← Джавами‘

Джавами‘ · id 23349

دروس الشيخ عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

فأيقضت زوجها فإذا لم يقم رشت على وجهه من الماء)) بعض الناس يتساهل في مثل هذا فإذا وفق للقيام ما وفق لإيقاض أهله، بل تجده يعطف على أهله، ويعطف على ولده من باب العطف الجبلي لا الشرعي، فلا يوقظهم لقيام الليل، وقد يتراخى عن إيقاضهم للصلاة الواجبة، فلا تجد الواحد منهم يحرص على إيقاض ولده أو بنته إلى الصلاة من أجل الصلاة، كما يحرص على إيقاظ الولد للدراسة مثلاً فتجده في الشتاء يقول: أخشى أن يصيبه البرد، فلعله إذا دفئ الجو قليلاً أيقظته للصلاة وللمدرسة معاً، ومثل هذا لا يوفق في تربية أولاده، وهذا لا شك أنه نابع من عطف جبلي جبل عليه الأب؛ لكنه مع ذلك مخالف لشرع الله والتوجيه النبوي يدل على أن الماء ينضح في وجهه إذا لم يقم لصلاة الليل فضلاً عن صلاة الصبح، وبعضهم يخشى على ولده إذا نضح على وجهه الماء أن يجن مثلاً، وبعضهم يخشى عليه إذا أيقظه في الظلام وخرج إلى صلاة الصبح أن يصيبه ما يصيب، وكل هذا لا ِشك أنه من تثيبيط الشيطان، وأهل العلم يبحثون مسألة ما إذا أوقظ الولد الصبي دون التكليف أيقظه أبوه أو أمه ثم خرج إلى صلاة الصبح فجن، فهل على والده أو والدته إثم أو لا؟ هم فعلوا ما أمروا به، وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع، نعم إذا كان يغلب على الظن أن عقليته قابلة لمثل هذا الأمر، ولا يستطيع الخروج بنفسه، مثل هذا يبحث له عن من يخرج معه، ولو تأخر الأب عن الحضور إلى الصلاة في أول الوقت مع الأذان إلى قرب الإقامة من أجل أن يصحب ولده معه كان أفضل، كثير من الناس يسأل يقول: أنا مأمور بحي على الصلاة حي على الفلاح انطلق إلى المسجد منذ سماع المؤذن، وجاءت النصوص تدل على فضل المبادرة والمسارعة والمسابقة؛ لكن عندي أولاد يحتاجون إلى وقت للإيقاظ فإن أيقظتهم قبل الأذان شق عليهم كثيراً، ولا يطاوعون أن ينتبهوا قبل الأذان، وإن انتظرت في إيقاظهم إلى ما بعد الأذان ترتب على ذلك أنني أتأخر إلى قرب الإقامة، نقول: ومع ذلك تأخر، تصلي النافلة في البيت وتتعاهدهم بالإيقاظ، وتصحبهم معك، وهذا أفضل لك، وفي هذه الحالة تكون قد وقيت نفسك وأهلك من النار.

стр. 667

في الحديث الصحيح أن النبي ﵊ قام من الليل، وصلى ما شاء الله أن يصلي، وقال: ((أيقظوا صواحب الحجر، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة)) ولا شك أن هذا من وقاية الأهلين من النار، والتعليم كما يكون بالقول يكون بالفعل، وهذا منه، هذا تعليم وما حفظت صلاته ﵊ وما بلغت هذه الأمة من أولها إلى آخرها إلا بسبر أفعاله ﵊ امتثالاً لقوله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) وعائشة ﵂ حفظت من صلاته ما حفظت، وابن عباس حفظ من صلاته ما حفظ، ورووها وعملوا بها، وعملت بها الأمة من بعدهم، وكل هذا من الوقاية للنفس والأهل من النار، يقول القرطبي: ويدخل هذا في عموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [(٢) سورة المائدة] يقول: وذكر القشيري أن عمر -رضي الله تعالى عنه- قال لما نزلت هذه الآية قال: يا رسول الله نقي أنفسنا فكيف لنا بأهلينا؟ يعني يستطيع الإنسان بتوفيق الله -جل وعلا- أن يقي نفسه فيعمل بالواجبات، ويترك المحرمات، لكن ماذا عن الأهلين؟ الإنسان إذا ملك نفسه لا يستطيع أن يملك غيره فقال: تنهوهم عما نهاكم الله عنه، وتأمرونهم بما أمركم الله به، تقونهم بالأمر والنهي، وقال مقاتل: ذلك حق عليه في نفسه وولده وأهله وعبيده وإمائه، ذلك حق يعني الوقاية من النار حق عليه في نفسه وولده وأهله وعبيده وإمائه، يعني جميع من تحت يديه جميع من استرعاه الله عليهم عليه أن يقيهم من عذاب الله -جل وعلا-، الذي جاء في وصفه ما جاء وقودها الناس والحجارة، يعني النار فضلت على نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً، يعني نار الدنيا جزء من سبعين جزء ووقودها الناس، وضمن لها ملؤها، وقال الصحابة: وإن كانت لكافية يا رسول الله؟! قال: ((لكنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً)) فالأمر مهول، والخطر جسيم، فعلى المسلم أن يعد العدة ليقي نفسه، ويقي من تحت يده من النار.

стр. 668

قال إلكيا الطبري الهراسي، وله كتاب في أحكام القرآن مطبوع ومعروف، فعلينا تعليم أولادنا، وأهلينا الدين والخير، وما لا يستغنى عنه من الأدب، وهو قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [(١٣٢) سورة طه] ونحو قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [(٢١٤) سورة الشعراء] لا شك أن أولى الناس بالبر النفس، ثم الأقرب فالأقرب، قد يقول قائل: إننا نشاهد كثير من أهل العلم لهم عناية شديدة بالتعليم، تعليم الناس العلم، ونذروا أنفسهم لهذا الأمر، وهذا ديدنهم وشأنهم؛ لكن هل يقدمون لأهليهم وأولادهم مثل ما يقدمونه للناس؟ قد يقول قائل هذا الكلام؛ لأننا نشاهد من الكبار من هو مشغول بوظيفته ثلث الوقت مثلاً، وعنده دروس لعموم الناس، وعنده لقاءات تأخذ عليه جل وقته، وعنده أيضاً اجتماعات ولجان فماذا أعد لأهله وولده؟ وقد أمر بأن يقيهم من النار، هل قدم لأهله وولده شيء أو لم يقدم؟ يعني فيما يبدو للناس ويظهر لهم أنه مشغول عن ولده وأهله؛ لكن هل معنى هذا أن أهله لم يستفيدوا منه، وهل معنى هذا أنه لم يبذل جهده، ويستفرغ وسعه في نفع أهله وولده حتى وصل إلى حد إما أن يستفيدوا منه أو ييأس منهم؟ وقد يحصل هذا أو هذا؛ لكن مع هذا على الإنسان أن لا ييأس هل من لازم التقديم للأهل والولد أن يستجيب الأهل والولد؟ هل إذا رأينا العالم ظهرت عليه علامات الصدق والإخلاص في تعليمه للناس هل من لازم ذلك أن يظهر الأثر على أهله وولده أو يتهم أنه ما بذل لهم شيء؟ هل من لازم ذلك؟ لا ليس بلازم ذلك، بل من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- من لم يستطع أن يهدي زوجته وولده، أعني هداية التوفيق والقبول، والله -جل وعلا- يقول في حق نبيه أشرف الخلق: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ [(٥٦) سورة القصص] بعض الناس يستدل على إهمال بعض العلماء لأهليهم وأولادهم أن أهليهم وأولادهم ما استفادوا منه، بدليل أن واقعهم يخالف ذلك؛ لكن هذا الكلام ليس بصحيح ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ

стр. 669

عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ [(١٠) سورة التحريم] ونوح ابنه وأمره تعرفونه ما خصه الله في القرآن، يعني يبلغ الضلال ببعض الناس، يعني قد يتساءل بعض الأخيار عن هذا ويقول: فلان عنده عشرة من الولد كلهم طلاب علم، هذا نجح، وهذا بذل، وهذا نصح، وفلان من الناس ما عنده إلا ثلاثة أو أربعة ما أفلح في تربيتهم، هل معنى هذا أنه قصر في تربيتهم؟ كلا والدليل على ذلك حال هؤلاء الأنبياء لكن عليه أن يبذل السبب، فإذا بذل السبب حصل له ما وعد به من الفضل العظيم، والثواب الجزيل على التربية، وحسن التنشئة والنتائج بيد الله -جل وعلا-.

стр. 670

ألا تعلمون أن من العقلانيين في هذا العصر من يزعم أن نوح ﵇ بالحرف يقول: فشل نوح في دعوته؛ لأنه ما استفاد منه أقرب الناس زوجته وولده، هذا من العقلانيين، رافعين راية العقلانية والعصرانية شخص يقال له: جودة سعيد، يقول: فشل نوح بدعوته، ويقول: فشل محمد في دعوته في مكة والطائف، ونجح في المدينة، هذا ضلال زيغ وإلحاد نسأل الله السلامة والعافية، قد يتراءى لبعض الناس من آحاد المتعلمين أن فلان -الشيخ الفلاني- أولاده كلهم ما شاء الله خيار، وطلاب علم، فبذل ونصح واجتهد هذا ابتلاء من الله -جل وعلا-، سواء أجابوا أو لم يجيبوا، والقدوة في ذلك الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- نعم أقول: أقرب الناس إلى الأنبياء الزوجة والولد فلا يظن بأهل العلم مع أنهم قدموا للأمة ما قدموا أنهم ما نصحوا وما قدموا وما وقوا أهلهم وأنفسهم من النار، ليس صحيح هذا الكلام، قد يقول قائل: لماذا لم يكون الحسن والحسين أكثر الناس رواية؟ أكثر الناس رواية أبو هريرة دوسي بعيد عن قريش، الرسول ﵊ يقول: ((إنما أنا قاسم والله المعطي)) ﵊ يقسم بين الناس بالسوية يحدث لا يخص أحد بحديثه، فالله -جل وعلا- هو المعطي؛ لأن هذا الموضوع فيه شيء من الغبش؛ لأن كبار أهل العلم يُتهمون أنهم انشغلوا بتعليم العلم وبالوظائف عن أهلهم وذويهم، هذا الكلام ليس بصحيح، يعني حدثني واحد من العلماء من الكبار، وله منصب كبير جداً في الدولة الآن، يقول: كان أبونا يأمرنا ونحن أطفال، ويأطرنا على حضور درس بعد صلاة الصبح، والنوم بعد صلاة الصبح له لذة ومتعة، فكنا نفرح إذا سافر الوالد لننام بعد الصلاة، فهل يقال: في مثل هذا أنه ما قدم لأولاده شيء، أنا أعرف من شيوخنا من له دروس في بيته، منهم من يقرأ في التفسير، ويبين لهم كلام الله -جل وعلا-، ويقرأون في تفسير الجلالين ويوضح لهم، ويبين لهم الأخطاء، لو أردتم أن نسمي سمينا؛ لكن ما له داعي؛ لأن هذه أمثلة، ويقرأ درس في رياض الصالحين، ويسمعه الكبار والصغار، ويوضح لهم ويعطي كل إنسان ما يناسبه، رغم أنه مشغول شغله يعني عمله بالنسبة للأمة أكثر من سبعين في المائة من وقته، فلا يتهم

стр. 671

هؤلاء أنهم ضيعوا أولادهم وانشغلوا في أمور الناس، نعم أحرص ما يكون الإنسان على نفسه وولده، منهم من حاول مع ولده، حاول مع الأولاد أن يكونوا طلاب علم، ومع ذلك ما أفلح، حاول حاول ثم أيس، ولا شك أن الإنسان بشر، يعني يصرف جهده فيما يجدي ويلمس ثمرته أفضل مما يكون أقرب إلى العدم، وعلى الإنسان أن يبذل ولا ييأس وعليه أن يتابع فيعلم الأولاد، ويعلم النساء، في تفسير الآلوسي يقول: استدل بها -يعني الآية- على أنه يجب على الرجل تعلم ما يجب من الفرائض، وتعليمه لهؤلاء، يعني الزوجة والولد والعبد والأمة، وكل هذا لأن الله -جل وعلا- أوجب على هؤلاء الفرائض، وحرم عليهم المحرمات، ولا يتم الإتيان بهذه الواجبات إلا بتعلم ما يصححها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب عند أهل العلم، متفقون على هذا، قال بعضهم: الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة، يعني خالية ما نقش فيها شيء، خالية عن كل نقش وصورة وهو قابل لكل ما نقش ومائل إلى كل ما يمال به إليه، خام ما زال يقبل أي شيء يوجه إليه، فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبواه، وكل معلم له مؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والولي له، وقد قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [(٦) سورة التحريم] ومهما كان الأب يصونه عن نار الدنيا فلأن يصونه عن نار الآخرة من باب أولى، وصيانته في الأدب يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من قرناء السوء، ولا يعوده التنعم، يعني إذا عرفنا هذا، وعرفنا الواجب والتكليف الملقى على عاتق الأب والأم أيضاً تجاه الأولاد من بنين وبنات، ولا شك أنها مسئولية وأمانة في عنق الوالدين، فعليهم أن ينشئوا ويربوا أولادهم تربية صالحة على الخير والدين والفضل، وحسن الخلق والعلم فالأبوان مسئولان عن الولد وجاء الوعيد الشديد فيمن ولاه الله -جل وعلا- رعية وغشهم جاء بحرمانه من الجنة نسأل الله العافية والسلامة.

стр. 672

ولا شك أن عدم تعليم الولد وتركه فريسة للأشرار هذا غش، وعدم قيام بالأمانة التي حمل إياها، ولا شك أن الأب لديه من القدرة على تحمل المسئولية وأطر الولد على الحق ما لا يوجد عند الأم، وعند الأم أيضاً من الوسائل ما تستطيع بها أن تؤثر على الولد لطول بقائه معها في أول سني عمره، فالأب قد يكون مشغولاً في تحصيل المعيشة، والأم متفرغة في البيت هذا الأصل؛ لأن الله -جل وعلا- يقول: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [(٣٣) سورة الأحزاب] وأعظم وظيفة للمرأة تربية الولد تربية النشء على مراد الله -جل وعلا-، فلها من التأثير في بعض الجوانب أكثر من تأثير الأب، والأب أيضاً له تأثير من جهات أو من جوانب أخرى أكثر من تأثير الأم وهما بالجملة متكاملان، هما متكاملان إذا قاما بالأمانة وأدياها على الوجه المطلوب، وعلى كل حال إذا بذل الوالد الجهد، وكذلك الأم واستفرغا الوسع في تربية الولد وتنشئته، ثم بعد ذلك حصلت النتائج على غير ما يتوقعان فقد أديا ما عليهما، ولا يلامان على ذلك على ما تقدم، التربية بالنسبة للشباب قد يحسنها ويتقنها بعض الناس ولا يتقنها آخرون، فقد يكون الأب من كبار أهل العلم، وله أثر في الأمة له أثر بالغ في الأمة فالأمة تنتظر ما يقول، وتنتظر ما يفتي به؛ لكنه في بيته لا يستطيع أن يربي أولاده، وإذا حضر عنده من طلاب العلم من المبتدئين ما عرف أن يتعامل معهم، فنقول: مثل هذا يكفي أن يربي الكبار، وللصغار من يربيهم؛ لكن عليه أن يوجه هؤلاء الصغار إلى من يحسن تربيتهم، ما يهملهم ويقول: أنا والله لا أحسن التعامل معهم، إذاً أتركهم؟ لا إذا كان يستطيع أن يؤثر فيهم فبها ونعمت، ما يستطيع يبعثهم إلى من يستطيع التأثير فيهم، فإذا بذل الجهد واستفرغ الوسع في إبراء ذمته فله من الله -جل وعلا- الأجر العظيم، والثواب الجزيل؛ لأن له من الأجر مثل أجورهم؛ لأنه هو الذي دلهم على الخير، ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله، وهو الذي هيأهم للصلاح، ويسر لهم أسبابهم ليستفيد من دعائهم بعد موته، كما جاء في الحديث حديث صحيح ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) ولا شك أنه إذا كان هو

стр. 673

السبب في صلاحه كانت دعوته له مقبولة؛ لأن الوصل الذي علق عليه القبول والدعاء هو الصلاح فإذا لم يكن الأب سبباً في هذا الصلاح، فقبول الدعوة فيه ما فيه، والله - جل وعلا - يقول: ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [(٢٤) سورة الإسراء] يعني هذه الدعوة في مقابل التربية هذه الدعوة (رب ارحمهما) في مقابل (كما ربياني صغيراً) فالذي يهمل أولاده ولا يربيهم يعني دخوله في مثل هذه النصوص، فضل الله واسع لا يحد، وقد يكون الولد مستجاب الدعوة، فيجاب إذا دعا لأحد من أولى ذلك والديه لكن على الإنسان أن يبذل السبب ليدخل في هذه النصوص، قد يقول قائل: هناك أناس بذلوا أسباب ما نجحوا وأناس أهملوا وانتفعوا بأولادهم ما شاء الله، وصاروا علماء أولادهم نعم نعرف من أنفسنا ومن غيرنا من بذل الجهد في تربية الأولاد وما طلعوا على ما يريد حرص على تحفيظهم القرآن ما أفلح، وأعرف شخصاً عنده ولدان يقول: والله ما علمت أنهما حفاظ من حفاظ القرآن حتى دعيت لحفل التكريم، يقول: والله ما علمت أنهما يحفظان القرآن حتى دعيت إلى حفل التكريم، ولا شك أن ما بذل له أجر، والله -جل وعلا- لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وهذا أيضاً لن يحرم -إن شاء الله- دعوة صالحة من هذين الولدين، الذين نشئا على الصلاح والخير؛ لكن أجره ليس مثل أجر من اهتم بولده، وبذل الأسباب، إذا عرفنا أن بذل السبب في وقاية الولد من النار جاء الأمر به في الآية التي نحن بصدد الحديث عنها، فهل يدخل فيها من أهمل ولده ولو نشأ الولد صالحاً؟ يعني ما بذل ما أُمر به ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [(٦) سورة التحريم] ما وقى أهله النار مفهوم الآية؛ لكن فضل الله واسع، لا يحجر فضل الله؛ لكن يبقى هذا فيمن أهمل، فكيف بمن يسر لولده أسباب الفساد؟ نسأل الله السلامة والعافية، ثم بعد ذلك عاش الولد طيلة حياة والده على هذا الفساد، فلما توفي والده نسأل الله السلامة والعافية تولى هذا الولد غيره، غير هذا الوالد، ثم أصلحه الله بسبب من دعاه إلى الخير، لا شك أن هذا غاش لرعيته، ومتوعد بحرمانه من الجنة، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 674

فعلى الإنسان أن يتمثل هذه الآية، ويربي ولده وأهله من أول يوم، بل قبل ذلك في الاختيار في اختيار الزوجة أن يختار المرأة الصالحة التي تعينه على نفسه أولاً، وعلى نفسها وعلى أولاده تعينه على الخير، ولذا جاء في الحديث ((فاظفر بذات الدين تربت يداك)) والأم مدرسة الأم مدرسة، أول من يستفيد منها الزوج إذا كانت صالحة، وأول من يستفيد من الزوج إذا كان صالحاً الزوجة، وبصلاحهما يتم لهما التعاون على البر والتقوى، ويتعاونان أيضاً على تنشئة جيل صالح يبدأ من هذه الأسرة، ويتنشر إلى الأقارب والجيران، ثم إلى المجتمع، على الأب إن كان من أهل العلم أن يعقد الدروس العلمية في بيته لأسرته بادئاً بصغار العلم، فيعلمهم القرآن، ويبدأ بقصار السور، ويعلمهم السنة بادئاً بالأربعين مثلاً، يجعلهم يحفظونها، ويشرح لهم معاني هذه الأحاديث، ويبين لهم غريب القرآن، أثناء حفظهم إياه، ويعلمهم العقيدة الصحيحة، يبدأ من الأصول الثلاثة والقواعد الأربع وكشف الشبهات والتوحيد والواسطية إلى آخر السلسلة المعروفة عند أهل العلم، يحرص على تنشئتهم تنشئة صالحة على العقيدة السليمة، ويعلمهم بعض الأحكام الشرعية التي تناسب مستواهم، هذا إن كان من أهل العلم، وأدركنا الجيل الذين قبلنا وقد يوجد أفراد لكنه ما يلاحظ بكثرة، يعني تجد الولد، وهو في الأشهر في الشهر السابع الثامن تجده يشير بأصبعه من كثرة ما يقال: له لا إله إلا الله، وتجده في سنة في سنة ونصف تسأله من ربك؟ يقول: ربي الله، أين الله؟ يقول: في السماء، على العرش استوى، أقول: مثل هذا الكلام وأدركناه يحفظونهم أصول الدين، يلقنونهم من الصغر، وجرت عادة العلماء من المتقدمين إحضار أولادهم إلى مجالس التحديث قبل سن التمييز، الولد ما ميز كيف تأتي به؟ يحضر مجالس العلم لينشأ عليها محباً لها، ولا يستنكرها ولا يستغرب، وأهل العلم عندما يحضر لديهم أمثال هؤلاء وهذا ذكروه في كتب المصطلح إذا أحضر عندهم أبو ثلاث سنوات أو أربع سنوات، وهو ما يحفظ ولا يفهم يختلفون هل تكتب أسماؤهم في الطباق أو لا تكتب؟ يعني هل يكتبون ضمن أسماء الحاضرين فيروون فيما بعد هذه المرويات بحضورهم عند الشيخ وسماعهم له، وإن لم يكونوا

стр. 675

من أهل التمييز، فصار بعض المحدثين يكتب للمميز سمع فلان وفلان وفلان من كبار وصغار، من مكلفين وغير مكلفين؛ لكن كلهم في دائرة التمييز ولمن لم يميز حضر أو أحضر، نعم المميز يكتب له سمع مثل الكبار، وغير المميز يقال: حضر أو أحضر كل ذلك ليألف الصبي سماع العلم من الصغر، وينشأ على حبه.

стр. 676

أما بالنسبة لحق الزوجة على زوجها فعليه أن يعلمها ما تحتاج إليه من أمور الدين من أول ليلة، من ليلة الدخول، وليكن ذلك بدأً بأذكار النوم من أول ليلة ما المانع؟ وتجد الزوجة تجلس عند بعض طلاب العلم العقود، وهي لا تعرف أذكار النوم ولا أذكار الأكل ولا أذكار الدخول ولا الخروج، ولا شيء، والأذكار لها شأن عظيم في حفظ النفس والأهل والمال والولد، وكان النبي ﵊ يعوذ الحسن والحسين فتنشئتهم على هذه الأذكار، والآن كل شيء متيسر، الأذكار يمكن تطبع في كرت ورقة واحدة، ومع ذلك توزع على الأهل والأولاد، ويضرب لهم مدة لحفظها، وأعرف شخص ولده من هؤلاء الشباب الذين في مرحلة المراهقة، ويطلب سيارة قال: ما عندي مانع أن أشتري لك سيارة؛ لكن بشرط أن تحفظ أذكار الصباح والمساء، وجميع الأذكار، وهي مدونة في كتيب أعطاه الكتاب، وبعد مدة سمع له، واشترى له السيارة، هذه الأذكار تحفظ، الآن يعاني كثير من الناس، واحد من الأخوان اشترى لولده سيارة في الثانوية، يشكو يقول: كل يوم يأتي لنا بمصيبة، كل يوم حادث، هل عود الولد على الأذكار؟ ما عود والأذكار، لا شك أنها حصن هذه فائدتها في الدنيا فكيف بفائدتها في الآخرة؟ وهي من أعظم الأسباب في الوقاية من النار، والرسول ﵊ يقول: ((سبق المفردون)) الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، وجاء الحث على الذكر في كثير من النصوص، الذكر لا يكلف شيء، فتنشئة الولد والأهل على هذا الأمر لا شك أنه من الوقاية من عذاب الله -جل وعلا-، لا يكلف شيء، يعني هل الولد إذا قيل له: قل سبحان الله وبحمده مائة مرة، يعني في دقيقة ونصف أو في أول الأمر يكون في دقيقتين، يأخذ عليه وقت أو جهد، تقول له: والله يا ولدي اليوم مصروف المدرسة ثلاثة ريال، قل لي: سبحان الله وبحمده مائة مرة واعطيك ثلاثة في دقيقتين، لن يتردد تقول له: صلى على النبي ﵊ عشر مرات، تقول: وقل لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد إلى آخره عشر مرات، أو مائة مرة في المقابل، وينشأ نشأة صالحة، فلا شك أن هذه من الأساليب التي ينبغي أن يسلكها كل مسلم؛ لأنها لا تكلف شيء، ولا تحتاج إلى علم، أما

стр. 677

بالنسبة لمن لديه شيء من العلم لا شك أن المسئولية عليه أعظم، فعليه أن يعلم من ولاه الله -جل وعلا- أمانته، والذي ليس لديه شيء من العلم عليه أن يبذل السبب في إلحاقهم بحلق العلم، بدأ من حلقات التحفيظ، وأيضاً المعاهد العلمية التي تؤسس طالب علم متين، ولله الحمد ما زالت قائمة إلى الآن في قوتها، ويلحقهم بمن يحسن تعليم الشباب من أهل العلم؛ لأنه أيضاً ما يحسن أن يلحق الطالب الشاب المراهق في حلق الكبار، وحضر بعضهم من هذا النوع بعض الدروس، ثم ترك، يقول: ما استفدنا، صحيح أنه ما يستفيد؛ لأن الدروس فوق استطاعته فليبحث له عن شيخ يحسن التعامل معه، وهذا سبقت الإشارة إليه قريباً، فيلحق بحلقات التحفيظ، ويلحق أيضاً بالدروس العلمية المناسبة لمستواه، وذكرنا في مناسبات كثيرة أن طلاب العلم على طبقات، منهم المبتدئ ومنهم المتوسط، ومنهم المنتهي، والشيخ الفلاني يستطيع أن يتعامل مع المبتدئين، وفلان يستطيع أن يتعامل مع المتوسطين، وفلان يستطيع أن يتعامل مع الكبار، كل له ما يخصه، وكل له طلابه. بالنسبة للزوجة عرفنا أن حقها على الزوج إذا كان من أهل العلم أن يعلمها العلم، ومع ذلك يفتح لها المجال أن تلتحق بحلقات التحفيظ، والدور النسائية وهي -ولله الحمد- متوافرة وكثيرة، هذا إذا لم يتيسر له تعليمها ويحفظها ما حفظ من القرآن، ويعلمها ما تعلم، وبعد ذلك يترك لها المجال أن تطلب العلم في هذه الدور، وهي منتشرة في الأحياء -ولله الحمد-، والوضع يبشر بخير نحمد الله ونشكره، النبي ﷺ قال لخاطب الواهبة: ((زوجتك بما معك من القرآن)) وفي بعض الروايات ((على أن تعلمها شيئاً من القرآن)) وحدد بعض السور، فمثل هذا لا شك أنه من أعظم المهور، هذا بالنسبة لحق الأهل والأولاد على الزوج.

стр. 678

أما حق الوالدين على الولد فأمر لا يحتاج إلى ذكره، يعني النصوص قرنت حق الوالدين بحق الله -جل وعلا- ومن أعظم البر المقدم للوالدين والإحسان إليهما ما يكون سبباً في وقايتهم من النار، وذلك بالعلم النافع فيعلمهم الولد إذا كان عنده شيئاً من العلم، وهم في حكم العوام يعلمهم ما يجهلون لا سيما القرآن بعض عوام المسلمين عندهم من الحرص على الخير ما عندهم، فتجدهم مع الأذان في المسجد، مع الأذان يحضرون المسجد؛ لكن النتيجة؟ نعم هم على خير لأنهم ينتظرون الصلاة، والمطلوب المزيد من الخير، تجد أن هذا العامي المسكين الذي لا يقرأ ولا يكتب يلتفت يميناً وشمالاً، وينظر في الساعة أمامه وفي يده أو في جيبه ينتظر الإقامة لماذا؟ لأنه لا يقرأ المصاحف أمامه حتى في المواسم الأوقات الفاضلة يأتي مع الأذان في رمضان والناس يقرؤون من يمينه ومن شماله وهو لا يستطيع، فمثل هذا أمانة في عنق ولده، أن يعلمه شيء يستفيد منه في مثل هذه الأوقات، والأمور متيسرة ولله الحمد، ويندر أن يوجد بيت من بيوت المسلمين الآن ليس فيه من يقرأ القرآن، فيبدأ بهم من الفاتحة، ثم قصار السور، يبدأ يحفظهم الفاتحة، والفاتحة معروف أنها ركن من أركان الصلاة، تجد بعض العوام لا يحسن الفاتحة، وولده متعلم عنده شهادات، وقد يكون يعلم الناس ووالده محروم من هذا العلم، بإمكانك أن تعلم والدك يا أخي ما هو المانع أن تجلس ساعة ساعتين ثلاث يوم يومين أسبوع تعلمه الفاتحة والمعوذتين.

стр. 679

في المنطقة الشرقية قبل شهر في صباح الجمعة، بعد صلاة الصبح ولمدة ساعة ونصف أسمع شاباً يلقن شيخاً كبيراً سورة الكهف كلمة كلمة في ساعة ونصف، ساعة ونصف يمكن أن يقرأ فيها سبعة أجزاء؛ لكن تلقين الكهف نصف جزء أخذت عليه ساعة ونصف، يعني شيء شهدته أنا وحضرته، وسمعته وأجزم أن هذا لا تربطه به صلة، ليس من أهله ولا من أقاربه، فكيف بالأب يحرم مثل هذه الأجور والولد يستطيع؟! بإمكان الولد أن يمسك الأب ويقول له: يا والدي الفاتحة ركن من أركان الصلاة، والصلاة ركن من أركان الإسلام وأنت لا تحسن الفاتحة، ولا غضاضة ولا عيب لا على الولد ولا على الوالد هذا شرف في الدنيا والآخرة للمعلم وللمتعلم، لماذا لا يقول: يا أبت أنت لا تحسن الفاتحة نعم قد يكون الأب قد تعلم على طريقة قديمة وسمعنا من يقرأ القرآن بقراءة فيها تصحيف وتحريف وتقديم وتأخير، وإبدال كلمات، وترك بعض الآيات سمعنا هذا، وعنده أنه من المهرة في القرآن، ويرجو أن يكون مع السفرة الكرام البررة، لولا أن الحديث عن القرآن لذكرت بعض الأمثلة مما سمعته من كبار السن؛ لكن أخشى أن يكون مسخرة، ومثل هذا لا يجوز في القرآن، مثل هذا ما هو المانع أن يقول الولد لوالده: أنت لا تعرف تقرأ، أو بأسلوب مؤدب أنت لا تعرف تجود دعنا نعلمك القرآن بالتجويد، أنت على طريقة شيوخنا الكبار الذين لا يجودون، يعني يعطيه شيء من الثقة ليقبل، أما لو قال له: أنت ما تعرف تقرأ يمكن يقول له: ما أدراك كل عمرنا مع شيوخنا، وهذه جملة يرددونها (هذه قراءة شيوخنا) وهذا ليس بصحيح؛ لكن هذا ما تعلمه، فيمسكه الابن ويعلمه الفاتحة على الطريقة الصحيحة، ويقرأها على الوجه الصحيح، يعني أنا سمعت إمام مسجد يقرأ (ثم لا تسألن يومئذ عن النعيم) قلب للمعنى، يعني لو كان هذا في الفاتحة بطلت الصلاة، ولو تعمد مثل هذا التحريف بطلت صلاته قلب حيد عن الصواب، فمثل هذا نقول: الولد يلزمه أن يعلم أباه؛ لأنه كما طُولب الأب أن يقي الولد من النار والابن يستطيع هذا أوجب عليه، يعني من باب أولى إذا كان الولد يستطيع أن يقي الوالد من النار، وهو السبب في وجوده والحق عليه أعظم من حق الولد على الوالد، فعليه أن يبذل وسعه لتعليمه

стр. 680

ليخرجه من الظلمات إلى النور، فيعلمه قصار السور بلا يأس، عجوز عمرها أكثر من سبعين سنة لا تقرأ ولا تكتب حضرت حفل التحفيظ حفظت القرآن كامل فوق السبعين، ومشكلتنا أن اليأس من أقرب شيء إلى قلوبنا، إذا بلغ الولد الثلاثين قلنا: هذا ميئوس منه، ليس صحيح، صالح بن كيسان قالوا: أنه تعلم وعمره قيل: تسعين سنة، وقيل: خمسين، وقيل: أكثر.

стр. 681

المقصود أنه لا يأس تعلم في التسعين في الستين في السبعين، القفال من أئمة الشافعية تعلم كثير، كثير من أهل العلم، كثير في تراجمهم تجد أنهم بدأوا التعلم في الكبر، نعم التعلم في الصغر أثبت؛ لكن إذا ما تعلم في الصغر ييأس ويترك، لا، لا ييأس ولو لم يكن له من النصوص إلا ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)) يكفيه هذا، ولو لم يحصل من العلم شيئاً مثل ما قلنا: صالح بن كيسان تعلم في الكبر، حتى صار من كبار الآخذين عن الزهري، فلا يأس، فإذا قال الولد لأبيه: يا أبت أعلمك الفاتحة، ثم كررها عليه يوم، يومين، أسبوع، عشرة، أعظم سورة في كتاب الله ليس كثيراً أن ينفق عليها الولد مع أبيه مع أوجب الناس حقاً عليه بعد الله -جل وعلا-، وكذلك الأم إذا كانت لا تحسن القراءة يعلمها الولد، ولو طال الوقت، هذا باب من أبواب الجهاد، فإذا كان مأمور أن يقيهم نار الدنيا فلأن يقيهم نار الآخرة من باب أولى، أيضاً هناك الآلات مثل المسجل، يهيئ الولد لوالده مسجل، ويأتي بأشرطة لقاريء مؤثر مثلاً، وواضح يخرج الحروف من مخارجها، ويقال له: يا أبت اضغط هذا الزر، حتى تسمع القراءة، ثم أعد ثانية وثالثة، هذا إذا دب الملل إلى الولد أو صار له عمل يعوقه عن متابعة تعليم والده، وإلا أتصور أن من أفضل ما يقدم في هذه الحياة ما يقي الوالدين هذه النار، مما يعين أيضاً على التعليم والتعلم في الأسر، ولمس أثره هذه الآلات التي قلنا: مسجل سواء كانت هي أشرطة القرآن أو أشرطة الدروس العلمية أو المواعظ، وإذاعة القرآن الكريم في هذه البلاد نفع الله بها نفعاً عظيماً في البيوت، كثير من عوام الناس يشارك في مسائل علمية؛ لأنه يسمع نور على الدرب، فاستفاد الناس فائدة عظيمة، فالذي يحرص عليها الناس كلهم سواء كان متعلماً أو عامياً.

стр. 682

لا شك أن الأم مع بناتها عليها مسئولية عظيمة في تربية البنات على العفة والستر والأب من ورائها يحوطهم بذلك، ويحضر لهم ما يحتاجون إليه مما يعينهم على ذلك، كذلك البنات مع الأمهات عليهن من المسئولية مثل ما على الأولاد مع الآباء، وكم من بنت صارت سبب إنقاذ لأسرة بما في ذلك الأب والأولاد، فضلاً عن الأم، هناك كلام لأهل العلم، وله نصيب من الواقع، قالوا: أزهد الناس في العالم أهله وجيرانه، وهذا مشاهد تجد العالم الكبير أولاده إن كان فيهم خير وفيهم حرص وفيهم طلب علم يحضرون دروس مشايخ آخرين، وهذا لا شك أنه خير؛ لكن تجدهم زاهدين في آبائهم، فأزهد الناس في العالم أهله وجيرانه، ولعل السبب في ذلك أن الهيبة والتعظيم والقدر في النفوس إنما يكون مع تمام الحشمة، فالعالم من بعيد تجده محتشم، يعني في الغالب عليه السمت وعليه اللباس الكامل، وقد يكون عليه البشت، والأب تراه على هيئات فيها شيء من ترك الحشمة، أحياناً ما يكون عليه ثوب، وهو بين أولاده وزوجته، فمثل هذه الحالة فلا شك أنه هيبته تقل في نفوسهم، أيضاً كثرة الإمساس، وجوده بينهم في كل وقت وفي كل حين، ويشاهدون تصرفاته، وأن تصرفاته تصفات بشرية، لا شك أن التصرفات البشرية يعتريها ما يعتريها من النقص، فإذا اطلع عليها الأهل والأولاد يعني نزلت قيمته ثم بحثوا عن غيره، بينما غيره من أهل العلم باستمرار على الحشمة ما يرونهم على خلافها فتجدهم يتعلقون به أكثر من تعلقهم بأبيهم أو أخيهم من أهل العلم، بعض الناس عنده حساسية زائدة، ولها نصيب من النضر، يخاف على ولده إذا خرجوا إلى الصلاة من قرناء السوء، أو إذا خرجوا إلى الحلقة في طريقهم ذاهبين وآيبين يمرون البقالة، ويطلع معهم فلان، ويتكلم معهم فلان، يقول: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فأنا لا أتركهم يذهبون الجماعة بالنسبة لهم هم غير مكلفين يصلون في البيت، خشية من قرناء السوء، لا سيما إذا كانت بعيد عن البيت، وكذلك ذهابهم إلى الحلقات، أقول: يا أخي هذا ليس بعلاج، الترك ليس بعلاج، بل لا بد أن يصلوا مع الناس في المسجد، وأن يذهبوا إلى مواطن العلم ويتعلموا، ومع ذلك عليك أن تحوطهم برعايتك وعنايتك، وتكون من ورائهم ومن

стр. 683

أمامهم ومن خلفهم، وتسأل عنهم وتتحسس وتربطهم بالرفقة الصالحة، وإن تيسر أنك أنت الذي تذهب بهم وترجع بهم فنور على نور، وإن أبيت إلا أن يتركوا هذا فأتِ لهم ببديل، تحضر لهم البديل، ما تقول: أتركهم لا يتعلمون، ثم تتركهم عوام، لا، والأمور متيسرة ولله الحمد، بإمكانك أن تحضر لهم البديل؛ لكن ليس بحل الترك، ليس بحل، بل لا بد أن يواصلوا التعلم والحفظ على أي حال؛ لكن يبقى أنك لا بد أن تربطهم بالرفقة الصالحة؛ لئلا ينزجّوا مع الرفقة السيئة ثم بدل أن يتعلموا الخير يتعلمون الشر؛ لأن بعض الناس يتعذر بهذا يقول: أنا والله ما أرى أن يذهب الأولاد التحفيظ خشية من قرناء السوء، يعني إذا ذهبوا يمرون البقالة، البقالة فيها جمع من الشباب، وعندهم مخالفات وأحياناً يدخنون، وأحياناً كذا، أيضاً إذا رجعوا ذهبوا إلى المسجد، ذهبوا إلى المدرسة، كيف سينشأ الولد بهذه الطريقة، يعني إذا كنت خائفاً عليهم فاصحبهم أو أصحبهم من يعتني بهم، ولا شك أن الحديث في هذا الباب لا ينتهي، والأولاد والأهل مسئولية عظيمة، وحمل ثقيل، حتى أن بعض الناس يتمنى في ظل الظروف التي نعيشها مع فساد الأوضاع وكثرة المغريات، يتمنى أنه كان عقيماً؛ لأنه يرى أن أولاد فلان كيف صاروا؟ وقد يكون لديه أولاد أتعبوه ما نجح في تربيتهم، ما أفلح، فيقول: ليته عقيم، عليك يا أخي أن تبذل السبب، عليك أن تمتثل ما أمرت به من التكاثر، تناسلوا تكاثروا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، أنت أمرت بهذا، وأمرت ببذل السبب في التربية، كونك تنجح أو ما تنجح هذا ليس بيدك، النتائج بيد الله -جل وعلا-، وقل مثل هذا في الدعوة، دعوة الناس، تقول: أنا والله أستطيع الدعوة؛ لكن دعوت ودعوت ما استفاد الناس مني، وما أشوف أثر واضح نقول: ليس عليك إلا أن تدعو ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [(٣٣) سورة فصلت] ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [(١٠٨) سورة يوسف] ولنا قدوة وأسوة في الأنبياء، فمن الأنبياء من يأتي وليس معه أحد، فأنت إذا بذلت السبب فالأجر مرتب على بذل

стр. 684

السبب، وحينئذ لا تيأس وأجرك ثابت، سواء استفاد الأهل، استفاد الأولاد، لكن لا بد أن تبذل السبب، لا تقول: ما جهدي وأنا الضعيف المسكين مع هذه الآلات، ومع هذه القنوات، ومع هذه الوسائل المفسدة، أحياناً ينتفع الإنسان بكلمة واحدة، وتنقلب حياته رأساً على عقب، إذا خرجت من القلب، انتفع بها الإنسان، وكم رأينا من ناس في غاية من الشهر والفساد، وأبواه على خطر عظيم منه، ثم بعد ذلك تجده في روضة المسجد، ومن السابقين إلى الدروس العلمية، بل من العاملين على إنجاح الدروس العلمية، والمتابعين للدروس، والخادمين للدروس، فلا يأس فكيف يتمنى الإنسان أن يكون عقيماً، لا شك أن العقم أفضل من الأولاد مع عدم بذل السبب؛ لأنه مسئول عنهم، مع الإهمال بحيث يخرجوا مفسدين، وما بذل أي سبب، هذا لا شك أن عدم الولد أفضل منه، لمثل هذا النوع من الناس، أما من بذل السبب ولو لم يفلح في تربيته، ولو لم تترتب الآثار، ولو لم يفلح في تربيته، ولو لم تترتب الآثار على هذا السبب، لا شك أنه خير؛ لأنه مع النصوص يدور أمر بالتكاثر فكاثر، أمر بالزواج تزوج، أمر بالتعدد فعدد، أمر بتكثير النسل فأكثر، وبذل السبب في التربية؛ لكن ما أفلح، النتائج بيد الله -جل وعلا-، ولا شك أنه كلما كثر التعب كثر الأجر، وهذه الظروف التي نعيشها مع كثرة المغريات، وكثرة المفسدات لا شك أنها أعظم أجور من قبل عشرين وثلاثين وأربعين وخمسين سنة، ولذا جاء في الحديث في المسند والسنن بإسناد حسن ((للعامل فيهن -في وقت الفتن- أجر خمسين)) قالوا: منهم يا رسول الله؟ قال: ((بل منكم)) يعني من الصحابة أجر خمسين على ماذا؟ على مثل هذا الصراع الذي نعيشه، فنحتاج إلى مزيد من البذل في التربية والتوجيه والرعاية والعناية، ليحصل لنا هذا الأجر العظيم، الذي وعد به على لسان النبي ﵊، ونكتفي بهذا، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. طالب: نريد من فضيلة الشيخ التعليق على قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [(٨٢) سورة الكهف] في سورة الكهف؟

стр. 685

أما بالنسبة لما جاء في أواخر سورة الكهف من قول الله -جل وعلا-: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [(٨٢) سورة الكهف] فلا شك أن لصلاح الأب أثراً عظيماً في صلاح الولد، وجاء عن بعض السلف أنه يزيد في كل يوم ركعتين من أجل صلاح ولده، ولصلاح الأب أثر في صلاح ابنه؛ لأنه قدوة صالحة، والقدوة لها من الأثر في سلوك الولد أكثر من أثر القول، ولذا جاء الترغيب في صلاة النافلة أن تكون في البيت ليقتدي به من لا يحضر الصلاة في المسجد، فمن هذه الحيثية أثر صلاح الوالد في صلاح الابن، وفي حفظ الابن في حفظ الولد، وفي حفظ مال الولد رعاية لحق الأب، ولا شك أن مثل هذا يوجد، ولكنه ليس بمطرد، يعني كون أبوهما صالحاً، وحصل لهما ما حصل من الخضر ﵇ لصلاح أبيهم؛ لكن هذا ليس بمطرد؛ لأن صلاح الأب إذا لم يكن الولد قابل، نعم إذا كان في دائرة الدين الذي يدين به الأب ينتفع، أما إذا كان الولد لم يتبع أباه في دينه مثل هذا لا ينتفع ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ [(٢١) سورة الطور] يعني ما نقصناهم من عملهم من شيء فيلحقوا بآبائهم وإن كانت أعمالهم أقل، وأما بالنسبة لما يتعلق بالأولاد الصغار إذا حضروا للمسجد، وكانوا مميزين، وسبقوا إلى القرب من الإمام، فجاء في الحديث الصحيح ((ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى)) يعني الكبار، أصحاب العقول، أصحاب الحجا، بحيث إذا أخطأ الإمام يستطيعون الرد عليه والفتح عليه، وهذا لا شك أنه أمر للكبار بالمبادرة، وليس هو طرداً للصغار عن الحضور المبكر، والقرب من الإمام، والقاعدة من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به، فقوله ﵊: ((ليلني)) اللام هذه لام الأمر، فهي أمر للكبار بالتقدم وليست طرداً للصغار من أن يقربوا من الإمام لتقدمهم ويسبقوا إلى ما لم يسبقوا إليه. طالب: كثير من الآباء لم يبذلوا الكثير من الأسباب لتوجيه أبنائهم ثم إذا حصل عقوق بعد ذلك بدئوا بالدعاء عليهم بدلاً من الدعاء لهم فما نصيحتكم حفظكم الله؟

стр. 686

لا شك أن مثل هذا إساءة على إساءة، تفريط ثم بعد ذلك في النهاية يدع عليهم، وجاء النهي عن الدعاء عن النفس والمال والولد خشية أن توافق ساعة إجابة يجاب هذا الدعاء، ثم يندم ندامة لا تعوض، ولا يمكن استدراكها ولاة ساعة مندم، فعلى الأب أن يبذل النصح، ويستفرغ الجهد في تربية أولاده، ومع ذلك يدعو لهم في حال صلاحهم، وقبل صلاحهم يدعو لهم بالصلاح، ويدعو لهم بالاستمرار عليه، والتوفيق لهم في الدنيا والآخرة. طالب: يا شيخ أنا مؤذن الأذان الأول فيلزم أن أروح المسجد فهل يلزم أني أوقظ أهلي أو أأذن، وهل الأفضل أوقظ أهلي أم أجلس إلى الشروق اقرأ القرآن؟ إن كان المراد بالأهل من تلزمهم صلاة الجماعة، فعليك أن توقظهم قبل أن تخرج إلى الصلاة، ليتمكنوا من الصلاة في المسجد، وبعد الصلاة تجلس حتى ترتفع الشمس، وإن كانوا ممن لا يلزمهم صلاة الجماعة، ويغلب على ظنك أنهم لم يستيقظوا فخروجك إلى البيت وإيقاظك لهم أفضل من بقائك في المسجد. طالب: بالنسبة لواحد متزوج بزوجة وهو مرتاح فهل يلزمه بالتعدد؟ التعدد ليس بلازم ولا واجب، هذا خلاف بين أهل العلم في الأصل، هل هو التعدد أو الواحدة؟ وما عدا ذلك يندب إليه يندب إلى الثانية والثالثة والرابعة ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ [(٣) سورة النساء] ولا شك أن الموازنة في مثل هذا الباب بين المصالح والمفاسد أمر مطلوب شرعاً، فبعض الناس لا يستطيع العدل ولا يغلب على ظنه العدل، فمثل هذا لا يعدد، أو لا يستطيع النفقة على الجميع وإن كان الوعد من الله ﵎ بالإغناء إذا تزوج، فسوف يغنيهم الله من فضله، المقصود أن مثل هذا كل إنسان أدرى بمصالحه، والإنسان إذا كان مرتاح مع زوجته الأولى ويخشى من أن تتكدر حياته، فلا شك أن الواحدة تكفيه. طالب: يا شيخ بالنسبة للجاليات الباكستانيين والأفغانيين ما يعرفون اللغة العربية كيف التعامل معهم وبالنسبة للزوجة والأولاد؟

стр. 687

من لا يعرف اللغة يتعامل معه بواسطة المترجم على أن يكون المترجم ثقة، ويعرف اللغة المترجم لها، واللغة الأصلية التي يترجم تكون لديه معرفة تامة بمعاني ومفردات اللغتين التي تترجم منها، واللغة التي يترجم إليها، ويكون ثقة لا بد أن يكون ثقة، لئلا يحرف الكلام، فهؤلاء الذين لا يعرفون العربية إنما يتعامل معهم بواسطة المترجمين الثقات. طالب: ورد في حديث عن النبي ﷺ : ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة)) وقوله ﵊ في اختيار الزوجة: ((تنكح المرأة لأربع: لمالها وجمالها وحسبها ونسبها فاظفر بذات الدين)) تقول: هل هناك فرق بين قوله: ((من ترضون دينه وخلقه)) وقوله: ((فاظفر بذات الدين)) ولم يذكر الخلق، وهل في المسألة عموم أم خصوص؟ من متطلبات الدين الخلق، ونقص الدين يظهر في نقص الخلق، نعم قد يكون الإنسان جبل على الخلق الحسن وعنده مخالفات، وقد يكون جبل على الشدة والفضاضة وهو حريص على إقامة شعائر الدين، ومتصف به، وحريص عليه؛ لكن على كل حال الخلق في الأصل من متطلبات الدين، فالخلق مطلوب من الجميع، كما أن الدين مطلوب من الطرفين، على كل حال الدين ذكرنا أن الخلق من متطلبات الدين، فالمرأة التي خلقها سيئ لا شك أن نقصها في دينها بقدر نقص هذا الخلق، فالخلق مطلوب من الجميع، وإلا لا يتيسر العيش المطلوب والحياة المطمئنة بين الزوجين مع أن في الخلق شيء، سواء كان من الرجل أو من المرأة، لكن ظهوره في الرجل الذي بيده السلطة والتنصيص عليه بالنسبة للرجل، وطلبه من الرجل أكثر؛ لأنه إذا كان ذا خلق سيئ لا شك أنه يتسلط على المرأة، بينما المرأة لو كان في خلقها شيء فإنها باعتبار موقعها وللرجال عليهن درجة فإنها لن تتسلط عليه؛ لأن الحل بيده، ولذا نص عليه في جانب الرجل، ولم ينص عليه في جانب المرأة، وإلا فهو في الأصل مطلوب من الطرفين. طالب: من الذي يُعد طالباً للعلم؟

стр. 688

طالب العلم هو الذي عنده شيء من العلم، وهذه لا شك أنها من الأمور النسبية، والعلم لا يمكن أن يحاط به والله يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [(٨٥) سورة الإسراء] ومهما بلغ الشخص من العلم فإنه لن يخرج عن دائرة هذه الآية ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ وقد يوصف الإنسان بأنه من بحور العلم، كما في تراجم بعض أهل العلم، ولن يخرج عن هذه الآية، ومع ذلك هذه الأمور نسبية، إذا حوا شيئاً من مبادئ العلوم، وحفظ بعض المتون في العلوم الشرعية المطلوبة وفهمها فإنه يكون من طلاب العلم، وإذا استطاع تقريرها وتدريسها وتعليمها لغيره صار من أهل العلم. طالب: (السؤال غير واضح) لكن كأنه يسأل عن الختان؟ الختان من سنن الفطرة، وهو بالنسبة للذكور واجب؛ لأنه لا يتم التطهر إلا به، والتطهر واجب، إذاً هو واجب، وهذا محل يكاد أن يكون متفقاً عليه بين أهل العلم، وأما بالنسبة للنساء فهو مكرمة، وهو فضيلة، وهو أنظر وأحسن وأفضل؛ لكن ليس بواجب لا يأثم من تركه. طالب: (السؤال غير واضح) لكن كأنه يسأل عن الموسيقى؟ الموسيقى معروف أنها من المعازف التي جاءت الشريعة بمحقها وتحريمها، وجاء في الحديث الصحيح في البخاري وأختلف في تعليقه ووصله، وعلى كل حال هو صحيح سواء كان معلقاً أو موصولاً، من حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري: ((ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)) والاستحلال لا يكون إلا للمحرم، فدل على أن المعازف محرمة، والموسيقى منها، فتعلمها حرام، ومزاولتها كذلك، واستماعها كذلك كلها محرم. طالب: (السؤال غير واضح) كأنه يسأل عن البيع والشراء عن طريق الانترنت؟ البيع والشراء يكون بالإيجاب والقبول بأن يقول البائع: بعتك هذه السلعة بمبلغ كذا، ويقول الطرف الآخر: اشتريت، سواء كان مشافهة أو بالهاتف أو بالإنترنت، ثم بعد ذلك إذا حدث التفرق لزم البيع. طالب: سائل من فرنسا يقول: أن له ابناً ذكياً ولله الحمد يعلمه أصول الدين؛ لكن الابن يطرح عليه أسئلة تحرج الوالد؛ لأنه قليل العلم، فما هي نصيحتكم لهذا الوالد؟

стр. 689

هذا الوالد إذا كان لا يستطيع الإجابة على أسئلة هذا الولد يحيله إلى من يستطيع الإجابة، أو يحضر له من يستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة المحرجة له، ويتم -إن شاء الله- حل الأسئلة بواسطة من لديه الخبرة والمعرفة في مثل هذه الإشكالات. طالب: هذا سائل يسأل يقول: فضيلة الشيخ في الصحيح من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: ((كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته)) الحديث، هذا الحديث له دلالة عظيمة، وأن المسئولية عظيمة ما توجيهكم حفظكم الله للأسر من خلال هذا الحديث، وهل إذا جاهد الإنسان أهل بيته في التربية يخفف عنه في السؤال؟ هذا هو موضوع الدرس، يعني المسئولية في التربية والتعليم من قبل الوالد، ومن قبل الأم، فالوالد راع في أهل بيته، ومسئول عن رعيته، فإذا بذل السبب في تنشئة الولد والأهل على الدين والخير والفضل وعلى العلم والعمل حينئذ تبرأ ذمته، ولو لم يدرك المطلوب، فعليه أن يبذل السبب فهو مسئول عنهم، فإذا بذل السبب معهم واستفرغ وسعه فإنه تبرأ ذمته. طالب: هل يلزم رب الأسرة في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر خاصة مع أهل بيته أن يكون فاعلاً للمعروف أو تاركاً للمنكر؟ لا شك أن الآمر والناهي عليه أن يفعل ما يأمر به، ويجتنب ما ينهى عنه، وقد جاء الذم في نصوص الكتاب والسنة لمن يأمر بالشيء ولم يفعله، وينهى عن الشيء ويرتكبه ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [(٣) سورة الصف] لكن ليس هذا بشرط للأمر ولا للنهي، ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون معصوماً، بل يقرر أهل العلم أن له أن يأمر بالشيء وإن كان تاركاً له، وينهى عن الشيء وإن كان مرتكباً له، والجهات منفكة، له أجر الأمر والنهي، وعليه إثم المخالفة. طالب: سائلة تقول: أمنع ابني من الالتحاق بحلقة تحفيظ القرآن ليس خشية عليه من صحبة سيئة في الطريق أو مخاطر فيه، بل خشية عليه من التأثر بأفكار تكفيرية أو تفجيرية من بعض طلاب الحلقات أو مشرفيها، فما هو الأسلوب الأمثل لإقناعها؟

стр. 690

هذا من تلبيس الشيطان، وأسلوب من أساليبه الماكرة ليصد الناشئة عن حفظ القرآن، نعم إذا وجد شخص بعينه عرف بهذا الأمر استفاض عنه هذا الأمر أو حفظ من قبل أنه يدعو إلى هذا الأمر، يحذر منه، ويبعد الشاب عنه؛ لكن لا يعمم القول أنه يخشى، هذا لا شك أنه من تهويل الشيطان، ومن وسائله في الصد عن حفظ القرآن. طالب: سائلة تقول: زوجي أدخل الدش في البيت بحجة سماع الأخبار والرياضة، فما تنصحون أن أفعل له ولأولادي؟ على كل حال يجب عليك أن لا تنظري إليه، يحرم عليك النظر فيه، ولا يجوز لك أن تمكني أولادك منه وأنتِ تقدرين على ذلك، إن جعل في مكان مستقل لا في مكان عام يشاهده الأولاد من بنين وبنات فهذا لا شك أنه أقل ضرراً، وعلى المرأة أن تتابع نصحها لزوجها بإخراجه وتصر عليه بذلك؛ لأنه معول هدم، نسأل الله السلامة والعافية، وداعية إلى الفجور والعهر والفساد والشبهات والشهوات، وكم من بيت وقعت فيه الفواحش بين المحارم بسبب هذه الآلات، نسأل الله السلامة والعافية. طالب: يقول: هل يجوز ضرب الأولاد خصوصاً لأداء صلاة الفجر، كما ثبت في الحديث ((واضربوهم عليها لعشر))؟ نعم إذا أتموا عشر سنوات يضربون عليها ضرباً غير مبرح. طالب: يقول: ما الكتب العلمية الضرورية التي يحسن توفرها في البيت، والتي تناسب أفراد الأسرة؟ لا شك أن أفراد الأسرة متفاوتون فيهم العامي، وفيهم المبتدئ، وفيهم المتوسط، وقد يكون فيهم طالب علم مدرك، ولكل فئة من هذه الفئات ما يناسبه من الكتب، وهناك مجموعة من الأشرطة انتشرت باسم كيف يبني طالب العلم مكتبته؟ بدءاً من أول كتاب يقرأ إلى آخر كتاب. طالب: يقول: ما الحكم في تحديد النسل وذلك مقابل في حسن تربية الأولاد وتوجيههم؟

стр. 691

إذا كان هذا هو الهدف في تحديد النسل من أجل التوجيه والتربية، وأنه لا يستطيع أن يربي أكثر من واحد في آن واحد مثل هذا لا شك أنه خطأ لا ينبغي؛ لأن المسلم مطالب بالتكاثر بالمكاثرة ليباهي النبي ﵊ أمته بغيرها من الأمم، وهؤلاء الأولاد إذا كثروا لا شك أنهم يعينون على التربية، وبعضهم يعين على بعض، وما يصرف للواحد يصرف للجمع، فكون الإنسان يربي أكثر من واحد في آن واحد يعين بعضهم بعضاً على التربية، ويوضح بعضهم لبعض، والكبير يكون قدوة لمن هو أصغر منه، وهكذا والتجربة شاهدة بذلك. طالب: يقول: نرجو توجيه كلمة للآباء الذين لا يحرصون على صلاة الجماعة، وخاصة صلاة الصبح مع توجيههم ببذل الأسباب في ذلك؟ نعم يوجد من يتهاون في صلاة الصبح بسبب السهر، يعني انتشر بين المسلمين مع الأسف الشديد في السنوات الأخيرة السهر، ولا شك أنه من الموانع، وإذا اجتمع معه عدم بذل السبب فإن الإنسان لا يستطيع القيام إذا لم يكن هناك وازع قوي، ودافع قوي لأداء هذه الصلاة، فهذه الصلاة على وجه الخصوص، إن كانت في الصيف فالليل قصير والقيام إليها ثقيل جداً، وإن كانت في الشتاء فبعد أن يحس الإنسان بالدفء وتحت الأغطية يصعب عليه القيام إلى ضد هذه الحالة، فعلى الإنسان أن يبذل الأسباب التي تجعله يستيقظ إلى هذه الصلاة فيجعل له منبهات ويعهد إلى من يوقظه إلى الصلاة، ويمنع ويقطع دابر الموانع التي تمنعه من القيام كالسهر والشبع وغيرهما. طالب: سؤال من المغرب أنا الآن مخطوبة لشخص يعمل في محل كبير في الخارج، وهذا المحل يباع فيه الخمر، فهل يجوز لي أن أستمر في هذه العلاقة؟

стр. 692

عليك يا أخت أن تبحثي عن الزوج الصالح، فكما أن الرجل مطالب بأن يبحث عن المرأة الصالحة فعلى المرأة أن تبحث عن الزوج الصالح، ولو كان ذلك بإهداء نفسها إلى من تظن فيه الصلاح، وقد حصل هذا من خيار الأمة فعثمان بن عفان خليفة المسلمين يعرض على عبد الله بن مسعود ابنته هل لك يا أبا عبد الرحمن بفتاة تعيد لك ما مضى من شبابك؟ فقال عبد الله بن مسعود: إنما قال النبي ﵊: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج)) فعليها أن تبحث عن الزوج الصالح، ولا توافق على مثل هذا؛ لأن الزوج الصالح يعينها على الثبات، ومثل هذا يسهل لها الانحراف، نسأل الله السلامة والعافية. طالب: هذا سائل من الجزائر يقول: ارتبطت مع امرأة على عقد شرعي، وعقد مدني ولم أدخل بها، فهل يجوز لي أن أخلو معها؟ نعم إذا تم العقد الشرعي بالإيجاب والقبول بحضور الولي والشهود فهي زوجته يفعل معها ما يفعل الرجل مع زوجته إذا تم ذلك بالإيجاب والقبول بحضور الولي، الإيجاب إنما يكون من الولي وبحضور الشهود فإنها زوجته. طالب: سائلة تقول: بعض الفتيات المتدينات ترفض الزواج إلا من رجل على مستوى التدين ولكن يراها. . . . . . . . . ليست ذات أهمية مثل إعفاء اللحية مثلاً أو عدم الاهتمام بالعلم الشرعي بحجة أنها لا تأمنه على دينها. . . . . . . . . فما توجيهكم في مثل هذه الحالة؟ الزوج ما دام في دائرة الإسلام، ولا يرتكب أمراً يتعدى ضرره عليها، ويحافظ على الصلوات، ولا يتناول المسكرات ولا المخدرات التي ضررها يتعدى فما عدى ذلك تحرص على الكمال، فإن لم يتيسر فلا يضيع عمرها بلا زوج، فالزوج من فاسق فسقه لازم له لا يتعدى إليها لا شك أنه أفضل من البقاء بدون زوج، ومع ذلك تتابع النصح له والتوجيه عله أن يلتزم ويترك هذه المخالفات، أما ما يتعدى ضرره من شرب للمسكرات أو المخدرات، أو يكون أثره في الدين بالغاً كترك الصلاة مثلاً فمثل هذا لا يجوز التنازل معه. طالب: هذه سائلة تقول: أنا أدرس في مدرسة وفي كلية أهلية فهل يجوز الغش في الامتحانات علماً أن الكلية تتبع أسلوباً تجارياً أي حصول نسبة كبيرة من الطالبات الراسبات من أجل تفادي الخسارة المالية؟

стр. 693

الغش هذا الذي يسميه الناس غش في الامتحانات هو في الحقيقة خيانة، خيانة للأمانة نسأل الله السلامة والعافية، سواء كان ممن باشر هذا الأمر بنفسه بأن أخذ الجواب من غيره أو ممن لقنه الجواب كلهم قد خانوا الأمانة، والخيانة هذه لا شك أنها من علامات النفاق، وإذا اؤتمن خان، وقد اؤتمن على هذا العلم سواء يستوي بذلك المدرس الذي يمكن الطالب أو المدرسة تمكن الطالبة، أو الطالبة التي تخون هذه الأمانة فتحصل على الأجوبة من غيرها، ولو كان من غير علم لمن قام عليها، فهذه خيانة لا تجوز بحال. طالب: هذا سائل يسأل يقول: كيف نوفق بين تربية الأولاد والزواج بالثانية، وهل يسقط حق الزواج بالثانية إذا كان يؤثر على تربية الأولاد؟ المسألة مسألة تسديد ومقاربة، فإذا كان لدى الإنسان القدرة على التعدد فالنبي ﷺ قال: ((تزوجوا)) وأمر بالزواج، والله -جل وعلا- يقول: ﴿مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ [(٣) سورة النساء] فالتعدد من سنته ﵊، وقد توفي عن تسع نسوة؛ لكن غيره من أمته لا يجوز له أن يزيد على أربع فإذا كان الزواج من الثانية يتيح له فرصة الراحة والاطمئنان، ولا يؤثر على حياته العلمية والعملية لا شك أنه أفضل، وإن كان له تأثير على حياته العلمية والعملية أو يكون سبباً في الانصراف عن أولاده وتربيتهم وليس الداعي إليه قوياً فتركه أولى. طالب: السائل يقول: ما واجبنا وتوجيهكم تجاه ما يغزونا من تحرير للمرأة وتغريب للطفل؟

стр. 694

هؤلاء الدعاة دعاة الشر والفساد، وقد أخبر النبي ﷺ أن هناك دعاة على أبواب جهنم، لا شك أنهم يريدون إفساد المرأة، تحرير المرأة يعني إفسادها، خروجها عن حدود الدين والعفة، لا شك أنهم خونة يريدون أن يعبثوا بأعراض المسلمين، ومحارم المسلمين ودعاواهم وإن لبست لباس النصح والشفق على المرأة لا شك أنها دعوات مغلفة، وهي في الحقيقة باطلة، ولنا فيمن جاورنا من البلدان الذين سعوا في هذا الباب، وقطعوا فيه شوطاً كبيراً عبرة وأسوة، علينا أن نعتبر ونزدجر لئلا نقع فيما وقعوا فيه، ولنا في نصوصنا من الكتاب والسنة الذي تأمر المرأة بالقرار وبالعفة والستر ما يكفينا عن الدعوات الوافدة. طالب: يقول: إذا أمرت أولادي وأهل بيتي بأمر من الأمور التي هي تطوع كصيام تطوع وقيام الليل وأبوا فألحيت عليهم بالزجر والضرب فهل فعلي صحيح؟ عليك أن تؤكد عليهم لكن لا تضربهم إلا على ترك الصلاة، وما عداها لا يضربون إلا على الواجبات، أما السنن فيوجهون إليها ويحرص عليهم ومع ذلك تبرأ ذمتك، وحاول بهم مرة ثانية وثالثة، وكلما جاء مناسبة مرهم بذلك ورغبهم فيه، واذكر لهم من النصوص ما يحثهم على ذلك، ولو جعلت لهم مسابقات وجوائز تحفزهم على هذا كان هذا وسيلة من وسائل القبول.

стр. 695

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وجوب طلب العلم الشرعي وكيفيته الشيخ/ عبد الكريم الخضير الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فلسنا بحاجة إلى بيان فضل العلم وشرفه، وإنما نذكر ما يتعلق بعنوان المحاضرة، فالمحاضرة عنونت بالوجوب، وجوب طلب العلم الشرعي. حكم العلم الشرعي: وهو علم الكتاب والسنة، وما يعين على فهم الكتاب والسنة، لأن الوسائل لها أحكام الغايات، فالأصل المطلوب من المسلم الاهتمام بالأصلين الكتاب والسنة، قد يقول قائل: لماذا يُعنى أهل العلم بالعربية، بأصول الفقه، بقواعد التحديث، بعلوم القرآن، وهي روافد؟ نقول: هذه دراستها وإن كانت وسائل إلا أنها خير ما يعين على فهم الكتاب والسنة، ولا يستطيع أحد أن يتعامل مع نصوص الوحيين إلا بعد معرفة هذه الوسائل. العلم الشرعي أهل العلم يطلقون في حكمه الوجوب الكفائي، بمعنى أنه فرض كفاية، وعنوان المحاضرة كأنه يفيد الوجوب العيني، والعلم والتعلم تنتابه الأحكام من الوجوب العيني والوجوب الكفائي، والسنية والاستحباب، وقد ينتابه بسبب ما يقترن به بقية الأحكام من الكراهة والتحريم، فيجب وجوباً عينياً على من تأهل له بحيث لا يوجد غيره في البلد، لأن وجود أهل العلم والعلماء الذين ينيرون الطريق، ويوضحون للناس ما يحققون به الهدف الشرعي من وجودهم، وهو العبودية لله -جل وعلا- أمر واجب على الأمة، ويتعين بالنسبة لبعض الأشخاص الذين لا يمكن أن يقوم إلا بهم، فهو من هذه الحيثية بالنسبة لأولئك الأفراد الذين تأهلوا له بحيث لو تركوه لما وجد غيرهم ممن يقوم به، هذا وجوب عيني يأثمون بتركه، وأما بنسبة لحكمه على العموم فهو فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين، يقوم به من يكفي ويسقط الإثم على الباقين، ويصير في حكم الباقين سنة.

стр. 696

نأتي إلى كل فرد بعينة، كل فرد بعينه ما أوجب الله عليه من أعمال وأحكام يجب عليه أن يتعلم ما يقوم به هذا العمل وهذا الحكم؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالصلاة واجبة، فتعلم أحكام الصلاة واجب، لأن هذا الواجب لا يقوم إلا بتعلم هذه الأحكام، الصيام واجب، معرفة ما يخل بهذا الفرض واجب، لأنه قد يتطرق الخلل إليه وهو لا يشعر فهو واجب يأثم بتركه، وهناك مسائل بين أهل العلم وجوبها، وأنها لا بد أن تكون معلومة لدى الخاص والعام، وهي ما علم من الدين بالضرورة. وجوب العلم الشرعي والمراد به: وجوب العلم الشرعي، وجوب العلم، أولاً: العلم المراد به في النصوص هو العلم الشرعي، هو العلم الشرعي المبني على الكتاب والسنة، هذا هو الذي جاءت النصوص بمدحه والحث عليه، وهو المورث للخشية لله -جل وعلا-، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [(٢٨) سورة فاطر] قد يقول قائل، الناس يقولون الأقسام العلمية، والقسم العلمي والنظري، هذا التقسيم الاصطلاحي الحادث، يجعل علوم الدنيا من طب وهندسة وغيرها من هذه العلوم يسمونها علمي، وما عدا ذلك يسمونه نظري، علمي ونظري، أو علمي وأدبي، فيجعلون العلوم الشرعية التي جاءت النصوص بمدحها علوم نظرية، أو علوم أدبية، ويخرجونها من مسمى العلم العرفي، العلم العرفي، لكن النصوص التي جاءت في مدح العلم والعلماء المراد به العلم الشرعي المورث للخشية، قد يقول قائل: أن الخشية قد توجد عند طبيب وعند مهندس وعند مزارع وعند راعي غنم، أكثر مما يوجد عند بعض أهل العلم أما ما يجده الإنسان من نفسه من غير أهل العلم الشرعي، مما يورث الخشية سببه التفكر والنظر، وللأطباء من هذا النصيب الأوفر، التفكر والنظر الذي يورثه ما يورثه من خشية الله -جل وعلا-، ومعرفة آلائه هذا سببه التفكر.

стр. 697

كذلك الأعرابي في البادية إذا نظر في السموات والأرض نظرة تفكر واعتبار استفاد فائدة كبيرة، بينما قد يكون طالب العلم الشرعي، يطلب العلم عشر سنين عشرين سنة ما استفاد قلبه من هذا العلم، هذا سببه الخلل في كيفية التحصيل، نجد أو نشاهد من طلاب العلم، بل بعض ممن ينتسب إلى العلم من هو مخالف مخالفة ظاهرة لهذا العلم الذي يحمله بين جنبيه، هذا خلل، هذا يحرمه لذة العلم والعمل، فمثل هذا الذي يحمله مثل هذا الشخص الذي لا يستفيد منه هو في الحقيقة ليس بعلم، العلم الذي لا يورث صاحبه الخشية ليس بعلم لأن الأسلوب أسلوب حصر، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ يعني لا غيرهم، فالذي لا يفيده علمه خشية لله -جل وعلا-، وقرباً منه هذا ليس بعلم، ولذا يقول الله -جل وعلا-: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ﴾ [(١٨) سورة آل عمران] فعطف شهادة أولي العلم على شهادة الملائكة، المعطوفة على شهادة الله -جل وعلا-، فهذه أعظم شهادة، الشهادة على كلمة التوحيد، أعظم شهادة، أعظم مشهود به، لأعظم مشهود له، ولا يتحرى ولا ينتقى للشهادة بهذا الأمر العظيم إلا العظماء من الناس، يعني فرق بين أن تشتري سلعة رخيصة زهيدة تطلب لها أدنى شاهد، وأحياناً لا تشهد عليها لأنها لا تستحق، لكن إذا اشتريت سلعة نفيسة غالية الثمن تطلب لها من الشهود ما يثبت به العقد، بحيث لا يتردد أحد في ملكك لهذه السلعة، يعني هل من المعقول أن تشتري بيتاً بمليون ريال وأكثر، ثم تأتي بآحاد الناس من الشارع لا تعرف عدالته ولا تعرف ثقته يشهد لك بهذه الصفقة؟ لا يمكن، لا بد أن تبحث عن شخص تجزم بأن الخلل لا يتطرق إلى العقد مع وجوده، فهذه أعظم شهادة أعظم مشهود به، لأعظم مشهود له، أشهد الله -جل وعلا- عليه أهل العلم، فدل على أن أهل العلم هو الثقات الذين يتحملون مثل هذه الشهادة، وبمفهوم المخالفة الذين يحملون العلم وهم ليسوا من الثقات لا يستحقون أن يوسموا بهذه السمات الشريفة، ليسوا من أهل العلم، ولهذا جاء في الحديث: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)) فالذي يحملون العلم الشرعي هم العدول، طيب قد يقول قائل: إن

стр. 698

آثار الفسق ظاهرة على بعض من ينتسب إلى العلم؟ نقول: ما يحملونه هذا ليس بعلم، هذا ليس بعلم، وإن اشتمل على مسائل شرعية بأدلتها، هذا في الحقيقة ليس بعلم؛ لأن العلم ما نفع، ويدل على ذلك قول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [(١٧) سورة النساء] بجهالة، هل يقول قائل: أن الفاسق الذي يعرف حكم الزنا ويزني، ويعرف حكم شرب الخمر ويشرب، ولو عرف الحكم بدليله بأقوال العلماء، وما حده وما يترتب عليه والآثار المترتبة عليه، لو عرف هذا كله هل نستطيع أن نقول عالم؟ يعرف جميع الأحكام المترتبة على هذه المسألة ويعرف حكم هذه المسألة بأقوال أهل العلم بأدلتها، ويستطيع أن يوازن بين هذه الأقوال من خلال هذه الأدلة، ويرجح، هل نستطيع أن نقول: مثل هذا عالم؟ الله -جل وعلا- وصفه بأنه جاهل، فكل من عصى الله -جل وعلا- فهو جاهل، ولو حمل من العلم ما حمل، لأننا لو قلنا عالم لترتب على ذلك أنه لا تقبل توبته، والله -جل وعلا- يقول: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [(١٧) سورة النساء] طيب الذي يعرف الحكم عالم أو جاهل؟ في عرف الناس عالم، لكنه في الحقيقة ومن خلال مفهوم هذه الآية هو جاهل، فمهما حمل من العلم هو جاهل، لأننا لو قلنا: أنه عالم، لقلنا توبته غير مقبولة، للنص في الآية على أن التوبة لا تقبل من الجاهل، فدل على أن من يزاول المعصية جاهل، ولو كان من أعلم الناس بحكمها. فضل العلم:

стр. 699

العلم لا يحمله إلا العدول الثقات، ومن أعظم ما يستدل على فضله وشرفه، الآية التي سقناها آية آل عمران، ومن ذلكم قول الله -جل وعلا-: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [(١١) سورة المجادلة] درجات، وهل نتصور أن الدرجات مثل درجاتنا في الدنيا التي يتخطاها الإنسان بسهولة؟ يعني عشرين سانتي الدرجة ثلاثين سانتي، لا، درجات، بين كل درجة والأخرى مثل ما بين السماء والأرض، الأمر ليس بالسهل وليس بالهين، يقول: هذا سهل درجتين ثلاث نفرط بها، لكن أين الدرجة الأولى من الثانية من الثالثة إلى مائة درجة؟ هذا شيء عظيم من تأمله بعين البصيرة أفنى عمره في تحصيل العلم، وليس بكثير أن يفني عمره بتحصيل العلم. يقول الرسول ﵊: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) يفقهه في الدين، أولاً إذا عرفنا الدين عرفنا المراد بالفقه، الدين بجميع أبوابه مما يدخل في مسمى الإسلام من الأحكام العملية والعقائد الداخلة في مسمى الإيمان، وما فوق ذلك من الصفات التي يمنحها الله -جل وعلا- لبعض عباده من مراقبته والتعبد على جهة الإحسان الذي لا يحصل لكل أحد، هذا هو الدين، ولذا لما سأل جبريل النبي ﵊ عن الإسلام والإيمان والإحسان، قال ﵊ في نهاية الحديث: ((هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)) فدل على أن الدين يشمل الثلاثة، الإسلام والإيمان والإحسان، فمن يتفقه في هذه الثلاثة التي تشمل جميع أبواب الدين، هو الذي أراد الله به خيراً، لأن بعض الناس يعنى بالفقه العملي من الأحكام والحلال في الأبواب الأربعة المعروفة عند أهل العلم الأرباع الأربعة العبادات والمعاملات والمناكحات والأحوال الشخصية والجنايات والحدود، يخصون الفقه بهذا، هذا اصطلاح عرفي خاص، لكن لا يعني أن المراد بالحديث هو هذا.

стр. 700

علم العقائد الفقه الأكبر، وتعلمه أهم من تعلم الأحكام مع أن الكل مهم، أبواب الدين الأخرى من التفسير والمغازي وسيرة النبي ﵊ التي هي الترجمة العملية للإسلام والرقاق والفتن والاعتصام وغيرها من أبواب الدين؛ هذه في غاية الأهمية لطالب العلم، لكن نجد طلاب العلم عموماً في عزوف عنها، لأنهم على حد عزمهم، أنه لا يوجد داعي لدراستها داعي آني في الوقت الحاضر، الصلاة تحتاجها في كل يوم خمس مرات، وتحتاج من الصلوات الأخرى من النوافل أكثر من ذلك، فأنت تتعلم أحكامها هذا شيء طيب، هذا شيء طيب، لكن ماذا عن أبواب الفتن التي قد تعرض على قلبك فيقبلها وأنت لا تشعر؟ هذه في غاية الأهمية، ماذا عن كتاب الرقاق، كثير من طلاب العلم يأنف عن قراءته، ولا يود أن يصنف واعظ، هذا خطأ، خطأ عظيم، يا أخي ما الذي يحدوك إلى العمل بالأحكام، إلا كتاب المواعظ والرقائق، كيف تعمل بالأحكام التي تعلمتها إلا من خلال هذا الباب؟ وقل مثل هذا في جميع أبواب الدين ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) يعني بجميع أبوابه، فلا يكون شيء على حساب شيء، نحن نشاهد طلاب العلم في الجملة لا يعنون بكثير من أبواب الدين، ويهتمون بالأحكام العملية فقط.

стр. 701

طيب ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) الذي لم يتفقه في الدين هل أراد الله به شراً؟ الذي لا يتفقه في الدين هل هو ممن أراد الله به شراً، أو نكتفي بأن الله -جل وعلا- لم يرد به خيراً، لأن من عوام المسلمين ممن لم يتفقه في الدين، وضرب في نصر الإسلام والبذل للإسلام الشيء الذي يعد أضعاف ما بذله بعض من ينتسب إلى العلم، هل نقول: أن هذا أراد الله به شراً؟ يعني مثل بعض الأثرياء الأتقياء الذين يبذلون لنصر الدين، وينفقون على العلم الشرعي، ويسهلون أمره للناس، هل نقول: أن هؤلاء أراد الله بهم شراً؟ نكتفي بأن نقول: بأن الله -جل وعلا- ما أراد الله بهم خيراً من هذه الحيثية، وأراد بهم خيراً من جهة أخرى، لكن الخير المطلق إنما هو لمن جاء الوعد له في الحديث ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) ولا نقول: إن الله -جل وعلا- أراد به شراً، نعم لو كان أضاف إلى عدم تفقهه في الدين مزاولة محرمات ومنكرات وترك واجبات، نقول: هذا أراد الله به شراً، أما إذا كان من النوع العابد المخلص لله -جل وعلا-، ولو لم يتفقه في الدين وضرب في أبواب أخرى من النفع العام، كأن يجاهد في سبيل الله، ببدنه أو بماله أو ينصر الإسلام بماله أو بمقاله أو بجاهه هذا أراد الله به خيراً من هذه الحيثية، لكن الخير المطلق إنما هو بالتفقه في الدين، قد يقول قائل: من أراد الله به خيراً يفقهه في الدين، لكن أنا طلبت العلم عشرين ثلاثين، وعرفت من طلب العلم سبعين سنة وما أدرك شيئاً، الرسول ﵊ يقول: ((إنما أنا قاسم، والله المعطي)) فعلى هذا على الإنسان أن يبذل السبب، ولا يقول: أنا طلبت العلم سنين ما استفدت، عليك أن تستفيد وتستمر إلى أن يأتيك اليقين، لأن العلم من أعظم أبواب العبادة، بل يفضله أهل العلم على جميع ما يتعبد به بعد الفرائض أفضل نوافل العبادات تعلم العلم الشرعي، فعليك أن تستمر، ولو كان حفظك ضعيف، ولو كان فهمك أقل، مثل هذا لا يثنيك عن تعلم العلم الشرعي، ومع الوقت والإخلاص والحرص تدرك -إن شاء الله تعالى-، ولو لم تدرك في ذلك إلا الاندراج في قوله ﵊: ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به

стр. 702

طريقاً إلى الجنة)) فأنت ألا تريد أن يسهل الله لك طريقاً إلى الجنة؟ ولو لم تدرك العلم، لأن الوعد في هذا الحديث ما رتب على العلم إنما على سلوك الطريق فقط، فأنت مجرد ما تسلك الطريق، ييسر لك الطريق إلى الجنة، ولو لم تدرك من العلم ما يكفيك أو لم تدرك شيئاً، لأن هذا الوعد ثابت لمجرد من سلك الطريق. فالعلم الشرعي في غاية الأهمية لكل مكلف، لكل مسلم ينتسب لهذا الدين، والعلماء الناس إليهم بأمس الحاجة بل الضرورة قائمة وداعية إلى وجود علماء، يمثلون لوجود العلماء بين أوساط الناس وعامتهم بمن؟ بقوم سلكوا وادياً في ظلام دامس وفيه أشجار وأحجار وسباع وهوام، وليس معهم من ينير لهم الطريق، في ظلام دامس، هؤلاء حيرى، فإذا جاءهم من بيده مصباح وتقدم عليهم واستناروا بنور مصباحه ما فضله عليهم؟ له فضل عليهم أو ما له فضل عليهم؟ السائر في الظلام ما يدري ماذا يواجهه؟ هل تنهشه حية؟ هل يتعرض لسبع يأكله؟ ما يدري، هل يمشي يمنياً أو شمالاً أو من الأمام، أو يرجع من طريقه؟ لا يعرف شيئاً، وهذا مثل عامة الناس، يتعبدون على جهل، فإذا جاءهم من يبين لهم وينير لهم الطريق الصراط المستقيم والتنظير مطابق، وإن كان المثال أقل من الممثل له؛ لأن هذا الذي مشى في الوادي المظلم إذا قل على أسوأ الاحتمالات تعرض لسبع أو نهشته حية فمات ماذا خسر؟ خسر الدنيا، لكن الذي يتعبد لله -جل وعلا- على جهل هذا يخسر الآخرة، ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) فإذا كان يتعبد على جهالة على غير مراد الله -جل وعلا- ومراد رسوله ﵊ فإن مثل هذا يخسر الآخرة، ومجرد حسن القصد لا يكفي، بل لا بد أن تكون العبادة على بصيرة، والدعوة لا بد أن تكون على بصيرة، ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [(١٠٨) سورة يوسف] فلا بد من أن تكون العبادة على بصيرة على نور من الله على مراد الله، وأن تكون الدعوة كذلك. أهمية العلم الشرعي لمن يشتغل في مجال الطب:

стр. 703

نأتي لمن يعمل في مجالكم، في المستشفيات، ويعالجون المرضى، من أطباء ومساعديهم وغيرهم، هؤلاء العلم الشرعي في غاية الأهمية لهم، لأن مجتمعهم لا يسلم من شيء من التعرض للفتنة، فإذا كان الإنسان عنده من العلم الشرعي ما يورثه الخشية لله -جل وعلا-، ينجو من هذه الفتنة ويوفق ويسدد، هذه من جهة، الأمر الثاني أنه قد يطرأ له أحكام تتعلق بالمريض، وتتعلق بكيفية معاملته للمريض لا يعرفها إلا إذا كان عنده قسط كافي من العلم الشرعي، فالأطباء ومعاونوهم في أمس الحاجة إلى العلم الشرعي، وكذلكم هم أيضاً بأمس الحاجة إلى دعوة من يعالجونه ومن يحتاج إليهم؛ لأن المريض كالغريق، يريد بس من يأخذ بيده، أنت إذا كان الإنسان لديك له حاجة تستطيع أن تملي عليه ما شئت، طبيب يعالج مريض، افترضنا أنه حالق لحيته، فجاء الطبيب الذي يرى هذا المريض أنه بالنسبة له كل شيء، يريد أن ينقذه من هذا الغرق الذي هو فيه، من هذا المرض، لو قال له: يا أخي ماذا تستفيد من حلق اللحية، والنصوص التي جاءت في تحريمها معروفة؟ لو قال: أنت مسبل، ماذا تستفيد من كون ثوبك يكنس الأرض وينظفها؟ أنت في غنية لست بحاجة إلى مثل هذا، فهو يقبل من الطبيب، يقبل من صاحب المواعيد، ويقبل من كل أحد في هذا المجال. فعلينا أن نستغل هذا الظرف، وهذه الفرصة التي سنحت ويسرها الله -جل وعلا- لنا، لو يجي عالم مثلاً ينصح له مريض مثلاً، ويعرف أنه ما يعرف من الطب شيئاً، قال: وش دخلك؟ هذا شأني، لكن لو جاء شخص هو محتاج إليه لا شك أنه يقبل منه، فلا نفوت مثل هذه الفرص، لا التعلم لأننا بحاجة ماسة إليه، ولا الدعوة ولا الصبر، لا بد أن نعرف كيف نتعامل مع المريض؟ المريض مسكين، أصيب بهذا الداء، لا بد أن نربطه بالله -جل وعلا-، وأن نوسع الآمال بسعة رحمة الله -جل وعلا-، وأن مفاتيح الأمور كلها بيده، ولا نعلقه بمخلوق، ولا نعلق هذا المريض بمخلوق، لأنه احتمال ألا يخرج من المستشفى يموت، فيموت على هيئة حسنة، وتعلق بالله -جل وعلا-، وحسن ظن به، ويكون في ميزان حسنات من وجهه إلى هذا.

стр. 704

فالعلم والدعوة لا بد منهما لمن يعمل في هذا المجال، ولغيرهم، لكن نحن بصدد الكلام مع الأخوة العاملين في هذا المجال، هناك أحكام كثيرة تتعلق بالمرض والمرضى، وكيفية التعامل معهم وتوجيههم إلى أن يعبدوا الله -جل وعلا- حسب استطاعتهم هذه لا يدركها إلا من اعتنى بالعلم الشرعي، والأمر ميسور، يعني لا يتطلب منا أن نترك العمل نأخذ إجازة استثنائية لمدة ستة أشهر مثلاً، وأن نطلب العلم على المشايخ ونلازم الحلق، ثم بعد ذلك نرجع إلى عملنا لئلا نفصل مثلاً ثم بعد ذلك نأخذ إجازة استثنائية لا لا، ما يلزم هذا كله، الأمر في عصرنا متيسر جداً، والعلم سهل مذلل، لكن يحتاج إلى مبادرة منا، العلم لا يأتي إلى أحد، بالإمكان أن يكون الإنسان مع عمله الرسمي يحضر ما تيسر له من الدروس التي لا يكلفه الذهاب إليها قريب من بيته، والدروس -ولله الحمد- منتشرة وبكثرة كاثرة، في كل حي دروس، هذا لا يكلفه شيء، قد تكون الدروس بعد صلاة الصبح، قبل دوامك، ما الذي يمنعك من الحضور؟ قد تكون الدروس بعد المغرب، بعد انتهاء الدوام، قد يقول القائل منكم: إن الدوام الطبي يختلف عن الدوام الوظيفي العادي، الوظيفي العادي معروف من سبع ونصف إلى ثنتين ونصف وينتهي، لكن الطب لا بد أن يكون موجود على الأربعة والعشرين ساعة نقول كذلك، لكن ليس مطلوب من كل شخص أن يعمل أربعة وعشرين ساعة، نعم والمهنة شاقة ومتعبة، لكن مع ذلك إذا عرفنا شرف المطلوب ضحينا بكل شيء، يعني نقتطع له جزء من الوقت ولو ساعة في اليوم، لتعلم العلم الشرعي، وبعد صلاة الصبح، وقبل الدوام هذا يدركه كل أحد، يعني بعد صلاة الصبح لمدة ساعة حتى تنتشر الشمس أو ساعة وربع هذا لو استغله الإنسان بقراءة حزبه وورده من كتاب الله -جل وعلا- على الوجه المأمور به بالتدبر والترتيل ومراجعة كلام أهل العلم فيما يشكل علينا فهمه من كتاب الله -جل وعلا- هذا ليس بكثير، بل أنا أجزم بأن هذا خير ما يعين على أداء العمل، ويكون في آخر النهار مدة ساعة أخرى للنظر في سيرة النبي ﵊ والفقه العقائد وغيرها.

стр. 705

الأمر الثاني: أن الآلات والأجهزة يسرت الآن بإمكانك أن تحضر الدروس وأنت في بيتك، وأنت جالس في بيتك من خلال الأشرطة والإنترنت وغيره. تأتي إلى المتن الذي يشرحه هذا العالم، وليكن مثلاً كتاب التوحيد، فتحضر المتن وتسمع الشرح من الشريط، أو من خلال الشبكة، وتنظر في المتن تقرأ المتن أكثر من مرة قبل أن تسمع الدرس وتفهم المتن معناه كلمة كلمة من خلال ما تسمع من شرح، والأمر ميسور -ولله الحمد- وهذا في جميع العلوم، وكثير من الناس أدرك من العلم أكثر مما يدركه من يزاحم العلماء وهم في بيوتهم، بل تأتينا الأسئلة التي تدل على الفهم الدقيق من كندا واستراليا في آن واحد، من خلال الشبكة، ونحن في الدرس، فالأمر متيسر، وليس لأحد عذر، فعلينا أن نعنى بهذا الجانب وهذا لا يكلفنا شيء، وإذا عرفنا لا بد أن نعرف أولاً شرف المطلوب، يعني لو قيل لك مثلاً: اذهب كل عصر إلى الحراج، ترزق، أنت راتبك قد لا يكفيك ويكفي أولادك، تروح إلى الحراج، تقول: يا أخي أيش أتردد إلى الحراج عشرين ثلاثين كيلو وأنا رايح جاي، أيش باحصل في الحراج؟ أثاث متكسر أو شيء ما يسوى التعب، لكن إذا عرفت شرف المقصود، وهو العلم الشرعي، الذي أشهد الله -جل وعلا- أربابه وأصحابه على الشهادة له بكلمة التوحيد، عرفت أن جميع ما تبذله من أجل تحصيل هذا العلم فهو رخيص، يعني ما يستحق الذكر بالنسبة لما تحصله.
следующие страницы →