Полный текст (1 191 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
كثير من الناس بحاجة ماسة اليوم أن يقال له: ولا تنس نصيبك من الآخرة، بدلا من أن يكون الأصل ما خلق من أجله الأصل العبودية، ثم يحتاج إلى أن يقال له: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [(٧٧) سورة القصص] يعني من الدنيا التي تعينك على تحقيق الهدف، هل عرفنا حقيقة الدنيا مثل ما عرفها سعيد بن المسيب؟ خطبت ابنته من قبل ابن الخليفة جاء الوسيط فقال لسعيد: جاءتك الدنيا بحذافيرها، ابن الخليفة يخطب ابنتك، ماذا كان جوابه؟ جوابه يقول: إذا كانت الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة فماذا ترى يقص لي من هذا الجناح؟ إيش اللي بيوصل سعيد من هذا الجناح؟ ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها)) المراد بذلك النافلة خير من الدنيا وما فيها، ركعتان يمكن أداؤهما على ما جاء في الوصف في الحديث بدقيقتين؛ لأن من صفة هذه الصلاة الخفة، حتى قالت عائشة: "ما أدري أقرأ ﷺ الفاتحة أم لا؟ " بدقيقتين تعدل الدنيا وما فيها.
المقصود أن الحاجة داعية وماسة إلى العلماء، بقدر حاجة الإنسان إلى دينه وإلى الفوز برضى الله -جل وعلا-، والنجاة من عذابه -جل وعلا-.
стр. 912
إذا عرفنا أننا بأمس الحاجة إلى أن ننجو من العذاب، كيف ننجو من العذاب؟ بمعرفتنا بما ينجينا من معرفة الحلال والواجب لنفعله، والمحرم لنجتنبه، ولا يكون ذلك إلا عن طريق العلماء، والعلماء إذا أطلقوا يراد بهم أهل العلم والعمل؛ لأنه قد يوجد بين ظهراني الناس من يسمون علماء، وهم في الحقيقة لا يستحقون هذا الاسم؛ لأن الوصف بالعلم تشريف، ورفعة في الدنيا والآخرة، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [(١١) سورة المجادلة] هذا وصف تشريفي، فكيف يستحقه من يحمل شيئاً من العلم وهو لا يعمل به؟ يسمع الأمر والنهي في الكتاب والسنة ويخالف، يتثاقل عنه، ويسمع النهي الصحيح الصريح ويرتكبه، وعلى هذا المقرر المحقق أن ما يحمله الفاسق ليس بعلم؛ لأن العلم في الحقيقة ما نفع، وهذا لم ينتفع بعلمه، والعلم ما أورث الخشية، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [(٢٨) سورة فاطر] فالذي لا يخشى الله -جل وعلا- ليس من العلماء، ولذا جاء قول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [(١٧) سورة النساء] هل من شرط قبول التوبة أن لا يعرف الإنسان الحكم؟ يعني الذي يعرف حكم الزنا ويزني تقبل توبته وإلا ما تقبل؟ نعم؟ تقبل، الذي يعرف أن شرب الخمر حرام ويشرب تقبل توبته وإلا ما تقبل؟ إذاً هو يعرف الحكم، ولارتكابه ما يخالف هذه المعرفة سماه الله -جل وعلا- جاهلاً، ولذا يقرر أهل العلم أن كل من عصى الله فهو جاهل، وجاء في الحديث: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)) ولذا جزم ابن عبد البر أن كل من يحمل العلم عدل، كل من يحمل العلم عدل.
قلت: ولابن عبد البر كل من عني ... بحمله العلم ولم يوهنِ
فإنه عدل بقول المصطفى ... (يحمل هذا العلم) لكن خولفا
стр. 913
يعني المسألة في شخص حمل العلم، يعني على رأي ابن عبد البر هو عدل، يعني وجدنا من يحمل العلم وهو غير عدل، وهو غير ثقة، إذاً نعكس كل من عمل بعلمه .. ، أو كل من عمل فهو عالم، أقرب إلى قول: كل من علم فهو عدل، كل عدل عالم، ولا عكس، ولذا يقول: لكن خولفا، يعني ابن عبد البر خالفه أهل العلم؛ لأنه وجد بين ظهراني الناس من يحمل العلم وهو في الحقيقة غير عدل، خولف، والحديث مختلف في ثبوته، وممن أثبته الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، كثير من أهل العلم يضعفوه، إذا عرفنا هذا وأن ما يحمله الفساق ليس بعلم، وأن الفاسق ليس بعالم نأتي إلى من تصدى على مر العصور من عصر الصحابة إلى يومنا هذا للتعليم، حمل العلم بالطرق المعتبرة عند أهل العلم، وعلى الجادة المعروفة عندهم، وعلم الناس، وقضى بينهم، وأفتاهم، وبين ما يجوز وما لا يجوز، هذا هو العالم الحقيقي، هذا هو العالم الذي يقتدى به، فإذا بين للناس ما نزل إليهم، وأخبرهم عن الأحكام وبين لهم الحلال والحرام هذا يسمى في العرف العلمي والاصطلاح مفتي، إذا كان يبين للناس من غير إلزام، وإذا كان يبين للناس مع الإلزام فهو قاضي.
الفتوى الإخبار عن الله -جل وعلا-، وعمدتها الكتاب والسنة، يعني ما جاء عن الله، وجاء ما يدل على اعتماد القياس عند جماهير أهل العلم، ولهذا القول دلائله من الكتاب والسنة، مما لا نطيل بذكره.
المفتي مخبر عن الله -جل وعلا-، موقع عنه تعالى، ولذا ابن القيم -رحمه الله تعالى- سمى كتابه: (إعلام الموقعين عن رب العالمين) وبعضهم يضبطه (أعلام الموقعين عن رب العالمين) ويقصد بذلك المفتين، هم الذين يوقعون عن الله -جل وعلا-، وسواءً قلنا: إعلام وهو إخبار بمضمون هذا الكتاب، أو قلنا: أعلام لأنه ذكر من الأعلام الذين تولوا الفتوى من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهم أعلام، أئمة أعلام، وسواءً هذا أو ذاك فالموقعون هم المفتون عن الله -جل وعلا-.
المفتي لا يتبع في فتواه حتى يجمع ويضم إلى العلم الدين والورع.
وليس في فتواه مفت متبع ... ما لم يضف للعلم والدين الورع
стр. 914
لأنه إذا لم يكن عالماً وهو الشرط الأول كيف يفتي الناس؟ وقد أخبر النبي ﷺ : ((إن الله -جل وعلا- لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، وإنما يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقِ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)) رؤوساً جهالاً، يعني قبل ذلك عند وجود العلماء اتخذ الناس رؤوساً جهال وإلا علماء؟ علماء، ولذا يقول أهل العلم: إن الرئاسة الحقيقية لأهل العلم، الرئاسة وفي رواية: ((رؤساء)) الرئاسة الحقيقية لأهل العلم، ومن يتصدى للإجابة عن مشاكل الناس وأسئلتهم وبقدر ما يعطي يكون نصيبه من هذه الرئاسة، ولا نحتاج إلى ضرب أمثلة؛ لأنه يوجد من يبذل وهو من أهل العلم بحق ولذا ساد الناس، ويوجد من أهل العلم من بذله أقل وسيادته تكون أقل.
"ما لم يضف للعلم والدين" الدين المراد به التدين والعمل بالعلم، وإلا إذا قلنا: المراد به الإسلام ما يمكن أن يتصور عالم غير مسلم، نعم، لا يتصور إلا إذا كان يدرس الدين ويدرس العلم الشرعي لهدف من الأهداف كالمستشرقين مثلاً، الذين يقصدون من دراستهم هدم الدين، وهؤلاء ليسوا بعلماء، وإن لاك أو لاكت ألسنة بعض الناس وصفهم بالعلم، بل الترحم عليهم، نسأل الله السلامة والعافية، هذا ضلال نسأل الله العافية.
. . . . . . . . . ... ما لم يضف للعلم والدين الورع
من لازم الدين الصحيح الصادق الورع، من لازم الدين الصادق الذي يخلص فيه صاحبه لله -جل وعلا- الورع، لكن التنصيص عليه لأنه قد يغفل عنه، المفتي على قدر من العلم وعلى قدر من التدين والعبادة، لكن قد يغفل عن الورع إذا سئل عن شيء.
стр. 915
وهل الورع من أجل أن يحمل الناس عليه أو من أجل أن يكف نفسه عن الفتوى التي لا يتبينها؟ السلف يتورعون عن الفتوى، ويتدافعون الفتيا، وقد يرد، يقدم من العراق أو من خراسان أو من أقاصي الدنيا إلى المدينة أو مكة وبعد لأي وجهد جهيد يجد من يفتيه، والصحابة متوافرون، والتابعون لهم كذلك، كل واحد يقول: اذهب إلى فلان، اذهب إلى فلان، يأتي السائل من العراق يسأل ابن عمر فيقول: اذهب إلى ابن عباس، فيقول: ابن عباس مالت به الدنيا ومال بها، يعني توسع في أمور الدنيا بخلاف ابن عمر، يعني توسع ابن عباس في حدود المباح -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-، ابن عمر لا تورع عن كثير من الأمور، وبهذا نعرف قيمة العالم العابد حتى عند عوام الناس، الذي ينجمع على آخرته وقد يغفل عن كثير من أمور دنياه؛ لأن مثل هذا بغض النظر عن ابن عباس، ابن عباس حبر الأمة، وترجمان القرآن، لا يستطيع أحد أن يتطاول عليه، لكن هذا الحاصل، القصة في الصحيح، اذهب إلى ابن عباس، قال: ابن عباس مالت به الدنيا ومال بها، فهو يريد مثل ابن عمر في ورعه وانكفافه وانجماعه، فالعالم الرباني عليه أن ينظر إلى آخرته، وليس معنى هذا أن يحرم نفسه، ويحرم من تحت يده، بحيث يتكففون الناس، لا، لكن يتوسط في أمرهم، لا يكون جمعه لدنياه، وحرصه على دنياه على حساب دينه.
. . . . . . . . . ... ما لم يضف للعلم والدين الورع
стр. 916
طيب قد يقول قائل: كيف يتورع الصحابة عن الفتوى وهم يعرفون الجواب، ويأتيه السائل من بعيد ويقول: اذهب إلى فلان، ثم فلان يقول: اذهب إلى فلان، فلان يقول: اذهب إلى فلان، لا شك أن هذا ورع، وقد أخذ العهد والميثاق على أهل العلم أن يبينوا، وأبو هريرة يقول: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [(١٥٩) سورة البقرة] آية مخيفة تجعل العالم يبذل، وإن كان بالمقابل أيضاً على خطر شديد، فالفتوى قول على الله، فإذا كانت من غير علم ولا تثبت فهي كذب على الله -جل وعلا-، ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ [(١١٦) سورة النحل] كذب على الله ليس ككذب على أحد، إذا كان الكذب على النبي ﵊: ((إن كذباً عليّ ليس ككذب على أحد)) فكيف بالكذب على الله -جل وعلا-؟ المسألة خطيرة يا الإخوان، وإذا ضممنا هذه الآية إلى قول الله -جل وعلا- في سورة الزمر: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ [(٦٠) سورة الزمر] هل يرضى الإنسان من أجل أن يقال: عالم يرضى بمثل هذا؟ وما الذي يدعوه إلى أن يجيب؟ إما بجهل أو بغير تثبت أو بتسرع، الذي يدعوه إلى ذلك من أجل أن يقال: فلان عالم، من بحور العلم، والله ما رد أحد، يسأل ويجيب بسرعة، أقول: يا أخي هون على نفسك، أتعلم من الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار، ترى فيهم رجل تعلم وعلم، ولكن ليش؟ ليقال: عالم.
ومن يكن ليقول الناس يطلبه ... أخسر بصفقته في موقف الندمِ
стр. 917
النبي ﵊ وهو المؤيد بالوحي يُسأل فيسكت، ينتظر من أهل العلم من يقول: إنه ينتظر الوحي، ومنهم من يقول: ينتظر يسكت ليربي من يفتي بعده؛ لئلا يتسرع؛ ولئلا يتعجل، ومع الأسف أننا نجد من يتصدى للفتوى في هذه الأزمان من يسارع، ويجيب على السؤال قبل تمامه، وأحياناً يجيب بضد المطلوب، والأمثلة كثيرة، سمعتم وتسمعون، شخص يسأل في وسيلة من وسائل الإعلام يسأله شخص، يقول: إن ولده يضربه، تصور الولد يضرب الابن، والأب هو السائل يقول: إن ولده يضربه، وأريد أن تسدي له نصيحة مباشرة قال: الأدب شرعي، والولد لا بد له من الأدب، وكون الوالد يضرب ولده هذا أمر مطلوب، ((واضربوهم عليها لعشر)) فهم عكس المراد، فهم أن الابن هو الذي يشكي أباه، أو يسأل عن حال أبيه، ويطلب توجيه للأب أنه يخفف عليه ولا يضربه، عكس المراد، والأمثلة على هذا كثيرة.
ولذا يتصدى كثير الآن مع الأسف الشديد، ومع الانفتاح الذي يعيشه الناس، ومع قلة الورع قد يكون هناك علم، لكن الورع أين الورع؟ يصعب عليه أن يقول: لا أعلم، يشق عليه أن يقول: لا أدري، من غاب عنه لا أدري لا بد أن يقع؛ لأنه مهما كان من العلم لن يخرج عن قول الله -جل وعلا-: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [(٨٥) سورة الإسراء] فالفتوى تحتاج إلى علم، وتحتاج أيضاً إلى دين ليكون قدوة، إذا أجاب يعمل بقوله، وإلا إذا لم يوجد الدين ولو وجد العلم، يبين له الحكم ويخالف الحكم لن يعمل بقوله ولن يقتدى به، ويحتاج المفتي أيضاً إلى الورع.
بعض السلف إذا سئل عن مسألة انتفض، وأصابته الرحضاء، وعرق عرقاً شديداً ولو كان في الشتاء، لماذا؟ لأن الفتوى مزلة قدم، أنت تخبر عن من؟ يعني إذا كان الكذب على آحاد الناس حرام، والكذب على الرسول: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) والكذب على الله -جل وعلا- أعظم.
стр. 918
فالمسألة تحتاج إلى إعادة حساب من قبل بعض من يتصدى إلى الفتوى، عندنا علماء، وعندنا راسخون، وعندنا أئمة علم وعمل، ويتصدون للفتوى، وهم مسددون موفقون، ونحمد الله على هذه النعمة، الخير موجود، لكن قد يوجد من يفتي من الطرف الآخر، والزلات كثرت، وثقة العوام بأهل العلم تزحزحت، لماذا؟ لأن الشيخ الفلاني يُسأل عن مسألة عقد مالي فيقول: حرام، ويسأل آخر وهو في السن في مقام أولاد الشيخ الأول ويقول: حلال، طيب قد يقول: إحنا أعرف من أولئك في تصور المسائل الجديدة والاقتصاد، يقول: حلال، ثم بعد ذلك الناس ما يدرون منهم من يرجح بالهوى فيرتكب الفتوى الثانية، ومنهم من يقول: الشيخ الفلاني أعرف فنطلب مرجح ثالث، حتى رمي بعض أهل العلم الراسخين وشاع في مجالس الناس مع الأسف الشديد أن فلاناً لا يُسأل، كل شيء حرام، لماذا؟ لأنه يفتي بما يخالف أهواءهم، لا يسأل فلان كل شيء حرام، إذا كان مرد القبول والرفض الهوى، الحديث المختلف في ثبوته: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)) ومقتضى قوله ﵊: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولد والناس أجمعين)) وفي قوله لعمر: ((حتى من نفسك)) يقتضي هذا، إذا قدمت هواك على ما جاء عن الله وعن رسوله فأنت ما أحببت الرسول؛ لأن الذي يحب يكون مطيعاً لم يحبه.
أتعصي الإله وأنت تزعم حبه؟! ... هذا لعمري في القياس شنيعُ
لو كان حبك صادقاً لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيعُ
стр. 919
فالمعول على الوحيين، وإذا جاءت الفتوى بنص ... ؛ لأنه أحياناً يأتي السؤال مطابق لسؤال سئل عن النبي ﵊ فيورده المفتي فلا مفر، ولا يجوز التردد في القبول، اللهم إلا إن كان النظر من جهة هل هذا النص محكم أو منسوخ أو مقيد أو مخصص هذا من هذه الحيثية لا بأس، ويكون هذا في حق من له النظر، أما العامي إذا أفتاه من يثق بدينه وعلمه لا يجوز له أن يتردد وإلا صار متبعاً لهواه، إذا أفتاه فلان قال: يلزمك دم، قال: لا، ندور غيره، في أسمح منه، إذا سئل عن معاملة قال: حرام، نبحث، نسأل غيره، ثم بعد ذلك يقع الاضطراب بين الناس، ويقع من قبل بعض العامة إساءة الظن بالدين، بعضهم يقول: الدين تغير، كل عمرنا عايشين على كذا، ثم جاءونا ها الشباب وغيروا الدين، هذه إساءة ظن بالدين، وإذا أطلع الناس على الخلاف وهم لا يستوعبونه لا بد من إطلاعهم على سببه، على سبب الخلاف ليعرف أن هذا الاختلاف وهذا الاضطراب ليس في الدين، الحق واحد لا يتعدد، لكن العلماء يجتهدون ويختلف اجتهادهم وكلهم مأجور إذا كانوا أهلاً للاجتهاد، فعلى طالب العلم أن يمرن نفسه، وأن يعسف نفسه على التريث إذا سئل، وأن يكون على صلة وثيقة بفتاوى أهل العلم.
стр. 920
ومما ينصح به طلاب العلم قراءة فتاوى العلماء المعاصرين، وهي موجودة ولله الحمد؛ لأنها تعالج قضايا حية، موجودة وبأسلوب يفهمه كل أحد، مثل فتاوى الشيخ ابن باز أو ابن عثيمين أو اللجنة الدائمة أو غيرها من الفتاوى الموجودة -ولله الحمد- وجود كثرة، ليسير على الجادة، ويتصور التصور الصحيح، ولا تكثر الشواذ عنده؛ لأن بعض الناس يكون علمه من الكتب، وظروف ما أفتي به قبل خمسمائة أو ستمائة سنة في بلد من البلدان أو لشخص من الأشخاص قد تختلف عن الظروف التي نعيشها وإن كان هناك قدر مشترك وهو الكثير الأغلب في أحكام الدين أنها ثابتة لا تتغير، قد يتغير جواب العالم بالنسبة لزيد عن جوابه لعمرو، لما يحتف بزيد من الأمور التي جعلت الحكم يخفف عليه، وعلى ذاك يشدد؛ ولأن هذا جاهل عذر بجهله، وذاك غير جاهل، يعني على سبيل المثال سئل الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب عن قوم يطوفون على قبر في بلد ما، وسئل نفس السؤال عن بلد آخر، فأفتى بأن هؤلاء البلد أو هؤلاء الناس كفروا بهذا، وأولئك عذرهم بالجهل؛ لأنه يعرف من حال هؤلاء أنهم بلغتهم الدعوة، وبين لهم الحق، وأصروا على ذلك، وأما أولئك فهم معذورون بجهلهم، فالذي يسمع الفتوى هذه والفتوى هذه يقول: اضطرب جواب الشيخ، ومرده إلى هذا.
стр. 921
فليكن من يتصدى للفتوى على حذر شديد؛ لأن ألزم ما على الإنسان خلاص نفسه، يسعى الإنسان جاهداً على خلاصه قبل أن يسعى إلى خلاص غيره، أنت مسئول أمام الله -جل وعلا-، لن تترك بعد هذه، هي مدونة عليك في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، أنت الآن أحسنت على هذا على حد زعمك، وخففت عليه الحكم لكن أنت وين جوابك؟ يعني هل عند شخص من الأشخاص أغلى من نفسه؟ هل يمكن أن يؤثر على نفسه أحد ويتحمل؟ يقول: نتحمل، نفتيه بأنه لا يجب عليه هذا، أو لا شيء عليه ونتحمل، يمكن أن يقول هذا عاقل؟ لماذا طلب العلم؟ لماذا تعلم؟ لماذا أفتى؟ مو من أجل أن يرجو ثواب الله -جل وعلا-، فكيف يرتكب ما يوجب عقابه؟ فليكن السعي إلى خلاص النفس قبل السعي إلى خلاص الغير، نعم الإحسان إلى الآخرين مطلوب، أيضاً مع وجود من يتسرع في الفتوى، ويعرض نفسه لها، بل يطلب أن يساهم في هذا الباب، ويكثر من هذا ولا يتورع.
يوجد أيضاً في المقابل طرف آخر، أهل وأكفاء ومع ذلك يتهربون بحجة أن السلف يتدافعون الفتوى، لكن إذا تعينت الفتوى على شخص لا يجوز له بحال أن يعتذر عنها ((من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار)) فالمسألة تحتاج إلى توازن وإلى اعتدال، فمن كان أهلاً لذلك لا يتأخر، والناس بحاجة ماسة، ومن جعل نفسه للناس يعرف مقدار هذه الحاجة، الناس يتصلون في الهاتف إلى قبيل الفجر يبحثون عن من يفتيهم، ويقسم بعضهم أنه منذ شهر يبحث عن من يفتيه ولا يجد، لماذا يفعل هذا؟ لأنه يعرف هؤلاء الذين يعرضون أنفسهم وهم موجودون في كل وقت وعلى كل حال، يريد أهل تحري، فمثل هذا من له؟ لا بد من البذل، من الأكفاء لا بد من البذل، وطالب العلم عليه أن يسعى لتكميل نفسه؛ ليقوم بحاجة الناس، الحاجة ماسة، والبيان أمر لا بد منه، ولا يقوم أمر الدين ولا الدنيا إلا بالعلم، ولذا جاءت النصوص الصريحة الصحيحة القطعية بأن العلم من أفضل الأعمال، وهو في حق بعض الناس يكون أفضل الأعمال، وقد يتعين على بعض الناس، فإذا تعين على الشخص وتخلى عنه فهو آثم.
стр. 922
طالب العلم الذي يسر الله له سلوك السبيل ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)) إذا يسر الله لك سلوك هذا الطريق وأنت في أثنائه قد تراودك نفسك بالترك أو بالفتور؛ لأن زملائك توظفوا وكسبوا أو ساهموا أو زاولوا التجارة وتجروا وأنت في مكانك ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [(٦١) سورة البقرة] العلم لا يعدله شيء، العبادة على بصيرة، الدعوة على بصيرة متى تكون؟ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [(١٠٨) سورة يوسف] لا تكون الدعوة على بصيرة إلا إذا كانت مبنية على علم راسخ، والعبادة لا تكون على بصيرة إلا كذلك.
стр. 923
فعلى طالب العلم أن يحرص وأن يجد ويجتهد لتحصل له الرفعة في الدنيا والآخرة، قد يقول قائل: أنا طالب علم لكن تأهيلي الشخصي قد يعوق دون التحصيل، حافظتي ضعيفة، وفهمي ضعيف، هل أترك الطلب أو أستمر؟ نقول: استمر؛ لأن تسهيل طريق الجنة إنما رتب على مجرد سلوك طريق العلم، لا على كون الإنسان يصير عالماً ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً)) ولو لم يكن عالماً ((سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)) قد يقول قائل: أنا والله شايب كبير، أنا عمري خمسين، ستين، سبعين، ثمانين، صالح بن كيسان ذكر في ترجمته أنه لما بلغ التسعين طلب العلم، وإن كان الذهبي وغيره يشكك في السن، لكن هذا موجود، القفال الكبير معروف، كبير جداً سنه، لما بلغ التسعين صالح بن كيسان أو قل: سبعين، ستين، خمسين، بعض الناس إذا لاح الشيب يقول: ما يجيب العمر كثر مما مضى، يا أخي أنت لو ما عندك إلا يوم واحد تسلك فيه علم سهل الله لك به طريقاً إلى الجنة، بس تصدق النية لله -جل وعلا-، والأمور متيسرة، الأسباب موجودة، يعني -ولله الحمد- الأشرطة الآن في كل بيت، الشباب والشابات والنساء والرجال كلهم تعلموا، عجوز في السبعين من عمرها لا تقرأ ولا تكتب حفظت القرآن، في أكثر من حادثة، ونجد بعض كبار السن من الرجال الذين متعهم الله بصحة، زودهم من الذكاء والحفظ، أحياناً يوجد في الكبار من الذكاء والفهم ما لا يوجد عند الشباب، يقول: والله ما يجيب العمر كثر مما مضى، ثم يتقدم إلى المسجد مع الأذان، وهو على خير -إن شاء الله تعالى-، يجلس ما يصنع شيئاً، ولا يعان ولا على تسبيح وتهليل، أدنى بزر عندك في البيت لو تقول له: حفظني سورة كذا، موجود في البيت، وعندك الأشرطة المعلمة، وعندك كل شيء، فلا يأس.
أذان؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 924
بالنسبة للمفتي مع غيره قد يتعرض لشيء وهو الاختلاف مع غيره في تحديد ما يفتى بجوازه ومنعه، وقد يلتبس عليه الضابط فيما يجوز وما يمنع، ولنضرب مثال بالجوال مثلاً ومناسبته قائمة، ورن الجوال أثناء الصلاة وبعد الصلاة من بدايته إلى نهايته ولا أغلق بنغمات موسيقية، وفتوى اللجنة الدائمة بتحريم النغمات الموسيقية موجودة ومبذولة، ومع ذلك لا يرفع إنسان لسانه إلى لهاته ولا ينكر، لماذا؟ يقول لك: والله الجوال هذا مع عامل لو تكلمت ما يفهم، أو يقول: يمكن هذا ما هو بموسيقى نختلف في كونه موسيقى، ثم بعد ذلك إذا تواطئنا على ترك المنكر في أول الأمر سوف تُسمع الأغاني في المساجد عقوبة من الله -جل وعلا-، فمثل هذه الأمور وهو في بدايتها لا بد من إنكارها، ومع الأسف أن كثير من مساجد المسلمين تحولت إلى ما يشبه الكنائس، جوال يمين وجوال وسط، وجوال يسار، وجوال كذا، وبالموسيقى، يعني الرنات التي ما تؤثر في النفوس وليست على طريقة الفساق في أغانيهم هذه أمرها سهل، يعني تنبيه مجرد تنبيه، والملائكة لا تصحب رفقةً فيهم جرس، الجرس الذي يعلق على الدواب هذا لا تصحبهم الملائكة، فكيف بالموسيقى المطربة التي بعضها مستخلص من أغانٍ ماجنة؟ ومع ذلك كل واحد يتكل على الثاني، أو يقال: هذه ما هي بموسيقى، أو يروج في القنوات من بعض من يفتي، يعني ويش فيها الموسيقى؟ ويش فيه الغناء؟ ابن حزم يقول: حلال، حتى كبار سن شياب يقول لك هذا الكلام، ابن حزم يقول: حلال، متى عرف ابن حزم هذا؟ لولا وجود من يفتي بمثل هذه الفتاوى، طيب تعال ما دام ابن حزم يقول: حلال يقول ابن حزم أيضاً: إذا بلت في إناء وصببته على الماء ما فيه شيء، لكن لا تبول في الإناء مباشرة، الولد إذا ضرب أباه ما في شيء، لكن لا يقول له: أف، يرضى أن يكون هذا قدوته؟ أو يقتدي به فيما يريده وتهواه نفسه وما عدا ذلك الناس أحرار.
ابن حزم أعل أحاديث الأغاني والمزامير، لكن قوله مردود مرذول، يقول الحافظ العراقي في مثال:
. . . . . . . . . أما الذي ... لشيخه عزا بـ (قال) فكذي
عنعنة كخبر المعازفِ ... لا تصغ لابن حزم المخالفِ
стр. 925
ابن حزم شذ في هذه المسألة، ولعل لعيشه الذي عاش فيه وظروفه التي عاش فيها أثر في هذه الفتوى، عاش في نعمة كان وزير، كان في بيت نعمة فأثر فيه هذا.
ونجد الإخوة الوافدين من البلدان الأخرى منذ عقود وهم يسمعون الأغاني علناً من غير نكير، يستمرئون مثل هذه الأمور، وتجد هو في الصف مثلاً في الصلاة وحريص وجاء متقدم، ومع ذلك النغمة الموسيقية من بداية الصلاة إلى نهايتها ولا تسمح نفسه يغلق الجوال؛ لأنه ما في شيء عنده، جاي من بلد الناس كلهم من هذا وأشد، فيستخفون بمثل هذه الأمور، فعلى الإنسان أن يغار لدينه، وهذه أماكن عبادة، يعني إذا كانت الموسيقى محرمة في البراري والقفار فكيف بأماكن العبادة، وتشبيه أماكن العبادة بالكنائس ومعابد المخالفين، هم اللي يصحبون عباداتهم بموسيقى، فعلينا أن نحرص على هذا.
قد يقول .. ، يختلف اثنان في نغمة من النغمات واحد يقول: هذه موسيقى أو هذه ليست موسيقى؛ لأنها قريبة يعني ما هي بعيدة، وإطرابها للنفس يسير، هذه مما تختلف فيها وجهات النظر، لكن لو على سبيل الإشارة على الشخص أو المشورة عليه بأن يغير هذه الموسيقى إلى نغمة لا إشكال فيها.
قد يقول قائل: جاء النهي عن الجرس والملائكة لا تصحب رفقة فيها جرس كيف يشبه الوحي وهو أفضل شيء بصلصلة الجرس، ((أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس)) يشبه المحمود بالمذموم؟ نقول: نعم، التشبيه لا يقتضي المشابهة من كل وجه، والجرس فيه صوت متدارك، وفيه إطراب، فكونه يشبهه في تدارك الصوت، لا يعني أنه يشبهه في الإطراب.
الرؤية، رؤية الباري -جل وعلا- في الجنة شبهت برؤية القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته، أو لا تضامون في رؤيته، يعني هل هذا التشبيه من كل وجه؟ تشبيه رؤية برؤية لا مرئي بمرئي، فالتشبيه من وجه دون وجه.
الذين يدخلون الجنة، أول زمرة تدخل الجنة وجوههم كالقمر أو على هيئة القمر هل معنى هذا أنه ما فيهم عيون ولا أنوف ولا ... ؟ ما فيهم أنوف ولا عيون؟ القمر ما فيه، لا، في الإضاءة والنور لا في بقية التفاصيل، فمثل هذا ينتبه له.
стр. 926
هذا سائل يقول: إن عدد المفتين الذين يفتون في قضية واحدة كثيرون، وتختلف أقوالهم في تلك القضية، ويحتار أحدنا أي فتوى يقدم أو يقوم بأخذها؟
الخلاف موجود من عهد الصحابة إلى يومنا هذا، ولن ينقطع في كثير من المسائل، والخلاف مرده إلى بلوغ الدليل لبعض الناس دون بعض، فالذي بلغه الدليل يفتي بمضمونه، والذي لم يبلغه يفتي بما عنده قبل ورود الدليل.
قد يبلغ الدليل ويختلف العلماء في ثبوته، فمن ثبت عنده أفتى بمقتضاه، ومن لم يثبت عنده أفتى بخلافه، قد يبلغ الدليل للأطراف كلها، ويبلغ بعض العلماء المخصص أو المقيد ولم يبلغ الآخرين، فيعمل به بعضهم على إطلاقه، ومن بلغه المقيد يعمل بالمقيد.
الفهوم، الفهوم تختلف، القواعد التي أخذت من عمومات الشريعة تختلف من عالم إلى عالم، الفهوم قد يستدل العالم بدليل ويستدل مخالفه بنفس الدليل، بنفس الدليل الفهم يختلف، وكلهم مأجور، لكن الذي يصيب الحق له أجران، والذي يخطئ الحق له أجر واحد، كلهم مجتهدون وأهل للاجتهاد، ولا يعني هذا أن كل إنسان له النظر في الأدلة، لا، الذي ينظر في الأدلة من له أهلية الاجتهاد.
أما ما يشاع في بعض القنوات أو في بعض الصحف أنهم رجال وِأئمة هذه الأمة وسلفها رجال، نفهم مثل ما يفهمون، هذا الكلام ليس بصحيح، لا بد أن يكون الفهم مضبوط، فهم من يحسن التعامل مع النصوص، من يفهم الحقائق اللغوية والشرعية والعرفية ويوازن بينها، إذا سئل شخص وقال: هذا شخص عنده الملايين في البنوك ويكاد أن يموت من الجوع مقتر على نفسه وعلى من تحت يده تحل له الزكاة أو لا تحل؟ الذي لا يعرف يفرق بين الحقائق يقول: تحل له الزكاة؛ لأن الله -جل وعلا- يقول: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ* لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [(٢٤ - ٢٥) سورة المعارج] وهذا محروم، لا يا أخي، هذه وأن كانت حقيقة عرفية بين الناس لكنها ليست هي الحقيقة الشرعية، الحقيقة الشرعية السائل الذي يأتي للناس ويسألهم، المحروم الذي لا يسأل، فلا يعرف ولا يدرى به، ولا يفطن له، مثل هذا إذا عُرف بأي طريقة من الطرق هذا يحرص عليه.
стр. 927
شخص يخطب ابنته شخصاً لا تريده، البنت لا تريد هذا الشخص فيجبرها عليه، يناقش في ذلك يقول: الله -جل وعلا- يقول: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء﴾ [(٣٣) سورة النور] ويش البغاء هذا؟ هو يدري إن البغاء هذا هو الزنا؟ إلى أن قال: ﴿وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [(٣٣) سورة النور] هو يريد هذه المغفرة، هذا مثل يفهم النصوص؟ مثل هذا يترك أن يفهم النصوص ويقول: نحن رجال وهم رجال؟ هذا كلام بعض العامة، ومن بعض من يكتب مثل العامي أو أردأ؛ لأن بعض العوام فطرهم سليمة، وبعض من يكتب تلوثت أفكارهم، وهذا موجود، تجده يشط في الفهم، ويخالف جميع ما جاء عن سلف هذه الأمة وأئمتها ويقول: نحن رجال.
стр. 928
كون الفتوى تختلف من أهلها أولاً: كون الفتاوى التي فيها شيء من الاختلاف من أهل العلم الذين يوثق بعلمهم، من أهل العلم الراسخين الذين لهم النظر والاجتهاد وتوافرت فيهم الشروط، أولاً: لا ينبغي إشاعتها بين الناس، مثل ما تقدم، بعض الناس يسيء الظن بالدين، ومرده إلى اجتهاد المجتهدين لا إلى الدين، فإذا سئل العالم وأفتى بما أداه إليه اجتهاده حصل له الأجر، لكن ليس معنى هذا أنه يعرف أنه يوجد من يخالفه، وهو من أهل النظر والاجتهاد، ودليله له حظ من النظر أن يشيعه بين الناس؛ لأنه يحصل بهذا الاضطراب، ويحصل مثل ما يقول، يحتار الناس، تحصل الحيرة بمثل هذا، فلا مانع أن يجتهد، وهذا هو الأصل أن يجتهد الإنسان فإذا أفتى على ما يؤديه اجتهاده بعد التجرد لله -جل وعلا- ولو أخطأ، لكن لا يشاع بين الناس القول وضده، واحد يقول يجوز وواحد يقول: لا يجوز، ويزعم بعض الناس أن هذا من السعة في الدين، ومن التيسير على الناس، ويستدل بحديث لا أصل له يقول: "اختلاف أمتي رحمة"، والله -جل وعلا- يقول: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [(١١٨٧ - ١١٩) سورة هود] الرحمة في عدم الاختلاف، لكن إذا وجد الاختلاف الذي رتب عليه أجر لا مانع من وجوده، وهو شرعي والصحابة اختلفوا، ولا مانع من ذلك، لكن على أن لا يضطرب الناس في هذا الباب، أو يترك الناس يتخيرون، والله شوف اللي يفتيك بالحلال أو بالحرام، تخير، العامي لو كان أهل للنظر والتخير ما يحتاج إلى أن يستفتي، فمثل هذا ينبغي أن لا يشاع بين الناس بقدر الإمكان.
يقول: البعض من الناس قد يستفتي عن مسألة عند شيخ، ثم يقوم بعدم قبول تلك الفتوى ويسأل شيخاً آخر، وكذلك حتى يحصل على ما يرضيه من الفتوى؟
هذا هو الذي ذكرنا أنه متبع لهواه، فإذا سأل من تبرأ الذمة بتقليده، ويثبت ذلك بالاستفاضة بين الناس يلزمه قوله؛ لأن فرض العامي سؤال أهل العلم، والله -جل وعلا- يقول: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [(٤٣) سورة النحل].
стр. 929
هذا نفس السؤال السابق إلا أنه بصيغة أخرى يقول: في الآونة الأخيرة كثر عدد من يفتي ويتصدر الفتوى، وخاصة في وسائل الإعلام المختلفة، حيث أن بعض من يفتي في وسائل الإعلام بخلاف الكتاب والسنة، وخاصة في قضية حجاب المرأة، حيث أن بعض المفتين يفتي بعدم ضرورة تغطية المرأة لوجهها، وهذا يثير الشك والجدل والبلبلة وضعفاء النفوس وضعفاء الدين.
стр. 930
المسائل التي تعم الأمة وتعظم الآثار المترتبة عليها إنما هي للكبار، للراسخين، ومثل هذه المسألة التي أشار إليها حجاب الوجه بالنسبة للمرأة هناك نصوص صحيحة صريحة لا تحتمل التأويل، وكان يعرفني قبل أن ينزل الحجاب، استيقظت باسترجاعي -هذا في البخاري- فخمرت وجهي بجلبابي ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ [(٥٩) سورة الأحزاب] ثم بعد ذلك بعدها مباشرة: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ [(٦٠) سورة الأحزاب] ونفرق بين من يفتي بعد أن يدرس المسألة ويؤديه اجتهاده إلى أن هذا الحكم كشف الوجه حلال، مخلصاً في ذلك لله، وهو من أهل الاجتهاد، يعني نفترض مثلاً المسألة في الألباني مثلاً أداه اجتهاده إلى أن الوجه ليس بعورة، وعامة أهل العلم يفتون بأنه عورة، هل نقول: إن الآية: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ تنطبق على الألباني؟ لا، نقول: اجتهد وهو أهل للاجتهاد، ونظر في النصوص، وأداه اجتهاده إلى هذا، وله أجر واحد، أجر الاجتهاد، أجر الإصابة مع الفريق الآخر، هؤلاء الذين يكتبون في الصحف ويروجون مثل هذه المسائل وليسوا من أهل العلم وما عرفوا بعلم، ولا بحثوا مسائل لا في الصلاة ولا في الزكاة، ولا في المعاملات، همهم هذه المسألة، ويش الهدف من هذه المسألة؟ الهدف أن ينسلخ، تنسلخ النساء من حيائهن، ويستمتع أمثال هؤلاء بمناظرهن، ويتوصلون إلى مآربهم، ولذا تنطبق عليهم الآية الأخرى: ﴿لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [(٦٠) سورة الأحزاب] جاءت عقب هذه الآية مباشرة، أهل العلم والاجتهاد والنظر والإخلاص لهم حكم، لكن مثل هؤلاء الذين لا دور لهم، لا ناقة لهم ولا جمل في العلم، ما يعرفون مسألة من مسائل الصلاة يبحث في الحجاب؟ الهدف من الأهداف الأولى لإبليس وآدم في الجنة قبل أن ينزل من الأهداف وسوس لهما ليبدي لهما ما وري عنهما من سوءاتهما، هدف شيطاني هذا، ومع ذلك يكتب من يعرف ومن لا يعرف، ومن عرف كلمة رددها في وسائل الإعلام، هذا أمر خطير يخشى على
стр. 931
نفسه مثل هذا، والله المستعان.
يكفي؟ جاءت الإقامة؟
طالب:. . . . . . . . .
اللي يريحكم، بس لا نشق على الإخوان، الأسئلة كثيرة جداً، لكن عاد ...
يقول: كثرت في هذه الأيام في وسائل الإعلام والفضائيات ظاهرة ما يسمى بالمفتيات من النساء فهل يمكن أن تفتي المرأة؟ وهل الضوابط التي تكون للمفتين واحدة بالنسبة للرجال والنساء؟ وما هو تعليقكم على ما حدث من تقدم إحدى النساء لإمامة الرجال؟
من الصحابة من النساء كعائشة من تصدر للإفتاء، لكن هذا لا بد أن يكون من رواء حجاب، ولا بد أن تؤمن الفتنة، وإلا فالأصل أن المرأة تقر في بيتها، الأمر الإلهي: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [(٣٣) سورة الأحزاب] فإذا رجحت المصلحة بأن تكون مفتية للنساء، وهي أعرف بأمور النساء، لا مانع؛ لأن الرجال لهم من يحل مشاكلهم، ولا يوجد امرأة الآن عندها من العلم مثل ما عند عائشة مما يخفى على الرجال، لنقول: إن عائشة تفتي الرجال، هل يمكن أن يتصور امرأة عرفت من أمور النساء ما يخفى على غيرها أو ما يخفى على الرجال؟ الذي جاء عن عائشة مما يخفى على الرجال كله مدون في الكتب، وعرفه الرجال بأجلى صوره، فلا يقال: إن المرأة تفتي الرجال؛ لأن الرجال عندهم من يكفيهم، ومع الاحتياطات التامة لا مانع أن تفتي المرأة النساء إذا دعت الحاجة إلى ذلك، وهي أقرب إلى معرفة مشاكل النساء وظروف النساء، بالضوابط الشرعية التي لا بد أن تكون من رواء حجاب، ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ [(٥٣) سورة الأحزاب] ولا بد أن تؤمن الفتنة.
стр. 932
في الأمور العامة إنما يطلب لها الرجال، في الإمامة في التحقيق امرأة متهمة مثلاً الذي يحقق معها في عهد النبي ﵊ فيه من النساء من أهل العلم والعقل والدين ما يمكن أن يقوم بمثل هذا، لكنه ﵊ قال: ((واغد يا أنيس)) لأن هذه الأمور لا يقوم بها النساء، ولا تناسب أن يقوم بها النساء، ((اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)) قد يقول قائل: مثلاً أنيس هذا رجل كيف يخلو بامرأة؟ هل يتصور خلوة في عصره ﵊؟ معها محرمها، ومعها .. ، ويسألها من رواء حجاب إن اعترفت أقيم عليها الحد، يعني بعض الناس يستمسك بشيء من المتشابه ويترك الأمور المحكمة، والهجمة التي يروج لها الأعداء وأبواق الأعداء لتحرير المرأة هجمة خطيرة، نسأل الله -جل وعلا- أن يقينا ومجتمعات المسلمين شرها، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 933
منهج السلف في الإفتاء
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فالموضوع المختار لهذا الدرس كما سمعتم: (هدي السلف) هدي السلف المراد بهم من تقدم في صدر هذه الأمة، ومن تبعهم بإحسان من غير تغيير ولا تبديل، هدي السلف في الفتوى وهذا موضوع عظيم، وموضوع في الوقت نفسه خطير؛ لأن الإنسان يخشى وهو يذكر شيئاً مما عليه سلف هذه الأمة وأئمتها، في قول نظري طبقه سلف هذه الأمة، إقداماً في مجال الإقدام وإحجام حينما يقتضي الأمر الإحجام.
стр. 934
نعرض لأقوال سلف الأمة ولطريقة السلف في الفتوى، وتهيبهم للفتوى، وتتدافعهم، وتدارئهم الفتوى، حتى قد كانت الفتوى تمر على العدد الكبير من سلف هذه الأمة ثم تعود إلى الأول، يتدافعونها، ويتدارؤنها، ثم بالمقابل من يتكلم عن هديهم تعرض عليه الأسئلة فلا يسلك مسلكهم، فالذي يخشى منه أن يكون العمل مكذباً للقول، ولا شك أن مثل هذا مزلق خطير، والمسألة عن الفتوى فيها النصوص الكثيرة التي منها ما يدعو إلى الإقدام ويشدد فيه، ويجعل من لا يقدم عليه ممن يكتم العلم وله الوعيد الشديد في نصوص الكتاب والسنة، وبالمقابل من يجرؤ عليه، له بالمقابل وعيد شديد، فمن المأمور، ومن المنهي؟ من المأمور بالفتوى، ومن المنهي والمحذر منها؟ نحتاج إلى مثل هذا الموضوع في هذا الوقت، وفي هذا الظرف الذي نعيشه، وكثير ممن يتصدى للفتوى ليسوا ممن عرف بعلم ولا عمل، أصلاً، فضلاً عن كونهم لم يتأهلوا الأهلية التامة في هذا الشأن، وموقف السلف كما هو معلوم من نصوص الأمر بالفتوى، وعدم الإحجام عنها، وعدم كتم العلم لمن طلبه، تصدى له أناس عرفوا بالفتوى، من الصحابة ما يزيد على المائة تصدوا للفتوى، ومنهم من جمعت فتاواه في مجلدات، وعلى كل حال منهم المقل، ومنهم المكثر، وهم موجودون مطبقون لهذه النصوص، ومنهم من أحجم، منهم من أحجم ورأى أن التبعة عظيمة، والموقف خطير، ومزلة قدم؛ لأن هذا الموضوع يحتاج، علماً بأنه قد يخفى الأمر على الشخص نفسه أمر الشخص يخفى عليه نفسه، هل هو ممن أمر بالفتوى، أو هو ممن حذر منها؟ الشخص نفسه قد لا يستطيع تحرير واقعه، هل هو ممن أمر بها أو حذر منها، والسائل العامي الذي فرضه سؤال أهل العلم، ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [سورة النحل: ٤٣]، قد لا يستطيع التحرير فيمن يسأل هل بلغ مقام من يسأل أو لم يبلغ؟ قد لا يستطيع أن يميز بين من يسأل ومن لا يسأل، فالمسألة تحتاج إلى مزيد عناية وتحرير دقيق، لا سيما وأن المجال الآن والفضاء مفتوح لكل أحد، حتى سمعنا من يستفتي رعاع الناس عن مسائل علمية فيها نصوص شرعية، ويجعل الراجح من يدعمه من الأصوات أكثر، في مجتمع لا يمت إلى الالتزام فضلاً عن التدين، فضلاً عن العلم، هذه مسائل خطيرة، وهناك
стр. 935
شيء أو نصوص فيها إرهاص من مثل هذه التصرفات التي نعيشها، ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)) يعني بعض الناس ممن يتصدى للفتوى قد يكون ممن أعطي بياناً، يمرر به كلامه على السذج، بحيث يتناقلونه ويتداولونه، والبيان من هذا النوع جاء فيه قول النبي ﵊: ((إن من البيان لسحراً))، وهذا على سبيل الذم، وإن كان بعض أهل العلم يقول: إنه على سبيل المدح لكن السحر مذموم، ((إن من البيان لسحراً)) فمثل هؤلاء الذين يمررون هذه الأقوال ويتدخلون في أمور الدين، وفي قضايا الأمة العامة من غير اعتماد على نص من كتاب ولا سنة، وإذا تصدر للفتوى من لا علم له بالكتاب والسنة لا شك أنه سوف يضل بنفسه، ويضل غيره، وإذا كان من يحتاج إلى الكتاب والسنة من غير المختصين في العلم الشرعي من الأدباء أو من المؤرخين، تجد لهم، لبعضهم عناية فائقة بالنصوص، نصوص الوحيين، فإذا كان هذا في مؤرخ أو أديب، تجده، يرى أن معرفة النصوص حتم لازم لإتقان الفن الذي يريده، فابن الأثير مثلاً صاحب المثل السائر، يقول: إنه استعان على نشر أو على تحقيق ما يطمح إليه من الأدب الرفيع الذي يستحق أن يسمى أدباً، إنما هو بعد حفظه للقرآن، وبعد حفظه لثلاثة آلاف حديث، وصار يردد هذه الأحاديث على مدى عشر سنوات، يختمها في كل أسبوع، الأديب يحتاج إلى النصوص، حاجة ماسة، المؤرخ يحتاج إلى النصوص، وإلا فسوف يقع الخلط في كلامه، يعني فرق بين أن تقرأ في التاريخ لمفسر محدث كابن كثير، وبين أن تقرأ لمحلل لا يعتمد على النصوص كثيراً، فإذا كان هذا في جانب التاريخ والأدب، الحاجة داعية إلى العناية بنصوص الكتاب والسنة، فكيف بمن يتصدى لإقراء الناس، وتعليم الناس، وإفتاء الناس، وليست له عناية بالكتاب والسنة؟ ونرجو ألا يكون مثل هذا الكلام حجة علينا.
إذا عرفنا هذا فقد جاء الوعيد الشديد في حق من كتم العلم وفي حق من جرؤ على العلم، وقال فيه بغير مستند، ولا دليل، ولا برهان من الكتاب والسنة.
стр. 936
يقول الله -جل وعلا-: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٣٣].
يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "رتب المحرمات أربع مراتب، يعني جعل المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها، قد يقول قائل: إن هذه الجمل الأربع عطفت بالواو، وهي لا تقتضي الترتيب، فلماذا يقول ابن القيم وغير ابن القيم أن القول على الله بغير علم أعظم من الشرك؟ لأننا إذا قلنا أنها رتبت على سبيل الترقي وأن هذه المراتب كل مرتبة منها أعظم من التي قبلها كما يقرر جمع من أهل العلم، ومنهم الإمام ابن القيم يقول: "رتب المحرمات أربع مراتب وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنى بما هو أشد تحريماً وهو الإثم والظلم، ثم ثلث بما هو أعظم تحريماً منهما وهو الشرك به سبحانه، ثم ربع بما هو أشد تحريماً من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم".
يعني طالب العلم إذا سمع مثل هذا الكلام المفترض أن يحسب له ألف حساب، وأنه إذا سئل عن مسألة يحسب لها وللخلاص منها بين يدي الله -جل وعلا- ألف حساب، يعني وما يضيرك أن تقول: لا أدري، وإذا كان الأئمة على ما سيأتي كثر في أجوبتهم قول: لا أدري، وإذا كان النبي ﵊ المؤيد بالوحي يُسأل فيسكت، لماذا يسكت؟ ينتظر الوحي، ينتظر الوحي، ومن أهل العلم من يقول: أنه يسكت ليربي المفتين؛ لئلا يتسرعوا في الجواب؛ لأن بعض الناس إذا سئل لا يترك السائل يكمل الجواب، بل يبادر بالجواب قبل إكمال السؤال، وما الذي ترتب على ذلك؟ ترتب عليه مثل قول من أجاب السائل، السائل يقول: إن ابني يضربني، ابني يضربني، فأرجو توجيه كلمة لهذا الابن، وما حكم هذا الفعل؟ ومن هذه القبيل، قال السائل: ضرب الوالد لولده شرعي، الضرب شرعي، والأدب شرعي، هل فهم المجيب السؤال، عكس، عكس المراد، لكنه لو تأمل بان له المراد، ومثل هذا قد يحتاج السؤال إلى شيء من الاستفصال من السائل؛ لأن السؤال يحتمل وجوه، وحينئذ على المفتي أن يستفصل من هذه الوجوه.
стр. 937
"ثم ربع بما هو أشد تحريماً من ذلك كله، وهو القول عليه بلا علم، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه".
يقول الله -جل وعلا-: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ* مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النحل: ١١٦ - ١١٧].
متاع قليل، يعني الدنيا وإن طالت وإن كثرت متعها فإنها قليلة، فإذا تصورنا أن ركعتي الصبح خير من الدنيا وما فيها فالعجب كل العجب ممن يبيع دينه بعرض من الدنيا، تجده يسابق ويسارع، في القرابين من الدين، من أجل أن يكسب شيئاً من عرض الدنيا الزائل.
يقول: "فتقدم إليهم سبحانه بالوعيد على الكذب عليه في أحكامه وقولهم لما لم يحرمه هذا حرام، ولما لم يحله هذا حلال، وهذا بيان منه سبحانه أنه لا يجوز للعبد أن يقول: هذا حلال وهذا حرام إلا بما علم أن الله سبحانه أحله وحرمه، إلا بما يعلم أن الله سبحانه أحله وحرمه".
стр. 938
إذا قرنا هذا وعرفنا أن القول على الله بلا علم كذب، ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾، إيش معنى كذب؟ كذب يعني أنه غير مطابق لما عند الله -جل وعلا- من حكم، وغير مبني على وسائل شرعية يستنتج منها الحكم، وهذا حال الجاهل الذي يفتي بغير علم، الذي أخبر عنه النبي ﵊ أنه يضل ويضل، هذا كافر، فإذا قرنا هذه الآية بقوله -جل وعلا- في سورة الزمر: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ [سورة الزمر: ٦٠]، هذه مثل هذه الآيات ترتعد منها الفرائص، ما دام كذب، يعني المقدمة ما دام القول على الله بلا علم كذب، والفتوى بلا علم كذب على الله، وافتراء، والذي يكذب على الله يأتي يوم القيامة مسود الوجه، نسأل الله السلامة والعافية، ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [سورة الزمر: ٦٠]، ما الذي يمنعه من قول لا أدري، هذا الجاهل إذا سئل وافترى على الله الكذب وقال: حلال أو حرام، مع مخالفة الحكم الصحيح مثل هذا ما الذي يمنعه من قول: لا أدري؟ لا شك أنه الكبر نسأل الله العافية.
وفي سنن أبي داود من حديث مسلم بن يسار قال: سمعت أبا هريرة يقول: "من قال علي ما لم أقل، فليتبوأ بيتاً في جهنم، ومن أفتى بغير علم كان إثمه على، أو من أُفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه، ومن أشار على أخيه بأمر يعلم الرشد في غيره فقد خانه".
يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "وكل خطر على المفتي فهو على القاضي، وكل خطر على المفتي فهو على القاضي، وعليه من زيادة الخطر ما يختص به، ولكن خطره أعظم من جهة، يعني خطر المفتي أعظم من جهة، وخطر القاضي أعظم من جهة".
стр. 939
كيف يكون خطر القاضي أعظم من خطر المفتي؟ لأنه؛ لأن القضاء بيان الحكم مع الإلزام، فيلزم الخصمين، والمفتي لا يلزم، لكن القاضي يقضي في مسألة واحدة معينة، والمفتي إذا أفتى بحكم شرعي اطرد، اطرد فلو قال شخص: ما حكم كذا، لهذا الذي يفتي، قال: الجواز، أو التحريم، ثم وقعت نظائر لهذه المسألة قيل: إن الشيخ فلان أفتى بكذا، ولا يحتاج أن يسأل مرة ثانية، يقول: "وعليه من زيادة الخطر ما يختص به ولكن خطره أعظم من جهة أخرى فإن فتواه شريعة عامة تتعلق بالمستفتى وغيره". تتعلق بالمستفتى وغيره، وأما الحاكم فحكمه جزئي خاص لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه، وله فالمفتي يفتي حكماً عاماً كلياً أن من يقول: كذا، ترتب عليه كذا، ومن قال كذا لزمه كذا، والقاضي يقضي قضاءً معيناً على شخص معين فقضاؤه خاص لكنه ملزم، وفتوى العالم عامة لكنها غير ملزمة، فكلاهما أجره عظيم، وخطره كبير".
جاء في الحديث وفيه كلام لأهل العلم رجحوا إرساله: ((أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار))، ثم رجح إرساله، يعني لا يثبت صحيحاً، وإن كان بعضهم يحسنه، لكنه قد لا يصل إلى درجة التحسين.
يقول المناوي في شرح الجامع الصغير في شرح هذه الحديث: ((أجرؤكم)) يعني أقدمكم، يعني أسرعكم إقداماً على إجابة السائل عن حكم شرعي من غير تثبت وتدبر، والإفتاء بيان حكم المسألة ((أجرؤكم على النار)) أقدمكم على دخولها؛ لأن المفتي مبين على الله حكمه، فإذا أفتى على جهل أو بغير علم أو بغير ما علمه أو تهاون في تحريره، أو استنباطه فقد تسبب في إدخال نفسه النار لجرأته على المجازفة في أحكام الجبار، ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ [سورة يونس: ٥٩]، هذه فرية على الله -جل وعلا-.
يقول الزمخشري: "كفى بهذه الآية زاجرة زجراً بليغاً عن التجوز فيما يسأل من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيها، وأن لا يقول أحد في شيء جائز إلا بعد إتقان وإيقان ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت، وإلا فهو مفتر على الله تعالى".
стр. 940
هذا في بيان الحكم المجزوم به، يعني يأتي سائل فيقول: ما حكم كذا؟ فيقول: هذا حلال وإلا حرام؟ هذا لا بد أن يعد لنفسه مخرج بين يدي الله ، لكن لو طُرحت مسألة في مجلس علم بين طلبة علم وشارك الحاضرون من غير علم، من غير علم، لا على سبيل الفتوى، وإنما على سبيل المشورة، والترجي، فقال بعضهم: لعل الحكم كذا، قال بعضهم: لعل الحكم كذا، لعل المراد كذا، مثل هذا لا يضر مثل هذا لا يضر، لما ذكر النبي ﵊ السبعين الألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قال الصحابة: لعلهم كذا، لعلهم كذا، لعلهم كذا، فخرج النبي ﵊ فقال قوله الفصل، ولم يوافق أحد منهم هذا القول، فدل على أنه إذا لم يكن على سبيل الإلزام، بل على طريق الترجي، فإن هذا يتسامح فيه، ومثله لو طلب معنى حديث أو معنى آية، يعني بعض الناس يجرؤ على كلام الله -جل وعلا- فيفسره برأيه، وقد جاء الوعيد الشديد على من يفسر القرآن برأيه، فإذا قيل: لعل المراد، مراد الله -جل وعلا- بهذه الآية كذا، أو كذا، فالأمر فيه يسر إن شاء الله تعالى.
ومن الناس من يجرؤ على تفسير كلام الله -جل وعلا- بما لا يحوم حوله ولا يصوب صُوبَه، حتى أنه سئل بعضهم عن كلمة أو عن آية فيها ثمانية أقوال لأهل العلم فأجاب بجواب خارج عن هذه الثمانية، ما وافق ولا قول لأهل العلم، قد يقول قائل: وليكن قولاً تاسعاً، ونفترض أنه قول تاسع ما الذي يضر؟ لكن هل هذا القول التاسع من قائل يسوغ له أن يفسر القرآن بمثل هذه الطريقة؟ هل يسوغ التفسير لكل أحد بغير نقل؟ الأصل أن التفسير منقول، التفسير أمره موكول إلى النبي ﵊، ثم إلى صحابته مما فهموه من أقواله وأحواله ﵊، ثم لمن تبعهم بإحسان ممن فهم حال من تقدم.
стр. 941
كثيراً ما يصل الإنسان إلى رتبة من العلم، ويقرأ في تفاسير الأئمة الشيء الكثير، ثم يسأل عن تفسير آية، أو يقرأ شروح الحديث، ثم يُسأل عن معنى حديث لا يذكر فيه قول لقائل معين، لكنه من خلال قراءاته واطلاعه الواسع على كلام أهل العلم، تكونت لديه ملكة، بحيث يظهر له معنى الآية أو معنى الحديث، مثل هذا هو التفسير بالرأي المستند إلى أقوال أهل العلم، وإلا لو نظرنا في تفاسير الأئمة الموثوقين، لا سيما بعد عصور الرواية، تجد كثير منهم يدخل في تفسيره من كلامه الشيء الكثير، واستظهاراته ظاهرة في كتابة، هل نقول: إن هذا من التفسير بالرأي الممنوع، أو نقول: إن هذا ما دام أدام النظر في كلام أهل العلم، وفي أقوال المفسرين، وما جاء في التفسير المأثور، تكونت لديه هذه الملكة فصار موازياً لمن أخذ عن سلف هذه الأمة، يعني لو على سبيل المثال نظرنا إلى تفسير الشيخ ابن سعدي، هل فيه كلمة مضافة إلى النبي ﵊، أو مضافة إلى صحابي أو تابعي؟ لا، كله من إنشاء الشيخ، هل نقول: إن هذا تفسير بالرأي لا يجوز؟ هو منتقى من تفاسير السلف، لكن لا يلزم إضافة كل قول إلى قائله لا سيما إذا كان للمؤلف دور في الصياغة، والتعبير عن الأقوال الكثيرة بألفاظ وجيزة، مثل هذا لا شك أنه ينطلق من أصل أصيل، وأساس متين، يعتمد على التفسير المروي عن سلف هذه الأمة؛ لأن هذا قد يلتبس، يقول: لماذا نقول: الزمخشري بالرأي حرام، الرازي بالرأي حرام، ونقول لأناس آخرين ليس؟ نقول: لا يا أخي، الرازي خالف السلف فيما قرره في التفسير، خرج عن طريق السلف ومنهج السلف وسنن السلف، الرازي كذلك، الزمخشري وغيرهما ممن فسر من المبتدعة، لكن من نظر في تفاسير السلف وأدام النظر فيها تتولد لديه ملكة يستطيع أن يتعامل بها مع نصوص الكتاب على طريقة السلف وهدي السلف، وقل مثل هذا في معاني ما جاء عن النبي ﵊، وهذا يجعلنا نديم النظر في كلام أهل العلم الموثوقين ممن هم على الجادة، ولا مانع أن ننظر في أقوال المخالفين والمعارضين من أجل أن نحذر هذه الأقوال ونتصور هذه الأقوال؛ لئلا نقع من حيث لا نشعر بمثل ما وقعوا فيه، وهذا للمتأهل، هذا للمتأهل.
стр. 942
يقول ابن المنكدر: "المفتي يدخل بين الله وبين خلقه، فلينظر كيف يفعل فعليه التوقف والتحرز لعظم الخطر". وكان ابن عمر ﵁ إذا سئل قال: "اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلد أمر الناس وضعها في عنقه" وكان الولاة في عصر السلف من أهل العلم، وجاء رجل من العراق أو من الشام كما في صحيح مسلم يسأل ابن عمر عن مسألة في المناسك، فقال: اذهب انظر ابن عباس، اذهب إلى ابن عباس، ابن عباس ند لابن عمر، ونظير له في السن، وعند ابن عمر من الجوانب ما لا توجد عند ابن عباس، والعكس أيضاً، يعني جانب العلم في ابن عباس أظهر وجانب العمل والعبادة في ابن عمر أظهر، ولذلك قال السائل لما قال له ابن عمر كما في صحيح مسلم: اذهب إلى ابن عباس، فقال: ذاك رجل مالت به الدنيا، ومال بها.
فالناس عامة الناس يثقون بالعالم الذي لا يتوسع في أمور دنياه، نحن لا نقول أن ابن عباس ارتكب محرمات، وجلب الأموال من غير حلها، وصرفها في غير حلها، كلا، ليس بصحيح، لكنه توسع في الدنيا أكثر من ابن عمر، ابن عمر شدد على نفسه شيئاً، ومع ذلك هو من أهل التحري وأهل الورع، وأهل التثبت ولا يقال لابن عباس متساهل، ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، لكن عامة الناس تجدهم يثقون في صاحب العمل أكثر من غيره، وإن كانوا لا يميزون أيهما أعلم، هو لا يدري أيهما أعلم، لكن شهرة ابن عمر في تتبع آثار النبي ﵊، والاقتداء به والائتساء به، جعلته يكون راجحاً عند هذا، وإلا فلا شك أن العلماء عندهم من الناحية العلمية ابن عباس أرجح.
стр. 943
من سئل عن فتوى فينبغي أن يصمت عنها ويدفعها إلى من هو أعلم منه بها، هذا من سئل عن فتوى عليه أن يصمت عنها ويدفعها -كما قال أهل العلم- إلى من هو أعلم منه بها، هذا إذا وجد من يكفيه أمرها، أما إذا تعين عليه الجواب؛ لأن هذه الأعمال العامة التي تتعلق بعموم الأمة، هي فروض كفايات، فروض كفايات، الفتوى لا بد من نصب المفتين، القضاء لا بد من تعيين القضاة ونصبهم لحل المنازعات، التعليم لا بد منه، الولاية الخاصة والعامة لا بد منها، هذه فروض كفايات، لا بد من القيام بها، فالإقدام من غير تأهل ومن غير حاجة، هذا لا شك أنه خطر ومزلة قدم، والإحجام حينما يتعين عليه الأمر أيضاً مسئولية عظيمة أمام الله -جل وعلا-، ونجد في وقتنا هنا، في وقتنا الحاضر نجد طرفي النقيض، نجد طرفي النقيض، تجد الأهل الكفء إذا سئل: أروح اسأل، ما أدري، اذهب اسأل، اسأل غيري، لكن يا أخي ما الذي يخلصك أمام الله -جل وعلا- حينما جاءك هذا الشخص وعندك من العلم ما عندك؟ نعم إذا كنت لا تتبين المسألة على وجهها، فلك أن تقول: اذهب، إذا لم يتعين عليك، ويسهل على السائل أن ينتقل إلى شخص يجيبه عن سؤاله، لك ذلك، لكن إذا تعين عليك البلد ما فيه إلا أنت، تقول: اذهب اسأل غيري؟ هذا الكلام ليس بصحيح، ولا يعني هذا أنك تجيب عن كل ما تسأل عنه، هناك أسئلة فورية تحتاج إلى جواب فوري.
стр. 944
ويتصل من يتصل بعد هزيع من الليل، يعني افترض الساعة الثالثة من الليل، قبيل الفجر، وإذا قيل له: ما الذي دعاك إلى الاتصال في هذا الوقت، هذا يا أخي إحراج؟ قال: المسألة عاجلة، وتحتاج إلى جواب عاجل، حصل منه طلاق لامرأته وهي في الطلق، إيش يعني هذا؟ يعني أنها قد تلد بعد ربع ساعة، أو نصف ساعة، وتخرج من العدة، فلا يكون له عليها سلطان، مثل هذا لا بد من إجابته في وقته، لئلا يفوت الأمر عليه، والتقصير حاصل نسأل الله العفو والعافية، نسأل الله المسامحة، التقصير حاصل، يعني يتصل على كثير من المشايخ في أوقات سعة، وليست في أوقات ضيق، فلا يجيب، نعم الأمور كثرت والتبعات كثيرة، والمتطلبات، وشئون الحياة، وأمور الأسر الآن صعبت، تأزمت، يعني على الإنسان أن يراعي من يسأل، لكن مع ذلك على المسئول أن يجيب إذا كان عنده علم.
يقول: فمن سئل عن فتوى فينبغي أن يصمت عنها ويدفعها إلى من هو أعلم منه بها، أو من كلف الفتوى بها وذلك طريقة السلف، من كلف الفتوى بها، هل لمن عين من قبل الإمام وأخذ أجر على الفتوى أن يقول: اذهب إلى فلان، أو اذهب إلى من هو أعلم مني؟ ليس له ذلك، لماذا؟ لأنه يأخذ على ذلك أجراً من بيت المال، فعليه أن يجيب، لا يلزم أن يجيب بما يعرف وما لا يعرف، لا، يلزمه أن يجيب بما يعرف، أما ما لا يعرفه لا يجوز له أن يجيبه، بل يدفعه إلى من هو أعلم منه.
وذلك طريقة السلف، يقول الماوردي: "فليس لمن تكلف ما لا يحسن، فليس لمن تكلف ما لا يحسن غاية ينتهي إليها، ولا له حد يقف عنده، ومن كان تكلفه غير محدود فأخلق به أن يضل ويضل".
стр. 945
هذا الطالب العلم المبتدئ الذي نصب نفسه يفتي الناس، هذا ليس له حد محدود، وليست له غاية، يعني هل يقول: أنا لا أفتي إلا في باب من الأبواب، أو لا أفتي إلا فيما أحسن؟ يعني إذا كنت لا تفتي إلا فيما تحسن فسوف تقول، هذا إذا صدقت مع ربك ومع نفسك فسوف تقول عن تسعة وتسعين بالمائة من المسائل لا أدري، وحينئذ في عرف الناس تحترق، خلاص كيف يتجه الناس إلى من يقول في تسعة وتسعين بالمائة من المسائل لا أدري؟، وقد تمر عليه بعض المسائل ويستحضر الأقوال ولا يوفق للجواب عنها، في هذا الواحد بالمائة هذا، ليس هناك حد يقف عنده، ويفاجئ بما ليس في حسبانه، يقول: أنا الآن أتقنت، أتقنت باب الصلاة، أو الزكاة، أو باب من أبواب الدين، ثم ينصب نفسه للفتوى ثم أول ما يسأل عنه مسألة طلاق، أو مسألة أيمان ونذور، أو في مسائل من أبواب الدين الأخرى، وقد لا يسأل ولا عن سؤال واحد مما يحسن؛ لأن العلم بحر محيط لا يمكن إدراكه، فإذا كان لا هناك غاية ينتهي إليها، ولا حد يقف عنده، فمثل هذا عليه أن يحجم، فإن أقدم فسوف يضل بنفسه ويُضل غيره.
وقال بعض الحكماء: "من العلم ألا تتكلم فيما لا تعلم، بكلام من يعلم، فحسبك خجلاً من نفسك وعقلك أن تنطق بما لا تفهم" لأننا نسمع من يسأل ومر بنا وبغيرنا، فيجيب بكلام يعرض السائل وغير السائل من السامعين، أن هذا المسئول على يدري ماذا سيقول، من البداية تعرف لأنه ما يدري إيش يقول هو، هذا واضح، وبعض الناس يأتي بكلام ينقض بعضه بعضاً، لا خطام له ولا زمام، والإشكال أنه يسأل ويسجل كلامه ثم يفرغ، ثم يأتي بكلام لو قيل له أو وضع مسابقة على كلام لا يفهم، لا يمكن يأخذ رقم واحد، كلام مرتبط يمسح بعضه بعضاً، ويشوش بعضه على بعض، ويأتي بالكلمة بالجملة، ويأتي بنقيضها، يا إخوان هذا موجود، موجود مع تساهل الناس في هذا الباب الخطير، يعني قد يكون السماع أسهل من القراءة، أن يمشي لأن الذهن قد لا يكون حاضراً في كل ما يُسمع، يفوت بعض الشيء، لكن إذا فرغ على ورقة ونشر في وسائل الإعلام المقروءة افتضح.
стр. 946
يقول بعض الحكماء: "من العلم ألا تتكلم فيما لا تعلم، بكلام من يعلم، فحسبك خجلاً من نفسك وعقلك أن تنطق بما لا تفهم، وإذا لم يكن إلى الإحاطة بالعلم من سبيل، فلا عار أن تجهل بعضه، فلا عار أن تجهل بعضه، وإذا لم يكن في جهل بعضه عار فلا تستحيي أن تقول: لا أعلم، فيما لا تعلم".
يعني والملاحظ على مر العصور من صدر الأمة إلى يومنا هذا أن الذي يقول: لا أعلم، ويكثر منها هم أهل العلم على الحقيقة، هم الأئمة هم الراسخون في العلم، والذي لا يقول لا أعلم، ولا تكثر على لسانه، تجدهم هؤلاء الصغار المبتدئون، على حد زعمهم أن هذا الكبير انتهى من بناء الشخصية، وأذعن الناس واعترفوا به، عالم ولو قال: لا أعلم، لكن هذا الصغير الذي ما استتمت شخصيته، إذا قال لا أعلم، فهو يظن هذا عيب عليه، ولا شك أن هذا من جهله المركب، قال ابن أبي ليلى: "أدركت مائة وعشرين صحابياً، وكانت المسألة تعرض على أحدهم فيردها إلى الآخر حتى ترجع إلى الأول، حتى ترجع إلى الأول".
يقول الغزالي: "فانظر كيف انعكس الحال فصار المرهوب منه مطلوباً، والمطلوب مرهوباً، المطلوب لا أدري، مرهوب، يخشاه الإنسان، والمرهوب وهو الجرأة على الفتوى من غير أهلها هو المطلوب، وتجد في مجالس الكبار يحضر طلاب علم، يحضر طلاب علم في مجالس كبار أئمة فإذا سئل هذا الكبير بادر الصغير بالجواب، ألا يوجد مثل هذا؟! يوجد وبكثرة، أما في قاعات الدراسة ومسابقات الأساتذة حدث ولا حرج، لكن أيضاً في مجالس الأئمة في مجالس العلماء الذي يستحي الإنسان من تحديد النظر في وجوههم، فضلاً عن مسابقتهم، والتقدم بين أيديهم بكلام قد لا يكون صواباً.
يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره، كان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنها قد تعينت عليه، ما في غيره، بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة، أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى".
стр. 947
ما يستعجل إذا تعينت عليه، يزيد في التأمل لماذا؟ لأنه يبحث عن خلاص نفسه، وألزم ما على الإنسان أن يسعى في خلاصه قبل خلاص السائل، قبل خلاص السائل، أنت مطالب أولاً بنجاة نفسك، ثم بعد ذلك إذا كان هناك فضل، فاطلب نجاة غيرك.
يقول عبد الله بن المبارك: حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: "أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله ﷺ أُراه قال في المسجد، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، " هذا من حفاظ الحديث، لماذا يود أن يكفيه أخوه الحديث؟ خشية أن يزل لسانه فيأتي بالحديث على غير وجهه، "ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا".
وجاء رجل من أهل البادية طلق امرأته ثلاثاً إلى عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر فقال: ما تريان؟ قال ابن الزبير: "إن هذا الأمر ليس لنا فيه قول، جاء رجل من أهل البادية طلق امرأته ثلاثاً إلى عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر فقال: ما تريان؟ فقال ابن الزبير: "إن هذا الأمر ليس لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة زوج النبي ﷺ ثم ائتنا فأخبرنا، يعني لا يكفي أن تذهب إلى ابن عباس وأبي هريرة وتسمع الفتوى وتذهب إلى امرأتك، إما لفراقها أو لإعادتها، على حسب الفتوى، لا يكفي هذا، ارجع إلينا فأخبرنا بما قال لك، ثم ائتنا فأخبرنا، فذهب السائل فسأل فسألهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته، أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة، وهذه المسألة عند كثير من طلاب العلم أسهل من شرب الماء، أسهل من، مثل النفس عندهم، يفتي فيها كما يتنفس، ما في مشكلة، طلاق طلق امرأته ثلاثاً، ألا تدري ما الذي يترتب على فتواك؟ إما أن تجعله يجامعها في حرام؛ لأنها بانت منه بالحقيقة وأنت قلت ما وقع الطلاق، أو العكس، تفرق بين رجل وامرأته وتشرد أولاده من أجل جهلك، المسألة خطيرة يا الإخوان، ليست بالسهلة ولا بهينة، أفته يا أبا هريرة، قد جاءتك معضلة، المسألة من عضل المسائل، طلاق الثلاث ليس بالسهل.
وقال ابن عباس: "كل من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون". إنه لمجنون، وعن ابن مسعود مثله.
стр. 948
يقول عبد الرحمن بن مهدي: "سأل رجل، يقول عبد الرحمن بن مهدي: "سأل رجل من أهل المغرب مالك بن أنس عن مسألة فقال: لا أدري، فقال: يا أبا عبد الله تقول لا أدري؟ قال: نعم، قال: نعم، مالك نجم السنن يقول: لا أدري؟ قال: نعم، فأبلغ من وراءك أن مالك لا أدري".
ثم ماذا؟
والعلماء ينقلون عن مالك ويتداولون في كتبهم، أنه سئل عن أربعين مسألة فأجاب عن ست وثلاثين مسألة بقوله: لا أدري، وأجاب السائل عن أربع.
الذي يجيب هذه النسبة عشر ما يسأل عنه هل يصنف عالم، وإلا طالب علم، وإلا لا علم له، عنده، بماذا ينصف؟ هل هذا فقيه؟ يعني لو إنسان يسأل طول عمره ما يجيب إلا بالعشر، هل يصنف عالم وإلا ما يصنف؟ هل يقال: هذا فقيه وإلا ليس بفقيه؟ إي نعم في عرف أهل العلم أن مثل هذا ليس من أهل العلم.
لكن عند أهل العلم أن الفقه كما يكون بالفعل يكون بالقوة القريبة إلى الفعل، إيش معنى القوة القريبة من الفعل؟
مالك الآن ليست عنده مراجع، سئل عن هذه المسائل وأجاب عن أربع هذه يتبينها مثل الشمس، والبقية يشك فيها، فهل يلزم أن يجيب فيها؟ لا يلزم، لكن مالكاً إذا رجع إلى كتبه وأصوله، يستطيع أن يحرر هذه المسائل أو لا يستطيع؟ يستطيع، فمالك فقيه؛ لأن الفقه عندهم إما أن يكون بالفعل بأن يسأل عن المسائل فيجيب عن الأسئلة بأدلتها، وإما أن يكون بالقوة القريبة من الفعل بأن تكون لديه الأهلية لبحث المسائل العلمية والترجيح والتعامل مع النصوص على مقتضى الجادة المعروفة عند أهل العلم، هذا فقيه بالقوة، لكن من سئل عن مسألة في الطهارة مثلاً، فأخذ كتاباً من كتب الفقه المرتبة على الطريقة المعروفة عند أهل العلم، ثم أخذ يقلب الصفحات الأخيرة، هذا فقيه بالفعل أو بالقوة؟ لا هذا، ولا هذا، كما لو سئل عن مسائل في الإقرار فذهب يبحث عنها في أوائل الكتب المرتبة.
стр. 949
لكن بعض الناس بالفعل فقيه، تسأله عن مسألة فيذهب إلى الكتاب فيفتح الكتاب يقع على المسألة، قد يقع على المسألة وقد يقدم ورقة ويؤخر ورقة، هذا الفقيه بالقوة القريبة من الفعل، يستطيع الوصول إلى المسائل في كتب أهل العلم، ويستطيع أن يتعامل مع كلام أهل العلم بالطريقة المسلوكة عنده، لكن من تخرج على المذكرات هل يستطيع أن يتعامل في كتب أهل العلم، ويفهم كلام أهل العلم؟ لا يستطيع، كلام أهل العلم عندهم أصول، وعندهم قواعد، وعندهم اصطلاحات لا يفهمها إلا من عانى كلامهم، ولذا المطلوب من طلاب العلم ألا يقرءوا ولا يعتمدوا على كتب المعاصرين، يكون معولهم على الكتب التي ألفت لطبقات المتعلمين من أهل العلم، وهي التي يربى عليها طالب علم، أما أن يقرأ في مذكرات، وفي كتب معاصرين صيغت للمعاصرين يفهمها كل أحد، هذه ما تربي طالب علم؛ لأنه قد يحتاج إلى مسألة في كتاب من كتب المتقدمين، فلا يستطيع فهمها.
يقول عبد الله بن الإمام أحمد: كثيراً ما يسأل الإمام أحمد عن المسائل فيقول: لا أدري، ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف وكثيراً ما يقول: سل غيري فإن قيل له: من نسأل؟ قال: سلوا العلماء، ولا يكاد يسمي رجلاً بعينه، لا يكاد يسمي رجلاً بعينه، قال: وسمعت أبي يقول: "كان ابن عيينة لا يفتي في الطلاق، ويقول: من يحسن هذا".
مع أنه من أهل الفتوى المعروفين ابن عيينة.
وكان أحمد -رحمه الله تعالى- شديد الكراهية والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف، يعني مسألة جديدة، نازلة، الإمام أحمد يكره كراهية شديدة أن يفتي بهذه المسألة التي لم يسبق إليها، كما قال الإمام أحمد لبعض أصحابه: "إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام".
стр. 950
وقال بعضهم: إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بنص فافعل، يعني لا بد أن يكون لك قدوة في عملك، وفي قولك، وكان ﵀ يسوغ استفتاء فقهاء الحديث، وأصحاب مالك ويدل عليهم، ويمنع من استفتاء من يعرض عن الحديث ولا يبني مذهبه عليه، ولا يسوغ العمل بفتواه؛ لأن عناية الإمام أحمد بالوحيين ظاهرة، حتى أن من أهل العلم من لا يعده فقيهاً، وإنما يعده من أهل الحديث، وابن عبد البر لما ترجم للأمة الفقهاء ترجم للثلاثة وتركه، لكن مثل هذا لا يضيره، ففقه معروف، ومتداول وأصحابه فيهم كثرة، وحملت علمه الذي بقي إلى يومنا هذا قامت بهم مئونة حمل هذا العلم العظيم، عن هذا الإمام المقتدي المؤتسي، المتثبت إمام أهل السنة الإمام أحمد.
قال أبو داود في مسائله: "ما أحصي ما سمعت أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم فيقول: لا أدري، قال: وسمعته يقول: ما رأيت مثل ابن عيينة في الفتوى، أي ما رأيت أحسن منه، وكان أهون عليه أن يقول: لا أدري" يقول: لا أدري.
وقال سحنون بن سعيد: "أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه".
ويقول ابن القيم: "الجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم، ومن غزارته وسعته، "الجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم، ومن غزارته وسعته".
فقليل العلم -مثل ما ذكرنا سابقاً- يريد أن يبني شخصيته، ولو كان على حساب دينه وشغل ذمته، والعالم المتبحر عنده ما يجيب به في كثير من المسائل أو كبار المسائل.
يقول: "فإذا قل علمه أفتى عن كل ما يسأل عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه ولهذا كان ابن عباس من أوسع الصحابة فتيا وقد بلغ ما جمع من فتواه في عشرين سفراً" عشرين مجلد.
следующие страницы →