Полный текст (1 191 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ﵊، ومع هذا قام هذا القيام، وجاهد في الله حق جهاده، وأدى الأمانة، وبلغ الرسالة، وحصل له من الشدائد ما حصل، ومع ذلك حينما قيل له: تفعل هذا وأنت غفر لك، ترجو المغفرة؟! ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) الله -جل وعلا- ينعم عليك بجلائل النعم، ودقائق النعم، النعم التي لا تعد ولا تحصى، ومع ذلك تبخل على نفسك بالذكر الذي لا يكلفك شيئاً، ولو أعملت لسانك ليل نهار بذكر الله، ولهجت بشكره، ما استطعت أن تفي شكر نعمة من نعم الله -جل وعلا-، فكيف بجميع نعمه؟ ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ [(١٨) سورة النحل] فمثل هذا يحتاج إلى شكر، والشكر يحتاج إلى بذل من النفس.
الصحابة -رضوان الله عليهم- ضربوا أروع الأمثلة في علو الهمة والعطاء والبذل لهذا الدين، ثم سار على طريقتهم والكل يهتدون ويقتدون بالأسوة والقدوة ﵊، جاء بعدهم التابعون والأئمة وحصل منهم ما حصل, تقرؤون في سيرهم الأعاجيب، تقرؤون الأعاجيب في بذلهم وتضحياتهم في سبيل دينهم، في نشر العلم، وفي التعليم والعمل.
والإنسان يقرأ في هذه الكتب في سير الأئمة يظنه ضرب من الخيال، إنما يساق للتشجيع فقط، وإلا ما له حقيقة، أدركنا من شيوخنا من لا يرتاح في يومه ولا ليله ولا أربع ساعات، ولا ثلاث ساعات، والبقية كلها بذل وعلم وتعليم، وكل باب من أبواب الخير له فيه سهم، وما زالت الأمة فيها خير، والخير في أمة محمد إلى قيام الساعة ﵊ موجود، يقول الإمام الشافعي:
إذا هجع النوام أسبلت عبرة ... وأنشدت بيتاً وهو من ألطف الشعرِ
أليس من الخسران أن ليالياً ... تمر بلا علم وتحسب من عمري
стр. 772
أليس من الخسران أن ليالياً تمر بلا علم وتحسب من عمري، يعني هؤلاء الأئمة الذين حفظوا ما حفظوا وبقي ذكرهم إلى يومنا هذا, هذا عبث؟ يعني جاء مجرد صدفة واتفاق؟ يعني مجرد اختاروا الإمام الشافعي قدوة يقتدون به ويعملون بعلمه؟ هذا عبث أو لأنه قدم ما يستحق به أن يذكر إلى قيام الساعة، ويُدعو له ويترحم عليه؟ وقل مثل هذا في الإمام أحمد، يعني جاء من فراغ، حفظ سبعمائة ألف حديث؟ ما جاء من فراغ، كونه يذكر ويلهج بالثناء عليه، والاقتداء بعلمه، والأخذ بهديه المأخوذ من هدي النبي ﷺ ؟ هذا ليس من العبث، لصدق مع الله -جل وعلا-، وبذل وإعطاء من النفس، يعني بعض الناس أعماله تكتب له إلى قيام الساعة، لماذا؟ لأنه سن سنن، وألف كتب، وبقي نفعها إلى قيام الساعة، وترك الطلاب والطلاب لهم أجرهم وأجر تلاميذهم، وهم وطلابهم أجرهم لشيخهم، وفضل الله لا يحد، قد يقول قائل: كيف هذه الأجور تحصل لمثل هؤلاء الأئمة؟ فضل الله واسع، وجاء في الحديث -وفيه كلام لأهل العلم-: ((إن الله ليضاعف لبعض عبادة الحسنة إلى ألفي ألف حسنة)) فإذا كان هذا الإمام قدوة ألف الكتب وبقيت إلى قيام الساعة، وفي كل مجلس، وفي كل درس، وفي كل بلد من تأليف الكتاب إلى ما الله به عليم يقال: قال رحمه الله تعالى, إضافة إلى أن مجرد صلاح الإنسان بنفسه يضمن له الخير الكثير، مجرد صلاح الإنسان بنفسه يضمن له دعوات المسلمين كلهم، كل مصلي يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ممن تقدم، وممن سيأتي من السابق والآحق.
стр. 773
فعلى الإنسان أن يسعى في تحقيق هذا الوصف، وهو الصلاح ليدخل في دعوة المسلمين، ثم بعد ذلك يسعى أن يستمر عمله إلى ما لا نهاية، إلى قيام الساعة، يقول: أبو الوفاء ابن عقيل وهو من أئمة الحنابلة، يقول: "إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري" أنت ما تملك نفسك، نفسك ما هي ملك لك، يعني هل يجوز لك أن تقلع أصبعك وتتبرع به لأحد يجوز؟ لا تملك من نفسك شيء، ويقول: "إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرحٌ –مستلقي- فلا انهض إلا وقد خطر لي ما اسطره" هذه الهمة انتجت إيش؟ الفنون، كم مجلد الفنون؟ ثمانمائة مجلد، يعني ما هو من فراغ.
شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- أبو العباس ابن تيمية مضرب مثل في هذا الباب، يعني عمر شيخ الإسلام كم؟ إذا قلت: أربعين وثمان وعشرين ثمان وستين سنة، إذا قست عمر شيخ الإسلام بمؤلفاته فقط، دعونا من عبادة الشيخ، وجهاد الشيخ، وسجن الشيخ، وتضحية الشيخ، في المؤلفات تجد الشيء الكثير الذي لا يتصوره من يقيس بالأرقام، يكتب الكتاب في جلسة، فتوى في مائتين وثلاثين صفحة، يقول: "كتبتها وصاحبها مستوفز يريدها" مائتين وثلاثين صفحة الحموية بين الظهر والعصر، الناس يدرسونها سنين، ما الذي أوصل شيخ الإسلام إلى هذه المنزلة؟ همة, همة عالية، بذل في وقت الطلب، مع صدق وإخلاص لله -جل وعلا- جعله يكتب مثل هذه الكتب التي يحتار فيها كثير من العلماء، كتب لشيخ الإسلام، أنا أتصور أن شيخ الإسلام ما جلس شهر على (نقض التأسيس) وفي تحقيق الكتاب أربعين سنة ليحقق الكتاب، كيف يحقق؟ يقابل على النسخ، ويعلق عليها، الأصل موجود، يعني المبني عظم، يعني يحتاج إلى تلييس، ويحتاج إلى تركيب بس، تحقيق ويحتاج إلى أربعين سنة، كيف أربعين سنة؟ حققه ثمانية، وكل واحد خمس سنوات.
وكذلك التأسيس أصبح نقضه ... أعجوبة للعالم الرباني
هذا جاء من فراغ؟ كتاب (درء تعارض العقل والنقل) هذا الكتاب عندنا أُناس أئمة في باب الاعتقاد يطون مئات الصفحات من غير نظر ما تفهم.
واقرأ كتاب العقل والنقل الذي ... ما في الوجود له نظير ثاني
стр. 774
قرأنا كتب شيخ الإسلام، وذُهلنا من السرعة في الكتابة، وسيلان الذهن، وترابط الكلام، والاستطرادات، ويمين ويسار، المقصود أن هذا أمر مذهل سببه إيش؟ الإخلاص والهمة العالية، تقرأ مثلاً في (منهاج السنة) وصية لطالب العلم في المجلد الأول ثلاثمائة صفحة، لا يقرأ، يخرج منها بخفي حنين، وفي السادس قريب منها، الكلام كلام فوق مستوى كثير ممن ينتسب للعلم، وسببه ما ذكرنا، وشيخ الإسلام تفرغ للعلم، ونذر نفسه للعلم؛ لكن العمل، أمرنا بالاستعانة بإيش؟ بالصبر والصلاة، شيخ الإسلام معروف بعبادته، يقول تلميذه ابن القيم ﵀ تعالي-: "حضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار" هذا يستعين به على الفهم، يستعين به على الحفظ، يعني لا تستطيع أن تأتي بسالب فقط أو موجب فقط تريد إنارة، لا بد من الاثنين، لا بد من علم وعمل؛ لكي تدرك العلم، وتستعين عليه بالعمل، يقول: "حضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليّ، وقال: هذه غدوتي ولو لم أتغدَ سقطت قواي" وقال مرة: "لا أترك الذكر إلا بنية إجمام النفس وإراحتها" ليستعد بتلك الراحة لذكر آخر؛ لأنه يحتاج إلى أن ينام -رحمه الله تعالى- وإذا ذكرنا مثل هؤلاء لا ننسى:
لا تعرضنا لذكرنا مع ذكرهم ... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعدِ
وليس معنى هذا يعني أن لا يوجد، وجد أمثلة في عصرنا مع طغيان المادة والانشغال بأمور الدنيا من ضرب بالأمثلة أروعها مثلاً من العصر القريب شيخ شيوخنا الشيخ عمر بن سليم ﵀ عرف بالعلم والعمل يجلس من صلاة الفجر إلى أذان الظهر، قبل هذا خلنا نشوف الطيبي مثلاً شرف الدين الطيبي إمام من أئمة المسلمين، ذكر الشوكاني في ترجمته من البدر الطالع أنه كان يجلس بعد صلاة الفجر إلى أذان الظهر جلسة واحدة هذا إيش يسوي؟ يفسر القرآن وبعد أن يسلم من صلاة الظهر إلى أذان العصر يقرئ صحيح البخاري والعصر كذلك والمغرب كذلك قام على هذا مدة طويلة، ثم بعد ذلك يجلس ينتظر الصلاة يذكر الله -جل وعلا- يتأهب للصلاة وتقبض روحه وهو ينتظر الصلاة.
стр. 775
الشيخ عمر بن سليم المتوفي سنة اثنين وستين وثلاثمائة وألف، شيخ شيوخنا قريب ما هو بعيد، الوقت كله من صلاة الفجر إلى بعد صلاة العشاء كله للعلم، يتخلل العلم يأتي في الشهر مرة مثلاً خصوم؛ لأنه قاضي فيقضي بينهم بكلمة أو كلمتين وينصرفون وهم راضون، فاجتمع عنده من الطلبة الجم الغفير، ونفع الله به، وكثير من قضاة المملكة في شمالها وجنوبها وشرقها من طلاب الشيخ، أو من طلاب طلابه، هذا بذل.
الشيخ محمد بن ابرهيم -رحمه الله تعالى- بدأ التدريس من وفاة عمه الشيخ عبدالله بن عبد اللطيف سنة تسع وثلاثين وتسعمائة وألف إلى سنة تسع وثمانين إلى وفاته نصف قرن والوقت كله معمور للعلم والتعليم والعبادة ونفع الناس.
الشيخ عبد الله القرعاوي -رحمة الله عليه- مثال للداعية المصلح، ذهب إلى جنوب المملكة، وفي ذلك الوقت فيها ما فيها من الجهل، وأسس فيها مئات المدارس، ومازال طلابه وطلاب طلابه إلى الآن وهم منارات في تلك البلاد، نفع الله به نفع عظيم, من قرأ سيرة هذا الرجل عرف أنه بالإمكان مع النية الصالحة والبذل، وترك الترفع والتنعم؛ لأن الدنيا والآخرة ضرتان، مثل كفتا الميزان إذا رجحت هذه ارتفعت تلك، عرف أنه بالإمكان أن يبذل الإنسان لا سيما مع صدق النية وصدق التوجه إلى الله -جل وعلا- ما لا يخطر على باله, وأما الشيخ ابن باز فكلكم أدركتموه، علمه ودعوته ونفعه للخاص والعام، بلغ مشارق الأرض ومغاربها ونعرف من حال الرجل أنه لا يرتاح في اليوم والليلة ولا أربع ساعات، والوقت كله للعلم والعمل، ونفع الناس والشفاعات، وقضاء حوائج الناس، والمصالح العامة التي أنيطت به.
الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- سمعتم وقرأتم الشيء الكثير عن شيوخنا الشيخ ابن عثيمين كذلك، يعني هل تتصورون أن الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- أو الشيخ ابن باز وغيره مما ذكرنا من هؤلاء أنهم أكمل أهل عصرهم في التركيب؟ نعم، قد يوجد في عصرهم من هو أقوى في البدن، وأذكى نعم، وأكثر فهماً لكن ما الذي جعل هذا يتقدم وهذا يتخلف، العلم والتعليم والبذل والإخلاص.
стр. 776
يقول الليث بن سعد: "تذاكر الزهري ليلة بعد العشاء حديثاً، وهو جالس متوضئ فما زال ذلك مجلسه حتى أصبح" وهذا كثير، الشيخ عمر بن سليم ﵀ قالوا: في ليلة زواج من زواجاته أشكل عليه معني آية فنزل إلى المكتبة إلى أذان الصبح من تفسير إلى تفسير والوقت يمشي.
قال فضيل بن غزوان: "كنا نجلس أنا ومغيرة نتذاكر الفقه، فربما لم نقم حتى نسمع النداء لصلاة الفجر"، على كل حال الأمثلة كثيرة ومدونة، ولو راجع طالب العلم ينبغي مع علوم الكتاب والسنة أن يقرأ أو يديم النظر في سيرة النبي ﵊ وحياة صحابته -رضوان الله عليهم- وسير الأئمة يعني سير أعلام النبلاء من ألذ الكتب يقرأه طالب العلم، ويفيد منه في دروس علمية وعملية في كثير من كتب التراجم، قد لا توجد في غيرها، الطبقات، طبقات المفسرين، طبقات المحدثين، طبقات الحنابلة، طبقات الشافعية، وغيرها يعني لو تقرأ في ترجمة الزريراني من الحنابلة مثلاً يقول لك قرأ المغني ثلاث وعشرين مرة، وفي كل مرة يضع عليه حاشية غير الأولى هذا يحصل, طالب العلم إذا قيل له: اقرأ البخاري قال: ويين البخاري؟ أربع مجلدات، متى ينتهي؟ لا يا إخوة, لا بد أن تقرأ البخاري وغير البخاري، وتوطن نفسك على أنك سوف تكون عالماً، يخرج الله بك الأمة من ظلمات الجهل، لعلنا نكتفي بهذا، وإن كان في أسئلة وإلا شيء، نأخذ منها شيئاً يسيراً، والوقت ضيق، يعني قد تأخرنا على الإخوان ما ودنا عاد نملهم أكثر من هذا.
يقول: بعض طلاب العلم يتبجح بالتفرغ لطلب العلم، ثم هو لا يقوم بالدعوة والإنكار مع حاجة الناس الآن إلى ذلك فما توجيهكم؟
على كل حال العمل لا بد منه، والعمل منه القاصر، ومنه المتعدي، فمن القاصر الإكثار من النوافل، نوافل الصلاة والصيام والذكر وغيرها، ومن النفع المتعدي الدعوة، والأمر والنهي، وأهل العلم يقررون في الجملة أن النفع المتعدي أولى من القاصر، فعلى طالب العلم أن يبذل من نفسه ما يستطيع، وعليه أن يعرف قدر نفسه.
يقول: هل من المناسب لطالب العلم أن يترك الدرس عند الشيخ في بعض الحالات عند الحاجة للدعوة أم ماذا؟
стр. 777
عليه أن يجمع بين طلب العلم والنفع العام من دعوة وأمر ونهي، على أن يكون في أول الأمر الحظ الأكبر والنصيب الأوفر للعلم، ثم بعد ذلك يتفرغ للعمل.
يقول: ألا تلاحظ أن بعض الناس لديه همة في تحطيم الهمة، فلا يعين صاحب الهمة في عمله ويحطمه فما نصيحتكم لهؤلاء؟
نعم، نسمع من بعض الناس: الله المستعان, الدنيا تغيرت، والأوقات نزعت البركة منها، والآن إيش تبي تسوي؟ أنت عندك سيارة, وعندك جوال، وعندك بيت، وعندك أسرة، وعندك تكاليف، وعندك أجور، وعندك فواتير، إيش تطلب العلم؟ نعم، ومع ذلك تطلب العلم بكل ارتياح، ويسر لك من الأسباب ما لم يتيسر لمن سمعنا أخبارهم.
يقول: ما رأيكم فيمن ينتقص ابن حجر والنووي ويقول: أنهم من أهل البدع فلا نقرأ في كتبهم؟
نقرأ في كتبهم، ومع ذلك لا يسلمون من شوب بدعة؛ لكن مع ذلك النفع الكبير في كتبهم وأثر هذه البدع في كتبهم مغمور بالنسبة لما اشتملت به من علم ونفع، من يستغني عن فتح الباري، وشرح مسلم، أو المهذب؟ ومع ذلك لو تولاها أهل العلم بالتعليق عليها، وبيان هذه الأخطاء، كما فعل شيخنا في أوائل فتح الباري.
يقول: هنالك هجمة شرسة على الشيخ الألباني نرجو تبين رأيك فيه ومؤلفاته؟
الشيخ الألباني -رحمة الله عليه- يعد من المجددين في علم الحديث، فإذا نظرنا إلى أعماله ﵀ ومؤلفاته ودعوته إلى التمسك بالسنة، وإحياء السنة على مقدار نصف قرن، أو أكثر من الزمان، نجزم يقيناً بأنه من المجددين، هذا من حيث الرواية، وأما من حيث الدراية فالتجديد فيها لشيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀، ومؤلفات الشيخ الألباني ﵀ لا يستغني عنها طالب علم.
يقول: الإنسان إذا كان في أمر معين مثل طلب العلم هل يحجم عما لم تكن فيه همة فيه كالدعوة إلى الله؟
هذا تقدم قلنا: لا بد أن يجمع بين هذا على أن يكون النصيب الأكبر في أول الأمر للعلم والتعلم ثم بعد ذلك النفع.
يقول: سمعنا أن لكم تحقيقاً لفتح الباري وكتب مخطوطة فمتى نرى شيء من إنتاجكم؟
على كل حال لنا تعليق قديم على فتح الباري منذ أكثر من ربع قرن؛ لكنه يحتاج إلى إعادة نظر.
стр. 778
يقول: أنا شخص لدي همة لا بأس بها ولكن لم أتمكن من تنظيم وقتي، وكلما نظمته أصابني التفكير في أمور والهم في بعض الأشياء مما يجعلني في بعض الأحيان لا أنام إلا الفجر؟
على كل حال عليك أن تنظم، والترتيب أمر لا بد منه، والتخبط هذا مضيعة للوقت دون جدوى، فمثل ما عندك جدول في الجامعة ضع عندك جدول في البيت، وإذا استشرت عليه من أهل الخبرة والمعرفة من يعينك علي ذلك فهو طيب.
يقول: أنا طالب في كلية الشريعة وأريد أن تبين لي كتب استفيد منها فائدة عظيمة لأقرأها لتزيد من همتي لطلب العلم وحضور الدروس؟
مثل ما ذكرت سير هؤلاء ألائمة أصحاب الهمم العالية إذا قرأتها وتصورت الهدف الذي من أجله تطلب العلم هان عليك كل شيء.
يقول: أنا سوف أتخذ حرفة ارتزق منها في الأيام المقبلة بإذن الله وأريد أن أكون عالماً من علماء الأمة فهل بإمكاني الجمع بينهما أم يشترط لذلك التفرغ للعلم؟
كثير من علماء الإسلام لهم إنجازات ولهم مصادر يتعيشون ويتقوتون منها؛ لكن النصيب الأكبر للعلم، وعليك بالإخلاص.
يقول: همتي لا بأس بها -ولله الحمد والمنة- ولكن تضعف جداً في عدم الترتيب وتقديم الأولويات والتشتت؟
مثل هذا ذكرنا أنه لا بد من جدول، ولا بد من ترتيب للأوقات، وترتيب للكتب التي تقرأ، وكيف تقرأ، وهذه شرحت في مناسبات كثيرة، وفي أشرطة متعددة.
يقول: مشكلتي هي كثرة النوم صحيح أني أعمل وأدرس أو أُدرس بجدية؛ ولكن يذهب عليّ ساعات كثيرة في النوم وقد جاهدت نفسي لأكثر من سنة؛ ولكن بدون جدوى فماذا تنصحني؟
لا شك أن كثرة النوم مرض يحتاج إلى علاج فتراجع فيه الأطباء.
يقول: أعاني من كثرة الهواجس والخواطر والانشغال الذهني بأمور الدنيا فهل هنالك وسيلة لتصفية الذهن وجعل الهواجش والخواطر أشياء مفيدة كمراجعة مسألة وتدبر آية وحديث؟
على كل حال نفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر، وإن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، فاقطع عليك هذه الهواجس وهذه الخواطر بالذكر والقراءة بالتدبر، وشغل الوقت ومغالبة الشيطان؛ لأن الشيطان يريد أن يصدك عن الأعمال الصالحة.
стр. 779
يقول: لدى بعض طلبة العلم همة عالية لكنهم يسيرون في طلبهم بغير خطة واضحة وتجدهم يترددون بين العلوم تارة يدارسون الفقه، وتارة الحديث، وأخرى بغيرهما، ثم لا يحسنون هذا ولا ذاك فماذا تنصحهم؟
مثل ما ذكرنا أنه لا بد من الترتيب للأوقات والكتب والأولويات كيف تقرأ؟ وهل أنت ممن يتشتت ذهنه إذا قرأ أكثر من علم في آن واحد؟ أو أنت ممن يمل إذا حصر ذهنه في آن واحد؟ خذ ما يناسبك أما بكثرة الكتب أو الانحصار في كتاب واحد.
يقول: كيف اضبط برنامجي لطلب العلم علماً أن الدوام الرسمي لدي يبدأ من السابعة إلى الثالثة تقريباً؟
على كل حال من عرف الهدف هان عليه كل شيء، فأنت تأخذ من وقتك وتقتطع منه ما يكفيك لطلب العلم ومن شيوخنا الآن الموجودين من يداوم من الدوام من الثامنة إلى الثانية والنصف، ومع ذلك له أكثر من درس في اليوم، ويقرأ القرآن في ثلاث، ويتبع الجنائز، ويزور المقابر والمستشفيات، ويصل الأرحام، ويضرب في كل باب من أبواب الإسلام بسهم، فالمسألة مسألة عود نفسك.
يقول: أنا شاب أسأل الله أن يوفقني لطلب العلم، وأنا من فترة أطلب العلم وأحفظ المتون فاشعر أنني أصلحت نفسي، وسلكت طريق الصواب المشكلة أنني بين فترة وفترة أقع في معاصي أظنها من الكبائر فتفسد عليّ حفظي، وأخشى أن تحبط عملي، خصوصاً أنها ذنوب خلوات وأشعر أنني منافق، فأنا أمام الناس طالب علم، ثم أسقط في مثل هذه الذنوب العظيمة؟
عليك أن تصدق مع الله -جل وعلا-، وأن تلجأ إليه أن يعصمك من هذه المعاصي، وأن تقطع جميع الوسائل الموصلة إلى هذه المعاصي، وأن تشغل نفسك بما ينفعك.
يقول: نود من فضيلتكم نصيحة للعجب ما الحل؟
ذكرناها في الآفات التي تعوق دون طلب العلم.
يقول: ما نصيحتكم لمن أراد البداية في القرأة في الكتب فما هي الكتب التي تنصحون بالقرأة فيها؟ أو أي كتاب يقع في يدي اقرأه؟
لا، المسالة تحتاج إلى ترتيب أولويات، فطالب العلم لا يبدأ بفتح الباري، ثم بعد ذلك ينقطع؛ لأنه كتاب متين وطويل، يعني لو بدأ بالكرماني أو شرح النووي على مسلم، هذه كتب سهلة، تنتهي بسرعة، بعد ذلك الطالب يتشجع لقراءة ما بعدها.
стр. 780
يقول: فترت همتي بعد أن من الله على بحفظ القرآن وبعض المتون كالأصول الثلاثة والتوحيد وعمدة الأحكام وبلوغ المرام والشاطبية وغيرها ثم توقفت فلم أراجعها ولم أجد توجيه فيما أحفظ بعد ذلك؟
على كل حال عليك بالمراجعة؛ لأن مراجعة الحفظ أشد من الحفظ، تعاهد الحفظ أشد من الحفظ، وجاء الأمر بتعاهد القرآن، وجاء أيضاً الترهيب من حفظ القرآن ونسيانه، فعليك أن تراجع.
يقول: إذا سمع الشخص هذه الآثار عن السلف الصالح قال في نفسه: أولئك أقوام لا نقارن بهم. . . . . . . . . فكيف يجاب عن هذه الاشياء؟
نقول: هم رجال، في هذا الباب لا تطاول عليهم، وتقول: تخالفهم في الأقوال وأنت مازلت في الآراء، وتقول: كما قيل: هم رجال؟ لا، عليك أن تتواضع، وتعرف أقدار الناس، وأن تنزل الناس منازلهم، ومع ذلك تعرف أنهم ركبوا من لحم ودم وعظم، فأنت تستطيع كما استطاعوا بالهمة العالية.
يقول: أنا عندي برنامج يومي للحفظ وقراءة الكتب الفقهية، وحضور الدروس ولكن أجد نفسي أحب الاطلاع على الأمور السياسية وقراءة الكتب في ذلك والروايات والمذكرات هل في ذلك معارضة ودنو همة؟
على كل حال الاستجمام بمثل هذه الأمور يعني بقراءة كتب التواريخ والأدب والاطلاع على بعض الأخبار لا بأس؛ لكن أن يصرف الوقت كله لهذه الأمور، لا، يعني بعض الناس عنده إستعداد يقرأ عشر صحف في اليوم منذ أن ينتهي من الدوام أو الدراسة إلى قدوم النوم، وهو من صحيفة إلى جريدة إلى مجلة، ومن قناة إلى غيرها هذا أضاع نفسه، والصنعاني لما قرأ النخبة ونظمها في يوم واحد في مائة بيت، تصور نفسك مثل الصنعاني، ما جاء بمحال أربع وعشرين ساعة اليوم:
طالعتها يوماً من الأيامِ ... فاشتقت أن أودعها نظامي
فتم من بكرة ذاك اليومِ ... إلى المساء عند قدوم النومِ
بعض الناس إلى قدوم النوم وهي في هذه المجلات والجرائد والصحف والقنوات نسال الله العافية.
يقول: ما رأيكم في من يأخذ العلم عن طريق الأشرطة ويكتفي بها دون حضور الدروس؟
стр. 781
لا شك أن الأصل حضور الدروس والاهتداء والاقتداء بسمت العلماء قد يكون أنفع لطالب العلم من مجرد سماع كلامهم، ومع ذلك الذي لا يستطيع الحضور، ويأخذ على الأشرطة، ويفرغ على المتون، ويفرغ على الأشرطة ويتابع الدروس هذا لا شك أنه خير عظيم.
يقول: كيف يتم الجمع بين الارتباط بين أصحاب أخيار وبين حفظ الوقت؟
نعم مع أصحاب أخيار جادين؛ لأن بعض الأخيار مع الأسف الهزل عليهم غالب مثل هؤلاء يضيعون عليه الوقت.
يقول: أشكو من زوجتي مع أنها صالحة -والحمد لله- إلا أنها لا تعينني على طلب العلم وتضجر من كثرة التردد على الدروس وانشغالي بالقراءة فكيف أتعامل معها؟ وكيف أقنعها بأهمية ما أنا عليه؟
على كل حال زوجتك لها حقها، لها وقتها، لها قسمها، ولها عليك من الحق ما أوجبه الشرع، فلا يجوز لك أن تقصر في حقها، وماعدا ذلك فأنت صاحب الشأن عليك أن تصرف بقية الوقت فيما ينفعك، وإذا حاولت وجاهدت أن تكون لك عوناً لك على طلب العلم بأن تدعوها هي لطلب العلم ببيانِ فضل العلم، ومنازل العلماء ممكن أن تكون خير عون لك، وأعرف شخص من الإخوان من طلاب العلم تزوج امرأة، وهي أيضاً عندها مبادئ تحصيل، درست في المدارس النظامية، فضجرت منه، وأخذت تكرر عليه: علم علم كل الوقت، ثم يقول: مع الوقت أدعوها وأترفق بها إلى أن ضجرت منها، الله المستعان.
وصلي الله وسلم وبارك على رسوله ونبينا محمد وعلي آله وصحبه أجمعين.
стр. 782
وصايا لطالب العلم
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
ففي اللقاء السابق تحدثنا عن فضل العلم، وأهميته في حياة المسلمين، وما جاء من النصوص في فضل العلماء، وشدة الحاجة إليهم، وأنه لا يستغني عنهم إلا من استغنى عن الدين، لا يستغني عن العلماء إلا من استغنى عن الدين.
فكما أنه لا يستغني عن المُزارع إلا من استغنى عن الدنيا، فكذلك لا يستغني عن العلماء إلا من استغنى عن الدين.
وبيان ذلك أننا لو افترضنا بلداً لا عالم فيه يفتي الناس، ويعلمهم ما يجب إليه عليهم، ويبين لهم ما نزل إليهم ولا يقضي بينهم، ويحل مشاكلهم وخصوماتهم، لما وجد الفرق بين المجتمع المسلم وغيره.
والعلماء مثلوا بالمصابيح، وأبو بكر الآجري في أخلاق العلماء صور ذلك تصويراً دقيقاً بليغاً، بحيث لو وجد جمع من الناس يسيرون في ليلة شديدة الظلام في وادٍ مسبع، فيه سباع وهوام، والظلام شديد، فلا يدري الإنسان من أين يؤتى؟ أيؤتى من تحته أم من بين يديه؟ أم من خلفه؟ فهذه حية تنهشه، وهذا سبع يقضمه، ثم جاءهم من معه مصباح أضاء لهم الطريق حتى أخرجهم من هذا الوادي، وهذا مثل العالم الذي يبين للناس كيف يسيرون إلى الله -جل وعلا-؟.
كل طريق يمكن قطعه بدون دليل وإن احتفت به المخاطر إلا هذا الطريق الموصل إلى الله -جل وعلا-، فلا يمكن قطعه إلا بواسطة أهل العلم.
стр. 783
فالذي يزهد في أهل العلم لا سيما من رسخ قدمه، وعرف بالعلم والعمل لا شك أنه يزهد في الدين، ونرى مع الأسف في بعض المنتديات، وبعض المجالس، وفي بعض المحافل، من أخذ راحته في أعراض أهل العلم، وهذا لا شك أنه يقلل من قيمته ومن شأنه، فإذا كان العلم بهذه المثابة، وإذا كان العلماء بهذا الثقل، فلا بد لهم من وراث وهم طلبة العلم الذي يحملون عنهم العلم، وهم أنتم وأمثالكم، والحمد لله الأمور تبشر بخير، رغم ما يوجد من ظلام حالك في على وجه الأرض، لكن يوجد -ولله الحمد- مراكز توجه الناس وترشدهم على الجادة، ويوجد أيضاً فيمن يحمل هذا العلم عن هؤلاء العلماء الجلة، وفيهم كثرة ولله الحمد وعلى الجادة، كان الأمر قبل سنين في الغالب مجرد عواطف، إن وجد محاضرة عامة عاطفية تهيج المشاعر اجتمع الناس لها، وإذا وجد العلم الصحيح الأصيل قال الله وقال رسوله على الجادة المعروفة عند أهل العلم لا تجد إلا النزر اليسير، والآن -ولله الحمد- العكس يوجد طلاب في حلقات التعليم بالمئات بل بالألوف في بعض الأحيان، وهذا يبشر بخير، وهذه رجعة إلى المسار الصحيح للتحصيل.
стр. 784
ولست بحاجة إلى أن أبين لكم ما ورد من النصوص في فضل العلم، من ذلك ما سمعناه في قراءة إمامنا جزاه الله خير، ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [(١٢٢) سورة التوبة] وهذه الجامعة العريقة تمثل تطبيق هذه الآية، فمن كل بلد من بلدان المسلمين نفرت طائفة قلوا أو كثروا، وطائفة تطلق على الجماعة كما تطلق على الواحد، فهذا فيه امتثال لهذا التوجيه الإلهي، ولم يؤمر النبي ﵊ بالاستزادة من شيء إلا من العلم، كما قرأ إمامنا في الركعة الثانية قول الله -جل وعلا-: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [(١١٤) سورة طه] وجاء في الحديث الصحيح عن النبي ﵊: ((من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)) ونحتاج من هذا أن نوضح المراد بالفقه في الدين لا كما يفهمه بعض الناس الذين صبت عنايتهم إلى معرفة الأحكام من الحلال والحرام، وهذا في غاية الأهمية في حياة طالب العلم؛ لكنه باب من أبواب الدين، وأهم منه ما عرف عند علماء الأمة بالفقه الأكبر.
المراد بالفقه في الدين هنا، الفقه في الدين من جميع أبوابه، ولذا لما سأل جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان في النهاية في آخر الحديث قال: ((هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)) فالفقه في الدين هو العلم بالدين بجميع أبوابه.
فإذا كان بعض أبواب الدين مهملاً بين بعض المتعلمين فعليهم أن يلتفتوا إليه، إذا كانت الأبواب التي كانت في غاية الأهمية من سلف هذه الأمة التي تدعو طالب العلم إلى العمل بعلمه، كانت محل عناية أهل العلم من المتقدمين أمثال الرقاق والحكم والاعتصام، وغيرها من أبواب الدين التي تدعو طالب العلم وتحثه على العمل بعلمه فهي كالسياط تسوقه سوقاً إلى العمل بما تحمله من علم الحلال والحرام.
стр. 785
في اللقاء السابق ذكرنا بعض المعالم والمنارات التي قد يستضيء بها طالب العلم، وفي مناسبات كثيرة ذكرنا بعض العوائق التي تعوق عن التحصيل، ذكرنا أيضاً مفاتيح تفتح الآفاق أمام طالب العلم، وفي نقل عن سفيان بن عيينة بمناسبة المفاتيح وقفت عليه بالأمس، يقول سفيان: "أول العلم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر".
أول العلم الاستماع: لا بد أن يصغي طالب العلم إلى شيخه، مع الأسف يوجد من طلاب العلم وهذا يظهر جلياً في التعليم النظامي، تجد طالب حاضر عندك وأنت تشرح في كلام الله وكلام رسوله ﵊ وهو ينظر في كتاب آخر، طيب مالك يا فلان منصرف؟ والله عندنا امتحان في المحاضرة التي تلي هذه، هل هذا عذر؟ بأن ينصرف طالب العلم عن العلم الشرعي، هذا ليس بمبرر، وقد تجد أسوأ من ذلك بعض الطلاب يحضر كتب لا علاقة لها بالعلم، وأحياناً تجد وإن كان على ندرة وقلة في الكليات الشرعية تجد جرائد، هذا لا شك أنه يبعث على الأسى في صفوف المتعلمين؛ لكن لا نجد مثل هذا في دروس المساجد وفي حلق العلم الذين جاءوا برغبة خالصة للتحصيل، قد يوجد من ينشغل بجوال مثلاً، وهذا ليس من الأدب في حلق التعليم، ينشغل بجوال، كل شوي النغمات، والرنات، هذا أيضاً ينبغي أن يجتنبه طالب العلم، عليه أن يستمع لشيخه، ويهتم بما هو بصدده من تحصيل هذا العلم الذي جاء من أجله، وتفرغ وتكلف العناء من أجله، يستمع، فأول العلم الاستماع، وفرق بين الاستماع والسماع، الاستماع مع قصد، الاستماع والفهم لما يلقى من أجل أن يثبت في الذهن ويرسخ، وأما مجرد مرور الكلام على السمع من غير قصد للاستماع هذا لا يجدي شيئاً، ولذا يقول أهل العلم في سجدة التلاوة: يسجد المستمع دون السامع" ولذا لو مررت وأنت في طريقك، ومر بجوارك سيارة ثانية، وصاحب السيارة شغل الأغاني ورفع عليها، فسمعت هذه الأغاني، أنت لا تلام، تلام إذا استمعت، أما إذا مجرد السماع مروره على أذنك من غير رضاً به، لا تلام على ذلك، إنما عليك أن تنكر؛ لكن كونك تؤاخذ بأنك سمعت الغناء فلا تؤاخذ، فأول العلم الاستماع.
стр. 786
وعلى طالب العلم أن يصغي لشيخه وما يلقيه، ثم الفهم، إذا استمع للشيخ وذكر الشيخ جملة من الجمل، هذا الطالب بحاجة إليها؛ لأنه من العلم الذي تفرغ من أجله، هل فهم هذه الجملة؟ الشيخ مطالب بأن يكرر هذا الكلام حتى يحفظ، حتى يفهم، كان ﵊ إذا تكلم تكلم ثلاثاً حتى يفهم عنه، فالشيخ يكرر، هذا واجبه، بأسلوب، فإذا لم يفهم بأسلوب آخر، ليتمكن الطالب من الفهم بأسلوب ثالث، لئلا يمل الطالب من تكراره عليه بحروف واحدة؛ لكن واجب الطالب الفهم، وظيفة الطالب الفهم عن الشيخ إذا فهم من أول مرة الحمد لله، ما فهم المرة الثانية، الثالثة، ما فهم بعد ذلك يطلب يستزيد من الشيخ أن يفهمه ويوضح له، وكثيراًَ ما يستثبت طلاب العلم في حلقات العلماء السابقين مع كثرتهم، يستثبت بعضهم من بعض، فاته كذا، خفي عليه كذا، غفل عن الجملة كذا، حتى يفهمها، إن لم يفهمها من الشيخ فهمها من زميله.
ثم الفهم يقول، ثم الحفظ، إذا راجعت بعد أن استمعت وبعد أن فهمت احفظ؛ لأن الاستماع ثم الفهم يعين على الحفظ، يعين على الحفظ، ولذا يوصي بعض العلماء أن يحفظ القرآن مع التفسير، القرآن يحفظ مع التفسير، من أجل أنك إذا فهمت سهل عليك الحفظ، فيصعب على الإنسان أن يحفظ كلام لا يفهمه.
стр. 787
دعونا من مرحلة الصبا، لا نحن تجاوزنا مرحلة الصبا، في مرحلة الشباب، في مرحلة الفهم الآن، فإذا فهم الطالب المقطع الذي يريد حفظه سهل عليه حفظه، ومع ذلك يستعين بيمينه، إذا لم يستطع أن يحفظ من أول مرة، بعد أن يفهم مرتين، ثلاث، بعض الناس يتفاوتون في الفهم، بعضهم بطيء الحفظ أيضاً، فإذا كان من النوع بطيء الحفظ بعد أن يفهم عليه أن يستعين بيمينه، يكتب هذا المقطع مرة، مرتين، ثلاث، من أجل إيش؟ أن يحفظ الكتابة عن قراءة القطعة عشر مرات، وهذا مجرب، فإذا فهم ونفرض في التفسير مثلاً عنده خمس آيات، راجع تفسير هذه الآيات الخمس في تفسير موثوق به، في تفسير ابن كثير، تفسير ابن كثير أحياناً يتشعب بك بسبب كثرة الروايات، وكثرة الطرق فتتشوش، أنت تتشوش من الكثرة، اختصر، اختصر الكلام فأنت مع فهمك للقرآن يسهل عليك حفظه، ثم بعد ذلك إذا اختصرت ما يتعلق بهذه الآيات الخمس من تفسير ابن كثير، أو من غيره من التفاسير، إذا كنت لا تحسن الاختصار عليك بالمختصرات، أمثال تفسير الشيخ فيصل بن مبارك (توفيق الرحمن لدروس القرآن) خلاصة ولب للتفاسير الأثرية الثلاثة: لابن جرير والبغوي وابن كثير، هذا خلاصتها، يستفيد منه طالب العلم في فهم القرآن، وإن كان لا يستغنى بها غيره.
بعضهم يرى أن قراءة كتب التفسير تعوق عن مواصلة الحفظ، لكن لا بد من الفهم، نعم الصحابة كيف تعلمون القرآن؟ لا يتجاوزون العشر الآيات حتى يتعلموا ما فيها من علم وعمل، حتى تفهم وتحفظ، يسأل عما يشكل منها فيتعلمون العلم والعمل جميعاً.
فطالب العلم إذا عني بهذا المقطع خمس آيات عشر آيات، حسب قوة حافظته وضعفها بعد ذلك يحفظ، يحفظ هذا القدر ويسهل عليه حفظه، إن استطاع حفظه بالتكرار، وإلا بعض الناس مع التكرار يشرد ذهنه، مثل هذا يقيد، يستعين بيمنيه، ويكتب، يكتب مرة، مرتين، ثلاث، والجهد لم يضيع.
стр. 788
بعد ذلك، بعد الحفظ العمل، والعمل من أعظم وسائل تثبيت العلم والعلم بدون عمل لا قيمة له؛ لأن القرآن ما أنزل إلا للعمل، والنبي ﵊ بين ما نزل إليه في سنته من أجل أن يعمل به؛ لأن البيان يكون للمجمل، والمجمل لا يمكن أن يعامل به ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ [(٤٣) سورة البقرة] وبعدين؟ كيف نقيم الصلاة؟ ببيانه ﵊ بقوله وفعله، ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) حصل البيان، وعرفنا هذا البيان، ثم لم نعمل به إيش الفائدة؟ علم بدون عمل كشجر بلا ثمر، نخلة فحل لا تنبت بمفردها للزينة ما الفائدة منها؟ أو من الشجر الذي يجعل كالمنظر في الشوارع وفي بيوت بعض العلية من القوم، هذه لا قيمة لها، مثل العلم بلا عمل، إن كان يتخذ العلم لا للعمل بل للزينة كما تتخذ هذه الأشجار، هذه حقيقة مرة، هذه حجة على من تحمل هذا العلم، فعلى طالب العلم أن يعمل بما يعلم، ويذكر هنا من باب أنه من أعظم ما يعين على تثبيت العلم وترسيخه في الذهن.
ثم النشر، إذا تعلم استمر فهم، حفظ، عمل بنفسه، نشر علمه، نشر علمه للآخرين؛ لكي يستفاد منه، و ((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)) وتصور أن بعض الناس تجرى لهم الأجور مئات السنين، كيف تجرى لهم مئات السنين؟ ((أو علم ينتفع به)) ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث. . . . . . . . . أو علم ينتفع به)) طيب انتفع هذا الجيل وانقرضوا؛ لأن بعض الناس يقول: العلم الذي ينتفع به خاص بالتصنيف، هو الذي يستمر، أما بالنسبة للتعليم ينقطع بانقطاع الجيل الذي علمته، بعد ذلك ينتهي، لا يا أخي ما ينتهي، فضل الله واسع، أنت علمت زيد، ومعه مائة من الطلاب، زيد هذا علم مائة، وهؤلاء أجورهم مثبتة لزيد، وأجورهم وأجور زيد مع أجورهم تثبت في أجرك أنت، فالأمر عظيم جداً، وفضل الله -جل وعلا- لا يحد؛ لكن نحتاج إلى أن نطلب العلم بنية خالصة، ونتعلم وننشر ونعلم ونؤلف بنية خالصة صالحة؛ لأن العلم الشرعي من أمور الآخرة المحضة، التي لا تقبل التشريك، فإما أن يكون مع السفرة الكرام البررة، مع النبيين والصديقين، وإما أن يكون من أول من تسعر بهم النار، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 789
فعلينا أن نعنى بهذا الشأن، ونخاف منه أشد الخوف، فالنشر لا شك أنه يوسع دائرة الأجر، فلك أجرك ولك عملك، ولك أجر من دللته على الخير والدال على الخير كفاعله، والنشر يكون بالتعليم والتعليم من أقوى وأعظم وسائل التحصيل، المعلم أول ما يبدأ بالتعليم، يعني علومه محدودة بقدر ما حفظه وفهمه عن شيوخه، ومن مفحوظاته؛ لكن إذا علم الناس لا شك أن علومه تنمو وتزداد، وبركة آثار العلم تظهر عليه مع النية الصالحة الخالصة، وإلا إذا لم يعلم غيره لا يلبث أن ينسى ما تعلمه، ولنا عبرة بمن تعلم وتسلم المناصب العليا، وكان يشار إليه بالبنان، يشار إليهم، علماء كبار، ثم بعد ذلك تركوا التعليم وانصرفوا عنه، نعم هم على خير، وعلى ثغور في مصالح العامة؛ لكن مع ذلك تركوا التعليم، فانحسر علمهم، أخذ يتراجع، والنسيان آفة من آفات تحصيل العلم، النسيان معروف ما سمي الإنسان إلا لنسيانه.
وكثير من الطلاب الذين مروا علينا أثناء التدريس في الجامعة نوابغ، وتجدهم مع الأوائل، وتسأل في القاعة وفي الفصل تجدهم ما شاء الله مبرزين في تحصيلهم، وقد فاقوا أقرانهم؛ لكن يتوظف بعد التخرج بوظيفة إدارية شأنه الكتابة، نعم الكتابة ما ينسى الكتابة؛ لأنه يزاول الكتابة؛ لكن العلم إذا مضى عليه سنة نسي قدر من علمه، سنتين ينسى أكثر، ثلاث سنوات ينسى، خمس سنوات عشر سنوات يعود عامي أو في حكم العامي، فعلينا أن نتابع التحصيل والنشر، التعلم والتعليم.
فالتعلم لا حد له، "تفقهوا قبل أن تَسُودُوا"، أو "تُسوّدوا"، قال أبو عبد الله البخاري: "وبعد أن تسودوا" لأنكم إذا سودتم ووقفتم على الحد نسيتم ذلك.
يقول: "فإذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵊ بنية صادقة على ما يحبه الله"، يعني على الجادة المعروفة المأثورة عن سلف هذه الأمة، المبنية على الدليل على ما يحبه الله، ألهمه كما يحب، وجعل له في قلبه نوراً، فهو ينظر بنور الله.
هناك أمور ولا أريد أن أكرر ما ذكرته في اللقاء السابق، ولا ما ذكرته في مناسبات وسجلت وتداولها الإخوان من كلام؛ لكن عندنا فيما يتعلق في ظرفنا الذي نعيشه:
- واجب طالب العلم في أوقات الفتن.
стр. 790
- وعندنا أيضاً: مسئولية حمل العلم وتبليغه.
- وأيضاً: فقه تطبيق العلم.
هذه مسائل لا بد أن نكون على بصيرة منها.
واجب طالب العلم في أوقات الفتن:
عليه أن يعتصم بكتاب الله وسنة نبيه ﵊، والعصمة من هذه الفتن بالاعتصام بالكتاب والسنة، ويقلل بقدر الإمكان إلا بقدر الحاجة، إلا بقدر ما يُحتاج إليه من الأمور التي يخوض فيها الناس، يقلل منها، ويقتصر منها على قدر الحاجة، بعض الناس في أوقات الفتن، والفتن مذهلة، والإنسان متشوق إلى أن يعرف ماذا حصل؟ وماذا قيل؟ وماذا قالوا؟ تجده يقضي من وقته أكثر من نصف الوقت في الجرائد والمجلات والمواقع والقنوات، ماذا قال فلان؟ وماذا قيل عن فلان؟ على أمور هي لا شيء إن لم تضر لم تنفع، نعم ينبغي أن يعرف الإنسان ما يدور حوله بقدر الحاجة، وأن يكون ديدنه كتاب الله وسنة نبيه ﵊، وما يعين على فهم الكتاب والسنة، وأن يُعنى بالعبادات الخاصة، يُعنى بالعبادات الخاصة مثل الذكر، سواءً كان المطلق أو المقيد في أوقات خاصة أو على العموم في جميع الأوقات، ومثل تلاوة القرآن على الوجه المأمور به.
стр. 791
وأيضاً الصلاة، يكون له نصيب من الصلاة، وأيضاً الصيام، وغير ذلك من العبادات المتنوعة التي جاءت النصوص بفضلها، ((والعبادة في الهرج كهجرة إلي)) كما في الحديث الصحيح، فعلينا أن نهتم بهذا الأمر ونعنى به، ونلتف على أنفسنا، ونصلح ما فيها من خلل، ونعنى بأمراض القلوب كي نعالجها من كل ما جاءنا في شرعنا، ولا نحتاج إلى غيره، لا نحتاج إلى أن فلان العالم النفساني الأمريكي قال كذا، أو البريطاني قال كذا، لسنا بحاجة، عندنا العلاج لكل داء، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء﴾ [(٨٢) سورة الإسراء] شفاء لإيش؟ لأدواء القلوب وأمراضها، ولأدواء الأبدان أيضاً، وأمراضها، فعندنا الشفاء، وفي كلام أهل العلم ما يعين على ذلك، وللإمام المحقق شمس الدين ابن القيم من ذلك القدح المعلى، وكتبه مملوءة من هذا الشيء، فيعنى بها أيضاً؛ لأنها تعين على فهم الكتاب والسنة، فعلى الإنسان أن يهتم بأمر العمل، وإذا صدق اللجأ إلى الله -جل وعلا- أعانه على كل ما يريد من علم وعمل.
مسئولية حمل العلم وتبليغه:
سمعنا في الآية: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ﴾ لماذا؟ إذا أنذروهم إيش يترتب على هذا؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [(١٢٢) سورة التوبة] يحذرون مما يُخاف، أمام الإنسان مخاوف، أمامه مخاوف في دنياه، فتن الدنيا، وأمامه أيضاً فتنة القبر، أمامه فتنة في المحيا، أمامه فتنة في الممات، أمامه أيضاً إما نعيم دائم لا ينقطع، أو عذاب سرمدي لا ينتهي، فيحمل هذا العلم بإخلاص وصدق، ويبلغه قومه إذا رجع إليهم، والنتيجة ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ وبعض الإخوان كما بلغنا قام بهذا على خير وجهه في بلده فرجع، وبعضهم انشغل بأمور الدنيا وأمور المعاش وعاد كغيره، ولا أثر له في المجتمع، وسمعنا مسألة تبليغ العلم ونشر العلم، وما يترتب عليه من عظائم الأجور.
стр. 792
فالعلم مسئولية عظيمة، لا بد من تبليغها، ((بلغوا عني ولو آية)) ((نظر الله امرأً سمع مني حديثاً فوعاه، ثم ألقاه كما سمعه)) فلا بد من تبليغ ما سئل، أبو هريرة لما انتقد في كثرة التحديث قال: "لولا آية في كتاب الله ما حدثت، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ﴾ [(١٥٩) سورة البقرة] فالكتمان أمره عظيم، إيش معنى أني أحفظ القرآن وأنام عنه؟! إيش معنى أنني أحمل العلم ولا أبلغه للناس؟! هذا وبال على صاحبه.
فقه تطبيق العلم:
عرفنا أنه لا بد من تطبيق العلم، وأن العلم بلا عمل كشجر بلا ثمر، عندنا مسألة نحتاج إليها، كثير من الإخوان يحرص على التعلم، وما وجدت هذه الجموع إلا من أجل هذا، والحرص دليل على إرادة الله -جل وعلا- للإنسان الخير، ومع ذلك يحرص على التطبيق، تطبيق العلم، وهو الثمرة المرجوة من العلم؛ لكن قد يخفى على بعض طلاب العلم فقه التطبيق.
стр. 793
إيش معنى فقه التطبيق؟ حمل حديثاً يتضمن سنة، فعلم هذا الحديث، حرص على تطبيقه وطبقه بالفعل؛ لكنه لم يفقه ما يحتج بهذا الحديث من معارض مثلاً، فعلى سبيل المثال: طالب علم عرف ما جاء في التراص في الصفوف في الصلاة، وأن الصحابة كانوا يلصقون أقدامهم بأقدام من جاورهم في الصلاة، التراص في الصف أمر جاء الحث عليه، ((لا تدعوا فرجات للشيطان)) لكن مع ذلك هل نفقه أن نطبق هذا، بعض الناس يظن أن التطبيق لا يحصل إلا بالجفاء، حتى أنه وجد من -من حرصه على تطبيق السنة- لكن مع عدم الفقه لتطبيقها من يكون بعض أصابع جاره تحت قدمه، موجود هذا، ووجدت ردود أفعال ممن حصل معهم بعض هذه القضايا؛ لأن ربى بعض الأظافر لمثل هذا، هذه كارثة، هل هذا تطبيق لسنة؟ هذا حريص على تطبيق السنة، ويلصق القدم بالقدم؛ لكن ليس معنى هذا أنك تؤذي جارك، وتطأ على رجله، وإلا. . . . . . . . .، هذا شيء، بعض الناس ما يتحمل، تصير قدمه عندها شيء من الحساسية، يعني إذا وجد طالب علم مشهود له قطع صلاته من أجل إيش؟ خيط رفيع جداً ينزل من ثوبه على قدمه، وهو حساس شديد الحساسية، خرج قطع الصلاة، ظنه حشرة أو شيء، فكيف من يجعل بعض الأصابع تحت قدمه؟ وإذا سجد جافى بين عضديه حتى يضر بالآخرين، يا أخي ما هكذا تطبيق السنة، أنت مطالب ألا تدع فرجة للشيطان؛ لكن بقدرها، والمحاذاة ليست بالأقدام فقط، ولذا بعض الناس يظن أن الحل في عدم ترك الفرج بأن يفحج بين رجليه، يجعل بدل ما حجمه. . . . . . . . . في الأصل، يجعل بين رجليه أكثر من متر، هل هذا تطبيق للسنة؟ أين المحاذاة بالمناكب؟ هذا ليس هو تطبيق السنة، إنما يحرص الإنسان أن يحاذي بالمناكب والأقدام، ودين الله -جل وعلا- بين الغالي والجافي.
стр. 794
بعض الناس يحرص على تطبيق السنة، أولاً: لا يفقه السنة، فتجده يتورك في كل جلسة، وفي بدنه ثقل، وفي جيبه مفاتيح، ومحافظ وجوال، وما أدري إيش؟ ثم يرمي بنفسه على جاره، هل هذا يفقه تطبيق السنة؟ لا بد من فقه التطبيق، يعني إذا كانت هذه السنة معارضة، مثل المجابهة، المجابهة سنة؛ لكن بجوارك آخر تؤذيه، ((والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه، ما لم يؤذِ، ما لم يحدث)) وأي أذىً في أن تجعل مرفقيك في أضلاع أخيك؟ فننتبه في هذا، ولا شك أن الذي يحرص على السنة يؤجر على قدر حرصه؛ لكن لتمام أجره لا بد أن يفقه كيف يطبق هذه السنة؟ لا بد أن يفقه كيف يطبق هذه السنة؟ وليس معنى هذا التقليل من شأن التراص في الصفوف، وإلصاق الأقدام؛ لكن أيضاً إذا رأيت جاري من النوع الحساس أترك له فرصة، بعض الناس من يكبس في صلاته إلى أن يسلم وقلبه كالمرجل من خشية الله؟ ومن تأمل ما يقرأ؟ لا، على صاحبه، يغلو كالمرجل على صاحبه وجاره، على أخيه المسلم، لماذا؟ لأنه ضايقه، وهذا حساس ما يتحمل، والناس في طباعهم في بعضهم شدة، ما يتحمل مثل هذه الأمور، ووجدت تصرفات أثناء الصلاة، تجعل طالب العلم متسماً في جميع أفعاله بالرفق واللين، وليكن داعية خير بفعله قبل قوله ليقبل، فعلينا أن نهتم بهذه الأمور، ولا نريد أن نكرر ما ذكرته سابقاً، فهذه مسائل ثلاث رأيت أهميتها في مثل هذا الوقت.
وطلب الكثير من الأخوة يقولون: الإجابة على الأسئلة هي التي تحل بعض الإشكالات عند بعض الإخوان وقد يكون في الكلام المرسل المكرر شيء من التكرار، فالإجابة على الأسئلة لا شك أنها حاجة قائمة للإخوان، فنقتصر على هذا، ونبدأ في الأسئلة، ولعله يرد فيها ما ينفع -إن شاء الله-.
هذا يقول: ما رأيكم فيمن يستغني بالمذكرات الجامعية، في التعليم عن كتب السلف، وخصوصاً في بعض علوم الآلة، وهل هذا من التيسير على طلاب العلم الجامعيين؟
стр. 795
أقول: مثل هذا مع احترامي وتقدير لزملائي من المعلمين في الجامعات الذين اجتهدوا وسهروا وحرروا وضبطوا المسائل، ورتبوها ونظموها؛ لكن هذه الطريقة لا تبني طالب علم، طالب العلم لا بد أن يبنى على الجادة المطروقة عند أهل العلم، فيربى على المتون المقررة من قبل أهل العلم، لا بد من هذا.
стр. 796
فهذه المذكرات مثل مؤلفات المعاصرين التي صيغت بأساليبهم، بل هي منها، هل هذه تربي طالب علم على أساليب العلماء المتقدمين؟ افترضنا طالب تخرج في كلية الشريعة أو أصول الدين أو كلية الحديث أو غيره على هذه المذكرات، ثم بعد أن تخرج عُين في بنك، وعرض عليه مشاكل ومسائل واحتاج أن يراجع الكتب، هل يستطيع أن يفهم كتب المتقدمين من خلال فهمه لهذه المذكرات؟ هذه المذكرات هي عبارة عن مؤلفات صيغت بأسلوب يفهمه الشخص بدون معلم، لكننا في مرحلة التعليم لا بد أن نقرر كتب لا يفهمها الطالب بمفرده، بحيث إذا وجد في معنى واستقل بعد تخرجه في بلد لا عالم عنده نعم، يستطيع أن يستقل بنفسه، ويفهم كلام العلماء، ولا يحتاج إلى أن يرجع أن يتعلم مرة ثانية ليفهم هذه الأساليب التي انفرد بها وخلى بها، فكتب هذه المذكرات لا شك أنها من أعظم العوائق عن التحصيل مهما اعتذرنا عن أصحابها بحسن النية والقصد، ونحن لا نطعن في قصد أحد، وأرادوا التسهيل والتيسير؛ لكن طالب العلم لا بد أن يبنى على الحزم والعزم، ولذلك ليس من العبث أن يؤلف العلماء هذه الكتب بأساليب صعبة، بإمكانهم أن يبسطوا، يعني اختيار الزاد في هذه البلاد (زاد المستقنع) أو (المنتهى) أو (مختصر خليل) أو غيره في بلدان أخرى، يعني هذا. . . . . . . . . وهي أشبه ما تكون بالألغاز، متعبة لطلاب العلم؛ لكن طالب العلم إذا فهم هذا الكتاب سهل عليه فهم ما دونه، يعني طالب العلم الذي يتربى على (التدمرية) لشيخ الإسلام ابن تيمية، إذا تخرج وسكن بمفرده في بلد لا يوجد طالب علم غيره، يبي يشكل عليه (شرح الطحاوية)، ويشكل عليه (شرح الواسطية)، ويشكل عليه (الحموية) أو غيرها من كتب العقيدة؟ إذا تربى على الأصعب وفهمه بين يدي أهل العلم الذين هم الآن متوافرون، يمكن في وقت من الأوقات تطلبهم لا تجدهم، ولا تتصور أن الآلات التي تخدم الآن وتقرب المسافات وتيسر الاتصال بالآفاق، وأنت جالس تستمر، لا، اعتبر نفسك ما عندك إلا هذه الكتب، وعندك مشكلة لا بد من حلها، كيف تتعامل مع هذه الكتب؟ لا بد أن توطن نفسك على هذا الأمر.
يقول: ما هو خير كتاب أو متن فقهي غير متقيد بمذهب معين يصلح لتدريسه لعوام الناس؟
стр. 797
يصلح لتدريسه لعوام الناس، عامة الناس بالإمكان تدريسهم مثل (منهاج السالكين) للشيخ ابن سعدي، أو الإرشاد له، أو ينتقى لهم من فتاوى أهل العلم، العوام الذين ليس لهم أرضية للتحصيل، يمكن أن ينتقى لهم من فتاوى ابن باز، أو فتاوى اللجنة الدائمة، أو من فتاوى الشيخ ابن عثيمين، يأخذ لهم مسائل من هذه وتقرأ عليهم، أما متن فقهي غير متقيد بمذهب، إيش معنى غير متقيد بمذهب؟ معناه هو متقيد باجتهاد مؤلفه، ما رحنا بعيد، وكثير من الناس يقول: لماذا لا تقرر الدرر البهية للشوكاني؟ نقول: يا أخي أنت فررت من اجتهاد الحنابلة إلى اجتهاد الشوكاني، نعم، فهي كلها مذاهب، أو مثلاً تقول: نعمل بفقه الشيخ الإمام المجد الإمام الألباني ﵀ مثلاً، واختياراته وهو صاحب حديث، وصاحب سنة، طيب هذا اجتهاده، والشيخ ابن باز أيضاً هذا اجتهاده، وكلهم أئمة وعلى العين والرأس؛ لكن أنت تتأهل، أنت إن كان قصدك العوام تقرأ عليهم من اختيارات هؤلاء الأئمة ما لم يعرف بمسألة شذ فيها عالم، يُرجّع العوام إلى قول الأكثر، لكن يبقى أن تربية طلاب العلم على هذه الكتب غير متقيدة بالمذهب نقول: هذه كتب المتون المعتمدة في المذاهب لا بد من تمرين طلاب العلم عليها والتفقه عليها، إيش معنى هذا؟ ليس معنى هذا أن هذا دساتير لا يحاد عنها، أبداً، أو أنها كتب معصومة ليس فيها أخطاء.
من صغار الكتب التي تدرس الآن (زاد المستقنع)، وفيه أكثر من ثلاثين مسألة خالف فيه المؤلف المذهب نفسه، وخالف فيها القول الراجح الذي عليه الدليل في مسائل كثيرة؛ لكن ليس معنى هذا أن كل ما قاله صاحب الزاد أنه مثل القرآن، لا، يربى طالب العلم ليفهم هذه المسائل، يتصور هذه المسائل بعد أن تصور له من قبل المشايخ، إذا تصورها تصور دقيق استدل لها، فإن كان الدليل يسندها عمل بها، وإن كان الدليل على خلافها ضرب بها عرض الحائط وعمل بالدليل، وبهذه الطريقة نستطيع أن نخرج طالب علم متميز.
стр. 798
يقول: عندي سؤال مهم بالنسبة لدي وتحيرت فيه، وهو كيفية الاستفادة من الكتب الستة، هل تقرأ كتاباً كتاباً مع شرحها، أو تقرأ المتون مع أسانيدها، وأخشى أني لا أصل إلى النسائي إلا وقد نسيت ما في البخاري، فأرجو من فضيلتكم الطريقة السديدة للاستفادة من كتب السنة؟
وهذا أيضاً مما شرحناه مراراً، وهو أن طالب العلم حينما يطلب العلم على الجادة ويقرأ المتون، ويحفظ متون الطبقة الأولى، الأصول الثلاثة والقواعد الأربع وكشف الشبهات والأربعين النووية، والنخبة، والآجرومية، إذا حفظ هذه المتون، وتحفة الأطفال في التجويد، وغيرها من المتون التي ألفت للمبتدئين، ثم بعد ذلك قرأ كتب المتوسطين، وحفظ ما أمكنه حفظه منها، مع حفظ أكبر قدر من كتاب الله -جل وعلا-، بحيث لا ينتهي من المران من كتب الطبقات الثلاث إلا وقد أتقن القرآن، نعم يوزع القرآن على هذا، فمع كتب الطبقة الأولى يحفظ المفصل، ومع كتب الطبقة الثانية يحفظ بقية النصف الأخير، مع كتب الطبقة الثالثة يحفظ النصف الأول يكون بهذا انتهى من حفظ القرآن وضمنه مع حفظ هذه الكتب، إذا انتهى من هذه الكتب التي ألفت في طبقات المتعلمين يطلع إلى كتب السنة، المسندة، الأصول، وعرفنا كيف يتعامل معها؟
стр. 799
بعضهم يقول: يقتصر على المختصرات؛ لأننا لسنا بحاجة إلى التكرار في صحيح البخاري، أو إلى الأسانيد في صحيح البخاري، لسنا بحاجة إلى هذا؛ لأنه يهمنا المتون المرفوعة إلى النبي ﵊، نقول: لا يا أخي، تريد أن تتعلم على الجادة، ويكفيك في تقرير خمس سنوات لإتقان الكتب الستة، وتحضر الكتب الستة في آن واحد، والكتب -ولله الحمد- مخدومة، بالترقيم والإحالات، وكل شيء موجود، فيأتي إلى صحيح البخاري الحديث الأول في صحيح البخاري، حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) كم أورده البخاري من موضع في صحيحه؟ في سبعة موضع، نستحضر هذه المواضع، نستحضر هذه السبعة المواضع، وما ترجم عليه البخاري على هذا الحديث في المواضع السبعة، وهي فقه البخاري، وما أردفه في الترجمة من أقوال سلف الأمة لشرح هذه الترجمة، نعم، انتهينا من المواضع السبعة في صحيح البخاري، نجد أيضاً وافقه على تخريجه مسلم، نذهب إلى مسلم ونضيف ما رواه مسلم من زيادات في المتون والأسانيد إلى ما صفيناه من صحيح البخاري من بين المواضع السبعة اقتصرنا على أوفى هذه المواضع، وذكرنا فروق الأسانيد والتراجم على الحديث، ثم أضفنا إليه مسلم إن كان فيه زيادة، وأشرنا على صحيح مسلم أن هذا الحديث دُرس مع صحيح البخاري، هذا الحديث يرويه أبو داود أيضاً، نرجع إلى سنن أبي داود ونضيف على ما استخلصناه من الصحيحين ما يزيده أبو داود من لفظ زائد أو لفظ مغاير، أو زيادة راوٍ، أو فائدة في صيغة أداء، أو طريق لا يوجد في الصحيحين نضيفه إلى مذكرتنا الذي نجمع فيها الجمع بين الكتب الستة، ثم نرجع إلى الكتاب الرابع والخامس والسادس وهكذا، إذا انتهينا من الحديث الأول نرجع إلى الثاني في صحيح البخاري ونفعل به كما فعلنا بالأول.
стр. 800
الآن مررنا على المائة الحديث الأولى، جاءنا حديث هذا الحديث درسناه مع الحديث الأول، انتهينا منه، وقد أشرنا عليه ومررنا، لا نحتاج إلى دراسته، مر علينا حديث درسناه مع الحديث العاشر، فلا نحتاج إلى دراسته، مر علينا الحديث الخامس بعد المائة درسناه، وهكذا، وبهذا نكون إذا انتهينا من صحيح البخاري على هذه الطريقة نكون انتهينا من نصف صحيح مسلم، نعم، ونأخذ ربع ما في سنن أبي داود، وربع ما في سنن الترمذي، وابن ماجه وهكذا، نعم، ثم بعد ذلك نأتي إلى زوائد مسلم، الأحاديث التي في مسلم ولم ندرسها مع البخاري نأتي إليها نفعل ونصنع فيها كما صنعنا في صحيح البخاري، نجعل مسلم، في الأول جعلنا البخاري محور الدراسة، في المرحلة الثانية إذا انتهى البخاري نجعل زوائد مسلم محور الدراسة، ونراجع على هذه الزوائد كتب السنن، ثم انتهينا من صحيح مسلم نبدأ بسنن أبي داود فنجد نصف سنن أبي داود انتهى، زوائد أبي داود على الصحيحين تصبح محور البحث، ننظر فيها بالطريقة التي نظرنا فيها إلى الأحاديث في الصحيحين، ثم انتهينا من سنن أبي داود، ونربع بالترمذي، ثم نخمس بالنسائي، ونختم بابن ماجه.
هذه الطريقة يعني مع الجد لا أتصور أنها تأخذ على طالب العلم خمس سنوات، خمس سنوات يفهم كل ما في كتب الستة بعجرها وبجرها، بصحيحها وضعيفها، بمتونها وأسانيدها، بمرفوعاتها وموقوفاتها، ومقطوعاتها، بفقه هؤلاء الأئمة، هذا مع طريقة التخبط التي نعيشها نحتاج إلى مائة سنة، ويمكن نموت وما مررنا على أحاديث في الصحيحين؛ لكن إذا اعتمدنا هذه الطريقة ومشينا عليها بحزم وجد أتصور خمس سنوات كافية.
стр. 801
طيب إذا اعتمدنا على ما لخص واختصر لنا من البخاري، وأضفنا إليه زوائد مسلم باختصار فقط المتون، وأضفنا إليه زوائد السنن، كم فاتنا من علم بهذه الطريقة، يعني لسنا بحاجة إلى التراجم التي ترجم بها أئمة السنة على هذه الأحاديث وهي خلاصة فقههم؟ ألسنا بحاجة إلى ما يدعم به المؤلف فقهه من أقوال الصحابة والتابعين؟ إحنا في أمس الحاجة إلى مثل هذا، ولكن مع ذلك بعض الناس يتطاول مثل هذه الطريقة وهي سهلة ميسرة، والأمور كله -ولله الحمد- متيسرة، وكل شيء متوفر، بعض الناس يقول: لماذا لا نكتفي بالحاسوب وهو يطلع لنا الخلاصة بيوم واحد، نضغط طلب ويطلع لنا ما في الكتب الستة بغير تكرار، وخلال أيام و. . . . . . . . . قرأتها؛ لكن العلم ما يأتي بسهولة، لا يستطاع العلم براحة الجسم، العلم يحتاج إلى حفر في الذهن، يحتاج إلى تعب ومعاناة لكي يثبت، فأتصور أن هذه الطريقة نافعة ومجدية.
نعم مسألة الحفظ الذي يريد أن يحفظ في أقصر مدة، ويحفظ على الطريقة التي يسلكها الإخوان الآن، مع اعتماده وعنايته بالطريقة التي شرحتها، فإذا حفظ المتون المجردة على طريقة الإخوان، وعمل بدراسة الأحاديث على الطريقة التي شرحناها، أتصور أنه سيتخرج محدث، متقن بارع، إن حالفه توفيق الله -جل وعلا- الذي سببه الصدق مع الله -جل وعلا-.
يقول: ما هي الكتب التي توصون بقراءتها لطالب العلم المبتدئ وخصوصاً الطلاب الذين أتوا من مدارس الثانوية لم يسبق لهم دراسة العلوم الشرعية؟
стр. 802
مثل ما ذكرنا يحفظ كتب الطبقة الأولى، والآن كل شيء متيسر، هذه الكتب تشرح الآن في المساجد، وسجل عليها شروح كثيرة، كون الطالب -ولله الحمد- يحفظ هذه المتون، ويسمع ما سجل عليها، ويحضر الدروس يصير له أمر كبير، ويهتم بكتب الطبقة الأولى التي هي الأساس، التي هي باصطلاح أهل المقاولات يسمونها ميدة، الأساس الذي يبنى عليه غيره، هي الأصل ثم بعد ذلك يرتقي إلى كتب الطبقة الثانية، ومع الأسف أنه يوجد من يقول: لماذا لا تجرد كتب الطبقة الثانية، فيذكر زوائدها على كتب الطبقة الأولى؟ نحن اعتمدنا في الطبقة الأولى مثلاً العمدة، يعني نمشي على ترتيب الموفق، عمدة الفقه مثلاً نعم، لماذا ندرس المقنع في الطبقة الثانية وتسعين أو سبعين بالمائة من مسائل المقنع مرت بالعمدة فلماذا نكرر؟ نقول: يا أخي لا بد من التكرار، التكرار أمر لا بد منه، كون المسألة تمر عليك مرة واحدة في عمرك، هل يكفي لفهمها وثبوتها في ذهنك، تنساها؛ لكن إذا مرت عليك بأسلوب آخر بأبسط بوجوه باستدلال، كما في الكافي مع ذكر المذاهب والأدلة، كما في المغني، لا شك أن هذه المسائل ترسخ في ذهن طالب العلم.
يقول النبي ﵊: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)) ... إلى آخره، فهل يفهم من هذا الحديث التعديل المطلق لطلبة العلم والعلماء؟
هذا الحديث أولاً: مختلف في ثبوته وصحته، وصححه بعض العلماء، والإمام أحمد يميل إلى ثبوته، فيما نقله عنه الخطيب في شرف أصحاب الحديث وغيرهم، نقل عن الإمام أحمد تصحيحه، وفهم منه ابن عبد البر أن هذا تعديل لكل من يحمل العلم، كل من حمل العلم فهو عدل لقول المصطفى.
قلت: ولابن عبد البر كل من عني ... بحمله العلم ولم يوهنِ
فإنه عدل بقول المصطفى ... يحمل هذا العلم لكن خولفا
стр. 803
لكن خولفا، الواقع يشهد بأنه يوجد من يحمل العلم، وأنا عندي تحفظ على إطلاق كلمة علم على ما يحمله من لم يعمل بعلمه، يوجد في الواقع من يحمل مسائل علمية بأدلتها يتصورها تصوراً صحيحاً دقيقاً بأدلتها بعجرها وبجرها وعنده شيء من المخالفات، فهل نستطيع أن نعدل من خلال هذا الحديث من حمل العلم وهو يرتكب محرمات، ألا يوجد ممن يرتكب محرم وهو يقال له: عالم ويحمل شهادات عليا، ويعلم التعليم الشرعي، لا يمكن أن نعدله، فإما أن نقول: أن الحديث جاء لحث أهل العدالة على حمل العلم، كما جاءت الرواية: ((ليحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)) حث للعدول أن يحملوا العلم، ولا يتركوا المجال لغيرهم أن يحملوا هذا العلم، أو نقول: أن ما يحمله الفساق ليس بعلم، ما يحمله الفساق ليس بعلم، وهذا هو المتوجه عندي، وإن سماه الناس علماً، وهو في الحقيقة ليس بعلم، يعني علم ما ينفع، إيش الفائدة؟ ومن أوضح الأدلة على ذلك قول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [(١٧) سورة النساء] عمل السوء، ارتكب مخالفة جاهل وإن كان من أعلم الناس، يعرف أن الزنا حرام، هل نقول: أنه عالم عنده الأدلة أن الزنا حرام، ويزني، هل نقول له: عالم؟ لو قلنا: عالم لقلنا: أن توبته لا تقبل، والنص القطعي في الثبوت والدلالة يدل على أن توبته مقبولة، يعمل السوء بجهالة، هل معنى هذا أنه لا يعلم الحكم؟ يعلم الحكم، ولذا يقرر أهل العلم أن كل من عصى الله فهو جاهل.
يقول: ما الفرق بين النسخة السلطانية واليونينية لصحيح البخاري؟
стр. 804
النسخة السلطانية الذي طبعها السلطان سنة (١٣١١هـ) وشكل لها سبعة عشر من علماء مصر لمراجعتها وإتقانها وأثبتوا عليها الفروق التي أثبتها الحافظ شرف الدين اليونيني بعد عنايته بالصحيح، عناية فائقة، وذكر الفروق بين الروايات هذه النسخة هي السلطانية، وعن فروق هذه النسخة مأخوذة عن ما أثبته الحافظ اليونيني في مقارنته بين روايات الصحيح، فهي نسخة متقنة، هذه النسخة طبعت في بولاق تسعة أجزاء، سنة (١٣١١هـ) ووجد فيها ما يقرب من مائة خطأ مطبعي، صحح في الطبعة الثانية (١٣١٣هـ) وكانت هذه النسخة إلى وقت قريب مفقودة من الأسواق، ثم صورت -ولله الحمد- واستفيد منها الطلاب، فالسلطانية هذه الفروق التي على هامشها مأخوذة من عمل اليونيني.
على أني وقفت من الفروق للحافظ ابن رجب في شرحه على البخاري ما فات اليونيني مما لم يذكر في هذه النسخة، فالمقصود أنه لا يتصور أن اليونيني مع اهتمامه بصحيح البخاري وعنايته برواياته، لا يتصور أنه أشار إلى كل شيء، لا، على كل حال بعض الطلاب يخلط بين هذه النسخة وبين النسخة التركية المطبوعة باسطنبول دار الخلافة العامر -على ما يقولون- بعد ذلك، في ثمانية أجزاء، وليس فيها فروق، عليها بعض التعليقات؛ لكن ليس فيها فروق الروايات، بعض الناس يسميها السلطانية، لماذا؟ كيف حصل الوهم؟ حصل لأنها أولاً: مطبوعة بتركيا، وتركيا معروفة أنها محل السلطان.
الأمر الثاني: أنه يأتي من هذه النسخ نسخ جميلة مذهبة بتجليد فاخر اشتهر بين الكُتْبِيين أن هذه النسخ نسخ سلطانية، بمعنى أنها تليق بالسلاطين لنفاستها، فيحصل اللبس من هذه الحيثية.
يقول: ما رأيكم بملتقى أهل الحديث في الإنترنت، وهل يستفاد منه؟
نعم يستفاد منه، هو فيه بعض طلاب العلم من الأخيار يكتبون فيه، وفيه نفع -إن شاء الله تعالى-، وهناك أيضاً وجهات نظر يكتبوها في ملتقاهم، وإن كنت أختلف معهم في بعضها؛ لكن هذا لا يعني أن الإنسان إذا خولف باجتهاده ينسف كل الجهد.
يقول: ما رأيك بالطرق الجديدة في طلب العلم مثل الأشرطة لكبار العلماء والدروس العلمية في القنوات، مثل قناة المجد والحاسب الآلي؟
стр. 805
أولاً: طلب العلم من الأشرطة لكبار العلماء هذه من أنفع ما يتعلم عليه إذا لم يتمكن الطالب من المثول بين يدي هؤلاء العلماء، نحن لا نتصور أن الأمر ميسر أن الإنسان سهل عليه أن يركب سيارته ويذهب إلى فلان أو علان ليطلب عليه العلم من الكبار، لا يتيسر لكثير من الناس، بعض الناس يشغله البعد في الآفاق، وبعض الناس يشغله العمل، وطلب المعيشة، وبعض الناس يشغله الارتباط بالوظيفة، أو على أمر من أمور المسلمين، المقصود أن مثل هذه الأشرطة تحل كثير من الإشكال.
وأيضاً: الدروس من خلال الإنترنت وأنا حقيقة مثل هذه المحدثات على حذر كبير منها، أنا لا أوصي بها بالإطلاق؛ لأن فيها الغث والسمين، والغث كثير، وجد -ولله الحمد- من يستفيد منها، لكن أيضاً وجد باسم الاستفادة من بعض من ينسب إلى طلب العلم أيضاً من تيسر له النظر في أمور لا يجوز النظر إليها، ففيها الغث والسمين، فإن اقتصر على الأشرطة فهو الأفضل، إذا لم يتمكن ولم يتحصل على هذه الأشرطة، إذا لم يكن إلا هذا مع أخذ الحيطة والحذر الشديد؛ لأنه يسهل لك الاتصال بأمور ما كانت ميسرة في السابق، فهذه مزلة قدم، ولا يقول الإنسان: أنا متحصن بالعلم، لا، قد زل أناس وضاعوا بسببها، ضاع بسببها أناس كثير.
يقول: الدروس العلمية في القنوات، مثل قناة المجد والحاسب الآلي؟
قناة المجد لا غرو عليها، وذكرت مراراً رأيي فيها، وقلت: السلامة لا يعدلها شيء، السلامة الذي يستطيع ويرتكب العزيمة في هذا الباب فالسلامة لا يعدلها شيء.
أما الإنسان الذي لا يستطيع أو يبتلى بآلات أخرى فهي من أفضل الموجود الآن.
هذا يقول: طلاب العلم ينتظرون طبعة فتح المغيث؟
قد حققت نصفه، وهو الآن كامل، والآن تم صفه وكتاب فتح المغيث للسخاوي في شرح ألفية الحديث، والآن تم صفه، ويأتي -إن شاء الله- قريباً، وكذلك الألفية المتن، تم تحقيقها وطبعها ومراجعتها، وتأتي -إن شاء الله- قريباً.
يقول: ما هي أحسن طبعة لشرح العلل لابن رجب؟
стр. 806
شرح العلل -علل الترمذي- للحافظ ابن رجب تنال عنايتي منذ أن ظهر الكتاب بتحقيق نور الدين عتر، ومنذ أن خرج وأنا عنايتي به من خلال هذه الطبعة، وكون الإنسان يرجع إلى أكثر من طبعة هذا عندما يعترضه ما يقتضي ذلك من استغلاق العبارة، أو يغلب على ظنه أنه خطأ الكلام لا يستقيم، يرجع إلى الطبعات الأخرى، واقتناء الطبعات كلها في كل ما يحتاج إليه طالب العلم هو مهم جداً؛ لكن دونه خرط القتاد، فأنا ممن يُعنى بجمع الطبعات في الكتب القديمة بطبعاتها القديمة لكنها مرهقة تحتاج إلى جهد كبير لتحصيلها، وتحتاج مع ذلك متابعة في البحث، وتحتاج إلى مكان واسع، وتحتاج إلى دعم مادي قوي؛ وإلا لو وجد من هذه الطبعة تصحيح جملة تكفي خلاص قيمة هذا الكتاب وصلت، لو صححت جملة واحدة يستقيم بها الكلام المطلوب خلاص.
فكون طالب العلم يقتني الطبعات لا سيما من بعض الكتب الذي هو بأمس الحاجة إليها ما يضره أن يجمع في شرح علل الترمذي عشرة مجلدات مثلاً تحوي جميع طبعات الكتاب، ثم ماذا؟ لكن فتح الباري مثلاً طبع عشر مرات يجمع كم؟ مائتين مجلد صعب، وقل مثل هذا في كتب التفسير الكثيرة، أو كتب الشروح، الذي يصعب على طالب العلم أن يجمعها؛ لكن الكتب الذي حجمها صغير بإمكانه أن يجمع هذه الطبعات من أجل أن يراجع الطبعات الأخرى إذا وقف على خطأ في الطبعة التي بين يديه والتي يعتني بها.
يقول: ما رأيكم في منهج التفريق بين المتقدمين والمتأخرين في التعليم في علوم الحديث عموماً؟
стр. 807
أولاً: لا يشك أحد ولا يجادل ولا ينازع في أن المتأخرين عالة على المتقدمين، وأنه لا علم عند المتأخرين وصل إليهم إلا عن طريق الأئمة الكبار الذين هم عمدة هذا الشأن؛ لكن من يخاطب بمثل هذا الكلام، يخاطب به المنتهي، أما طالب العلم المبتدئ يخاطب بمثل هذا الكلام هذا تضييع له، لا بد أن يتعلم على طريقة المتأخرين، وعلى جادتهم، ثم بعد ذلك إذا تأهل بعد أن يتقن هذه القواعد على الطريقة المشروحة بدأً بالنخبة ثم اختصار علوم الحديث لابن كثير، ثم الألفية وشروحها، ويكثر مع ذلك من التخريج والدراسة للأسانيد, ويعرض أعماله على أهل الاختصاص، فإذا صوبوا عمله، وقارن أحكامه بأحكام الأئمة من المتقدمين والمتأخرين، بعد ذلك تحصل لديه ملكة، يستطيع بواسطتها أن يحاكي المتقدمين، أما إذا قيل له: اعتني بكتب المتقدمين، فإذا اعتمدنا شرح علل الترمذي لابن رجب إيش فيه من القواعد التي يحتاجها طالب العلم المبتدئ؟ هل فيه كل شيء مما يحتاج إليه؟ لا، لا بد أن يطلب العلم على الطريقة والجادة المعروفة، ثم بعد ذك إذا تأهل وعرف القرائن التي بها يرجح قول إمام على قول إمام آخر، حينئذ، وصار في مصف المتقدمين مع أن دون ذلك خرط القتاد، يوجد الآن من طلاب العلم من تبنى هذا الرأي من سنين طويلة؛ لكن هل نستطيع أن نقول: هذا الشخص بعد عشرين، خمسين سنة من الآن يبي يحاكي أحمد أو ابن معين أو الحاكم والرازي، من المستحيل، يعني شخص ما يحفظ، عمدته على العمل والنظر في الأسانيد المرسلة من خلال أقوال العلماء، أحياناً من خلال أقوال المتأخرين، يعني أنه إذا تسنى له الاجتهاد في التصحيح والتضعيف في نوع من المتون، كيف يتسنى له أن يجتهد في كل راوٍ راو من رواة هذه الأحاديث الذين بلغوا مئات الألوف، الرواة بلغوا ألوف مألفة، وكل راوٍ من هؤلاء الرواة تجد فيه من الأقوال المتعارضة المتناقضة الشيء الكثير تجد أحياناً بعض الرواة عشرين قول، فتريد أن تجتهد لتحاكي المتقدمين في تصحيح كل حديث حديث بنفسك، على شان تتأهل تتقوى لديك القرآن التي تحكم بها تحاكي بها المتقدمين، وحكمك على هذه الأحاديث مبني على النظر في كل راو راو من رواة هذه الأحاديث، بالنظر إلى جميع ما قاله
стр. 808
أهل العلم في هذا الراوي، لا شك هذا دونه خرط القتاد، لا نستطيع أن نحاكي أئمة يحفظ الواحد منهم سبعمائة ألف حديث، عجزت البرامج أن تحفظ هذه الأعداد، ولا نصف هذه الأعداد.
على الإنسان أن يعرف قدر نفسه، يتعلم على الجادة، ويأخذ العلم بالتدريج، وإذا تأهل أن يقارن ويوازن بين حكم الإمام أحمد، وحكم أبي حاتم إن استطاع أن يرجح له ذلك، ولا أحد يمنعه، وقل مثل هذا في الاجتهاد في المسائل الفرعية، يعني مناداة طلبة مبتدئين لا يحسنون شيئاً من العلم، وما عرفوا مبادئ العلوم يقال لهم: اجتهدوا تفقهوا من الكتاب والسنة، هذا تضييع، هذا تضييع له؛ لكن إذا تأهل طالب العلم ففرضه الاجتهاد، والذي يتعين عليه أن يدين الله -جل وعلا- بما يوصله إليه اجتهاده بعد النظر في أدلة المسائل من الكتاب والسنة، وبعد النظر في أقوال فقهاء الأمصار لئلا يشذ ويأتي بشذوذات لا يوافق عليها، وقد يخرق الإجماع وهو لا يدري، المقصود أن مثل هذا الطلب يعني توجهه إلى المنتهين أنا عندي أنه له وجه.
أما توجيه هذا الكلام إلى الطلبة المبتدئين أتصور أنه تضييع لهم، إذا تأهل طالب العلم فهذا فرضه، أما إذا لم يتأهل ففرضه ما جاء في قول الله -جل وعلا-: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [(٧) سورة الأنبياء].
هذا يقول: أهل المدينة بانتظار درس شهري في المدينة، وطلاب الجامعة يتمنون أن تستقروا في المدينة، ولا يخفاكم أجر السكنى فيها؟
لا يخفى ما جاء من قوله: ((المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون)) نصوص كثيرة بفضل المدينة؛ لكن ليستحضر الطالب الذي يستحضر هذه النصوص تفرق الصحابة في الأمصار بعد وفاة النبي ﵊، يعني هل الصحابة يخفاهم مثل هذه النصوص؟ أو تفرقوا لينفعوا في بقية الأمصار؟ يعني لو أن العلماء كلهم خوطبوا بمثل هذا، وكلهم اجتمعوا في المدينة وتركت الأمصار، لا شك أن الفائدة والنفع يعني تفرق علماء الأمة في أقطارها لينفع الله بهم وينتشر النفع، والسكنى إلى الآن ما بعد استقر الأمر على شيء، نسأل الله -جل وعلا- أن يعيننا وإياكم على ما ينفعنا في ديننا ودنيانا.
стр. 809
يقول: لماذا أهل العلم يحثون الطلاب للعناية بالإخلاص في طلب العلم خاصة، دون غيره من العبادات؟
стр. 810
لا يا أخي، يمكن أن يتكلم عن الصلاة والزكاة ولا يحتاج إلى الإخلاص؟ الذين يتكلمون عن العلم، الذي يتكلم عن العلم وطلب العلم هل يمكن أن يقول: أن الصلاة لا تقبل إلا بالإخلاص؟ هو يتكلم عما هو بصدده من طلب العلم، فيحث على الإخلاص في طلب العلم، الأمر الثاني: أن الإخلاص في طلب العلم على وجه الخصوص ما ينازعه أكثر مما ينازع الإخلاص في أبواب العبادات الأخرى، يعني يتصور شخص أن يتوضأ في بيته كما أمر، ويحضر إلى الصلاة بسكينة وخشوع، ويؤدي الصلاة على الوجه المأمور مع الإخلاص التام، أو المخدوش خدشاً يسيراً، ما يتصور إلا إذا كان منافق ليس في قلبه شيء من الإخلاص يريد أن يحضر إلى المسجد ليقول الناس: هذا يصلي مع الجماعة، لا سيما مع الفرائض، المسلمون يؤدون الفرائض، ولذا يستشكل بعض طلاب العلم ما يجده في نفسه من ثقل في العبادة، مع قول الله -جل وعلا- عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾ [(١٤٢) سورة النساء] يقول: أنا أقوم كسلان، هل أنا منافق؟ هل أنا منافق لأني أقوم كسلان؟ نقول: يا أخي أنت الفرق بينك وبين المنافق، أنك أنت مصلي مصلي، تبي تصلي رآك أحد وإلا ما رآك أحد، هذه الصلاة لا بد أن تؤديها، وهذا في قرارة ذهنك أنك لن تترك الصلاة إذا لم يراك أحد، بخلاف المنافق، المنافق إذا ما رآه أحد ما صلى، وهذا الفرق بين من يستثقل الصلاة ممن حكم بإسلامه، ولم يحكم بنفاقه، وكثير من المسلمين حتى نسأل الله -جل وعلا- أن يعاملنا بالعفو، قد توجد أحياناً من طلاب العلم استثقال لشيء من العبادات؛ لكن هل يعني هذا أنهم وافقوا المنافقين في كونهم ﴿قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾ [(١٤٢) سورة النساء]؟ نقول: نعم، من هذه الحيثية لكن يبقى أن الفارق الكبير أن المسلم الذي لم يتصف بالنفاق ولو ثقل عليه الأمر لا بد أن يصلي، ولا يدور في باله أنه يترك الصلاة إذا لم يجد أحد بخلاف المنافق، بل لنزداد اطمئناناً بعد من أهل العلم من يرجح من يؤدي الصلاة على ثقل يقول: أجرها أعظم من أجر من يأتي الصلاة وغيرها من العبادات منشرح النفس، منبسط القلب، مرتاح البال، مع أن القول المرجح خلافه، هذا المرجح لهذا
следующие страницы →