← Гариб и словари

Гариб и словари · id 23358

شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم

نشوان الحميري

Полный текст (7 095 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

- أ- مقدمة التحقيق (تمهيد) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عليه نعتمد وبه نستعين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وآله وأصحابه الراشدين، وبعد: فإِن لنشوان بن سعيد الحميري، صيتاً ذائعاً بين الأوساط العلمية اليمنية على مدى العصور، وبين كثير من العلماء والمحققين العرب والمسلمين، وبين المستشرقين في جميع أنحاء العالم، وخاصة بين المتخصصين منهم في الدراسات العربية - السامية - القديمة، وفي الدراسات الإِسلامية. ولمؤلفاته مثل هذا الصيت، وعلى رأسها موسوعته الضخمة كتاب (شمس العلوم) على الرغم من أنه لم يسبق نشره محققاً وكاملاً، ولهذا فإِن الحديث عن تحقيقه ظل يدور في كثير من الندوات العلمية التي تنعقد في داخل اليمن أو خارجه، وكان السؤال الذي يتردد على ألسنة العلماء المتخصصين هو: متى يفي اليمنيون لعلامتهم نشوان بن سعيد فيحققون كتابه (شمس العلوم) وينشرونه؟! وكان هذا السؤال غصة لمن يحضر هذه الندوات من اليمنيين. ولكن هذا الواجب الكبير، ظل يراود الأذهان، بين الأوساط العلمية في داخل اليمن وخارجه، حتى تصدينا لهذا العمل الكبير معتمدين على الله وعلى تشجيع ودعم كريم من ابن اليمن البار الوفي لشعبه وأمته وللتراث اليمني والعربي والإِسلامي، فخامة الأخ الرئيس علي عبد الله صالح، وبعون الله وتوفيقه أصبح الحلم حقيقة، فخرج هذا الكتاب من رفوف المكتبات وظلام أقبيتها، إِلى النور وأصبح (شمس العلوم) بين يدي القراء والدارسين المهتمين في كل مكان، فلله الحمد والمنة.

стр. 2

- ب - نشوان بن سعيد الحميري علم اليمن الشامخ، العلامة المجتهد، والسياسي الثائر، والشاعر المناضل عن المبادئ التي آمن بها، نشوان بن سعيد بن سعد بن أبي حمير بن عُبَيْد بن القاسم بن عبد الرحمن بن مفضل بن إِبراهيم ابن سلامة بن أبي حمير الحميري (١)، ينتهي نسبه إِلى القيل الحميري حسان ذي مراثد، قال في قصيدته الحميرية المشهورة بالقصيدة النشوانية: أو ذو مَرَاثِدَ جدُّنا القيلُ بن ذي … سَحَرٍ، أبو الأذواءِ رحبُ الساحِ وبنوهُ ذوقَينٍ وذو شَقَرٍ وذو … عمران، أهلُ مكارمٍ وسماحِ وللأقيال من بني ذي مراثد ذكر في نقوش المسند، وخاصة تلك النقوش على الألواح البرونزية التي عثر على كثير منها في مدينة عَمران في أعلى البَون. وذكر الهمداني القيل حسان ذا مراثد في الإكليل ٢٨٦، ٢/ ٢٧٤. فنشوان يمت بنسب عريق إِلى الأقيال الذين كان لهم المرتبة الثانية بعد الملوك يشاركونهم الحكم أو يحكمون المناطق التابعة لهم. وتاريخ مولد نشوان غير معروف ولم يذكره أحد ممن ترجم له من المؤلفين اليمنيين والعرب وغيرهم. وكذلك لا نعرف على التحديد القطعي مكان ولادته، ولكننا نرجح مع القاضي إِسماعيل الأكوع أن مولده كان في مدينة حُوْث (٢) الواقعة في حاشد على _________ (١) اخترنا هذا الجزء من نسبه من كتاب شرح القصيدة النشوانية (ملوك حمير وأقيالٍ اليمن) الذي طبعه العالمان اليمنيان إِسماعيل الجرافي وعلي المؤيد ص (١٥٩)، وهو أيضاً ما في كتاب (نشوان بن سعيد الحميري) للقاضي العلامة إِسماعيل الأكوع، وهو النسب الأصح، أما أكثر من ترجم له من غير اليمنيين فيغلطون في نسبه. (٢) انظر كتابه (هجر العلم ومعاقله في اليمن) ج ١ ص (٥٤١)، وانظر معه كتاب (تيارات معتزلة اليمن) للدكتور علي محمد زيد ص (١٠٥) لارتيابه في ذلك، وكذلك القاضي إِسماعيل الأكوع في كتاب (نشوان بن سعيد الحميري) ص ١٢ - ١٣.

стр. 3

- ج - نصف المسافة بين صنعاء وصعدة، ويعزز هذا قول نشوان نفسه في هذا الكتاب في باب الحاء مع الواو وما بعدهما بناء (فُعْل) في الأسماء عند حديثه عن حُوْث: «وبِحُوث كان مقام نشوان بن سعيد مؤلف هذا الكتاب»، ولهذا فإِنه بعد أن فارقها، وشرَّق في اليمن وغرَّب، ظل يحن إِليها، فقال: بشاطئ حُوثٍ من ديار بني حربِ … لقلبيَ أشجانٌ معذبةٌ قلبي بل إِن أكثر إِقامته كانت في حُوْث، ففي مقدمته لهذا الكتاب صرح بأنه صنف كتابه وأكمله فيها عام ٥٧٠ هـ قال: وفي سنة السبعين والخمس تمّ ما … جمعتُ من التصنيفِ في رمضانِ وأكملتُ من هذا الكتابِ فصولَهُ … ولم أنفصلْ عن بلدتي ومكاني ولكن هذا لا يعد دليلاً قطعياً على أن ميلاده كان في حُوْث، فإِنه قد يعني ببلدته ومكانه (اليمن). أما نشأته الأولى وتلقيه التعليم، فقد كان على الأرجح في مدينة حُوْث وكانت هجرة من هجر العلم، وظلت كذلك إِلى عهد قريب، ولم يتحدث في كتبه المعروفة لدينا عن شيوخه الذين تلقى عنهم، ولا شك في أنه في بداية حياته العلمية درس على عدد منهم، فلما اشتد ساعده شق طريقه بنفسه، فعكف على المكتبات الزاخرة وكانت كثيرة في اليمن، فنهل منها وعلّ، حتى تضلع في جميع العلوم والمعارف والفنون المعروفة في عصره، وأصبح عالماً في التفسير، والقراءات، والحديث، والأصول، والفروع، والفرائض، والملل، والنحل، والتاريخ، والأنساب، واللغة، والنحو، والصرف، والآداب شعراً ونثراً، والمعاني، والبيان، والعروض، والقوافي، وفي علم الفلك، وعلم النبات، وتتجلى هذه المعارف الواسعة أكثر ما تتجلى في كتابه هذا (شمس العلوم).

стр. 4

- د - كل هذا صار له فيه اليد الطولى، حتى عُدّ من أعلم أهل عصره، بل أعلمهم على الإِطلاق. وقد ترجم لنشوان علماء يمنيون وعرب في عدد من الأقطار العربية والإِسلامية وكتب عنه وعن بعض مؤلفاته عدد من المستشرقين كما سيأتي. فممن ترجم له من اليمنيين، علي بن الحسن الخزرجي في كتابه (العقد الفاخر الحسن) فقال عنه: «الإِمام العلامة، المعتزلي، النحوي، اللغوي، كان أوحد أهل عصره، وأعلم أهل دهره .. وكان شاعراً مفوهاً منطيقاً قوي الحبك، حسن السبك» (١). وتحدث عنه عمارة اليمني في كتابه (المفيد في تاريخ صنعاء وزبيد) بوصفه من الشعراء، فقال: «وهو شاعر فحل، قوي الحبك، حسن السبك، وهو من شعراء أهل الجبال». ووصفه يحيى بن الحسين بن الإِمام القاسم في (المستطاب)، فقال: «من العلماء الكبار، وله التصانيف المشهورة». وذكره أحمد بن صالح بن أبي الرجال، فقال: «القاضي العلامة المحقق النحوي اللغوي». وترجم له أو ذكره طائفة من المؤلفين اليمنيين، هذا إِلى جانب ما جاء من ذكرٍ له فيما دار بينه وبين المتعصبين للإِمامة الهادوية من صراع كُتِبَ فيه كثيرٌ من الشعر والنثر، وسنشير إِلى شيء منه فيما بعد. أما من ترجم له من غير أهل اليمن، فنذكر منهم ياقوت الحموي في (معجم الأدباء) ٧/ ٢٠٦ وفي معجم البلدان، عند كلامه على جبل صَبِر المطل على مدينة تعز _________ (١) انظر كتاب (هجر العلم ومعاقله في اليمن) للقاضي إِسماعيل بن علي الأكوع ١/ ٥٤١.

стр. 5

- هـ - حيث حصل لبس عند ياقوت بين جبل صَبِر هذا وبين وادي صبَر - بفتحتين - وهو في صعدة من أراضي قبيلة جماعة، حيث كانت بداية دعوة نشوان إِلى نفسه بالإِمامة كما سيأتي، ومما قاله عنه ياقوت في (معجم البلدان): «وكان نشوان قد استولى على عدة قلاع وحصون هناك، وقدمه أهل تلك البلاد حتى صار ملكاً» ٣/ ٣٩٢. وترجم له منهم يوسف بن إِبراهيم القفطي الوزير المصري في عهد صلاح الدين الأيوبي، في كتابه (إِنباه الرواة) ٣/ ٣٤٢، والعماد الأصفهاني محمد بن محمد في (خريدة القصر) ٣/ ٢٦٨، والجلال السيوطي في (بغية الوعاة) ٢/ ٣١٢ (١). وترجم له من المعاصرين المحقق كمال مصطفى ناشر كتاب «رسالة الحور العين» لنشوان ترجمةً جمعت أهم ما جاء في تراجمه المشار إِليها، وأربت عليها، ومما جاء فيها: «كان أوحد أهل عصره، وأعلم أهل دهره، نبلاً وفضلاً، مِفَنًّا مِعَنًّا، في اللغة، والنحو، والأنساب، والتواريخ، وسائر ما يتصل بفنون الآداب، شاعراً، وكانت له اليد الطولى في علم الفرائض» (٢). وقال: «كان نشوان ذا نفس وثابة، طموحةٍ إِلى المعالي، لا ترضى إِلا بالوصول إِلى قمة المجد، والجمع بين شرف العلم وشرف الملك» (٣). ويتحدث عن طموح نشوان السياسي، ومحاولته تسنم سدة الحكم فيقول: إِن في هذا «ما يدل على عظم مكانته الدينية والعلمية والسياسية، خصوصاً إِذا علمنا أنه يُشترط فيمن يتولى الملك ببلاد اليمن صفات، أهمها: أن يكون محارباً، قائداً، خبيراً _________ (١) انظر كتاب (نشوان بن سعيد) للقاضي إِسماعيل الأكوع حاشية ص (١٠). (٢) مقدمة (رسالة الحور العين) في (التعريف بالمؤلف) ص (١٧). (٣) مقدمة (رسالة الحور العين) في (التعريف بالمؤلف) ص (٢١).

стр. 6

- و- بضروب الحروب، أهلاً لقيادة الناس وقت الجهاد، عالماً، متبحراً في العلوم الدينية بوجه خاص» (١). إِن هذا التركيز على الجانب السياسي من جوانب شخصية نشوان ذات الأبعاد المتعددة، يفضي بنا إِلى الحديث عن هذا البعد المهم من أبعاد شخصيته. عاش نشوان في عصر كان اليمن فيه يزخر بفكرٍ ديني خصب ثري، ولكنه متنافر متصارع، تتنازعه اتجاهات سياسية عنيفة ومتصادمة. ففي المنطقة التي عاش نشوان في وسطها الاجتماعي واتجاهاته - أي صنعاء وصعدة وأكنافهما - كان هنالك على الأقل خمس كتل سياسية بأنصبتها المتفاوتة من العلم والفكر الديني والسياسي. أولها: كتلة التيار (الزيدي الهادوي) الحاكم - ممثلاً في عصر نشوان بالإِمام أحمد بن سليمان (٢) -، وهو تيار يعتمد على فكر إِسلامي عميق، وغني، يجمع بين أصول المعتزلة، وفروع الحنفية، ويقول بوجوب الاجتهاد، ويجيز إِمامة المفضول مع وجود الأفضل، وذلك ليتجنَّب أتباعُه سب الصحابة، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان من ناحية، وليسهلوا أمور الأئمة في اليمن من ناحية ثانية، إِذ قد يكون الأفضل علماً في مرحلة ما، ليس هو الأقدر قيادة وحكماً وبطشاً، ومع ذلك فإِن هذا التيار يحصر حق الإِمامة في أحد أبناء البطنين الحسن والحسين، ويعمد إِلى تحقير اليمنيين، والغض من شأنهم، والتقليل من دورهم في نصرة الإِسلام ونشر رسالته، وقد لقي هذا الحصر معارضة فكرية وسياسية وقبلية منذ البداية، أما معارضته فكرياً بالعودة إِلى التاريخ، _________ (١) مقدمة (رسالة الحور العين) في (التعريف بالمؤلف) ص (٢٢). (٢) كان المتوكل أحمد بن سليمان على قدرٍ من العلم، وأيده نشوان في بداية أمره، ولكنهما اختلفا فيما بعد كما سنبين، على أن الأمور لم تستتب لأحمد بن سليمان بل ظل في حروب وتنقل بين صعدة والجوف طوال عهده، انظر كتاب (تيارات معتزلة اليمن) للمؤلف اليمني المحقق الدكتور علي محمد زيد ففيه بحث قيم عنه ص (٤٤) - ص (٦٣).

стр. 7

- ز - وتمجيد اليمن وأهله، وإِثارة حمية أبنائه، فإِن بدايتها كانت على يد لسان اليمن أبي محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني المتوفى بين ٣٥٠ - ٣٦٠ هـ (١) الذي تأثر به نشوان في هذا المجال إِلى حد كبير كما سنبين. وثانيها: كتلة التيار (الزيدي الهادوي المطرفي) (٢)، و (المطرفية) فرْقة ولدت من رحم الزيدية الهادوية ولها ما لهذه من الفكر العميق والغني، إِلا أن منطلقاتها وطنية يمنية، أرادت أن تطهر الهادوية من أهم شوائبها، ألا وهو حصر الإِمامة في أحد أبناء البطنين، كما أنهم مالوا في علم الكلام المعتزلي إِلى المدرسة البغدادية، وشيخها أبي القاسم البلخي، ومن مميزاتهم أنهم لم يؤمنوا بالعنف، ولم يخوضوا غمار الصراع السياسي الحربي، بل عمدوا إِلى أسلوب الدعوة ونشر التعليم حتى بين الفلاحين والجهلة (٣)، ولكنهم تعرضوا فيما بعد إِلى أسوأ عملية قتل وتنكيل واضطهاد على يد الإِمام عبد الله بن حمزة المتوفى سنة ٦١٤ هـ. وثالثها: كتلة التيار (الإِسماعيلي) فعلى الرغم من أن الدولة الصليحية الإِسماعيلية الفاطمية كانت قد انتهت في اليمن، فإِن هذا الاتجاه الفكري السياسي كان لا يزال مُمَثَّلاً بين الناس بجماعاتٍ تدين له بالولاء في نواحٍ كثيرة من اليمن، كما كان لا يزال ممثلاً في الحكم بالسلطان حاتم بن أحمد اليامي الذي استولى على صنعاء بسبع مئة فارسٍ من همدان سنة ٥٣٣ هـ وحكمها وحكم مناطق واسعة من اليمن كان الاتجاه الإِسماعيلي الصليحي لا يزال سائداً فيها، واستمر حتى عام ٥٥٦ هـ ممثلاً لهذا الفريق _________ (١) انظر تصحيح سنة وفاة الهمداني في تحقيق القاضي العلامة محمد بن علي الأكوع للرسالة العاشرة من (سرائر الحكمة) ص (٩٦)، وانظر (الإِكليل) ١٠/ ٢٨ تحقيق القاضي محمد الأكوع أيضاً. (٢) المطرفي نسبة إِلى المطرف بن شهاب العبادي الشهابي مؤسس المذهب المطرفي. (٣) انظر كتاب (تيارات معتزلة اليمن) للباحث اليمني د. علي محمد زيد ص (٦٤) وما بعدها، ففيه بحثٌ قيّم عن المطرفية.

стр. 8

- ح - السياسي، ثم جاء من بعده ابنه السلطان علي بن حاتم، واستمر في تمثيل هذا الاتجاه إِلى ما بعد وفاة نشوان بن سعيد عام ٥٧٣ هـ. ورابعها: تيار (الحسينية) أو (القاسمية)، ولم يكن لهذا الاتجاه فريق سياسي في عهد نشوان، وإِنما هم فرقة منشقة عن الزيدية الهادوية، مغالية في أفكارها، لأنها كانت تقول بغيبة الإِمام الحسين بن القاسم العِياني قتيل همدان في (ذي عرار) (١) عام ٤٠٤ هـ، وأنه المهدي المنتظر، واستمر هذا الاتجاه المنحرف إِلى عهد نشوان، ولم تكن هذه الفرقة تقول بغيبة الحسين بن القاسم العِياني فحسب، بل كانوا يقولون أنه أفضل من الرسول ﷺ ، وأن كلامه (أبهر) (٢) من القرآن، قال شاعرهم فُلَيتَة بن القاسم (٣): أنا شاهدٌ بالله فاشهد يا فتى … بفضائل المهدي على فضل النبيّ بل إِن هذه المقولة الكفرية كانت من كلام الحسين بن القاسم نفسه (٤)، كان يرددها في حياته، فيقول عن نفسه: إِنه أفضل من النبي ﷺ وإِن كلامه (أبهر) من القرآن، وظل أتباعه يرددونها بعد مماته، وبسبب هذا الغلو الشنيع، خاض معهم نشوان صراعاً شعرياً عنيفاً، وردوا عليه بأعنف منه. وخامسها: تيار (سلالة الهادي يحيى بن الحسين وشيعته)، ولم يكن لهذا الاتجاه فريق سياسي، فقد اضمحلت دولة الهادي، مؤسس الفكر والإِمامة الزيدية الهادوية في اليمن بعد وفاته على الرغم من محاولة خلفائه وخاصة ابنه أحمد (٥). ولكنه ظل له شيعة من سلالته وغيرهم، يدعون إِلى أنفسهم باسمه، ويعارضون الإِمام أحمد بن _________ (١) (ذي عرار) قرية شمالي صنعاء في البون بالقرب من ريدة على بعد نحو ٧٠ كيلوا متراً من صنعاء. (٢) لفظ (الباهر) في اللهجات اليمنية يعني: الجيِّد والحسن، و (الأبهر): الأجود والأحسن. (٣) انظر كتاب (نشوان بن سعيد) للقاضي إِسماعيل الأكوع ص (٢٢). (٤) انظر كتاب (تيارات معتزلة اليمن - في القرن السادس الهجري) لمؤلفه الدكتور علي محمد زيد ص (٢١)، وكتاب (نشوان بن سعيد - والصراع الفكري والسياسي والمذهبي في عصره) لمؤلفه القاضي إِسماعيل الأكوع ص (٢٠). (٥) انظر البحث الذي جاء بعنوان (من الهادي حتى القاسم العِياني) في كتاب (تيارات معتزلة اليمن) للدكتور علي محمد زيد من ص (١٥) - ص (٩١).

стр. 9

- ط - سليمان على الرغم من انتهاء نسبه إِلى الهادي، ويُغالون في تقديس الهادي يحيى بن الحسين، وبسبب هذا الغلو تصدى لهم نشوان، ومما قاله فيهم (١): إِذا جادلت بالقرآن خصمي … أجاب مجادلاً بكلام يحيى فقلت له: كلام الله وحيٌ … أتجعل قول يحيى عنه وحيا؟! وقد رد الشعراء من أنصار هذا الاتجاه على نشوان في حياته وبعد موته ردوداً قاسية، لا تدل إِلا على المغالاة في تقديس الأشخاص، على الرغم من أنه كان لعلم الهادي مكانة عد نشوان، خاصة في الفروع والأحكام الشرعية، وكان قضاؤه يعتمد كتاب (الأحكام) للهادي. هذا ما كان في المحيط الاجتماعي الذي عاش نشوان في خضم اتجاهاته وصارعها بكل ما أوتيّ من قوة الشخصية ومن المكانة العلمية الرفيعة. وإِلى جانب ذلك كان هنالك بعض التيارات والكيانات السياسية على الساحة اليمنية خارج هذا المحيط الاجتماعي الذي عاش فيه نشوان باتجاهاته الفكرية والسياسية المتقارعة بالجدل نثراً وشعراً، والمتصارعة عسكرياً وحربياً أيضاً، مؤثراً فيها ومتأثراً بها. فهنالك في الجنوب والجنوب الغربي، دولة علي بن مهدي الحميري المتوفى سنة ٥٥٤ هـ، وهي دولة تقوم على فكر سلفي متشدد، حتى إِن بعض المؤرخين يدرجونها في الاتجاه الخارجي، ويعتبرون علي بن مهدي وابنه عبد النبي من الخوارج (٢). وفي أقصى الجنوب كان هنالك في عدن دولة الزريعيين، وهي امتداد للدولة الصليحية الإِسماعيلية الفاطمية. _________ (١) انظر كتاب (تيارات معتزلة اليمن) للدكتور علي محمد زيد ص (١٠٩). (٢) انظر (بلوغ المرام) ص (١٧)، و (تاريخ عمارة) ص (١٢٠)، و (بهجة الزمن) ص (٧١).

стр. 10

- ي - وفي الشرق والجنوب الشرقي، كان هنالك دولة للخوارج الإِباضية، تتخذ من مدينة (تَرِيم) في أعالي وادي حضرموت عاصمة لها، وكان السلطان فيها على عهد نشوان، راشد بن شجيعة (١)، وإِليه سار نشوان لما دعا إِلى نفسه بالإِمامة. في هذا المحيط الاجتماعي المحتدم بالجدل وعلم الكلام، والمقارعة بالألسنة وأسنة الأقلام، والمضطرم بالصراع بالسيوف وأسنة الرماح ونصال السهام، نشأ نشوان وترعرع، حتى بلغ في العلم المكان الأرفع بين أهل عصره وعلماء زمانه، وأصبح عالماً مجتهداً حائزاً على مؤهلات الاجتهاد وشروطه. ولا شك في أن نشوان بتفاعله مع محيطه هذا باتجاهاته الفكرية والسياسية، وانطلاقاً من هذا الواقع الحي، ومن ذاته بما لها من المكانة العلمية الرفيعة، ثم من خلفيته التاريخية التي تعرف ما كان لليمن في تاريخ العالم القديم من الحضارات الراقية، وما له وللمنتمين إِليه من دور في نصرة الإِسلام، ورفع رايته ونشر رسالته، وهو متأثر في هذا المجال، بالمؤسس الأول لهذا الاتجاه الوطني اليمني، أبي محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني المولود سنة ٢٨٠ هـ والمتوفى بين ٣٥٠ - ٣٦٠ هـ (٢) … من خلال هذا كله يستطيع من يترجم له أن يتحدث عن: «أثر التجربة الذاتية في بلورة رأي نشوان حول مسألة الإِمامة». ومضمون رأيه في هذه المسألة هو: أنه لا يجوز حصر الإِمامة في قريش، ومن ثم وبالأولى لا يجوز حصرها في بني هاشم، لا في الفرع العباسي منهم، ولا في الفرع العلوي، وكان لتجربة نشوان الذاتية، في محيطه اليمني الذي عاش فيه، أثرها في تكوين رأيه القائل بأن الإِمامة تكون في الأفضل من خلق الله كائناً من كان. _________ (١) كتاب (تيارات معتزلة اليمن) للدكتور علي محمد زيد ص (١١٨). (٢) انظر تحقيق القاضي العلامة محمد بن علي الأكوع للرسالة العاشرة من (سرائر الحكمة) للهمداني، والجزء العاشر من (الإِكليل) تحقيقه أيضاً ص (٢٨).

стр. 11

- ك - إِن المذهب (الزيدي - الهادوي) يشترط في من يقوم بالإِمامة ويتولى مقاليد الحكم الديني والدنيوي باسمها، صفات وشروطاً هي في مجملها شروط إِيجابية، فالإِمام يجب أن يكون عالماً، مجتهداً، عادلاً، كريماً، شجاعا … إِلخ، وهذه كلها صفات حميدة متى توفرت في الحاكم ضَمن الناس حكماً رشيداً، وقيادة حكيمة، ولكن هذا المذهب يحصر حق تولي هذا المنصب فيمن يكون منتمياً بالنسب وسلالياً إِلى الحسن أو إِلى الحسين أبناء علي من فاطمة، وبسبب هذا الحصر السلالي، لقيت الإِمامة معارضة وطنية يمنية من عهد المؤسس الأول لها، الهادي يحيى بن الحسين، وفيما بعد وعبر العصور إِلى عهد نشوان وما بعده من العهود. وقد كانت آراء واجتهادات متأخري كبار علماء اليمن كالعلامة ابن الوزير [ت ٨٤٠ هـ/ ١٤٣٦ م]. والعلامة الحسن بن أحمد الجلال [ت ١٠٨٤ هـ/ ١٦٧٣ م]. توجه النقد القديم نفسه بتجرد وموضوعية (١). ومن هذا المنطلق عارض نشوان مبدأ الحصر السلالي لا في أبناء البطنين خاصة، بل ومبدأ حصرها في قريش عامة، وهو بهذه المعارضة، لا يخالف المذهب الزيدي الهادوي فحسب، بل يخالف أيضاً المذاهب الإِسلامية الأساسية التي تحصر هذا الحق في قريش بكل بطونها أو فروعها، ويتفق نشوان بهذا المبدأ مع فريق كبير من المعتزلة وبعض المرجئة ومع الخوارج بصفة عامة. على الرغم من أن هذا المبدأ ينسجم مع ما يتحلى به نشوان من روح وطنية وشعور بالكرامة، ويتفق مع كنه الإِسلام وجوهره في دعوته إِلى العدالة والمساواة بين جميع أبنائه لا من العرب فحسب، بل ومن جميع الأمم، على الرغم من ذلك فإِنه لا بد لنشوان من الإِدلاء بحجته الدينية التي تبرهن على صحة هذا المبدأ وسلامته. _________ (١) انظر: ضوء النهار للعلامة الجلال (٤/ ٢٤٧٦) وما بعدها.

стр. 12

- ل - وقد أبان عن ذلك في كتابه (الحور العين) الذي استعرض فيه آراء مختلف المذاهب والفرق الإِسلامية وآراءها فيمن يتولى منصب الإِمامة، ويتقلد سلطة حكم الناس دينياً ودنيوياً، ثم إِنه اختار رأي إِبراهيم بن سيّار النظّام أحد أكبر العلماء من المعتزلة، ومؤسس الفرقة (النظامية) من فرقها، فجاء في كتابه هذا قوله: «قال بعض المعتزلة، وبعض المرجئة، وجميع الخوارج، وقوم من سائر الفرق: إِن الإِمامة جائزة في جميع الناس، لا يختص بها قوم دون قوم، وإِنما تُسْتَحَقُّ بالفضل والطلب، وإِجماع كلمة أهل الشورى. وقال إِبراهيم بن سيّار النظّام .. وهو أحد الفرسان المتكلمين، ومن قال بقوله من المعتزلة: الإِمامة لأكرم الخلق وخيرهم عند الله، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى، وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ٤٩/ ١٣]. قال - النظّام -: فنادى جميع خلقه، الأحمر منهم والأسود، والعربي والعجمي، ولم يخص أحداً منهم دون أحد، فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾، فمن كان أتقى الناس لله، وأكرمهم عند الله، وأعلمهم بالله، وأعملهم بطاعته، كان أولاهم بالإِمامة، والقيام في خلقه، كائناً من كان منهم، عربياً كان أو عجمياً» (١). وعلق نشوان على كلام النظّام بقوله: «قال مصنف الكتاب: وهذا المذهب الذي ذهب إِليه النظّام، هو أقرب الوجوه إِلى العدل، وأبعدها عن المحاباة» (٢)، وأكد نشوان رأيه هذا في بحثه عن الإِمامة في هذا الكتاب (٣). لقد كان نشوان يعلم حق العلم، أن الإِمامة بعد مؤسسها الهادي يحيى بن الحسين، قد ابتذلت وهانت حتى ادعاها من ليس أهلاً لها، فهذا زيد بن علي أحد _________ (١) كتاب الحور العين ص (٢٠٤). (٢) المصدر نفسه ص (٢٠٤ - ٢٠٥). (٣) انظر مضامين رأيه في فهرس كتابه (الحور العين).

стр. 13

- م - أحفاد الهادي، يدعو إِلى نفسه بالإِمامة، وهو جاهل شبه أمّيّ، لا يكاد يقرأ إِلا القرآن كما يقرؤه أي جاهل، وذاك الحسين ابن القاسم العياني يتولى الإِمامة، وهو رجل مهووس مختل العقل له مقولات كفرية شنيعة، وجاءت بعده فرقة من الناس هم (الحسينية) أو (القاسمية) تقدس شخصه وتقول بغيبته وبأنه المهدي المنتظر، وتردد مقولاته الشنيعة، وهذا الإِمام القائم في عصره، المتوكل أحمد بن سليمان، لا يثبت له حكم، ولا يتسع له نفوذ، ولا يستقر له قرار، فهو في حالة حروب دائمة، وتنقل مستمر بين مقريه في صعدة والجوف، ثم ها هو ذا يشن حرباً شرسة ضد فرقة (المطرفية) وهي فرقة يمنية يعتنق أصحابها المذهب (الزيدي الهادوي) ولكنهم لا يؤمنون بحصر الإِمامة سلالياً في أبناء البطنين الحسن والحسين .. كل هذا حدا بنشوان إِلى اعتناق هذا المبدأ الذي يهدف إِلى تصفية هذا المذهب من هذه الشائبة السلالية الضيقة. ولم يكد نشوان يجهر برأيه ويعلنه على الملأ، ويعبر عنه نثراً كما سبق، وشعراً كقوله (١): أيُّها السَّائِلُ عَنِّي إِنّني … مُظهِرٌ منْ مذْهَبي ما أُبِطنُ مَذْهَبِي التَّوْحِيدُ والعَدْلُ الذي … هُوَ في الأَرضِ الطّريقُ البَيِّنُ إِنّ أولَى النّاسِ بالأَمْرِ الذي … هُوَ أَتْقَى النّاسِ والْمؤتمنُ كائنِاً مَنْ كَان لا يجهلُ ما … وَرَدَ الفَرْضُ به والسُّنَن لم يكد يجهر برأيه حتى شن عليه المتعصبون حرباً شعواء، وهجوه شعراً ونثراً أقذع هجاء، وحكموا بكفره، وأهدروا دمه، وأفتوا بقتله، فلم يزده ذلك إِلا تمسكاً برأيه، وعبر عن إِيمانه بهذا المبدأ ببيتين من الشعر فيهما من الحدة ما يكافئ حدة ما شُن عليه من الحملات، فقال (٢): _________ (١) كتاب (نشوان بن سعيد الحميري) للقاضي إِسماعيل الأكوع ص (٣٠)، و (تيارات معتزلة اليمن) ص (١١٣). (٢) تيارات معتزلة اليمن، للدكتور علي محمد زيد ص (١١٤).

стр. 14

- ن - حَصَرَ الإِمامةَ في قُريشٍ مَعْشَرٌ … هُمْ باليَهُودِ أحَقُّ بالإِلْحاقِ جَهْلاً كَما حَصَرَ اليَهودُ ضَلالةً … أمَر النُّبُوَّة في بَنِي إِسْحاقِ ولما شاع أمر نشوان، وعُرف رأيه في مسألة الإِمامة، التفت حوله جموع من الناس وخاصة من (المطرفية) وبعض زعمائها، ورأوا فيه الرجل الأصلح لتولي مقاليد الحكم، طبقاً للمذهب الزيدي الهادوي المتحرر من قيد حصْر حق الإِمامة في سلالة الحسن أو الحسين. وحفزه هذا الالتفاف والتأييد على الدعوة إِلى نفسه، فأعلن دعوته من مقره في وادي صَبَر من أرض قبيلة جماعة في أكناف صعدة. ولعل نشوان شعر منذ البداية، أنه دعا إِلى نفسه في وسط اجتماعي غير مناسب لهذه الدعوة، وأنه حاول أن يغرس شجرة مبادئه في بيئة طبيعية غير صالحة لنموها وإِيتاءِ ثمارِها، فوادي صَبَر يقع في أكناف صعدة المنشبعة بالمذهب (الزيدي الهادوي) بشرطه الذي يحصر الإِمامة ويقصرها على الداعي بها لنفسه من أبناء البطنين، ولهذا نجد نشوان يبارح المنطقة عبر الجوف ليصل إِلى مأرب ويخطب فيها الجمعة داعياً إِلى نفسه، ثم يتوجه إِلى بيحان فيلقى فيها تأييداً أكبر، قال عُمَارة اليمني في تاريخه ص (٣٠٣): «بلغني أن أهل بيحان ملكوه عليهم»، وعُمَارة مؤرخ وشاعر معاصر لنشوان، ولكنه لم يورد المزيد من التفاصيل حول دعوة نشوان إِلى نفسه لأنه لم يلتق به وإِنما عاش في زبيد وعدن ثم غادر اليمن إِلى مصر كما هو معروف. ولو خاض عُمَارة في هذه القضية لكان هو المؤهل لتوضيح هذا الأمر، وإِنصاف نشوان، ورسم الصورة الحقيقية في هذا الصدد. أما المؤرخون الآخرون من المعاصرين لنشوان وممن جاؤوا بعده، فأكثرهم كانوا من الموالين للإِمامة بشروطها الهادوية الزيدية المعروفة، ومن بقي منهم كان له ولاء لهذا

стр. 15

- س - الكيان السياسي أو ذاك مما كان قائماً على الساحة اليمنية، أو ما قام بعد ذلك من الدول والكيانات. ولهذا أُلقِيت حجبٌ كثيفة على دعوة نشوان إِلى نفسه، وهل كان يسعى إِلى أن يكون إِماماً أو ملكاً أو سلطاناً؟ ثم ما لقيته هذه الدعوة من الاستجابة، ثم ما منيت به في النهاية من الإِخفاق الذي أقربه نشوان نفسه (١). ولكن المؤرخين يذكرون أن نشوان توجه - ربما من بيحان - نحو حضرموت، وبالتحديد إِلى مدينة (تريم) في وادي حضرموت وكان السلطان عليها آنذاك راشد بن شجيعة الذي قابل نشوان بالحفاوة والتكريم. ولم يعلل المؤرخون هذه النقلة التي قام بها نشوان، ولكن الذي يبدو هو أن نشوان شعر بحاجته إِلى حليف قوي يمده بالعون وبالمال لتثبيت دعوته ونشر نفوذها، وذلك لأن نشوان حينما دعا إِلى نفسه فعل ذلك بدءاً، فلم يكن وارثاً ولا ممثلاً لما قام أو كان قائماً من الكيانات السياسية على الساحة اليمنية، وبالتالي لم يرث من القوة المادية ما يساعده على كسب المؤيدين والأنصار. وتذكر المصادر أن ابن شجيعة سلطان حضرموت الذي كان يتفق مع نشوان في مسألة عدم حصر الإِمامة في قريش، قد أكرمه وأمده ببعض المال، فقفل راجعاً نحو شمال اليمن ولكنه تعرض في الطريق للسلب من بعض القبائل البدوية. لقد أعلن نشوان دعوته في مجتمع يسوده الجهل وتنازع القوى، وفي مجتمع كهذا يكون للمال الدور الأول قبل العقيدة أو (الإِيديولوجية)، وهو لم يكن يملك المال الذي يكفل لهذه الدعوة النجاح. _________ (١) انظر (تيارات معتزلة اليمن) للدكتور علي محمد زيد ص (١١٧ - ١١٨) نقلاً عن مخطوطة (طبقات الزيدية الصغرى) ليحيى بن الحسين بن القاسم.

стр. 16

- ع - ولهذا فقد كان من المحتم أن تخفق دعوته من الناحية العملية البحتة، وإِن هي ظلت حية من الناحية النظرية، حيث بقيت مبادؤه حاضرةً في أذهان اليمنيين، وفي الفكر اليمني الحر على مختلف العصور. وأقر نشوان بهذا الإِخفاق، وتخلى عن سعيه إِلى الإِمامة، لينصرف بقية عمره إِلى تثبيت إِمامته الخالدة في العلم، وهي إِمامة يعترف له بها حتى ألد خصومه، فالإِمام عبد الله بن حمزة يأتي بعده بنحو عقدين من الزمن يقول فيه خاصةً، وفيمن يسلك نهجه الفكري عامةً في أرجوزة طويلة: ما قولكم في مؤمنٍ صوّامِ … مُوحِّدٍ، مجتهدٍ، قوَّامِ حَبْرٍ بكلّ غامضٍ علاّمِ … وذِكرُهُ قد شاع في الأنامِ بل هو من أرفعِ بيتٍ في اليمنْ … قد استوى السرُّ لديهِ والعلنْ وما له أصلٌ إِلى آل الحسنْ … ولا إِلى آلِ الحسينِ المؤتمنْ ثمّ انبرى يدعو إِلى الإِمامهْ … لنفسِهِ المؤمنة القوّامهْ؟ أما الذي عندَ جدودي فيهِ … فيقطعون لسنه من فيهِ وييتمون جهرةً بنيهِ … إِذ صار حقَّ الغير يدّعيهِ ففي هذه الأبيات شهادة ببلوغه أعلى مراتب العلم والكمال، أما ما فيها من حِدَّةِ العصبية وغلوِّها فكان سمة سلبية من سمات ذلك العصر الحافل بالاتجاهات السياسية المتصارعة وما دار بينها من جدل عنيف أدى إِلى الغلوّ بين مختلف الأطراف، ولا أَدَل على ذلك من الخصام والصراع الجدلي والفكري شعراً ونثراً الذي دار بين نشوان وبعض تلاميذه من ناحية وبين الإِمام القائم في عهده المتوكل على الله أحمد بن سليمان وبعض أنصاره من ناحية أخرى، وما في ذلك من الشطط الذي شمل الجانبين.

стр. 17

- ف - وتشهد لنشوان بغزارة معارفه وتنوعها، مؤلفاتُهُ في مختلف علوم عصره، على الرغم من أن العدد الأكبر منها لا يزال مخطوطاً أو مفقوداً، والمشهور من مؤلفاته: (١) رسالة الحور العين وشرحها، المطبوع تحت عنوان (الحور العين). (٢) النشوانية أو القصيدة الحميرية وشرحها، المطبوعة تحت عنوان (ملوك حمير وأقيال اليمن). (٣) شمس العلوم وهو الكتاب الذي بين أيدينا. (٤) التبصرة في الدين للمبصرين، في الرد على الظَلَمة المنكرين، جاء ذكره في كتاب طبقات الزيدية الصغرى ليحيى بن الحسين في ترجمته لنشوان. (٥) التبيان في تفسير القرآن، ومنه أجزاء متفرقة في كل من مكتبة صعدة، وفي مكتبة الأمبروزيانا، وفي مكتبة جامعة توبنجن، وفي المكتبة الوطنية في فيينا، وفي مكتبة برلين الغربية (١). (٦) التذكرة في أحكام الجواهر والأعراض، وهو في جزأين. (٧) صحيح الاعتقاد، وصريح الانتقاد، ذكره نشوان في كتابنا هذا في بحث (الإِمامة) - انظر الفهرس العام لهذا الكتاب. (٨) الفرائد والقلائد، منه نسخة في مكتبة الأوقاف بجامع صنعاء. (٩) مسك العدل والميزان في موافقة القرآن. (١٠) بيان مشكل الرويّ، وصراطه السويّ. (١١) ميزان الشعراء، وتثبيت النظام، منه نسخة في الخزانة التيمورية بدار الكتب المصرية. _________ (١) انظر كتاب (نشوان بن سعيد الحميري) للقاضي إِسماعيل بن علي الأكوع ص (٨٤) وما بعدها.

стр. 18

- ص - (١٢) كتاب النقائض، بينه وبين القاسميين. (١٣) مقالة في أحكام صنعاء وزبيد. (١٤) أرجوزة في الأشهر الرومية. (١٥) ديوان شعر. وفاته: وإِذا فاتنا الاهتداء إِلى معرفة تاريخ ميلاد نشوان، فإِن وفاته كانت بعد ظهر يوم الجمعة ٢٤ ذي الحجة من عام (٥٧٣ هـ/الموافق ١٣ يونيه ١١٧٨ م)، ودفن في حيدان وقبره على جبل يعرف اليوم بجبل أبي زيد من مديرية حيدان، محافظة صعدة. وما زال قائماً يُزار في ساحة بجوار مسجدٍ صغير في أعلى قمة الجبل المذكور. وإِلى جوار قبره أربعة قبور يعتقد بأنها قبور ابنيه سعيد وعلي وأختيهما ولا نعرف للأسف تواريخ وفياتهم على الرغم من شهرة الولدين العلمية والاجتماعية، ولكنا نعرف أن الابن الثالث محمداً، كان قد تولى القضاء في خولان، وتوفي نحو سنة (٦١٠ هـ/ ١٢١٣ م) واشتهر بمختصر كتاب أبيه المسمى (ضياء الحلوم).

стр. 19

شمس العلوم ومنهجه يعد هذا الكتاب فتحاً جديداً في تاريخ المعاجم العربية ودليلاً ناصعاً على أن بلاد اليمن هي سند العروبة والإِسلام، على الرغم من بعدها عن مراكز الخلافة الإِسلامية، ظلت تزاحم بقوة في مجال التأليف العلمي والأدبي غيرها من البلاد الإِسلامية محافظة بذلك على دورها المميز في مسار التاريخ العربي الإِسلامي وفي خدمة العروبة والإِسلام. عاش نشوان في عصر كان التأليف المعجمي فيه قد قطع شوطاً كبيراً بحيث يصعب على أي مقتحم لدروب هذا الفن أن يضيف شيئاً جديداً يتجاوز فيه القدماء سواء في المادة اللغوية أم في المنهج الذي ينبغي أن يؤسس عليه تصنيفه. ولقد تحدث المرحوم أحمد عبد الغفور عطار في كتيبه عن الجوهري صاحب الصحاح (١)، عن المدارس العربية في وضع المعاجم فتحدث عن أربع منها، هي مدرسة الخليل، ومدرسة القاسم بن سلام، ومدرسة الجوهري، ومدرسة البرمكي، ويختم الأستاذ عطار كلامه بقوله: «ولم نذكر مع المدارس الأربع منهجاً جديداً لم نعتده مدرسة، وإِن كان صاحب هذا المنهج مبتكراً ورائداً … لأن المنهج لم يكن متبوعاً، ولم يأت بعده من يهتدي بهديه فبقي فذاً وَحْدَه ومهجوراً، وهو نهج نشوان بن سعيد الحميري … في معجمه العظيم (شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم)». وإِذا كان الفارابي (٣٥٠ هـ/ ٩٦١ م) في معجمه (ديوان الأدب) قد سبق نشوان في تأليف أول معجم عربي يتبع نظام الأبنية في ترتيب الألفاظ فإِن معجم نشوان يظل _________ (١) الجوهري مبتكر منهج الصحاح، أحمد عبد الغفور عطار، دار الأندلس. ط ١٤٠٠.١ هـ، ص (١٠ - ١٣)، وراجع مقدمته للصحاح، ط. دار العلم للملايين (١٩٩٠).

стр. 20

هو الأكمل والأشمل، كما يظل معجماً مميزاً ورائداً بين المعاجم حيث رتبت الكلمات فيه على الترتيب الهجائي المعروف، ولم يذهب في ذلك مذهب الخليل بن أحمد في كتاب العين. كما رتب ألفاظه حسب حرفها الأول. وبذلك جمع ميزتين هامتين اعتمدهما فيما بعد، واقتدى بهما الزمخشري في كتابه (أساس البلاغة)، وأصبحتا ميزتين تأخذ بهما كل المعاجم وخاصة الحديثة. ومعجم نشوان يختلف عن معجم الفارابي في كون هذا لم يرتب ألفاظ معجمه على حسب حرفها الأول كما فعل نشوان، وإِن اشتركا في كون المعجمين يقومان على نظام الأبنية، ويختلف معجم نشوان عن معجم الفارابي في كون أبنيته مرتبة بحسب تسلسل حروف الهجاء وأول الكلمات، وتقسيماته تكون ضمن هذا التسلسل أسماءً وأفعالاً، المجردة والمزيدة. ولكل حرف عند نشوان كتاب وأبواب وشطران. أما عند الفارابي فالأسماء الصحيحة والأفعال الصحيحة زمرتان تؤلفان شطرين لكتاب واحد هو كتاب (السالم). ونظام الفارابي أكثر تعقيداً، حيث ينبغي على الباحث أولاً أن يعرف الكتاب الذي فيه الكلمة: السالم أو المضاعف وهكذا، ثم في أي شطر: الاسم أو الفعل، ثم هل هي مجردة أم مزيدة .. إِلخ .. أما نظام نشوان على تعقيده فهو أقرب في مبناه إِلى فكرة المعجم الحديث نسبياً من معجم الفارابي. إِن الميزة الأولى لمعجم نشوان عن بقية المعاجم السابقة واللاحقة أن نظام ترتيبه يحرس النّقط ويحرس الحركات تجنباً للتصحيف، ويمنع الكتّاب والقرّاء معاً من تغيير ما عليه كلام العرب من البناء. ويوضح نشوان هذه الميزة في مقدمة كتابه بقوله: «وقد صنف العلماء ﵏ في ذلك كثيراً من الكتب … وضبطوا ما حفظوا وصنفوا من ذلك، وجمعوه ورووه عن الثقات وسمعوه .. ولم يأت أحد منهم بتصنيفٍ يحرس جميع النقاط والحركات ويصف كل حرف مما صنفه بجميع ما يلزمه من الصفات.

стр. 21

فلما رأيت ذلك، ورأيت تصحيف الكتاب والقرّاء، وتغييرهم ما عليه كلام العرب من البناء، حملني ذلك على تصنيف يأمن كاتبه وقارئه من التصحيف، يحرس كل كلمة بنقطها وشكلها ويجعلها مع جنسها وشكلها ويردها إِلى أصلها، جعلت فيه لكل حرف من حروف المعجم كتاباً، ثم جعلت له ولكل حرف معه من حروف المعجم باباً، ثم جعلت لكل باب من تلك الأبواب شطرين: أسماءً وأفعالاً، ثم جعلت لكل كلمة من تلك الأسماء والأفعال وزناً وفعالاً. فحروف المعجم تحرس النقط وتحفظ الخط، والأمثلة حارسة للحركات والشكل ورادّة كل كلمة من بنائها إِلى الأصل. فكتابي هذا يحرس النقط والحركات جميعاً، ويدرك الطالب فيه ملتمسه سريعا .. »، ولتوضيح المنهج الذي اتبعه نشوان نقول: لقد اتبع المؤلف ﵀ في الموسوعة هذه منهجاً في الترتيب سهلاً ميسوراً يجعل منها صفحة مفتوحة للباحث يقع فيها على مبتغاه دون عناء. فقد رتّبها على أبواب - وسمى كل باب منهأ كتاباً - وكل كتابٍ يحمل اسم حرف من حروف العربية مسلسلة تسلسلاً ألفبائياً، وسمى الحرف الأول مع الحرف الذي يليه باباً. ١ - يفتتح كتاب الحرف وليكن (حرف التاء) مثلاً. بالأسماء المضعّفة التي تبدأ بهذا الحرف، معتمداً على الترتيب الألفبائي ضمن المادة الواحدة: (التَّخّ، التَّلُّ، التَّمُّ، التَّوُّ، … ) وهكذا. - فإذا ما استوفى ما في المضعف المجرد من أسماء انتقل إِلى الأسماء المزيدة فذكر الأوزان التي تبدأ بتاء في الأصل، دونما اهتمام بترتيب ما لهذه الأوزان غير أنه يرتب الأسماء المصوغة على هذا الوزن الواحد وفق ترتيبها الألفبائي مثل: مِفْعَل: (المِتَّلُّ) .... فِعِّيل: (التِّنِّين).

стр. 22

- ثم ينتقل في الباب نفسه إِلى الأفعال المضعّفة، فيوردها مرتبة وفق أبواب الميزان الصرفي: فعَل يفعُل: (ترَّ)، (تَلَّ). فعَل يفعِل: (تبَّ)، (تَخَّ)، (ترَّ). ويلاحظ هنا أن الفعل قد يتكرر أكثر من مرة، وفق حركة عينه في المضارع. - فإِذا ما انتهى من الثلاثي المضعف المجرد انتقل إِلى الثلاثي المضعف المزيد فأورد أوزانه دون ترتيب، معتمداً المصدر عنواناً رئيساً ثم تحت هذا العنوان يسرد الأفعال التي تشتقُّ منه مرتبة ترتيباً ألفبائياً. الأفعال: (أتخّ)، (أتَرَّ)، (أتلَّ)، (أتَمَّ)، (أتنَّ) وهكذا ٢ - يأتي بعد ذلك في باب الحرف نفسه إِلى ذكر الثلاثي غير المضعّف بادئاً بالباب ثم الحرف الذي يليه، مبتدئاً بالباء منتهياً بالهمزة على أنها آخر حرف في الباب بعد الياء. مثلاً: باب التاء والباء وما بعدهما، باب التاء والثاء وما بعدهما، باب التاء والجيم ...... باب التاء والياء، باب التاء والهمزة. ثم يأتي على ذكر الأسماء المجرّدة ثم المزيدة، والأفعال المجردة ثم المزيدة وفق الترتيب الذي ذكرناه آنفاً. مثال (١): فَعْل: (التَّبل)، (الأسماء) فِعْل: (التِّبر)، (التِّبن). مثال (٢): الجبز، الجبس، الجبل الأفعال: فَعَل يفعُل، (جَزَر)، فَعل يفعِل، (جَزَر). ويلاحظ هنا تكرار الفعل في البابين لأنه يأتي مضموم العين في المضارع ومكسورها. ثم أخيراً يختم كل باب مع الحرف الذي يليه:

стр. 23

ب (الملحق بالرباعي) منه. وهكذا. ومن يقرأ (شمس العلوم) سيجد ولا ريب في نشوان عالماً واسع الاطلاع في مجال التاريخ والأخبار والآثار، وسيجد فيه إِنساناً محباً لوطنه اليمن ولأهل اليمن. مؤثراً لهم على من سواهم، خاصة وأنه قد عانى كسلفه الهمداني من عنت الآخرين ومعاودتهم الكرة بعد الكرة من إِنقاص فضل أهل اليمن ودورهم المجيد قبل الإِسلام وبعده. وبعد، فلم يقصر العلامة نشوان بن سعيد كتابه (شمس العلوم) على الوظيفة المعجمية للغة العربية مفرداتٍ يبين عن معانيها ويحدد دلالاتها بل أغناه بمعارف ومعلوماتٍ زخارة في شتى العلوم الشائعة من علوم الأوائل وعلوم العرب والمسلمين. قال في مقدمته: «وقد أودعت في كتابي هذا ما سنح من ذكر ملوك العرب … ورأيت أن ذكرهم أولى مما ذكر علماء أهل اللغة في كتبهم من ذكر كَلْبٍ للعرب اسمه ضُمران، وكلب آخر اسمه سخام، فإِذا كانوا ذكروا أسماء الكلاب، لأنها وردت في أشعار العرب، فذكر ملوك العرب في أشعارها أكثر من أن يحصى عدده أو يبلغ أمده. وأودعت كتابي هذا أيضاً ما عرض ذكره من منافع الأشجار وطبائع الأحجار، ورأيت أن معرفة المنافع والخواص أكثر فائدة من معرفة الأسماء والأشخاص وضمنته من علم القرآن والتفسير أيسر اليسير. وأودعته ما وافق من الأخبار والأنساب وعرض من علم الحساب، وضمّنته ما عنَّ من أصول الأحكام والحلال والحرام، ونسبت ما ذكرت من ذلك إِلى أول من صنفه في الدفاتر من فقهاء الإِسلام، دون من رواه وصنفه بعدهم من فقيه أو إِمام .. والفضل للمتقدم.

стр. 24

وأسندت ما رويت إِلى أهل الفضل والعلم والإِيمان من خيار الصحابة ﴿وَالَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ﴾، الذين ﴿﵃﴾ ومدحهم في القرآن. وأخرجت ما حمل أهل الأديان العصبية والتقليد والحميّة، وضمّنت كتابي هذا .. ما سنح من أصول عبارة الأحلام المأخوذة من الأمثال المضروبة في الكلام من كلام الله تعالى وكلام أنبيائه ﵈ وما تجري عليه ألسنة العوام، وأودعته ما لا بد من تفسيره من علم النجوم … ». أما فيما يتعلق باليمن على وجه الخصوص فيمكننا إِجمال المادة التي تضمنها الكتاب فيما يلي: أولاً: معلومات تاريخية: ١ - أسماء الملوك والملكات وما يتعلق بذلك من أنساب أو قصص، ومثال ذلك: أذينة، ذو الأنواح، ذو بتع، بلقيس، التبابعة، ذو نواس، ذو يزن. ٢ - أسماء أصول القبائل اليمنية المختلفة وسلاسل أنسابها حسب ما وضعه النسابة. ومثال ذلك: حمير، الأزد، همْدان، خولان، الأشاعر، سيْبان، سنْحان، المعافر. ٣ - الروايات الإِخبارية ذات القيمة التاريخية ومثال ذلك: خبر الملكة بلقيس، وأخبار الملك الحميري أبي كرب أسعد، ودور الأنصار وغيرهم من اليمنيين في الأمصار. ثانياً - معلومات جغرافية: ١ - أسماء المناطق والمدن والجبال ومثال ذلك: براش، بينون، روثان، ناعط، مارب، الأحقاف، أبين، المهرة.

стр. 25

٢ - أسماء المحافد والقصور مثل: ريدان، غمدان، سلحين .. ثالثاً - معلومات لغوية: (١) - مفردات حميرية أوردها في سياق عبارات مثل (وكذا بلغة حمير هو كذا) أو (وحمير تقول في كذا كذا) أو (وكذا بالحميري هو كذا) ونحو ذلك. وهذه المفردات يمكن تصنيفها بما يلي: ١ - كلمات لم ترد فيما بين أيدينا حتى الآن من نقوش المسند، ولم تعد متداولة في اللهجات اليمنية. ٢ - كلمات وردت في نقوش المسند، ولم تعد دائرة في اللهجات اليمنية، ولا هي في معاجم اللغة، وهذه كلمات مفيدة، ومن أمثلتها كلمة: حِنْج، بمعنى: مِثْل، حيث قال: «الحنْجُ: المثْل بلغة حمير، يقولون، هما حِنْجان، أي: مثلان». وفائدة ذكرها مهمة، لأنها تأتي في نقوش المسند مكتوبة بحرفين فحسب هما الحاء والجيم (حج) لأن كتابة المسند تسقط النون الساكنة إِذا جاءت بعد حرف متحرك وتعوض عنها بتضعيف الحرف الذي بعدها، ولعل أوائل القراء لنقوش المسند كانوا يقرؤونها (حِجّ) أو (حجّ) فجاء ذكرها عند نشوان محروسة ببابها وهو (باب الحاء والنون وما بعدهما من الحروف ج) وفي مكانها من الأبنية وهو بناء (فِعْل بكسر الفاء وسكون العين) مزيلاً لكل إِبهام. ومِثْلُها (الصَّرِيفُ: الفضة) ونحوها مما فيه أحد حروف اللين التي لا تكتب متوسطة في المساند. ٣ - كلمات وردت في نقوش المسند، وذكرها نشوان، ولها ذكر في كبريات المعاجم العربية، وهي لا تزال حية دائرة في اللهجات اليمنية، وذلك مثل مادة (صرب) بمعنى حَصَد. وفي مثل هذه الحالة التي تكون فيها الكلمة لا تزال مستعملة فإِنها

стр. 26

تكون في اللَّهجات اليمنيّة وافيةَ الذِّكر، كاملةَ التّصْريف، واضحَةَ الدلالات في مختلف الاسْتعمالات، كما أنها ترد في الأشعار والأمثال والحِكم الزّراعية، فتكتسب رُوحاً وأبعاداً عميقةً في النُّفوس. فمثلاً قال نشوان مما قال: «وحميرٍ تسمي أيلول: ذا الصِّراب، لأن فيه صِرام الزَّرع» وفي هذا فائدتان، إِحداهما أنه حدَّد شهراً من شهور السنة وفي ذلك عون لمن بذلوا جهوداً في جمع شهور السنة الحميرية، فهو قد ذكر الشهر الحميري ومقابله من الأشهر المعروفة وهو أيلول (سبتمبر). وثانيتهما أنه بين لنا طريقة نطق اسم هذا الشهر، لأن كتابته في النقوش بموجب قاعدتها في حذف حروف اللين هكذا (ذصربن)، وهي كتابة تترك لكل دارس طريقته في نطقها ولا تقطع به، وقد قام نشوان بنقل أداة التعريف وهي نون في آخر الكلمة وقبلها ألف محذوف، وجعل تعريفه بالألف واللام في أول الكلمة وكتبها بألف بعد الراء، أي أن القراءة الصحيحة التي كان ينطق بها أصحاب النقوش هي (ذو صرابان). ٤ - بعض الأمثال الحميرية باللهجة الدارجة. ٥ - صورة خط المسند، وذكر الكلام الحميري الذي أيدته نقوش المسند التي اكتشفت حديثاً، وكذلك الأخبار والأشعار السابقة.

стр. 27

مخطوطات الكتاب ومنهج التحقيق منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، كان قد تبادر إِلى ذهن زميلنا الدكتور حسين بن عبد الله العمري أن يتولى الإِشراف على تحقيق هذه الموسوعة الضخمة فجمع عدداً من نسخها وجرى تعاون وثيق بين الدكتور العمري ودار الفكر بدمشق في محاولة إِخراج الكتاب وتحقيقه. وفي صنعاء طرح الدكتور حسين على زميليه فكرة الاشتراك في تحقيق كتاب (شمس العلوم) وإِصداره، فكان القرار هو أن يضطلع ثلاثتهم بهذه المهمة، وبمنهج خاص بهم من أول الكتاب يكون منهجاً وسطاً، لا بتعليقات مستقصية ضافية كما كان قد تم، ولا قليلة شديدة الإِيجاز كما هو متبع في أكثر المعاجم، ولكن بين ذلك قواماً. وبعد أن اطلعنا على ما سبق من جهد في سبيل تحقيق (شمس العلوم) ونشره، بات من الواضح لدينا بأن أهم عقبة واجهها كل من تَصدَّى لهذه المهمة هي توفر جميع أصول ونسخ مخطوطات الكتاب، والتي تتوزع في عَددٍ كَبيرٍ من المكتبات العالمية بالإِضافة إِلى مكتبات اليمن ومصر. ولهذا فإِن جهدنا قد انصبَّ بادئ ذي بَدْء في الحصول على تلك المخطوطات، وهو أمر اقتضى في حالات كثيرة تكبد مشاق السفر إِلى تلك الأماكن، وذلك لصعوبة الحصول عليها بالمراسلة كما كان الحال في الحصول على نسخة مكتبة الأسكوريال الإِسبانية، ومخطوطات دار الكتب المصرية، وكذلك زيارة بعض المكتبات الأوربية الأخرى. وقد خرجنا من كل ذلك بحصيلة وافرة لا ندعي فيها كمال الاستقصاء، وإِن كنا قد حاولنا ذلك قدر المستطاع. وبحمد الله تيسَّر لنا بالإِضافة إِلى ما كان بحوزتنا من قبل ما يزيد عن خمس وعشرين نسخة للكتاب كاملة أو ملفقة أو منقوصة، كان منها ما

стр. 28

اتخذ أصلاً للتحقيق، ومنها ما استؤنس به على سبيل المقارنة، ومنها ما أغفلناه لتأخر نساخته أو لسقمه. وحتى لا نثقل على القارئ الكريم بالوصف المفصل لكل من هذه المخطوطات فقد اكتفينا بتصنيفها إِلى ثلاث فئات، ومن ثم أعطينا بعض التفاصيل الضرورية بما يؤدي الغرض ويفي بالحاجة، خاصة إِذا ما علمنا بأن رسالة علمية كاملة نال بها صاحبها حديثاً درجة الدكتوراة من جامعة أبسالا في السويد، خصصت لوصف مخطوطات الكتاب بشكل مفصل (١). أولاً - النسخ اليمنية: ١ - نسخة الجامع الكبير في صنعاء، مصورة من مكتبة الإِمام يحيى، في مجلد واحد يضم جزأين، وعدد أوراق هذا المجلد بجزأيه ٢٢٦ ورقة. الجزء الأول في هذا المجلد: يبتدئ بأول الكتاب، وينتهي بآخر الكلام على كتاب الخاء. الجزء الثاني: يبدأ بأول كتاب الدال، وينتهي بآخر الكلام على كتاب الشين. ٢ - نسخة دار المخطوطات اليمنية: وهي في ثلاثة أجزاء: الجزء الأول: رقمه ٢١٢٣ يبدأ بأول الكتاب، وينتهي قبيل نهاية الكلام على كتاب الخاء. الجزء الثاني: رقمه ٢١٢٤ يبدأ بأول الكلام على كتاب الدال، وينتهي في آخر كتاب الشين. _________ (١) peysenius،mikael:the manuscyipts of payts ١ and ٢ of shamsal- ulumbynashwanal-himyari:ashidy of the irrelationship.uppsala ١٩٩٧ .

стр. 29

الجزء الثالث: (كما هو مرقوم على طرته)، ورقمه: ٢١٥١: يبدأ في أثناء الكلام على حرف العين، وينتهي في أثناء الكلام على حرف القاف مع الراء. ٣ - جزء من نسخة أخرى في مكتبة الجامع الكبير في صنعاء: يبدأ بحرف الطاء مع الباء وينتهي بآخر الكلام على كتاب الياء حيث آخر الكتاب. ٤ - نسخة من ضياء الحلوم، وهو مختصر شمس العلوم لابن نشوان العلامة محمد بن نشوان بن سعيد. ثانياً - (دار الكتب) المصرية: ١ - الجزء الأول: (٣٠ لغة) بخط ابن المؤلف العالم علي بن نشوان بن سعيد نَسَخَه سنة ٥٩٥ هـ. (ولعل هذا من أقدم المخطوطات اليمنية فيما نعلمه حتى الآن). ٢ - الجزآن الثاني والثالث من نسخة أخرى مؤرخة سنة ٧٨١ هـ من أول كتاب الدال إِلى أول كتاب النون. ٣ - الجزء الخامس من كتاب الطاء حتى العين (نسخ سنة ٦٢٠ هـ). ٤ - قسم حوى من كتاب الصاد حتى آخر كتاب الياء وهو آخر الكتاب (نسخ عام ٩٧٦ هـ). ثالثاً - النسخ الأوربية: ١ - نُسخ المكتبة البريطانية (المتحف البريطاني سابقاً) (١): آ - الجزء الأول رقمه ٢٩٠٤ يبدأ عند آخر الكلام على حرف الخاء. ب - الجزء الثاني: رقمه ٢٩٠٧ يبدأ بكتاب الدال، وينتهي بآخر حرف الشين. _________ (١) راجع تفاصيل وصفها في مصادر التراث اليمني في المتحف البريطاني للدكتور العمري ص: ٤٣ - ٤٥.

стр. 30

ج - الجزء الثالث: رقمه ٢٩٠٨ يبدأ بكتاب الصاد، وينتهي بحرف القاف مع الراء. د - الجزء الرابع: رقمه ٢٩٠٩ يبدأ بحرف القاف مع الزاي، وينتهي بآخر الكتاب. هـ - الجزء الأول من نسخة أخرى/رقمه ٢٩٠٦ يبدأ بأول الكتاب وينتهي عند آخر الكلام على حرف الخاء. و- الجزء الثاني: رقمه ٢٩٠٦ أيضاً يبدأ يأول الكلام على حرف الدال، وينتهي بآخر حرف الشين. ز - الجزء الأول من نسخة أخرى: رقمه ٢٩٠٥ يبدأ بأول الكتاب، وينتهي بآخر حرف الخاء. ٢ - نسخة مكتبة بودليان بأكسفورد. (مجموعة جوان يوري رقم ١٠٦٤) ونسختا: huntington ٨.٩ . ٣ - نسخة برلين، كاملة، وهي قسمان: القسم الأول رقمه ٦٩٦٣ ويضم الجزأين الأول والثاني من الكتاب. الجزء الأول: يبدأ بأول الكتاب، وينتهي بآخر حرف الخاء. الجزء الثاني: يبدأ بأول كتاب الدال، وينتهي بآخر كتاب الشين. القسم الثاني رقمه ٦٩٦٤ وهو من نسخة أخرى تكمل الأولى، ويضم الجزأين الثالث والرابع من الكتاب. الجزء الثالث: يبدأ بالكلام على حرف الصاد، وينتهي بآخر الكلام على القاف مع الراء. الجزء الرابع: يبدأ بالكلام على حرف القاف مع الزاي، وينتهي بآخر الكتاب. ٤ - نسخة توبنجن الألمانية، تامة: في أربعة أجزاء (صورناها مع الشكر عن ميكروفيلم مركز التوثيق .. الجامعة الأردنية).

стр. 31

- الجزء الأول: يبدأ بأول الكتاب، وينتهي بنهاية كتاب الخاء. - الجزء الثاني: يبدأ بأول كتاب الدال، وينتهي بآخر كتاب الشين. - الجزء الثالث: يبدأ بكتاب الصاد، وينتهي بآخر كتاب القاف. - الجزء الرابع: يبدأ بكتاب الكاف، وينتهي بآخر كتاب الياء وهو آخر الكتاب. ٥ - نسخة مكتبة الأسكوريال (الإِسبانية) وهي أهم النسخ (التي اعتمدناها أصلاً) وتقع في قسمين برقم ٣٤ و ٦٠٣. - القسم الأول: يبدأ بأول الكتاب، وينتهي بنهاية كتاب الجيم (وتاريخ نسخه ٦٢٦ هـ). - القسم الثاني يبدأ بأول الكتاب، وينتهي بآخر كتاب الياء (وتاريخ نسخه ٦٢٧ هـ). ٦ - النسخ الأمريكية (مكتبة جامعة يل YALE) . برقم ٦٨٩. L من أهم النسخ لو كانت كاملة، وغير ملفقة وأهم أجزائها هو: المجلد الثاني (٢٤٢ ورقة) مسطرتها: ١٧ * ٢٦ سم يبدأ بحرف الدال وينتهي بحرف الشين. وتاريخ النسخ ٦٠٢ هـ/ ١٢٠٥ م. *** * ولما كنا قد اتخذنا من نسخة الأسكوريال أصلاً للتحقيق يحسن التنبيه هنا على أننا اتخذنا ذلك لأربعة أمور: أولها: أنها باستثناء الجزء الأول من نسخة دار الكتب المصرية، وكذا جزء آخر من نسخة جامعة ييل الأميركية تعتبر الأسكوريال أقدم النسخ. وثانياً: لأن ناسخها عالم لغوي مشْهود، له بالمعرفة، وهو العالم الأستاذ جمهور بن

стр. 32

علي بن جمهور بن زيد الهمْداني (١) وقد فرغ من نساخة جزئها الأول «يوم الأحد لإِحدى عشرة ليلة خلت من شهر شوال سنة ٦٢٦، وفرغ من الجزء الأخير في ربيع الآخر سنة ٦٢٧، كما أثبتنا ذلك في مواضعه من الكتاب. وثالثاً: لأنها فيما يبدو منقولة عن نسخة المؤلف، ومن المفيد الإِشارة هنا إِلى أن الناسخ قد أشار في أكثر من موضع منها إِلى أن ابن المؤلف وصاحب (ضياء الحلوم) كان على صلة وثيقة بهذه النسخة وعلى علاقة وطيدة بالناسخ، وانظر: باب الهاء والتاء الصفحة (٦٨٦٣). وقرئت النسخة أيضاً على العلاَّمة جمهور ناسخ من قبل أحد تلاميذه في مجالس عدة، (آخرها يوم الاثنين لثمان خلون من شعبان من سنة ٦٤٢ للهجرة)، أي بعد خمس عشرة سنة من نساخة الكتاب. وهذا يعني بأن الأستاذ جمهور قد عاود القراءة مع تلاميذه للنسخة مراراً، فتكون بذلك الأوثق والأدق. ورابعاً: أن نسخة الأسكوريال هي أتم النسخ الموجودة وأكملها، ولذلك فقد اعتمدناها أصلاً كما تقدم ذكره. رابعاً: النشرات المطبوعة من شمس العلوم: ١ - نشرة القاضي المرحوم عبد الله بن عبد الكريم الجرافي - من أول الكتاب حتى نهاية كتاب الشين دون تحقيق (عن نسخة واحدة سقيمة) (القاهرة ١٩٥٣ م). ٢ - نشرة المستشرق تسترشتين - K.R.ZETTERSTEEN من أول الكتاب حتى آخر كتاب الجيم (ليدن: ٥١ - ١٩٥٣ م). _________ (١) له كتاب في اللغة مفقود واسمه (التذكرة في اللغة).

стр. 33

٣ - منتخبات شمس العلوم، لعظيم الدين أحمد/ليدن ١٩١٦، LEIDEN . ٤ - نشرة عُمَان (حتى نهاية كتاب الشين اعتماداً على إِحدى النسخ المتأخرة الموجودة في المتحف البريطاني (ونقلاً عشوائياً لنشرة الجرافي!). لقد كانت المصادر اللغوية التي استقى منها نشوان كتابه (شمس العلوم) متعددةً، استخدمها بذكاء بالغ، وانتقاء حصيف، وأمانة علمية، قلَّ أن تجد لها مثيلا، وفي مقدمة تلك المصادر كتاب الصِّحاح للجوهري، (ت ٣٩٣ هـ/ ١٠٠٣ م) وكتاب العين للخليل ابن أحمد (ت ١٧٥ هـ/ ٧٩١ م)، وجمهرة اللغة لابن دريد (ت ٣٢١ هـ/ ٩٣٣ م)، ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس (ت ٣٩٥ هـ/ ١٠٠٤ م)، وديوان الأدب للفارابي (ت ٣٥٠ هـ). وهو ابنٌ لأخت صَاحب الصِّحاح. وكانت كتب الحسن بن أحمد الهمداني (المتوفى بعد ٣٣٦ هـ/ ٩٤٧ م) في مقدمة مصادره التاريخية والإِخبارية، وخاصة كتاب الإِكليل بأجزائه العشرة. ومن مصادره في هذا المجال كتاب التيجان الذي رواه وهب بن منبه (ت ١١٤ هـ/ ٧٣٢ م) وأخبار عبيد بن شرية الجرهمي وكذلك كتاب المعارف وغيره لابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ/ ٨٨٩ م) ولعله استفاد أيضاً من كتبه الأخرى مثل قصيدة نشوان: (ملوك حمير وأقيال اليمن) وشرحها المسمى: (خلاصة السيرة الجامعة لعجائب أخبار الملوك التبابعة). وكذلك كتاب الحور العين. ويأتي في مقدمة مصادره التي استقى منها شواهده الكثيرة: القرآن الكريم، ثم الحديث النبوي الشريف، وما تيَّسر له من دواوين الشعراء المتقدمين: شعراء الجاهلية وصدر الإِسلام وهي كثيرة. ولا ريب أنه استفاد أيضاً من علوم الأوائل ومؤلفاتهم الفلكية والطبية والفلسفية. وقد حاولنا أن نثبت ذلك في هوامش الكتاب، وأن نحيل كل شاهد إِلى أصله قدر الإِمكان.

стр. 34

منهج التحقيق أ- بعد نَسْخِ الكتاب من نسخة الأسكوريال، التي اعتمدناها أصلاً، قابلنا النص مع بقية النسخ الخطية المتوفرة لدينا - وهي كثيرة - وأثبتنا في المتن منها ما رأيناه صواباً، مما اختلفت فيه النسخ بما يتوافق مع سياق النص وطريقة نشوان والمعاجم العربية التي عدنا إِليها. ب - ولما كان كتاب (شمس العلوم) فيه صفة الموسوعية، حيث أورد فيه نشوان غير المادة اللغوية، كثيراً من الفوائد المهمة فاشتمل على نحو وصرف وقراءات وتفسير وحديث وفقه وفرق إِسلامية وأسماء رجال وأنساب وأدب وعروض وأشعار ونبات وحساب وغيرها كثير، فقد قمنا بمعارضة للنص مما أورده في كتابه من مواد بالمعجمات وبغيرها من المصنفات المؤلفة في كل علم من العلوم: ١ - عارضنا مادته اللغوية بالمعجمات المعتمدة، المتوفرة لدينا، وأثبتنا ما انفرد به نشوان مما لم يرد في غيره من الكتب. ٢ - خرجنا ما نقله من أقوال العلماء ممن صرح بأسمائهم من كتبهم - إِن كانت لهم كتب وصلت إِلينا - أو من مظانها مما هو معتمد، في بابه. ٣ - خرجنا الأشعار والأراجيز التي نسبها إِلى أصحابها أو عرفت نسبتها إِليهم من دواوينهم إِن كانت مطبوعة، وأشرنا إِلى ما لم نجده من الأشعار التي نسبت إِليهم من دواوينهم. فإِن لم يكن لهم دواوين خرجناها من مظان أخرى معتمدة سمت الشاعر أو أوردت الشعر دون عزوه إِلى قائله وأشرنا إِلى هذه المصادر. ٤ - أما ما يتعلق بما استشهد به من القرآن الكريم تفسيراً وقراءات، فقد رجعنا إِلى الكتب المعتمدة في هذا العلم وخاصة فتح القدير للشوكاني.

стр. 35

٥ - خرجنا الأحاديث النبوية والآثار من مصادرها المعتمدة في هذا الفن، إِضافة إِلى عزوها إِلى كتب غريب الحديث. ٦ - وأما المسائل الفقهية التي أوردها نشوان فقد خرجناها من مصادرها المعتمدة في المذاهب الفقهية من الكتب الأمهات في كل مذهب. ٧ - ترجمنا لكثير من الأعلام الذين وردت أسماؤهم، ووثقنا تراجم أعلام ترجم لهم المؤلف. ٨ - وقد أورد نشوان كثيراً من مفردات العلم غير ما تقدم فقد أحلناها إِلى مصادر معتمدة في بابها. ٩ - وقد اهتم نشوان بن سعيد الحميري بوصفه يمنياً، في جانب من كتابه، بالمادة اليمنية، إِبرازاً وتوثيقاً فيما يتعلق بالأعلام والأماكن والمفردات اللغوية، فقمنا بالعناية بهذه المادة، مفردين لها تخريجات خاصة تدل على أصلها وخصوصيتها، وكونها غير موجودة في غيره من المعاجم اللغوية، انفرد نشوان بذكرها وأحلنا ما هو معروف لدينا في النقوش القديمة إِليها أو إِلى اللهجات اليمنية المتداولة إِلى اليوم. وفي ختام هذه المقدمة لا بد لنا من إِسداء الشكر والتقدير لكل من حفزنا للقيام بهذا العمل وشجعنا على الاستمرار فيه، والبلوغ به إِلى الغاية المأمولة، ونخص بالذكر الأخ الكبير الأستاذ الدكتور عبد الكريم بن علي الإِرياني الذي لم يأل جهداً في متابعة هذا العمل حتى خرج للناس اليوم. أما صديقنا العلامة الأخ الكريم الدكتور عدنان درويش مدير دائرة التراث في وزارة الثقافة السورية، فقد كان معنا نعْم الموجه والمعين منذ البداية، ولم يدخر وسعاً في سبيل إِنجازنا لهذا العمل.

стр. 36

وما كان لهذا العمل الموسوعي الكبير بمجلداته العديدة أن يظهر في الثوب القشيب، لولا تضافر الجهود التي بذلت من نسخ وإِعداد وطباعة ومراجعة وإِخراج، كل ذلك جرى في رحاب دار الفكر بريادة مديرها الأخ العالم الفاضل الأستاذ محمد عدنان سالم الذي منحنا من فكره وصبره وحكمته الشيء الكثير، وكانت له متابعة يومية لمجريات العمل داخل الدار، ومتابعة المحققين وتذليل كل المصاعب التي تحول دون إِتمام العمل أو تؤخر مسيرته، وتضافرت جهود جميع العاملين في دار الفكر في سبيل خدمة هذا العمل، وطالما تفرغت أجهزة الدار لصالح هذا الكتاب، وتتابعت الاجتماعات واللقاءات ليصل الكتاب إِلى الصورة التي يتمناها كل من يخدم تراثنا العربي الإِسلامي. وفي هذا السياق لا يسعنا إِلا أن نشكر الأخ الدكتور محمد الدالي الذي أفدنا كثيراً من ملحوظاته القيمة في تحقيقه لأوائل كتاب (شمس العلوم) من حرف الألف إِلى حرف الحاء. وكم يحزننا وفاة الصديق العالم المرحوم الأستاذ محمد المصري الذي عمل معنا في نساخة الكتاب ومقابلة أصلين من أصوله. وحين وافاه الأجل كان قد ترك تلميذاً مجتهداً هو ابن أخيه الأستاذ الأديب حسان أحمد راتب المصري الذي أكمل ما كان عمه قد بدأه. ومنذ بداية دفع هذا العمل للطباعة كان الأستاذ الباحث محمد وهبي سليمان مدير قسم الدراسات والبحوث في دار الفكر بدمشق هو الذي تحمل عنا عناء التنسيق والإِخراج حيث كان لقسم الدراسات في دار الفكر دور في متابعة العمل، وتسديد ما يمكن تسديده، حيث قام قسم الدراسات بمراجعة تخريجنا للأحاديث النبوية التي عدنا إِليها في أصولها وتنبيهنا إِلى أي سهو أو نقص في تخريجاتها، ومن ثم متابعة تصحيح المصفوف من الكتاب في تجاربه الأولى، وأخيراً فهرسة الكتاب فهرسة شاملة لإِصدارها في جزء خاص، ليسهل الرجوع إِلى الكتاب وتتم الفائدة منه، فجزاه الله والعاملين معه في الدار خير الجزاء.

стр. 37

ولا يفوتنا هنا أن ننوه بالشكر والثناء أيضاً لكثير من العلماء والأصدقاء ممن يعملون في المؤسسات الأكاديمية والعلمية ودور الكتب والمخطوطات الذين رحبوا بنا ويسروا لنا سبل الاستفادة مما لديهم من المصادر والمراجع الثمينة. ونخص بالذكر هنا دار المخطوطات بصنعاء، ودار الكتب المصرية بالقاهرة بمساعدة صديقنا الأستاذ العالم الدكتور أيمن فؤاد السيد. وكذلك نذكر صديقنا العلامة المؤرخ الأستاذ الدكتور عدنان البخيت إِبان عمله في الجامعة الأردنية. وتأتي مكتبة الأسكوريال الإِسبانية في طليعة تلك المؤسسات العلمية التي تستحق منا الثناء والشكر بالإضافة إِلى مكتبة جامعة أكسفورد (بودليان)، والمكتبة البريطانية، ومكتبة جامعة ييل الأميركية وغيرها مما قد نوهنا بذكرها في غير مكان من هذا الكتاب. وبقدر ما نعترف بجهد الآخرين، فإِننا وحدنا فقط نتحمل مسؤولية القصور وحسبنا أننا بذلنا أقصى الجهد، والله من وراء القصد. المحققون دمشق ٣/ ١٤٢٠/١٧ هـ الموافق ل ٧/ ١٩٩٩/١ م

стр. 38

رموز النسخ المخطوطة س أسكوريال، الأصل م دار الكتب المصرية ج الجامع الكبير د دار المخطوطات ت توبنغن ب برلين ل ١ ول ٢ ول ٣ لندن (المتحف البريطاني) ك أكسفورد (بودليان) ي ييال (جامعة ييل YALE) المختصر ضياء الحلوم

стр. 39

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وعلى نَبيِّه أَفْضلُ التَّسْلِيم المقدمة الحمدُ لله الواحدِ القَديم، القادِرِ العَظيم، العزِيزِ العَليم، الصَّانِعِ الحَكِيم، الجَوادِ الكَرِيم، الذي خَلَقَ ﴿الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، وهَدَاهُ إِلى الصِّراطِ المُسْتَقيم، ومَنَّ عليه بالعَقْل السَّليم، واللّسانِ الفَصيحِ القَويم، وفضَّلَه على سائِرِ الحَيوانِ باللُّبِّ واللِّسان، والفَصَاحَةِ والبَيان. وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ اللهَ وحْدَه لا شريكَ لَهُ شَهادَةً بالإِيمانِ مُخْلَصة، ومن خُطْراتِ الشّيطانِ مُخلَّصَة، وأَشْهدُ أَنَّ مُحمّداً عَبْدُه ورَسُولُه المُخْتارُ مِنْ أَوليائه، والمُصْطَفى من أَصْفِيائِه، صَلّى الله عليه وعلى آلِهِ وكافَّةِ أنْبِيائِه. أَمَّا بَعْدُ؛ فإِنَّ أَفْضَلَ اللُّغاتِ، وأَجَلَّ مَنْطِقِ الأَلْسُنِ المُخْتَلفاتِ، ما نَزلَ به القُرآنُ المَجِيد: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١). وهُو كلامُ رَبِّ العالَمِين، وخالِقُ الخَلْقِ أَجْمَعين، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ على نَبيّه محمّدٍ خاتَمِ النبيّين، ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، فيه قَصَصُ مَنْ قَبلَه منَ الأنبياء والمُرْسَلِين، ومَنْ أُرسِلُوا إِلَيْهِ من القُرون الأوَّلين، وفيه أَبْلَغُ المواعِظِ للمتَّعظِين، وأَنْجَعُ التّخويفِ للخَائِفين، وأَنْفَعُ الهِدَايَةِ للمُهْتَدِين، وأَبْيَنُ السُّبُل إِلى النَّجاةِ في الدّين، وفيهِ تَبْيينُ شريعة الإِسْلام، وما تَشتمِلُ عليه منَ الأحْكام، وتَفْصيلُ الحلالِ والحَرام، وفرُوضُ الصَّلاةِ والزكاةِ والحجِّ والصّيام؛ وغيرُ ذلك مما يجبُ على الأَنام، ولا سبيلَ إِلى معرفَتِه

стр. 40

وعِلْمِه إِلا بِمعْرِفَةِ هذه اللّغةِ العَرَبِيّة، وشواهِدِها التي هيَ غيرُ خَفِيَّة ولا غَبيَّة؛ وكذلكَ الحَديثُ عنِ الرَسولِ لا يُعرَفُ إِلا بمعرفَةِ هذَا العِلْمِ الجَليل. قد صَنَّف العُلَماء - رحمهُم اللّهُ تعالى - في ذلكَ كَثيراً من الكُتُب، وكَشَفوا عنهُ ما سَتَرَ من الحجُب، واجْتَهدوا في حِرَاسَةِ ما وضعوه، وضَبْط ما حَفِظوه، وصنَّفُوا من ذلكَ وجَمَعوه، ورَوَوْه عنِ الثّقاتِ وسَمِعُوه. فمنهم مَنْ جَعلَ تصنيفَه حارِساً للنَّقْطِ، وَضَبَطه أشدَّ الضَّبْط، ومنهم من حَرَس تصنيفَه بالحَركاتِ بأَمْثِلةٍ قَدَّروها وأَوْزانٍ ذكَرُوها. ولم يأتِ أحدٌ منهم بِتَصنِيْفٍ يحرُسُ جميعَ النُّقطِ والحَركات، ويصِفُ كلَّ حرفٍ مما صنَّفه بجميعِ ما يلْزَمُه من الصّفات، ولا حرَس تَصْنيفَه منَ النّقَطِ والحركَاتِ إِلا بأَحدِهما، ولا جَمَعَهما في تأليفٍ لتَبَاعُدِهما. فلَما رأيتُ ذلكَ ورأيتُ تَصْحِيفَ الكُتَّاب والقُرّاء، وتَغْييرَهُم ما عليهِ كلامُ العَرَب منَ البناء، حَمَلَني ذلكَ على تَصْنيفٍ يأْمَنُ كاتبُه وقارِئُه من التَّصْحِيف، يحرُسُ كلَّ كلمةٍ بنَقْطِها وشَكْلِها، ويجعلها مع جِنْسها وشَكْلِها، ويردُّها إِلى أَصْلِها. وجَعَلْتُ فيه لكلِّ حَرْفٍ من حُروفِ المعجم كتاباً، ثم جعَلْتُ لهُ ولكلِّ حرفٍ معَهُ من حُروفِ المعجَم باباً، ثم جَعَلْتُ كلَّ بابٍ من تلكَ الأَبْوابِ شَطْريْن: أَسْماءً وأفْعالاً، ثم جعلت لكل كلمةٍ من تلك الأسماء والأفعال وزناً ومثالاً. فحُروفُ المعجمَ تحرُسُ النَّقْطَ وتَحْفَظ الخَطَّ، والأَمْثلةُ حارِسةٌ للحرَكاتِ والشَّكْل، ورَادَةٌ كلَّ كلمةٍ من بنائِها إِلى الأَصْل. فكتابي هذا يحرُسُ النَّقْطَ والحرَكاتِ جميعاً، ويُدْرِكُ الطالِبُ فيه مُلْتَمَسَهُ سَرِيعاً بلا كَدِّ مَطِيَّةٍ غَرِيزيَّة، ولا إِتْعابِ خَاطرٍ ولا رَوِيَّة، ولا طَلَبِ شَيْخٍ يقرأُ علَيْه، ولا مُفيدٍ يَفْتَقِر في ذلكَ إِليه.
следующие страницы →