Полный текст (1 191 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
شرح العلل -علل الترمذي- للحافظ ابن رجب تنال عنايتي منذ أن ظهر الكتاب بتحقيق نور الدين عتر، ومنذ أن خرج وأنا عنايتي به من خلال هذه الطبعة، وكون الإنسان يرجع إلى أكثر من طبعة هذا عندما يعترضه ما يقتضي ذلك من استغلاق العبارة، أو يغلب على ظنه أنه خطأ الكلام لا يستقيم، يرجع إلى الطبعات الأخرى، واقتناء الطبعات كلها في كل ما يحتاج إليه طالب العلم هو مهم جداً؛ لكن دونه خرط القتاد، فأنا ممن يُعنى بجمع الطبعات في الكتب القديمة بطبعاتها القديمة لكنها مرهقة تحتاج إلى جهد كبير لتحصيلها، وتحتاج مع ذلك متابعة في البحث، وتحتاج إلى مكان واسع، وتحتاج إلى دعم مادي قوي؛ وإلا لو وجد من هذه الطبعة تصحيح جملة تكفي خلاص قيمة هذا الكتاب وصلت، لو صححت جملة واحدة يستقيم بها الكلام المطلوب خلاص.
فكون طالب العلم يقتني الطبعات لا سيما من بعض الكتب الذي هو بأمس الحاجة إليها ما يضره أن يجمع في شرح علل الترمذي عشرة مجلدات مثلاً تحوي جميع طبعات الكتاب، ثم ماذا؟ لكن فتح الباري مثلاً طبع عشر مرات يجمع كم؟ مائتين مجلد صعب، وقل مثل هذا في كتب التفسير الكثيرة، أو كتب الشروح، الذي يصعب على طالب العلم أن يجمعها؛ لكن الكتب الذي حجمها صغير بإمكانه أن يجمع هذه الطبعات من أجل أن يراجع الطبعات الأخرى إذا وقف على خطأ في الطبعة التي بين يديه والتي يعتني بها.
يقول: ما رأيكم في منهج التفريق بين المتقدمين والمتأخرين في التعليم في علوم الحديث عموماً؟
стр. 807
أولاً: لا يشك أحد ولا يجادل ولا ينازع في أن المتأخرين عالة على المتقدمين، وأنه لا علم عند المتأخرين وصل إليهم إلا عن طريق الأئمة الكبار الذين هم عمدة هذا الشأن؛ لكن من يخاطب بمثل هذا الكلام، يخاطب به المنتهي، أما طالب العلم المبتدئ يخاطب بمثل هذا الكلام هذا تضييع له، لا بد أن يتعلم على طريقة المتأخرين، وعلى جادتهم، ثم بعد ذلك إذا تأهل بعد أن يتقن هذه القواعد على الطريقة المشروحة بدأً بالنخبة ثم اختصار علوم الحديث لابن كثير، ثم الألفية وشروحها، ويكثر مع ذلك من التخريج والدراسة للأسانيد, ويعرض أعماله على أهل الاختصاص، فإذا صوبوا عمله، وقارن أحكامه بأحكام الأئمة من المتقدمين والمتأخرين، بعد ذلك تحصل لديه ملكة، يستطيع بواسطتها أن يحاكي المتقدمين، أما إذا قيل له: اعتني بكتب المتقدمين، فإذا اعتمدنا شرح علل الترمذي لابن رجب إيش فيه من القواعد التي يحتاجها طالب العلم المبتدئ؟ هل فيه كل شيء مما يحتاج إليه؟ لا، لا بد أن يطلب العلم على الطريقة والجادة المعروفة، ثم بعد ذك إذا تأهل وعرف القرائن التي بها يرجح قول إمام على قول إمام آخر، حينئذ، وصار في مصف المتقدمين مع أن دون ذلك خرط القتاد، يوجد الآن من طلاب العلم من تبنى هذا الرأي من سنين طويلة؛ لكن هل نستطيع أن نقول: هذا الشخص بعد عشرين، خمسين سنة من الآن يبي يحاكي أحمد أو ابن معين أو الحاكم والرازي، من المستحيل، يعني شخص ما يحفظ، عمدته على العمل والنظر في الأسانيد المرسلة من خلال أقوال العلماء، أحياناً من خلال أقوال المتأخرين، يعني أنه إذا تسنى له الاجتهاد في التصحيح والتضعيف في نوع من المتون، كيف يتسنى له أن يجتهد في كل راوٍ راو من رواة هذه الأحاديث الذين بلغوا مئات الألوف، الرواة بلغوا ألوف مألفة، وكل راوٍ من هؤلاء الرواة تجد فيه من الأقوال المتعارضة المتناقضة الشيء الكثير تجد أحياناً بعض الرواة عشرين قول، فتريد أن تجتهد لتحاكي المتقدمين في تصحيح كل حديث حديث بنفسك، على شان تتأهل تتقوى لديك القرآن التي تحكم بها تحاكي بها المتقدمين، وحكمك على هذه الأحاديث مبني على النظر في كل راو راو من رواة هذه الأحاديث، بالنظر إلى جميع ما قاله
стр. 808
أهل العلم في هذا الراوي، لا شك هذا دونه خرط القتاد، لا نستطيع أن نحاكي أئمة يحفظ الواحد منهم سبعمائة ألف حديث، عجزت البرامج أن تحفظ هذه الأعداد، ولا نصف هذه الأعداد.
على الإنسان أن يعرف قدر نفسه، يتعلم على الجادة، ويأخذ العلم بالتدريج، وإذا تأهل أن يقارن ويوازن بين حكم الإمام أحمد، وحكم أبي حاتم إن استطاع أن يرجح له ذلك، ولا أحد يمنعه، وقل مثل هذا في الاجتهاد في المسائل الفرعية، يعني مناداة طلبة مبتدئين لا يحسنون شيئاً من العلم، وما عرفوا مبادئ العلوم يقال لهم: اجتهدوا تفقهوا من الكتاب والسنة، هذا تضييع، هذا تضييع له؛ لكن إذا تأهل طالب العلم ففرضه الاجتهاد، والذي يتعين عليه أن يدين الله -جل وعلا- بما يوصله إليه اجتهاده بعد النظر في أدلة المسائل من الكتاب والسنة، وبعد النظر في أقوال فقهاء الأمصار لئلا يشذ ويأتي بشذوذات لا يوافق عليها، وقد يخرق الإجماع وهو لا يدري، المقصود أن مثل هذا الطلب يعني توجهه إلى المنتهين أنا عندي أنه له وجه.
أما توجيه هذا الكلام إلى الطلبة المبتدئين أتصور أنه تضييع لهم، إذا تأهل طالب العلم فهذا فرضه، أما إذا لم يتأهل ففرضه ما جاء في قول الله -جل وعلا-: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [(٧) سورة الأنبياء].
هذا يقول: أهل المدينة بانتظار درس شهري في المدينة، وطلاب الجامعة يتمنون أن تستقروا في المدينة، ولا يخفاكم أجر السكنى فيها؟
لا يخفى ما جاء من قوله: ((المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون)) نصوص كثيرة بفضل المدينة؛ لكن ليستحضر الطالب الذي يستحضر هذه النصوص تفرق الصحابة في الأمصار بعد وفاة النبي ﵊، يعني هل الصحابة يخفاهم مثل هذه النصوص؟ أو تفرقوا لينفعوا في بقية الأمصار؟ يعني لو أن العلماء كلهم خوطبوا بمثل هذا، وكلهم اجتمعوا في المدينة وتركت الأمصار، لا شك أن الفائدة والنفع يعني تفرق علماء الأمة في أقطارها لينفع الله بهم وينتشر النفع، والسكنى إلى الآن ما بعد استقر الأمر على شيء، نسأل الله -جل وعلا- أن يعيننا وإياكم على ما ينفعنا في ديننا ودنيانا.
стр. 809
يقول: لماذا أهل العلم يحثون الطلاب للعناية بالإخلاص في طلب العلم خاصة، دون غيره من العبادات؟
стр. 810
لا يا أخي، يمكن أن يتكلم عن الصلاة والزكاة ولا يحتاج إلى الإخلاص؟ الذين يتكلمون عن العلم، الذي يتكلم عن العلم وطلب العلم هل يمكن أن يقول: أن الصلاة لا تقبل إلا بالإخلاص؟ هو يتكلم عما هو بصدده من طلب العلم، فيحث على الإخلاص في طلب العلم، الأمر الثاني: أن الإخلاص في طلب العلم على وجه الخصوص ما ينازعه أكثر مما ينازع الإخلاص في أبواب العبادات الأخرى، يعني يتصور شخص أن يتوضأ في بيته كما أمر، ويحضر إلى الصلاة بسكينة وخشوع، ويؤدي الصلاة على الوجه المأمور مع الإخلاص التام، أو المخدوش خدشاً يسيراً، ما يتصور إلا إذا كان منافق ليس في قلبه شيء من الإخلاص يريد أن يحضر إلى المسجد ليقول الناس: هذا يصلي مع الجماعة، لا سيما مع الفرائض، المسلمون يؤدون الفرائض، ولذا يستشكل بعض طلاب العلم ما يجده في نفسه من ثقل في العبادة، مع قول الله -جل وعلا- عن المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾ [(١٤٢) سورة النساء] يقول: أنا أقوم كسلان، هل أنا منافق؟ هل أنا منافق لأني أقوم كسلان؟ نقول: يا أخي أنت الفرق بينك وبين المنافق، أنك أنت مصلي مصلي، تبي تصلي رآك أحد وإلا ما رآك أحد، هذه الصلاة لا بد أن تؤديها، وهذا في قرارة ذهنك أنك لن تترك الصلاة إذا لم يراك أحد، بخلاف المنافق، المنافق إذا ما رآه أحد ما صلى، وهذا الفرق بين من يستثقل الصلاة ممن حكم بإسلامه، ولم يحكم بنفاقه، وكثير من المسلمين حتى نسأل الله -جل وعلا- أن يعاملنا بالعفو، قد توجد أحياناً من طلاب العلم استثقال لشيء من العبادات؛ لكن هل يعني هذا أنهم وافقوا المنافقين في كونهم ﴿قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾ [(١٤٢) سورة النساء]؟ نقول: نعم، من هذه الحيثية لكن يبقى أن الفارق الكبير أن المسلم الذي لم يتصف بالنفاق ولو ثقل عليه الأمر لا بد أن يصلي، ولا يدور في باله أنه يترك الصلاة إذا لم يجد أحد بخلاف المنافق، بل لنزداد اطمئناناً بعد من أهل العلم من يرجح من يؤدي الصلاة على ثقل يقول: أجرها أعظم من أجر من يأتي الصلاة وغيرها من العبادات منشرح النفس، منبسط القلب، مرتاح البال، مع أن القول المرجح خلافه، هذا المرجح لهذا
стр. 811
القول يقول: أدى العبادة وجاهد نفسه، وعليه شيء من الثقل كل هذه يؤجر عليها، الذي جاء منشرح هذا يؤجر على عبادته؛ لكن لا يؤجر على المجاهدة، نقول: لا، هذا أفضل وهو الموافق لما كان عليه النبي ﵊ وهو يقول: ((أرحنا يا بلال بالصلاة)) ويأتي إليها وهو متشوق إليها، متشوف لها، مشتاق إليها، نعم فأجره أعظم، ولنعلم جميعاً أننا لن نصل إلى هذه المرحلة أرحنا بالصلاة حتى نتجاوز المرحلة الأولى التي هي مرحلة امتحان، وقل مثل هذا في الصيام، صيام النوافل مثلاً، قيام الليل كابد السلف سنين طويلة من مشقة قيام الليل ثم تلذذوا به، فهم ما وصلوا إلى هذه المرحلة حتى تجاوزوا المرحلة التي قبلها.
يقول: نريد إقامة دورة علمية قبل نهاية الفصل الدراسي، وذلك حتى يشهد الطلاب قبل السفر إلى بلادهم حتى ينالوا .... ؟
المقصود أنه يريد دورة في نهاية الفصل، يعني قبل أن يتفرق الطلاب، ويتوزعوا إلى بلدانهم، وأظن التخطيط جار على هذا، وقد فعلنا ذلك في السنة الماضية.
وهذا يسأل عن فتح المغيث هل طبع أم لا؟
تم صفه، والآن هو في المراجعة النهائية -إن شاء الله تعالى-.
يقول: كيف يمكن للطالب أن يوازن بين دروس الجامعة والدروس الخارجية مع ما لا يخفاكم من التزاحم والتراكم، أفيدونا جزاكم الله خيراً؟
التوفيق سهل، إذا عرفت الهدف الذي من أجله خلقت، وهو تحقيق العبودية، وهذه العبودية لا تتم على الوجه المطلوب إلا بمعرفة ما يصححها وما يفسدها، فإذا عرفت أنك خلقت لهذا تجاوزت هذه العقبات، وأقبلت لحلق العلم، وأنت منشرح الصدر، فيمكنك أن توازن ولا سيما أن الدروس العلمية ليست في وقت الدراسة النظامية، فبالإمكان أن يدرس الإنسان في أول النهار دراسته النظامية، وبعد أن يستريح ويسترخي، الظهر والعصر، ويأخذ حظه من الراحة، ويراجع ما يحتاج إلى مراجعته، أن يحضر الدروس في المغرب مثلاً أو بعد العشاء، ولا تزاحم.
يقول: ألا ترون أن تكون الدراسة الأكاديمية مركزة أكثر مما هي عليه الآن على المداخل للعلوم مثل مقدمة التفسير لابن تيمية، ودراسة كتب الأحاديث الستة وكيفية التعامل معها، ومناهج المفسرين وغيرها من الأصول في التعريف بالمفاتيح؟
стр. 812
معرفة المفاتيح أمر مهم، وعلوم الآلة يوليها أهل العلم عناية فائقة؛ لأنها تيسر عليهم فهم المقاصد والغايات، لا بد من أن يوجد مقررات تعرف طلاب العلم بما يريدون قراءته من كتب التفسير من معرفة مناهج المفسرين، ومعرفة ما تشتمل عليه هذه الكتب الكبيرة من المحاسن والمآخذ، وقل مثل هذا في شروح كتب السنة، وقل مثل هذا في كتب الفقه، وترتيبها في الأولويات، يحتاج طالب العلم كثير من هذا.
يقول: عندما أقرأ في كتب الفقه أتجاوز الكثير من الفروع، فما رأيكم بهذه الطريقة؟
هذه الطريقة لا تجدي؛ لأن الفروع بعضها مبني على بعض، وكتب الفقهاء ألفت بعناية ودقة، ورتبت فيها العلوم، فتأخذ كما ألفت، وتدرس على الطريقة التي شرحناها.
يقول: بعض طلبة العلم هدانا الله وإياهم يتكلمون على المشايخ؟
حصل الكلام حتى وجد في بعض وسائل الإعلام الكلام على المشايخ، ولا شك أن هذه يؤدي إلى التقليل من شأنهم، ويليه عدم الأخذ منهم، ثم بعد ذلك تضيع الأمة؛ لأن الأمة إذا حيل بينها وبين علمائها بهذه الطريقة لا شك أن الناس سيبحثون عن بدائل، ولا بديل عن شيوخنا الكبار أهل العلم والعمل.
يقول: نجد من أنفسنا وممن حولنا من طلاب العلم حاجة إلى التوجيه في أمرين: فيما بين العبد وبين ربه، وكيف يصلح العبد قلبه، وفي العمل بالآداب؟
هذه في مناسبات كثيرة تكلمنا عليها طويلاً، وذكرنا بعض الأمور التي يوجد فيها الخلل عند السامع والمتكلم، ونسأل الله -جل وعلا- أن يعيننا على ما يصلح قلوبنا، ويجعلها سليمة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، لا بد من البحث عما يحقق هذا الوصف للقلب.
يقول أيضاً: في منهجية طلب العلم عموماً والأصول والفقه خصوصاً؟ يقول: فنناشدك الله أن تبين لنا هذه الأمور بجلاء حتى نخرج من الظلمة التي نحن فيها، فيكون ذلك من الصدقات الجارية؟
في أشرطة كثيرة حول كيفية تحصيل العلم في العلوم كلها، وهي أيضاً أشرطة تداولها الإخوان، وكانت لقاءات على الهواء في الإذاعة، خمسة لقاءات، سموها كيف يبني طالب العلم مكتبته؟
стр. 813
ذكرنا كيف يستفيد طالب العلم من هذه الكتب، فالطالب محتاج في مثل هذه، يراجع هذه الأشرطة، أيضاً فيه معالم في طريق الطلب، فيه مفاتيح العلم، في أمور كثيرة، ونسأل الله -جل وعلا- أن يعاملنا بالعفو، نأخذ من هذا، مع أني لا أكتب أنا، فيحصل من هذا تكرار، ويحصل أيضاً ترديد قد يكون مملولاً عند بعض الطلاب؛ لكن بعض الطلاب يحتاج إلى شيء منه.
يقول: من خرج من بلده وعليه حقوق الناس، يعني الفلوس بينهم ثم جاء إلى مكة هنا فحج قبل أن يرد عليهم أموالهم ثم رد عليهم بعد الحج هل حجه جائز؟
نعم حجه صحيح، وعليه الإثم بحجه وهو مدين، ولم يستأذن من دائنيه، فإذا وفىّ لهم حقوقهم برئت ذمته وحجه صحيح، وعليه أن يستحلهم، لا سيما إذا كانت الديون حالة عندما حج.
مما يشجع طالب العلم، ويجعله يتجاوز بعض العوائق، ويجعله ينشط في الطلب، ما ضربه أهل العلم من أروع الأمثلة في البذل، إذا كان شيوخ كبار السن يبذلون ليل نهار، والآن يوجد نماذج من أهل العلم من عنده أربعة دروس في اليوم، ووجد في المتقدمين من كان عنده من الدروس اثنا عشر درس، وذكروا في ترجمة الطيبي شارح (المشكاة) أنه يجلس بعد صلاة الصبح لتفسير القرآن إلى أن تزول الشمس، جلسة واحدة مع طلابه، فإذا زالت الشمس تجهز لصلاة الظهر، ثم جلس ينتظر الصلاة، فإذا سلم شرع في شرح البخاري إلى أن يؤذن العصر، ثم يصلي العصر، ثم يجلس إلى المغرب لكتاب ثالث وهكذا.
احنا نستكثر أن نأتي إلى درس يحتاج إلى خمس دقائق، عشر دقائق، والدرس ما يصفو منه ساعة في اليوم، العلم لا يستطاع براحة الجسم، كما قال يحيى بن أبي كثير فيما سقناه وشرحناه، وذكرنا مناسبته عند الإمام مسلم في الدرس الماضي.
يقول: إننا عند مطالعتنا لكتب العلماء يتكرر معنا قولهم: "إن هذا النص أو هذا الحديث خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له".
стр. 814
جاء في حديث الزكاة في كتاب أبي بكر الصديق الذي كتبه في الصدقات،. . . . . . . . . في كتابه في الصدقات التي فرضها رسول الله ﷺ ثم قال: "في الإبل في سائمتها في كل خمس شاة، في الغنم في سائمتها في كل خمسين شاة" فنص على السوم، وجاء أيضاً في غيره النص على السوم بالنسبة للبقر، فاشترط العلماء في زكاة بهيمة الأنعام أن تكون سائمة، آخذاً من هذه النصوص، وأن هذا القيد معتبر، ومفهومه مقصود، بحيث إذا لم تكن هذه البهيمة من الأنعام من الإبل والبقر والغنم سائمة لا زكاة فيها زكاة بهيمة الأنعام، أما إذا أعدت للتجارة ففيها زكاة عروض التجارة، سواءً كانت سائمة أو معلوفة.
المقصود أن هذا القيد معتبر عند الجمهور، المالكية يرون أن السوم ليس بشرط، طيب "في سائمتها" ماذا نقول في هذا الوصف؟ خرج مخرج الغالب؛ لأن غالب بهيمة الأنعام في عصر النبوة سائمة، فلا مفهوم له.
هذا موجود عند أهل العلم وبكثرة، فتجد من أهل العلم من يرى أن الوصف مؤثر وله مفهوم، ومنهم من يلغي المفهوم لمعارض عنده، متى نحتاج إلى إلغاء المفهوم؟ المفهوم جماهير أهل العلم يعملون به، نعم مفهوم المخالفة معمول به عند الجمهور؛ لكن متى يلغى المفهوم؟ يلغى المفهوم إذا عورض بمنطوق أقوى منه، يعني في قوله -جل وعلا-: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [(٨٠) سورة التوبة] مفهومه أنك لو استغفرت واحد وسبعين مرة أنه يغفر لهم؛ لكن هذا المفهوم معارضه به بقوله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [(٤٨) سورة النساء] فالمفهوم ملغى، النهي عن أكل الربا أضعافاً مضاعفة، مفهومه أنه لو كان ضعف واحد يجوز أو لا يجوز؟ يجوز؛ لكن هذا المفهوم ملغى، بدليل أنه معارض بمنطوق أقوى منه، فيحتاج لمثل هذا عند المعارضة، نسأل الله -جل وعلا- التوفيق والإعانة للجميع.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 815
معالم في طريق طلب العلم
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فالموضوع موضوع في غاية الأهمية، وهو من السعة والطول بحيث لا يمكن أن يحاط به في محاضرة، بل ولا في دورة، وترددت كثيراً من أين أبدأ؟ وكيف أبدأ؟ هل أنقل لكم ما قاله الله -جل وعلا- في فضل هذا العلم، وما ذكره، وما نقل عن رسوله ﵊، وما ثبت عن سلف هذه الأمة في هذا الباب، أو أنقل لكم تجارب في هذا العلم، صدرت ممن عانى هذا العلم، وتعب في تحصيله، المقصود أنني اجتهدت فذكرت -أو سأذكر لكم- إن شاء الله تعالى بعض النصوص التي تدل على فضل هذا العلم، والمراد بهذا العلم، مما يشحذ همة طالب العلم، وأذكر لكم -إن شاء الله تعالى- على سبيل الإجمال والاختصار الشديد بعض المعالم التي هي عنوان المحاضرة، وما ينبغي لطالب العلم أن يصحبه في هذه الرحلة المباركة، وهي طلب العلم الشرعي الشريف.
стр. 816
من النصوص التي جاءت في فضل العلم ما قال المولى -جل وعلا-: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [(١١) سورة المجادلة] درجات، ما هذه الدرجات التي يرتفع بها أهل العلم على من سواهم؟ وهذه الدرجات لا شك أنها متفاوتة، فلكل عالم منها نصيبه، فمنهم من يحوز منها أعلى الدرجات، ومنهم من هو دون ذلك، ومن أعظم ما يستدل به على فضل العلم مما أطنب ابن القيم -رحمه الله تعالى- في بيانه وشرحه وتوضيحه في كتابه العظيم (مفتاح دار السعادة) قوله -جل وعلا-: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ﴾ [(١٨) سورة آل عمران] يمر بها الطالب يقرأها، ويمر بها الكبير والصغير ولا تحرك ساكناً هذه الآية، وهي آية عظيمة في فضل العلم وأهله ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [(١٨) سورة آل عمران] يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "استشهد سبحانه بأولي العلم على أجل مشهود، وهو توحيده، وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه" ثم ذكر هذه الوجوه، أوردها باختصار شديد؛ لأنه أطنب -رحمه الله تعالى- كعادته إذا سال واديه في أي مسألة -رحمة الله عليه- حتى يملأ الخوابي، ويبلغ الروابي -رحمة الله عليه-، وبالمناسبة، وقبل أن نفوت هذه المناسبة ينبغي لطالب العلم أن يعنى بكتب هذا الإمام المحقق -رحمة الله عليه-.
الوجه الأول: استشهادهم دون غيرهم من البشر، استشهادهم على أجل مشهود عليه، استشهادهم على هذا الأمر العظيم دون غيرهم من البشر.
والثاني: اقتران شهادتهم بشهادته -جل وعلا-.
والأمر الثالث: اقتران شهادتهم أيضاً بشهادة ملائكته.
стр. 817
والرابع: أنه في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم، من أي وجه؟ الشهادة إنما يطلب لها العدول، يعني لو شهد شخص على أدنى شيء من حطام الدنيا طلبت تزكيته وتعديله، فكيف بمن يشهد على أجل مشهود عليه؟ إن في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم، فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول، ومنه الأثر المعروف عن النبي ﷺ هذا كلام بن القيم-: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)) يقول: الأثر المعروف مختلف في ثبوته، وممن أثبته الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)) فابن القيم أخذ من الآية تزكية أهل العلم وتعديلهم، واستشهد بهذا الحديث الذي هو عمدة ابن عبد البر في تعديل أهل العلم، وأن كل من عرف بحمل العلم فهو عدل، ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)) يعني العدول الثقات هم الذين يحملون هذا العلم، والحديث مختلف في ثبوته؛ لكن ممن أثبته الإمام أحمد، فعلى افتراض ثبوت هذا الخبر هل يدل على ما أدعاه بن عبد البر؟ ابن القيم ﵀ استشهد به على دلالة الآية؛ لكن يدعي ابن عبد البر -رحمة الله عليه- أن كل من يحمل العلم فهو عدل، فهل الواقع كذلك أو لا؟ هل يوجد في واقع الناس على مر العصور من يحمل العلم الشرعي وهو غير عدل؟ يوجد ولا ما يوجد؟ إذاً كيف يقول ابن عبد البر من عرف بحمل العلم فهو عدل؟ يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
قلت: ولابن عبد البر كل من عُني ... بحمله هذا العلم ولم يُوهنِ
فهو عدل بقول المصطفى ... يحمل هذا العلم لكن خولفا
стр. 818
خولف ابن عبد البر في هذه الدعوة؛ لأنه وجد في الواقع من يحمل شيئاً من العلم الشرعي، بل قد يكون من أعلم الناس، وأشدهم استحضاراً للمسائل العلمية؛ لكنه غير عدل، يعني يوجد من يحمل هذا العلم من الفساق ممن يخالف عمله قوله، يعني على ثبوت هذا الحديث كيف نجيب عنه؟ هل هذا خبر بمعنى الخبر الذي لا يختلف، بل لا بد أن يطابق الواقع؟ أو أن هذا وإن كان لفظه لفظ الخبر فالمراد به الأمر؟ فيكون الحديث والخبر حث للثقات العدول على حمل العلم، بحيث لا يترك مجال للفساق بأن يكون لهم موقع بين أهل العلم بدليل ما جاء في بعض طرقه بلام الأمر: ((ليحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)) ونظير ذلك: ((ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى)) هل في الخبر طرد للصغار أو حث للكبار على أن يتقدموا بحيث لا يتركون مجالاً للصغار أن يلوا الأئمة؟ نعم، يوجد في الواقع من ينتسب إلى العلم من عنده مخالفات شرعية، على أنه يمكن أن يقال: أن العلم الشرعي لا يحمله إلا العدول الثقات، وإنما يحمله بعض من عندهم مخالفات أو فسق لا يسمى علم شرعي؛ لأنه وإن استحضر مسائل علمية في أدلتها، وعرف مظانها، وفهمها على وجهها، إلا أنها في الحقيقة ليس بعلم؛ لأن العلم إنما هو ما نفع، العلم إنما هو ما ينفع، وما يوصل إلى مرضات الله -جل وعلا-، أما مجرد معرفة المسائل العلمية مع مخالفتها هذا وبال على صاحبها، نسأل الله السلامة والعافية، وهذا في الحقيقة ليس بعلم، العلم إنما هو ما نفع.
نعود إلى كلام ابن القيم في استشهاد العلماء بالآية، يقول:
الخامس: أن الله وصفهم بكونهم أولي العلم، وهذا يدل على اختصاصهم به، وأنهم أهله وأصحابه، ليس بمستعار لهم، يعني إذا قلنا للطبيب: عالم، وقلنا للمهندس: عالم، وقلنا للمزارع: عالم في فنه، وقلنا للصانع: عالم؛ لكن من يقول الله -جل وعلا- عنه عالم، هذه هي الحقيقة التي حث عليها في كتابه، وعلى لسان نبيه ﵊، فالله وصفهم بكونهم أولي العلم، وهذه هي الحقيقة الشرعية للعلم.
السادس: أنه استشهد بنفسه، وهو أجل شاهد، ثم بخيار خلقه، وهم ملائكته، والعلماء من عباده، ويكفيهم بهذا فضلاً وشرفاً.
стр. 819
والسابع: أنه استشهد بهم على أجل مشهود به، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، واستشهد بهم على أجل مشهود به وأعظمه، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والعظيم القدر إنما يستشهد على الأمر العظيم، لا شك أنه إنما يستشهد على الأمر العظيم أكابر الخلق وساداتهم، لو كان لك مبلغ يسير على شخص تأتي إلى علية القوم يشهدون لك، تذهب بهم إلى المحاكم وتحضرهم، وتأخذ مواعيد من القضاة، وترددهم على أمر يسير؟ لا، إنما يطلب مثل هؤلاء، الملأ، علية القوم، يطلبون للأمور الكبيرة، ولا شك أنك تفضل ترك ما لك من حق على استشهاد مثل هؤلاء الكبار، إذا كان شيئاً يسيراً.
يقول الثامن: "أنه سبحانه جعل شهادتهم حجة على المنكرين، فهم بمنزلة أدلته وبراهينه الدالة على توحيده" جعل شهادتهم حجة على المنكرين، يعني من أنكر الربوبية، من أنكر الألوهية من يشهد عليه؟ يشهد عليه من أُثبتت شهادته في هذه الآية.
التاسع: أنه سبحانه أفرد الفعل المتضمن لهذه الشهادة منه، ومن ملائكته، ومنهم، يعني من أهل العلم، أفرد الفعل المتضمن لهذه الشهادة، ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ﴾ [(١٨) سورة آل عمران] فهي شهادة واحدة على مشهود به واحد، وإن كان للخالق ما يخصه، وللمخلوق ما يخصه، لم يعطف شهادتهم بفعل آخر غير شهادته، ما قال: شهد الله أنه لا إله إلا هو، وشهد ملائكته، وشهد العلماء؟ لا، وهذا يدل على شدة ارتباط شهادتهم بشهادته، فكأنه سبحانه شهد لنفسه بالتوحيد على ألسنتهم، وأنطقهم بهذه الشهادة، فكان هو الشاهد بها لنفسه إقامة، بمعنى أنه شهد هو بنفسه، وإنطاقاً وتعليماً، وهم الشاهدون بها له اقراراً واعترافاً وتصديقاً وإيماناً.
стр. 820
العاشر: "أنه سبحانه جعلهم مؤدين لحقه عند عباده بهذه الشهادة يعني حق الله -جل وعلا- على العباد ما حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وهذا هو معنى لا إله إلا الله، هذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، أنه جعلهم مؤدين لحقه عند عبادة بهذه الشهادة، فإذا أدوها فقد أدوا الحق المشهود به، فثبت على الخلق الإقرار به، فكان ذلك غاية سعادتهم في معاشهم ومعادهم، وكل من ناله الهدى بشهادتهم، وأقر بهذا الحق بسبب شهادتهم فلهم من الأجر مثل أجره، هم بهذه الشهادة أقاموا هذا الحق، فمن عمل بهذا الحق يكون لهم من الأجر مثل أجر هذا الذي عمل بهذا الحق؛ لأنه الدال على الخير كفاعله، وهذا فضل عظيم لا يعرف قدره إلا الله -جل وعلا-، وكذلك كل من شهد بها عن شهادتهم، فلهم من الأجر مثل أجره أيضاً، فهذه عشرة أوجه في هذه الآية، وهذا يدلنا على أمر عظيم جداً، وهو عظم أجر من عني بهذه الشهادة، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، فبينها للناس، ودعاهم إليها، ووضحها، وكشف شبهات من نقضها، أو أتى بما يناقضها بقصد أو غير قصد، وبهذا تنال الإمامة بالدين اقتداءً بالأنبياء والرسل، وعلى رأسهم سيدهم نبينا محمد -عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم- الذي مكث في مكة ثلاثة عشرة سنة يقرر هذه العقيدة الصافية من خلال شهادة أن لا إله إلا الله، وسار على دربه أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين، وسلف هذه الأمة، ومن تبعهم على مر القرون، وأنتم من خلال سماعكم ومطالعتكم من نال الإمامة بالدين بغير الدعوة إلى هذه الشهادة الخالصة الصافية، وُجد من برز في العلوم كلها؛ لكن عنده شيء يخل بصفاء هذه الشهادة، لا يكتب له من نباهة الذكر واشتهار الأمر والاقتداء به مما يجعل أجره يجري مئات السنين بعد وفاته بقدر ما يناله من حقق هذه الشهادة، ودعا إليها من آخر من دعا إليها مع صفاء الدعوة على ما جاء عن الله وعن رسوله ﵊، وجاهد دونها، وكشف شبهات من أراد أن أو أتى بما ينقضها الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب، وأدخله الجنة بدون حساب، وجمعنا به ووالدينا وجميع المسلمين في جنات النعيم.
стр. 821
من علامة التوفيق لطالب العلم وللعالم الاهتمام بهذه الشهادة، والدعوة إليها، وبيان ما يضادها وينقضها، والعناية بقراءة وإقراء الكتب التي تُعنى بها من كتب أئمة هذه الدعوة، وكتب من قبلهم من أئمة الإسلام من سلف هذه الأمة وأئمتها.
стр. 822
من الأدلة على فضل العلم والعلماء قوله -جل وعلا-: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [(٩) سورة الزمر] فنفى التسوية بينهم وبين غيرهم، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، هل هذا مجرد استفهام مطلوب جوابه؟ لا، هذا نفي للتسوية بين أهل العلم وبين غيرهم؛ لكن هذا النفي مقرون بأمر عظيم تقدمه فعلى طالب العلم أن يستحضر السبب الذي نفيت فيه هذه التسوية، وهو في صدر الآية، في صدر الآية يقول الله -جل وعلا-: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [(٩) سورة الزمر] يعني هل يمكن فصل عجز الآية عن صدرها لا يعني سبب عدم أو نفي هذه التسوية ما اتصف به أهل العلم، مما أشير إليه في صدر هذه الآية، أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه خائفاً راجياً وجلاً، هذا هو المفضل على غيره، والله المستعان، وهذا يجرنا إلى أمر جاء في كتاب الله -جل وعلا- على سبيل الحصر للعلماء ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [(٢٨) سورة فاطر] فالذي علمه لا يزيده من خشية الله -جل وعلا- فهذا في الحقيقة ليس بالعلم؛ لأنه على سبيل الحصر هل يستطيع أن يقول قائل: أن هذا حصر إضافي ليس بحصر حقيقي، والله -جل وعلا- يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [(٢٨) سورة فاطر] والنبي ﵊ أخشى الناس وأتقاهم، فهل يوجد عالم لا يخشى الله -جل وعلا- بعد هذا الأسلوب الذي يقتضي الحصر فيهم، من شرف العلماء وفضلهم أن الله -جل وعلا- جعل أهل الجهل بمنزلة العميان، جعل الله -جل وعلا- أهل الجهل بمنزلة العميان الذين لا يبصرون، فقال تعالى: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [(١٩) سورة الرعد] فقابل الذي يعلم بالأعمى، العلم نقيض العمى وإلا نقيض الجهل؟ نقيض الجهل، فلما جعل العمى في مقابلة العلم صار الجهل عمى، إذا كان الذي يقابل العلم هو الجهل، وجُعل العمى
стр. 823
مقابلاً للعلم إذاً الجهل عمى، قال ابن القيم: "فما ثم إلا عالم أو أعمى" وقد وصف الله أهل الجهل بأنهم صم بكم عمي في غير موضع، في أخلاق العلماء للآجري قال ﵀: فما ظنكم -رحمكم الله- بطريق فيه آفات كثيرة، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء فما ظنكم -رحمكم الله- في طريق فيه آفات كثيرة، وادٍ مهلكة فيه سباع وهوام، ويحتاج الناس إلى سلوكه، يعني لا مندوحة لهم من سلوكه في ليلة ظلماء فإن لم يكن فيه ضياء وإلا تحيروا، فقيض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم فسلكوه على السلامة والعافية تصور وادٍ مهلكة فيها هوام، وفيه سباع، وفيه وحوش، في ليلة شديدة الظلام، وأنت مضطر إلى سلوكه، ثم يأتيك من بيده مصباح يمشي به بين يديك، هل له فضل عليك أو لا؟ أي فضل لهذا؟! يقول: "فقيض الله لهم فيه مصابيح لهم فسلكوه على السلامة والعافية، ثم جاءت طبقات من الناس لا بد لهم من السلوك فيه فسلكوا، فبينما هم كذلك إذ طفأت المصابيح، فبقوا في الظلمة، فما ظنكم بهم؟! هكذا العلماء في الناس، لا يعلم كثير من الناس كيف أداء الفرائض، ولا كيف اجتناب المحارم، ولا كيف يعبد الله في جميع ما يعبد إلا ببقاء العلماء، كلام في غاية الوضوح، تصور جمع غفير من الناس، أو بلد كبير ليس به عالم، كيف يتعبد الناس، كيف يعبد الناس ربهم على مراده -جل وعلا-؟ يقول: "فإذا مات العلماء تحير الناس، ودرس العلم بموتهم، وظهر الجهل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، مصيبة ما أعظمها على المسلمين ... "إلى آخر كلامه -رحمه الله تعالى-.
стр. 824
من أعظم المصائب على هذه الأمة موت نبيها ﵊ الذي لا يمكن أن يصل أحد إلى شيء من العلم إلا من طريقه ﵊ لكنه تركنا على المحجة على البيضاء ليلها كنهارها، ترك فينا الكتاب والسنة، ولا شك أن موت العلماء وكل بحسب نفعه للأمة، بحسب نفعه وما يقدمه من نفع متعدي، فجيعة موت العلماء فاجعة، وثلمة في الدين لا تسد، وأدركتم شيء من هذا بموت بعض العلماء الراسخين في هذه البلاد وفي غيرها، تركوا ثلمة لا تسد، ولا شك أن الخير موجود في أمة محمد، وهذه البلاد -ولله الحمد- محط أنظار العالم كله، وفيها من العلماء العاملين، فيها العباد والزهاد، وفيها الدعاة والقضاة، والخير موجود، وطلاب العلم لا يحصرهم عدد -ولله الحمد-، وجلهم -ولله الحمد والمنة- على الجادة، والله المستعان.
ومن شرف العلماء أن الله -جل وعلا- أمر بسؤالهم والرجوع إلى أقوالهم، فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [(٤٣) سورة النحل] وأهل الذكر هم أهل العلم بما أنزل الله على أنبيائه، والذكر يدخل فيه دخولاً أولياً القرآن ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [(٩) سورة الحجر] المراد به القرآن، وليس في هذا مستمسك لما يروجه بعض المتصوفة أن الذين يُسألون هم أهل الأفكار المبتدعة من شيوخهم، يقول قائلهم: الله -جل وعلا- ما قال: اسألوا أهل العلم، قال: اسألوا أهل الذكر، يقول: ما المراد بالذكر؟ فالله -جل وعلا- يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [(٩) سورة الحجر] ما هذا الذكر؟ هو القرآن، فالذي يسأل هم أهل القرآن الذين عنوا بكتاب الله -جل وعلا- حفظاً وقراءة وتعلماً وتعليماً وتدبراً وتفقهاً هم العلماء العاملون.
стр. 825
ومن ذلك أن الله -جل وعلا- سلا نبيه بإيمان أهل العلم به، وأمره أن لا يعبأ بالجاهلين، فقال -جل وعلا-: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾ [(١٠٦) سورة الإسراء] ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا﴾ جهال ﴿آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾ [(١٠٧ - ١٠٨) سورة الإسراء] إذا آمن أهل العلم الجهال لا تعبأ بهم، فالله -جل وعلا- سلا نبيه بهذا، يقول بن القيم: "وهذا شرف عظيم لأهل العلم، وتحته أن أهله العالمون قد عرفوه، وآمنوا به، وصدقوه، فسواء آمن به غيرهم أم لا".
стр. 826
ومن ذلك أن الله مدح أهل العلم، وأثنى عليهم وشرفهم بأن جعل كتابه آيات بينات في صدورهم، وهذه خاصة ومنقبة لهم دون غيرهم، فقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [(٤٩) سورة العنكبوت] فالذي ليس في صدره شيء من القرآن هل يمكن أن يقال: أنه من أهل العلم؟ ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [(٤٩) سورة العنكبوت] الذي ليس بجوفه شيء من القرآن ليس من أهل العلم قطعاً؛ لكن أهل العلم يقررون في أبواب الاجتهاد من كتب الأصول أنه لا يلزم حفظ القرآن كاملاً للاجتهاد، والاجتهاد علم المجتهد هو العالم الحقيقي؛ لكنه يقبح ممن يتصدى لإقراء الناس وإفتاءهم وتعليمهم ألا يكون حافظاً لكتاب الله -جل وعلا- نعم قد يكون بعض الناس لا تسعفه الحافظة، لا سيما إذا كان انتباهه لحفظ القرآن متأخراً، قد لا تسعفه حافظته للحفظ، عليه أن يحرص، أن يحفظ ما يستطيع من حفظه، وإن لم يستطع الحفظ كاملاً فعليه أن يديم النظر في هذا الكتاب العظيم على الوجه المأمور به، ويحرص على قراءته بالتدبر والترتيل، وحينئذ يورثه ذلك من العلم واليقين والإيمان ما لا يدركه إلا من فعل فعله، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، وإذا أدام النظر في هذا الكتاب العظيم، وقرأه على الوجه المأمور به، واستنبط منه، وفهمه، وعمل بما علم منه صار من أهله، الذين هم أهل الله وخاصته، يقول بن القيم -رحمه الله تعالى- في زاد المعاد: "أهل القرآن هم العاملون به، وإن لم يحفظوه" لكن لا شك أن الحفظ شأنه عظيم الحفظ شأنه عظيم، ولا علم إلا بحفظ، من فضل العلم أن الله -جل وعلا- لم يأمر نبيه أن يسأله المزيد من شيء سواه، كما في قوله -جل وعلا-: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [(١١٤) سورة طه] وكفى بهذا شرفاً للعلم وأهله إلى غير ذلك من الآيات الشيء الكثير، ومن السنة أيضاً نصوص كثيرة جداً صحيحة صريحة في فضل العلم، وفضل أهله، الحث على طلبه مما ورد فيه قوله ﵊: ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة)) وجاء في
стр. 827
الحديث: ((العلماء ورثة الأنبياء)) ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة)) في هذا بشارة عظيمة لمن يسلك هذا السبيل ويطلب العلم، ويستمر في الطلب، ولو لم يدرك منه شيئاً على حد زعمه، بعض الناس يبدأ بطلب العلم والمقومات قد تكون مستواها أقل، يكون ضعيف الحافظة، وضعيف الفهم، لم يوفق لسلوك جادة مختصرة لتحصيله، فينتقل من شيخ إلى آخر، ومن حلقة إلى أخرى، ويمضي سنة، سنتين، عشر سنوات، عشرين سنة، فإذا حاسب نفسه وجد أنه لم يدرك شيء يذكر، ثم هذا الإحساس يحمله على ترك التعلم، تسهيل طريق الجنة مربوط ببذل السبب، ولم يربط بالنتيجة، ابذل السبب، واسلك هذا الطريق، التمس العلم، نعم احرص على أن تحصل ما تستطيعه من علم؛ لكن إذا لم تدرك لست مطالب بالنتائج، وهذه من نعم الله -جل وعلا- على خلقه أن ربط الأجور ببذل الأسباب، طالب العلم يلتمس العلم ويسهل له به طريق إلى الجنة وإن لم يدرك، العالم يجلس للتعليم وأجره عند الله عظيم ولو لم يستفد منه طلابه، نعم يحرص على أن يفيد الطلاب؛ لكن جلس، وبذل الأسباب، ولم يستفد منه أحد، النبي يأتي وليس معه أحد، وليس في هذا عيب، الآمر الناهي الذي يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر: ((من رأى منكم منكراً فليغره بيده، فإن لم يستطع ... )) يبذل السبب لا يقول: والله أنا يائس من تغيير هذا المنكر، نقول: لا يا أخي أنت مأمور ببذل السبب، والنتائج بيد الله -جل وعلا-، فأنت يسهل لك طريق إلى الجنة، وإن لم تدرك ما تطمع فيه من علم، في الحديث الصحيح: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) والمراد بالفقه هنا جميع أبواب الدين، وعلى رأس ذلك الفقه الأكبر، والفقه العملي، وجميع أبواب الدين، مما يحتاج إليه طالب العلم، وكثير من طلاب العلم تجد حرصه على الفقه العملي؛ لكن الأبواب الأخرى كثير منها مهجور، ونصيبها لو استعرضنا الجداول، جداول الدروس يعني في الرياض على سبيل المثال حدود خمسمائة درس أسبوعي، تجد النصيب الأوفر للفقه، الأحكام العملية؛ لكن ما يخص العقائد أقل، وإن كان موجود -ولله الحمد-، ما يخص التفسير أقل، ما يتعلق بأمراض القلوب وعلاجها أقل، طالب علم يدرك يقول: يخشى أن يقرئ
стр. 828
الناس أو يشرح للناس كتب الرقاق أن يصنف واعظ، ولا يصنف من أهل العلم، ما هذه الخشية؟ هذا من أعظم أبواب العلم، هب أن الناس تعلموا وفقهوا؛ لكن ما الذي يحدوهم إلى العمل؟ إلا مثل هذه الأبواب، فعلى طالب العلم وقبل ذلك على العالم أن تكون نظرته إلى العلم أشمل وأوسع، وأن يعلم الناس جميع أبواب الدين.
стр. 829
ما المراد بالعلم الذي ذكرنا فضله في النصوص؟ المراد به ما عظم شأنه في النصوص الشرعية إنما هو العلم الشرعي، المورث لخشية الله -جل وعلا- كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [(٢٨) سورة فاطر] "أي إنما يخاف من الله -جل وعلا- من علم قدرته وسلطانه، وهم العلماء" قاله ابن عباس، يقول ابن القيم في مدارج السالكين: "الخشية أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء بالله، كما في الآية، فهي خوف مقرون بمعرفة" قال النبي ﵊: ((إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية)) ولا شك أن من كان بالله أعرف كان منه أخوف، وله أتقى، قد يقول قائل: هل الأولى أن يتجه الناس كلهم لتحصيل العلم الشرعي ويترك ما سواه من العلوم التي تنفع في أمور الدنيا؟ العلوم الدنيوية الأخرى النافعة مما يحتاجه المسلمون كالطب والهندسة والزراعة والصناعة وغيرها هذه كغيرها من الحرف حرفة من الحرف إذا طلبت بغير نية هي حرفة مما يكتسب به المال، إنما يؤجر الإنسان في طلبها بقدر نيته في تحصيلها، فإن نوى بها الاستغناء عن الخلق، وكفاية نفسه، وكفاية من يمون، هذا له أجر بهذه النية، وإذا نوى بها رفعة الأمة، وقوتها على أعدائها، وعدم احتياجها إلى غيرها من أعدائها أجر على ذلك أعظم، وهكذا هذه العلوم إن أورثت خشية الله -جل وعلا- وهذا موجود عند بعضهم لا سيما من وفق للتفكر والتأمل صار أجره أعظم يوجد في محيط الأطباء من قاده هذا العلم الدقيق إلى منزلة من الإيمان، قد لا يصل إليها كثير ممن تصدى لطلب العلم الشرعي؛ لكن طالب العلم الشرعي إذا امتثل بقوله -جل وتعالى-: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [(٢١) سورة الذاريات] حصل له من هذا ما هو أعظم لمعرفته للنصوص الشرعية؛ لكن هذه العلوم من طلبها للدنيا فقط أعني علوم الدنيا مما أشرنا إليه من طب وهندسة وزراعة وصناعة وغيرها من العلوم، من طلبها للدنيا فقط هذا لا يأثم، بخلاف العلوم الشرعية التي يبتغى بها وجه الله ، العلم الشرعي من أمور الآخرة المحضة التي لا يجوز التشريك فيها في طلبها، فضلاً عن أن تطلب بغير نية، أو رياء، أو سمعة، أو ليقال، وقد جاء التحذير من ذلك أشد
стр. 830
التحذير، وأبلغ التنفير، ففي حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار، منهم من تعلم العلم وعلمه، فقد يمضي عمره كله مائة سنة نصفها في التعلم، والنصف الثاني في التعليم ثم يكون بعد ذلك أحد الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار، ماذا صنعت يا فلان؟ تعلمت العلم، وعلمته الناس، لا، إنما تعلمت ليقال، وقد قيل، ومثله المجاهد الذي يبذل نفسه ومهجته فيما يبدو للناس، ويظهر للناس أنه يقدمها لإعلاء كلمة الله -جل وعلا-، والأمر خلاف ذلك، إنما ليقال: شجاع، وثالثهم الذي يتصدق بالأموال الطائلة ليقال: جواد، والله المستعان.
يقول الشيخ حافظ الحكمي -رحمه الله تعالى- في ميميته في الوصية بالعلم وطلبه، وهي منظومة جدير بطالب العلم أن يحفظها، ويعنى بها، يقول -رحمه الله تعالى-:
ومن يكن ليقول الناس يطلبه ... أخسر بصفقته في موقف الندمِ
فالإنسان عليه أن يتفقد هذه النية، فالنية شرود، يأتي ليطلب العلم ثم يغفل عن هذه النية فتشرد.
ومن يكن ليقول الناس يطلبه ... أخسر بصفقته في موقف الندمِ
فليطلب العلم طالبه مخلصاً لله ، مبتغياً به وجه الله -جل وعلا- والدار الآخرة، وليحذر من المراءات والممارات، يقول الشيخ حافظ أيضاً ﵀:
إياك واحذر ممارات السفيه به ... كذا مباهاة أهل العلم لا ترمِ
стр. 831
ليحذر طالب العلم أيضاً الكبر، يعني إذا كان ممن أوتي مزيد من حفظ، أو فهم لا يتكبر على غيره؛ لأن المتكبر يصرف عن الإفادة من العلم الشرعي، لا سيما ما يتعلق بالقرآن الكريم، الذي هو أصل العلوم، كلها كما قال -جل وعلا-: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [(١٤٦) سورة الأعراف] المتكبر يصرف عن آيات الله، وبهذا رد مفتي حضرموت الشيخ عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف رد على من اتهم شيخ الإسلام بن تيمية بالكبر؛ لأن بعض من ترجم له نبزه بالكبر، شيخ الإسلام إمام من أئمة المسلمين، إمام علم وعمل وتواضع وتقوى ونشر للعلم وجهاد في سبيل الله، ويأتيك من ينبزه بمثل هذا، ماذا قال مفتي حضرموت عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف له محاضرة ألقاها في تحقيق الفرق بين العامل بعلمه وغيره، نفى الكبر عن شيخ الإسلام ابن تيمية، قد يكون ممن يختلف مع شيخ الإسلام في بعض الأمور؛ لكنها كلمة حق، نفى الكبر عن شيخ الإسلام ابن تيمية، واستند في نقض كلامه -كلام الذي ادعى هذه الدعوى- إلى أنه رأى القرآن على طرف لسانه، وأثلة قلمه، كيف يفسر القرآن لمثل هذا وفيه شيء من الكبر؟ وعلق الإمام البخاري عن مجاهد: "لا يتعلم العلم مستحيي ولا مستكبر" مستحيي بياءين "مستحيي ولا مستكبر" لا شك أن الذي يستحيي والمراد بالحياء الحياء العرفي لا الحياء الشرعي؛ لأن الحياء في الشرع خير كله، والحياء لا يأتي إلا بخير؛ لكن الحياء في عرف الناس الذي يمنع من تحصيل العلم، ويمنع من إنكار المنكر، ويمنع من توجيه الناس ونصحهم وإرشادهم مثل هذا مذموم، وحينئذ لا يدرك من العلم من اتصف بهذا الوصف، وهو الحياء الذي يمنعه، قد يجلس الطالب وفي نفسه أشياء مشكلة، فيستحيي أن يسأل الشيخ، وبلفظ آخر يخجل أن يسأل الشيخ، فتستمر هذه الإشكالات عنده، فكيف تنجلي هذه المشكلات إلا بالسؤال، "ولا مستكبر" قد يستكبر ويستنكف ويترفع على أن يسأل هذا السؤال بين الناس، ويظهر للناس أنه فوق مثل هذا السؤال، وبهذا يحرم العلم.
стр. 832
مما يتعين على طالب العلم الحذر منه العجب والإعجاب ورؤية النفس؛ ولا شك أن هذا من الأمراض المقيتة، فإذا كان الإنسان إذا أعجب بما أوتي من أمور الدنيا قد يعطى الإنسان من هذه الدنيا الشيء الكثير، ويستفيد منه في أمور دينه ودنياه؛ لكن متى يذم؟ إذا طغى، ومتى يطغى؟ ﴿أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ [(٧) سورة العلق] يعني إذا رأى أنه استغنى، وهنا طالب العلم إذا رأى أنه حصل ما يغنيه عن غيره، وأعجب بنفسه حينئذ يهلك إذا وصل إلى هذه المرحلة، فلا شك أنه وصل إلى مرض مزمن يحتاج إلى علاج قوي، ماحق لبركة العلم والعمل، يقول الشيخ حافظ ﵀ في ميميته التي أشرت إليها:
والعجب فاحذره إن العجب مجترف ... أعمال صاحبه في سيله العرمِ
стр. 833
طالب العلم ينبغي أن يتفقد القلب، والقلب لا يخفى عليكم أنه جميع الخطابات الشرعية جاءت موجه إلى ماذا؟ إلى القلب ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)) ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [(٨٨ - ٨٩) سورة الشعراء] فالقلب على طالب العلم أن يعنى به، ويترفع عن هذه الأمراض والأدواء، أيضاً على طالب العلم أن يطرح الكسل، ويشمر عن ساعد الجد في الطلب، فإن العلم لا ينال براحة الجسد، نقله الإمام مسلم عن يحي بن أبي كثير، العلم لا يستطاع براحة الجسم، ما هو بتمني المسألة، وإلا كان كل الناس علماء، كل يعرف منزلة العلماء؛ لكن دونه خرط القتات، لا بد من الجد والاجتهاد، لا بد من ثني النفس وغسلها عن شهواتها، وما حصل أهل العلم ما حصلوا إلا بالسهر، إذا أراد الطالب سلوك هذا الطريق، بعد أن يبذل الأسباب، ويسعى في البراءة من هذه الموانع التي أشرنا إلى بعضها، يسلك أسباب التحصيل، ويبرأ من الموانع، فليسلك الجواد المعروفة عند أهل التحقيق من العلماء الراسخين، الذين يربون طلابهم على العلم النافع والعمل الصالح على الكتاب والسنة وعقيدة أهل السنة والجماعة، وفي هذه البلاد -ولله الحمد- العلماء العاملين الناصحين لهذه البلاد القدح المعلى، وهي أيضاً محط أنضار العالم كله في العلم والفتوى، وحينئذ يبدأ بمن يراه يفيده من الشيوخ؛ لأن الشيوخ مدارس، فالشيخ له طريقته ومنهجه في التعليم، قد يناسب هذا، وقد لا يناسب هذا، ثم ليتخير من المتون ما يناسب سنه وفهمه، من المتون المختصرة في العلوم المعتبرة عند أهل العلم في كل فن مقدم بين يدي ذلك حفظ كتاب الله ، ولو تفرغ في أول الأمر في حفظ القرآن الكريم كاملاً ثم طلب غيره من العلوم ليضمن حفظ القرآن؛ لأن من العلماء تختلف طريقتهم في هذا الأمر فأهل المشرق لهم طريقة، وأهل المغرب لهم طريقة، طريقة المغاربة يجعلون الطالب يحفظ القرآن كاملاً، ولا يدخل عليه شيء من الحفظ، فإذا انتهى من حفظه طلب غيره من العلوم، وإذا ضمن حفظ القرآن اتجه إلى الأمور الأخرى، أما المشارقة فطريقتهم تختلف في
стр. 834
بداية الطلب يحفظون المتون الصغيرة، التي هي بمثابة اللبنة الأولى الأساس لهذا العلم، مع حفظ ما تيسر حفظه من المفصل، ثم يترقى الطالب إلى كتب الطبقة الثانية، ويزيد على ذلك من حفظ القرآن ما يناسب سنه، وهكذا حتى إذا انتهى من الطلب يكون قد حفظ القرآن كاملاً، وأدرك ما يحتاجه من علوم، وليحرص طالب العلم على كتاب الله -جل وعلا-، وما يعينه على فهم كتاب الله من النظر في التفاسير الموثوقة التي كتبها أهل التحقيق، والنظر أيضاً في العلوم التي يسمونها علوم الآلة التي تعين على فهم الكتاب والسنة؛ وليكن حفظه للقرآن وغيره من العلوم على الجادة، فالقرآن مثلاً يخصص ما يريد حفظه، والناس يتفاوتون، من الناس من رزق حافظه تسعفه لو أراد حفظ جزء كامل من القرآن، ومن الناس من لا يستطيع حفظ أكثر من آية، وبقية الناس بين هذين، فيحدد ما يغلب على ظنه أنه يستطيع حفظه، أربع آيات، خمس آيات، عشر آيات، ثم يحفظ هذه الآيات، ويتعلم ما فيها من علم وعمل، يراجع عليها ما يناسب سنه، وتحصيله من التفاسير التي تعينه على فهم هذه الآيات، فإذا انتهى من القرآن فإذا به قد انتهى من العلم والعمل، يتعلم، يحفظ، يفهم، يستنبط، يعمل، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: "حدثنا الذين يقرؤننا القرآن أنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يعلموا ويعرفوا ما فيها من علم وعمل، فتعلموا العلم والعمل جميعا"ً بهذه الطريقة.
стр. 835
العلوم كثيرة: هناك علوم غايات، وهناك وسائل، الغايات هي علم الكتاب والسنة، والوسائل ما يعين على فهم الكتاب والسنة، وليأخذ من كل فن ما يناسبه، ويتدرج في كل فن، والعلماء كتبوا في هذا المجال وأكثروا، وفي مناسبات كثيرة تحدثنا عن هذا الموضوع، فلا أريد أن أطيل فيه؛ لكن إذا اختار الشيخ واختار الكتاب عليه أن يحفظ المقطع الذي يراد شرحه في هذا اليوم، ذكروا في كتب طرق التعلم أنك تردد هذا المقطع حتى تحفظه، من الغد تقرأ ما حفظته بالأمس خمس مرات، ثم تحفظ نصيب اليوم الثاني، في اليوم الثالث تكرر ما حفظته في اليوم الأول أربع مرات، وما حفظته في اليوم الثاني خمس مرات، ثم تزيد نصيب اليوم الثالث، ثم في اليوم الرابع نصيب اليوم الأول ثلاث مرات، والثاني أربع مرات، والثالث خمس مرات، وهكذا تبدأ تترك في اليوم السادس تترك نصيب اليوم الأول، وفي اليوم السابع تترك نصيب الثاني، ضمنته، كم كررته من مرة، وهذه طريقة مجربة ونافعة، فإذا حفظ الطالب هذا النصيب ... ، والشيخ عبد القادر بدران ذكر طريقة لتحضير الدروس نافعة؛ لكن مع الأسف الشديد أن كثير من الطلاب لا يعرف الكتاب إلا عند الشيخ في حلقة الدرس، ومثل هذا قل أن يفلح، الشيخ عبد القادر يقول ﵀: "تحفظ المقدار المحدد مع مجموعة خمسة ستة يكون من الطلاب الجادين الذين يناسبونك في فهمك، وفي مستواك العلمي، ثم كل واحد ينفرد بمفرده، ويشرح ما حفظه من غير الرجوع إلى الشروح، يشرح المقطع، فإذا شرحه قرئ الشرح على هذا الكتاب، وكل واحد معه شرحه، ثم إذا تبين له خطأ في فهمه وفي شرحه صحح، بهذه الطريقة لن يتكرر الخطأ مرة ثانية، خلاص اجتث الخطأ من أساسه، ثم بعد ذلك راجعوا الحواشي، وتناقشوا في الشرح والحواشي، بعد ذلك يذهبون إلى الشيخ، يمثلون بين يديه بكل أدب وتواضع واحترام، ما يجي الطالب شايف نفسه، ويقول: خلاص أنا مانا بحاجة الشيخ، أنا حفظت وقرأت الشرح والحاشية، وش عنده هو؟ لأن بعض الطلاب يأتي بهذه النفسية، وحينئذ لن يستفيد من الشيخ، بعض الطلاب قد يحضر عند بعض الشيوخ يوم يومين ثلاثة عشرة ثم يتركه، ما السبب؟ والله ما استفد، ترددت على هذا الشيخ ما شفت منه فائدة تذكر، وقد
стр. 836
يكون هذا الشيخ من الأكابر من العلماء الكبار؛ لكن هذا الطالب يريد يطلع من عند الشيخ في يوم وفي يومين وفي عشرة وهو شيخ، يصبر، ولا شك أن كلاً من الشيخ والطالب لا بد من أن يتعرضا لمرحلة امتحان، حتى إذا تجاوز هذه المرحلة وفقا وسددا، الشيخ أيضاً قد يجلس لإقراء الطلاب وتعليمهم، يجلس أول يوم عشرة مثلاً اليوم الثاني ينقصون يصيرون خمسة، اليوم الثالث يصيرون اثنين، الشيخ يراجع حساباته ويترك نقول: يا أخي لا تترك هذه مرحلة امتحان استمر، أنت لو استأجرت من يقرأ عليك بالدراهم ما هو بكثير خله يقرأ عليك اثنين ثلاثة ما يخالف؛ ((لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)) لكن أنت إذا تجاوزت هذه المرحلة أبشر، وقد أدركنا بعض شيوخنا ما عندهم إلا طالب واحد، ليس من أهل هذه البلاد، والآن بالمئات، بل بالألوف الحضور عنده، وآحاد الناس يأتي إلى هذا الشيخ الذي يحضره الأكابر من العلماء ومن القضاة ومن الدعاة يأتي من صغارهم يقول: والله ما مسكت شيء، ما فيه فائدة، إذا كنت جاي لتطلب العلم بهذه النفسية من الآن يا أخي لن تحصل شيء، على كل حال العلوم لا بد أن يأخذ طالب العلم من كل علم منها بطرف، فيعنى بكتاب الله، وما يخدم الكتاب، وليكن لسنة نبيه ﵊ النصيب الأوفر على الجادة المعروفة، يبدأ بالكتب المتون الصغيرة المختصرة، إلى أن يترقى إلى الكتب المسندة الأصلية، يتفقه أيضاً على مذهب معين، وليست هذه دعوة إلى التقليد، لا إنما هي دعوة إلى المنهجية وسلوك الجادة في طلب العلم، يعني بعض الناس يسمعنا نقول أو يسمع غيرنا يقول: اقرأ في زاد المستقنع، أو في دليل الطالب يظن أن هذه الكتب دساتير لا يحاد عنها، لا هي كتب البشر؛ لكن كيف تتحدد معالم العلم وأنت لست على جادة؟ يقول بعضهم: أنه يتفقه من الكتاب والسنة، يا أخي أنت مبتدئ كيف تتعامل مع الكتاب والسنة؟ هل عندك من العلم ما يعينك على فهم الكتاب والسنة؟ عرفت العام والخاص، والمطلق والمقيد، عرفت كيف تتعامل مع النصوص؟ عرفت الناسخ والمنسوخ ما عرفت، تفقه على كتاب مختصر احفظ مسائله، وتصور هذه المسائل بدقة، اقرأ الشروح، واحضر الدروس، وفرغ الأشرطة، واستدل لهذه
стр. 837
المسائل؛ لأنه ليس مفترض من طالب العلم أن يحفظ أقوال جافة بدون أدلة، العلم قال الله قال رسوله، يستدل لهذه المسائل، وانظر من وافق المؤلف على هذه الأحكام، مع النظر في أدلتهم وتحليلاتهم، وانظر من خالف، وانظر دليل المخالف، ووازن بين الأدلة بهذا تخرج عالم، لكن لما تقول: أتفقه من الكتاب والسنة وأنت ما عندك شيء، طيب ما الذي في الكتاب من تفصيلات أحكام الصلاة فضلاً عن غيرها، وأنت تقول: أتفقه من الكتاب، إذا قرأت في السنة وأنت لا تعرف مطلق ولا مقيد ولا ناسخ ولا منسوخ كيف تعرف؟ مثال رددناه مراراً يقرأ الطالب المبتدئ (باب الأمر بقتل الكلاب) ثم يخرج بالمسدس فإذا رأى كلب قتله، طيب الدرس من الغد (باب نسخ الأمر بقتل الكلاب) كيف يتفقه مثل هذا؟ لا بد من الجواد المعروفة عند أهل العلم، قد يقول قائل: أن هذه الكتب لا توجد في عصر السلف، إنما أخذوا من النبي ﵊ مباشرة وتفقهوا، يا أخي إذا كنت في مستواهم، وفي فهمهم، هم يفهمون اللفظ كيف يراد، اللفظ العام، اللفظ الخاص، العام المخصوص، العام الذي أُريد به الخصوص، أنت ما تفهم شيء، ما زلت مبتدئ بحكم العامي، بهذه الطريقة إذا سلكها الطالب -بإذن الله- ما ينهي كتاب مختصر من المختصرات من المتون المتينة المعروفة عند أهل العلم، لا يأتي إلى كتاب سهل والمشقة كما هو معروف ليست مقصودة لذاتها في الشرع؛ لكن الكتاب المتين يربي طالب علم، هو الذي يجعلك تبحث عن معاني هذا الكتاب ومنطوقه ومفهومه، وإلا فالمشقة ليست مطلوبة لذاتها، كتاب سهل تقرأه طيب ويش يثبت؟ ما الذي يثبت في الذهن من قراءة كتاب ميسر، ما يثبت شيء؛ لكن إذا كان الكتاب فيه معاناة، فيه صعوبة، هذا يثبت -بإذن الله-، وإلا ما الذي يجعل طلاب العلم يعانون زاد المستقنع من ألف إلى يومنا هذا، وهو من أعقد الكتب، مختصر خليل عند المالكية ألغاز، ومع ذلك هو عمدتهم، يعني هذا الاعتماد جاء من فراغ، اعتماد المالكية على خليل خطأ، ما هو بصحيح؛ لأنه كتاب يربي طالب علم، وكثير من الإخوان يعتمد على مؤلفات معاصرين وكتابات سيالة، هذه لا تحتاج إلى معاناة، ولا مجرد ما تترك الكتاب وش يعلق بذهنك منه؛ لكن الكتاب الصعب الذي
стр. 838
السطر منه يحتاج معاناة مراجعة شروح وحواشي وسؤال مشايخ وتفريغ أشرطة هنا يثبت العلم.
الكلام طويل جداً، والمعالم التي ذكرها الإخوان تحتاج إلى دروس لا درس واحد.
على كل حال مما يركز عليه مسألة الإخلاص والحرص، وملازمة الشيوخ واستشارتهم، وقبل ذلك التقوى ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ [(٢٨٢) سورة البقرة] التقوى من أهم وسائل تحصيل العلم، فيتقي الله -جل وعلا- الطالب بفعل ما أمر به، وترك ما نهي عنه، ولينشغل بعيوبه عن عيوب غيره، أما إذا انشغل بعيوب الناس والقيل والقال هذا لا يدرك علم، هناك أيضاً أمور ووصايا؛ لكن الوقت لا يسعف في استقصائها، ولا استيعابها، هناك أيضاً أشرطة حول كيف يبني طالب العلم مكتبته؟ كيف يقرأ المطولات؟ كيف يقرأ المختصرات؟ هي موجودة في الأسواق يستفيد منها طالب العلم، والله المستعان.
طالب: أحسن الله إليكم، وكتب الله أجركم، ورفع الله قدركم يا شيخنا، الأسئلة حقيقة كالسيل العرم كثيرة جداً، ولكن يجمعها قاسم مشترك وهو أن كثير من النفوس تحمست لطلب العلم، ويشكو بعضهم أنه في بداية الطلب، فما توجيه شيخنا لهم، ولعل الشيخ أجاب على جزء كبير من هذا السؤال.
فهذا يقول: كيف نكون مثل العلماء الكبار؟
وهذا يقول: أنا شاب عزمت على طلب العلم -إن شاء الله- فبأي الكتب يا شيخنا الفاضل تنصحوننا وغيرها من الأسئلة.
وهذا يقول: نظراً لأهمية هذا الموضوع وطوله وسعته فنطلب منكم أيها الشيخ الكريم أن يكون هذا درساً أسبوعياً أو على الأقل كل أسبوعين، ونرجو أن تجيبوا هذا الطلب وغيرها من الطلبات الكثيرة، فلعل شيخاً أن يلفت إلى شيء من هذه النصائح السريعة في بداية الطلب؟
стр. 839
أما بالنسبة لطلب تكرار الدرس في الأسبوع أو في الأسبوعين أو في الشهر فلا أظن هذا في المقدور؛ لأن الوقت كله مستغرق؛ لكن قد يحصل شيء من ذلك مستقبلاً -إن شاء الله تعالى-، وأما بالنسبة لتوجيه طالب العلم الذي هو في البداية مثل ما ذكرنا، عليه أن يبدأ بنية صالحة خالصة، وينوي بذلك الانتفاع، وما يوصله إلى الله -جل وعلا-، وما يبتغى به وجهه، وأن يعبد الله -جل وعلا- كما أراد على مراده، لا يتعبد بجهل ينوي بطلب العلم رفع الجهل عنه، وعن غيره ممن هو تحت يده أو بقربه، أو يستطيع إيصال الخير إليه، فينوي بذلك الانتفاع بالدرجة الأولى والنفع.
طالب: أحسن الله إليكم، وهذه أسئلة أتت أيضاً عن طريق الانترنت، فهذا سائل من الكويت يقول: من فاته حفظ القرآن وهو صغير ماذا يفعل ليسهل عليه الحفظ؟ وهو في الثلاثينيات وما فوق؟
стр. 840
عليه أن يصدق اللجأ إلى الله -جل وعلا-، وأن يسأله بصدق، وأن يحرص، وإذا حرص سوف يوفق إذا علم الله -جل وعلا- صدق النية، وصدق اللجوء إليه أعانه، وأن يفرغ نفسه لهذا الأمر، وأن يأخذ من القرآن بقدر ما تسعفه حافظته، لا يأتي متحمس يريد يحفظ جزء أو نصف جزء أو ربع جزء، لا إذا كان يعرف من نفسه أنه لا يستطيع، يحفظ آيتين ثلاث، والمجرب أن الحافظة تستجيب، الأصل فيها أنها غريزة؛ لكن منها قسم مكتسب يدرك بالتمرين، والحافظة لا شك أنها تزيد وتنقص، فإذا استعملت ونميت زادت؛ لأن من الغرائز ما هو ثابت ملكات، وهذا لا شك أن الناس يتفاوتون فيه، منه أيضاً ما هو مكتسب، وعامة أهل العلم يرون أن الحافظة في الصغر أقوى منها في الكبر، وهي تنقص تدريجياً كغيرها من القوى البدنية، والذي يقرره الماوردي في أدب الدنيا والدين أن الحافظة عند الكبير والصغير واحدة، لا تزيد ولا تنقص، واحدة عند الصغير ست سبع عشر سنوات وعند ستين سبعين سنة؛ لكن الذي يجعل الكبير ما يحفظ، التشتت، تشتت الذهن، لو أنجمع ذهن الكبير كما أنجمع ذهن الصغير لحفظ، ولذا على من أراد الحفظ أن يجمع نفسه، وأن ينزوي في مكان للحفظ، أهل العلم يقولون: ينبغي أن يكون مكان الحفظ ضيق؛ لئلا ينتشر البصر، فيتشتت الذهن فإذا كان المكان ضيق أعان على الحفظ، بينما يقولون للفهم نعم يجلس في مكان فسيح، على كل حال على الإنسان أن يأخذ العلم بالتدريج، وأشرنا إلى أن الناس يتفاوتون، أعرف شخص قرأ شرح بن رجب لما ظهر في شهر واحد، عشرة مجلدات، وأجزم أنه استوعب منه تسعين بالمائة، وشخص آخر قرأه في ستة أشهر، وأعرف عنه أنه ما استوعب منه ولا عشرة بالمائة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهذه نعم ومنح إلهية كغيرها من المنح؛ لكن ليس الشأن أن تمنح هذه النعمة، الشأن أن تستغل هذه النعمة، وتشكر الله -جل وعلا- على هذه النعمة؛ لأن النعم إذا شكرت زادت، إذا استعملت فيما خلقت له هذا هو شكرها، وإلا بعض الناس يتفاوتون واحد البصر عنده ستة على ستة، وزميله البصر عنده ستة على ستين، والثاني يستفيد من بصره أكثر مما يستفيده الأول، بل قد يتضرر الأول من بصره أكثر مما عند الأعمى، لا شك أن هذه نعم تحتاج إلى
стр. 841
شكر، فالذي أوتي هذه النعم من قوة إدراك، قوة فهم، قوة حفظ، قوة سمع، قوة بصر، قوة بدن، عليه أن يشكر هذه النعم، ويوظفها فيما يرضي الله -جل وعلا-، الثاني بالمقابل عليه أن يبذل السبب لتحصيل ما يستطيع تحصيله، وحينئذ يكون في مصف الأول، إذا بذل السبب ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [(٢٨٦) سورة البقرة] ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [(٧) سورة الطلاق] لا تكلف أكثر مما تطيق، فإذا تعبت وعلم الله منك صدق النية أعانك، إذا لم يعنك وقد بذلت السبب أجرك ثابت ومضمون.
طالب: وهذا سائل من بلاد الكفر، ورأس الكفر، ودولة الكفر، والتي ترعى الكفر وتذود عنه، وأكرم المسجد أن أذكر اسمها، فيقول: فضيلة الشيخ توجد غرفة على الانترنت اسمها نداء المعرفة، ويقوم عليها فرقة من الأحباش، ولا يوجد من يتصدى لها من العلماء الأفاضل، وهم يبثون سمومهم، ويكفرون غالبية الناس، وخاصة العلماء الأفاضل الكبار، مثل المعاصرين كابن باز، وابن عثيمين، والألباني وغيرهم، فما دورهم، ولعل شيخنا أيضاً يشير إلى دور العلماء في التعامل مع المنكرات وغيرها؟
стр. 842
الانترنت هذه الشبكة التي وجدت أخيراً، لا شك أن الذي صنعها غير المسلمين، ويريدون أن يفيدوا منها في أمور دنياهم، وأيضاً في أمور دينهم للدعوة إلى دينهم، ولصرف المسلمين عن دينهم، وحصل منها -ولله الحمد- نفع عظيم، بثت من خلالها الدروس والمحاضرات، فحصل بسببها نفع عظيم جداً، ووصل العلم ووصل الخير، ووصلت الدعوة إلى زوايا وأماكن لا يخطر على البال، أنها تصل وتأتي الأسئلة من شرق الأرض وغربها أثناء الدرس، ويجاب عليها أثناء الدرس، وتقدم أسئلتهم على أسئلة الحاضرين مراعاة لظروفهم؛ لكن هذه الآلات فيها من السموم الشيء الكثير، فكل داعية يبث ما في جعبته، داعية الهدى يبث ما عنده من علم وفضل، وداعية الضلال يبث ما عنده، كما قال الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [(٤) سورة الليل] لكن على أهل العلم وعلى الغيورين من خيار هذه الأمة أن يتصدوا لمثل هؤلاء، والإشكال فيما تبثه القنوات، وتوصله إلى قعر البيوت من شبهات وشهوات، هذه لا شك أنها تحتاج إلى وقفة صادقة، وتظافر جهود لصد هذا الغزو، تصور أن بعض عوام المسلمين علق بأذهانهم من الشبهات ما لا يستطاع اجتثاثه، فهؤلاء لا شك أنهم أمانة في أعناق أهل العلم، فعليهم أن يبينوا لهم الحق، ويردوا الباطل بقوة نشر هذا الباطل، نعم يوجد من يتصدى لكثير من هذه الأمور؛ لكن المأمول أقوى وأوسع، والجهود لا بد أن تتظافر خدمة لهذا الدين، ودفعاً لهذا الغزو، الذي وصل إلى قعر البيوت، كان الناس في السابق في غفلة عن كثير من هذه الأمور، الآن تفتحت أذهانهم، وعرفوا شيء لا يعرفه سلفهم، ونحن بحاجة ماسة إلى بث العقيدة الصحيحة السليمة بين المسلمين، وتبليغها لغيرهم، وأيضاً بحاجة ماسة لصد هذا العدوان الفكري الذي هو أشد من العدوان العسكري؛ لأن الناس إذا شكوا في دينهم، ثم انسلخوا منه لا يحتاجون إلى العدوان العسكري، صاروا لقمة سائغة للعدو، ولا يقف في وجه العدو إلا من تمسك بدينه الصحيح، ولذلك العدو الآن يركز على الدعوة الصحيحة السلفية الصافية؛ لأن المذاهب الأخرى أمرها يسير، لكن علينا جميعاً أن نتعاون ونتظافر والذي يستطيع بنفسه وإلا يشحذ همة غيره، وعلينا أن نكون على صلة وثيقة بأهل العلم، ونبلغهم ونبصرهم بما يحصل؛ لكي يتم التعاون على صد هذا العدوان، والله المستعان.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد ...
стр. 843
ميراث الأنبياء
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين،
أما بعد:
فالواضح من عنوان الدرس أن المراد والمقصود به الحديث عن العلم، وأهل العلم وطلب العلم وكتب العلم بدءاً من الوحيين وما يخدمهما، لكن قبل ذلك نبدأ بمقدمة تتعلق بالميراث، وما جاء عن النبي ﵊ وهو أن الأنبياء لا يورثون ((لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر)) هذا المقصود من الدرس هو ما أشير إليه في هذا الحديث، ويرد عليه سؤال نبي الله زكريا ﵇ من قوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي .... فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي﴾ [(٥ - ٦) سورة مريم] ما المراد بالإرث هنا؟ هل هو الإرث المشار إليه بقوله ﵊ ((إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة)) فنحتاج إلى التوفيق بين الآية والحديث؟ أو أن المراد به إرث النبوة والعلم على ما قاله جماهير أهل العلم؟ فنذكر ما ذكره البخاري، وما قاله بعض الشراح، وبعض الحديث مما نقلته عن البخاري في صميم الموضوع، وبعضه مما يضطر إليه، ويحتاج إليه طالب العلم، وننقل من كلام أهل العلم ما يبين مراد البخاري -رحمه الله تعالى- ثم ننقل من التفاسير ما قاله أهل العلم في مراد زكريا في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [(٦) سورة مريم] ثم نختم بكلام حاسم للإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- في (مفتاح دار السعادة) ثم بعد ذلك الكلام الذي تكرر كثيراً عن العلم وأهل العلم، وطلاب العلم، وكتب العلم، وهذا فيه -ولله الحمد- عنا وعن غيرنا أشرطة كثيرة في هذا الموضوع، في كيفية التحصيل، وفي ما يعين عليه، وفي عوائقه.
على كل حال نبدأ بما أشرنا إليه سابقاً.
فبدءاً بكلام الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- لنفاسته ويكون مدخلاً لما نريد.
стр. 844
يقول الإمام البخاري في صحيحه: "باب: العلم قبل القول والعمل"؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [(١٩) سورة محمد] فبدأ بالعلم، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [(١٩) سورة محمد] فبدأ بالعلم، وأن العلماء هم ورثة الأنبياء، هذا الذي نحتاجه من هذه الترجمة، لكن لأهمية ما ذكره في هذه الترجمة وحرصاً على إفادة الطلاب مما ذكره الإمام البخاري ﵀؛ لأن كثير من طلاب العلم يغفلون عن مثل هذه الفوائد التي في الصحيح في كتاب العلم من صحيح البخاري ما لا يوجد في غيره.
يقول: "باب: العلم قبل القول والعمل"؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [(١٩) سورة محمد] فبدأ بالعلم، والذي يحفظ الأصول الثلاثة يعرف هذا الكلام ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [(١٩) سورة محمد] قال الإمام: فبدأ بالعلم، وبعض نسخ الأصول الثلاثة يقول: فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، قبل القول والعمل هذا في الترجمة ليس في ثنايا الكلام، وإنما الذي في ثناياه قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [(١٩) سورة محمد] فبدأ بالعلم، وأن العلماء هم ورثة الأنبياء، ورثوا العلم، ورثوا العلم من أخذه أخذ بحظ وافر، ومن سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وقال جل ذكره: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [(٢٨) سورة فاطر]، وقال: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [(٤٣) سورة العنكبوت]، وقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [(٩) سورة الزمر].
وقال النبي ﷺ : ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما العلم بالتعلم)) وقال ابن عباس ﵄ ﴿كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ﴾ [(٧٩) سورة آل عمران] "حلماء فقهاء" ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره.
стр. 845
هذه الترجمة، وهذه الأخبار، وهذه الآيات والأحاديث التي أوردها الإمام البخاري بمجموعها هي من صميم درسنا اليوم، لكن العنوان -عنوان الدرس- يخصه قوله: ((وأن العلماء هم ورثة الأنبياء)) يقول ابن حجر: قوله: "باب: العلم قبل القول والعمل" قال ابن المنير -وهذا له كتاب في تراجم البخاري، شرح تراجم البخاري ناصر الدين ابن المنير، له كتاب اسمه: (المتواري في شرح تراجم البخاري) وهو كتاب مختصر يستفيد منه طالب العلم.
следующие страницы →