← Джавами‘

Джавами‘ · id 23349

دروس الشيخ عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (1 191 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وعلا- غفور رحيم، ونحج وتحط عنا الأوزار، لكن من يضمن له أن يُوفق لترك ما اشترط للمغفرة، ((من حج فلم يرفث ولم يفسق)) من يضمن لهذا أن يوفق في ترك الرفث والفسوق، جاء في حديث ابن عباس: ((تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) فالشخص الذي يحفظ نفسه في أيام الرخاء، يحفظ في حال الشدة؛ لكن الشخص الذي ديدنه وعادته وعمره كله مشغول بالقيل والقال، والوقوع في أعراض الناس، واللغو والرفث والفسوق والمجون والجدال العقيم، ثم بعد ذلك يقول: الحج أربعة أيام لو الإنسان يخيط الفم بالإبرة والخيط، أربعة أيام نستطيع، والله ما يستطيع ولا ساعة؛ إن تيسر له أحداً يأتي إليه وإلا هو ذهب يدور الناس، ((تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) أما إذا جاءك الأخيار، أهل التحري والتثبت، تستثقل مجالسهم، وتقول: أنا أريد أن أحفظ نفسي في أيام الشدة، لا، لا يمكن، كل إنسان حريصاً على أن تغفر ذنوبه؛ لكن ما الذي يوقع الناس عشية عرفة بالغيبة، إلا أنهم طول العام على هذا، هذا ديدنهم، فلا يوفقون لحفظ الأوقات الفاضلة، من طلاب العلم مع الأسف الشديد من يهجر القرآن، ويكون نصيبه من التلاوة إن جاء قبل الإقامة بخمس دقائق فتح المصحف وإلا ما هي إلا في رمضان، ثم بعد ذلك في العشر الأواخر يعتكف في أقدس البقاع ويترك الأهل والمال، وجميع الأعمال، يذهب إلى مكة ويعتكف في العشر الأواخر أو المدينة، من أجل إيش اعتكف؟ من أجل أن يتعبد، ويفعل ما يقربه إلى الله -جل وعلا- لكنه في طول العام مفرط في حق القرآن، هاجر للقرآن، هل يوفق لقراءة القرآن؟ هذا يا إخوان رأينا من يجلس من صلاة العصر في مكان إلى أن يؤذن المغرب فيفطر ويطلع خلال ساعتين كم يقرأ من القرآن يفتح القرآن دقيقة دقيقتين، ثم يمل، ما تعود، ثم تلفت يمين وإلا يسار، يطبق المصحف، ثم يضعه بجانبه، ثم يفعل ذلك مرة ثانية، ثم يمل، يتلفت لعل الله -جل وعلا- أن ييسر له من يوسع صدره على ما قال، إن جاءوا وإلا هو ذهب يبحث عن الناس، ترى هذا الحاصل يا إخوان، إنما يوجد من طلاب العلم -ولله الحمد- من يختفي في مكان بحيث لا يرى؛ لكي يقرأ ما قرره وحدده من القرآن؛ لأن هذا ديدنه طول عمره، وفي الحديث: ((تعرف

стр. 982

على الله في الرخاء يعرفك في الشدة)) تظن أنك توفق وتعان وأنت طول العام مفرط، لا، ما يمكن. فعلى الإنسان أن يحفظ نفسه، وإذا كسب شيئاً من الأعمال عليه أن يحافظ عليها؛ لئلا يكون مفلساً كما في الحديث الصحيح: ((أتدرون من المفلس؟ )) قالوا: ((المفلس من لا درهم له ولا متاع)) وهذه حقيقة شرعية للمفلس، في باب الحجر والتفليس، المفلس ما عنده دراهم، أو تكون ديونه أكثر من أمواله، قال: ((المفلس من يأتي بأعمال)) وفي رواية: ((أمثال الجبال)) من صلاة، وصيام، وصدقة، وأمر بمعروف، وجهاد، وغيرها من الأعمال الصالحة، أمثال الجبال، ثم بعد ذلك يأتي مبذر ومبعثر لهذه الأعمال، يأتي وقد ضرب هذا، شتم هذا، أخذ من مال هذا، انتهك عرض هذا، فعل كذا، يأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، إلى آخره إلى أن تنتهي، فإن انتهى ما عليه من المظالم، وإلا أخذ من سيئاتهم، ونكتت عليه، هذا المفلس حقيقة، فالإنسان إذا كسب شيئاً من الأعمال الصالحة عليه أن يحافظ عليها.

стр. 983

يقف بعرفة، وعرفنا أن الوقوف بعرفة هو الركن الثاني من أركان الحج، إلى أن تغرب الشمس، وعليه أن يستغل هذه الأوقات، ويوجد من يفرط في هذه الأوقات من ينام في الأوقات الفاضلة طول العام تجده فعلاً يغلب عليه النوم في وقت النزول عشية عرفة، الذي شغل وقته طول العام بالقيل والقال كذلك، وبعض الإخوان لا سيما في الحملات الجماعية تجدهم يشغلون هذا الوقت الذي هو أنفس الأوقات بترتيب الناس في الباصات، وأنت يا فلان، قم يا فلان، أنت رقم كذا، أنت كذا، إلى أن تغيب الشمس، هذا أيضاً حرمان، يعني الأمور يمكن أن ترتب بأقل من هذا؛ لكن منهم في ليلة مزدلفة يوقظون الناس من الساعة الحادية عشرة، باقي كم على الصبح؟ بقي ست ساعات، نعم، ويوقظونهم ويصفونهم في الباصات، والناس نيام قدامهم، ما هم ماشيين أيضاً، لكن العجلة طبع لكثير من الناس، فيحرم الحجاج بهذه الطريقة من استغلال هذه الأوقات، فعلى من تولى حملة أو تعهد للناس بالحج أن ييسر لهم أمور عبادتهم، ويمكنهم ويعينهم على ما يقربهم إلى الله -جل وعلا-، ويمكنهم من فعل السنن، فضلاً عن الواجبات والأركان، وبعضهم يتسمح ويترخص، والسنن هذه في الغالب يعني قد يقال: أنها في مثل هذه الظروف التي نعيشها، وقد لا تتيسر لكثير من الناس؛ لكن على المسلم أن يحرص عليها، إذا حرص عليها ولم يتمكن من فعلها كتبت له، الآن الواجبات بدأوا يترخصون ويتساهلون فيها، والتساهل لا نهاية له، إذا تساهلت في المستحبات يجرك هذا إلى التساهل في الواجبات، ثم بعد ذلك تتساهل بما فوقها، وقل مثل هذا في فعل المباحات، من استرسل في فعل المباحات تجره إلى المكروهات؛ لأنه يعود نفسه على أشياء لا تتيسر له في كل وقت، إلا بطريق فيه ما فيه، لا يقال: حرام، ثم بعد ذلك يتجاوز، يقول: مكروه ما فيه إثم سهل، ثم بعد ذلك إذا لم يجدها إلا في طريق فيه شبهة قوية يرتكبها ثم بعد ذلك يتجاوز إلى المحرم، ولذا عرف من عادة السلف في هذه الأمة أنهم يتركون تسعة أعشار الحلال خشية أن يقعوا في الحرام، وهذه هي الشبهات التي يتقيها الإنسان من أجل إيش؟ أن يجعل بينه وبين ما حرم الله -جل وعلا- حاجز، يجعل حاجز لئلا ينتهك ما حرم الله -جل وعلا-، وهنا

стр. 984

يكون الاستبراء للدين والعرض. إذا غابت الشمس دفع إلى مزدلفة بسكينة، النبي ﵊ دفع بعد أن تأكد من مغيب الشمس، دفع وقد شنق للقصواء الزمام، يعني رد الحبل الذي تقاد به إليه بقوة، بحيث لا تسرع، ويشير إلى الناس بيده اليمنى السكينة السكينة، ومن نظر إلى الناس حال انصرافهم، وجد خلاف السنة، وجد الهوج والطيش والسرعة الجنونية، وأبواق السيارات والحوادث، كل هذا من شؤم مخالفة النبي ﵊، ثم بعد ذلك إذا وصل مزدلفة يصلي المغرب والعشاء جمعاً بأذان واحد وإقامتين، والنبي ﵊ لما صلى نام اضطجع حتى أصبح، يعني حتى طلع الصبح، ولذا يستنبط بعضهم من هذا أنه لم يوتر في تلك الليلة؛ لكن لعلها الوتر هذا مما لم يذكره جابر للعلم به، فالنبي ﵊ لم يترك الوتر لا سفراً ولا حضراً، وخفي على جابر ﵁ أنه رخص لبعض الناس، ولم يذكره جابر، فلعل هذا مما فاته، لما أصبح قام ﵊ استيقظ، وصلى الصبح في أول وقتها، ثم وقف في المشعر الحرام الجبل الذي يسمونه قزح، وقف يدعو، ويذكر الله -جل وعلا- إلى أن أسفر جداً، وقبل طلوع الشمس دفع إلى منى، يجوز للضعفة أن ينصرفوا من مزدلفة إلى منى بعد منتصف الليل، فقد استأذنت سودة أن تنصرف فأذن لها، وأسماء باتت تلك الليلة ترقب القمر وتصلي، إلى أن غاب ثم دفعت، قبل طلوع الصبح، قبل صلاة الصبح.

стр. 985

فالدفع من مزدلفة بعد منتصف الليل يجوزه الجمهور؛ لأنه مكث غالب الليل، وأما بالنسبة للضعفة فلا إشكال فيه، وأما المستطيع فالأفضل له الاتباع، بأن يصلي صلاة الصبح بمزدلفة، ويقف عند المشعر، ويذكر الله حتى يسفر، وقبل أن تطلع الشمس من باب مخالفة المشركين يدفع قبل أن تطلع الشمس، المشركون لا يدفعون حتى تطلع الشمس، ويقولون: "أشرق ثبير كيما نغير" ثم إذا وصل منى بادر برمي الجمرة، ولا يزال يلبي، ومنهم الملبي، ومنهم المكبر، ولا يعيب هذا على هذا، ولا هذا على هذا، فإذا بلغ الجمرة -جمرة العقبة- وهي الأخيرة بالنسبة لمنى، وهي حد بين مكة ومنى، ومنهم من يقول: أنها من مكة، ومنهم من يقول: إنها من منى، فإذا بلغها قطع التلبية، ورماها بسبع حصيات مثل حصى الخذف، يكبر مع كل حصى، حصى الخذف مثل حب الباقلاء بين الحمص والبندق، حصيات صغيرة، ورفعا النبي ﵊ بيده الكريمة، وقال: ((بمثلها فارموا، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو)) ويلاحظ من بعض الحجاج –لجهلهم- من يرمي بالأحجار الكبيرة، ومنهم من يرمي بالنعال، ومنهم من يأخذ العصا ويجلد الشاخص ويسبه ويشتمه، زاعماً أنه هو الذي فرق بينه وبين زوجته، يسمعون الشيطان الشيطان، الاتباع الاتباع، فإذا رمى جمرة العقبة بسبع حصيات، ثم نحر هديه، وحلق شعره، نحر الهدي إن كان معه هدي، أو ممن يلزمه الهدي من متمتع وقارن، وحلق شعره، حل له كل شيء إلا النساء، على خلاف فيما يحصل به التحلل الأول، هل يحصل بالرمي فقط؟ وهل يشترط أن يكون معه الحلق أو لا؟ مسألة خلافية بين أهل العلم ولكل من القولين أدلته، وهو الأحوط أن لا يحل حتى يحلق، ثم بعد ذلك يفيض إلى مكة، فيطوف طواف الإفاضة، وهو الركن الثالث، ويسعى بعده المتمتع سعي الحج، والقارن والمفرد إن لم يكونا سعيا بعد طواف القدوم، والسعي ركن من أركان الحج عند الجمهور، خلافاً للحنفية، لا يتم الحج إلا به، وبهذا تكون أركان الحج قد تمت، وحل له كل شيء حتى النساء، بعد أن أدى الأركان الأربعة، ورمى وحلق.

стр. 986

أعمال يوم النحر على الترتيب الرمي، ثم النح، ثم الحلق، ثم الطواف والسعي، هذه الأعمال -أعمال ذلك اليوم- هذا الترتيب هو الأفضل؛ لأن النبي ﷺ فعلها كذلك؛ لكنه سئل عمن رمى قبل أن يحلق، ومن حلق قبل أن يرمي، ومن نحر قبل أن يحلق، فما سئل عن شيء قدم ولا أخر في ذلك اليوم إلا قال: ((افعل ولا حرج)) فيجوز تقديم بعضها على بعض؛ لكن الأفضل ترتيبها على ما أثر عن النبي ﵊، النبي ﵊ لما أفاض طاف، صلى الظهر بمكة، ثم أتى زمزم، ووجد بني عبد المطلب يسقون، وحثهم على السقي، سقي الحجيج، لما فيه من عظيم الأجر، ولولا أن يغلبهم الناس على سقايتهم لنزع معهم ﵊؛ لأن كل مسلم يريد أن يقتدي بالنبي ﵊؛ لكن لما لم يفعل هان الأمر، واستقلوا به، واختصوا به، ثم بعد ذلك رجع إلى منى ثم صلى بهم الظهر ثانية ﵊؛ لأنه وجدهم لم يصلوا فصلى بهم، وهذا هو الجمع بين الحديثين الصحيحين، أحدهما يقول: صلى الظهر بمنى، والآخر يقول: صلى الظهر بمكة، وهو محمول على هذا أنه صلى بمكة ثم أعادها نفلاً بالنسبة له بمنى، وبات بمنى ليلة الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، والمبيت بمنى من واجبات الحج، كما أن الرمي والحلق من واجبات الحج، الركن لا يتم الحج إلا به، لا بد من الإتيان به، والواجب عند عامة أهل العلم يجبر بدم، اعتماداً على قول ابن عباس: "من ترك نسكه فليرق دماً".

стр. 987

يبيت ليالي التشريق الحادي عشر، والثاني عشر إن تعجل، والثالث عشر إن تأخر، ويرمي في الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر الجمرات الثلاث بعد زوال الشمس؛ فكانوا يتحينون الزوال، والنبي ﵊ رمى يوم العيد ضحى، وأيام التشريق بعد الزوال، وقال: ((خذوا عني مناسككم)) فالجمهور على أنه لا يصح الرمي إلا بعد الزوال، ويذكر عن عطاء وطاووس أنه يجوز الرمي قبل الزوال في أيام التشريق كلها، وأبو حنيفة يجوزه يوم النفر للحاجة؛ لكن المرجح قول الجمهور، وهو الذي عليه الدليل يرمي الجمرات الثلاث، يرمي الصغرى بسبع حصيات، ثم يرمي الوسطى، إذا رمى الصغرى يكبر مع كل حصاة، ثم يسهل قليلاً، ثم يدعو طويلاً بعدها، ثم يرمي الوسطى كذلك، ثم يدعو بعدها طويلاً، ثم يرمي العقبة فلا يقف بعدها، في اليوم الأول والثاني إن تعجل اكتفى بهذا، على أن يخرج من منى قبل غروب الشمس، وإن تأخر رمى الثالث كذلك، والنبي ﵊ تأخر، والله -جل وعلا- يقول: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [(٢٠٣) سورة البقرة] قوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ يعود على المتأخر أو على المتعجل؟ طالب:. . . . . . . . . يتعقب الجملتين، الجار والمجرور تعقب جملتين، من تعجل ومن تأخر، فهل تعود إلى الجملة الأخيرة فقط أو تتعلق بالجملة الأولى فقط أو إلى الجملتين معاً؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 988

نعم إلى الجملتين، هذا مطرد وإلا غير مطرد؟ نعم غير مطرد، يعني هناك وصف واستثناء، يتعقب جمل، هل يعود إلى الأخيرة فقط أو إلى الجميع؟ أو إلى الأخيرة والتي قبلها فقط دون الأولى؟ أو إلى أي شيء؟ هل هناك ضابط يضبط هذه الأمور؟ المثال الواضح مثلاً في القذف حد القاذف: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [(٤ - ٥) سورة النور] الاستثناء يعود إلى الجمل الثلاث؟ أو إلى الأخيرة فقط؟ أما كونه يرفع الحد ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ يعني لا تجلدوهم ثمانين هذا لم يقل به أحد، فلا يعود إلى الجملة الأولى، وكونه يعود إلى الجملة الأخيرة اتفاق، الخلاف في الجملة الوسطى ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ فمن تاب بعد القذف توبة نصوح بشروطها تقبل شهادته أو لا تقبل؟ هذا محل الخلاف وعندنا ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ [(٢٠٣) سورة البقرة] هل يعود إلى الجملة الأخيرة أو إلى الجملتين؟ يعني اشتراط التقوى هل الأولى به من تأخر أو من تعجل؟ أو هما معاً كلهم لا بد من التقوى؟ كلهم، نعم صحيح، كل منهم مطالب بالتقوى، وعلى هذا يكون معنى الآية: أن من تعجل في يومين وقد اتقى الله -جل وعلا- في حجه لا إثم عليه، يعني ارتفع الإثم عنه بهذا الحج الذي اتقى الله فيه، ومن تأخر فزاد ثالثاً، واتقى الله في حجه فقد ارتفع عنه الإثم، وحينئذ من خلال هذه الآية يظهر تفضيل التأخير أو التعجل؟ أو ما يظهر شيء؟ ما يظهر شيء، لأن من تعجل واتقى الله ارتفع عنه الإثم، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، ومن تأخر واتقى الله -جل وعلا- فلا إثم عليه، ارتفع عنه الإثم على حد سواء؛ لكن تفضيل التأخير من فعله ﵊، وما كان الله أن يختار لنبيه إلا الأفضل، فالتأخير أفضل لأن الله -جل وعلا- اختاره لنبيه، وأما الآية فتدل على أن الإثم مرتفع عن الحاج إذا اتقى الله -جل وعلا-، سواء تعجل أو تأخر، وتكون الآية حينئذ بمعنى قوله ﵊: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) وبهذا يكون الحج قد ترتبت عليه آثاره من المغفرة، إذا

стр. 989

ارتفع عنه إثمه فقد غفر له بهذا الشرط الذي هو التقوى، والصيام الذي يباعد الله به وجه صاحبه عن النار سبعين خريفاً هو الذي يورث التقوى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [(١٨٣) سورة البقرة] يعني ما الفائدة من حج تنتهك فيه المحرمات، ويتطلع فيه إلى الغرات، أو صيام لا يصان عن الكذب والغيبة والنميمة والبهت وأكل أموال الناس؛ والوقوع في أعراضهم، نعم، ((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)) وما الفائدة من صلاة لا تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فالعبادة التي تترتب عليها آثارها، وتمحى بها الذنوب هي المصاحبة للتقوى، نعم هذه الأعمال إذا أديت ولو ارتكب صاحبها محرماً لا يتعلق بأصل الحج، ولا بشرطه، العبادة صحيحة، بمعنى أنها مسقطة للطلب، لا يؤمر بإعادتها، وكذلك الصلاة، وكذلك الصيام، عبادات مسقطة مجزية، مسقطة للطلب؛ لكن هل تترتب عليها آثار؟ هي مقبولة عند الله -جل وعلا-؟ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [(٢٧) سورة المائدة] الشخص الذي يرجع من صلاته بعشرها مثلاً، هل يرجى بمثل هذه الصلاة أن تكفر ما بينها من الذنوب؟ العبادات المكفرة هي التي يؤتى بها على الوجه المطلوب. شيخ الإسلام يقول: شخص يصلي بصلاة لا يرجع إلا بعشر أجرها، هذه إن كفرت نفسها بركة، يكفي أنها تكفر نفسها، والله -جل وعلا- إنما يتقبل من المتقين، والمراد بنفي القبول هنا نفي الثواب المرتب على العبادة، لا نفي الصحة، الصلاة صحيحة، فلا يؤمر بإعادتها، وقل مثل هذا في الصيام والحج وغيرها من العبادات.

стр. 990

إذا انتهى فعليه أن يطوف للوداع، فهو واجب من واجبات الحج، ثبت الأمر به، بعد أن أتم الحج، وخُفف عن الحائض والنفساء، وأعفين من طواف الوداع، وهذا دليل على وجوبه، إذ لو كان سنة لما احتاجت الحائض والنفساء أن يخفف عنهم، وليس بركن؛ لأن الركن لا يعفى عنه أحد، فدل على أنه واجب من واجبات الحج، وكونه ﵊ يأمر به في الحج ولم يأمر به في العمرة، اعتمر النبي ﵊ عُمَر، ولم يثبت عنه أنه أمر بالوداع بعد العمرة، دل على أنه من واجبات الحج دون العمرة، وهذا قول الأكثر، وهو الظاهر. فإذا طاف للوداع سافر، ورجع إلى أهله، بعد أن حرص على أداء الحج على الوجه الشرعي بشروطه وأركانه وواجباته وسننه؛ وحرص على أن يكون حجه مبروراً، ثم بعد ذلك تكون حاله بعد الحج أفضل من حاله قبله؛ ليكون ذلك برهاناً على بر هذا الحج، وقبوله من عند الله -جل وعلا-، بعض الناس يسعى بعد طواف القدوم، وهو مفرد أو قارن، ثم لا يبقى عليه إلا طواف الإفاضة، والسعي انتهى منه يؤخره إلى قرب مغادرته إلى أهله ويكتفي به عن طواف الوداع، وهذا صحيح؛ لأنه لا حد لآخر وقت طواف الإفاضة، وإن كان السنة أن يكون في يوم العيد؛ لكن إن أخره واكتفى به عن طواف الوداع أجزأه على أن ينوي به طواف الإفاضة، وتدخل العبادة الصغرى بالكبرى، كما هي القاعدة المقررة عند أهل العلم.

стр. 991

بعض الناس يكون عليه طواف وسعي، مثل المتمتع، ويريد أن يؤخر الطواف والسعي إلى وقت مغادرته ويكتفي به عن طواف الوداع، والأصل أن يجعل آخر عهده بالبيت، والبيت المراد به الكعبة، والسعي ليس من البيت، والمقرر أن المسعى خارج المسجد، فضلاً عن البيت، البيت المراد به الكعبة، فهل يقدم السعي ويؤخر الطواف ليكون آخر عهده بالبيت؟ أو يطوف ثم يسعى ويخرج؟ أو يلزمه أن يطوف للوداع؟ الأصل أن يطوف للإفاضة، ثم يسعى للحج، ثم يوادع هذا الأصل؛ لكن إذا كان طواف الإفاضة ما حصل إلا بشق الأنفس، هل يلزم بإعادة الطواف؟ نقول: يتجاوز الله -جل وعلا- لقرب عهدك بالبيت، والنبي ﵊ ما أمر عائشة لما طافت وسعت للعمرة، ما حفظ أنه قال: وادعتي أو ما وادعتي؟ أو نقول له كما جاء في حديث أسامة بن الشريك: "سعيت قبل أن أطوف" قال: ((افعل ولا حرج)) يقدم السعي ثم يطوف للإفاضة ويمشي، هنا الترتيب لا شك أنه أكمل، وجمع من أهل العلم يرون أن السعي لا يصح إلا بعد طواف، من شرط صحة السعي أن يقع بعد طواف، ولو مسنوناً، وعلى هذا نقول: رتب، تطوف للإفاضة وتسعى، إن كان فيه متسع تطوف للوداع وإلا فلقرب العهد الله -جل وعلا- يعفو عنك، وليحرص المسلم إذا عاد من حجه أن يبرهن على أن حجه مقبولاً مبروراً بأن تكون حاله بعد ذلك أفضل من حاله قبل. يا إخوان عنوان المحاضرة كبير جداً، يحتاج إلى محاضرات؛ لكن لمّ الأطراف بهذه المدة اليسيرة لعله يكفي، والمناسك موجودة مطبوعة ومسجلة ومسموعة ومفصلة من قبل أهل العلم، يعني كل شيء متيسر، ولله الحمد. طالب. . . . . . . . . إيه هذا من قبل الصحابة، إذا فهم الصحابي، هذا الذي ذكرته أنا، أن بعض الصحابة فهم أنها لهم خاصة. طالب. . . . . . . . . صحيح مسلم، (لنا خاصة) هذا فهم الصحابي، أنها لهم خاصة، (بل لأبد الأبد) هذا من قوله ﵊ وين أنت؟ هذه تحتاج إلى. . . . . . . . . طالب. . . . . . . . . هذه في الحج. طالب. . . . . . . . . هذه للحج، لو أجيب عليها تحتاج إلى مجلد؛ لكن الوقت ضيق. يقول: صفة الدخول بالنسك متى يلبي بالعمرة؟

стр. 992

يلبي بالعمرة، ثم بعد ذلك إذا حل منها الحل كله، وجاء يوم التروية يلبي بالحج. يقول: هل يدعو بعد جمرة العقبة مثل الصغرى والوسطى في أيام التشريق؟ لا، جمرة العقبة يرميها ولا يدعو بعدها. يقول: هل يجوز العمرة فقط في اليوم التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر؟ التاسع بالإمكان أن يؤدي العمرة في الضحى مثلاً، ويخرج يتحلل، يتصور التمتع في أول اليوم التاسع، ثم يقف مع الناس في آخر الوقت، متصورة العمرة؛ لكن في اليوم العاشر والحادي عشر والثاني عشر، هو متلبس بنسك، لا تصح العمرة فيه. طالب. . . . . . . . . بدون حج؟ نعم يعمل عمرة، العام كله وقت للعمرة، إذا لم يكن متلبساً بنسك آخر. طالب. . . . . . . . . غابت الشمس له إلى طلوع الفجر، يعني وقت الوقوف عند الجمهور من زوال الشمس يوم عرفة إلى طلوع الفجر ليلة النحر، حديث عروة بن مبرز ((من صلى صلاتنا هذه، وكان قد وقف قبل ذلك ساعة من ليل أو نهار)) والخلاف فيما قبل الزوال من يوم عرفة، الحنابلة يستدلون بحديث عروة على أن ما قبل الزوال وقت للوقوف، والجمهور يقولون: لا، وقت الوقوف من وقوفه ﵊، ولم يقف إلا بعد الزوال. يقول: إذا لم يتمكن الإنسان من السعي أو الطواف بسبب الزحام الشديد وخاف على نفسه، ماذا يفعل؟ إذا خاف فوات وقوفه؟ وقت ماذا؟ طواف وسعي، طواف الحج وسعيه ماله وقت، يتأخر حتى يخف الزحام. يقول: الرجاء بيان معنى الرفث والفسوق؟ الرفث: هو الكلام الفاحش، أو ما يتعلق بالنساء، لا سيما في مواجهتهن به، والأصل فيه القول الفاحش، والجماع يدخل فيه دخولاً أولياً، والفسوق: مزاولة المنكرات والمعاصي. يقول: ما حكم من وصل إلى عرفة بعد الزوال وهو ينوي الإفراد؟ يقف مع الناس وحجه صحيح. يقول: متى يحل من دفع قيمة الأضحية حيث لا يعلم متى تذبح؟ على كل حال ما يستحب أخذه عند الإحرام من أراد أن يضحي لا يأخذ شيء من شعر ولا ظفر؛ لكن ما يجب أخذه من أجل النسك كالحلق والتظفير يأخذه، وأما الحلق في يوم العيد يحرص أن تقدم أضحيته، لتكون قبل حلقه، وإن حلق قبل ذلك فلا بأس؛ لأن هذا واجب.

стр. 993

يقول: هل يجوز أن أطلع من مزدلفة مع الضعفاء، وأنا قادر؛ ولكن بسبب الزحام؟ إذا كان لمصلحة هؤلاء الضعفة فلا بأس، لا لذاتك، لا بأس. يقول: إذا سعيت وأنا لم أطف طواف القدوم، يعني وصل إلى مكة في اليوم السابع أو الثامن، ثم قدم السعي ولم يقع هذا السعي بعد طواف؟ لا بد أن يكون بعد طواف. يقول: هل يوم عرفة كل دعوة مستجابة؟ الدعاء سبب، وهذا اليوم من أرجاء الأوقات لإجابة الدعاء؛ لكن هناك موانع يخشى الإنسان منها، موانع على الإنسان أن يحذر منها، ومن أعظمها المطعم والمشرب والملبس والغذاء. يقول: هل هناك تكبير مطلق وتكبير مقيد؟ أم جميع التكبير مطلق؟ أما التكبير المطلق فقد ثبتت به النصوص، وأما المقيد فهو ثابت عن سلف هذه الأمة بأدبار الصلوات، من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، وأما من يطلب له دليلاً مرفوعاً فقد يعوزه ذلك، وعلى كل حال كل خير في إتباع من سلف. يقول: ما رأيكم فيمن يشرع في التكبير بعد السلام من الصلاة مباشرة دون أن يقول أذكار الصلوات؟ أذكار الصلوات مقيدة في هذا الوقت، فلا يقدم عليها غيرها، إلا ما هو أخص منها، وهو المقيد في وقته، أما قبل وقته فلا يقدم على أذكار الصلوات شيء. يقول: ما رأيكم في تقديم السعي على طواف الإفاضة في الحج، وكذلك هل تجب الموالاة بين الطواف والسعي؟ تقديم السعي على الطواف لا سيما إذا كان في يوم العيد لأنه ما سئل عن شيء قدم ولا أخر في هذا اليوم إلا قال: ((افعل ولا حرج)) وسئل في حديث أسامة بن شريك: "سعيت قبل أن أطوف" قال: ((افعل ولا حرج)) لكن الأصل الترتيب؛ لكن إن فعل فلا بأس، الموالاة بين الطواف والسعي هذا هو الأصل، وقد اشترط جماعة من أهل العلم أن يقع السعي بعد طواف ولو مسنوناً. يقول: كنت أطوف طواف الإفاضة، فلم أقل عند كل شوط: بسم الله والله أكبر، فهل علي شيء أم لا؟ الطواف يحصل بالمرور، أو الدوران على الكعبة من الحجر إلى الحجر سبع مرات، ولو لم ينطق بكلمة.

стр. 994

يقول: ذكر لي بعض الأخوة أنه رأى هلال شهر ذي الحجة يوم الثلاثاء الماضي، أي أن الشهر السابق تسعة وعشرين يوماً، وبالتالي يختلف يوم عرفة، وأنا أريد حج هذا العام، وأنا في حيرة من أمري، بعد هذا الخبر الذي بلغ التواتر؟ كيف بلغ التواتر؟ هذا إذا كان رأى الهلال ولم يتقدم بشهادته، هذا غاش لنفسه ولغيره، فالواجب عليه أن يتقدم بشهادته، والمسئولين عن دخول الأشهر، ومراقبة الأهلة، وإثباتها إثباتاً شرعياً إذا لم يتقدم لهم أحد بالشهادة فما عليهم إلا أن يعملوا بالنصوص الشرعية، التي تقتضي إكمال الشهر، مادام ما تقدم لهم أحد يشهد بأنه رأى الهلال، وهو عدل ثقة، ما عليهم إلا أن يكملوا الشهر، إجرائهم شرعي، كون الهلال مرتفع أو كونه كبير، كل هذا لا أثر له، المعول على الشهادة، إن وجد من يشهد بأنه رأى الهلال ممن تقبل شهادته لزم دخول الهلال، وعمل بمقتضاه، إن لم يتقدم إلى الجهات التي أنيط بها هذا الأمر من يشهد، وما يدريهم عن الناس وما في أنفسهم، وكرروا الإعلان، وطلبوا مراراً، طلبوا من المسلمين، ومن من الله عليه بنعمة حدة البصر، بأن يتبرع وأن يحتسب لترائي الهلال، ومع ذلك ما جاءهم أحد، فكملوا الشهر، إجراء شرعي، يعني كونه موجود ليلة الثلاثاء، يعني كونه مخلوق وموجود في السماء، ولم يشهد به أحد، أو حال دون رؤيته غيم مثلاً إجراء الشرع أي نكمل الشهر. طالب. . . . . . . . . أخي الهلال كلنا رأيناه، في الليلة التي قرروا أنها واحدة، أنا ما أذكر أني رأيته ولا ليلة الاثنين، كبير ومرتفع لكن لا يكفي، لا يدخل الشهر إلا برؤية تقوم بها شهادة، وجاء ما يدل على انتفاخ الأهلة في آخر الزمان، على كل حال إذا حججت في هذا العام ووقفت على حسب ما قرر شرعاً، وقرره أهل العلم الذين تبرأ الذمة بتقليدهم، ووقف الناس في هذا اليوم فحجك صحيح، ولو وقفت في العاشر في حقيقة الأمر. يقول الله تعالى: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [(٤٠) سورة الشورى] ويقول : ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [(٢٥) سورة الحج] والسؤال كيف نوفق بين هاتين الآيتين، وهل معنى ذلك أن الذنب في مكة مضاعف؟

стр. 995

المضاعف هي الحسنات، وأما الذنوب فهي معظمة، عذاب أليم، يعني عظيم، يعظم، ولا شك أن الذنوب تعظم بسبب الزمن أو بسبب المكان، وهنا علق العذاب الأليم بمجرد الإرادة، وهذا من خواص مكة، (من يرد) ليس من يفعل، بينما غيرها من البلدان لا يتعلق إلا بالفعل. يقول: نرجو توضيح كيف تستر المرأة المسلمة وجهها، وكفيها عن مرأى الرجال، وهل يلزمها ذلك داخل الحرم أيضاً أثناء الطواف؟ وما هو النقاب الممنوع حالة الإحرام؟ المرأة عند عامة أهل العلم عند الجمهور، بل نقل بعضهم الاتفاق أن إحرامها في وجهها، لا يجوز لها أن تغطي وجهها إلا بحضرة الرجال الأجانب، وفي هذا حديث عائشة وأسماء أنهن يحرمن مع النبي ﵊، فإذا حاذاهن الرجال -يحرمن بكشف الوجه- فإذا حاذاهن الرجال سدلت إحداهن خمارها على وجهها، فلا يترك الواجب إلا لما هو أوجب منه، فلولا أن تغطية الوجه واجب لما عدل عن كشفه الواجب عند أهل العلم. يقول: وما هو النقاب الممنوع حالة الإحرام؟ النقاب ما يبدي العين، غطاء الوجه الذي فيه فتحة للعين، ومنع المحرمة منه يدل على إباحته في غير الإحرام، وهذا أشكل على كثير من الإخوة، كيف النقاب جائز لغير المحرمة؛ لأن مفهوم لا تنتقب المحرمة أن غير المحرمة تنتقب، واستروح بعضهم إلى تضعيف هذه الرواية بناء على إشارة عند أبي داوود؛ لكن هي في الصحيح، ولا كلام فيها لأحد، والنقاب التي تنتقبه غير المحرمة هو النقاب، لا السفور، والمراد بالنقاب النقب في غطاء الوجه الذي يظهر سواد العين فقط، وما يظهر من البشرة شيئاً ولو كان يسيراً هذا ليس بنقاب، وإنما هو سفور. يقول: ما حكم السلفة أو التدين من أجل الحج؟ إذا كان يرجو قضاء هذا الدين، ويغلب على ظنه قضاؤه لا بأس -إن شاء الله تعالى- وإلا فالأصل أنه لا يلزمه. يقول: ما حكم ترديد الذكر: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، عند القبور وداخل المقبرة، وأيضاً باقي الأذكار، مثل أذكار الصباح والمساء وغيرها من الذكر؟ وما هو الدليل على ذلك؟

стр. 996

المقبرة جاء النهي عن الصلاة فيها، سداً للذريعة، استثني من ذلك صلاة الجنازة ((لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها)) ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً)) فالصلاة لا تصح ولا تجوز بحال في المقبرة، ولا بين القبور، ولا إلى القبور سداً للذريعة، بقية العبادات أيضاً من باب سد الذريعة؛ لئلا يقال: أن هذه الأذكار لها مزيد فضل لوجود هؤلاء المقبورين، بما فيهم من فلان الصالح، أو فلان العابد، قد يقال هذا، فتمنع هذه الأذكار، وقراءة القرآن ممنوعة في المقبرة سداً للذريعة، وأما الأذكار بعض الناس يشرع في الذكر بعد صلاة الصبح، أو بعد صلاة المغرب، ثم يكون هناك جنازة، ولذا يتبعها، ويبقى شيء من الذكر يريد أن يكمله في المقبرة، هل يمسك؟ بما في ذلك لا إله إلا الله وحده لا شريك له مائة مرة، هل يمسك أو يكمل في المقبرة؟ نقول: لو يمسك أفضل وأولى، سداً للذريعة. يقول: أريد أن أحج قارناً، ولا أستطيع الذهاب لمكة إلا يوم عرفة ظهراً، فماذا أفعل؟ تريد قارن، عرفنا أنك لو ذهبت إلى عرفة مباشرة وأنت قارن أو مفرد لا بأس؛ لأن طواف القدوم سنة، والمبيت بمنى، والصلاة بها، والصلوات الخمس كلها سنة، كلها سنن لا يلزم من تركها شيء. يقول: ما حكم تأخير طواف الإفاضة إلى طواف الوداع؟ لا شيء فيه؛ لأنه لا حد لآخره، وبهذا نكتفي، والأسئلة كثيرة جداً، تحتاج إلى وقت طويل. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 997

تفسير آيات الحج ٢٣ - ١١ - ١٤٢٧هـ الشيخ/ عبد الكريم الخضير الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن كتاب الله -جل وعلا- هو عمدة هذه الأمة ومعولها، وهو مصدرها الأول، وكلام ربها، من قرأه فكأنما يخاطب الرحمن، وقد جاء الحث على قراءته وتدبره وترتيله ومدارسته، وقد كان النبي ﵊ يقرأه على أصحابه على الوجه المأمور به، وكان يدارسه جبريل في كل ليلة من ليالي رمضان، وفي السنة التي قبض فيها ﵊ عرضه عليه مرتين، هذا القرآن الذي تكفل الله بحفظه ورتب الأجور العظيمة على قراءته، والعناية به، هذا الكتاب الذي تكفل الله بحفظه من وجوه عديدة: تكفل الله بحفظ لفظه، وتكفل الله برسمه، وتكفل الله بأحكامه، وتكفل الله ببيانه على لسان رسوله ﵊، ثم على ألسنة من ورثه ﵊ من العلم النافع. من مظاهر حفظ الله -جل وعلا- لهذا الكتاب: أن تجد العناية الفائقة لهذا الكتاب العظيم مما لا تجد نظيره في الكتب الأخرى السماوية وغير السماوية. ولو استعرضنا الفهارس وتراجم أهل العلم لوجدنا أن الكتابات حول هذا الكتاب لا يحصرها ديوان، ولا يمكن الإحاطة به، ويكفينا أن نعرف أن ما كتب على تفسير البيضاوي من الحواشي يزيد على المائة، فقط، فكيف بما كتبه سلف هذه الأمة من التفسير الأثري الذي يذكر في تراجم أهل العلم مما لم يصل إلينا أكثره من التفاسير المطولة التي تشرح كتاب الله بمئات الألوف من الأحاديث والآثار، ثم بعد ذلك التفاسير المتنوعة المختلفة المشارب، فمن التفسير بالمأثور، إلى التفسير بالمعقول، إلى التفسير اللفظي والتحليل، إلى التفسير الذي يغلب عليه الجانب الأثري إلى التفسير الذي يغلب عليه الجانب النحوي، إلى التفسير الذي يغلب عليه الجانب البلاغي، إلى التفسير الذي يغلب عليه الجانب الفقهي والكلامي، وغير ذلك، أنواع وفنون كتبت ودونت في التفاسير الكبار والمتوسطة والصغار، خدمة لهذا الكتاب العظيم.

стр. 998

التفاسير منها ما يتناول القرآن من أوله إلى آخره على ترتبيه، ومنها ما يتناول القرآن حسب موضوعاته، ويسميه أهل العلم التفسير الموضوعي، التفسير الذي يتناول القرآن بالترتيب من أوله إلى آخره، من الفاتحة إلى الناس هذا لا شك أن فيه كثرة عند أهل العلم، كثرة متكاثرة، ومتنوعة على حسب ما أشرنا آنفاً. التفسير الموضوعي هو أيضاً مطروق؛ لكنه ليس بالمستوى الذي كتب فيه التفسير المرتب التحليلي، يسميه أهل العلم تحليلي. التفسير الموضوعي يمشي على الموضوعات، فمثلاً آيات التوحيد، آيات الإيمان، آيات الصلاة، آيات الزكاة، آيات الصوم، آيات الحج، وهكذا، آيات الأمانة آيات التقوى، آيات الإخبات، آيات كذا، إلى آخره، يمشي على القرآن من أوله إلى آخره فيجمع الآيات التي تتحدث عن هذا الموضوع فيفسرها تفسيراً تحليلاً في بداية الأمر، يشترك فيه مع التفسير الذي يسار فيه على ترتيب القرآن، وينفرد عنه أيضاً بالتفسير الإجمالي الذي يستنبط منه وظائف هذا الموضوع في نهايته. هذا اللون من ألوان التفسير -الذي هو التفسير الموضوعي- أقرب ما يكون إلى موضوعنا في تفسير آيات الحج. تفسير آيات الحج لون أو فرع من فروع التفسير الموضوعي، فإذا كان المعول على القرآن مدعوماً بالسنة والآثار مما يجمع آيات موضوع واحد فإنه حينئذ يسمى تفسير موضوعي، وكُتب كثيراً: آيات الإيمان في القرآن، اليوم الآخر في القرآن، التقوى في القرآن، الصبر في آيات القرآن، الدعاء في القرآن، هذه تفاسير موضوعية، ومنها هذا الذي نتحدث فيه (تفسير آيات الحج).

стр. 999

وهذا النوع من التفسير ينفع المفسر أولاً، وينفع طالب العلم القارئ نفعاً كبيراً باعتبار أنه يلم بجميع أطراف الموضوع، قد تقرأ آية في سورة الفاتحة مثلاً، أو البقرة في أولها، وتحتاج إلى ما يضم إليها من السور المتأخرة، فإذا قرأت في أوائل البقرة آية، ومما يبين معناها ويوضح معناها آية في سورة الحج مثلاً، هذا إذا كان المفسر كابن كثير -رحمه الله تعالى-، وأيضاً الشنقيطي، مما يجمع الآيات المتشابهة في موضع واحد تستفيد يا طالب العلم، لكنهم يذكرونها ذكر، ما يفسرونها ويشرحونها، ويوضحون ما جاء فيها، مثل الآية التي هي الأصل في الباب، ولا يقوم بهذا إلا التفسير الموضوعي، فالتفسير الموضوعي ينفع طالب العلم باعتبار أنه يعطيه الصورة الكاملة على الموضوع من خلال الآيات المتفرقة في كتاب الله ، ولو كان البدء، ولكن المناسبة لآيات الحج فالموسم قريب وقادم، فاختار الشيخ حفظه الله هذا الموضوع ليكون الحديث عنه، وإلا فالأصل أن يبدأ به على الترتيب: آيات العقائد، آيات التوحيد، آيات الإيمان، آيات التوكل، آيات الخشية، آيات الإنابة، آيات الصلاة، آيات الزكاة إلى آخره، وهكذا، ويمشي على القرآن كله بهذه الطريقة، وهي طريقة ناجعة مثلما ذكرنا أن الطالب يخرج بتصور تام عن الموضوع من خلال القرآن الكريم. الأمانة في القرآن الكريم من يستغني عنها؟ ثم بعد ذلك يأتي بما يؤيد هذه الآيات، وبما يبين ويشرح هذه الآيات من مشكاة النبوة من كلامه ﵊، ابن القيم في مدارج السالكين يستوعب الآيات التي تبحث في المنازل التي تحدث عنها، فمنزلة التوبة مثلاً ذكر الآيات المتعلقة بالتوبة وذكر الأحاديث، وذكر أقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، هذا موضوعي، منزلة التوبة يصلح أن يكون موضوع مستقل، يعني يستخرج من مدارج السالكين، وكذلك المنازل الأخرى، على كل حال هذا اللون وهذا النوع فائدته واضحة وجلية، وعلى طالب العلم أن يعنى به، وعلى العلماء أن ينبروا له، ويبسطوا الكلام فيه، كالتفسير المرتب.

стр. 1000

هناك تفسير يعني من عناية الله -جل وعلا- بكتابه أن طرق من جميع الأبواب، طرق شرح القرآن وتفسر القرآن من جميع الأبواب، حتى وصلت المسألة إلى حد الترف، فكتب في تفاسير يظن المفسر أن الناس بحاجتها، والواقع أنهم ليس بحاجتها، وأودعت بعض التفاسير ما ينبو عنه كلام الله -جل وعلا-، وفسر القرآن بالحروف المهملة، يعني تقرأ تفسير من أوله إلى آخره ما تجد ولا نقطة، يعني تفسير بالحروف المهملة؛ لكن هل مثل هذا الصنيع يخدم القرآن، ويخدم العلم، ويخدم طلاب العلم؟ هذا هو مجرد ترف. يعني إذا قبل من الحريري في مقاماته، مقامة مثلاً بحرف الشين، بحرف السين، بحرف كذا، يقبل؛ لأنه المسألة مسألة فضول من أصلها، إلا أن الحاجة داعية إليه من حيث الإحاطة بمفردات غريب اللغة، الحاجة داعية إلى المقامات؛ لكن ليست الحاجة إليها مثل الحاجة إلى كلام الله -جل وعلا-، فالترف العلمي الموجود وصل ببعضهم إلى أن يفسر القرآن بالحروف المهملة، ولا شك أن مثل هذا لا يحتاج إليه طلاب العلم. وأقحم بعض المفسرين في التفسير ما ليس منه، وما لا يليق بكلام الله -جلا وعلا- أن يبين به ويوضح به، وعلى كل حال هي جهود، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى أن فسر القرآن على غير ترتيبه، فسره على ترتيب النزول، بادئاً بسورة اقرأ، قبل الفاتحة، وقبل البقرة، وقبل. . . . . . . . .، ورتبه على حسب النزول، يعني ما الفائدة من تغيير الترتيب الذي أجمع عليه الصحابة -رضوان الله عليهم-، وأودعه عثمان ﵁ بين الدفتين، واتفقوا عليه، وصدروا عنه، إلى أن يغير الترتيب من أجل الترتيب الزمني التاريخي لنزول الآيات والسور، يعني هل نحتاج إلى مثل هذا الترتيب لنعرف الناسخ من المنسوخ؟ وهل توقف معرفة الناسخ والمنسوخ على مثل هذا الترتيب؟ العلماء يعرفون الناسخ من المنسوخ من غير هذا الترتيب، وهذه مخالفة لما أجمع عليه الصحابة، وفاعلها لا شك أنه مخطئ، ولا وجه لفعله البتة، ومع ذلك يوجد في المكتبات تفسيران على هذه الكيفية، تفسير الحديث، والتفسير البياني للقرآن، موجودة.

стр. 1001

المقصود أن الإخلال بترتيب القرآن الذي أجمع عليه الصحابة لا شك أنه خطأ، لمخالفته الإجماع، ولا شك أن هذا يقصد منه صاحبه أنه نوع من التجديد، وإن كان هذا هو الهدف وهو المقصد وهذه، فهذا لا شك أن هذه حقيقة مرة، لا يغير ترتيب كلام الله -جل وعلا- من أجل هذه الحقوق، وإن كان القصد من ذلك معرفة المتقدم من المتأخر ليعرف الناسخ والمنسوخ، فالناسخ والمنسوخ معروف عند أهل العلم ولا يحتاج إلى مثل هذا، وألفت فيه المؤلفات الخاصة. تفسير آيات الحج لا شك أنها تحتاج إلى وقت طويل، وكل آية منها تحتاج إلى أكثر من درس؛ لأن هذه الآيات بالإمكان أن يؤلف فيها منسك متكامل، بأكثر من مجلد؛ لأن الآيات اشتملت على كثير من أحكام المناسك، مع ما يبنها من كلام النبي ﵊، فنأخذ ما نأخذه من هذه الآيات، ولو قدر أننا نستطيع إكمال آيتين فقط، فيكون إنجاز؛ لأن المسألة تحتاج إلى دروس متتابعة. من أول هذه الآيات يعني إذا كنا نسير على تفسير هذه الآيات بالدلالة الأصلية، يعني فيها دليل واضح على منسك من مناسك الحج، وعلى مسألة من مسائل الحج، لا بالدلالة التبعية، وإلا فهذا يلزمنا أن نبدأ بالبسملة، يعني لو جرينا على الدلالة التبعية، ودلالات النصوص لا شك أنها تنقسم إلى: أصلية: يعني مقصود الاستدلال بها لهذه المسألة. ودلالات تبعية: ليست مقصودة لهذه المسألة بالأصالة؛ لكن يستنبط منها ما يستنبط، مما يدل على المسألة.

стр. 1002

فلو وسعنا الدائرة لنأخذ الدلالات التبعية ما انتهينا أبداً، نحتاج إلى تفصيل كامل، يعني لو مثلاً من قوله ﵊ لعائشة: ((افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)) قلنا: في الحديث دلالة على أن الحائض تقرأ القرآن، هل هذه دلالة أصلية أو تبعية؟ تبعية بلا شك؛ لأن هذه لا تخطر على السامع من أول وهلة؛ لكن بعمومها قد يستدل من يستدل بها؛ لكن هل نقول: افعلي ما يفعل الحاج، هل نستطيع أن نقول: أن الحاج ينام فيسن للحاج النوم من هذا الحديث؟ حاج يأكل، هل يسن للحاج أن يأكل استنباطاً من هذا الحديث؟ دلالات بعيدة كل البعد، ولذا كثير من أهل العلم يرى عدم الاستدلال بالدلالات التبعية، والاقتصار على الدلالات الأصلية، فمثل هذا لا نحتاجه لبعده، وإذا استعملنا الآيات بهذه الطريقة معناه ما ننتهي، ونحتاج في آيات الحج أن نستعرض القرآن كله، لكننا نقتصر على الدلالات الأصلية في هذه الآيات. فأول الآيات المتعلقة بالحج قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [(١٢٥) سورة البقرة]. يعني دلالته على ما نحن فيه أن النبي ﵊ صلى الركعتين، ركعتي الطواف خلف المقام، وتلا الآية، وإلا قد يقول قائل: جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ما له علاقة بالحج في الدلالة الأصلية: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [(١٢٥) سورة البقرة] الصلاة عامة في الحج وغيره، نقول: لما تلا النبي ﵊ هذه الآية حينما صلى ركعتي الطوف خلف المقام قلنا: دلالتها على المراد أصلية، فتلاها النبي ﵊، ودونت في المناسك، ودونت في كتب الستة في كتب المناسك، وترجم بها الإمام البخاري على ما يريد من ركعتي الطواف.

стр. 1003

يقول الطبري: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا﴾ عطف على قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [(١٢٤) سورة البقرة] وقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [(١٢٤) سورة البقرة] معطوف على قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ﴾ [(١٢٢) سورة البقرة] واذكروا ﴿إِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ [(١٢٤) سورة البقرة] ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً﴾ [(١٢٥) سورة البقرة] يعني هذه الجمل متعاطفة، كلها مصدرة بـ (اذكروا) صراحة في الموضع الأول، ومقدرة في المواضع التالية، والبيت الذي جعله الله مثابة للناس هو البيت الحرام، وأما المثابة فإن أهل العربية مختلفون في معناها، والسبب الذي من أجله أنثت، البيت يذكر، فكيف يقال: البيت مثابة؟ البيت مذكر فكيف يجعل أو يوصف بأنه مثابة؟ والتاء هذه تاء التأنيث؟ يقول الطبري: "وأما المثابة فإن أهل العربية مختلفون في معناها، والسبب الذي من أجله أنثت"، فقال بعض نحويي البصرة: ألحقت الهاء في (المثابة) لما كثر من يثوب إليه، كما يقال: (سيارة) لمن يكثر ذلك، (ونسابة) يعني تكون للمبالغة، يقول: التاء حينئذ للمبالغة، هذا كلام بعض نحويي البصرة، وقال بعض نحويي الكوفة: بل (المثاب) و (المثابة) واحد، المثاب والمثابة واحد، نظيرة: (المقام) و (المقامة) الآن عندنا المقامة، المقام ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ﴾ [(١٢٥) سورة البقرة] ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ [(٣٥) سورة فاطر] هل هذا المذكر مع المؤنث من باب واحد؟ لأنه يقول: نظيره المقام والمقامة، فإما أن نقول: مُقام إبراهيم ليكون الباب واحداً، أو نقول: مقامة، ليكون الباب واحداً، إما أن نقول في الآية: مقام، وفي الآية الأخرى: مقامة، يكون الباب واحد وإلا لا؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 1004

نكمل الكلام ليتبين، يقول: "والمقام ذُكر على قوله -يعني قول القائل من بعض نحويي الكوفة- ذُكر على قوله لأنه يريد به الموضع الذي يقام فيه، وأنثت (المقامة) لأنه أريد بها البقعة" يعني إذا مررت ببلد مثلاً أي بلد من البلدان، فإما أن تذكره أو تؤنثه، تذكره على إرادة الموضع والمكان، ولك أن تؤنثه على إرادة البقعة، ولذا يقول أهل العلم: إذا جهزت الجنازة لا يُدرى ذكر أو أنثى، فماذا تفعل في الضمائر؟ تقول: اللهم اغفر له وارحمه، أو اغفر لها وارحمها؟ نعم إن شئت ذكرت، وإن شئت أنثت، إن شئت ذكرت على إرادة الميت، وإن شئت أنثت على إرادة الجنازة، فما ينتابه مثل هذا يجوز تذكيره وتأنيثه. وأنكر هؤلاء -يعني بعض نحويي الكوفة- أن تكون (المثابة) مثل: (السيارة والنسابة)، وقالوا: إنما أدخلت الهاء في (السيارة والنسابة) تشبيها لها بـ (الداعية) الأصل الداعي، وإذا أضيفت إليه الهاء دل على المبالغة. و (المثابة) مفعلة من (ثاب القوم إلى الموضع) إذا رجعوا، فهم يثوبون إليه مثاباً ومثابةً وثواباً. فمعنى قوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾ [(١٢٥) سورة البقرة] أي مرجعاً، ثاب القوم إلى الموضع إذا رجعوا ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾ أي مرجعاً للناس يأتونه.

стр. 1005

يقول الفقهاء في اللبن المحرِم الذي ينشر الحرمة في الرضاع، هو ما ثاب عن حمل، يعني رجع أو اجتمع؟ أو تكون؟ لأن المثابة هنا المرجع ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً﴾ أي مرجعاً للناس يأتونه كل عام، ويرجعون إليه فلا يقضون منه وطراً، (وأمناً) قال أبو جعفر: "الأمن مصدر من قول القائل: أمن يأمن أمناً، وإنما سماه الله أمناً لأنه كان في الجاهلية معاذاً لمن استعاذ به، هكذا يقول الطبري، فإما أن يكونوا يستعيذون به دون الله باعتبارهم مشركين، أو أن مراده منهم أنهم يلجأون إليه إذا خافوا فيأمنوا، فالذي يستعيذ بالبيت إذا كانت استعاذته بالحجارة المنصوبة فهذا شرك، وإن كانت استعاذته بالله -جل وعلا- ولجأ إلى بيته الذي جعله حرماً آمناً فلا إشكال، فالعرب في الجاهلية يجعلون البيت معاذاً لمن استعاذ به، ولذا لما أهدر النبي ﷺ دم ابن خطل وُجد متعلقاً بأستار الكعبة؛ لكن هل يعاذ مثل هذا؟ لا يعاذ، فقتل.

стр. 1006

وترون كثير من الناس يتعلقون بأستار الكعبة، وبعض أهل العلم يجيز مثل هذا باعتبار أن النبي ﵊ ما أنكر صنيع من تعلق بأستار الكعبة، وهذا من الدلالة التبعية أو الأصلية؟ التبعية، من الدلالة التبعية، بمعنى أن الخبر ما سيق للاستدلال به على جواز التعلق بأستار الكعبة، وإنما سيق لبيان قتل مثل هذا المجرم الذي يقتل في الحل والحرم، فمن يستدل بالدلالة التبعية يقول: أن النبي ﵊ رآه متعلق بأستار الكعبة ولم ينكر صنيعه، ولا بين وهذا موضع بيان، هذا الذي استدل بالدلالة التبعية، والذي يستدل بالدلالة الأصلية ترى معرفة الدلالتين تحل إشكالات كثيرة مما يواجه طالب العلم من مثل هذه النصوص، الذين لا يستدلون بالدلالة التبعية يقولون: المقصد من سياق الخبر قتل هذا الفاسق، ولو تعلق بأستار الكعبة، والذين يقولون: يستدل بالخبر بجميع ما يدل عليه، نستدل به على القتل، وعلى جواز التعلق، والمسألة كما سمعتم مراراً مختلف فيها ورجح الشاطبي أنه لا يستدل بها مطلقاً، وكلامه فيه نظر، وإن كان القول الثاني أيضاً له من ينصره وله أدلته، فلا يستدل بها مطلقاً ولا تهدر مطلقاً، يعني فرق بين كلام المخلوق الذي إذا تكلم بشيء يغفل عما سوى ما هو بصدده، المخلوق يغفل؛ لكن الخالق -جل وعلا- ولذلك تجدون أهل العلم يستنبطون من الجملة الواحدة أحكام كثيرة بعضها واضح من سياق الكلام، واضح لكل أحد، وبعضها يخفى على بعض الناس، ويبدو للكثير، وبعضها يفهمه بعض الناس ويخفى على الكثير، فدلالة الخبر على التعلق بأستار الكعبة لا شك أنها تبعية وليست أصلية، والخبر عندما سيق أصالة لبيان القصة التي قتل فيها وهو متعلق بأستار الكعبة، وتبقى الدلالة التبعية البعيدة عن المراد في سياق الخبر حسب ما يوافقها وما يعارضها من نصوص أخرى، فإن كانت معارَضة بنصوص أخرى ألغيت، ولعل هذا هو مراد من ألغى الدلالة التبعية مطلقاً، أنها حينما تعارض، وإذا لم تعارض وإنما ووفقت بأدلة أخرى فإنها حينئذ تكون معتبرة، ولعل هذا هو مراد القائلين بأن الدلالة التبعية معتبرة، ويستدل بها كالأصلية.

стр. 1007

وهنا معارضَة وإلا موافقَة؟ التعلق بأستار الكعبة؟ معارضة؛ لأن هذا التعلق ما يراد به؟ يراد به التبرك والتبرك ممنوع، التبرك ممنوع خاص بمن جعل الله به البركة، وهو النبي ﵊، فلا يتبرك بمخلوق، وكان الرجل منهم -يعني أهل الجاهلية- لو لقي به قاتل أبيه أو أخيه لم يهجه، ولم يعرض له حتى يخرج منه، كما قال جل ثناؤه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [(٦٧) سورة العنكبوت] ولذا يختلف أهل العلم في إقامة الحدود في مكة، في حدود الحرم، يختلفون، والمسألة مبسوطة في مواضع متعددة. ثم قال: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [(١٢٥) سورة البقرة] يقول ابن الجوزي: "في مقام إبراهيم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحرم كله، قاله ابن عباس، والثاني: أن المراد بالمقام عرفة والمزدلفة والجمار، قاله عطاء، وعن مجاهد كالقولين، وقد روي عن ابن عباس وعطاء ومجاهد قالوا: الحج كله مقام إبراهيم، والثالث: الحجر، يعني الذي قام عليه إبراهيم حينما ارتفع البينان، وفيه أثر موضع القدمين، الحجر، قاله سعيد بن جبير، وهو الأصح. قال عمر بن الخطاب ﵁ كما في الحديث الصحيح: "قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت الآية". يعني سبب النزول لا شك أن دخوله في النص عند أهل العلم قطعي، يعني الحجر مراد ودخوله في الآية قطعي، الحجر الذي فيه أثر القدمين المجاور للكعبة، دخوله قطعي؛ لكن الحجر بالمعاني الأخرى التي ثبتت عن الصحابة والتابعين والسياق لا يأباها، بل العموم يتناولها، لا شك أنها مراده بالعموم، والتنصيص على بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص، فكل مواضع الحج ومقامات الحج من مقامات إبراهيم، وإن كان المراد به في هذه الآية المراد به في هذه الآية الحجر المجاور للكعبة، والذي فيه أثر القدمين.

стр. 1008

المقام هل يراد به الحجر نفسه أو موضع القيام؟ هل يراد به الحجر نفسه بحيث نتبعه حيثما وضع، أو المراد به الموضع الذي فيه المقام؟ لأن اللفظ يحتمل الأمرين، يعني لو اقتضى النظر واجتهاد أهل العلم أن المقام الآن في المطاف مسبب للزحام، واقتضى الاجتهاد أن يدفع إلى الأروقة داخل، ليوسع المطاف، نصلي في مكانه أو نتبع الحجر نصلي هناك؟ ومسألة نقل المقام عن مكانه مسألة خلافية بين أهل العلم كتب فيها الشيخ عبد الرحمن المعلمي، مقام إبراهيم هل يجوز تقديمه أو تأخيره؟ وذكر أقول أهل العلم في ذلك، ورد عليه الشيخ سليمان بن حمدان في كتاب له أسماه: (نقض المباني من فتوى اليماني) ورد عليه الشيخ محمد بن إبراهيم، ورد عليه الشيخ سليمان، المقصود أن المسألة محل خلاف بين أهل العلم، هناك رسالة اسمها (مقام إبراهيم) وقد يراها طالب العلم ويشتريها على أنها في الموضوع، مطبوعة طباعة فاخرة، يقول: أنه سيستفيد، هذه لا فائدة فيها، هذه لنشاشيبي هي عبارة عن مقامة ألقاها في حفل تأبين إبراهيم هنانو، هذا عضو مجمع اللغة العربية بدمشق، مات وسووا له حفل تأبين فألقيت هذه الكلمة وسماها مقام إبراهيم، وبين كل جملتين أو ثلاث سلام على إبراهيم، نسأل الله العافية، فطالب العلم قد يشتري هذه الرسالة يظنها تبحث فيما نحن فيه، وليست فيما نحن فيه لا من قريب ولا من بعيد. الآن نرجع إلى مسألتنا وهي أن المقام الذي أمرنا باتخاذه مصلى هل المراد به الحجر نفسه بحيث نتبعه حيثما وضع، أو المراد به المكان بحيث لو أبعد عن مكانه الحالي نصلي في المكان نفسه؟ نظير ذلك الحجر لما أخذه القرامطة ومكث عندهم سبعة عشر سنة، نكبر حينما نحاذي المكان، ولا علاقة لنا بالحجر الذي ذهب به إلى البحرين، فهل نقول مثل هذا الكلام أنه مقتضى النظر واجتهاد أهل العلم أن يبعد المقام عن المطاف لتخفيف الزحام الذي يسببه وجود المقام، نتبع الحجر أو نفس المكان؟ واللفظ يحتمل الأمرين، المقام يحتمل أن يكون الحجر، ويحتمل أن يكون المكان الذي تم فيه قيامه. طالب: المكان. وهل المكان الذي هو فيه الآن هو نفس المكان الموجود فيه على عهد النبي ﵊؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 1009

أبعده نعم، فمقتضى هذا أننا نصلي بين المكان الحالي للمقام وبين الكعبة إذا قلنا: العبرة بالمكان، وإذا قلنا: العبرة بالحجر تبعناه ولو أدخل في الأروقة، واللفظ محتمل، وماذا عند الشيخ؟ أحد المشايخ الحضور: منكم نستفيد يا شيخ. نحتاج إلى من يعاوننا؛ لأن المسألة مسألة مقام، يعني دخلها في اللغة كبير. أحد المشايخ الحضور: والله إحنا على منهج الشيخ ابن عثيمين ﵀ حيث قال في الشرح الممتع: "أنا متوقف". ليش؟ لأن اللفظ يحتمل الأمرين، فكما يطلق على الحجر يطلق أيضاً على المكان، وما دام توقف الشيخ توقفنا. ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [(١٢٥) سورة البقرة] قال ابن الجوزي -وذكر الأقوال الثلاثة في روائع التفسير الجامع لتفسير ابن رجب -رحمه الله تعالى- وإذا وجد لهذا الإمام كلام في أي مسألة علمية على طالب العلم أن يعض عليه بالنواجذ؛ لأن ابن رجب يكتب العلم بنفس السلف ﵀. قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [(١٢٥) سورة البقرة] قال البخاري: باب قول الله ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [(١٢٥) سورة البقرة] حديث عمر في سبب نزول هذه الآية قد خرجه البخاري فيما بعد، وهو من موافقاته ﵁ وأرضاه-، قال: "لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى" فنزلت الآية.

стр. 1010

قال البخاري: حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا عمرو بن دينار قال: سألنا ابن عمر عن رجل طاف بالبيت العمرة ولم يطف بين الصفا والمروة أيأتي امرأته؟ فقال: قدم النبي ﷺ فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" والشاهد أن النبي ﵊ صلى خلف المقام ركعتين، وسألنا جابر بن عبد الله فقال: "لا يقربنها حتى يطوف بين الصفا والمروة"، وقد روى جابر أن النبي ﵊ تلا هذه الآية، يعني في حديث جابر الطويل في صفة حج النبي ﵊ المخرج في مسلم وغيره النبي ﵊ تلا هذه الآية عند صلاته خلف المقام ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [(١٢٥) سورة البقرة] وإلا فالأصل العموم، ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ في ركعتي الطواف وفي غيرها من الصلوات، يعني اللفظ عام وقصره على سببه عند أهل العلم معمول به وإلا غير معمول به؟ يطبقون على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهل يشرع كل صلاة خلف المقام أو صلاة الركعتين فقط؟ طالب:. . . . . . . . . صلى بعد الطواف وعمر قال: "لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى" هل هو في الحج أو في العمرة أو مطلقاً؟ فنزلت الآية. النبي ﵊ صلى الركعتين وتلا الآية، فدل على أن هناك اقتران بين هاتين الركعتين ركعتي الطواف والمقام؛ لكن هذا لا ينفي أن يصلى خلفه غير هذه الصلاة، لعموم الآية.

стр. 1011

يقول ابن رجب ﵀: "وهذا كله يدل على أن المراد بمقام إبراهيم في الآية مقامه المسمى بذلك عند البيت، وهو الحجر الذي كان فيه أثر قدمه ﵇، وهذا قول كثير من المفسرين، وقال كثير منهم المراد بمقام إبراهيم الحج كله، وقال بعضهم: الحرم كله، وقال بعضهم: الوقوف بعرفة ورمي الجمار والطواف، وفسروا المصلى بالدعاء، وهو موضع الدعاء، يعني حمل الصلاة في الآية على الصلاة اللغوية التي هي في الأصل الدعاء ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [(١٢٥) سورة البقرة] أي ادعوا في المواضع التي دعا فيها إبراهيم ﵇، يعني من مقاماته التي دعا فيها من مشاعر الحج ومناسكه، ادعوا فيها كما دعا فيها ﵊. والاختلاف في الصلاة هنا لا شك أن أكثر أهل العلم يرون أن الصلاة هي الصلاة ذات الركوع والسجود وهي ركعتا الطواف، وإن قال بعضهم أن المراد بها الدعاء، نظير ما قيل في ((إذا دعاء أحدكم أخوه فليجب، فإن كان مفطراً فيطعم، وإن كان صائماً فليصلي)) جمهور أهل العلم أن على أن المراد بالصلاة هنا اللغوية، الدعاء يدعو لهم وينصرف، وإن كان من أهل العلم من قال: يصلي ركعتين وينصرف؛ لكن قد ترد الصلاة ويراد بها المعنى اللغوي، وترد ويراد بها المعنى الشرعي، ومثل هذا صلاة النبي ﵊ على أهل أحد بعد ثمان سنوات كالمودع لهم، منهم من قال: أنه صلى عليهم صلاة الجنازة، ومنهم من قال أنه مر عليهم ودعا لهم الصلاة اللغوية، وإلا فالشهداء لا يصلى عليهم كما هو معروف. يقول ابن رجب: "وقد يجمع بين القولين بأن يقال: الصلاة خلف المقام المعروف داخل فيما أمر به من الاقتداء بإبراهيم ﵇ مما في أفعاله بمناسك الحج كلها، واتخاذها مواضع للدعاء وذكر الله ". يعني ركعتي الطواف خلف المقام فرد من أفراد العام، يعني والتنصيص عليه لا يقتضي التخصيص، فالآية عامة تحتمل أشياء كثيرة مثل ما ذكره أهل العلم، لا تقصر على سببها من نزول هذه الآية استجابة لقول عمر: "لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى" وإنما تشمل ما يحتمله اللفظ.

стр. 1012

قالت عائشة وقد روي مرفوعاً ((إنما جعل الطواف والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله)) [خرجه أبو داود والترمذي]، والأمر في الآية باتخاذ المقام مصلى كما قال ابن المنذر: يحتمل أن تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضاً ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [(١٢٥) سورة البقرة] لكن هل الأمر الذي بني عليه هذا الاحتمال هو أمر بالصلاة أو أمر بالاتخاذ لمن أراد أن يصلي؟ الأمر (اتخذوا) من أراد أن يصلي فعليه أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، وهل الأمر بالاتخاذ أمر بالصلاة ليقول ابن المنذر: تحتمل أن تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضاً؟ لكن أجمع أهل العلم على أن الطائف تجزئه ركعتا الطواف حيث شاء إلا شيئاً ذكر عن مالك في أن من صلى ركعتي الطواف الواجب في الحجر يعيد" انتهى كلامه. الأمر باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، كلام ابن المنذر يقول: "يحتمل أن تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضاً" الآن عندنا الصلاة والمكان الذي هو الحال المبينة لهذه الصلاة، فهل الأمر في الآية متجه إلى الصلاة أو متجه إلى أن تكون خلف المقام؟ ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [(١٢٥) سورة البقرة] هل معنى هذا صلوا؟ أو صلوا في هذا المكان؟ يعني في قول يوسف ﵇ ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [(١٠١) سورة يوسف] هل المقصود الوفاة؟ الطلب للوفاة أو الوفاة على الإسلام؟ يعني هل مراد يوسف ﵇ أن يتوفاه الله ويتخلص من هذه الدنيا أو أن المطلوب التوفي حال كونه مسلماً؟ وهنا هل المأمور به اتخذوا هل الأمر للاتخاذ بمعنى أن صلاة الركعتين من أراد أن يصلي ركعتي الطواف فليصليهما خلف المقام، أو المأمور به الصلاة نفسها؟ ابن المنذر قال: "يحتمل أن تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضاً؛ لكن أجمع أهل العلم على أن الطائف تجزئه ركعتا الطواف حيث شاء إلا شيئاً ذكر عن مالك ... " إلى آخره. يعني إجماع أهل العلم يدل على خلاف ما ذكره ابن المنذر في صدر كلامه، وأنها ليست بفرض، لا الصلاة ولا المكان.

стр. 1013

ترجم الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-: باب من صلى ركعتي الطواف خارجاً من المسجد، وصلى عمر ﵁ خارجاً من الحرم، فعمر ﵁ لما طاف بالبيت بعد صلاة الصبح صلى الركعتين بذي طوى، لما ارتفعت الشمس، فهذا العمل من عمر ﵁ يستفاد منه أن الأمر في الآية لا على سبيل الوجوب، الأمر باتخاذ المقام، ومن المقام مصلى أنه لا على سبيل الوجوب، وإلا لو كان واجباً لانتظر عمر إلى أن ترتفع الشمس وصلى خلفه ركعتين، هذا من جهة. الأمر الثاني: صنيع عمر يدل على أنه لا يرى الصلاة ولو كانت ذا سبب في أوقات النهي، بدليل أنه أخر الركعتين لما طاف بعد الصبح إلى أن ارتفعت الشمس وصلاهما خارج الحرم، صلاهما بذي طوى، وهل المراد بالحرم في قوله: "خارجاً من الحرم" المراد به المسجد أو المراد به الحرم بعمومه بحدوده؟ طالب:. . . . . . . . . خارج حدود الحرم، يعني لو طاف في صبح عرفة مثلاً، ثم ركب إلى عرفة وصلى الركعتين بعرفة خارج الحرم، يتفق مع صنيع عمر وإلا لا؟ لا يتفق؛ لأن ذا طوى المعروفة الآن بالزاهر داخل الحرم، والمراد خارجاً من الحرم يعني خارج المسجد، فعلى هذا لو طاف الإنسان في وقت زحام ثم أخر الركعتين إلى سكنه، ما في إشكال، الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- لما ترجم باب الطواف بعد الصبح وبعد العصر، أورد أحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح، وأورد الشارح من حديث جابر أننا ما كنا نطوف مع النبي ﷺ لا بعد الصبح ولا بعد العصر، كل هذا اهتماماً بأوقات النهي؛ ولكن الطواف لم ينه عنه في وقت النهي، وإنما المنهي عنه الصلاة، فإذا طاف بالبيت بعد صلاة الصبح أو بعد العصر فإنه يؤخر الصلاة إلى طلوع الشمس وارتفاعها أو إلى غروبها، كما فعل عمر ﵁.

стр. 1014

في فتح الباري ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [(١٢٥) سورة البقرة] أي قبلة، قاله الحسن البصري وغيره، وبه يتم الاستدلال ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ أي قبلة هل يراد بالقبلة أنه يتوجه إليه بغض النظر عن الكعبة أو لا بد من أن تكون الكعبة هي القبلة وأن يكون المقام في القبلة؟ يعني في جهة القبلة يكون مصلى أي قبلة، فهل يكفي أن يستقبل المقام دون استقبال البيت؟ لا، لا يكفي إجماعاً؛ لأنه الشرط في صحة الصلاة أن تكون إلى القبلة إلى الكعبة، وكونه قبلة يعني بين المصلي وبين قبلته، قاله الحسن البصري وغيره وبه يتم الاستدلال، وقال مجاهد: أي مدعاً يدعى عنده" مصلى أي مدعى يدعى عنده، فالدعاء عند المقام على هذا له مزية؛ لأن الصلاة أعم من أن تكون لغوية أو شرعية، ولا شك أن هذا جار على رأي من يقول بجواز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، الذي يقول بجواز استعمال اللفظ في الأمرين ما عنده إشكال في هذا، يقول: نتخذه مصلى نصلي خلفه ركعتين، وندعو خلفه؛ لأن الصلاة أشمل من أن تكون لغوية أو شرعية، وهذا جار على قول من يرى جواز استعمال اللفظ في معنييه الحقيقي والمجازي، اللغوي والاصطلاحي. يعني في أكثر من حقيقة يستعمل، الذي يقول: لا يستعمل اللفظ الواحد في أكثر من معنى، يقول: لا، إما أن تكون الصلاة لغوية أو شرعية؛ لكن إذا دخلت إحدى الحقيقتين في الأخرى هل يمنع من ذلك مانع؟ حتى على قول من يقول أن اللفظ لا يستعمل في معنييه، صلى الركعتين وسجد ودعا في سجوده، نقول: استعمل الحقيقتين؟ هل يمنع مثل هذا أحد؟ ما يمكن أن يمنعه أحد؛ لكن الكلام في الدعاء اللغوي المجرد عن الصلاة. يقول: وقال مجاهد: أي مدعىً يدعى عنده، ولا يصح حمله على مكان الصلاة؛ لأنه لا يصلى فيه بل عنده، لأنه لا يصلى فيه يعني في المقام نفسه، وإنما يصلى عنده، ويترجح قول الحسن بأنه جار على المعنى الشرعي.

стр. 1015

ابن حجر في فتح الباري يقول: "روى الأزرقي في (أخبار مكة) بأسانيد صحيحة أن المقام كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن، حتى جاء سيل في خلافة عمر فاحتمله حتى وجد بأسفل مكة، فأتي به فربط إلى أستار الكعبة حتى قدم عمر فاستثبت في أمره حتى تحقق موضعه الأول فأعاده إليه، وبنى حوله، فاستقر ثَم إلى الآن". يعني الكلام هذا ماشي على ما يعرفه طلاب العلم أو كلام فيه غرابة؟ ماذا يقول؟ يقول: "روى الأزرقي في (أخبار مكة) بأسانيد صحيحة أن المقام كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن" يعني يبعد عن الكعبة حدود خمسة أمتار، هو الموضع الذي فيه الآن؛ لأنه في وقت الأزرقي هذا مكانه، نعم، "أن المقام كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن" يعني ما هو لاصق بجدار الكعبة، كما يقتضيه الفائدة من وجوده، يعني الفائدة من وجوده أن يكون ملاصقاً لجدار الكعبة، ولهذا هذا اللفظ وإن ورد بأسانيد صحيحة لا يسلم من نكارة؛ لأن الفائدة منه أصلاً أنما وضع لما ارتفع البناء ليطلع عليه أو ليرقى عليه إبراهيم ﵇، ويتناول الحجارة من ولده، فيبني ما ارتفع من جدار الكعبة. "المقام كان في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن، حتى جاء سيل في خلافة عمر فاحتمله –جرفه- حتى وجد بأسفل مكة، فأتي به فربط إلى أستار الكعبة حتى قدم عمر فاستثبت في أمره -يعني قدم عمرة مكة من أين؟ من المدينة- حتى تحقق موضعه الأول فأعاده إليه، وبنى حوله، فاستقر ثَم إلى الآن". يعني مكانه الآن هو الذي وضعه فيه عمر وهو الذي كان على عهد النبي ﷺ وعلى عهد أبي بكر وعمر إلى أن جاء السيل واحتمله، ثم ردوه إلى هذا المكان. لكن هذا اللفظ على أنه كما قال ابن حجر: بأسانيد صحيحة، يعني الحجر ما الفائدة من اتخاذ إبراهيم ﵇ له؟ طالب: ليرقي عليه.

стр. 1016

نعم ليرقي عليه ليستطيع الوصول إلى الحد الذي لا يستطيع الوصول إليه بدونه؛ لأنه ارتفع عليه البنيان، فأتي بهذا الحجر واستفيد منه، كونه بعيد بهذه المنزلة خمسة أمتار تقريباً يستفاد منه لبناء جدار الكعبة؟ طالب:. . . . . . . . . ما يستفاد، لا يستفاد منه، وإن كان يستفاد منه ولو سلمنا أن طول إبراهيم ﵊ مناسب لمثل هذا البعد، لقلنا: إن قربه من الجدار أيسر له من البعد مع وجود هذا الحجر، ولا شك أن اللفظ منكر، يعني الحجر المعروف عند أهل العلم أنه كان ملاصق للكعبة، فرأى عمر ﵁ أنه في المطاف يسبب إشكال بالنسبة للطائفين وزحام فأبعده عن المطاف إلى قدر بحيث ينفس للناس، على أن وجوده في هذا المكان أو وجوده في مكانه الأصلي في أيامنا هذه مع كثرة الناس لا فرق، ومسألة تقديم المقام وتأخيره عن مكانه مسألة خلافية ذكرناها أو أشرنا إليها فيما تقدم. المقدم: أثابكم الله وجزاكم الله خيراً، عندي أسئلة كثرة، وهي أسئلة طلبة العلم، ثلاثة أسئلة: يقول: لو تكرمتم يا فضيلة الشيخ أن تذكروا لنا كتاباً في التفسير الموضوعي نستفيد منه، ويقدم على غيره من التفسيرات من الكتب في هذا الباب؟ التفسير الموضوعي لا يوجد تفسير شامل لجميع موضوعات القرآن، تفسير شامل لجميع الموضوعات لا يوجد بهذه الصورة، لا أعرف كتاباً ألف موضوعياً للموضوعات بالتفسير، أما الموضوعات أنفسها فقد صنفت الآيات حسب الموضوعات، تفصيل موضوعات القرآن، والترتيب والبيان لموضوعات القرآن، كتب كثرة ألفت في هذا، فالمادة جاهزة، الترتيب موجود، وأكثر من كتاب بهذه الطريقة تجمع فيه الآيات المتناسقة التي يشملها موضوع واحد على حدة، ثم بعد ذلك يقوم المفسر بتفسير هذه الآيات موضوعاً موضوعاً، أما كتاب واحد يشمل جميع موضوعات القرآن مرتب على هذه الكيفية ما أعرف كتاب بهذه الطريقة. يقول السائل: هل هناك كتاب في تفسير آيات الحج في القرآن؟

стр. 1017

المناسك المؤلفة في بيان أحكام الحج اشتملت على الآيات؛ لكنها ما ألفت قصداً لتفسير الآيات، يعني جاء شرحها، شرح هذه الآيات بالأحاديث، جاء بيانها بالأحاديث من السنة النبوية، وجاء بيانها بأقوال أهل العلم لا على جهة الاستقلال، باعتبار أن الكتاب يفسر آيات الحج فقط، التفسير موجود في التفاسير؛ لكنها تحتاج إلى استخراج، وقد قام بعض طلاب العلم باستخراج آيات الحج من أضواء البيان، مناسك الحج من أضواء البيان، يعني تفسير الشيخ الشنقيطي -رحمه الله تعالى- جمع منه آيات الحج، ويصلح أن يكون تفسيراً موضوعياً لهذه الآيات. المقدم: أحسن الله إليكم، ماذا تقولون في كتاب: (روائع البيان في تفسير آيات الأحكام)؟ للصابوني؟ المقدم: الظاهر نعم. لأن في أكثر من كتاب باسم روائع البيان. المقدم: ما ذكر المصنف. هو الذي يظهر أنه كتاب الصابوني؛ لأنه هو الذي فيه تفسير آيات الأحكام، أما روائع البيان الذي ذكرناه قريباً في تفسير ابن رجب الذي جمعه الشيخ طارق عوض الله، من مصنفات الإمام الحافظ ابن رجب، وكذلك أيضاً هناك روائع البيان في تفسير ابن القيم، هذا اسمه؟ المقدم: بدائع التفسير. إن كان المقصود روائع البيان في تفسير آيات الأحكام للصابوني فهو كتاب جيد في بابه، وليس الأجود في بابه، يعني جمع آيات الأحكام، وتكلم عليها آية آية، بكلام مختصر ومرتب ومنظم ومرقم؛ لكن لا يعني هذا أنه يغني عن كتب تفسير آيات الأحكام، لا، يعني يستفيد منه المثقف مثلاً، على أنه في ترجيحاته بين أقوال أهل العلم قد يخالف، وكتب تفسير آيات الأحكام لأهل العلم المتقدمين موجودة ولله الحمد، فمنها: (أحكام القرآن) لابن العربي، تفسير (أحكام القرآن) للجصاص، (أحكام القرآن) للكيا الطبري الهراسي، الأول مالكي، والثاني حنفي، والثالث شافعي، (الجامع لأحكام القرآن) للقرطبي، هذا بحر محيط، فيه جميع أحكام القرآن، يعني مما دونه هذا الإمام.

стр. 1018

يبقى تفسير آيات الأحكام من وجهة نظر الحنابلة، نعم لهم كتب في هذا الباب لكنها ما طبعت، وجردت أحكام القرآن من خلال المغني، في رسائل علمية، وذكرنا في محاضرة اسمها (المنهجية في قراءة الكتب) ذكرت أن من وسائل التحصيل أن يأتي لمثل هذا الموضوع: أحكام القرآن، فيحضر عنده أحكام القرآن لابن العربي والجصاص، والطبري، في المذاهب الثلاثة، ثم بعد ذلك يعلق على هذه الكتب مذهب الحنابلة من خلال كتاب معتبر عندهم، وهذا لا يكلف كثير، فبمجرد ما تنقل قول أحمد، أو روايات المذهب إلى أحكام القرآن لابن العربي، يكون عندك كتاب في أحكام القرآن للحنابلة، يعني نظير ما عمل الشاه ولي الله الدهلوي في (المسوى شرح الموطأ) المسوى شرح الموطأ أصله الموطأ للإمام مالك، ويحمل فكر الإمام مالك، ووجهة نظر الإمام مالك، وهو مخلوط بموطأ محمد، موطأ محمد من وجهة نظر الحنفية، أضاف الشارح رأي الشافعية فاكتملت المذاهب الثلاثة، ولو أن طالب علم عمد إلى هذا الكتاب وأضاف إليه القول الرابع قول الحنابلة كمل الكتاب، وأول من يستفيد من هذا العمل الذي لا يكلف شيء كبير، ترى ما يكلف طالب العلم، ما يحتاج إلى عصر ذهن، هذا العمل أول من يستفيد منه هذا الطالب، وعندي أن هذا من أعظم وسائل تحصيل العلم. المقدم: أحسنتم، يقول: فضيلة الشيخ قرأت في تفسر الشوكاني في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة] قال الشوكاني -رحمه الله تعالى-: "كاملة توكيد آخر بعد الفذلكة، بزيادة التوصية بصيامها، فما معنى الفذلكة؟ من أحيل على مليك فليحتل، أجب، نستفيد، أجب، أجب. أحد المشايخ الحضور: يعني أنا ما أخفيكم أني لا أحب أجلس إلى جوار الشيخ، لا رغبة عنه علم الله، ولكني أخشى من أن يحيل علي في شيء، وأنا أجلس بين يديه جلوس الطالب المستفيد. مثل هذا التواضع لا يخفى عليكم أيها الإخوة. أحد المشايخ الحضور: الفذلكة: يعني هي جمع العدد بعد توكيده، أو توكيده بعد جمعه، وقد عرفها في لسان العرب تعريفاً طيباً، وهي لفظة مولدة، فيرجع السائل إلى لسان العرب. يعني منحوتة من أكثر من كلمة؟ يعني كأنها يقول: مأخوذة من كذلك، أو فذلك. فذلك، مثل البسملة والحمدلة.

стр. 1019

يقول السائل: فضيلة الشيخ، أشهد الله على محبتكم، وكثير من الأسئلة صدرت بهذه الجملة الدعائية، يقول: هل الأفضل الصيام عشرة الأيام من ذي الحجة، أو أنني أصوم بعضها، فقد سمعت من بعض الطلاب أنه لا يجوز صيامها، وأن صيامها بدعة؟ أولاً: ثبت في الصحيح أنه: ((ما من أيام العمل الصالح خير وأحب إلى الله منه في هذه الأيام العشر)) العمل الصالح، ومن الأعمال الصالحة بل من أفضلها الصيام، فقد جاء في الحديث الصحيح: ((من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً)) فإذا ضممنا هذا إلى هذا تخرج لنا النتيجة أن الصيام في هذه الأيام من أفضل الأعمال، كونه ﵊ كما في حديث عائشة لم يصوم العشر، أو ما صام العشر، وقد ثبت عنه من حديث بعض أمهات المؤمنين وغيرها أنه صام العشر، أولاً: المثبت مقدم على النافي، الأمر الثاني: أن هذا على حسب علمها، وقد يقول قائل: أنه لا بد أن يمر يوم من أيامها في هذه العشر فتكون على علم واطلاع من حاله ﵊، لا شك أنها مطلعة على حاله، وبعض الأيام الذي لا يكون عندها لا تطلع عليه، فلعله أفطر لعارض، علماً بأن من يعوقه الصيام، عما هو أفضل منه من الأعمال، يكون الصيام في حقه مفضولاً، وما يسلكه ويفعله هو الفاضل، فمقام النبي ﵊ وقد قام بأعباء حاجات الأمة من كل وجه، فهو الإمام وهو الخطيب، وهو الداعية وهو الموجه، وهو القاضي، وهو المعلم، كل أعباء الأمة على عاتقه ﵊، فإذا كان الصيام يضعفه أو يفعل ذلك لبيان مثل هذا الأمر لمن يقوم مقامه ممن يأتي بعده، وإلا فالنبي ﵊ يحتمل، يحتمل الصيام، ويحتمل جميع الأعمال ﵊، وقد أوتي قوة في العبادة، ومع ذلك يكون تركه للصيام أفضل منه تشريعاً لمن يخلفه في هذا المقام، فمن كان يعوقه الصيام عن الأمور العامة بالنسبة للأمة فلا شك أن فطره أفضل من صيامه، فلو افترضنا أن ولي الأمر مثلاً يلي أعمال المسلمين كلها، فإذا صام لزم من ذلك أن يجلس في بيته ولا يخرج للناس، نقول: لا يصوم.

стр. 1020

إذا كان قاضي يحل المنازعات بين الناس، ويفصل بين الخصوم، إذا صام جلس في بيته ولا يستطيع أن يبرز للناس، نقول: يا أخي لا تصوم، قيامك بهذا العمل أفضل من الصيام، علماً بأن الشيخ ابن باز -رحمة الله عليه- يقول: "من قال أن صيام العشر بدعة فهو جاهل" ﵀. المقدم: أحسن الله إليكم، يقول السائل: فضيلة شيخنا هل يمكن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [(٥٦) سورة الأحزاب] على أن من معاني الصلاة الدعاء؟ الصلاة من الله -جل وعلا- الثناء عليه عند الملائكة، ومن غيره من الملائكة والناس الدعاء، كما جاء عن أبي العالية في صحيح البخاري، وجاء عن ابن عباس في الصحيح أيضاً: "يصلون يبركون" وليس معنى هذا ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ معناه أنهم يصلون الصلاة بحقيقتها الشرعية أبداً. المقدم: أحسن الله إليكم، هذا سؤال من الشبكة من فرنسا من المتابعين معنا يقول: كيف تحرم أو تحج الحائض أو النفساء؟ وهل يجوز له الطواف وهي حائض؛ لأنني سأحج هذا العام؟ يبدو أن السائل امرأة، تقول: لأنني سأحج هذا العام، ولا أظن أن الحملة التي سأحج معها ينتظرونني إلى أن أنتهي، وقد لا أتمكن من الحج أو العمرة مرة أخرى، فماذا ترى يا فضيلة الشيخ والله يجزيكم عني خيراً؟ أما بالنسبة لما تفعله عليها أن تحرم من الميقات مع الناس، وتفعل في إحرامها مثل ما يفعل الطاهرات، ثم بعد ذلك تلبي وتفعل جميع ما يفعله الحاج غير ألا تطوف بالبيت، فالحائض ممنوعة من الطواف بالبيت، كما جاء في الصحيح من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﵊ قال لها: ((افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)) وقال في حق صفية لما بلغه أنها حاضت قال: ((أحابستنا هي؟ )) فدل على أن الحائض تحبس الرفقة، ولا يجوز لها أن تطوف بأي حال من الأحوال، ولو ترتب على ذلك حبس الرفقة.
следующие страницы →