Полный текст (1 191 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
يقول بعض الحكماء: "من العلم ألا تتكلم فيما لا تعلم، بكلام من يعلم، فحسبك خجلاً من نفسك وعقلك أن تنطق بما لا تفهم، وإذا لم يكن إلى الإحاطة بالعلم من سبيل، فلا عار أن تجهل بعضه، فلا عار أن تجهل بعضه، وإذا لم يكن في جهل بعضه عار فلا تستحيي أن تقول: لا أعلم، فيما لا تعلم".
يعني والملاحظ على مر العصور من صدر الأمة إلى يومنا هذا أن الذي يقول: لا أعلم، ويكثر منها هم أهل العلم على الحقيقة، هم الأئمة هم الراسخون في العلم، والذي لا يقول لا أعلم، ولا تكثر على لسانه، تجدهم هؤلاء الصغار المبتدئون، على حد زعمهم أن هذا الكبير انتهى من بناء الشخصية، وأذعن الناس واعترفوا به، عالم ولو قال: لا أعلم، لكن هذا الصغير الذي ما استتمت شخصيته، إذا قال لا أعلم، فهو يظن هذا عيب عليه، ولا شك أن هذا من جهله المركب، قال ابن أبي ليلى: "أدركت مائة وعشرين صحابياً، وكانت المسألة تعرض على أحدهم فيردها إلى الآخر حتى ترجع إلى الأول، حتى ترجع إلى الأول".
يقول الغزالي: "فانظر كيف انعكس الحال فصار المرهوب منه مطلوباً، والمطلوب مرهوباً، المطلوب لا أدري، مرهوب، يخشاه الإنسان، والمرهوب وهو الجرأة على الفتوى من غير أهلها هو المطلوب، وتجد في مجالس الكبار يحضر طلاب علم، يحضر طلاب علم في مجالس كبار أئمة فإذا سئل هذا الكبير بادر الصغير بالجواب، ألا يوجد مثل هذا؟! يوجد وبكثرة، أما في قاعات الدراسة ومسابقات الأساتذة حدث ولا حرج، لكن أيضاً في مجالس الأئمة في مجالس العلماء الذي يستحي الإنسان من تحديد النظر في وجوههم، فضلاً عن مسابقتهم، والتقدم بين أيديهم بكلام قد لا يكون صواباً.
يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره، كان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنها قد تعينت عليه، ما في غيره، بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة، أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى".
стр. 947
ما يستعجل إذا تعينت عليه، يزيد في التأمل لماذا؟ لأنه يبحث عن خلاص نفسه، وألزم ما على الإنسان أن يسعى في خلاصه قبل خلاص السائل، قبل خلاص السائل، أنت مطالب أولاً بنجاة نفسك، ثم بعد ذلك إذا كان هناك فضل، فاطلب نجاة غيرك.
يقول عبد الله بن المبارك: حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: "أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله ﷺ أُراه قال في المسجد، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، " هذا من حفاظ الحديث، لماذا يود أن يكفيه أخوه الحديث؟ خشية أن يزل لسانه فيأتي بالحديث على غير وجهه، "ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا".
وجاء رجل من أهل البادية طلق امرأته ثلاثاً إلى عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر فقال: ما تريان؟ قال ابن الزبير: "إن هذا الأمر ليس لنا فيه قول، جاء رجل من أهل البادية طلق امرأته ثلاثاً إلى عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر فقال: ما تريان؟ فقال ابن الزبير: "إن هذا الأمر ليس لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة زوج النبي ﷺ ثم ائتنا فأخبرنا، يعني لا يكفي أن تذهب إلى ابن عباس وأبي هريرة وتسمع الفتوى وتذهب إلى امرأتك، إما لفراقها أو لإعادتها، على حسب الفتوى، لا يكفي هذا، ارجع إلينا فأخبرنا بما قال لك، ثم ائتنا فأخبرنا، فذهب السائل فسأل فسألهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته، أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة، وهذه المسألة عند كثير من طلاب العلم أسهل من شرب الماء، أسهل من، مثل النفس عندهم، يفتي فيها كما يتنفس، ما في مشكلة، طلاق طلق امرأته ثلاثاً، ألا تدري ما الذي يترتب على فتواك؟ إما أن تجعله يجامعها في حرام؛ لأنها بانت منه بالحقيقة وأنت قلت ما وقع الطلاق، أو العكس، تفرق بين رجل وامرأته وتشرد أولاده من أجل جهلك، المسألة خطيرة يا الإخوان، ليست بالسهلة ولا بهينة، أفته يا أبا هريرة، قد جاءتك معضلة، المسألة من عضل المسائل، طلاق الثلاث ليس بالسهل.
وقال ابن عباس: "كل من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون". إنه لمجنون، وعن ابن مسعود مثله.
стр. 948
يقول عبد الرحمن بن مهدي: "سأل رجل، يقول عبد الرحمن بن مهدي: "سأل رجل من أهل المغرب مالك بن أنس عن مسألة فقال: لا أدري، فقال: يا أبا عبد الله تقول لا أدري؟ قال: نعم، قال: نعم، مالك نجم السنن يقول: لا أدري؟ قال: نعم، فأبلغ من وراءك أن مالك لا أدري".
ثم ماذا؟
والعلماء ينقلون عن مالك ويتداولون في كتبهم، أنه سئل عن أربعين مسألة فأجاب عن ست وثلاثين مسألة بقوله: لا أدري، وأجاب السائل عن أربع.
الذي يجيب هذه النسبة عشر ما يسأل عنه هل يصنف عالم، وإلا طالب علم، وإلا لا علم له، عنده، بماذا ينصف؟ هل هذا فقيه؟ يعني لو إنسان يسأل طول عمره ما يجيب إلا بالعشر، هل يصنف عالم وإلا ما يصنف؟ هل يقال: هذا فقيه وإلا ليس بفقيه؟ إي نعم في عرف أهل العلم أن مثل هذا ليس من أهل العلم.
لكن عند أهل العلم أن الفقه كما يكون بالفعل يكون بالقوة القريبة إلى الفعل، إيش معنى القوة القريبة من الفعل؟
مالك الآن ليست عنده مراجع، سئل عن هذه المسائل وأجاب عن أربع هذه يتبينها مثل الشمس، والبقية يشك فيها، فهل يلزم أن يجيب فيها؟ لا يلزم، لكن مالكاً إذا رجع إلى كتبه وأصوله، يستطيع أن يحرر هذه المسائل أو لا يستطيع؟ يستطيع، فمالك فقيه؛ لأن الفقه عندهم إما أن يكون بالفعل بأن يسأل عن المسائل فيجيب عن الأسئلة بأدلتها، وإما أن يكون بالقوة القريبة من الفعل بأن تكون لديه الأهلية لبحث المسائل العلمية والترجيح والتعامل مع النصوص على مقتضى الجادة المعروفة عند أهل العلم، هذا فقيه بالقوة، لكن من سئل عن مسألة في الطهارة مثلاً، فأخذ كتاباً من كتب الفقه المرتبة على الطريقة المعروفة عند أهل العلم، ثم أخذ يقلب الصفحات الأخيرة، هذا فقيه بالفعل أو بالقوة؟ لا هذا، ولا هذا، كما لو سئل عن مسائل في الإقرار فذهب يبحث عنها في أوائل الكتب المرتبة.
стр. 949
لكن بعض الناس بالفعل فقيه، تسأله عن مسألة فيذهب إلى الكتاب فيفتح الكتاب يقع على المسألة، قد يقع على المسألة وقد يقدم ورقة ويؤخر ورقة، هذا الفقيه بالقوة القريبة من الفعل، يستطيع الوصول إلى المسائل في كتب أهل العلم، ويستطيع أن يتعامل مع كلام أهل العلم بالطريقة المسلوكة عنده، لكن من تخرج على المذكرات هل يستطيع أن يتعامل في كتب أهل العلم، ويفهم كلام أهل العلم؟ لا يستطيع، كلام أهل العلم عندهم أصول، وعندهم قواعد، وعندهم اصطلاحات لا يفهمها إلا من عانى كلامهم، ولذا المطلوب من طلاب العلم ألا يقرءوا ولا يعتمدوا على كتب المعاصرين، يكون معولهم على الكتب التي ألفت لطبقات المتعلمين من أهل العلم، وهي التي يربى عليها طالب علم، أما أن يقرأ في مذكرات، وفي كتب معاصرين صيغت للمعاصرين يفهمها كل أحد، هذه ما تربي طالب علم؛ لأنه قد يحتاج إلى مسألة في كتاب من كتب المتقدمين، فلا يستطيع فهمها.
يقول عبد الله بن الإمام أحمد: كثيراً ما يسأل الإمام أحمد عن المسائل فيقول: لا أدري، ويقف إذا كانت مسألة فيها اختلاف وكثيراً ما يقول: سل غيري فإن قيل له: من نسأل؟ قال: سلوا العلماء، ولا يكاد يسمي رجلاً بعينه، لا يكاد يسمي رجلاً بعينه، قال: وسمعت أبي يقول: "كان ابن عيينة لا يفتي في الطلاق، ويقول: من يحسن هذا".
مع أنه من أهل الفتوى المعروفين ابن عيينة.
وكان أحمد -رحمه الله تعالى- شديد الكراهية والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف، يعني مسألة جديدة، نازلة، الإمام أحمد يكره كراهية شديدة أن يفتي بهذه المسألة التي لم يسبق إليها، كما قال الإمام أحمد لبعض أصحابه: "إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام".
стр. 950
وقال بعضهم: إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بنص فافعل، يعني لا بد أن يكون لك قدوة في عملك، وفي قولك، وكان ﵀ يسوغ استفتاء فقهاء الحديث، وأصحاب مالك ويدل عليهم، ويمنع من استفتاء من يعرض عن الحديث ولا يبني مذهبه عليه، ولا يسوغ العمل بفتواه؛ لأن عناية الإمام أحمد بالوحيين ظاهرة، حتى أن من أهل العلم من لا يعده فقيهاً، وإنما يعده من أهل الحديث، وابن عبد البر لما ترجم للأمة الفقهاء ترجم للثلاثة وتركه، لكن مثل هذا لا يضيره، ففقه معروف، ومتداول وأصحابه فيهم كثرة، وحملت علمه الذي بقي إلى يومنا هذا قامت بهم مئونة حمل هذا العلم العظيم، عن هذا الإمام المقتدي المؤتسي، المتثبت إمام أهل السنة الإمام أحمد.
قال أبو داود في مسائله: "ما أحصي ما سمعت أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم فيقول: لا أدري، قال: وسمعته يقول: ما رأيت مثل ابن عيينة في الفتوى، أي ما رأيت أحسن منه، وكان أهون عليه أن يقول: لا أدري" يقول: لا أدري.
وقال سحنون بن سعيد: "أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه".
ويقول ابن القيم: "الجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم، ومن غزارته وسعته، "الجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم، ومن غزارته وسعته".
فقليل العلم -مثل ما ذكرنا سابقاً- يريد أن يبني شخصيته، ولو كان على حساب دينه وشغل ذمته، والعالم المتبحر عنده ما يجيب به في كثير من المسائل أو كبار المسائل.
يقول: "فإذا قل علمه أفتى عن كل ما يسأل عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه ولهذا كان ابن عباس من أوسع الصحابة فتيا وقد بلغ ما جمع من فتواه في عشرين سفراً" عشرين مجلد.
стр. 951
كان الناس ينظرون إلى مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ويقولون: كيف جمع هذا العلم، وجمع هذه، وأجاب عن جميع هذه المسائل في هذا العمر؟ شيخ الإسلام لم يعمر، من واحد وستين إلى ثمان وعشرين، أربعين وسبعة وعشرين سبعة وستين سنة، ما شاء الله، سبع وثلاثين مجلد فتاوى إذا نظرت إلى فتاوى النووي إذا هي في جزء صغير، وإذا قارنا هذا بفتاوى من يتصدى للإفتاء في وقتنا تجد البون كبير، يعني لو أن إنسان يجيب في كل يوم عن خمس مسائل مثلاً في عصرنا هذا في السنة يحتاج إلى كم؟ ألف وسبعمائة مسألة، وفي عشر سنوات يجيب عن سبعة عشر ألف مسألة، وفي العشرين وهكذا إلى أن تبلغ المئات من المجلدات، وهذا الحاصل، يعني لو جمعنا فتاوى شيوخنا مثلاً، يعني ما جمع معنا مثلاً الشيخ ابن باز، يقرب من فتاوى شيخ الإسلام، وبقي الشيء الكثير، ولو جمعت فتاواه في الطلاق لبلغت حجم مجموع فتاوى شيخ الإسلام كله، والحاجة داعية، والناس كثرت عندهم الإشكالات، كثر عندهم ما يحتاج إلى سؤال أهل العلم من مشاكل سواءً كانت في الدين، أو في أمور الدنيا، أو في التعامل والأمور الاجتماعية، هذه كثيرة جداً، تحتاج إلى من يحلها بالطريقة الشرعية.
وكان سعيد بن المسيب أيضاً واسع الفتيا وكانوا يسمونه الجريء، كانوا يسمونه جريء، يعني تحس إن بعض الناس جرأة، جرأة لكن إن كانت الجرأة مبنية على أصول شرعية فنعمت الجرأة، وإن كانت غير مبنية على الأصول الشرعية فيا ويلهم، يعني أحياناً تقرأ فتوى لشيخ الإسلام بذيولها واستطراداتها تجد عنده قوة في الكلام، وقد تقول: هذا الكلام فيه جرأة، لكنها جرأة سببها الإحاطة بنصوص الشرع وقواعده وأصوله، ومع ذلك سئل عنه محمد رشيد رضا، يعني نظير ابن عباس مع من تقدمه من الصحابة، شيخ الإسلام مع من تقدمه من الأئمة، رشيد رضا سئل عن شيخ الإسلام هل هو أعلم من الأئمة الأربعة، أو هم أعلم منه؟ فقال: "من وجه باعتبار أن شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- تخرج على كتب الأئمة، وكتب أصحابهم فلهم الفضل عليه، وباعتبار إحاطته بما كتبه هؤلاء الأئمة فهو أوسع منهم علماً".
стр. 952
ابن عباس جمع، جمع الله له علم كبار الصحابة كلهم، وتأخرت حياته حتى احتيج إليه، احتيج إليه، احتيج إلى علمه، فكثرت فتاواه، ولذلك تجدون الشيخ إذا عُمّر وهو على الجادة، وعلى هدي شرعي تجده يكون محل ثقة الناس، يعني الشيخ ابن باز ﵀ عمر بعد أقرانه فاحتاج الناس إلى علمه، انقرض أقرانه قبله بعشر، سنوات عشرين سنة احتاج الناس على ما عنده، ولذلك انتشر علمه انتشار الليل والنهار، بيمنا من أقرانه من لو جمعت فتاواه في مجلد مثلاً، فالتأخر تأخر السن بعد الأقران لا شك أنه تكثر الحاجة إليه، ولذا يقولون في العبادلة الأربعة ابن عمر وابن عباس، وابن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، قالوا: ابن مسعود ليس من العبادلة الذين انتشرت فتاواهم، لماذا؟ لأنه مات قديم، وهؤلاء تأخروا حتى احتاج الناس إلى علمهم، فالحاجة هي التي تجعل الانتشار للعلم أكثر وأوسع.
ذكر ابن وهب عن محمد بن سليمان المرادي عن أبي إسحاق قال: "كنت أرى الرجل في ذلك الزمان، وإنه ليدخل يسأل عن الشيء فيدفعه الناس من مجلس إلى مجلس، حتى يدفع إلى مجلس سعيد بن المسيب كراهية للفتيا" فيجيبه سعيد، سعيد أعلم التابعين على الإطلاق، ووارث علم أبي هريرة، صهره.
وقال سحنون: "إني لأحفظ مسائل منها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من العلماء، فكيف ينبغي أن أعجل بالجواب قبل الخبر فلم ألام على حبس الجواب؟ ".
يعني إذا كانت المسألة فيها ثمانية أقوال فلماذا أستعجل أنا في إبداء رأيي قبل أن ينضج الرأي، فلم ألام على حسب الجواب؟ والمسألة أفتى فيها أئمة، ويأتي من الشباب من يقول: هم رجال ونحن رجال.
وقال ابن وهب حدثنا أشهل بن حاتم عن عبد الله بن عون عن ابن سيرين قال: قال حذيفة: "إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: من يعلم ما نسخ من القرآن، أو أمير لا يجد بداً أو أحمق متكلف، هذا كلام حذيفة "إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: من يعلم ما نسخ من القرآن، أو أمير لا يجد بداً، أو أحمق متكلف، قال: "فربما قال ابن سيرين: "قلت: فلست بواحد من هذين، لست الأول والثاني، ولا أحب أن أكون الثالث" يعني الأحمق المتكلف.
стр. 953
يقول: من يعلم ما نسخ من القرآن، إيش معنى هذا الكلام؟ يعني ليعرف كيف يتعامل مع النصوص؛ لأن نصوص الكتاب والسنة فيها المتقدم والمتأخر، وفيها المحكم والمتشابه، وفيها المطلق والمقيد، وفيها العام والخاص، وفيها الظاهر والنص، والمؤول وفيها أنواع كثيرة جداً، كيف يتعامل، الذي يستطيع أن يتعامل مع النصوص بمعرفة هذه الأمور هو الذي يفتي الناس.
والنسخ في عرف السلف أعم من الرفع الكلي للحكم، النسخ في عرف السلف أعم من أن يكون رفعاً كلياً للحكم، كما هو المعنى الاصطلاحي العرفي عند أهل العلم، بل يشمل النسخ الكلي، ويشمل أيضاً النسخ الجزئي من التقييد والتخصيص وغيرهما.
إذا نظرنا في سير السلف الصالح، نجدهم بدءاً من الصحابة منهم المقل ومنهم المتوسط، ومنهم المكثر، منهم من لو جمعت فتاواه لبلغت عشرات المجلدات، ومنهم من تبلغ الآحاد، ومنهم من مما لو جمعت فتاواه لصارت في جزء صغير فهم متفاوتون، وكل منهم الحادي له على ما ارتضاه لنفسه النصوص، الله -جل وعلا- أخذ العهد وا لميثاق على أهل العلم أن يبينوه، أن يبينوه للناس ولا يكتموه، ولو لم يسأل، لا بد من البيان ولو لم يسأل الإنسان، لكن إذا سئل تعين؛ لأنه لا يجوز تأخير هذا البيان عن وقت الحاجة.
يقول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة البقرة: ١٥٩ - ١٦٠].
يقول -جل وعلا-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١٧٤].
стр. 954
ويقول -جل وعلا-: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٨٧].
أبو هريرة ﵁ يقول: "لولا آيتان في كتاب الله ما حدثت، ويقول الناس: أكثر أبو هريرة والله الموعد، ولولا آيتان من كتاب الله ما حدثت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ إلى آخره.
فالكتمان مغبته وخيمة، كما أن الجرأة من غير تأهل أيضاً شأنها عظيم وخطير، في حديث أبي هريرة المخرج في المسند والسنن ومستدرك الحاكم: ((من سئل عن علم فكتمه، ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)).
يقول المناوي: أي أدخل في فيه، أي أدخل في فيه لجام من نار مكافئة له على فعله، حيث ألجم نفسه بالسكوت في محل الكلام، فالحديث خرج على مشاكلة العقوبة للذنب، يعني الجزاء من جنس العمل، وذلك لأنه أخذ الميثاق على الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه، وفيه حث على تعليم العلم؛ لأن تعلم العلم إنما هو لنشره والعمل به، ودعوة الحق إليه، والكاتم يزاول إبطال هذه الحكمة وهو بعيد عن الحكيم المتقن، ولهذا كان جزاءه أن يلجم تشبيهاً له بالحيوان الذي سخر ومنع من قصد ما يريده"؛ لأنه أشبه الحيوان، الحيوان أعجم لا يتكلم، وهذا شبيه له حينما سكت في موضع الكلام، أو في وقت يتعين عليه فيه الكلام أشبه العجماوات، والحيوان يحتاج إلى لجام، وكذلك من كتم هذا العلم يحتاج إلى أن يلجم بلجام من نار.
يقول الشيخ حافظ الحكمي في ميميته الفريدة الشهيرة:
والكتم للعلم فاحذره إن كاتمه ... في لعنة الله والأقوام كلهم
ومن عقوبته أن في المعاد له ... من الجحيم لجاماً ليس كاللُجم
وصائن العلم عمن ليس يحمله ... ماذا بكتمان بل صون فلا تلم
وإنما الكتم منع العلم طالبه ... من مستحق له فافهم ولا تهم
стр. 955
وعلى هذا فعلى طالب العلم أن يرى ويعرف ويقرر مكانته في هذا العلم، يعرف واقعه وحقيقته، فإن كان ممن أخذ عليه العهد والميثاق أن يبين، فلا يجوز له حينئذ أن يحجم البتة؛ لئلا يلجم بلجام من نار، وإذا كان ممن لم يبلغ هذه المرتبة، ولم يتمكن من معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها فلا يجوز له حينئذ أن يقدم.
ومما يشاهد أن من الأكفاء في وقتنا الحاضر من انزوى في بيت أو في مزرعة أو اقتصر على عمل رسمي، ولم يشارك في نفع الناس، ولا ولم يساهم في إخراجهم من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ولم يساهم في حل إشكالاتهم، وإجابة سؤالاتهم، فمثل هذا هو الذي صار سبباً في جرأة بعض غير الأكفاء على أن أضلوا الناس بعد أن أضلوا بأنفسهم.
стр. 956
قد يقول قائل: أنا لا أستطيع أن أقرر عن نفسي أنني وصلت إلى الحد الذي يلزمني أن أفتي ولم أتجاوز الذي لا يجوز لي أن أفتي، فالمسألة تحتاج إلى وضوح، وسئل بعض الكبار لماذا لا تتصدى لتعليم طلاب العلم؟ فقال: إن النصاب لم يكتمل، والأمة كلها تشهد له أن نصابه قد زاد، فهل يقال إن الإنسان متروك له هذا الأمر وله أن يقول: أن أعرف بنفسي ما بلغت، وكثير منهم يقول مثل هذا الكلام من باب التواضع، وهضم النفس، من باب التواضع، وهضم النفس، لكن مثل هذا التواضع لا يعفيه من الوعيد الشديد الذي جاء بصدده العهد والميثاق على أهل العلم أن يبينوا للناس ما نزل إليهم، ولو تواضع، لا يعفيه هذا التواضع، إلا إذا قام بالأمر من يكفي، أما إذا تعين عليه فلا بد أن يساهم، لا بد أن يبين، لا بد أن يجيب، وأقول مثل هذه المواقف لا شك أنها فيها شيء من الخفاء والغموض، يعني قد يكون الإنسان تأهل بالفعل، لكن لا يدري عن نفسه، وقد يكون شديد الحذر، شديد الخوف على نفسه، من بلوغه الحد الذي يلزمه أن يتصدى لتعليم الناس وإفتائهم، ورفع الجهل عنهم، وبيان ما نزل إليهم، وبعضهم قد يجرؤ ظناً منه أنه قد وصل إلى الحد، ولا شك أن مثل هذا الأمر تكفي فيه الاستفاضة، تكفي فيه الاستفاضة، بالنسبة للشخص نفسه ولغيره أيضاً، لا يستفيض بين أهل العلم أن فلاناً قد بلغ مبلغاً يتعين عليه أن يعلم، يتعين عليه أن يدعو، يتعين عليه أن يقضي، يتعين عليه أن يفتي، إذا استفاض بين أهل العلم لا سيما الموثوقين منهم، فإنه حينئذ يكون نصابه قد بلغ، وذمته تبرأ بتصديه لهذه الأعمال.
أما إذا لم يستفض أمره وخفي أمره على الناس فهذا يوكل إليه، وحينئذ يعرف عن نفسه ما يعرف، لا سيما قبل أن يعرف، ومثله بالنسبة للعامي ومن يستفتيه، العامي ليست لديه أهلية الموازنة بين أهل العلم، هناك أمور ظاهرة إذا اتصف بها العالم فهو أهل لأن يستفتى،
وليس في فتواه مفت متبع ... ما لم يضف للعلم والدين الورع
стр. 957
لا بد من أن يتحلى بهذه الأوصاف الثلاثة: العلم والدين، والورع؛ لأن بعض الناس عنده علم، لكن ليس عنده ورع، إذا لاح له مطمع دنيوي أو شرف أو جاه، تخطى هذا العلم الذي يحمله، وتجاوزه، وبعضهم ليس عنده دين يحميه وبعضهم ليس عنده علم، فلا بد من توافر الأمور الثلاثة، والعامي أيضاً يكفيه في تقرير من يسأل استفاضة هذا الذي يراد سؤاله عند أهل العلم الموثوقين، إذا استفاض على ألسنة أهل العلم أن فلان أهل لأن يستفتى فيقصده الناس للاستفتاء من عامة وأشباههم، ومع هذه النصوص المحكمة في المنع والإلزام نجد في عصرنا من يجرؤ على الفتوى وهو ليس من أهل العلم أصلاً، كما أسلفنا في المقدمة، يعني يجمع في قناة من القنوات ثلة من الشباب، وثلة من الجنس الآخر من الشابات، ثم يطرح مسألة شرعية وقد يكون معه ممن يستطيع استغفال الناس واللعب بعقولهم ممن يؤيده على كلامه وطريقته واستفتائه، ثم يقول: ماذا تقولون في كذا؟ ثم بعد ذلك يحسب الأقوال، ثلاثين صوت، من يعارضهم عشرة أصوات، إذن الحكم كذا، هل هذه طريقة شرعية لتقرير المسائل العلمية؟
هؤلاء هم الذين أخبر النبي ﵊ عنهم أنهم اتخذوا رؤوسا جهالاً، يضلون بأنفسهم، ويضلون غيرهم، ويصرح ويتبجح بأنه ليس من أهل العلم، إذا انتهى من تقرير المسائل بهذه الطريقة قال: يا الإخوان، أنا تخصصي غير شرعي، تخصصه كيمياء وإلا صيدلة، وإلا زراعة وإلا شيء آخر، لكنها وسيلة كسب، وسيلة كسب مادة، فويل لمثل هذا ويل له، يتخبط في دين الله ويقرر أحكام شرعية بهذه الطريقة، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 958
مع هذه النصوص المحكمة في المنع والإلزام نجد في عصرنا من يجرؤ على الفتوى وهو ليس من أهل العلم أصلاً، فضلاً عن طالب غير متأهل لا سيما مع تيسر وصول أقوالهم إلى الناس بواسطة الوسائل المتعددة، مما سبب اضطراب في الفتوى، وضياع للمستفتين، وضياع للمستفتين، والمسئولية في مثل هذا تقع على أولياء الأمور، من العلماء والقادة، أن يوضع لهذا الاضطراب، وهذا اللعب، والتلاعب على الحد؛ لأن الناس اضطربوا، ونسبوا هذا الاضطراب إلى الدين، كم سمعنا على ألسنة العامة أن الدين تغير!، كنا نرى الناس يصلون كذا، وظهرت أقوال، كنا نراهم يفعلون كذا وظهر غير ما كنا نعلم، فنسبوا هذا الاضطراب إلى الدين والدين منه بريء، نعم أهل العلم بينهم خلاف، والخلاف موجود من عصر الصحابة لكن في مثل هذه الظروف التي ظهرت فيها هذه الأقوال، لا بد أن يطلع العامة على الأسباب الحقيقية للاختلاف، وأن يعرى أمثال هؤلاء الأدعياء الذين يضللون الناس وأن تبين حقائقهم، مما سبب اضطراب في الفتوى وتبلبلاً عند الناس وتشتت لعدم تمييزهم بين العالم وغيره، فكثيراً ممن يتصدى لذلك قد يكون ممن وهب بلاغة وفصاحة يؤثر بها على الناس، وقد جاء في الحديث كما تقدم: ((إن من البيان لسحراً)).
صاحب ذلك إحجام من كثير من طلاب العلم المتأهلين احتجاجاً بما جاء من نصوص المنع والوعيد، وتأسياً بسلف هذه الأمة في تدافع الفتيا وتدارئها مما فسح المجال لأدعياء العلم أن يتصدروا في القنوات والوسائل والمجالس ولا شك أن الحاجة قائمة، وقد أمر الله جل علا بسؤال أهل العلم، بسؤال أهل العلم قال -جل وعلا-: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٧]، فالعامي ومن في حكمه ممن ليست لديه أهلية النظر فرضه تقليد أهل العلم، وسؤالهم بنص القرآن، فإذا أحجم الكفؤ مع اضطرار العامة إلى من يفتيهم اضطروا إلى سؤال من ليسو من أهل العلم فضلوا وأضلوا، نسأل الله السلامة والعافية.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
إن أجبنا على جميع هذه الأسئلة نقضنا الكلام النظري الذي قلنا.
طالب:. . . . . . . . .
هذه وإلا ذي؟
стр. 959
طالب:. . . . . . . . .
أقول: إذا أجبنا على الأسئلة ما اكتفينا بالسابق.
طالب: هو تطبيق عملي يا شيخ.
والله كأنه نقل عملي، إيش رأيك.
طالب: اللي تشوفه يا شيخ.
هاه.
طالب:. . . . . . . . .
أنا أعرف بنفسي، نعود إلى كلامنا السابق، الله المستعان.
نجيب على الأسئلة الواضحة التي لا تحتاج إلى أئمة.
يقول: عملت في هيئة الحرم، وتعرضت لسؤال الناس من الحجاج والمعتمرين، وأفتيت الكثير بعد إلحاحهم على فتاوى علماءنا بقولنا: قال ابن باز، وقال؟
هذه ليست فتوى، هذا نقل للفتوى، هذا نقل للفتوى، وإذا أحلت على من تبرأ الذمة بتقليده، فأنت في حل من هذا النقل، شريطة أن تتأكد مما تنقل.
يقول: متى يكون المفتي مجتهداً؟ هل بعد حفظه للقرآن وكتب السنة، أم بعد حفظه لمتون أهل العلم، أم بعد معرفته لجميع ما يتعلق بالفتاوى في الكتاب والسنة؟
لا شك أن المفتي عقد له فصول في كتب الأصول، وضعوا له شروط، وضعوا له شروط، وعلى كل حال أوجب الواجبات على من أراد أن يتأهل لهذا المنصب أن يحفظ من نصوص الكتاب والسنة، نصوص الكتاب والسنة ما يكفيه، ثم بعد ذلك يعرف كيف يتعامل مع نصوص الكتاب والسنة بمعرفة ما قرره أهل العلم في هذا الشأن.
يقول: ما مدى صحة قاعد: لا إنكار في مسائل الخلاف، وقد شرحت في الدرس الأول، ولكن لم أستوعب ما قاله الشيخ وفقه الله، من غير نقص فيه للأهمية؟
على كل حال ما دام شرح من قبل أهل العلم لا داعي أن يكرر الشرح، لا سيما في مكان واحد؛ لأننا نقع في شيء من الاضطراب.
ما الراجح في تفسير القرآن بالرأي؟
стр. 960
جاء الوعيد الشديد على من قال في كتاب الله برأيه، على من قال في القرآن برأيه، والقرآن يفسر بالقرآن وبالسنة وبأقوال الصحابة والتابعين، وبلغة العرب، ومثل ما ذكرنا سابقاً أن الدعي الذي لا علاقة له بالقرآن، ولا بما يخدم القرآن، هذا ليس له أن يتكلم في القرآن، ونسمع ونقرأ بعض المقالات في الصحف من أناس لا في العير ولا في النفير، يتكلمون في كلام الله -جل وعلا- بكلام هو أبعد ما يكون عن مراد الله -جل وعلا-؛ لأنهم ليست لهم عناية في الكتاب ولا ما يخدم الكتاب، لكن من كانت له عناية بالقرآن، صار من أهله ونظر كثيراً، وأطال، وأدام النظر في كتب أهل العلم الموثوقين، هذا له أن يدلي برأيه؛ لأنه تكونت لديه ملكة يستطيع بها أن يتعامل مع نصوص القرآن، والسنة.
يقول: هل ينبغي لطالب العلم أن ينكر المنكر، مع وجود عالم في المجلس الذي فيه المنكر، مثال: الجوالات، وأصواتها في المسجد مع وجود عالم فهل أقول وأنكر هذا؟
من باب الأدب، هو الإنكار لا بد منه سواءً كان من العالم أو من غيره، ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه)) لكن لو كان على طريقة السؤال لهذا العالم، ما رأيكم في مثل هذه النغمة، ما رأيكم في مثل هذا الصوت؟ فيجيب الشيخ إن شاء الله بما ينفع، وإن أجاب أيضاً بخلاف ما يراه هذا، هذا يراه منكر، والشيخ لا يراه منكر، فعليه أن يبين رأيه لكن مع الأدب.
يقول: في زماننا ما الأفضل: عالم أحجم عن الفتوى في ظل نطق الرويبضة، أم عالم تصدر للفتوى لنشر العلم والفهم الصحيح في الأمة؟
لا شك أن مثل هذا فرع عن العزلة والخلطة، العزلة والخلطة، هذه كما تكون لسائر الناس، تكون أيضاً للعلماء، فالعالم الذي يستطيع أن يؤثر بالناس، ولا يخشى على نفسه من التأثر بما عندهم من منكرات هذا يتعين عليه أن يخالط وأن يعلم، وأن يفتي، وأن يقضي، وإذا كان يخشى على نفسه من التأثر، فإنه حينئذ لا مانع من عزلته؛ لأن حرصه على نفسه آكد وأوجب، ذكرنا في حديث ((أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار)) أن الأصح أنه مرسل.
يقول: كثير من طلاب العلم في هذا الوقت لا يفرق بين المدارسة والفتيا؟
стр. 961
لا شك أنه إذا اجتمع مجموعة من طلاب العلم، وتذاكروا العلم، وتدارسوه فيما بينهم، وطرح بعضهم سؤال وطلب الجواب من البقية، وقال بعضهم: لعله كذا، لعله كذا، بحيث لا يجزم، هذا لا إشكال فيه إن شاء الله تعالى.
هناك أيضاً الأسئلة في الامتحان، قد يدخل الإنسان الامتحان ثم يسأل بأسئلة ما مرت عليه، يجيب وإلا ما يجيب؟ نقول: هذا ليس مجال فتوى، هذا ليس بمجال فتوى، إنما هو مجال كشف ما عند الشخص، فليكشف ما عنده من علم أو جهل، لكن يتقي الله -جل وعلا- ألا يقول باطلاً، ألا يقول باطلاً، ولو صدر كلامه بلعل كان أحوط.
متى يكون الشخص من أهل العلم، ومتى من يكون له حق الفتيا؟
ذكرنا أنه لا بد من التأهل وأخذ العلم بجميع أبوابه، وجميع متطلباته، واستفاضة الخبر خبر هذا الشخص من قبل أهل العلم، فإذا اجتاز هذه الاستفاضة وصار على ألسنة أهل العلم أنه أهل للتعليم، وأهل للفتيا، كان من أهلها، وإلا فلا.
يقول: إذا كان الوقت ضيق، وسؤال طالب العلم وليس عنده تصور كان وسئل، طالب العلم وليس عنده تصور كامل للمسألة فماذا يفعل؟
عليه أن يقول: الله أعلم.
هل قول: لا أدري مع العلم بالمسألة يعد كذباً؟
نعم هو كذب بلا شك؛ لأنه مخالف للواقع، هذا كذب، لكن قد يحمل على قول لا أدري ممن يعرف الحكم، ما يجعل الإنسان يدرأ عن نفسه شراً، فمثل هذا قد يعفى عنه.
يقول: لو سئلت عن مسألة أعرفها فهل أجيب عنها؟
إن كنت تعرفها بأدلتها وذيولها وما تتطلبه من تفصيل، فتجيب عنها؛ لأنك حينئذ من أهل النظر في هذه المسألة، ولو كنت لست من أهل النظر في مسائل أخرى وأبواب أخرى تجيب عنها، لكن إذا كانت المسألة غير مكتملة في ذهنك، وتحفظ فيها قول لمن تبرأ الذمة بتقليده فانقل هذا القول لمن يسألك.
ونكتفي بهذا القدر من الأسئلة والبقية كثيرة لكن الوقت يعني تأخر على الإخوان.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 962
أحكام الحج
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فرضية الحج:
إن الحج إلى بيت الله الحرام ركن من أركان الإسلام إجماعاً، لا يختلف أهل العلم في كونه ركن، وقد الله -جل وعلا-: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [(٩٧) سورة آل عمران] فشأن الحج عظيم، فهو أحد أركان الإسلام، وأحد دعائمه العظام، ففي الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان)) متفق عليه، من حديث ابن عمر، وتفرد مسلم -رحمه الله تعالى- بتقديم الصيام على الحج، ولذا بنا الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- ترتيب كتابه على تقديم الحج على الصيام، بناء على الرواية المتفق عليها، والأكثر من أهل العلم يقدمون الصيام على الحج، والرواية بذلك عن ابن عمر صحيحة، حتى إنه اُستدرك عليه، فرد على المستدرك، لما قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" قيل له: صوم رمضان والحج، قال: وصوم رمضان والحج، قيل له: الحج وصوم رمضان، قال: لا، صوم رمضان والحج، مع أن تقديم الحج ثابت عنه في الصحيحين وغيرهما.
حكم من أنكر وجوب الحج:
وعلى كل حال من أنكر وجوبه كفر إجماعاً، ومن تركه فهو على خطر عظيم مع القدرة عليه؛ لأن الله -جل وعلا- يقول: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [(٩٧) سورة آل عمران] ويستدل بهذا مع نصوص جاءت في التشديد والتأكيد بالنسبة لمن ترك الحج وهو قادر عليه، جعل بعض أهل العلم يقولون: بكفر من لم يحج مع الاستطاعة، وجاء عن عمر -رضي الله تعالى عنه- أنه كتب إلى الأمراء في الآفاق: "أن انظروا من كانت له جدة فلم يحجوا، فاضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين".
стр. 963
وجاء مرفوعاً من حديث أبي ذر وأبي هريرة وأبي أمامة وغيرهم، عن النبي ﵊: ((من كان ذا جدة فلم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو إن شاء نصرانياً)) له طرق كثيرة تدل على أن له أصلاً، كما قال الحافظ ابن حجر، وإن بالغ ابن الجوزي فأورده في الموضوعات؛ لكن الجمهور على أنه ضعيف، ليس بالموضوع، وليس بالصحيح، وابن حجر يقول: كثرة طرقه تدل على أن له أصلاً.
وعلى كل حال هو ركن اتفاقاً، وتاركه على خطر عظيم، ولو لم نقل بكفره كقول الجمهور؛ لكنه مفرط، شأن الحج عظيم، وجاء في الترغيب فيه أحاديث كثيرة جداً، ثبت عنه ﵊ أنه قال: ((من حج فلم يرفث، ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) وجاء أيضاً: ((الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)) وهو واجب على الفور على القول المحقق عند أهل العلم، وإن قال كثير من أهل العلم أنه على التراخي؛ لكن جاءت النصوص التي تدل على أنه على الفور، فالنبي ﵊ لما فرض عليه الحج في السنة التاسعة على القول المحقق عند الإمام البخاري وابن القيم وغيرهما أنه فرض في السنة التاسعة، وحج النبي ﵊ في السنة العاشرة، نعم قد يقول قائل: لو كان على الفور لحج في السنة التاسعة، بعث النبي ﵊ في السنة التاسعة أبا بكر، ثم أردفه بعلي ﵁ من أجل أن يبلغ عن النبي ﵊ أن لا يحج بعد العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان، فالنبي ﵊ لا يطيق هذه المناظر، ولذا أخر الحج وهو واجب على الفور من أجل ذلك.
وكثير من المسلمين الآن مع الأسف الشديد أنه بطوعه واختياره من غير أي داعٍ ينظر إلى العورات، من خلال وسائل الإعلام، لا يلزم أن تكون العورات المغلظة؛ لكن هي عورة على كل حال، المرأة بالنسبة للرجل عورة، والأمر أعظم من ذلك، ويذكر أمور يُستحى من تخيلها فضلاً عن ذكرها، يستحي الرجل السوي الذي على الفطرة من مجرد التصور فضلاً عن سماع أخبارها، أو تصورها، أو الكلام فيها، والله المستعان.
стр. 964
إذا عرفنا هذا، وقلنا: أن الحج واجب على الفور، فإن من استطاع أن يحج ولم يحج آثم، يأثم إذا أخر الحج من غير عذر، ومع الأسف أنه توجد أعذار واهية تؤخر من أجلها هذه الشعيرة، أو الفريضة في العام الماضي قيل لبعضهم: لم لا تحج؟ قال: والله السنة هذه ربيع -مع الأسف الشديد أن نسمع مثل هذا الكلام بين المسلمين- وقبل ذلك قيل له: لم لا تحج؟ قال: والله تسليم البحث بعد الحج مباشرة، لا أستطيع أن أحج، ومثل هذه الأعذار، حرص الصحابة على أداء هذه الشعيرة مع النبي ﵊ شيء لا يخطر على بال، امرأة يبدأ الطلق بها، طلق الولادة يبدأ بها من بيتها، وتخرج لتحج مع النبي ﵊، إجابة لندائه ونداء الله -جل وعلا-، ومع ذلكم تلد في المحرم، في الميقات بعد مسافة عشرة كيلو، بيوت المدينة يراها حديد البصر، هذا من حرصهم -رضوان الله عليهم- على إبراء الذمة من الواجب، وامتثالاً للمسارعة والمسابقة التي أمر الله بها -جل وعلا-، والإنسان لا يدري ماذا يعرض له؟ وإذا كان المستطيع الذي أنعم الله عليه بالصحة والعافية والمال ولم يحج ولم يفد إلى الله -جل وعلا- كل خمس محروم، فكيف بمن ترك الفرض المكمل المتمم لدينه؟
تعريف الحج:
стр. 965
إذا عرفنا هذا، فالحج: هو قصد بيت الله الحرام لأداء النسك، والعنوان -عنوان المحاضرة- (الحج) كبير جداً ولذا لا أدري متى أبدأ؟ ولا أدري كيف أبدأ؟ ولا أدري كيف أنتهي؟ العنوان كبير جداً، فأحكام الحج ألفت فيه المجلدات، ومن أنفع ما كتب فيها كتاب المناسك من المجموع للنووي، ويقع في المجلد السابع والثامن من الكتاب، أحكام مفصلة، وتفاريع، وتصوير دقيق لكثير من الفروع بأدلتها، ومن ذلكم أيضاً المغني لابن قدامة يذكر الأحكام والخلاف والأدلة يستفاد منه، وهناك منسك كان مشهوراً بين طلاب العلم، ثم ترك لطوله، وفيه شيء من التكرار الملل لطلاب العلم اليوم هو منسك الشيخ ابن جاسر، اسمه (مفيد الأنام) في جزئين، وهناك مناسك تعتمد على الدليل، مثل منسك الشيخ ابن باز، ومنسك الشيخ الألباني، وغيرهما، والموضوع ثري، والمصادر والمراجع كثيرة جداً، والنصوص متوافرة، وكتب السنة فيها الشيء الكثير من بيانه ﵊ بفعله وقوله لما أمر الله به -جل وعلا-.
شروط الحج وأركانه ومحظوراته وسننه:
стр. 966
الحج له شروط، وله أركان، وله واجبات، وله سنن، وفيه محظورات –ممنوعات-، فمن شروطه: الإسلام فغير المسلم لا يجب عليه الحج، ولا يصح منه، وكونه يشترط في وجوبه الإسلام لا يعني أن الكافر غير مخاطب بفروع الشريعة، بل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ومنه الحج، وإذا كان الكافر لا يؤمر به حال كفره فما معنى خطابه بهذا الفرع أو بغيره من الفروع؟ وغير الحج لا يطالب بقضائه إذا أسلم بمعنى أنه لو أسلم وعمره سبعون سنة ما يقال له: عليك أن تصلي صلاة خمسة وخمسين سنة، أو تصوم خمسة وخمسين شهر، لا، أما بالنسبة إلى الحج -هذا إذا كان مستطيعاً وقت كفره ثم أسلم غير مستطيع لا يكلف به كغيره من العبادات- وكونه مكلف به، مطالب به، أنه يزاد في عذابه على عذاب كفره، وإلا فالإيمان شرط من تصحيح العبادات ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ﴾ [(٥٤) سورة التوبة] فالكفر مانع من قبول الأعمال، الكافر لا يصح منه العبادة حال كفره، ولا يطالب بها إذا أسلم، وإنما تكليفه من باب زيادة عذابه، وقد قال الله -جل وعلا-: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [(٤٢ - ٤٤) سورة المدثر] المقصود أنهم ذكروا فروع، فدل على أنهم مخاطبون في قول عامة أهل العلم.
стр. 967
فالإسلام شرط من شروط الحج، والتكليف: الحج لا يجب على الصبي ولا على المجنون، إن حج الصبي حال صباه صح حجه؛ لكنه لا يجزئ عن حجة الإسلام، فإذا بلغ عليه أن يحج حجة أخرى، وقد رفعت امرأة صبياً للنبي ﵊ فقالت: ألهذا حج؟ قال: ((نعم، ولك أجر)) فيصح حجه، ويلزمه ما يلزم المكلف من الإتمام، والتبعات مما يرتكبه من محظورات، اللهم إلا ما لا يستطيعه، والمجنون لا يصح منه الحج، وكذلك الرقيق حجه لو حج صحيح؛ لكنه كالصبي لا يجزئ، ولا يجب عليه؛ لأنه مشغول بخدمة سيده فلا يجب عليه الحج أثناء رقه، فلو حج أثناء الرق وهو مكلف؟ عليه حجة أخرى كالصبي، وإن قال بعض أهل العلم أنه يختلف عن الصبي باعتبار أنه تصح منه العبادات كالصلاة والصيام وغيرها، وفي المسألة حديث، لا يخلو من مقال، أن من حج وهو صبي أو رقيق فبلغ أو عتق فعليه حجة أخرى.
المقصود أن وجوب الحج من شرطه الحرية، يقولون: إذا بلغ الصبي، وعتق الرقيق، وأفاق المجنون بعرفة صح حجهم فرضاً، عندنا ركن تقدم قبل الأهلية، نعم لأن من أركان الحج الإحرام، والمراد به نية الدخول في النسك، فإذا أحرم وهو صبي وحجه نفل ما دام صبياً، ثم بلغ بعرفة، قالوا: تجزئ عن حجة الإسلام، ينقلب نفله فرضاً، والنية في الحج عندهم تختلف عن نية سائر العبادات؛ لأنه يمكن تحويلها، بخلاف من أحرم بنفل الصلاة، ثم أراد أن يقلبها فرضاً، ما تنقلب، وعند الحنابلة أنه إذا شرع في الصلاة، ثم بلغ في أثنائها فإنه تلزمه الإعادة؛ لأنه مضى جزء منها غير فرض، إنما هو نفل؛ لكن ما عرف عنه ﵊ ولا عن أحد من صحابته أنه أمر أحداً صلى نفلاً، ثم بلغ في أثناء الصلاة، مع أن إثبات البلوغ في أثناء الصلاة يعني دونه خرط القتاد، وما يدريك أنه بلغ في هذه اللحظة، إلا إذا عرف أنه ولد في الدقيقة كذا من يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا، ثم على تمام الخامسة عشرة يكون قد بلغ، وهذا فيه عنت، يعني ملاحظة هذه الأمور الدقيقة ليست من مقاصد الشرع، فيها مشقة، وفيها عنت، وما عرف أن أحداً أمر بإعادة الصلاة لأنه بلغ في أثنائها.
стр. 968
قلنا: من الشروط: الإسلام، والتكليف الشامل للبلوغ، والعقل، والحرية، والاستطاعة، المستطيع يلزمه الحج يجب عليه الحج وغير المستطيع لا يجب عليه، لقول الله -جل وعلا-: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [(٩٧) سورة آل عمران] وجاء تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة، الحديث جاء من طرق، وكلها لا تسلم من مقال، واستطاعة كل شخص بحسبه، يعني لا تلزم الراحلة لكل شخص، المكي مثلاً الذي يستطيع أن ينتقل بين المشاعر من غير مشقة، لا تلزمه الراحلة لتكون شرطاً على قدرته على الحج، بل عليه أن يحج، ولذا قالوا: القدرة بالمال والبدن، والمال من أجل النفقة، لا بد منه، ولا يحج مثل الذين يدعون التوكل، يتوكلون على الله ولا يتزودون، ثم بعد ذلك يعيشون عالة على الناس، وسئل النبي ﵊ عن بر الحج؟ فقال: ((إطعام الطعام)) ما قال: التسول، وبعض الناس تجد عنده ما يغنيه عن الناس، ثم ينزل ضيفاً على فلان أو على فلان، أو على جهة حكومية، ويزاحم المستحقين، وقد أغناه الله -جل وعلا- عن هذا وهذا، خلاف ما يتطلبه الحج من الإنفاق، إطعام الطعام، وإفشاء السلام.
وعلى الإنسان أن يحج من ماله الحلال، فإذا لم يكن مستطيعاً ببدنه إن استطاع بماله وجب عليه أن ينيب، "إن فريضة الله بالحج أدركت أبي شيخاً كبيراً، لا يثبت على الراحلة" يعني لا يستطيع ببدنه، أفأحج عنه؟ قال: ((نعم)) وفي حديث أبي رزين قال: ((حج عن أبيك واعتمر)) فالذي لا يستطيع بنفسه يستطيع بولده، أو بماله يلزمه أن ينيب، لكن إن عوفي بعد النيابة، أناب من يحج عنه، ثم عوفي بعد ذلك، صار يستطيع أن يحج بنفسه، هل يلزمه أن يحج أو تكفي هذه الحجة التي نيب عنه فيها؟ الحنابلة يقولون: تكفي لأنه لا يجب في الإسلام إلا حجة واحدة، ولو أوجبنا عليه أن يحج بنفسه لأوجبنا عليه حجتين، وكثير من أهل العلم يقولون: لا تكفي لأنه لما عوفي عرفنا أنه غير ميئوس منه، والنيابة إنما هي في الميئوس منه.
стр. 969
يزيد المرأة من الشروط المحرم: فلا تسافر المرأة بغير محرم، إذا لم تجد محرم، وهو زوجها، أو من تحرم عليه على التأبيد، فإنه لا يلزمها الحج بنفسها، والمحرم جاء في النصوص الصحيحة الصريحة بوجوبه ولزومه في جميع الأسفار الطويلة والقصيرة، وجاء النهي عن السفر بدون محرم مسيرة ليلة، ومسيرة يوم، ومسيرة ثلاث، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم بإطلاق، فدل على المدة ليست مقصودة، فبمجرد ما يوجد الوصف الذي هو السفر، والسفر والسفور والإسفار والبروز هو مجرد الخروج من البلد، الشروع في السفر، وعلى هذا إذا قلنا: أن هذا مشترط بالنسبة للحج فكيف بغيره من الأسفار؟ أسفار النزهات مع الأسف أن يوجد نساء مع سائق في البرية، في رحلة نزهة، ويلاحظ هذا، ويوجد مع الأسف الشديد كثير هذا في الطالبات والمدرسات أن تسافر مع غير محرم، وهذا داخل في النصوص، وما عند الله لا ينال بسخطه، ولا يحملنكم استعجال الرزق على أن تطلبوه بسخط الله، فإن ما عند الله لا ينال بسخطه، ويكثر السؤال عن هذا، لا سيما بالنسبة للمدرسات، يسافرن مجموعة من النساء على قول عند بعض أهل العلم أن المرأة تسافر مع مجموع النسوة مع الأمن في الطريق، ومع أمن الفتنة، ثم بعد ذلك يضطر السائق أن لا يقف في الطريق حتى يصل المقصد، المدرسة، ولو بعد طلوع الشمس، ويترتب على هذا تأخير صلاة الصبح إلى أن يخرج وقتها، ويسألون عن حكم تأخير صلاة الصبح عن وقتها، ظلمات بعضها فوق بعض، وإذا أردنا النتائج الشرعية لا بد أن نسلك المقدمات الشرعية، تسافر المرأة بدون محرم، ثم يقول السائق: أنا لا أستطيع أن أقف في الطريق علينا خطر، لا بد أن لا نقف إلا في المدرسة، أصل المقدمة التي تريد بنا الحكم عليها ليست شرعية، فالنتيجة حتماً ليست شرعية.
стр. 970
المقصود على المسلم أن يتقي الله -جل وعلا- ذكراً كان أو أنثى، فإذا توافرت هذه الشروط فالحج واجب على ما تقدم، فهو ركن من أركان الإسلام، لا يجوز تأخيره، ومن قال من أهل العلم أنه على التراخي؛ لأنه عندهم فرض سنة ست، والنبي ﵊ لم يحج إلا سنة عشر، قالوا: لا يلزم على الفور مع العزم على أدائه؛ لكن القول المحقق أنه واجب على الفور، وجاء الأمر بتعجيله، قلنا: له شروط، هذه هي الشروط، وله أركان، أركانه الإحرام، والمراد به: نية الدخول في النسك، فإذا سافر مريد الحج من بلده ووصل الميقات المحدد له شرعاً، والنبي ﵊ حدد المواقيت، فجعل لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل اليمن يلملم، ولأهل نجد قرناً، والخلاف في ذات العرق، هل جاء تحديدها لأهل المشرق لأهل العراق ومن كان في جهتهم هل هو مرفوع أو هو من اجتهاد عمر -رضي الله تعالى عنه-؟ ورفعه يصح إلى النبي ﵊؛ لكنه ليس في القوة بمثابة المواقيت الأخرى التي ثبتت بالحديث الصحيح.
وعلى كل حال توقيته من قبل عمر صحيح، ورفعه إلى النبي ﵊ صحيح، ولا يبعد أن يكون من موافقات عمر، يكون عمر ما عرف أو ما بلغه النص المرفوع إلى النبي ﵊ فاجتهد فحدد لهم ذات عرق، فوافق اجتهاده النص المرفوع، وليس هذا ببدع، فموافقات عمر -رضي الله تعالى عنه- كثيرة، إذا وصل إلى الميقات مريد الحج فإنه حينئذ يتجرد من المخيط، ويغتسل، ويلبس ثياب الإحرام الإزار والرداء، ثم بعد ذلك ينوي النسك الذي يريده من الأنساك الثلاثة، إما الحج فقط، أو الجمع بين الجمع والعمرة، أو العمرة فقط على أن يحج إذا حل منها ليكون متمتعاً، والأنساك عند الجمهور كلها جائزة الثلاثة؛ لكن من ساق الهدي فالقران في حقه أفضل، كما فعل النبي ﵊ له أن يتمتع أو ليس له أن يتمتع من ساق الهدي؟ هل يلزمه أن يقرن؟ ولو قال: أريد أن أفرد؟ أنا لست معتمر؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 971
لا سوق الهدي لك أن تسوق الهدي وأنت في الرياض، ويصل مكة ويذبح هناك، لو ساق الهدي تطوع ما في إشكال؛ لكنه يمنع من التحلل قبل أن يبلغ الهدي محله، فلا يتمتع حينئذ، إنما لو قال: أريد أن أفرد أسوق الهدي وأفرد، ما فيه ما يمنع؛ لأنه سوف يبقى على إحرامه حتى يبلغ الهدي محله، إن قرن كما فعل النبي ﷺ فهو أفضل؛ لكن التمتع الاصطلاحي الذي مفاده أن تفصل بين الحج والعمرة بالحل، كل الحل فهذا متعذر بالنسبة لمن ساق الهدي، ولذا تأسف النبي ﵊ على سوق الهدي، وقال: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة)) فمن ساق الهدي الأفضل في حقه القران، كما فعل النبي ﵊، ومن لم يسق الهدي فالأفضل في حقه التمتع؛ لأن النبي ﵊ أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة، أما إذا تصور أن شخصاً لا يريد أن يزيد على ما أوجب الله عليه من حج وعمرة، يقول: أنا لا أريد أن أتنفل لا بحج ولا بعمرة، إنما أريد أن أعتمر عمرة واحدة، وأن أحج حجة واحدة، فهذه الصورة هي التي نقل عليها شيخ الإسلام أن الإفراد أفضل اتفاقاً، لماذا ليأتي بالحج بسفرة مستقلة، ويأتي بالعمرة بسفرة مستقلة، هذه المسألة مفترضة في شخص يقول: لن أحج إلا مرة واحدة، ولن أعتمر إلا مرة واحدة، فكونه يسافر من بلده إلى مكة ليؤدي العمرة الواجبة عليه، ثم يسافر ليؤدي الحجة الواجبة عليه، أو العكس هذا أكمل وأفضل اتفاقاً، فيما نقله شيخ الإسلام، يعني أيهما أفضل أن يسافر للعمرة ثم يسافر للحج أو العكس، أو يسافر سفرة واحدة للحج والعمرة فيتمتع؟ السفرتين أفضل، وهذا الذي نقل عليه شيخ الإسلام اتفاقاً، أما من أراد أن يعتمر عمرة مفردة في رمضان مثلاً، أو في شوال أو في القعدة أو في محرم ثم يسأل في المحرم يقول: أفضل لي أتمتع وإلا أفرد؟ نقول: تمتع لأنك بهذا تكون اعتمرت مرتين، أما من قال: أنا لا أريد أن أزيد على ما أوجب الله علي، فكونه يأتي بالنسكين في سفرين أفضل
طالب:. . . . . . . . .
стр. 972
إيه لا، لا، ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة] قال بعض الصحابة: تمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، والمراد بذلك أن تنشئ له السفر من بلدك.
إذا وصل الميقات، ونوى الدخول بالنسك، بعد أن تجرد واغتسل وتطيب، وصلى، ثم بعد ذلك نوى، لبى بما يريد من الأنساك، إن كان مفرداً قال: لبيك حجاً، وإن كان متمتعاً قال: لبيك عمرة، وإن كان قارناً قال: لبيك حجاً وعمرة، الصلاة للإحرام عامة أهل العلم على مشروعيتها للإحرام، ويقول النووي: إنه لا يعلم خلافاً إلا ما يحكى عن الحسن البصري، أنه قال: ليس للإحرام صلاة، وجاء في الحديث الصحيح: ((صل في هذا الوادي المبارك، وقل: حجة وعمرة)) فأمر بالصلاة، ولا شك أن النبي ﵊ أحرم بعد الصلاة؛ لكن الصلاة التي صلاها قبل إحرامه هي صلاة الظهر، صلاها ركعتين، ثم أحرم بعدها، واختلفوا في وقت إهلاله، فنية الدخول في النسك هذا الركن، والإحرام من الميقات واجب من واجبات الحج، على ما سيأتي، يعني لو تجاوز الميقات، ونوى الدخول في النسك من مكة، قلنا: هذا الركن، وتركت واجب من واجبات الحج، ما تركت ركن، ومن ترك واجب يأتي حكمه.
стр. 973
إذا صلى سواء كانت فريضة وإلا نافلة في قول عامة أهل العلم نوى الدخول في النسك، وأهل بما شاء من الأنساك الثلاثة بعد الصلاة، وإذا استقلت به راحلته، وإذا علا على شرف البيداء، وجاء في الحديث الصحيح أن النبي ﵊ أهل من عند المسجد، وجاء أيضاً أنه أهل عند الشجرة، وجاء أيضاً أنه أهل حينما استوت به راحلته، وجاء عنه أيضاً أنه أهل حينما علا على شرف البيداء، والجمع بين هذه الروايات جاء في حديث ابن عباس عند أبي داوود والحاكم، قال: أهل النبي ﵊ من عند المسجد، فسمعه أناس يهل فنقلوا، وأهل لما استوت به دابته فسمعه أناس فنقلوا، وأهل حينما علا على شرف البيداء فسمعه من لم يسمعه قبل فنقل، وبهذا يكون الجمع بين الروايات المختلفة أنه أهل في هذه المواضع كلها، وكلٌ نقل ما سمع، وابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- يقول: "بيداءكم هذه التي تكذبون فيها على رسول الله ﷺ يعني أن النبي ﵊ إنما أهل لما علا عليها، إنما أهل من عند المسجد، وعلى كل حال كلٌ نقل ما سمع، وكلها صحيحة.
стр. 974
جاءت الروايات المختلفة في إهلاله ﵊، وبأي الأنساك أهل؟ فجاء عنه أنه أهل مفرداً، وصح عنه أنه تمتع، يقول الصحابي: تمتع رسول الله ﷺ وتمتعنا معه، والقول المرجح الصحيح من خلال الروايات المفصلة المفسرة أنه حج قارناً، وأنه لم يتمتع؛ لأنه ساق الهدي، ولم يفرد؛ لأنه لبى بهما جميعاً، فكيف يجاب عن رواية التمتع؟ وعن رواية الإفراد؟ من قال: حج رسول الله ﷺ قارناً هذا هو الأصل، وهو الذي استقر عليه أمره ﵊، وهو ما فعله على الحقيقة، ومن قال: تمتع رسول الله ﷺ فقد نظر إلى المعنى الأعم للتمتع، إن التمتع فيه الجمع بين النسكين في سفرة واحدة، هذه حقيقة التمتع، ومعناه الأعم يشمل التمتع الاصطلاحي، ويشمل القران؛ لأن من قرن بين النسكين في سفرة واحدة ترفه بترك أحد السفرين، فهو متمتع من هذه الحيثية، ومن قال: تمتع هذا مراده، لا أنه فصل بين الحج والعمرة كما يفعل المتمتع تمتعاً اصطلاحياً، على ما أمر به النبي ﵊ صحابته، ومن قال: أنه حج مفرداً فمراده أن أعماله -وقد حج قارناً- لا تختلف عن أعمال المفرد، الآن لو حج زيد وعمرو معاً خرجوا من الرياض، ووصلوا إلى المحرم، ثم لبى زيد بالإفراد وعمرو بالقران، ثم ذهبا جميعاً -إن شاءا- إلى البيت، وطافا للقدوم، وسعيا بعده، أو مباشرة ذهبا إلى عرفة، واحد مفرد وواحد قارن، ثم بعد ذلك ينزلون مزدلفة، ثم منى، ثم يرمون، ثم يفيضون يطوفون ويسعون ولا فرق بين عملها البتة إلا في الهدي، فمن قال: إن النبي ﷺ حج مفرداً، رأى أن أعماله كأعمال المفرد، سواء بسواء، القارن لا يختلف عن المفرد إلا في الهدي، إلا عند الحنفية الذين يلزمونه بهديين، وإلا على قول الجمهور لا فرق بين عمل القارن وعمل المفرد، فكما أن القارن إذا أراد أن يطوف للقدوم وهو سنة، ثم يسعى بعده سعي الحج، ثم بعد ذلك يطلع إلى منى وعرفات، ثم مزدلفة، ثم منى، ثم ينزل لطواف الإفاضة للرمي وطواف الإفاضة وأعمال يوم العيد، والمفرد مثله سواء بسواء.
стр. 975
والأنساك الثلاثة جائزة عند جمهور العلماء كلها، ويختلفون في الأفضل، ومنهم من يوجب التمتع؛ لأن النبي ﵊ أمر به أصحابه، أمرهم به، وأكد وشدد، وتأسف على سوقه الهدي، فدل على أنه أفضل من غيره، وقد أوجبه بعضهم، ومنهم من يرى، وقد نقل عن بعض الصحابة، أن الفسخ فسخ الحج إلى العمرة خاص بهم في تلك السنة، لأنهم أحرموا بالحج فأمرهم أن يفسخوا إلى العمرة، وقالوا: لا يجوز للإنسان أن يلتزم بشيء ينوي الدخول في شيء ولا يتمه، بل ينتقل منه إلى غيره؛ لكن لما قام سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال النبي ﵊: ((بل لأبد الأبد)) فدل على أن المحرم له أن ينتقل إلى الأعلى من الأنساك دون العكس، فمن أحرم مفرداً، ثم لما وصل البيت وجد فيه فرصة أن يجعلها عمرة، ويتحلل منها ثم يحرم بالحج يوم التروية، كما أمر النبي ﵊ أصحابه هذا أكمل، له ذلك ما لم يكن حيلة، ما لم يكن عمله حيلة، كيف يكون عمله حيلة؟ يحرم مفرد أو قارن ولم يسق الهدي، ثم لما وصل البيت قال: النبي ﵊ أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة نحن نريد أن نجعلها عمرة، فيلبي بالعمرة ويطوف ويسعى ويقصر ثم يلبس ثيابه، ويقول: أنا الآن حللت من الإحرام الحل كله، ما الذي يلزمني بالحج، وأنا الآن حلال، يعني لو لم يكن هذا حيلة يعني لو أن شخصاً جاء بنية التمتع من بلده، وأحرم ابتداء بالعمرة، يعني هذه تختلف عن قلب النية، أحرم بعمرة ابتداء من الميقات، وطاف وسعى وقصر، رأى الزحام الشديد، أو أتصل عليه أهله قالوا: نحن بحاجة إليك، ضرورة ملحة، لا بد أن تحضر، ثم رجع إلى بلده، ما الذي يلزمه بالحج؟ فيما يلزمه؟ حل الحل كله، الحنابلة يلزمونه بأن يحج عن هذه السنة؛ لأنه جاء بهذه النية؛ لكن هل مجرد النية الناهزة له من بيته تكفي لإلزامه بالإتمام؟ يعني خرج للحج من الرياض مثلاً وصل الطائف ورجع، قال: ما أنا بحاج، من يلزمه؟ يعني ما بعد لبى، في أحد يلزمه بالحج؟ ما في أحد يلزمه بالحج، وهذا يقول: أنا حللت الحل كله، ما الذي يلزمه بالحج؟ نقول: إن كان عمله حيلة أحرم بحج أو قارن ثم قلبها عمرة ليتنصل من الحج
стр. 976
ويرجع، نقول: لا، لا يجوز؛ لأنك انتقلت من الأعلى إلى الأدنى؛ لكن تنتقل من الأدنى إلى الأعلى كما أمر النبي ﵊ صحابته هذا صحيح.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 977
إذا لبى بأحد الأنساك، ووصل البيت فإن كان قد لبى بالعمرة يقطع التلبية بمجرد رؤية البيت؛ ويبدأ بالطواف للعمرة، وإن كان قد لبى بالحج أو قارناً فإنه يطوف للقدوم -إن شاء- وهو سنة، والذي لبى للعمرة يطوف طواف العمرة، وهو ركن، فإذا انتهى من الطواف سواء كان المتمتع أو المفرد أو القارن للقدوم، وسعى بعده سعي الحج، وأما المتمتع يطوف للعمرة ويسعى للعمرة، وهما ركنان من أركان العمرة، إذا حصل الطواف للقدوم من القارن والمفرد أو للعمرة من المتمتع وانتهى منه على الوجه الشرعي بأن وصل إلى الركن الذي فيه الحجر فقبله أو استلمه بيده، وقبل يده، أو أشار إليه، بما معه من محجن أو غيره، وكبر مع ذلك، وجعل البيت عن يساره، وجاء بالأذكار الواردة، وطاف على البيت سبع مرات، يكبر كلما حاذى الركن، وقد جاء عنه ﵊ أنه كلما حاذى الركن كبر، إن تيسر له أن يستلم الركن اليماني استلمه، وإلا فلا يشير إليه، يستلمه ويستلم الركن الذي فيه الحجر؛ لأنهما على قواعد إبراهيم، وأما الركنان الشاميان فلا يستلمان؛ لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم، كلما حاذى الركن كبر، يفتتح طوافه بالتكبير، ويختتمه بالاستلام والتكبير، كنا نطوف مع النبي ﵊ فنستلم الركن الفاتحة والخاتمة، النبي ﵊ كلما حاذى الركن كبر، فدل على أنه يختم طوافه بالتكبير، ثم بعد ذلك يصلي ركعتي الطواف، خلف المقام، النبي ﵊ لما طاف للقدوم صلى الركعتين، بعد أن قرأ قول الله -جل وعلا-: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [(١٢٥) سورة البقرة] وجعل المقام بينه وبين البيت، صلى ركعتين قرأ في الأولى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [(١) سورة الكافرون] والثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [(١) سورة الإخلاص] وفي هذا الطواف -سواء كان للعمرة أو للقدوم- يسن الرمل والاضطباع، الرمل في الثلاثة الأشواط الأولى، والاضطباع في جميع الطواف، ويرمل من الركن إلى الركن، وسبب المشروعية قول المشركين في عمرة القضاء: يقدم محمد وأصحابه، وقد وهنتهم حمى يثرب، فأمر النبي ﵊ صحابته بالرمل وهو الإسراع
стр. 978
في المشي، مع تقارب الخطى ليري المشركين قوتهم، لا بد من إغاظة المشركين بمثل هذا، وفي عمرة القضاء مشى بين الركنين؛ لأن المشركين لا يرونه في جهة الحجر، وأما في حجة الوداع فقد استوعب الطواف بالرمل من الركن إلى الركن، وهذا هو الذي استقر عليه الأمر، ثم بعد الركعتين يرجع فيستلم الحجر، ثم بعد ذلك يخرج إلى الصفاء؛ ليسعى سعي العمرة إن كان متمتعاً، وسعي الحج إن كان مفرداً أو قارناً -إن شاء-، وإن أخره -أعني المفرد والقارن- إن أخرا السعي إلى ما بعد طواف الإفاضة لهم ذلك، وإن تركا طواف القدوم فلا شيء عليهما؛ لأنه سنة، كما تقدم، ثم بعد ذلك إذا وصل إلى الصفاء قرأ قول الله -جل وعلا- قال كما قال النبي ﵊: ((نبدأ بما بدأ الله به)) أو ابدأ، وفي رواية: ((ابدأوا أمر بما بدأ الله به)) ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ [(١٥٨) سورة البقرة] ثم يستقبل البيت، ويهلل ويكبر ويدعو ثلاثاً، ثم يشرع في السعي إذا انصبت قدماه في بطن الوادي بين العلمين سعى سعياً شديداً، ثم يمشي بقية الشوط إلى أن يرقى إلى المروة، ويفعل فيها نظير ما فعل في الصفا، ومن الصفا إلى المروة شوط والرجوع من المروة إلى الصفا شوط آخر، خلافاً لمن قال: إن الذهاب والإياب شوط واحد؛ لأن النبي ﵊ بدأ بالصفا وانتهى بالمروة، كيف ينتهي بالمروة والذهاب والإياب شوط واحد؟ لا يمكن فدل على أن الذهاب شوط، والرجوع شوط آخر، فإذا انتهى من السعي يبقى المفرد والقارن على إحرامه، ولا يقصر من شعره، وأما المتمتع يقصر من شعره، ويلبس ثيابه، ويحل الحل كله، فإذا كان يوم التروية أهل بالحج، المتمتع، وخرجوا جميعاً إلى منى، فصلوا بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكثوا حتى تطلع الشمس، ثم دفعوا إلى عرفة، ثم إن وصلوا إلى نمرة قبل الزوال، النبي ﵊ وجد القبة قد ضربت له بنمرة، لما زالت الشمس رحلت له القصوى، فدفع إلى بطن عرنة، فخطب بها، وصلى الظهر والعصر جمع تقديم، بعد الخطبة، بأذان واحد وإقامتين، ثم دخل إلى الموقف بعرفة ووقف على ناقته. . . . . . . . . الجبل عند الصخرات، استقبل القبلة
стр. 979
والناس بين يديه ﵊ ما زال واقفاً يدعو ويذكر الله، ويجيب عما يسأل عنه، ويأتسي به الناس، ويقتدون به، إلى أن غربت الشمس، وتحقق من مغيبها ﵊.
стр. 980
والوقوف بعرفة ركن من أركان الحج، لا يصح إلا به، وأركان الحج: الإحرام نية الدخول في النسك والوقوف بعرفة، والثالث: طواف الإفاضة، والرابع: السعي، أربعة أركان للحج، ثم يقف بعرفة يدعو ويذكر الله -جل وعلا-، ويستغل هذا الوقت العظيم المبارك، الذي ينزل فيه من الرحمات ما لا يكون في غيره، وجاء في الحديث عند ابن ماجه أن النبي ﵊ سأل الله -جل وعلا- أن يغفر لأهل الموقف، فقال الله -جل وعلا-: "قد فعلت إلا المظالم" يعني حقوق العباد، وفي المزدلفة بعد صلاة الصبح لما وقف على المشعر ودعا لأمته بعموم المغفرة، فقال: "قد فعلت" وهذا ذكره الحافظ ابن حجر شاهداً لحديث ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) ويرى أن المغفرة تعم الكبائر والصغائر، وحديث ابن ماجه فيه ضعف، وأما تكفير الحج وغيره من العبادات للصغائر فأمر مستفيض في النصوص، أولاً: اجتناب الكبائر كفيل بتكفير الصغائر، ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [(٣١) سورة النساء] ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان)) وجاء أيضاً: ((والعمرة إلى العمرة، كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر))، وفي رواية: ((ما لم تؤتَ كبيرة))، ولذا المرجح عند الجمهور أن هذه الأعمال على أنها أعمال عظيمة وجليلة لا تكفر الكبائر، بل الكبائر لا بد لها من توبة، أو رحمة أرحم الراحمين، فمرتكب الكبيرة تحت المشيئة، أما تكفير الكبائر بمجرد فعل هذه الأعمال لا، لا تكفر إلا الصغائر، وليس معنى هذا أن الإنسان يعتمد على مثل هذه النصوص، أحاديث الرجاء، ويسترسل في فعل المنكرات، واقتراف الكبائر والجرائم، ثم يقول: أحج وأرجع من ذنوبي كيوم ولدتني أمي، قد يقوله بعض الناس، ولذا جاء عند البخاري في كتاب الرقاق: ((من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، دخل من أي أبواب الجنة الثمانية، ولا تغتروا)) لا نغتر بنصوص الوعد، ونترك نصوص الوعيد، بعض الناس يسمع مثل قوله ﵊ رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ويقول الله -جل
стр. 981
وعلا- غفور رحيم، ونحج وتحط عنا الأوزار، لكن من يضمن له أن يُوفق لترك ما اشترط للمغفرة، ((من حج فلم يرفث ولم يفسق)) من يضمن لهذا أن يوفق في ترك الرفث والفسوق، جاء في حديث ابن عباس: ((تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) فالشخص الذي يحفظ نفسه في أيام الرخاء، يحفظ في حال الشدة؛ لكن الشخص الذي ديدنه وعادته وعمره كله مشغول بالقيل والقال، والوقوع في أعراض الناس، واللغو والرفث والفسوق والمجون والجدال العقيم، ثم بعد ذلك يقول: الحج أربعة أيام لو الإنسان يخيط الفم بالإبرة والخيط، أربعة أيام نستطيع، والله ما يستطيع ولا ساعة؛ إن تيسر له أحداً يأتي إليه وإلا هو ذهب يدور الناس، ((تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) أما إذا جاءك الأخيار، أهل التحري والتثبت، تستثقل مجالسهم، وتقول: أنا أريد أن أحفظ نفسي في أيام الشدة، لا، لا يمكن، كل إنسان حريصاً على أن تغفر ذنوبه؛ لكن ما الذي يوقع الناس عشية عرفة بالغيبة، إلا أنهم طول العام على هذا، هذا ديدنهم، فلا يوفقون لحفظ الأوقات الفاضلة، من طلاب العلم مع الأسف الشديد من يهجر القرآن، ويكون نصيبه من التلاوة إن جاء قبل الإقامة بخمس دقائق فتح المصحف وإلا ما هي إلا في رمضان، ثم بعد ذلك في العشر الأواخر يعتكف في أقدس البقاع ويترك الأهل والمال، وجميع الأعمال، يذهب إلى مكة ويعتكف في العشر الأواخر أو المدينة، من أجل إيش اعتكف؟ من أجل أن يتعبد، ويفعل ما يقربه إلى الله -جل وعلا- لكنه في طول العام مفرط في حق القرآن، هاجر للقرآن، هل يوفق لقراءة القرآن؟ هذا يا إخوان رأينا من يجلس من صلاة العصر في مكان إلى أن يؤذن المغرب فيفطر ويطلع خلال ساعتين كم يقرأ من القرآن يفتح القرآن دقيقة دقيقتين، ثم يمل، ما تعود، ثم تلفت يمين وإلا يسار، يطبق المصحف، ثم يضعه بجانبه، ثم يفعل ذلك مرة ثانية، ثم يمل، يتلفت لعل الله -جل وعلا- أن ييسر له من يوسع صدره على ما قال، إن جاءوا وإلا هو ذهب يبحث عن الناس، ترى هذا الحاصل يا إخوان، إنما يوجد من طلاب العلم -ولله الحمد- من يختفي في مكان بحيث لا يرى؛ لكي يقرأ ما قرره وحدده من القرآن؛ لأن هذا ديدنه طول عمره، وفي الحديث: ((تعرف
стр. 982
على الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) تظن أنك توفق وتعان وأنت طول العام مفرط، لا، ما يمكن.
فعلى الإنسان أن يحفظ نفسه، وإذا كسب شيئاً من الأعمال عليه أن يحافظ عليها؛ لئلا يكون مفلساً كما في الحديث الصحيح: ((أتدرون من المفلس؟ )) قالوا: ((المفلس من لا درهم له ولا متاع)) وهذه حقيقة شرعية للمفلس، في باب الحجر والتفليس، المفلس ما عنده دراهم، أو تكون ديونه أكثر من أمواله، قال: ((المفلس من يأتي بأعمال)) وفي رواية: ((أمثال الجبال)) من صلاة، وصيام، وصدقة، وأمر بمعروف، وجهاد، وغيرها من الأعمال الصالحة، أمثال الجبال، ثم بعد ذلك يأتي مبذر ومبعثر لهذه الأعمال، يأتي وقد ضرب هذا، شتم هذا، أخذ من مال هذا، انتهك عرض هذا، فعل كذا، يأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، إلى آخره إلى أن تنتهي، فإن انتهى ما عليه من المظالم، وإلا أخذ من سيئاتهم، ونكتت عليه، هذا المفلس حقيقة، فالإنسان إذا كسب شيئاً من الأعمال الصالحة عليه أن يحافظ عليها.
стр. 983
يقف بعرفة، وعرفنا أن الوقوف بعرفة هو الركن الثاني من أركان الحج، إلى أن تغرب الشمس، وعليه أن يستغل هذه الأوقات، ويوجد من يفرط في هذه الأوقات من ينام في الأوقات الفاضلة طول العام تجده فعلاً يغلب عليه النوم في وقت النزول عشية عرفة، الذي شغل وقته طول العام بالقيل والقال كذلك، وبعض الإخوان لا سيما في الحملات الجماعية تجدهم يشغلون هذا الوقت الذي هو أنفس الأوقات بترتيب الناس في الباصات، وأنت يا فلان، قم يا فلان، أنت رقم كذا، أنت كذا، إلى أن تغيب الشمس، هذا أيضاً حرمان، يعني الأمور يمكن أن ترتب بأقل من هذا؛ لكن منهم في ليلة مزدلفة يوقظون الناس من الساعة الحادية عشرة، باقي كم على الصبح؟ بقي ست ساعات، نعم، ويوقظونهم ويصفونهم في الباصات، والناس نيام قدامهم، ما هم ماشيين أيضاً، لكن العجلة طبع لكثير من الناس، فيحرم الحجاج بهذه الطريقة من استغلال هذه الأوقات، فعلى من تولى حملة أو تعهد للناس بالحج أن ييسر لهم أمور عبادتهم، ويمكنهم ويعينهم على ما يقربهم إلى الله -جل وعلا-، ويمكنهم من فعل السنن، فضلاً عن الواجبات والأركان، وبعضهم يتسمح ويترخص، والسنن هذه في الغالب يعني قد يقال: أنها في مثل هذه الظروف التي نعيشها، وقد لا تتيسر لكثير من الناس؛ لكن على المسلم أن يحرص عليها، إذا حرص عليها ولم يتمكن من فعلها كتبت له، الآن الواجبات بدأوا يترخصون ويتساهلون فيها، والتساهل لا نهاية له، إذا تساهلت في المستحبات يجرك هذا إلى التساهل في الواجبات، ثم بعد ذلك تتساهل بما فوقها، وقل مثل هذا في فعل المباحات، من استرسل في فعل المباحات تجره إلى المكروهات؛ لأنه يعود نفسه على أشياء لا تتيسر له في كل وقت، إلا بطريق فيه ما فيه، لا يقال: حرام، ثم بعد ذلك يتجاوز، يقول: مكروه ما فيه إثم سهل، ثم بعد ذلك إذا لم يجدها إلا في طريق فيه شبهة قوية يرتكبها ثم بعد ذلك يتجاوز إلى المحرم، ولذا عرف من عادة السلف في هذه الأمة أنهم يتركون تسعة أعشار الحلال خشية أن يقعوا في الحرام، وهذه هي الشبهات التي يتقيها الإنسان من أجل إيش؟ أن يجعل بينه وبين ما حرم الله -جل وعلا- حاجز، يجعل حاجز لئلا ينتهك ما حرم الله -جل وعلا-، وهنا
стр. 984
يكون الاستبراء للدين والعرض.
إذا غابت الشمس دفع إلى مزدلفة بسكينة، النبي ﵊ دفع بعد أن تأكد من مغيب الشمس، دفع وقد شنق للقصواء الزمام، يعني رد الحبل الذي تقاد به إليه بقوة، بحيث لا تسرع، ويشير إلى الناس بيده اليمنى السكينة السكينة، ومن نظر إلى الناس حال انصرافهم، وجد خلاف السنة، وجد الهوج والطيش والسرعة الجنونية، وأبواق السيارات والحوادث، كل هذا من شؤم مخالفة النبي ﵊، ثم بعد ذلك إذا وصل مزدلفة يصلي المغرب والعشاء جمعاً بأذان واحد وإقامتين، والنبي ﵊ لما صلى نام اضطجع حتى أصبح، يعني حتى طلع الصبح، ولذا يستنبط بعضهم من هذا أنه لم يوتر في تلك الليلة؛ لكن لعلها الوتر هذا مما لم يذكره جابر للعلم به، فالنبي ﵊ لم يترك الوتر لا سفراً ولا حضراً، وخفي على جابر ﵁ أنه رخص لبعض الناس، ولم يذكره جابر، فلعل هذا مما فاته، لما أصبح قام ﵊ استيقظ، وصلى الصبح في أول وقتها، ثم وقف في المشعر الحرام الجبل الذي يسمونه قزح، وقف يدعو، ويذكر الله -جل وعلا- إلى أن أسفر جداً، وقبل طلوع الشمس دفع إلى منى، يجوز للضعفة أن ينصرفوا من مزدلفة إلى منى بعد منتصف الليل، فقد استأذنت سودة أن تنصرف فأذن لها، وأسماء باتت تلك الليلة ترقب القمر وتصلي، إلى أن غاب ثم دفعت، قبل طلوع الصبح، قبل صلاة الصبح.
стр. 985
فالدفع من مزدلفة بعد منتصف الليل يجوزه الجمهور؛ لأنه مكث غالب الليل، وأما بالنسبة للضعفة فلا إشكال فيه، وأما المستطيع فالأفضل له الاتباع، بأن يصلي صلاة الصبح بمزدلفة، ويقف عند المشعر، ويذكر الله حتى يسفر، وقبل أن تطلع الشمس من باب مخالفة المشركين يدفع قبل أن تطلع الشمس، المشركون لا يدفعون حتى تطلع الشمس، ويقولون: "أشرق ثبير كيما نغير" ثم إذا وصل منى بادر برمي الجمرة، ولا يزال يلبي، ومنهم الملبي، ومنهم المكبر، ولا يعيب هذا على هذا، ولا هذا على هذا، فإذا بلغ الجمرة -جمرة العقبة- وهي الأخيرة بالنسبة لمنى، وهي حد بين مكة ومنى، ومنهم من يقول: أنها من مكة، ومنهم من يقول: إنها من منى، فإذا بلغها قطع التلبية، ورماها بسبع حصيات مثل حصى الخذف، يكبر مع كل حصى، حصى الخذف مثل حب الباقلاء بين الحمص والبندق، حصيات صغيرة، ورفعا النبي ﵊ بيده الكريمة، وقال: ((بمثلها فارموا، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو)) ويلاحظ من بعض الحجاج –لجهلهم- من يرمي بالأحجار الكبيرة، ومنهم من يرمي بالنعال، ومنهم من يأخذ العصا ويجلد الشاخص ويسبه ويشتمه، زاعماً أنه هو الذي فرق بينه وبين زوجته، يسمعون الشيطان الشيطان، الاتباع الاتباع، فإذا رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، ثم نحر هديه، وحلق شعره، نحر الهدي إن كان معه هدي، أو ممن يلزمه الهدي من متمتع وقارن، وحلق شعره، حل له كل شيء إلا النساء، على خلاف فيما يحصل به التحلل الأول، هل يحصل بالرمي فقط؟ وهل يشترط أن يكون معه الحلق أو لا؟ مسألة خلافية بين أهل العلم ولكل من القولين أدلته، وهو الأحوط أن لا يحل حتى يحلق، ثم بعد ذلك يفيض إلى مكة، فيطوف طواف الإفاضة، وهو الركن الثالث، ويسعى بعده المتمتع سعي الحج، والقارن والمفرد إن لم يكونا سعيا بعد طواف القدوم، والسعي ركن من أركان الحج عند الجمهور، خلافاً للحنفية، لا يتم الحج إلا به، وبهذا تكون أركان الحج قد تمت، وحل له كل شيء حتى النساء، بعد أن أدى الأركان الأربعة، ورمى وحلق.
следующие страницы →