت خطيباً أو مدرساً أو شيء من هذا، أو تكثر القراءة في كتب على الشيوخ الذين يصححون لك ما تخطئ فيه، أما إذا لم تكن خطيب، ولا مدرس ولا تقرأ على المشايخ، ثق ثقة تامة أن لسانك لم يتعدل.

стр. 635

لكن ماذا بقي لك من علم النحو؟ بقي الفائدة العظمى، وهي فهم الكلام؛ لأن علم النحو يفيدنا أمرين: الأول تقويم اللسان، وفهم الكلام، أنت إذا قرأت في القرآن، أو في السنة، وقد عرفت قواعد اللغة العربية، قد تكون في قراءتك لها شيء من اللحن، ولا يتقوم لسانك بهذا، لكن أنت تفهم الفاعل من المفعول من الحال من التمييز من غيرها، ولكل كلمة في موقعها معنى خاص فلا ييأس من قرأ النحو على الجادة، من المتن، الطبقة الأولى إلى الثانية إلى الثالثة إلى أن ينتهي من هذا العلم، ويقول: أنا –والله- ما استفدت شيء، ومع الأسف أنه نجد هذا اليأس في نفوس كثير من طلاب العلم، ونقيم بعض الدروس في اللغة العربية، ونجد بعض الكبار يتخلف عنه، نقول له لماذا؟ يقول: والله ما أستطيع، حضرت الكتب ما استفدت، يا أخي ما تعرف تفرق بين التمييز والحال، قال: كتابة أعرب لك ما أنطق، قيل: ما يلزم يا أخي، أنت إذا ما استفدت الفائدتين لا تفوتك هذه الفائدة العظمى، وأنت بهذا تفهم الكلام -كلام الرب -جل وعلا-، وكلام النبي ﵊ وكلام أهل العلم، ولا يمكن أن يزهد طالب العلم في علم العربية إلا إذا زهد في علوم الكتاب والسنة؛ لأنها بلسان العرب، بلسان عربي مبين. فعلى الإنسان أن يحرص على هذا أشد الحرص وبعضهم يقول: نفهم كلام الله -جل وعلا-، بدون هذا التعقيد الذي في كتب النحو، فقل: يا أخي علم النحو لا يحتاج إلى تعقيد، ما يحتاج تقرأ بأوضح المسالك، كتاب معقد لا تقرأ فيه، تكتفي بالآجرومية والقطر، وما كتب عليهما، إن سمت همتك إلى الألفية بها ونعمت، وإلا أنا أضمن لك أن تتقن العربية بهذين الكتابين، مع شروحهما، بعض الأحكام الشرعية يتغير الحكم فيها تبعاً لتغير الإعراب، ومثَّل لهذا بحديث: ((ذكاة الجنين ذكاةُ أمه))، وبعضهم يرويه: ((ذكاةُ الجنين ذكاةَ أمه)) ويش الفرق، يقولون: ((ذكاة الجنين ذكاةُ أمه)) برفع الجزئين، قلنا: إن ذكاة الجنين هي ذكاة أمه، فلا يحتاج إلى تذكية، وبهذا قال الجمهور، لكن إذا قرأنا بالرواية الأخرى، النصب ((ذكاة الجنين ذكاةَ أمه)) قلنا: منصوب على نزع الخافض والتقدير: كذكاة أمه.

стр. 636

فيلزم أن يذكى مثل ذكاة أمه، وبهذا يقول الحنفية، تغير الحكم أو ما تغير؟ تغير الحكم، وأعظم من ذلك قول الأصمعي وجمع من أهل العلم قالوا: أن الذي يلحن في كلام النبي ﷺ يخشى عليه أن يدخل في قوله ﵊: ((من كذب علي متعمداً فليتوأ مقعده من النار)) إذا قلت: ((إنما الأعمالَ بالنيات)) يعني أنت قلت على الرسول ﵊ ما لم يقل، إذا قلت: قال رسول الله ﷺ : ((إنما الأعمالَ بالنيات)) الرسول ما قال هذا الكلام، إنما قال: ((إنما الأعمالُ بالنيات)). فنهتم لهذا الأمر، طالب العلم إذا تعلم النحو ما تعلم الصرف يقع في حرج كبير، الصرف لا بد منه، لكن لا يعني أننا نقرأ الشافية وشروح الشافية، لكننا نقتصر على المختصرات في هذا الفن، يحتاج طالب العلم –أيضاً- إلى علم البيان، وعلم البديع، وعلم المعاني، يحتاج إليها حاجة شديدة ماسة. يعني كيف نستخرج إعجاز القرآن بغير هذه العلوم، لا بد أن نقرأ هذه العلوم لكي نعرف قيمة هذا الكتاب العظيم الذي تحدى به العرب، بعض الناس يقرأ القرآن وكأنه كلام عادي، كأنه كلام، وهذا الكلام ليس بصحيح، بل إذا عرف هذه العلوم وقرأها وجد أن القرآن لا يضاهيه أدنى أي كلام، والعرب الفصحاء تحداهم الله -جل وعلا- أن يأتوا بمثله، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور، بسورة من مثله، ولكن هل ممكن أن يتحدى العرب أن يأتوا بآية، ما حصل هذا التحدي بآية، ما حصل، لكن آية تعادل أقصر سورة، يمكن أن يتحدى بها، أما مجرد آية، ثم نظر: مدهامتان، العرب لا يعجزون أن يقولون: ثم نظر، فلم يحصل التحدي بآية. على كل حال طالب العلم طالب العلم لا بد أن تكون متكاملة وشاملة, ولذا يشترطون لمن يتصدى لتفسير القرآن أن يعرف جميع العلوم، أن يعرف جميع العلوم؛ لأنه قد يشكل عليه أشياء في تفسير القرآن لا يحلها إلا فقيه، لا يحلها إلا محدث، لا يحلها إلا لغوي، تشكل عليه بحيث لا يحلها إلا من علماء البلاغة، وهكذا.

стр. 637

فطالب العلم عليه أن يأخذ، ولا يعني أنه موغل في كل علم، بحيث يصير هو الهم أجمع، لا، يأخذ من كل علم ما يكفيه، وهناك مختصرات في سائر العلوم نافعة، وأهل العلم ما قصروا، رتبوا هذه الكتب وصنفوها وجعلوها على طبقات تناسب المتعلمين وطبقاتهم، فجعلوا للمبتدئين كتب، وجعلوا للمتوسطين وجعلوا للمتقدمين كتب، وكتب العلم التي تشرح موجودة، والأشرطة وكلام أهل العلم في هذا كثير. وعلم العربية نحتاجه أيضاً في السنة، وعرفنا اختلاف الحكم تبعاً لاختلاف الإعراب، وعرفنا أن الخطر الذي عبر عنه الأصمعي وغيره بإدخال من يلحن في الحديث، بحديث ((من كذب))، نعم، قد يكون هذا غير متعمد فيخرج من هذا، لكنه كونه يُلصق بهؤلاء -ولو من وجه- أنه كذب على النبي ﵊، الإنسان لا يريد أن يقع في هذا، ولو لم يكن عن قصد، وحديث: ((من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) هذا مخيف، يعني ما يلزم أن تراه أنت، لو رآه غيرك أنه كذب، فأنت واقع في هذا الوعيد، وأنك أحد الكاذبين، والكاذب عليه من الله ما يستحق -كما جاء في النصوص-. لا بد أن نتعلم العلم، وأنتم لا شك أنكم من طلاب العلم، وأخذتم منه بقسط كاف -إن شاء الله تعالى- لكن المزيد هو المطلوب، والله -جل وعلا- ما أمر نبيه من الاستفادة من شيء إلا من العلم، ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [(١١٤) سورة طه]. فنحن بحاجة ماسة إلى الازدياد من العلم، بعض الناس يقول: أنا والله تخرجت، درست عشرين سنة، خمسة وعشرين سنة، والآن أحمل أعظم الشهادات، يعني إلى متى؟ نقول: الرسول ﵊ قيل له: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [(١١٤) سورة طه]. وبعض الناس يقول: أنا والله درست عشر سنين، عشرين سنة، ثلاثين سنة، وإذا سئلت عن شيء ما أقدرت، ما استفدت، فأترك. نقول: يا أخي النتيجة ليست بيدك، النتيجة عند الله -جل وعلا-، عليك أن تبذل السبب، فبذل السبب منك مطلوب، ((من سلك طريقاً))، السبب سلوك الطريق، ابذل سلوك الطريق، فاسلك الطريق تضمن لك النتيجة، ((من سلك لك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)).

стр. 638

حضر معنا بعض عن المشايخ بعض الناس أدركناه في الخامسة والسبعين من العمر، درس على شيوخنا وعلى شيوخهم، وكان زميلاً لشيوخيهم، فدرس مع الشيوخ ومع شيوخهم، ودرس مع الطلاب وتأخر عنا في الطلب حتى مات، ما يقرب عن تسعين سنة، لكنه بالفعل ما أدرك شيء؛ لأنه إذا سمع شيئاً يحثه على العمل عمل به، فهذا مع صدق النية سهل الله -جل وعلا- به طريقاً إلى الجنة، فالنتيجة مضمونة، النتيجة في الآخرة مضمونة، لكن في الدنيا هل ضمن لك أن تكون عالم؟ لا ما ضمن لك أن تكون عالم؛ ولذا اليأس ما هو بوارد، ليس بوارد، لا في العلم ولا في العمل؛ لأن بعض الناس –أيضاً- بالنسبة للعمل، يقول: حاولت وعجزت، كيف حاولت؟ حاولت الإخلاص وما قدرت، يأتي كثير من طلاب العلوم الشرعية، والكليات، يقولون: والله نحن حاولنا الإخلاص، ومن شرط العلم الإخلاص؛ لأنه من أمور الآخرة المحضة، لا يجوز فيه التشكيك، فأخشى أن أكون من أول ما تسعر بهم النار، أترك طلب العلم، يقال له: لا تترك ولا تيأس، الترك ليس بحل، الترك ليس بحل، لكن عليك أن تجاهد، تجاهد نفسك، وحينئذ إذا علم الله منك صدق النية أعانك. بعض الناس يقول: حاولت قيام الليل، وجاهدت نفسي وعجزت، نقول: السلف كابدوا قيام الليل سنين، ولا بد من تجاوز المرحلة، مرحلة الاختبار، فإذا تجاوزت مرحلة الاختبار ونجحت في الأخير تتلذذ، فالطلب في بداية الطلب، -طلب العلم شاق-، أقرانك وأقاربك في استراحات مبسوطين على ما قالوا، يتمشون وينبسطون ويتجاذبون أطراف الحديث وينظرون إلى أخبار العالم، وأنت جالس بزاوية في بيتك تقرأ كتاب أو في مسجد بين يدي الشيخ. فالنفس فيها صراع، في أول الأمر، لكن هذه مرحلة امتحان، فإذا صبرت واحتسبت الأجر من الله -جل وعلا-، وأخلصت وصدقت اللجأ إليه لا شك أنك تكون في نعيم، في جنة، لا يدركها أمثال هؤلاء، كما قال شيخ الإسلام ﵀ وكما قال من قبله، يعني هم في جنان لو يعلم بها الملوك لجالدوهم بالسيوف.

стр. 639

يعني عطاء أبي رباح، مبتلى بعلل كثيرة، بتشويه خَلقي وعلل في جميع أطرافه، وفي لونه وفي شكله وفي وجهه، وإذا جلس في المسجد الحرام، الملوك كأنهم أطفال بين يديه ما الذي رفع هذا؟ بما رفع مثل هذا؟ رفع بالعلم، فإذا أدركت مثل هذه الأمور، وقرأت ما أعد الله -جل وعلا- للعلماء العاملين، في كتابه وسنة نبيه ﵊، لا شك أنك سوف تنسى كل ما يتلذذ به الناس من أمور دنياهم. يعني في العام الماضي والذي قبله أيام سوق المساهمات، فقدنا بعض طلاب العلم، أين فلان؟ قالوا: والله انشغل بالمساهمات، وكان من الملازمين للدروس في جميع الأوقات، في النتيجة حصل ما حصل، يعني يا الله عاد حسب الأرباح والخسائر، ماذا خسر هذا الذي ترك الدروس؟ وما الذي خسره من ترك الأسهم؟ أعرف بعض طلاب العلم انشغلوا بهذا؛ نسيوا العلم، والله أننا نختبرهم في بعض المسائل الصغيرة التي كانوا يقررونها على الطلاب ويساعدون الشيخ في تقريرها نسوها، وبعضهم نسي القرآن، وبعضهم يصلي صلاة ببدنه، وليس للقلب أي نصيب، يعني ماذا خسر هذا الشخص في مقابل حطام الدنيا، خسر شيئاً عظيماً، بينما الذي لزم الدروس وأدرك من العلم ما أدرك وإذا ذهب إلى صلاته مرتاح مقبل على ربه، فهذا ما فاته شيء، الدنيا الحمد لله ملحوق عليه، لكن من الخاسر في الحقيقة؟ ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [(١٥) سورة الزمر] خسران، الخسران في القيامة، ما هو في الدنيا، قد يخسر الإنسان، قد تصيبه ضائقة مادية، قد يشتغل في تجارة ويخسر، لكن ليس هذا. كل كسر فإن الدين يجبره ... وليس لكسر قناة الدين جبران فعلى الإنسان أن يُقبل إلى ما خلق من أجله، حصل هذا الهدف ثم بعد ذلك، ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [(٧٧) سورة القصص] التي تستعين بها على تحقيق هذا الهدف، أما أن تجعل الدنيا هي الهدف، وقد رأينا من عوام المسلمين، والآن بعض علماء المسلمين -مع الأسف- وبعض طلاب العلم من ينطبق عليه: ((تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار تعس وانتكس – نسأل الله العافية – وإذا شيك فلا انتقش)).

стр. 640

نعرف من دهاتم، من عوام المسلمين تأتيهم بضائع من الشرق والغرب، ويخبرك بأسعارها وفوائدها في لحظة، ما يحتاج آلات، أفضل من الآلات، وأسرع من الآلات، لكن لا يعرف يقص أظافره، وإذا أصابته شوكة يطلب من يسعفه، وهذا حاصل بالفعل ما هو بخيال، إنما هذا حاصل بالفعل، ولبس الساعة سنين ثم خلعها ما يعرفها، ومع ذلك يخبرك عن أمور الدنيا بدقة. فالمسلم مخلوق لتحقيق هدف، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [(٥٦) سورة الذاريات] تحقيق العبودية، ومع ذلك هذه العبودية تحتاج إلى شيء من الدنيا، فينته لشيء من دنياه، كما قال الله -جل وعلا-: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [(٧٧) سورة القصص]. والحال الآن في وضع المسلمين العكس تماماً، كأنما خلقوا للدنيا ويحتاجون إلى من يقول لهم ويتعاهدهم "ولا تنس نصيبك من الدين" على العكس تماماً. فعلى الإنسان أن ينتبه لنفسه قبل فوات الأوان، والآن أكثر الحضور -ولله الحمد- من الشباب الذين هم في عصر الإمكان. الكلام عن الكتب وترتيب الكتب وماذا يقرأ، وماذا لا يقرأ، يعني فيه أشرطة سميت "كيف يبني طالب العلم مكتبته" وهذه موجودة في الأسواق، لسنا بحاجة إلى الكلام عليها مرة أخرى، العلم، وطالب العلم، والعالم، والذين أوتوا العلم قد رفعهم الله درجات، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [(١١) سورة المجادلة] ودرجات عشرين سانتي مثل درج الدنيا، عشرين سانتي، الدرجة الواحدة؟ لا، الدرجة الواحدة ما بين السماء والأرض، ودرجات ما هي بدرجة ولا بدرجتين، ولا كذا، فننتبه لمثل هذا الأمر، هذا بالنسبة للعلم، هذه كلمة مختصرة.

стр. 641

بالنسبة للعمل يوجد في صفوف طلاب العلم -مع الأسف- أنه يأخذ العلم مجرداً، ويشكو من عدم ثباته في نفسه، ينسى العلم، نقول لك: يا أخي اعمل بهذا العلم ثم بعد ذلك يثبت، والعلم كما يقول علي ﵁ "يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل"، وكم من شخص تعلم من العلوم الشيء الكثير، ثم بعد ذلك في النهاية نسي؟ لماذا؟ لأنه لا يعمل، العلم النظري المجرد لا يثبت، لو أن إنساناً أخذ مصنف ثلاثمائة صفحة -مثلاً-، في تعلم قيادة السيارة، في تفكيك المكينة وتفكيك كذا، يعني كل ما يتعلق بالسيارة، وقرأ الكتلوجات القديمة والحديثة وكذا، لكنه ما باشر ما معه مثلك ولا عنده، بيتعلم هذا، لا بد من العمل، لا بد من العمل، فالعمل يثبت به العلم، والأعمال متاحة في شرعنا ولله الحمد كثيرة جداً، يعني بعض الناس قد يصعب عليه ويشق عليه، أن يساعد الناس ببدنه، نقول: يا أخي ساعد الناس وابذل فيما تستطيع، برأيك -مثلاً-، إذا جاء أحد الناس يستشيرك امحضه النصيحة، العمل الخاص الذي لا يتعدى، صيام، النوافل قيام الليل، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي الناس بأمس الحاجة إليه الآن، المنكرات تزيد، المنكرات الآن في محافل المسلمين تزيد، فلا بد من التعاون على إزالتها، وإنكارها، لكن بطرق تترتب عليها المصلحة، ولا يترتب عليها أدنى مفسدة، والإنسان -ولله الحمد- في هذا البلد ما فيه أحد يمنعه لشخص رآه في طريقه إلى المسجد: صل يا أخي، صل جزاك الله خير، الآن الإقامة قربت والمسجد قريب وقد سمعت الأذان، ولا عذر لك، ورأس مالك الصلاة، أعظم أركان الإسلام، في أحد يمنعه من هذا، يرى شباب يلعبون كرة يقول لهم: صلوا، يرى صاحب محل مفتوح بعد الأذان، يقول له: سكر، ولو أن الناس تتابعوا على هذا وتعاونوا عليه ما وجدنا هذا التساهل الموجود في أسواق المسلمين ومحافلهم، فالاهتمام بهذا الشأن الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم المهمات وأولى الأولويات بالنسبة لجميع المسلمين؛ لأن الرسول ﵊ يقول: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وللسان ولله الحمد مستطاع بالأسلوب المناسب، الذي لا يترتب عليه

стр. 642

مفاسد. الأمة إنما فضلت على غيرها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شأنه عظيم، لماذا لعن، بأي شيء لعن بنو إسرائيل؟ ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [(٧٩) سورة المائدةٍ] كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، هذا السبب، فإذا وجدنا المنكر ولا ننكره لا يعني هذا أن يأخذ عصا ويضرب هذا، لا، لا أبداً، الشرع -ولله الحمد- جعل لك فسحة، لا تستطيع أن تغير بيدك، -وكل إنسان في بيته يستطيع التغيير بيده-، ومن له ولاية على شيء يستطيع التغيير بيده، لكن إذا لم يستطع فالخيار الثاني التغيير باللسان وهذا مقدور عليه في بلادنا -ولله الحمد- وليس مانع، ولا يوجد من يمنع من التغيير باللسان إذا لم يوجد هناك مشكلة، أو مفسدة أعظم من هذا التغيير، المقصود أن علينا أن نتكاتف على هذا المرفق العظيم وننوء بالحمل مع إخواننا الرسميين ولعل الله -جل وعلا- أن يدفع عنا، فالمنكرات لا شك أنها سبب لمقت الله وغضبه، وفي الحديث الصحيح: ((أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث))، يعني عندنا صالحون كثر، -ولله الحمد-، عندنا علماء عاملون، وعندنا دعاة وقضاة وعندنا أخيار، عندنا زهاد وعندنا عباد، لكن الخبث كثر فيخشى علينا، ولا نستطيع أن نرد هذا الخبث إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولذلك قدم على الإيمان، ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [(١١٠) سورة آل عمران]، فقدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يصح بدون إيمان إلا أنه من أجل أننا فضلنا به على سائر الأمم قدم، وإلا فالأمم السابقة كلهم يؤمنون بأنبيائهم، يعني من كتب له اتباع الأنبياء يؤمنون.

стр. 643

أيضاً هناك أعمال خاصة على طالب العلم أن يلتزمها ليعان على طريقه ومشواره في طلب العلم، يستعين بقراءة القرآن على الوجه المأمور به بالتدبر والترتيل، وأيضاً يكثر من تلاوة القرآن ليحصل على الأجور العظيمة، بكل حرف عشر حسنات، كل حرف عشر حسنات، الإنسان في ربع ساعة يقرأ جزء يحصل له مائة ألف حسنة، وليكثر من هذا، ويجعل له وقت للتدبر، والنظر في كتاب الله والاعتبار، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [(١٧) سورة القمر] لا بد أن نعتبر، ولا بد أن نتذكر، لا بد أن نذكر أنفسنا ونذكر غيرنا بالقرآن، ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [(٤٥) سورة ق] لكن من الذي يتذكر؟ هو الذي يخاف الوعيد، أما الإنسان الغافل الساهي اللاهي، هذا نصيبه من هذا قليل، ومع الأسف أن البعض ممن ينتسب إلى طلب العلم عنده شيء من الجفا بالنسبة للقرآن، فتجده إذا تيسر له أن يحضر إلى المسجد قبل الإقامة، وصلى الركعتين إن بقي وقت أخذ مصحف، وقرأ ما تيسر ورقة أو ورقتين، ويكون القرآن عنده -على ما يقول الناس- على الفرغة، إن وجد وقت وإلا ... فهذه مشكلة يعايشها كثير من طلاب العلم حتى من الحفاظ، بعض الطلاب إذا ضمن حفظ القرآن انتهى، انتهى دوره، نقول له: لا يا أخي الآن جاء دورك، الآن جاء دور التلاوة التي رتب عليها أجر الحروف، وجاء دور الترتيل والتدبر والاستنباط والتذكر والتذكير بالقرآن، الآن جاء دوره، فأهل القرآن لهم هذه الخاصة، هم أهل الله، وهم خاصته، وينبغي أن يعرفوا بما لا يعرف به غيرهم، كما قال ابن مسعود: يعرف بصيامه يعرف بصلاته يعرف بقيامه، يعرف بتلاوته يعرف بنفعه الخاص والعام، يعرف بإقباله على الله -جل وعلا- إذا غفل الناس، فصاحب القرآن له شأن عظيم.

стр. 644

أيضاً مما يوصى به المسلم عموماً "لا يزال لسانه رطباً بذكر الله -جل وعلا-"، والذكر لا يكلف شيء، الذكر لا يكلف، يعني سبحان الله وبحمده "مائة مرة"، حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر، سبحان الله وبحمده، بالتجربة تحتاج إلى دقيقة ونصف، تحتاج إلى دقيقة ونصف، ما يحتاج مثل الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا أن يأخذ الإنسان سيف ويقتل نفسه ليتوب الله عليه، ما يلزم هذا، دقيقة ونصف "سبحان الله وبحمده" حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر، من لزم الاستغفار، -وللاستغفار فوائد، شيء لا يخطر على البال-، يعني له دور في شرح النفس، وطيب العيش، وكثرة المال والولد، والبركة في الرزق، ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير"، عشر مرات، كمن أعتق أربعة من ولد إسماعيل))، عشر مرات تقال بدقيقة، مائة مرة، عاد هذه أمر لا يكون أحد مثله إلا إذا أتى بمثله أو زاد، حرز من الشيطان، ومائة درجة، ويمحى عنه مائة سيئة، وكمن أعتق عشرة من ولد إسماعيل، أجور لكن -يا إخوان- الحرمان ليست له نهاية.

стр. 645

تجد كثير من الناس إذا ذهب إلى أمر من الأمور ووجد صاحب الأمر غير موجود، والله خرج مشوار يأتي بعد ربع ساعة، الربع الساعة خمسة عشر دقيقة هذه أثقل عليه في الانتظار من خمسة عشر سنة، تجده يتوهج ويتأسف ويتألم وشويه يخرج، وشويه يدخل ينتظر هنا، لماذا؟ ما عود نفسه على الذكر، يعني لو شرع في قراءة جزء من القرآن بربع ها الساعة، ألا يود أن يتأخر صاحبه حتى يكمل هذا الجزء، إذا كان له ورد ونصيب يومي من القرآن ألا يتمنى أن تتأخر الإقامة قليلاً حتى يكمل قراءته؟ هذا الحاصل يا إخوان، لكن الذي يفتقد القرآن لمجرد إمضاء وقته، ويتصل بالذكر في ذلك، ما يفلح، بس ينتظر الإقامة وينتظر في الباب متى يأتي الإمام لماذ؟ لأنه ما عود نفسه ولا تعرف على الله في الرخاء ليعرف في مثل هذه الشدائد، لكن لو تأخر الموظف الذي ينتظره عشر دقائق أو ربع ساعة أو تعود، كان لا يحفظ القرآن في جيبه جزء من القرآن قرأه يكفيه، مائة ألف حسنة أفضل من العمل الذي جاء من أجله، أفضل بكثير من العمل الذي جاء من أجله، لكن باعتبار ما عودنا أنفسنا على هذا نتضايق كثير، الإنسان في طريقه وفي مشواره رايح وجاي يضيع أكثر أوقات الناس في السيارات –الآن-، وكثير من الناس لا يحسن استغلال مثل هذه الأوقات، اقرأ قرآن، اذكر من الأذكار ما جاء الشرع بالحث عليه، اسمع أشرطة علمية تستفيد، المقصود: أن الإنسان يحفظ الوقت؛ لأن العمر هو عبارة عن هذه الأنفاس وهذه الدقائق، وقبلها الثواني وبعدها الساعات، هذا هو عمر الإنسان، بل هذا هو حقيقة الإنسان، فإذا ضيع الإنسان نفسه، فعلام يحاسب؟ إذا ضيع الإنسان نفسه يعني أنتهت بالكلية ما سوى شيء، وكم من شخص يمد له في العمر إلى مائة سنة، فإذا طلب من أهله وذويه ماذا أنجز خلال هذه السنة؟ والله ما يشوف شيء، وبعض الناس يبارك له في عمره. عمر بن عبد العزيز مات ما كمل الأربعين، عمر بن عبد العزيز ما كمل الأربعين، شوف الذكر إلى الآن، -الذكر الحسن-، وكثير سعيد بن جبير ما كمل الخمسين، النووي ستة وأربعين، وملأ الدنيا، مساجد الدنيا كلها يقال: قال -رحمه الله تعالى-، فعلينا أن نحرص على هذا.

стр. 646

ثم قد يقول قائل: ما السبب في هذه البركة؟ أننا رأينا أناس طالت أعمارهم لكن ما كتب لهم مثل هذا الذكر الحسن، بحيث يقال على كل إنسان: ﵀؟ جاء شخص إلى هشام بن عبد الملك وقال له: إن أباك منحني قطعة أرض، ثم جاء عمر بن عبد العزيز ﵀ فأخذها مني، قال: سبحان الله، الذي أعطاك الأرض ما قلت: ﵀، والذي أخذها منك تقول: ﵀، قال: وأيش أسوي، كل الناس تقول هذا، ما يذكر اسمه إلا ﵀. فعلى الإنسان أن يحرص لتحقيق مثل هذه الأمور، وكم من شخص تجري أعماله بعد وفاته مئات السنين، لماذا؟ لأنه دل الناس على هدى، علم الناس الخير، ألف مصنفات يستفيد منها الناس وأجورهم ماضية، ((أو علم صالح ينتفع به)) وبعض الناس على العكس مئات السنين تجري عليهم الأوزار؛ لأن عملوا بدع وصنفوا كتب بدع فصار الناس يتأثرون بها فعليهم أوزارهم. و ((من سن -في الإسلام- سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة))، فعلينا أن نهتم بأنفسنا ونحتاط لها والموضوع المذكور في الإعلان موضوع متشعب، ولا ينتهي ولا ندري بما نبدأ ولا بما ننتهي، لكن لعل الأسئلة تبين شيء من المراد. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،، الأسئلة: هذا سؤال فيه: تقول: قريبة لنا معها جوال، وتكلم شباب من غير ما تدري أمها، والجوال أهلها موافقون عليه، ما الحكم بالنسبة لمن يعلم ذلك، وكتم هذا الخبر؟ الجواب: مثل هذا منكر، منكر تجب إزالته، وما الذي بعد الكلام من هذه المرأة لأولئك الشباب، وكم من كارثة ومصيبة وقعت بسبب هذه التصرفات التي يدعى في أول الأمر أنها نزيهة وبريئة، وأي نزاهة وأي براءة أن تتكلم امرأة مع غير محارمها لغير حاجة، وقبض أهل الحسبة على فتاة خرجت مع شاب خمس مرات، وادعت مع الشاب أن علاقتهم نزيهة ونقية وبريئة، فقيل لها: كيف تعرفتي على هذا الشاب، قالت: هو في الخطوط، يعمل في المطار وجئت إلى المطار وقطع لي -على ما يقولون- الكرت وكتب عليه الرقم فاتصلت عليه وتعرفت عليه وصرت أطلع معه ولا حصل شيء.

стр. 647

فهذا أولاً: نتيجته التساهل في سفر المرأة بغير محرم، وإلا لو وجد معها محرمها ما حصل مثل هذا التصرف. الأمر الثاني: أن كون هذه العلاقة -وهي بحد ذاتها محرمة- هذه العلاقة مثل ما تسأل عنه هذه الأخت محرمة، فإذا حرم الأمر وإن كان وسيلة إلى غيره إنما لا شك أن هذا الكلام، ليس هو الغاية من التحريم الغاية ما يؤدي إليه من علاقة تفضي إلى ارتكاب الفاحشة، لكن الوسيلة إذا كانت تفضي إلى هذه الغاية حرمت، فإنها حينئذ تكون محرمة، وعلى من يعلم حال هذه المرأة أن يبلغ أهلها بالأسلوب الذي تترتب عليه آثاره، ولا يترتب عليه مفسدة؛ لأن بعض الناس قد تحمله الغيرة إلى أن يتصرف تصرف يجعل الطرف الآخر يعاند ويرتكب ما هو أكبر من ذلك. على كل حال لا بد أن يعلم ولي الأمر -بالنسبة لهذه-، وبعض الناس عنده مسألة الستر، ويستدل بما جاء عن النبي ﵊ وصح عنه: ((من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)) وأي ستر يكون سبباً لما هو أعظم مما وقع فيه، بل الستر الحقيقي هو إخبار الولي؛ لأنه إذا لم يعلم ولي الأمر بحال هذه المرأة، فمن يكفها ويردعها، والله المستعان. سؤال: وهذه تقول: إنها تعمل في الأمر بالمعروف في إحدى الحدائق، ولكنها تخاف من التصوير، ودائماً يأتيها الشيطان ويكبر لي المسألة وما يترتب عليها من مفاسد، وأحياناً أصل ترك عملي من شدة خوفي من ذلك، على الرغم من وجود تفتيش عند باب الحديقة، ما توجيهكم؟ الجواب: على كل حال عليها أن تتابع وهي مأمورة بالأمر بالمعروف -إذا وجدت هذا المنكر، أو ذلك المعروف الذي قصر فيه- عليها أن تأمر وتنهى، وأما كونها تخاف من التصوير فهذا لا شك أنه من تخويف الشيطان، وتخذيل الشيطان، وعليها -أيضاً بالمقابل- أن تحتاط لنفسها، أن تحتاط لنفسها، فلا تتعرض لمثل هذا التصوير. سؤال: هذه تريد كلمة توجيهية للنساء في هذا الزمان وغفلتهن عن حجابهن، وكلمة لمن يسمع هذا الكلام ولا يعمل به مجرد سماع. الجواب: على كل حال الكلام كله الذي قيل بالنسبة للشباب هو –أيضاً- موجه للنساء فالنساء شقائق الرجال، وهو داخلات في خطاب الرجال في عموم النصوص الشرعية، إلا ما جاء تخصيص الرجال به.

стр. 648

سؤال: وهذه تقول عنوان المحاضرة: توجيهات للشباب، الرجاء ألا تنسوا نصيبنا النساء من بعض التوجيهات؟ الجواب: على كل مثلما ذكرنا وفيه الكفاية -إن شاء الله تعالى-. سؤال: يقول أنا شاب مبتلى بعدم غض البصر رغم كل المحاولات التي بذلت، بماذا توصيني وأرجو أن تدعو لي بأن يثبتني ويعينني على ذلك؟ الجواب: نسأل الله -جل وعلا- لنا وله الثبات والإعانة على فعل المأمورات وترك المحظورات، لكن عليك أن تبذل ما في وسعك لهذا الأمر، وإذا عجزت فعليك ألا تغشى هذه الأماكن التي فيها هذه الفتن، فلا تغشى الأماكن العامة، والمحافل العامة ولا تنظر في القنوات التي فيها صور النساء، ولا الجرائد ولا المجلات، المقصود أنك لا تعرض نفسك لهذه الفتن، واجتنبها، وفر منها. سؤال: يقول: الجوال ووسائل الاتصال الإنترنت والقنوات أشغلتنا عن الطلب، وأصبحت من الضروريات فماذا نعمل معها، كيف يكون عندي توازن في علم الشرع وعلم الواقع؟ الجواب: أما تقديم هذه الوسائل على ما جاء الحث عليه من الكتاب والسنة؛ لأن المقرر عند أهل العلم أن العلم الذي جاء الحث عليه هو علم الكتاب والسنة المورث للخشية، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [(٢٨) سورة فاطر]. فالمورث للخشية هو العلم الذي جاء طلبه في النصوص، وإذا شغلتك هذه القنوات عن العلم الذي أنت بصدده فاتركها، وإذا أعانتك هذه الآلات على تحصيل العلم الشرعي فاستفد منها، المسجل يفيدك ويعينك، الإنترنت قد يفيد، إذا حصرت نفسك في المواقع التي تبث الدروس العلمية، فإذا أمكنك الاستفادة منها فيما أنت بصدده من تحصيل العلم فاستفد منها، وإذا رأيت نفسك مقصراً في العلم بسببها فاتركها، لا تكن على حساب العلم. سؤال: يقول: آية في كتاب الله لم أجد لها تفسيراً يشفي غليلي وهي آية في سورة الفرقان: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [(٧٧) سورة الفرقان]. الجواب: الدعاء هو الإيمان. يقول السائل: مع أن الآيات قبلها كلها في صفات عباد الرحمن ولم يرد ذكر لغيرهم من الكفار والمنافقين.

стр. 649

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ لا يكترث بكم بأي واد هلكتم، لولا دعاؤكم والدعاء هنا الإيمان، وفي صحيح البخاري دعاؤكم إيمانكم، ويقصد ما جاء في هذه الآية. فعباد الرحمن لولا دعاؤهم لولا إيمانهم ما اكترث الله بهم ولا عبأ الله بهم بأي واد هلكوا. فهذا فيه حث على لزوم الإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ﴾ [(١٣٦) سورة النساء] فالحث على لزومه والاستمرار فيه. سؤال: يقول: الشاب بين فتن الشهوات والشبهات وبين الجد والإقبال على التحصيل، قد لا يجد المشجع والمرغب، فما هي الوسيلة التي تجعله يقبل على طلب العلم وينتصر على هذه الفتن، وما نصيحتك للمعلمين والمعلمات في هذا الموضوع، حيث يقبل منهم ما لا يقبل من غيرهم؟ الجواب: على المعلمين والمعلمات من المسؤولية الشيء الذي يناسب موقعهم، فقد مكنهم الله -جل وعلا- من شباب المسلمين وشابات المسلمين، مكنهم الله -جل وعلا- من هذا، وبأيديهم من وسائل الضغط والتأثير ما لا يوجد عند غيرهم، يعني تأثير مدرس على مجموعة من الشباب يدرسهم أعظم من تأثير قاضي –مثلاً-؛ لأن هذا بيده -فيما يزعمون- مصيرهم، الدراسة الآن -في عرف كثير من الناس أنها التي- تحدد المصير، تحدد لك المستقبل، هل أنت ناجح ولا فاشل، هذا المدرس إذا استشعر هذا الأمر وعرف أن الطلاب يمتثلون وينصاعون لما يقول ومع ذلك صار حكيماً في طرح المسائل والقضايا النافعة لهؤلاء الشباب سواء كانت مما يزيدهم في الطاعة أو يكفهم عن المعصية، صار لهم من التأثير أكثر من غيره، فتأثير المدرسين أعظم من تأثير الآباء والأمهات، وهذا واقع نشهده ونلمسه، ولو كان الأب عالماً ولو كانت الأم من أهل العلم، لكن من القدم، فأزهد الناس بالعالم أهله وجيرانه، وهذا المدرس بيده التعليم، بيده التصحيح، بيده الدرجات، بيده النتائج، الطلاب ينظرون إلى مثل هذا وحينئذ يؤثر، وإذا كان مؤثراً في هؤلاء الطلاب وسلك السبل الناجعة للتأثير عليهم، فليبشر بالأجر العظيم من الله -جل وعلا-؛ لأن من دل على هدى فله مثل أجر فاعله.

стр. 650

أما كون الشباب بين فتن الشهوات والشبهات فهذا ملموس ومشاهد، لكن على طالب العلم ألا يعرض نفسه لهذه الشبهات ولا هذه الشهوات، إذا تمكن من الرد على هذه الشبهات إذا تمكن منها إذا كانت لديه الأهلية والقدرة فليسمع، ثم يتجرد للرد على هذه الشبهات وهذا من أعظم أنواع أبواب الجهاد الدفاع عن الدين والعلم، هذا لا شك أنه من أعظم أبواب الجهاد. سؤال: يقول: ما رأيك بالحضور إلى الزواج إذا كان فيه تصوير للرجال؟ الجواب: أهل العلم المقرر عندهم إن إجابة وليمة العرس واجبة، لكن إذا كان ثم منكر لا يستطيع إنكاره فإنه حينئذ لا يجيب، والتصوير، ولو كان بالآلات –عندي- داخل في النصوص التي جاءت بتحريم التصوير، لكن إذا كان يترتب على عدم حضوره مفسدة قطيعة رحم أو كذا، أو صار في مكان أولاً أنكر عليهم مسألة التصوير وقال لهم: التصوير حرام وابتعد في مكان بحيث لا يباشر المنكر، بحيث يتيح لغيره أن يصوره فالمسألة: مسألة ارتكاب أخف الضررين أمر مقرر في الشرع، فإذا كان أقارب هؤلاء لا يعذرونه بهذا والمصلحة تقتضي حضوره وتأليفهم من أجل دعوتهم والتأثير عليهم في المستقبل بالحضور، فأقول: لعل مثل هذا المنكر إذا ابتعد عنه ولم يتعرض لتصوير نفسه من قبلهم، لعله يكون هذا من باب ارتكاب أخف الضررين. سؤال: يقول: هل يجوز وضع نغمات في الجوال أذان أو قراءة قرآن؟ الجواب: أقول: هذا امتهان للأذكار، امتهان؛ لأنه قد توجد هذه الأذكار في مكان غير مناسب، وأيضاً- كون الأذان على الطريقة أو على الصيغة الشرعية الكاملة يؤدى في غير وقته، يعني قد يؤذن الجوال ويترك حتى ينتهي من جميع جمل الأذان في غير وقته، إما في الضحى وإما في منتصف الليل، أو في السوق، في غير وقت الأذان، لا شك أن إلقاء الأذان في غير وقته بدعة، وما هو إلا لتعلم أو تعليم، ثم مثل هذا فيه امتهان وفيه أداء الأذان في غير وقته. سؤال: يقول: حياة العلم مذاكرته، فكيف تكون مدارسة العلم ومذاكرته، وكيف يراجع طالب العلم جميع العلوم، فالعلم مع الأيام ينسى والأشغال تكثر، فكيف نراجع؟ تعبنا نراجع وننسى.

стр. 651

الجواب: مذاكرة العلم مع الأقران، قبل وبعد، قبل الدرس وبعده، ينتقي طالب العلم خمسة من أقرانه يقاربونه في الفهم وفي الحفظ، ويتعاون معهم على هذا الأمر، وهذا لا شك أنه من أعظم أنواع التعاون على البر والتقوى، فهؤلاء الخمسة أو الستة أو العشرة –مثلاً- يجتمعون قبل الدرس، ثم يقرؤون القدر المقرر شرحه في الدرس، ويحفظونه كل واحد يراجع على الثاني، ثم بعد ذلك ينصرف كل واحد في زاوية ومعه ورقة وقلم يعلق على هذا الكلام يشرح هذا الكلام من تلقاء نفسه، ثم بعد ذلك يقرؤون كل واحد يصحح للثاني، إذا انتهوا من هذا قروؤا الشرح على هذا الكلام من قبل أهل العلم، نفترض أنه مقطع خمسة أسطر من زاد المستقنع، يحفظونه إذا كان الشيخ يطالب بالحفظ، وكل واحد يضع عليه شرح أو حاشية حسب استطاعته حسب فهمه وتصوره لهذه المسألة، ثم بعد ذلك يصحح كل واحد للثاني ويراجعون الشرح الروض المربع، أو الممتع أو غيرهما من الشروح يراجعونه، يصححون الأخطاء التي وقعوا فيها، ثم يراجعون إذا كان هناك حواشي، ثم بعد ذلك يذهبون إلى الدرس، الآن عندهم تصور شبه كامل عن الدرس، يسمعون ما يزيده الشيخ على ما تداولوه بينهم، يسمعون ما يزيده الشيخ على ما تداولونه بينهم، ثم إذا رجعوا تناقشوا، كل واحد يسأل الثاني عما حصل بالدرس وقبل الدرس، بعد هذا لا يحتاجون إلى مراجعة، أبداً لا يحتاجون إلى مراجعة، وهذه طريقة شرحها الشيخ عبد القادر بن بدران الدومي في كتاب له من أمتع الكتب "المدخل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل". سائلة راغبة في طلب علم: نأمل أن تدلونا على الطريقة –طريقة الدراسة والمذاكرة الصحيحة لكل علم من العلوم الشرعية- لطالب علم مبتدئ أنهى دراسته الجامعية بتخصص علمي بعيد عن العلوم الشرعية، ولكنه يريد طلب العلم؟ الجواب: الأمر سهل وميسور وقررنا مثل هذا في أشرطة كثيرة، ومن آخر هذه الأشرطة: (المنهجية في قراءة الكتب). هذا سؤال من المغرب: تقول أنا مغربية متحجبة الحجاب المغربي.

стр. 652

الجواب: كأنها المغاربة حجابهم متفاوت، منهم الملتزم بأحكام الشرع، ومنهم البعيد ومنهم القريب، ومن النساء المغاربة ممن ينتسب إلى الإسلام، من هي سافرة من هي متبرجة، من هي حاسرة عن ساقيها، من هي حاسرة عن شعرها، ومنهم المتحجبة الحجاب الذي نقول أنه الحجاب الشرعي الذي لا يخرج إلا الوجه والكفين مع أنه ليس هو الحجاب الشرعي؛ لأن المرجح وجوب تغطية الوجه والكفين. هي تقول هي متحجبة الحجاب المغربي ومؤخراً تزوجت شاباً سعودياً وطلب مني ارتداء الحجاب السعودي، ولو أنني عائشة في المغرب، سؤالي ما هو الحجاب؟ لأن بعض الشيوخ يفتونا بجواز كشف الوجه؟ المرجح أن الوجه من العورة، ولا يجوز أن تبديه المرأة لغير محارمها. يقول: أبلغ من العمر أكثر من أربعين عاماً، وقد حاولت أطلب العلم منذ أكثر من خمس سنوات، وحضرت بعض الدروس العلمية من الدورات في المساجد، وحاولت حفظ شيء من القرآن وبعض المتون، واستمعت إلى كثير من الأشرطة، وقرأت بعض الكتيبات ولا أقول إنني لم أستفد شيئاً البتة، ولكن أشعر أنني أدور في فلاة ولا أدري أين أتجه، أرجو أن ترشدوني ومن مثلي إلى أقرب طريق، علماً أنني موظف؟ الجواب: أقرب طريق إذا عجزت عن الحفظ، بعض الناس الحافظة عنده قريبة من الصفر، وبعض الناس الحافظة عنده قريبة من المائة في المائة، كما أن القريب من الصفر في الحافظة، عنده فهم قريب من المائة بالمائة، والثاني بالعكس، وبين هذين ما يقرب من هذا وما يبعد من هذا. نضرب مثال بالجلالين، أيش معنى الجلالين، صاحبي التفسير، جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي، جلال الدين المحلي إمام من أئمة الشافعية، ومع ذلك في الحافظة يقرب من الصفر، وقال: إنه حاول أن يحفظ فصل من كتاب أخذ عليه وقت طويل جداً مدة أكثر من أسبوع، وارتفعت حرارته وظهر في جسده البثور وفي النهاية عجز.

стр. 653

والسيوطي يقول إنه يحفظ أكثر من مئتي ألف حديث، كيف صار المحلي إمام من أئمة الشافعية؟ كيف صار؟ هناك طريقة لمن هذه صفته، إذا عجزت استعمل القلم، اكتب ما تريد حفظه، راجع عليه الشروح وعلق عليه، ومن كثرة المداولة يثبت في ذهنك، يثبت في ذهنك، مقومات التحصيل الحفظ والفهم، قد يجتمعان في شخص، وقد يفقدان من شخص الكلية يصير فدم، ما يفهم ولا يحفظ، هذا يسلك العلم يثبت له أجر السلوك والطريق ويقرأ نظر ويردد القرآن ويذكر الله -جل وعلا- ولا يحرم من الأجر. لكن بعض الناس عنده حافظة قوية، وبعضهم ضعيفة، لكن الفهم عنده قوي، نقول لمثل هذا: امسك القلم، وكثر الأوراق اقرأ الفاتحة واكتب الفاتحة، وراجع عليها التفاسير، وانتق من تفسير ابن كثير على الفاتحة، ومن تفسير الشيخ ابن سعدي، ومن تفسير الشيخ فيصل بن مبارك، ومن فلان ومن فلان تجتمع عندك تصور للتفسير إجمالي، يعني تستطيع تكون لديك أهلية بأن تفهم هذا الكلام ولو احتجت إلى تفسيره تستطيع، يعني عندك -على ما يقول الناس- خلفية، ولو لم يكن من ذلك إلا من كثرة هذه المعاناة رسخ في ذهنك ما كتبت وما قرأت؛ لأن العلم متين يحتاج إلى معاناة، يحتاج إلى حفر في القلوب. أقول مثل هذا الذي لا يستطيع أن يحفظ يعمد إلى كتاب صعب، ما أقول روح إلى منار السبيل، ولَّا منهج السالكين، ولا كتاب سهل، لا، نقول: اذهب إلى أصعب الكتب من المتون الفقهية، خذ زاد المستقنع -مثلاً- أو مختصر الخليل -إن كنت مالكي-، الذي كلامه أشبه ما يكون بالألغاز، شوف ما قال الشراح حول هذا الكلام، وتصور الكلام واكتب ما تصورت، واكتب ما راجعت، وراجع كب اللغة إن عجزت عن معنى كلمة، راجع عليه كتب لغة الفقهاء؛ لأن الفقهاء لهم لغة صنفت فيها الكتب، راجع عليه الكتب التي هي أسهل منه، بحيث إذا فهمت هذا الكلام الصعب انتقش في قلبك، والذي لا يثبت في القلب إلا بصعوبة فإنه حينئذ لا يخرج منه إلا بصعوبة.

стр. 654

فأنت إذا عانيت هذا الكتاب الصعب، وأتقنته وفهمته من خلال مراجعاتك عليه الكثيرة الشديدة، وحاولت جاهداً أن تفهم هذا الكتاب، أنت في النهاية استقر في ذهنك شيء قدر كبير من هذا الكتاب، فالذي حافظته ضعيفة لا يذهب إلى الكتب السهلة، التي تعينه على الغفلة، لا، يذهب إلى الكتب الصعبة، التي لا تعينه على الغفلة، كل كلمة تحتاج إلى نظرات ليس بنظر الواحد. فأقول يذهب إلى أصعب الكتب، ويراجع عليها الشروح، ويسأل الشيوخ المختصين فيما يعجز عنه إذا انتهى يكون فهم أو لا ما فهم؟ فهم، يكون ثبت في ذهنه شيء أو لا ما ثبت؟ يكون ثبت في ذهنه؛ لأن هذه المعاناة بهذه الطريقة لا بد أن يثبت الشيء في الذهن. طالبة علم من الإمارات: كيف يطلب طالبات العلم المصطلح والنحو وأصول الفقه والفرائض، حيث أن الأخذ من الأشرطة لا يكفي؟ ما توجيهكم؟ الجواب: الأخذ من الشيوخ مباشرة هو الأصل، هو الأصل فإذا لم يتيسر هذا الأصل فأخذ كلامهم من الإنترنت إذا أمنت المفسدة؛ لأن الإنترنت فيه مفاسد، إذا أمنت المفسدة وتحدد الاتجاه، بحيث تدخل هذا الموقع وتخرج منه لا تتعداه إلى غيره، -إذا أمنت المفسدة-، فهو –أيضاً- من وسائل التحصيل، وأيضاً- الأشرطة العلمية لا مفسدة فيها، فهي مأمونة المفسدة وليكون المعول عليها، ويؤتى بالمتون، -إن كانت طالبة العلم مبتدئة- تأتي بالعلم المناسب للمبتدئين فالمصطلح تأتي إلى البيقونية –مثلاً- تقرأ البيقونية وتسمعها من الأشرطة وتحفظ البيقونية أربعة وثلاثين بيت ما تكلف، ثم بعد ذلك تسمع الأشرطة المسجلة عليها، وتفرغ على هذه الأشرطة، تجعل كل بيت في صفحة، وتفرغ من هذه الأشرطة ما يعينها على فهم هذه الأبيات، وقل مثل هذا في الآجرومية، وفي الورقات وغيرها. نريد منكم أن تذكروا لنا ماذا يجب على طالب الفقه أن يحفظ من المتون مرتبة من الأسهل إلى الأصعب وكذا أصول الفقه والفرائض؟.

стр. 655

الجواب: قلت أن هذا الترتيب للكتب على المستويات هذا موجود في أشرطة سميت كيف يبني طالب العلم مكتبه في خمسة أشرطة يمكن الإفادة منها وتكرير الموضوعات في كل مناسبة أو في كل محاضرة أو لقاء لا شك أنه ممل للمتكلم والسامع، وأيضاً- قد يكون على حساب غيره، وما دام الأمر مسجل وموجود يمكن الاستفادة منه. ما رأيك فيمن يقول إنه يجوز الاستعانة بالجن المسلمين من العلماء المعروفين؟ الجواب: أولاً الجن مجاهيل، لا يدرى ما حقيقتهم فقد يدعي الإسلام وليس بمسلم وقد يدعي النصح وهو غاش، وقد يدعي الإعانة وهو مستدرج، والاستعانة والاستفادة منهم من خواص سليمان ﵇، والنبي ﵊ لما أراد أن يربط -يوثق الجني- ليراه صبيان المدينة، قال: تذكرت دعوة أخي سليمان، فالاستعانة بهم من خواصهم. الأمر الثاني: أن هذا من باب سد الذرائع، لا سيما فيما يتعلق بالتوحيد، والشرك أمر لا بد منه، فقد يستدرج الإنسان، فقد يعينونه يقدمون له إعانات، وقد يصدقون في أول الأمر، ثم إذا عرف واشتهر بين الناس واكتسب الشرف من هذا الأمر، ووصل إلى نصف الطريق، تخلوا عنه، ثم هو لا يستطيع أن يتقدم، ويصعب عليه أن يتأخر، يقول: والله أنا الآن ما عندي شيء، حتى يحرج بأن يقدم لهؤلاء -لكي يستمر-، يقدم لهم ما يخدش في توحيده، وقد يكون سهلاً في أول الأمر، ثم بعد ذلك يعاقب بما هو أشد، ثم بعد ذلك يعاقب بما هو أشد إلى أن يشرك وهو لا يشعر، فمثل هذا الباب المتعين سده. تقول: تطلب إرشادها بدراسة الفقه، لأني عند الدراسة أجمع بين كتاب الزاد والروض المربع و. . . . . . . . . والملخص الفقهي، هل طريقة الطلب هذه صحيحة أم أقتصر على كتاب واحد وهل أطلب الفقه من كتب الفقه أم من كتب الحديث نرجو النصيحة والإرشاد؟

стр. 656

الجواب: أما طلب الفقه في البداية في أول الأمر لا بد أن يكون من كتب الفقه لا من كتب الحديث، الأصل والعمدة الكتاب والسنة، وهذا لا يختلف فيه أحد، لكن التفقه في أول الأمر بالنسبة لطالب العلم المتبديء لا بد أن يكون على يد فقيه؛ لأن فرضه كفرض العامي عند السؤال، فرضه سؤال أهل العلم، وكتب الفقه إنما صنفت بعد استقرار الجمع للسنة النبوية، وألفها علماء جمعوا ما يتعلق بالمسألة الواحدة في مكان واحد، فلا يمكن أن يذكر الفقيه مسألة منسوخة في باب ثم يذكر الناسخ لها في باب آخر، إنما يقرر ما استقر عليه الحكم، يقرر المنسوخ، يقرر ما استقر عليه الأمر، لكن يمكن أن يمر عليك في كتب الحديث منسوخ، حديث منسوخ، في أوائل البخاري تستمر تعمل به حتى يرد الناسخ في آخر الصحيح أو في كتاب آخر من كتب السنة، فالمبتدئ الذي ليس عنده تصور تام لكتب السنة، مثل هذا يتفقه على كتب الفقهاء وقلنا مراراً أن طالب العلم في أول الأمر يتصور مسائل هذا الكتاب، ثم يستدل لهذا المسائل، ثم ينظر من خالف وأدلة المخالف، يوازن بين الأدلة ويخرج بالقول الصحيح الراجح، وليس معناها أن هذه المتون التي ألفها الفقهاء، دساتير لا يخرج عنها، لا، هي قول بشر، ولذلك نخضع هذا الكلام للأدلة، فما وافق الدليل علمنا به، وما خالف الدليل ضربنا به عرض الحائط، فلا بد أن نتفقه من الكتاب والسنة لكن بعد أن نتأهل لذلك. يقول: هو شاب يحب الخير ومقبل على الاستقامة، وفي صحبة وسط ليس عندهم منكرات كثيرة، لكن فيهم من يشرب الدخان، ومن يحلق لحيته وربما يشاهد بعض الأمور، ولم أقدر على التخلي منهم، فما توجيهك لي، وأحب الطلب ولكن لم ألتحق بشيء من الدروس العلمية؟

стр. 657

الجواب: على كل حال كثير من الشباب مبتلى بهذا الوسط، قد يكون أبوه، حالق للحيته مسبل إزاره، وقد يكون ممن يشرب، وقد يكون يتعاطى أمور أعظم من ذلك، وقد يكون أخوه الأكبر وقد يكون عمه وخاله، لا شك أنه يوجد هذا في كثير من الأوساط، يعني لا يمكن أو يندر أن يوجد أسرة متكاملة كلهم على منهج واحد وطريقة واحدة، فمثل هذا يتعامل مع هؤلاء بما أوجب الله عليهم، الكبير له قدره والصغير له رحمته، والكبير له –أيضاً- احترامه والمتوسط له مؤاخاته، وكل يعامل على حسب ما أوجب الله له من معاملة، ومع ذلك لا يُكثر من الجلوس معهم، إنما يكثر من الجلوس مع الأخيار، واصبر نفسك -مع من-؟ نعم. اصبر نفسك مع الذين تعلقت قلوبهم بالله، وصارت ألسنتهم رطبة بذكر الله، اصبر نفسك مع الذين يدعونك إلى الخير، يذكرونك به إذا نسيت، يأمرونك به، يحثونك عليه، يزينونه في قلبك، واثبت على صحبة هؤلاء، ومع ذلك لا تنس أولئك مما أوجب الله عليهم من مجالستهم، من صلتهم، من دعوتهم إلى الخير، بالرفق واللين، أرهم من نفسك القدوة الحسنة الصالحة واصبر على ذلك، وسوف تعان على هدايتهم. كم باقي على الإقامة؟ هاه، كم. تقيمون خلاص، الختم. كيف. . . . . . . . . الأسئلة كثيرة ما قادرين نكمل. . . . . . . . . يقول: هل تكفي القراءة في العلوم الشرعية المفتوحة دون حضور الدروس العلمية؟ الجواب: بالنسبة لخريج الكليات الشرعية، كثير من خريجي الكليات الشرعية، عرفوا الطريق، وعرفوا كيف يتعاملون مع الكتب، وصارت لديهم خبرة ودربة في مراجعة الكتب، وتحرير بعض المسائل، فبعضهم يمكن أن يتابع الطريق والمشوار بدون معلم، والبعض الآخر لا بد له من معلم، وهذا يختلف باختلاف قرب بعضهم من حلق العلم وبعدهم. فالذي له علاقة بالحلق وبأهل العلم -الذين يعلمون الناس على الجادة المعروفة عند أهل العلم-، هذا قد يكون لديه أهلية للقراءة المفردة، ومن بعد عنهم وليست لديه الأهلية للنظر بنفسه في الكتب فهذا عليه أن يستفيد من أهل العلم. ويقول: هو شاب يعاني من النظر إلى النساء اللاتي يحاولن إغراء الشباب بلباسهن فما توجيهك للشباب بالنسبة للنظر؟

стр. 658

الجواب: هذا تقدم، فنقول لمثل هذا الشباب الذي لا يستطيع الإنكار، ولا يستطيع غض البصر، يتعين عليه ألا يعرض نفسه للفتنة، فلا يغشى مثل هذه الأماكن. يقول: سمعت أن سماع الغناء كبيرة من كبائر الذنوب، فهل هذا صحيح؟ وما قولك لمن يبيحون سماع الغناء في هذا الوقت؟ الجواب: فأما من أدمن السماع فلا شك أنه مرتكب للكبيرة. وما قولك لمن يبيحون سماع الغناء في هذا الوقت، ويقولون: لا يوجد دليل صحيح صريح على التحريم؟ الجواب: لو لم يكن في هذا إلا حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري في البخاري: ((ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)) فما قال: يستحلون إلا لأنه حرام، فدل على أن المعازف حرام، الغناء كلام إن كان مباح اللفظ -الأصل أن الكلام مباح-، فإذا اعتراه ما يجعله حراماً؛ لكونه لفظ محرم، كذب، وخناء، وفحش، ودعوة إلى الفجور، إلى الخمور، إلى النساء وما أشبه ذلك، هجاء للأخيار، أو نصر لباطل، أو خذلان لحق، مثل هذا يحرم لذاته ولو كان نثر، ما يلزم أن يكون شعر أو يؤدى بألحان، فهو محرم لذاته، إن كان اللفظ مباحاً وأؤدي من غير آلة؛ -لأننا عرفنا أن المعازف حرام-، وأدنى من المعازف بالشيء الكثير، جرس الدواب، هل فيه من الإطراب ما في المعازف؟ لا، يعني شيء إطراب يسير جداً، جرس الدواب اللي يعلق على الدواب، ومع ذلك جاء النص في صحيح مسلم على منعه، فما بالكم بما هو فوقه، هذا لا شك أنه يدل على التحريم، فإذا وجدت الآلة المطربة حرم من أجل الآلة ولو كان من أطيب الكلام. لو واحد لحن ألفية العراقي، أو ألفية ابن مالك، أو قل: سلم الوصول، أو أي متن من المنظومات النافعة، ولو كانت في الوعظ، لو نونية ابن القيم تلحن ومع آلة تكون حرام، للآلة، فإذا كانت الآلة موجودة حرم، إذا كان اللفظ محرم حرم لذاته، إذا أؤدي بلحون أهل الفسق والمجون حرم للمشابهة، فيبقى عندنا إذا كان مباح اللفظ، وأؤدي بلحون العرب -كما قال ابن رجب- ولم تصبحه آلة هذا مباح ما فيه اشكال، والإنشاد حصل بين يدي النبي ﵊، فإذا وجدت الآلة وكان الكلام محرماً لذاته، أو أؤدي على لحون أهل الفسق والمجون فإنه يمنع لما اعتراه.

стр. 659

يتشبث بعض من يتكلم في الغناء أن فلان من السلف اتخذ جارية مغنية، اتخذ جارية مغنية ولو كان هذا الغناء محرم يعني من السلف من صغار الصحابة، أو من التابعين أو كذا وجد في ترجمته أنه اشترى جارية مغنية، أيش معنى مغنية، أولاً: جارية من المحارم، له أن يراها عريانة، ملك يمين هذه، فإذا أدت كلاماً جميلاً بلحنها أو بين يديه وليس معها آلة والكلام مباح ما الذي يمنع من هذا؟ يعني لو أنه ترك زوجته تقول من الشعر بين يديه ولو كانت عارية لكن يطبق مثل هذا الكلام جارية ملك يمين على أن ينظر في القنوات للنساء المومسات التي أصيب جريج بدعوة أمه بسببهن، مومسات لا يمت إليهن بصلة، وشيء من التعري وكلام تغنج ودعوة إلى فحش وفجور، يقول: أن السلف اتخذوا جواري. يعني جارية ملك يمين لها أن تغني بين يديه عارية لكن تجتنب المحظورات، لا يكون بلحون الأعاجم وأهل الفسق ولا تصحبه آلة يكون اللفظ مباح، وايش اللي يمنع، هي جارية اشتراها بملك يمين، فلو أن شخصاً أعطى زوجته مقطوعة شعرية ما فيها أدنى إشكال، لفظها مباح وقال: البسي من اللباس المناسب الذي ما فيه تشبه بالكفار، وغني بين يديَّ هذه القصيدة وايش اللي يمنع؟ ما فيه ما يمنع، فبعض الناس يتشبث بأدنى شيء ويفتح لنفسه آفاق ومجالات ويضل الناس بهذا ويجعلهم ينظرون إلى القنوات، إلى النساء العواري، إلى المومسات، ويقول هذا مباح، من يقول بهذا؟ نسأل الله السلامة والعافية. هذا يسأل عن أسباب الفتور في طلب العلم؟ الجواب: لا شك أن أسباب الفتور، أولاً: أن هذا الشخص لم يصل إلى مرحلة التلذذ بالعلم، والأمر الثاني: الغفلة عما جاء في فضل العلم والعلماء. يقول: تردني أسئلة عن بعض المسائل الشرعية وأنا خريج شريعة، فهل أجيب السائل أم أحيله على العلماء وأقول أني لست شيخاً أفتني؛ لأن بعض الناس يحذر من الإفتاء، ويقول: ما أنت تفتي الناس، وأنا لا أفتي إلا بما أعلم؟

стр. 660

الجواب: على كل حال إذا كان لديك علم من مسألة سئلت عنها وهذه المسألة عندك علم بها بدليلها من الكتاب والسنة فلا تترد في الجواب، إن لم يكن لك بها علم وتعرف قول فلان من أهل العلم، المجرد بدون دليله، فأنت عليك أن تقول أن فلان من أهل العلم يقول: كذا، وتبرأ من عهدتها، أما أن تتبناها وأنت لا تعرف دليلها فلا، فإن كنت تعرف دليل المسألة فأفتي بها بمقتضى الدليل وأنت عالم بها، أما إذا كنت تعرف القول ولا تعرف دليله فأنت مقلد ولست من أهل العلم، إن أفتيته بأن فلاناً من أهل العلم يرى هذا القول فلا مانع من ذلك -إن شاء الله-، وإن أحلته إلى أهل العلم إذا كان في الوقت متسع فهو الأصل. هذا يقول: سؤال لكن جوابه لا يكفيه مثل هذا الوقت، يقول: مسألة كثر الكلام فيها وأرجو تبيينها العمل هل هو شرط كمال أو شرط صحة، أم نقول أنه ليس بشرط؟ وما الأثر الذي يترتب على ذلك، ولا سيما إن كنا نقول الإيمان قول وعمل واعتقاد؟ وبما يجاب عن قول الحافظ في الفتح: والسلف قالوا: أن العمل شرط في كمال الإيمان؟ الجواب: أقول كلمة شرط كمال تناقض، إيش يعني شرط، يعني أن الأمر لا يصح إلا به، وأيش معنى كمال، أنه قدر زائد على الواجب؛ لأن الأمور إما أن تكون ضرورية أو حاجية أو كمالية تحسينية. فالضرورية ما لا يكون الأمر إلا به، فلا تقوم الحياة إلا به، الحاجية تثبت معها الحياة لكن مع مشقة، والكمالية هذه معها الحياة بدون مشقة، فالشروط والأركان ضرورية، الواجبات حاجية، السنن كمالية. فهل العمل سنة في الإيمان، أو واجب أو شرط، فإن قلنا شرط وقلنا كمال صار تناقض بلا شك، الحافظ لما قال هذا الكلام يريد أن يخرج من قول المعتزلة، قول المعتزلة يقولون: شرط صحة، ويريدون بذلك أن من عمل عملاً، أو من ادعى الإيمان وأخل بأي عمل مما أوجب الله عليه -لا سيما من الكبائر- فإنه يسلب منه الإيمان بالكلية فليس بمؤمن.

стр. 661

أهل السنة ما يقولون بهذا، مرتكب بإيمانه، لكنه فاسق بكبيرته، ولا يسلب منه الإيمان بالكلية، نعم جاء مثل قوله: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الشارب حين يشرب وهو مؤمن ... )) إلى غير ذلك، المقصود أن أهل السنة يجعلون جنس العمل شرط في صحة الإيمان، كما قرر ذلك أهل العلم، الجنس، جنس العمل، لا أنه مفردات هذا العمل، مفردات هذا العمل ليس بشرط لصحة الإيمان كما يقول المعتزلة، والشيخ –الشيخ ابن باز رحمة الله عليه- ما علق على هذه المسألة، ما علق عليها بالذات، ومع ذلك سئل عمن يقول العمل شرط كمال، قال: هذا قول المرجئة، والذي قرره شيخ الإسلام أن جنس العمل شرط، وماذا يعني أننا نقول أن الإيمان قول، واعتقاد، وعمل؟ إلا أنه مركب من الأمور الثلاثة، فالاعتقاد في القلب، يعني قد يعتقد الإنسان لكن ما الذي يدرينا أنه مؤمن؟ القول: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)) ما الذي يصدق هذا القول؟ الذي يصدقه العمل، فالإيمان مركب من الأمور الثلاثة. والشيخ عبد الرحمن البراك، له تعليقة نفيسة على الطبعة الجديدة في فتح الباري -طبعة دار طيبة-، فليراجع كلام الشيخ. يقول: من المعلوم أن الشباب أكثر حماساً وعاطفة من غيرهم، فما نصيحتك لهم في هذه الأحداث التي تقاسيها الأمة اليوم في الداخل والخارج؟ الجواب: على كل حال الشباب عليهم أن يلتفوا حول العلماء، ولا بد من ذلك؛ لأنه لو تفرد الشباب ببعض التصرفات وينقصهم الخبرة والحنكة؛ لأنهم ما زالوا شباب –يعني- يحتاجون إلى شيء من الخبرة، والأمور إنما تدرك بالتجارب، والعلماء الكبار أكثر تجربة منهم، وقد يتركون شيئاً أو يرتكبون شيئاً هو في نظر هذا الشاب مخالف لنصوص صحيحة. نقول مفردات المشايخ، يعني شخص يفتي بشيء يخالف النص اتركه، لكن إذا اتفقوا على شيء وأفتوا به وعندك نص يخالفه ناقشهم، فقد يكون تركهم لهذا الأمر أو ارتكابهم له لنص يعارضه لم تطلع عليه أنت، قد يكون قولهم أو فعلهم هذا للعجز عن فعل ما تطلبه هذا النص.

стр. 662

وعلى كل حال على طالب العلم أن يلتف حول العلماء ولا يتصرف بنفسه وعليه –أيضاً- أن يكون ديدنه الكتاب والسنة؛ فالمخرج الذي لا يوجد غيره من هذه الفتن ومن هذه المحن، للشباب وغير الشباب إنما يكون بالاعتصام بالكتاب والسنة. يقول: في هذا الزمان كثرت الفتن، ومن تلك الفتن انتشار وسائل الإعلام التي قربت البعيد من خير وشر، فأصبح الشاب يتلفت إلى هذه القواطع التي تقطع عليه سبيل أهل السنة، يقول: ظهرت من جراء هذه الوسائل آثار عكسية على شبابنا من تلك الآثار بعض الإنكار المخالف لمنهج أهل السنة والجماعة ... ؟ الجواب: على كل حال الصراع موجود وقديم بين الحق والباطل، وكثر وسهل الإطلاع على الباطل، بل إن الشهوات والشبهات تعرض على بيوت عوام المسلمين -يعني تعرض على العوام في البيوت- في قاع دورهم غزتهم، ومع ذلك أنا أقول الثبات في مثل هذه الأيام أمره أعظم مما يتخيله الإنسان، مع وجود هذه المغريات إذا ثبت الشاب أو ثبت المسلم كان له أجر خمسين من الصحابة، كما جاء في الحديث المخرج في المسند والسنن بسند حسن كما قال ابن القيم وغيره، أن له أجر خمسين والقابض في دينه في مثل هذه الأيام كالقابض على الجمر، فعلنيا أن نصبر وتحتسب وتلتف حول شيوخنا، -أعني العلماء المعروفين بالعلم والعمل والإخلاص والاستقامة-، ومع ذلك يكون ديدننا الكتاب والسنة، فنعتصم بهما ونكثر ونديم النظر فيهما، ونصدق اللجأ إلى الله -جل وعلا-، أن يعيننا على الثبات، وأن يثبتا على دينه. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،،

стр. 663

الأسرة والعلم الشيخ/ عبد الكريم الخضير الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فسوف يكون محور هذا اللقاء في قول الله -جل وعلا-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [(٦) سورة التحريم] لأن الإنسان لا يستطيع أن يقي نفسه، وأن يجعل بينه وبين عذاب الله وقاية إلا بمعرفة ما يتقي مما يُؤتى ومما يُترك، ولا يستطيع أن يقي أهله هذه النار التي وقودها الناس والحجارة إلا بتعليمهم ما ينفعهم، فمنطلقنا من هذه الآية، ومعولنا عليها أولاً وآخراً، ومن خلال كلام أهل العلم من كبار المفسرين الموثوقين يتبين ما أردت. هذه الآية يقول الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسيرها يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله علموا بعضكم بعضاً ما تقون به من تعلمونه النار، وتدفعونها عنه إذا عمل به من طاعة الله، واعملوا بطاعة الله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [(٦) سورة التحريم] كيف تقي نفسك هذه النار إلا بتعلم ما يتقى، الجاهل لا يستطيع أن يجعل بينه وبين النار وقاية، إلا بقدر ما يتعلمه مما يتقى به هذا العذاب. يقول ابن جرير: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ﴾ علموا بعضكم بعضاً ما تقون به من تعلمونه النار، وتدفعونها عنه إذا عمل به من طاعة الله، واعملوا بطاعة الله، وقوله: ﴿وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ يقول: وعلموا أهليكم من العمل بطاعة الله ما يقون به أنفسهم من النار، بهذا يظهر الارتباط الوثيق بين هذه الآية وبين ما نتحدث عنه من الأسرة الذين هم الأهل والأولاد والأقارب من ترابط.

стр. 664

ثم ذكر ابن جرير بأسانيد جيدة عن علي ﵁ في قوله: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [(٦) سورة التحريم] قال: علموهم، أدبوهم، وعن ابن عباس يقول: اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، ومروا أهليكم بالذكر ينجيكم الله من النار، وعن مجاهد قال: اتقوا الله، وأوصوا أهليكم بتقوى الله، وعن قتادة قال: يقيهم أي يأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن معصيته، وأن يقوم عليهم بأمر الله، يأمرهم به، ويساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية ردعتهم عنها، وزجرتهم عنها، يعني هذه الوقاية من عذاب الله سواء كانت للنفس أو للأهلين الذين هم بالأسلوب المعاصر الأسرة، هذه الوقاية إنما تكون بالتعليم، بتعليم ما ينفع ليعمل به، بتعليم ما يضر ليجتنب، تعليم المأمورات والمحظورات، المأمورات لتفعل، والمحظورات لتترك، والتقوى عبارة عن فعل المأمورات وترك المحظورات، وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره عن الضحاك ومقاتل: حق على المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم، وما نهاهم الله عنه، قال: وفي معنى هذه الآية الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داوود والترمذي من حديث عبد الملك بن الربيع بن سمرة عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : ((مروا الصبي إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوهم عليها)) يعني الصلاة، مروا الصبي يعني بالصلاة إذا بلغ يعني أتم سبع سنين، فإذا أتم عشر سنين فاضربوه عليها، هذا لفظ أبي داوود، وقال الترمذي هذا حديث حسن، وفي مجموعه يصل إلى درجة الصحيح.

стр. 665

وفي تفسير القرطبي لما ذكر الآية وذكر نحو ما تقدم في كلام ابن جرير وابن كثير: فعلى الرجل أن يصلح نفسه بالطاعة، ويصلح أهله إصلاح الراعي للرعية، ففي صحيح الحديث أن النبي ﷺ قال: ((كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عنهم، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم)) وعن هذا عبر الحسن ﵀ في هذه الآية بقوله: يأمرهم وينهاهم وقال بعض العلماء في قوله: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [(٦) سورة التحريم] يدخل فيه الأولاد، يدخلون في النفس ولا يدخلون في الأهلين لماذا؟ هذا استنباط من بعض العلماء يقول: الأولاد داخلون في النفس لا في الأهلين؛ لأن الولد بعض من والده، كما دخل في قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [(٦١) سورة النور] فلم يفردوا بالذكر، يعني الأولاد ما أفردوا بالذكر إفراد سائر القرابات، فعلى هذا يعلمه الحلال والحرام، ويجنبه المعاصي والآثام إلى غير ذلك من الأحكام، كون الولد داخل في النفس على هذا الكلام، أو داخل في الأهل المسألة لا تفرق لا فرق؛ لأن العطف هنا: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾ [(٦) سورة التحريم] على نية تكرار العامل، بمعنى قوا أنفسكم، وقوا أهليكم، وسواء دخل الولد في النفس فحينئذ يكون تعليمه وتأديبه آكد أو دخل في الأهلين فتعليمه مطلوب على كل حال، وجاء في بعض الأحاديث وإن كانت لا تسلم من مقال ((حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه، ويعلمه الكتابة، ويزوجه إذا بلغ)) وروى الترمذي بإسناد فيه انقطاع عنه ﵊ قال: ((ما نحل والد ولداً أفضل من أدب حسن)) وهذا الحديث مضعف عند أهل العلم إلى أن قال: القرطبي، وقد روى مسلم أن النبي ﷺ كان إذا أوتر يقول: ((قومي فأوتري يا عائشة)) وهذا لا شك أنه من وقاية الأهلين من النار، وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: ((رحم الله امرأ قام من الليل فصلى ثم أيقض أهله فإن لم تقم رش على وجهها الماء)) يعني نضح في وجهها الماء، وهذا لا شك أنه من الوقاية، والعون على الطاعة، والطاعة مما يقي العذاب ((ورحم الله امرأة قامت من الليل تصلي

стр. 666

فأيقضت زوجها فإذا لم يقم رشت على وجهه من الماء)) بعض الناس يتساهل في مثل هذا فإذا وفق للقيام ما وفق لإيقاض أهله، بل تجده يعطف على أهله، ويعطف على ولده من باب العطف الجبلي لا الشرعي، فلا يوقظهم لقيام الليل، وقد يتراخى عن إيقاضهم للصلاة الواجبة، فلا تجد الواحد منهم يحرص على إيقاض ولده أو بنته إلى الصلاة من أجل الصلاة، كما يحرص على إيقاظ الولد للدراسة مثلاً فتجده في الشتاء يقول: أخشى أن يصيبه البرد، فلعله إذا دفئ الجو قليلاً أيقظته للصلاة وللمدرسة معاً، ومثل هذا لا يوفق في تربية أولاده، وهذا لا شك أنه نابع من عطف جبلي جبل عليه الأب؛ لكنه مع ذلك مخالف لشرع الله والتوجيه النبوي يدل على أن الماء ينضح في وجهه إذا لم يقم لصلاة الليل فضلاً عن صلاة الصبح، وبعضهم يخشى على ولده إذا نضح على وجهه الماء أن يجن مثلاً، وبعضهم يخشى عليه إذا أيقظه في الظلام وخرج إلى صلاة الصبح أن يصيبه ما يصيب، وكل هذا لا ِشك أنه من تثيبيط الشيطان، وأهل العلم يبحثون مسألة ما إذا أوقظ الولد الصبي دون التكليف أيقظه أبوه أو أمه ثم خرج إلى صلاة الصبح فجن، فهل على والده أو والدته إثم أو لا؟ هم فعلوا ما أمروا به، وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع، نعم إذا كان يغلب على الظن أن عقليته قابلة لمثل هذا الأمر، ولا يستطيع الخروج بنفسه، مثل هذا يبحث له عن من يخرج معه، ولو تأخر الأب عن الحضور إلى الصلاة في أول الوقت مع الأذان إلى قرب الإقامة من أجل أن يصحب ولده معه كان أفضل، كثير من الناس يسأل يقول: أنا مأمور بحي على الصلاة حي على الفلاح انطلق إلى المسجد منذ سماع المؤذن، وجاءت النصوص تدل على فضل المبادرة والمسارعة والمسابقة؛ لكن عندي أولاد يحتاجون إلى وقت للإيقاظ فإن أيقظتهم قبل الأذان شق عليهم كثيراً، ولا يطاوعون أن ينتبهوا قبل الأذان، وإن انتظرت في إيقاظهم إلى ما بعد الأذان ترتب على ذلك أنني أتأخر إلى قرب الإقامة، نقول: ومع ذلك تأخر، تصلي النافلة في البيت وتتعاهدهم بالإيقاظ، وتصحبهم معك، وهذا أفضل لك، وفي هذه الحالة تكون قد وقيت نفسك وأهلك من النار.

стр. 667

في الحديث الصحيح أن النبي ﵊ قام من الليل، وصلى ما شاء الله أن يصلي، وقال: ((أيقظوا صواحب الحجر، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة)) ولا شك أن هذا من وقاية الأهلين من النار، والتعليم كما يكون بالقول يكون بالفعل، وهذا منه، هذا تعليم وما حفظت صلاته ﵊ وما بلغت هذه الأمة من أولها إلى آخرها إلا بسبر أفعاله ﵊ امتثالاً لقوله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وعائشة ﵂ حفظت من صلاته ما حفظت، وابن عباس حفظ من صلاته ما حفظ، ورووها وعملوا بها، وعملت بها الأمة من بعدهم، وكل هذا من الوقاية للنفس والأهل من النار، يقول القرطبي: ويدخل هذا في عموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [(٢) سورة المائدة] يقول: وذكر القشيري أن عمر -رضي الله تعالى عنه- قال لما نزلت هذه الآية قال: يا رسول الله نقي أنفسنا فكيف لنا بأهلينا؟ يعني يستطيع الإنسان بتوفيق الله -جل وعلا- أن يقي نفسه فيعمل بالواجبات، ويترك المحرمات، لكن ماذا عن الأهلين؟ الإنسان إذا ملك نفسه لا يستطيع أن يملك غيره فقال: تنهوهم عما نهاكم الله عنه، وتأمرونهم بما أمركم الله به، تقونهم بالأمر والنهي، وقال مقاتل: ذلك حق عليه في نفسه وولده وأهله وعبيده وإمائه، ذلك حق يعني الوقاية من النار حق عليه في نفسه وولده وأهله وعبيده وإمائه، يعني جميع من تحت يديه جميع من استرعاه الله عليهم عليه أن يقيهم من عذاب الله -جل وعلا-، الذي جاء في وصفه ما جاء وقودها الناس والحجارة، يعني النار فضلت على نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً، يعني نار الدنيا جزء من سبعين جزء ووقودها الناس، وضمن لها ملؤها، وقال الصحابة: وإن كانت لكافية يا رسول الله؟! قال: ((لكنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً)) فالأمر مهول، والخطر جسيم، فعلى المسلم أن يعد العدة ليقي نفسه، ويقي من تحت يده من النار.

стр. 668

قال إلكيا الطبري الهراسي، وله كتاب في أحكام القرآن مطبوع ومعروف، فعلينا تعليم أولادنا، وأهلينا الدين والخير، وما لا يستغنى عنه من الأدب، وهو قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [(١٣٢) سورة طه] ونحو قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [(٢١٤) سورة الشعراء] لا شك أن أولى الناس بالبر النفس، ثم الأقرب فالأقرب، قد يقول قائل: إننا نشاهد كثير من أهل العلم لهم عناية شديدة بالتعليم، تعليم الناس العلم، ونذروا أنفسهم لهذا الأمر، وهذا ديدنهم وشأنهم؛ لكن هل يقدمون لأهليهم وأولادهم مثل ما يقدمونه للناس؟ قد يقول قائل هذا الكلام؛ لأننا نشاهد من الكبار من هو مشغول بوظيفته ثلث الوقت مثلاً، وعنده دروس لعموم الناس، وعنده لقاءات تأخذ عليه جل وقته، وعنده أيضاً اجتماعات ولجان فماذا أعد لأهله وولده؟ وقد أمر بأن يقيهم من النار، هل قدم لأهله وولده شيء أو لم يقدم؟ يعني فيما يبدو للناس ويظهر لهم أنه مشغول عن ولده وأهله؛ لكن هل معنى هذا أن أهله لم يستفيدوا منه، وهل معنى هذا أنه لم يبذل جهده، ويستفرغ وسعه في نفع أهله وولده حتى وصل إلى حد إما أن يستفيدوا منه أو ييأس منهم؟ وقد يحصل هذا أو هذا؛ لكن مع هذا على الإنسان أن لا ييأس هل من لازم التقديم للأهل والولد أن يستجيب الأهل والولد؟ هل إذا رأينا العالم ظهرت عليه علامات الصدق والإخلاص في تعليمه للناس هل من لازم ذلك أن يظهر الأثر على أهله وولده أو يتهم أنه ما بذل لهم شيء؟ هل من لازم ذلك؟ لا ليس بلازم ذلك، بل من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- من لم يستطع أن يهدي زوجته وولده، أعني هداية التوفيق والقبول، والله -جل وعلا- يقول في حق نبيه أشرف الخلق: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ [(٥٦) سورة القصص] بعض الناس يستدل على إهمال بعض العلماء لأهليهم وأولادهم أن أهليهم وأولادهم ما استفادوا منه، بدليل أن واقعهم يخالف ذلك؛ لكن هذا الكلام ليس بصحيح ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ

стр. 669

عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ [(١٠) سورة التحريم] ونوح ابنه وأمره تعرفونه ما خصه الله في القرآن، يعني يبلغ الضلال ببعض الناس، يعني قد يتساءل بعض الأخيار عن هذا ويقول: فلان عنده عشرة من الولد كلهم طلاب علم، هذا نجح، وهذا بذل، وهذا نصح، وفلان من الناس ما عنده إلا ثلاثة أو أربعة ما أفلح في تربيتهم، هل معنى هذا أنه قصر في تربيتهم؟ كلا والدليل على ذلك حال هؤلاء الأنبياء لكن عليه أن يبذل السبب، فإذا بذل السبب حصل له ما وعد به من الفضل العظيم، والثواب الجزيل على التربية، وحسن التنشئة والنتائج بيد الله -جل وعلا-.

стр. 670

ألا تعلمون أن من العقلانيين في هذا العصر من يزعم أن نوح ﵇ بالحرف يقول: فشل نوح في دعوته؛ لأنه ما استفاد منه أقرب الناس زوجته وولده، هذا من العقلانيين، رافعين راية العقلانية والعصرانية شخص يقال له: جودة سعيد، يقول: فشل نوح بدعوته، ويقول: فشل محمد في دعوته في مكة والطائف، ونجح في المدينة، هذا ضلال زيغ وإلحاد نسأل الله السلامة والعافية، قد يتراءى لبعض الناس من آحاد المتعلمين أن فلان -الشيخ الفلاني- أولاده كلهم ما شاء الله خيار، وطلاب علم، فبذل ونصح واجتهد هذا ابتلاء من الله -جل وعلا-، سواء أجابوا أو لم يجيبوا، والقدوة في ذلك الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- نعم أقول: أقرب الناس إلى الأنبياء الزوجة والولد فلا يظن بأهل العلم مع أنهم قدموا للأمة ما قدموا أنهم ما نصحوا وما قدموا وما وقوا أهلهم وأنفسهم من النار، ليس صحيح هذا الكلام، قد يقول قائل: لماذا لم يكون الحسن والحسين أكثر الناس رواية؟ أكثر الناس رواية أبو هريرة دوسي بعيد عن قريش، الرسول ﵊ يقول: ((إنما أنا قاسم والله المعطي)) ﵊ يقسم بين الناس بالسوية يحدث لا يخص أحد بحديثه، فالله -جل وعلا- هو المعطي؛ لأن هذا الموضوع فيه شيء من الغبش؛ لأن كبار أهل العلم يُتهمون أنهم انشغلوا بتعليم العلم وبالوظائف عن أهلهم وذويهم، هذا الكلام ليس بصحيح، يعني حدثني واحد من العلماء من الكبار، وله منصب كبير جداً في الدولة الآن، يقول: كان أبونا يأمرنا ونحن أطفال، ويأطرنا على حضور درس بعد صلاة الصبح، والنوم بعد صلاة الصبح له لذة ومتعة، فكنا نفرح إذا سافر الوالد لننام بعد الصلاة، فهل يقال: في مثل هذا أنه ما قدم لأولاده شيء، أنا أعرف من شيوخنا من له دروس في بيته، منهم من يقرأ في التفسير، ويبين لهم كلام الله -جل وعلا-، ويقرأون في تفسير الجلالين ويوضح لهم، ويبين لهم الأخطاء، لو أردتم أن نسمي سمينا؛ لكن ما له داعي؛ لأن هذه أمثلة، ويقرأ درس في رياض الصالحين، ويسمعه الكبار والصغار، ويوضح لهم ويعطي كل إنسان ما يناسبه، رغم أنه مشغول شغله يعني عمله بالنسبة للأمة أكثر من سبعين في المائة من وقته، فلا يتهم
следующие страницы →