وما كان لهذا العمل الموسوعي الكبير بمجلداته العديدة أن يظهر في الثوب القشيب، لولا تضافر الجهود التي بذلت من نسخ وإِعداد وطباعة ومراجعة وإِخراج، كل ذلك جرى في رحاب دار الفكر بريادة مديرها الأخ العالم الفاضل الأستاذ محمد عدنان سالم الذي منحنا من فكره وصبره وحكمته الشيء الكثير، وكانت له متابعة يومية لمجريات العمل داخل الدار، ومتابعة المحققين وتذليل كل المصاعب التي تحول دون إِتمام العمل أو تؤخر مسيرته، وتضافرت جهود جميع العاملين في دار الفكر في سبيل خدمة هذا العمل، وطالما تفرغت أجهزة الدار لصالح هذا الكتاب، وتتابعت الاجتماعات واللقاءات ليصل الكتاب إِلى الصورة التي يتمناها كل من يخدم تراثنا العربي الإِسلامي.
وفي هذا السياق لا يسعنا إِلا أن نشكر الأخ الدكتور محمد الدالي الذي أفدنا كثيراً من ملحوظاته القيمة في تحقيقه لأوائل كتاب (شمس العلوم) من حرف الألف إِلى حرف الحاء. وكم يحزننا وفاة الصديق العالم المرحوم الأستاذ محمد المصري الذي عمل معنا في نساخة الكتاب ومقابلة أصلين من أصوله. وحين وافاه الأجل كان قد ترك تلميذاً مجتهداً هو ابن أخيه الأستاذ الأديب حسان أحمد راتب المصري الذي أكمل ما كان عمه قد بدأه.
ومنذ بداية دفع هذا العمل للطباعة كان الأستاذ الباحث محمد وهبي سليمان مدير قسم الدراسات والبحوث في دار الفكر بدمشق هو الذي تحمل عنا عناء التنسيق والإِخراج حيث كان لقسم الدراسات في دار الفكر دور في متابعة العمل، وتسديد ما يمكن تسديده، حيث قام قسم الدراسات بمراجعة تخريجنا للأحاديث النبوية التي عدنا إِليها في أصولها وتنبيهنا إِلى أي سهو أو نقص في تخريجاتها، ومن ثم متابعة تصحيح المصفوف من الكتاب في تجاربه الأولى، وأخيراً فهرسة الكتاب فهرسة شاملة لإِصدارها في جزء خاص، ليسهل الرجوع إِلى الكتاب وتتم الفائدة منه، فجزاه الله والعاملين معه في الدار خير الجزاء.
стр. 37
ولا يفوتنا هنا أن ننوه بالشكر والثناء أيضاً لكثير من العلماء والأصدقاء ممن يعملون في المؤسسات الأكاديمية والعلمية ودور الكتب والمخطوطات الذين رحبوا بنا ويسروا لنا سبل الاستفادة مما لديهم من المصادر والمراجع الثمينة. ونخص بالذكر هنا دار المخطوطات بصنعاء، ودار الكتب المصرية بالقاهرة بمساعدة صديقنا الأستاذ العالم الدكتور أيمن فؤاد السيد. وكذلك نذكر صديقنا العلامة المؤرخ الأستاذ الدكتور عدنان البخيت إِبان عمله في الجامعة الأردنية.
وتأتي مكتبة الأسكوريال الإِسبانية في طليعة تلك المؤسسات العلمية التي تستحق منا الثناء والشكر بالإضافة إِلى مكتبة جامعة أكسفورد (بودليان)، والمكتبة البريطانية، ومكتبة جامعة ييل الأميركية وغيرها مما قد نوهنا بذكرها في غير مكان من هذا الكتاب.
وبقدر ما نعترف بجهد الآخرين، فإِننا وحدنا فقط نتحمل مسؤولية القصور وحسبنا أننا بذلنا أقصى الجهد، والله من وراء القصد.
المحققون
دمشق ٣/ ١٤٢٠/١٧ هـ الموافق ل ٧/ ١٩٩٩/١ م
стр. 38
رموز النسخ المخطوطة
س أسكوريال، الأصل
م دار الكتب المصرية
ج الجامع الكبير
د دار المخطوطات
ت توبنغن
ب برلين
ل ١ ول ٢ ول ٣ لندن (المتحف البريطاني)
ك أكسفورد (بودليان)
ي ييال (جامعة ييل YALE)
المختصر ضياء الحلوم
стр. 39
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعلى نَبيِّه أَفْضلُ التَّسْلِيم
المقدمة
الحمدُ لله الواحدِ القَديم، القادِرِ العَظيم، العزِيزِ العَليم، الصَّانِعِ الحَكِيم، الجَوادِ الكَرِيم، الذي خَلَقَ ﴿الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، وهَدَاهُ إِلى الصِّراطِ المُسْتَقيم، ومَنَّ عليه بالعَقْل السَّليم، واللّسانِ الفَصيحِ القَويم، وفضَّلَه على سائِرِ الحَيوانِ باللُّبِّ واللِّسان، والفَصَاحَةِ والبَيان. وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ اللهَ وحْدَه لا شريكَ لَهُ شَهادَةً بالإِيمانِ مُخْلَصة، ومن خُطْراتِ الشّيطانِ مُخلَّصَة، وأَشْهدُ أَنَّ مُحمّداً عَبْدُه ورَسُولُه المُخْتارُ مِنْ أَوليائه، والمُصْطَفى من أَصْفِيائِه، صَلّى الله عليه وعلى آلِهِ وكافَّةِ أنْبِيائِه.
أَمَّا بَعْدُ؛ فإِنَّ أَفْضَلَ اللُّغاتِ، وأَجَلَّ مَنْطِقِ الأَلْسُنِ المُخْتَلفاتِ، ما نَزلَ به القُرآنُ المَجِيد: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١). وهُو كلامُ رَبِّ العالَمِين، وخالِقُ الخَلْقِ أَجْمَعين، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ على نَبيّه محمّدٍ خاتَمِ النبيّين، ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، فيه قَصَصُ مَنْ قَبلَه منَ الأنبياء والمُرْسَلِين، ومَنْ أُرسِلُوا إِلَيْهِ من القُرون الأوَّلين، وفيه أَبْلَغُ المواعِظِ للمتَّعظِين، وأَنْجَعُ التّخويفِ للخَائِفين، وأَنْفَعُ الهِدَايَةِ للمُهْتَدِين، وأَبْيَنُ السُّبُل إِلى النَّجاةِ في الدّين، وفيهِ تَبْيينُ شريعة الإِسْلام، وما تَشتمِلُ عليه منَ الأحْكام، وتَفْصيلُ الحلالِ والحَرام، وفرُوضُ الصَّلاةِ والزكاةِ والحجِّ والصّيام؛ وغيرُ ذلك مما يجبُ على الأَنام، ولا سبيلَ إِلى معرفَتِه
стр. 40
وعِلْمِه إِلا بِمعْرِفَةِ هذه اللّغةِ العَرَبِيّة، وشواهِدِها التي هيَ غيرُ خَفِيَّة ولا غَبيَّة؛ وكذلكَ الحَديثُ عنِ الرَسولِ لا يُعرَفُ إِلا بمعرفَةِ هذَا العِلْمِ الجَليل.
قد صَنَّف العُلَماء - رحمهُم اللّهُ تعالى - في ذلكَ كَثيراً من الكُتُب، وكَشَفوا عنهُ ما سَتَرَ من الحجُب، واجْتَهدوا في حِرَاسَةِ ما وضعوه، وضَبْط ما حَفِظوه، وصنَّفُوا من ذلكَ وجَمَعوه، ورَوَوْه عنِ الثّقاتِ وسَمِعُوه.
فمنهم مَنْ جَعلَ تصنيفَه حارِساً للنَّقْطِ، وَضَبَطه أشدَّ الضَّبْط، ومنهم من حَرَس تصنيفَه بالحَركاتِ بأَمْثِلةٍ قَدَّروها وأَوْزانٍ ذكَرُوها. ولم يأتِ أحدٌ منهم بِتَصنِيْفٍ يحرُسُ جميعَ النُّقطِ والحَركات، ويصِفُ كلَّ حرفٍ مما صنَّفه بجميعِ ما يلْزَمُه من الصّفات، ولا حرَس تَصْنيفَه منَ النّقَطِ والحركَاتِ إِلا بأَحدِهما، ولا جَمَعَهما في تأليفٍ لتَبَاعُدِهما.
فلَما رأيتُ ذلكَ ورأيتُ تَصْحِيفَ الكُتَّاب والقُرّاء، وتَغْييرَهُم ما عليهِ كلامُ العَرَب منَ البناء، حَمَلَني ذلكَ على تَصْنيفٍ يأْمَنُ كاتبُه وقارِئُه من التَّصْحِيف، يحرُسُ كلَّ كلمةٍ بنَقْطِها وشَكْلِها، ويجعلها مع جِنْسها وشَكْلِها، ويردُّها إِلى أَصْلِها.
وجَعَلْتُ فيه لكلِّ حَرْفٍ من حُروفِ المعجم كتاباً، ثم جعَلْتُ لهُ ولكلِّ حرفٍ معَهُ من حُروفِ المعجَم باباً، ثم جَعَلْتُ كلَّ بابٍ من تلكَ الأَبْوابِ شَطْريْن: أَسْماءً وأفْعالاً، ثم جعلت لكل كلمةٍ من تلك الأسماء والأفعال وزناً ومثالاً.
فحُروفُ المعجمَ تحرُسُ النَّقْطَ وتَحْفَظ الخَطَّ، والأَمْثلةُ حارِسةٌ للحرَكاتِ والشَّكْل، ورَادَةٌ كلَّ كلمةٍ من بنائِها إِلى الأَصْل. فكتابي هذا يحرُسُ النَّقْطَ والحرَكاتِ جميعاً، ويُدْرِكُ الطالِبُ فيه مُلْتَمَسَهُ سَرِيعاً بلا كَدِّ مَطِيَّةٍ غَرِيزيَّة، ولا إِتْعابِ خَاطرٍ ولا رَوِيَّة، ولا طَلَبِ شَيْخٍ يقرأُ علَيْه، ولا مُفيدٍ يَفْتَقِر في ذلكَ إِليه.
стр. 41
فشَرعْتُ في تَصْنيفِ هَذا الكتابِ، مُسْتَعيناً باللّهِ رَبِّ الأَرْباب، طالِباً لما عنده من الأجْرِ والثَّوابِ، في نَفْعِ المُسْلمين، وإِرْشادِ المتَعَلِّمين. وكانَ جَمْعِي لهُ بقوَّةِ اللّهِ وحَوْلِه، ومُنَّتِهِ وطَوْلِه، لا بِحَوْلي وقوَّتي، ولا بطَوْلي ومُنَّتي، لِما شَاءَ منْ حِفْظِ كَلامِ العَرَب، وحِراسَته بهَذا الكِتاب على مَرِّ الحِقَب.
وسَمَّيتُه كتاب:
«شَمْسِ العُلوم ودَواءِ كلَامِ العَرَبِ منَ الكلوم، صَحيحِ التَّأليفِ والأَمان منَ التصحيف» (١).
وقُلْتُ في ذَلك:
كِتَابٌ يَمَانٍ يَجْمَعُ العِلْمَ كُلَّهُ … ويَعْجَزُ عَنْ مِثْلٍ لَهُ الثَّقَلانِ
ففي سَنَةِ السَّبْعِينَ والخَمْسِ تَمَّ ما … جَمَعْتُ من التَّصْنِيفِ في رَمَضَانِ
وأَكْمَلْتُ مِنْ هذَا الكِتَابِ فُصُولَهُ … ولَمْ أَنْفَصِلْ عَنْ بَلْدَتي ومَكَاني
وما دُرْتُ لِلأَلْقَابِ مُسْتَوْهِباً لَها … منَ العُجْمِ في مِصْرٍ ولا هَمَذَانِ
وقَدْ صَحَّ من قَوْلِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ … حَدِيثُ هُدًى يُرْوَى بِكُلِّ لِسَانِ
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ في العِلْمِ إِنَّهُ … يَمَانٍ جَميعاً والرَّسُولُ يَمَانِ
فَهَلْ بَعْدَ هذا مِنْ مَقَالٍ لِقَائِلٍ … يُعَارِضُ قَوْلَ الحَقِّ بِالهَذَيَانِ
(وقُلتُ أَيْضاً):
стр. 42
هذَا الكِتَابُ لِكُلِّ عِلْمٍ جَامِعٌ … ولَهُ مَحَلٌّ في العُلُومِ مُنِيفُ
النَّقْطُ والحَرَكَاتُ والشَّيْخُ الَّذِي … تُقْرَا عَلَيْهِ فُصوُلُهُ التَّصْنِيفُ
فإِذَا اهْتَدَيْتَ بِهِ هَدَاكَ فإِنَّهُ … مِيزَانُ عَدْلٍ لَيْسَ عَنْهُ يَحِيفُ
وإِذا اكْتَفَيْتَ بِهِ كَفَاكَ ولم يَجِدْ … سَبَباً إِلَيْكَ اللَّحْنُ والتَّصْحِيفُ
وقُلتُ أَيْضاً:
في صَحِيحِ التَّأْلِيفِ تَصْحِيحُ ما قَدْ … صَحَّفَتْهُ القُرَّاءُ والكُتَّابُ
في كِتَابٍ للنَّقْطِ والشَّكْلِ أَضْحَى … حَارِساً ما بِهِ يُقَاسُ كِتَابُ
وقد أودَعْتُ كتابي هذا ما سَنحَ من ذكْرِ ملُوكِ العَرَب، أهْلِ الرياسَةِ والحَسَب، منهم مَنْ ملكَ الأرضَ بأسْرِها، واسْتَوْلى على بَرِّها وبَحْرِها، ومنهم مَنْ لم يُقَصّر في المكارِم، ولا عَجِزَ عن حَمْلِ المَغَارم، دُونَ ذكْرِ سِيَرِهم، واسْتِقْصاءِ خَبَرِهم؛ لأنّي لو ذكرتُ ذلك لطالَ به الكتاب، واتّسع به الخِطاب. ورَأَيْتُ أنَّ ذِكْرَهم أُوْلَى ممّا ذكَرَه علماءُ أَهْلِ اللغة في كُتُبهم، من ذكْرِ كَلْبٍ للعرَبِ اسْمُه «ضُمْرَان» وكلبٍ [آخر] (١) اسْمُه «سُخَام». فإِنْ كانُوا ذكَروا أسماءَ الكِلابِ لأنّها وردَتْ في أشْعَارِ العَرَبِ، فذِكْرُ مُلوكِ العَرَب في أشْعارِها أكثرُ من أَنْ يُحْصَى عَدَدُه، أو يُبْلَغَ أَمَدُه. ولولا خَشْيَةُ التّطويل لأَوْرَدْتُ مما ذكَروهُم بِهِ في أشْعارهم كَثِيراً غيرَ قليل.
стр. 43
وأَوْدَعْتُ كتابي هذَا أيضاً ما عَرَضَ ذكرُه من مَنافِع الأَشْجار، وطَبائع الأَحْجار، ورأيتُ أنَّ مَعْرِفةَ المنافعِ والخَواصِّ أكثرُ فائدةً من معرفَةِ الأَسْماء والأشْخاص.
وضمَّنْتُه من عِلْم القرآن والتفسير أيْسَر اليَسير.
وأوْدَعْتُه ما وافَقَ من الأخْبارِ والأَنْسابِ.
وعرض من عِلْم الحساب.
وضمّنتُه ما عَنَّ من أُصولِ الأَحْكامِ في الحَلالِ والحَرام.
ونسْبتُ ما ذكرتُ من ذلكَ إِلى أَوّلِ من صَنَّفه في الدّفاترِ من فُقهاءِ الإِسْلام، دونَ من رَواهُ وصنَّفه بعدَهم من فَقيهٍ أَوْ إِمام. وعَلِمتُ أنّ من أَتَى من بعدِهم بقَوْلٍ قَدْ سبقوهُ إِليه، ومَوْرِدٍ لم يُزَاحموا عليه، أنّه اتّبعَ آثارَهم، واقْتَفَى مَنارَهم. وأخَذَ ما اخْتارَ من عِلْمِهم، وحِكَمَ ما اسْتَحْسَن من حُكْمِهم، وقاسَ على ما اسْتصْوَب من قياسهم، وبَنَى على ما ثَبتَ من أَساسِهِمْ. وفَوْقَ كلِّ ذي علْمٍ عَلِيم، ومُدَّعي الكَمالِ منَ البشَرِ مَلِيم، والفَضْلُ للمتقَدِّمِ، وليسَ الغَنِيّ كالمُعْدِم.
وأسْندتُ ما روَيْتُ إِلى أهلِ الفضْلِ والعِلْم والإِيمان، من خِيارِ الصّحابَةِ ﴿وَاَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ﴾، الذين ﴿﵃﴾ ومَدَحَهُم في القرآن، واطَّرَحْتُ ما حَملَ أَهْلُ الأَدْيان من العَصَبِيّةِ، والغُلُوِّ والتقليد والحَمِيّة، حَمِيَّةٍ أشدّ منْ حَمِيَّةِ الجاهِليَّة، لأن كلَّ فَريقٍ منهم يَغْلُون في إِمَامهم، ويَنْقمُون على مِثْلِهم في كَلامِهم، ولو اعْتَصموا بعَدْلِ اللّه في المُساواةِ بينَ المتعبِّدين، وفَضَّلوا بالأَعمالِ الفَاضِلينَ منهم والمجْتهدِين لَسَلِمُوا من تَقْليدِ المقلِّدين. وضَلالِهِمْ في الدِّين.
стр. 44
وضمَّنْتُ كتابي هذا ما سَنحَ من أُصُولِ عِبارَةِ (١) الأَحْلام، المأْخُوذَةِ من الأَمثالِ المَضْروبَةِ في الكَلام، من كلامِ اللّهِ تعالى وكلامِ أنْبِيائِه ﵈، وما يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ العَوَام.
وأَودعْتُه ما لا بُدّ من تَفْسيرِه من عِلْم النجوم، الذي هوَ أكبرُ دليلٍ على الحَيّ القَيُّوم.
وهو العِلْمُ الإِلهي الذي أُنْزِلَ على النبيّ إِدْريس، المحْروسِ من الغَلَطِ والتّلْبِيس. وهو معجزتُه ﵇ التي كانَ يأخُذُ بها قَوْمَه، فيخبرُهم بالسّارق، وخَفِيّ السِّرِّ والعَبْدِ الآبِق، ويحكُم بهِ بينَ الخُصوم، ويميّزُ ذا الرَّهَق (٢) منَ المَعْصوم. ومن عجائِبِه ﷺ ومُعْجزاتِه: أنّ رجُلَيْن دخلا عليهِ، فسألاه عن المَلَكَيْنِ جِبْرِيلَ ومِيكائيل، أينَ هُما؟ وأينَ مكانُهما في ذلكَ الحِين؟ فنظرَ في المسألَةِ ثم قال: «هُما في الأرض»، فقالا: «في أيِّ الأرضِ؟». فقَسَم الأَرْضَ أَرْباعاً، ثم قال: «هما في الرُّبْعِ الذي نحنُ فيه»، ثم قَسَمَ الرُّبْعَ أَرْباعاً، وكلَّ رُبْعٍ يجدُهما فيه أَرْباعاً، حتّى انْتَهى إِلى دارِه فوجَدَهما فيها. ثم قَسَم دارَه أرْباعا حتى انتَهى، فقال: «أنتُما المَسْؤولُ عنهما»، فقالا: «أَصَبْت يا نبيَّ اللّه»، ثم نَظَر إِليهما فلم يَرَهُما.
إِلا أَنَّ هذا العلمَ دَقَّ علَى أكثرِ النَّاس. فَخَلَطُوا جَلِيَّه بالالباس (٣). فكانت معجزتُه ﵇ من جِنْسٍ ما كان يتنافَسُ فيه قومُه.
وكذلكَ مُعْجِزَةُ موسى التي فَلَج بها السَّحَرَةَ المقوِّمين للعِصِيِّ والحِبال، هي عَصاهُ التي تلقف ما أَتَوْا به من السِّحرِ والمُحال؛ لأنّهم كانوا يتنافَسُونَ في السِّحر، ويَعُدُّون معرفَتَه من أَعْظَم الفَخْر.
стр. 45
وكذلكَ معْجِزةُ عِيسى ﵇، هي إِحياؤُه للموتَى، وإِبراءُ الأَكْمَهِ، والأبرَصِ الذي لا يَبْرأ لأنه بُعِثَ إِلى قَوْمٍ يتَفَاخَرُنَ في الطِّبِّ، فَأتَاهُم بما بَهَرَهُم من كلِّ مُعْجِبِ.
وكذلكَ معجِزَةُ نبيِّنا محمدٍ، النبيِّ الأمِّي ﷺ ، بُعِثَ إِلى الأُمِّيّين من العَرَب، وهم يَتَبَارَوْن في الفَصاحَةِ في الشّعْرِ والخُطَب، فكانَ معجزتَه القرآنُ الذي عَجِزوا أن يأتُوا بمثْلِه، وأن يُعارِضوا من السُّوَرِ بِشَكْلِه. فخاطَبَهمُ اللّه بما يفهمون، لأنّهم أُمّيّون لا يَعْلَمون، ففرَض عليهم الصلاةَ والزَّكاةَ والصّيامَ، وغيرَها من شَرائِع الإِسْلام.
و
قال لهم في هِلالِ شَهْرِ رَمَضان، «صُوْمُوا لرؤْيَتِه وأَفْطِروا لرُؤْيَتِه» (١)، فتُوافِقُ الرؤيةُ حِيناً الحِسابَ، وتُخالِفُ حيناً وهيَ لا تَعْدو الصّواب، لأنّهم أُمِّيون، لا يعرِفُون غير رَؤيةِ الأَبْصار والعُيون. وأكْثَروا سُؤَالَه عن عِلْم السَّاعة، فأجابَهم اللّه تعالى بجواب مفهم لواحدِهم والجَمَاعة، فقال تَعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلسّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلّا هُوَ﴾ (٢).
وقد روى علماءُ الهند في العِلْم الذي نزّلَه اللّهُ تَعالى على نَبِيّه إِدْريسَ أنّ اللّه تعالى أَعْلَمَه بها (٣)، ودَلَّه على بُعْدِها وقُرْبها. فقالوا: إِنّ اللّهَ تَعالى بعَظِيم قُدْرَتِه، ولَطيفِ حِكْمَتِه، خلَقَ الكَواكِبَ السَبْعةَ كُلَّها وهي: زُحَلُ، والمُشْتَرِي، والمِرِّيخ، والشَّمسُ، والزُّهْرَة، وعُطارِدُ، والقَمَر، في أوَّلِ دقيقةٍ من الحَمَلِ بأَوْجَاتها (٤) وهيَ المواضِعُ التي ترتفع فيها وجَوْزهِرَاتِها وهي المواضِعُ التي يُعرفُ بها عُروضُ الكَوَاكب. ولكل كوكَبٍ منها سَيْرٌ
стр. 46
معلوم، فلا تزالُ الكواكِبُ تدورُ في أَفْلاكِها في جَوْفِ هذا الفَلَكِ الأَعْظَمِ إِلى أن تجتَمِعَ كلُّها في أوَّلِ دَقيقةٍ من الحَمَل، فيكونُ ذلكَ آخرَ عُمُرِ الدُّنيا، وهو فَناؤُها وانْقِضاؤُها. ويكونُ ذلكَ من عَدَدِ الأيْامِ ألفَ ألف ألف ألف يومٍ، وخمسمائةَ ألْفِ ألْفِ ألْفِ يوم، وسبْعةً وسَبْعينَ ألفَ ألف ألف يومٍ، وتسعمائةَ ألْفِ ألفِ يوم، وستةَ عشرَ ألفَ ألفِ يومٍ، وأربعمائةَ ألفِ يومٍ، وخمسينَ ألْفِ يَوْمٍ. ويكونُ ذلكَ منَ السنين على قَوْلِ علماءِ الهنْدِ أربعمائةَ ألفِ ألفِ سنةٍ، واثنتينِ وثلاثينَ ألفِ ألفِ سنةٍ، وثلاثمائةَ ألفِ سنةٍ وخمسة وخَمْسِينَ أَلْفَ سنةٍ، وسبعمائةٍ وسَبْعاً وستّينَ سنةً، وخمسةً وأرْبعينَ يوماً، على أنّ السنةَ ثلاثُمائةٍ [وخمسةٌ] (١) وسِتّون يَوْماً.
قالُوا: والَذي مَضى من السِّنينِ إِلى سنَةِ مائتينِ وسَبْعٍ وستِّينَ من الهِجْرَةِ أقلُّ من نصْفِ هذا الدَّوْر. فإِذا اجتمعتِ الكَوَاكِبُ في أوَّلِ دقيقةٍ من الحَمَلِ بسَيْرِها المعلُوم لها، وهو أنَّ للشَمْسِ تِسْعاً وخَمْسِينَ دقيقةً في اليَوْمِ والليلةِ؛ وللقَمَرِ ثلاثَ عشرةَ درَجةً وعَشْرُ دَقائق، ولزُحَلَ دَقيقتان (٢)، وللمُشْتَرِي خَمْسُ دَقَائِق، وللمِرّيخ إِحدَى وثَلاثون دقيقةً، وللزُّهْرَةِ درَجةٌ وسِتٌّ وثلاثون دَقيقَةً، ولعُطارِدَ أَرْبعُ دَرَجاتٍ وعَشْرُ دقائق. فهي تسيرُ في هذا الفَلَكِ على اخْتلافِ سَيْرها، ولا تَجْتَمعُ إِلا عن هذه المدَّة التي وَصَفْنا إِنْ شاءَ اللّهُ . فإِذَا أرَدْنَا (٣) أن نعرف حَقيقةَ الدَّوْرِ ضَربنا مَسيرَ كُلّ كَوكَبٍ من هذه الكَواكب
стр. 47
في هذا الدَّوْرِ الذي ذَكَرْنا، فإِنّا نَجدُه في أوَّلِ عاشِرةٍ منَ الحَمَلِ كما خَلَقَهُ اللّهُ فيه، لا يَجوزُ غير ذلك، ولا يكْمُلُ إِلا بِهِ، فافْهَمْ ذلك.
وهذا عَدَدُ أيَّامِ الدُّنْيا بالهِنْدِي. واللّهُ أعلمُ: ١٥٧٧٩١٦٤٥٠٠٠٠ يَوْم.
وهذا عَدَدُ السّنين، واللّهُ أعلم: ٤٣٢٣٥٥٧٦٧ سنَة.
وقد قال بعضُ أهلِ العِلْم في عدَدِ أيَّام الدُّنيا:
يَقُولُونَ مُذْ سَارَ النُّجُومُ بِأَسْرِهَا … إِلى مِثْلِ ما كَانَتْ تَعُودُ وتَرْجِعُ
زُهَاءٌ أَتَتْ من بعد تِسْعٍ وسَبْعَةٍ … تَقَدَّمَها هَدْوَاءُ والصِّفْرُ أَرْبَعُ (١)
وقال نشوان بن سعيد رحمه اللّه تعالى (٢) في ذلك:
هِي ايَّامُ (٣) دُنْيَانَا اللَّوَاتي إِذَا انْقَضَتْ … أَتَى بَعْدَهَا الأَمْرُ الَّذِي يُتَوَقَّعُ
وأَعْوامُها زُوزٌ وهاءٌ وخَمْسَةٌ … وجيمٌ وباءٌ ثم جيمٌ وأَرْبَعُ (٤)
فَذَا عُمُرُ الدُّنْيَا ودَوْرُ سِنِيِّها … وشَهْرٌ ونِصْفٌ بَعْدَ ذَلِكَ يَتْبَعُ
فَإِنْ شِئْتَ فاضْرِبْ لِلْكَوَاكِبِ سَيْرَها … في الايَّآمِ (٣) واعْرِفْ حُجَّةً لَيْسَ تُدْفَعُ
تَجِدْهَا كَمَا كَانَتْ بأوَّلِ خَلْقِهَا … بِعَاشِرَةٍ في أَوَّلِ الكَبْشِ تُجْمَعُ
стр. 48
وقد بلغتُ في هذا التَّصْنيفِ من الإِيجازِ والاخْتِصار جَهْدي، وأتَيْتُ بأقْصَى الغايةِ مما عِنْدي، لأنَّه لا يُحِيطُ بعلْمِ اللغةِ وسائرِ العُلُوم غيرُ الواحِدِ الحيِّ القَيُّوم. وهي كلماتُ اللّهِ التي لا تَنْفَد، وأسْماءُ معلوماتِهِ التي لا تَنْعدّ؛ ولا يقدرُ عالِمٌ من البَشَر أن يُحْصي لها عَدَداً، ولو بالغَ في ذلكَ مُجْتَهِداً، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ اَلْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ اَلْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ (١).
وقد اخْتَرْتُ من ذلكَ نَزْراً قَلِيلاً من كَثير، وآثَرْتُ ما اسْتَحْسَنْتُ على كُلّ أَثِير. وما أُبَرِّئ نَفْسِي من الخَطأ والزَّلل، ولا أعْتَلّ لخَطَئي بسَقيمِ العِلل، لأنَّه لا يَسلَمُ من الجَهْلِ والخَطأِ أحدٌ منَ البَشَر، وفي هذا بلاغٌ في العُذْرِ لمن اعْتَذَر.
فمَنْ وقف على كتابِي هذَا من العُلماءِ الموثُوقِ بعِلْمِهم، ومعْرِفَتهم وفَهْمِهم، ووجدَ فيه كلمةً في غَيْرِ مَوْضِعها فلْيَرُدَّها إِلى مكانِها، بنَقْطِها وحرَكَاتِها وأَوْزانِها، ولْيُشارِكْني في ثَوابِها بتركِها في مَوْضِعها وبابِها، أوِ استَحْسَنَ كلمةً من كلامِ العَرَبِ لم يجدْها في هذا الكتابِ فلْيُلْحِقْها بما يُشاكِلُها منَ الأَبواب، ولْيطلبْ ما عِنْدَ اللّه منَ الثّواب.
ومَنْ وقَفَ على كِتابِي هذا من الكُتَّاب والقُرَّاءِ فلا ينسَ مُصَنِّفَه منَ الدُّعاء. غَفَر اللّهُ - تَعَالى - لنَا وللمُؤمنينَ أجْمَعين، وأعانَنا على ما يُرْضِيه، وهو خيرُ مُعين.
стр. 49
مقَدّمةُ الكِتاب
فَصْلٌ في التَّصْريف
اعلَمْ أنّ كلَّ ما وُضِعَ في هذه اللغة العربيَّةِ من تَصْنيفٍ فهوَ مفتَقِرٌ إِلى عِلْمِ التَّصْريف. ومعنى التصريف: أن تُصرِّفَ منَ الكَلِمةِ الواحدِةِ حُروفاً وأسماءً وأفْعالاً، كما تصرِّفُ العِنانَ يمَيناً وشِمالاً، وتُدْخِلَ على حُروفِها الأُصولِ حُروفاً زائِدةً، يكونُ بدخولِ كلِّ حرفٍ من تلك [الزوائد] (١) معنىً وفائدة.
وقد مثَّل النحويّونَ أمثلةً تُعرَفُ بها أصولُ الحروفِ وزوائدها، فقالوا: «فَعَل» مثالٌ للحروفِ الأصْليّة. فما وازَنَ فاء «فَعَلَ» أَوْ عينَه أو لامَه من الحروف في كلِّ كلمةٍ فهو حرفٌ أصْلِيّ، وما لم يُوازِنْها فهو زائدٌ.
مثالُ ذلك: قَتَلَ، وضَرَبَ، وقَطَع: حروفها كلها أصولٌ لأنها على وزن «فَعَلَ».
فإِذا أدْخَلْتَ علَيها الزوائد [قُلْت] (٢): يَقْطَعُ، مثالُه «يَفْعَل» الياء فيه زائدةٌ دخلت لمعنىَ الاسْتِقْبال واسمُ الفاعِل: قاطِعٌ، ومثالهُ «فاعِلٌ»، الأَلِفُ فيه زائدةٌ. واسمُ المفْعول:
مَقْطُوعٌ، مثالُه: «مَفْعُولٌ» الميمُ فيه والواوُ زائِدتان. وكذلك أقْطَعَ، مثالُه: «أَفْعَلَ»، وقَطَّعَ، مثالُه: «فَعَّلَ»، وقَاطَعَ، مثالُه: «فَاعَلَ»، واقْتَطَعَ، مثالُه: «افْتَعَل» وانْقَطَعَ، مثالُه:
«انْفَعَلَ»، واسْتَقْطَعَ، مثاله: «اسْتَفْعَلَ»، وتَقَطَّعَ، مثالُه: «تَفَعَّلَ»، وتَقَاطَعُوا، مثالُه:
стр. 50
«تَفَاعَلُوا». فالقَافُ والطَّاءُ والعَيْن في ذلك كلِّه أُصول، وسائرُ هذه الحروف زائدةٌ دخلت على الأُصول لمعْنَى الفائِدة:
قَطَعَ الشيءَ: أي أبانَ بعضَه عن بَعْضٍ في الزمن الماضي.
وقولُك: يَقْطَعُ في الحالِ والزَّمن المستقبل.
وقولُك: أَقْطَع غيرَه شيئاً: أي أعْطاهُ إِيّاه؛ ومنْهُ قولُهم: أَقْطَعَ الأميرُ الرجلَ: أي أعطاهُ قطعةً من الأَرْضِ.
وقولُك: قَطَّعَ الشيءَ، بالتّضعيفُ هَهُنا للتكثير، ومَعْناه: قَطَعَه مرَّةً بعد مرَّةٍ.
وقولُك: قَاطَعَ مَعْناه: قَاطَعَ غَيرَه، والمقاطَعَةُ لا تكونُ إِلا بَيْنَ اثنين.
وقولُك: اقْتَطَعَ، معناه: قَطَعَ، إِلا أن التّاءَ دخلَتْ للافْتِعال.
وقولُك: انْقَطَعَ، معناهُ المطاوَعَةُ، تقول: قطعتُه فانْقَطع، أي أَطاع إِلى القطع.
وقَولُك: اسْتَقْطَعَ، معناهُ: استَجْلَبَ القَطْعَ.
وقولُك: تَقَطَّعَ الشيء: أي صار قِطَعاً كثيرةً.
وقولُك: تَقَاطَعُوا، مَعناه: قَطَعَ بعضُهم بعضاً.
وكذلك: قِطْعٌ منَ اللّيل، مثاله: «فِعْل» بِكَسْر الفاء وسكون العَيْن (١) لا زيادَة فيه.
وقِطَعٌ من الأَرْضِ وغيرها: جمعُ قِطْعَة، مثالُها «فِعَلٌ» بكسر الفاء وفتح العين (٢) لا زيادة فيها.
стр. 51
وأمّا المزِيدُ فيه: فمثلُ: القِطْعَةُ: مثالها: «فِعْلَة» الهاء فيها زائدَةٌ دخلَتْ للتّأنِيث.
والقَطِيعُ من البقر: مثالُه «فَعِيل» الياءُ فيه زائِدَة.
وكذلك: القَطِيعَةُ ضدُّ الوَصل، الياءُ والهاءُ فيها زائِدتان.
وكذلك: مَقْطَعٌ، وأَقْطَعُ، وقَطْعَاءُ، وما شاكل ذلك؛ القافُ، والطّاءُ، والعَيْن، أصولٌ في جميعِها، وسائر الحُروفِ زَوائدُ.
وكذلك: قَطُّ، مثاله: «فَعْل» لا زيادَةَ فيه، وكلُّ حرفٍ مشدَّدٍ حرفان. وهو حَرْفٌ (١) مَبْني على الضَّمِّ للأَبَدَ الماضي، تقولُ: ما رأيتُه قَطُّ.
وعلَى ذلكَ فقِسْ كلَّ كلمةٍ وردَتْ عليكَ من جميعِ الكلام.
والتَّصريفُ ينقَسِم على ثَلاثَةِ أَشْياءَ، هي: الزيادَةُ، والبَدَلُ، والحَذْفُ.
[حُروفُ الزيادة] (٢):
حروفُ الزِّيادَةِ عَشَرَةٌ، جمعتُها ليسْهُلَ حفظُها في هذه الكلماتِ: «سأَلْتَنِي ما هُوَ» وجمعْتُها أيضاً في هذهِ: «أُنْسِيتُ لما هُوَ». وقد جمعَها النّحويونَ في قولهم:
«سألْتُمونِيها» وفي قولهم: «اليَومَ تَنْساه» وفي قولهم: «هَوِيتُ السِّمانَ»، جمعَ ذلكَ أبو عُثْمانَ المازِني (٣).
стр. 52
إِذا كانَتْ هذه الحروفُ في موضِعِ الزِّيادَةِ فهي زائدةٌ، وإِذا كانَتْ في موضعِ الأُصولِ فهي أُصول. ولا يكونُ غيرُها زائداً من سائر حروفِ المعْجَمِ في حال.
زيادَةُ الهَمْزةِ:
تُزادُ الهمزةُ أوّلاً (١) فيما كان على وَزْنِ «أَفْعَل» مثل: أَبْيَض، وأَحْمَر، وأَصْفَر، في الأسماء.
وفيما كان ماضيه من الأفعال على وزن «أَفْعَلَ» أيضاً نحو: أَكْرَمَ، أَطْعَمَ، وأَنْعَمَ.
وتزادُ مع لامِ المعرِفَةِ في مثل قولك: الرّجل، والغُلام، والدَّار.
وتزاد في وسط الكلمة في قولهم: [شَأْمَل، على وَزْنِ «فَأْعَل»، وشَمْأَل، على وَزْنِ «فَعْأَل» لأنَّهما من شَمَلَتِ الرّيح.
وتزادُ أيضاً في قولهم] (٢): جَمَل جُرائِض، على وزْنِ «فُعَائِل» لأن الأصْلَ: جَمَلٌ جِرْواض: أي شَديد.
وتزادُ في قولِهم: حُطَائط، على وزن «فُعَائِل» لأنّه من الشيء المَحْطوط.
وتزاد آخِراً (١) للتّأنيث في مثل: بيضاءَ، وحَمْراء، وصَفْراء، وعُشَراء، ونُفَساء، وفي مثل: أنبياء، وأَوْلِياء، وأصدِقاء، في الجَمْع.
стр. 53
زيادة اللاّم:
تزادُ اللامُ أوّلاً مع هَمْزَةِ الوَصْل - وهي لامُ المعرِفَة - في: الرَّجل، والغُلام، ونحو ذلك.
وتزادُ في وَسَطِ الكلمةِ في ذلِكَ، وهُنالِكَ، وأُولالِك، والأَصْل: ذاكَ، وهُناكَ، وأُولاك.
قال الشّاعر (١):
أُولالِكَ قَوْمٌ لَمْ يَكُونُوا أُشَابَةً … ولا يَعِظُ الجُهَّالَ إِلاّ أولالِكا
وتزادُ آخِراً في قولهم: عَبْدَل، وزَيْدَل، وفَحْجَل، لأن الأَصْل: عَبْد، وزَيْد، والأَفحج، وذلكَ قَليل.
زيادةُ الألف:
لا تزادُ الألف أولاً، لأنها لا تكون إِلا ساكِنةً، ولا يُبْتَدأ بالسّاكن.
وهي تُزادُ ثانياً في «فاعِلً» نحو: ضَارِبٍ، وقاتِلٍ، وفي «المفَاعَلَة»، نحو: ضَارَبَ، وقَاتَلَ.
وتزاد ثالثةً في مثلِ: الجراح، والقتال.
وتزادُ في «الافْعِيلال» نحوَ: احْمارَّ، اصْفارَّ.
وتُزادُ آخِراً للتأنيث، في مثل حُبْلَى، وسَكْرى، لأنَّهما من الحَبَل، والسُّكْر.
стр. 54
زيادَةُ الواو:
لا تُزادُ الوَاوُ أَوَّلاً في شَيْ ء من الكَلام.
وهي تُزادُ ثانياً في «فَوْعَل» مثل: كَوْثَر، لأنّه من الكَثْرة، وفي «الفَوْعَلَة» نحو:
حَوْقَلَ الشَيخُ: إِذا فَتَرَ عن الجِماع.
وتُزادُ بعْدَ العَيْن في «فَعْوَل» مثل: جَدْوَل، وفي «فَعُول» نحو: صَبُور، وشَكُور.
وتُزادُ آخِراً في مثل: عَرْقُوَة، وقَلَنْسُوَة.
زيادَةُ الياء:
تُزادُ اليَاءُ أَوَّلاً في مثل: يَرْمَع، ويَعْسُوب، ويَعْمَلَةٍ (١)، وفي أَوَّلِ الفِعْلِ المُضارع، نحو: يَقُومُ، ويَقْعُدُ.
وتُزادُ ثانياً في «فَيْعَل» نحو: ضَيْغَم، وجَيْأل (٢).
وتُزادُ ثالِثاً في «فَعِيل» نحو: بَعير، وكَبير، وصغير، وفي «فِعْيَل» نحو: حِمْيَر، وعِثْيرً (٣).
وتُزادُ في كلّ اسمٍ مُصَغَّر نحو: عُمَيْر، وكُلَيْب، وفُلَيْس.
стр. 55
وتُزادُ آخِراً في مثل: حِذْرِيَة، وبُلَهْنِيَة، وسُلَحْفِيَة، وفي مِثْلِ: تَقَلْسَيْتُ (١).
زيادة الميم:
تُزادُ الميم أولاً في مثل: مَسجد، ومنزل، وميزان، وميعاد. فإِن كانَ بعدَ الميم أربعة أحرفٍ أُصُولٍ كانَتْ الميمُ أَصْلاً، نحو ميم: مَرْدَقُوش، ومَرْمَريس (٢).
وتُزادُ أَيْضاً في وَسَطِ الكلمة، وهو شاذٌّ قليل، مثل: دُلَامِص. فالميمُ عندَ الخليل (٣) زائدَة، ومثالُه عنده: «فُعَامِل» لأنه بمعنىَ الدُّلاّص، وهو البَرَّاق، قال الأَعشى يصِفُ جاريَة (٤):
إِذَا جُرِّدَتْ يَوْماً حَسِبْتَ خَمِيصَةً … عَلَيْهَا وجِرْيَالَ النَّضير الدُّلَامِصَا
стр. 56
وتُزادُ في قولهم: لبنٌ قُمَارِص: أي قارِص، ومثاله: «فُمَاعِل».
وتُزادُ في نحو قولِهم للأسَد: هِرْماس، مثالُه «فِعْمَال» من الهَرْس وهو الدَّقُّ.
وتُزادُ الميمُ آخِراً في قَوْلهم: زُرْقُم، للأَزْرق، وفُسْحُم من الانْفِساح، وحُلْكُم للأسودِ من الحُلكَةِ، وهيَ السّواد، ودِلْقِم من الانْدِلاق، وسُتْهُم من الاسْتِ، ومثاله «فُعْلم»، وهو شَاذ لا يُقاسُ عليه.
زيادَةُ التّاء:
تُزادُ التّاءُ أوّلاً في: تَتْفُل، وتَنْضُب، وتِجْفاف، وتُرعِيَّة، وتُذْنُوب (١).
وتُزادُ في أَوَّلِ الفعل المضارع، نحو: تقومُ يا رجل، وتقومين يا امْرأة.
وتزاد أيضاً في: «تَفَعَّل» نحو: تقدَّم، وفي «اسْتَفْعَل» نحو: اسْتَقْدم، وفي:
«تَفَاعَلَ» نحو: تفاقم الأمر، وفي: «تَفَوْعَلَ» نحو: تَكَوْثر، أي كَثُر، قال الشّاعر (٢):
وقَدْ ثَارَ نَقْعُ الحَرْبِ حَتَّى تَكَوْثَرَا
وفي: «تَفَعْلَلَ» نحو: تَكَبْكَبَ.
وتُزادُ ثانياً في: «افْتَعَل» نحو: اقْتَدَرَ، وانْتَصَر.
стр. 57
وتُزادُ آخِراً في جَمْعِ المؤنَّثِ، نحو: بَنَات، وأَخَوات، ومُسْلِمات، وفي مِثْل:
قَحْطَبَة، وطَلْحَة، قال: (١):
رَحِمَ اللّهُ أَعْظُماً دَفَنُوها … بِسِجِسْتَانَ طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ
وفي: عِفْرِيت، لأنّه من العَفْر، وهو الطّرْحُ والتّمريغ في التّراب، قال [الهُذَلي] (٢) في الأَسَد:
عَادَتُهُ عَفْرٌ وتَطْرِيحُ
وفي: مَلَكُوت، ورَحَمُوت، لأنّهما من المُلْكِ والرَّحمة، وفي: عَنْكَبُوت لأنَّ الجمْعَ عَنَاكِب، والتّصغير: عُنَيْكِب.
زيادَةُ السّين:
تُزادُ السّينُ أوَّلاً في الفِعْلِ المستقبَل، نحو: سَيَقُوم، وسَيَقُول.
وتُزادُ في الاسْتفْعَال، نحو: اسْتَقْبَلَ الشيءَ استِقْبالاً، واستَخْرَجه اسْتِخراجاً.
стр. 58
زيدت السين في: أَسْطَاعَ، وفي: يَسْطِيْعُ عوضاً من سكن عينه، والأصل فيه:
أَطَاعَ يُطيع، وأصلُه: أَطْوَع يُطْوِعُ.
زيادة النون:
تُزادُ النّون أولاً في: نَرْجِس.
وفي أول الفعِل المضارِع علامَةً للجَمْع، نحو: نقومُ، ونجلسُ؛ وفي «الانْفِعال».
نحو: انكَسَرَ، وانجَبَر.
وتزاد ثانياً في مثل: جُنْدُب، وعُنْصُر، وعَنْبَس، لأنَّه من العُبُوس.
وتُزادُ آخراً في مثل: ضَيْفَن، ورَعْشَن، وخَلْبَن، وعَلْجَن (١).
وتُزادُ في التَّثْنيَةِ والجَمْع، نحو قولك: الزَّيدان، الزَّيْدون، زيدَتْ عوَضاً من الحركَةِ والتَّنْوين الذي يكونُ في الواحد.
وتُزادُ علامةً للرّفع في خَمْسَةِ أمثِلَةٍ من الفعل، نحو: يَقومانِ، وتَقومانِ، ويقومونَ، وتَقومُونَ، وتقومينَ يا امْرأة.
وتُزادُ في: سَكْرانَ، وعُثْمانَ، وسِرْحَانَ، وسَرَطَانَ، وزَعْفَران، وعَبَوْثَرَان، وفي العِرَضْنَة، ونحو ذلك.
стр. 59
وتُزادُ النّونُ للتوكيد بالنون الخفيفةِ والثّقيلةِ، نحو: لتَقُومَنْ، ولتَقُومَنَّ.
وكلُّ كلمةٍ خماسيةٍ ثالثُها نونٌ فهي نونٌ زائدةٌ، مثل: جَحَنْفَل، وشَرَنْبَث (١). فإِن كانت النونُ غيرَ ثالثة في الكلِمةِ الخُماسّية فالنّون أصْل، حتى يدُلَّ الدليلُ على زيادَتِها، نحو: كَنَهْبَل (٢)، مثاله: «فَنَعْلَل». كذلك: قِنْفَخْر (٣)، مثاله: «فِنْعَلّ» نونُه زائدَةٌ لقولهم: امرأةٌ قُفَاخِرِيَّة.
زيادة الهاء:
تُزادُ الهاءُ أولاً في: هِرْكَوْلَة (٤). قال الخليلُ: «إِنْ الهاء في هِرْكَوْلَة زائدة، وهي:
«هِفْعَوْلَة»، وهي العظيمة الأوراك من النساء، لأنها تركل في مِشْيَتِها».
وتُزادُ في أُمَّهات، والأصل: أُمّات.
وتُزادُ آخراً في قولهم: فِيمَهْ، ولِمَهْ، وعَلَامَهْ، أي: فيمَ، ولمَ، وعلامَ؛ وفي قولهم:
ارْمِهْ، واغْزُهْ، واخْشَهْ، أي ارْمِ، واغْزُ، واخْشَ.
стр. 60
زِيادات الأسماء
زِياداتُ الأسماءِ تسعة أحرف، هي حروف المد واللين، مثل: عالم، وصبور، وعليم، وغير ذلك.
والتاء في مثل: جَبَرُوت.
والهاء في مثل: شَجَرة.
والميم في مثل: شَدْقَم.
والنّون في: رَعْشَن.
واللاّم في: هنالِكَ.
والهمزة في مثل: أَحْمَر، وحَمْراء.
زيادات الأفعال
ثمانية: الهمزة في «أَفْعَلَ» مثل: أَكْرَمَ.
والألف في: «فَاعَلَ» نحو: حَارَبَ، وقَاتَلَ.
والتاء في: «افْتَعَلَ» نحو: اقْتَسَم، واكْتَسب.
والنون في: «انْفَعَلَ» نحو: انْطَلَقَ.
والسّين في: «استفعل» نحو: اسْتَخْبَرَ، واسْتَكْبَر.
والواو في: «فَوْعَلَ»، نحو: حَوْقَلَ الشَّيخ: إِذا فَتَرَ عنِ الجِماع.
الياء في: «فَيْعَلَ»، نحو: بَيْقَرَ: أي هاجَرَ من أرضٍ إِلى أَرْض.
والميم في: تَمَسْكَنَ، ونحو ذلك.
стр. 61
حروف البَدَل
اثْنا عَشرَ حرفاً، جمعتها ليسهل حفظها في هذه الكلمات، وهي: «أماتَ طَويلٌ جُنْدَه»، وجمعتها أيضاً في هذه الكلمات: «جادَ طويلُ أُمنته»، وجمعتها أيضاً في هذه الكلمات: «مَجْد طَويل انْتها».
وقَدْ جَمعَهَا أيضاً إِسْماعيلُ بن القاسِم النّحوي (١) شَيْخُ أبي بكر مُحمَّد بن الحسن الزُّبَيْدِيَ (٢) في قوله: «طالَ يومٌ أنجدته».
وجمعها غيرُه من النَّحويين في قوله: «أَدْمجَها لتَنْطوي».
وجمعتها أيضاً في هذه الكلمات: «أَنطويها لتدمج».
إِبدال الألف:
تُبدلُ الألفُ من أَرْبعةِ أحرف: من الواو، والياء، والنون، والهمزة.
فأمّا إِبْدَالها من الواوِ والياء، فإِذا تحرَّكتا وانفَتَح ما قبلَهما قُلِبتا ألفاً، إِلا أَنْ يأتي
стр. 62
شيءٌ شاذٌّ أو يُخَافَ لَبْسٌ. فقَلْبُهما نحو: باع، وقال، أصلُهما: قَوَلَ، وبَيَعَ، فقُلِبَتَا ألفاً لاعتلالِهما وانفِتاح ما قَبْلَهما؛ وكذلك: خافَ وهابَ، الأصل: خَوِفَ، وهَيِبَ.
وكذلِكَ قُلبتِ الواوُ والياء ألفاً في قولك: باب، وناب، أصلُهما: بَوَبٌ ونَيَبٌ، فقُلِبَتَا أَلِفَيَّن.
فأما غَزَوَا، ورَمَيَا فأقَرُّوه على أصْلِه خوف الالتِباس بالواحد، لأنّهما لو قُلِبتا ألِفاً لأشْبَه فعْلُ الواحِدِ في غَزَا ورَمَى.
فأمَّا قولهم: اعْتَوَنُوا، فهوَ في مَعْنى: تَعَاوَنُوا، فالألِفُ قبلَه ساكِنَة.
أما: حَوِلَ، وعَوِرَ، فصحَّ لأنه بمعْنى: احْوَلَّ، واعْوَرَّ. وكذلكَ: صَيِدَ البَعِيرُ لأنَّه بمعنى: اصْيَدَّ.
قالَ مُحمَّد بن يزيد (١) المُبَرِّدٌ: «إِنّما ظَهرت الواوُ واليَاء في هذا البابِ، لأنَّ أصلَ البِناءِ في هذا النّوع: «افْعَلَّ يَفْعَلُّ» نحو اقْوَرَّ يَقْوَرُّ، واعْوَرَّ يَعْوَرُّ، وابْيَضَّ يَبْيَضُّ».
وكذلك أبدِلَتِ الألفُ من الواو والياء في: غَصا، ورَحىً، والأصل: عَصَوٌ وَرَحَيٌ.
وإِذْ سكَّنتَ الهمزة وانْفتحَ ما قَبْلهَا جاز أن تُخفَّفَ وتُقلَبَ ألفاً في مثل: رَأْس، فَأْس، فتقولُ: فاس، وراس، بغير همز؛ وفي مثل: اقْرَأْ: اقرا، بغير همز. وكذلك: آدم أصله: أَأْدم بهمزتين، فأبدلوا الثانية منهُما ألِفاً.
стр. 63
وكذلك أبدلت الألف من التَّنوينِ في الوَقْف، تقول: رأيتُ زيدَا وكلَّمتُ عَمْرَا.
كذلك أُبدلت الألفُ من النُّون الخفيفة في قولهم: اضْرِبَا، الأصل: اضْرِبَنْ، قال اللّه تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ﴾ (١)، وقال الأعشى (٢):
ولا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ واللّهَ فَاعْبُدَا
وأُبدلتِ الألفُ من نُون «إِذَنْ» في الوَقْف، تقول: لأَضرِبنَّك إِذَنْ يا هذا، فإِذا أَبْدَلْتَ قلْتَ لأضْرِبِنّكَ إِذَا.
إِبدالُ الواو:
تُبدلُ الواوُ من الأَلِف في نحو: ضُوَيْرِب، وضَوَارب.
وتُبدَلُ من الياءِ إِذا سُكِّنَتْ وانضمَّ ما قبلَها في مثل: مُوقِظ، ومُوسِر، ومُوقِنِ، والأصل: مُيْقِظ، ومُيْسِر، ومُيْقِن، لأنها من اليقظة، واليُسر، واليقين.
وتبدَلُ الواو من الياءِ في قوْلِهم: رَحَوِيّ، وعَمَوِيّ، وفي: بَقْوَى، وطُوبَى، والأصل: بُقْيَا وطُيبا، وما شاكل ذلك.
стр. 64
وتبدل الواو من الهمزة إِذا سُكِّنَتْ وانضمَّ ما قبلها في مثل: مُؤْثِر، ومُؤْمِن، فيقال:
مُوثِر، ومومِن، بغير همز، لأن أصل آثَر، وآمن: أَأْثر، وأَأْمن بهمزتَيْن. إِلا أنهم ليّنوا الثانية وخفَّفوها وقَلبُوها ألفاً اسْتثقالاً للجمع بين همزتيْن. وكذلك المصادر في: إِيثار، وإِيمان ونحو ذلك.
إِبْدالُ الياء:
إِذا سكنت الواوُ وانكَسَر ما قبلَها انقلبتْ ياء، لسُكُونِها وانكسار ما قبلها وذلك في مثل: مِيعاد، ومِيزان، ومِيراث، الأصل: مِوْعَاد، ومِوْزَان، ومِوْرَاث، لأنها من: وعدَ، ووزن، وورث.
وكذلك أُبدلتِ الواوُ ياء في مثل: سِيقَ، وقِيلَ، لأنهما من: السَّوْق، والقَوْل؛ والأصل: سُوِقَ، وقُوِلَ، فِعلُ ما لَمْ يُسمَّ فاعلُه، فاستثقِلَتِ الكسرةُ على الواو، فأسكنت ونقلت حركتها إِلى ما قبلها، فصار: سِوْقَ، وقِوْلَ، فانقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
وكذلك أبدلَتِ الياءُ من الواوِ في: دِيمَة، وقِيمَة، لأنّ الدّيمة من: دامَ المطرُ يدوم، قال:
هُوَ الجَوَادُ ابنُ الجَوَادِ بنِ سَبَلْ (١)
إِنْ دَوَّمُوا جَادَ وإِنْ جَادُوا وَبَلْ
стр. 65
والقيمة: من قَوَّمتُ السّلعةَ بالثمن.
وإِذا اجتمعتِ الواو والياء، وسبقَتِ الأولى منهُما بالسكون، أيَّتَهما كانت، قُلبت الواو ياء، وأدغمت، الياء في الياء مثل: جَيِّد، وسَيِّد، ومَيِّت، وحَيِّز وهو المكان، والأصل: جَيْوِدْ، وسَيْوِد، ومَيْوِت، وحَيْوِز، لأنها من يجود، ويسود، ويموت، ويحوز، وفي مثل: دَيَّار، وصَيَّاغ، والأصل: دَيْوَار، وصَيْوَاغ، لأنّهما من يَدُورُ، ويَصوغ.
وكذلك: إِذا سُبقَتِ الواوُ بالسكون (١) قُلِبتْ ياء، نحو: طَوَيْتُ الكتابَ طَيًّا، وكويْتُ الشيءَ كَيًّا، وشَوَيْتُ اللحْمَ شَيًّا، ونحو ذلك.
وكذلك: إِذا كانتِ الواو في موضع اللاَّم (٢) وانكَسَر ما قبلها قُلِبَتْ ياء في مثل:
غازِية، وداعِيَة، والأصل: غَازِوَة، ودَاعِوَة، فقُلبتِ الواوُ ياء لتأخّرها وانكسارِ ما قبلها.
فإِن كانت الواو في موضع العَيْن صحَّت بعد الكَسْرة لتقدُّمها، وذلك نحو:
عِوَض، وحِوَل، وطِوَل، قال اللّه تعالى: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً﴾ (٣)، وقال القُطَامِيُّ (٤):
إِنَّا مُحَيُّوِكَ فَاسْلَمْ أَيُّهَا الطَّلَلُ … وَإِنْ بَلِيتَ وإِنْ طَالَتْ بِكَ الطِّوَلُ
وتُبدّلُ الواوُ ياءً إِذا كانَتْ في جمع: «فَعْل» على «فِعَال»، نحو: ثَوْب وثياب،
стр. 66
وحَوْض وحياض، وسَوْط وسياط، والأصل: ثِوَاب، وحِواض، وسِواط، فقُلبتِ الواو ياء لِثقَلِ الجمع، وضَعفِها في الواحد، وانكسار ما قبلها، والألف المشابهة للياء بعدها، وصحة اللاّم، لا بدَّ في إِعلالها، وإِبدالِها في هذه الشَّواهد.
فإِن تركت الواو في الواحد صحّت في الجمع، نحو: طويل، وطِوال، وقويم، وقِوَام. وربما قلبت في الجمع ياء، وهو شاذ، قال الشاعر (١):
تَبَيَّنَ لِي أَنَّ القَمَاءَةَ ذِلَّةٌ … وأَنَّ أعِزَّاءَ الرِّجَالِ طِيالُها
وقد يجوزُ إِبدال الياء من الواو [فيقال] (٢) في صُوَّم: صُيِّم، وفي: قُوَّم: قُيَّم، وفي: صُوَّام: صُيَّام، وفي: نُوَّام: نُيَّام، قالَ ذو الرُّمة (٣):
أَلَا طَرقَتْنَا مَيَّةُ ابنةُ مُنْذِرٍ … فما أَرَّقَ النُّيَّامَ إِلاّ سَلَامُهَا
стр. 67
هكذا أنشدَه ابن الأعرابي، وقال الراجز (١):
لَوْلَا الإِلَهُ ما وَرَدْنَا خَضَّمَا
ولا ظَلِلْنا بِالْمَشَائِي قُيَّمَا
وتُبدلُ الياءُ من الواو في جمع دَلْوٍ، وحَقْوٍ، إِذا جُمْعا على «أفْعُل»، نحو: أَدْلٍ، وأَحْقٍ، لأنَّه ليس في كلام العرب اسم آخره واوٌ وقبلها ضمَّة، إِنما ذلك في الأفعال، نحو:
يَدْعُو، ويغْزُو. وكان الأصل في: أَدْلٍ، وأَحْقٍ: أَدْلُوٌ، وأَحْقُوٌ، فَأبدلوا الضمة كسرة والواو ياء للتخفيف.
فأما الأسماء الستَّة المعتلَّة المضافة، وهي: أَخُوك، وأَبُوك، وفُوك، وحَمُوك، وهَنُوك، وذُو مال: فلا تأتي أبداً إِلا مُضافة، فالواو في وَسَطِ الكلمة.
فأما: عَدُوٌّ: فكل حرف مشدَّد حَرْفان، فالواو الآخرةُ قبلَها واوٌ ساكِنَة.
وكلُّ جمعٍ كانَ أصلُه على «فَعَل» متحركة العَيْن، و «فَعْل» ساكِنَةِ العَيْن، ولامُهُ واو؛ قُلِبَتِ الواوُ ياءً للتَّخفيف، نحو: عِصِيّ، ودِلِيّ، وحِقِيّ، وأصلُه: عُصُوٌّ، ودُلُوٌّ، وحُقُوٌّ. وقد جاء بعض ذلك على أصلِهِ، كقول الشاعر (٢):
стр. 68
أَلَيْسَ مِنَ البَلَاءِ وَجِيبُ قَلْبِي … وإِيضَاعِي الهُمُومَ مَعَ النُّجُوِّ
فأفْرَحُ أَنْ تَكُونَ عَلَى صَدِيقٍ … وأحْزَنُ أن تَكُونَ عَلَى عَدُوِّ
النَّجْوُ: السَحابُ، وجمعه: نُجُوٌّ. وحَكى سيبويه عن بعض العرب أنهم يقولون:
«إِنكم لَتَنْظُرونَ في نُجُوِّ». وحُكي عن أبي زيد (١): بَهْوٌ، وبُهُوٌّ. وحكى ابن الأعرابي (٢): أَبٌ، وأُبُوٌّ، وأَخٌ، وأُخُوٌّ، وابنٌ، وبَنُوٌّ، وأنشد للقنانيِّ (٣) يمدح الكسائيَّ (٤):
أَبَى الذَّمَّ أَخْلَاقُ الكِسَائيِّ وانْتَمَتْ … بِهِ المَجْدَ أَخْلَاقُ الأُبُوِّ السَّوَابِقِ (٥)
стр. 69
وتُبدَلُ الياء من السّين في قولهم: أَحْسَيْتُ بالشيء، أي أَحْسَسْتُ به؛ وحَسِيتُ به، أي حَسِسْتُ به؛ قال أبو زُبَيد يصفُ الأسد (١):
سِوَى أَنَّ العِتَاقَ مِنَ المَطَايَا … حَسِينَ بِهِ فَهُنَّ إِلَيْهِ شُوسُ
ويروى: أَحَسْنَ، أي أحْسَسْنَ، وهو شاذٌّ قليل.
وتبدل الياء من الهمزة إِذا سُكِّنَتِ الهمزة وانكسر ما قبلها في مثل تخفيف ذئب:
ذيب، وفي بئر: بِير.
وتبدل الياء من الألف في مثل: قناطير، وقراطيس، ومفاتيح.
وكذلك تبدل الياء من أحد حرفي التضعيف في قولهم: دينار، وقيراط، وديباج، والأصل: دِنَّار، وقِرَّاطِ، ودِبَّاج؛ لأن الجمع: دَنَانيرُ، وقَرَارِيطُ، ودَبَابِيجُ، والتصغير:
دُنَيْنِير، وقُرَيْرِيط، ودُبَيْبِيج، وليس على ذلك، قِياسٌ لِقلّته.
إِبدال الهمزة:
إذا كانَ في أولِ الكلمةِ واوان، أُبدلتِ الأولى منهما همزة، وذلكَ في مثل قول عَدِيّ بن زَيْد (٢):
стр. 70
ضَرَبَتْ صَدْرَهَا إلَيَّ وقالَتْ … يا عَدِيٌّ لَقَدْ وَقَتْكَ الأَوَاقِي (١)
والأَصلُ: الوَوَاقي.
وتبدل الهمزة من الواو في تصغير: وَاصِل فيقال: أُوَيْصِل، والأَصْلُ: وُوَيْصِل.
وكذلك ما شاكَلَه؛ هذا قول أبي عَبْدِ الرحمن الخليل بن أحمد الفُرْهُودي (٢) الأَزْدِي، رحمه اللّه تعالى.
والهمزة تبدل من الواو إِذا انضمَّت أو انكَسَرَتْ، فيقال: أُجُوه في وُجُوه، وأُجِّهَ في وُجِّهَ، وأُقِّتَتْ في وُقِّتَتْ، وإِسادَة في وِسادة، وإِعاء في وعاء.
وتبدَلُ من الواوِ في قولهم: أَثْؤُب جمع: ثَوْب، وفي قولهم: قَؤُول، قال السَّمَوْألُ (٣):
стр. 71
إِذَا مَاتَ مِنَّا سَيِّدٌ قَامَ سَيِّدٌ … قَؤولٌ بِمَا قَالَ الكِرَامُ فَعُولُ
وتبدل من الواو بعد كلِّ ألفٍ زائدةٍ في مثل: قائم، وصَائِم، والأصل: قَاومٌ، وصَاوِمٌ.
وتبدل من الواو في مثل: أبناء وآباء، والأصلُ: أبناؤٌ، وآباوٌ، وفي مثل: كِسَاء، وخِبَاء، الأصل: كِسَاوٌ، وخِبَاوٌ، لأنهما من: كَسَوْتُ، وخَبَوْتُ.
وتبدل من الياء في مثل: سائر، وطائر، لأنهما من: يسير، ويطير، وفي مثل: رِداء، وسِقَاء، والأصل: ردَايٌ، وسِقَايٌ.
وتُبْدَلُ من ألفِ التأنيث في مثل: بيضاء، وسوداء، وعُشَراء ونحو ذلك، وفي مثل:
أَنْبِيَاء، وأَوْلِياء، وأَصْدِقاء.
وتبدل الهمزة من الهاء في قولهم: آلٌ، والأصلُ: أَهْلٌ، فأُبدلت الهمزة من الهاء فقيل: أَأْلٌ، ثم خُفِّفَت الهمزة وأبدلت ألفاً فقيل: آل. وتصغير آل: أُهَيْل، على مذهب الجمهور. وقال يونس: تصغير آل: أُوَيْل (١).
إِبْدالُ الطّاء:
تبدَلُ الطَّاء من تاء الافتعال إِذا كان فاء «افتعل» أحدَ الحروف المطبَقَة وهي أربعة:
стр. 72
الصاد، والضاد، والطاء، والظاء، نحو: اصْطَبر، واضْطَرَب، واطّلَع، واظطلم، والأصل:
اصْتَبر، واضْتَرب، واطْتَلع، واظْتَلم، فأُبدلت التّاء من ذلك كلّه طاء، قال زهير (١):
هُوَ الجَوَادُ الَّذِي يُعْطِيكَ نَائلَهُ … حِيناً ويُظْلَمُ أَحْيَاناً فيَظْطَلِمُ
إِبْدالَ المِيم:
تُبْدَلُ الميمُ من النون إِذا كانتِ النُّون ساكنة، وكانت بعدها باء في مثل: عَنْبَر، قَنْبَر، وشَنْبَاء من: شَنَبِ الأَسْنان، فيقال: عَمْبَر، وقَمْبَر، شَمْبَاء، بالميم.
وتُبْدَل من الواو في: فم وأصلُه، فَوْهٌ، على وزن: فَوْز، فحُذِفَتِ الهاءُ وانْقلبتِ الواوُ ميماً، قال الفَرَزْدَق (٢):
هُمَا نَفَثَا في فِيَّ مِنْ فَمَوَيْهِما … على النَّابِحِ العَاوِي أشَدَّ لِجَامِ
قال النحويون: غَلِط الفرزدق في قوله: «فمويهما» لأنَّه جمع بين البدل والمبْدَلِ منه، لأنَّكَ إِذا جمعْتَ الفَمَ قُلْتَ أفْواهٌ، أو صغرته قلت: فُوَيْه.
стр. 73
إِبْدالُ التّاء:
تُبْدل التاءُ من الواوِ في: تُراث، وتُجاه، وتَقِيَّة، وتُخَمة، وتُكَأة وفي: تُكْلان، لأنها من: ورث، وتوكّأ، ومن: الوجه، ومن: وقيتُ، ومن الوخم، ومن: وكيل.
وتبدل من الواو في: بنت، وأخت، لأن الجمع: أخوات، وبنات، ولقولك (١):
الأخوّة، والبنوّة.
وتبدَلُ في: هَنْتٍ (٢) لقولك: هَنَوَات.
وإِذا كانت فاء «افْتَعل» واواً أبْدلَتْ تاءً في مثل: اتَّزَنَ، واتّصَلَ، قال طرفة (٣):
رَأَيْتُ القَوَافِي يَتَّلِجْنَ مَوَالِجاً … تَضَايَقُ عَنْهَا أَنْ تَوَالجَها الإِبَرْ
وكذلك إِذا كانت فاء «افتعل» ياء في مثل قولهم: رجل مُتَّسِرْ، من اليسر، ومُتَّئِس، من اليَأْس، والقياس في ذلك مُطَّرد.
وأبْدلَتِ التاءُ من الياءِ في قولهم: ثنتان، لأنّه من: ثنيت.
стр. 74
(وأبْدلَتِ التاءُ من الدال والسّين في: سِتّ، وأصله: سِدْس، لأنَّ جمعه أسْداس، وتصغيرُه سُدَيْس) (١).
وأبدلتِ التَّاء من اللام في: كلْتاهما، وأصله: كلاهما.
إِبدالُ النُّون:
تبدل النون من الهمزة في النسبة إِلى صنعاء، وبَهراء، فقالوا: صَنعاني، وبَهراني.
وإِنْ شئت قلت: النون بدل من الواو في: صَنْعاوي، وبَهْراوي.
إِبدال الجيم:
تُبدلُ الجيمُ من الياءِ بدلاً لا يقاس عليه في قوله (٢):
يا رَبِّ إِنْ كُنْتَ قَبِلْتَ حَجَّتِجْ … فلا يَزَالُ شَاحِجٌ يَأْتِيكَ بِجْ
يريدُ: حَجَّتِي، ويأتيكَ بي.
وقال آخر (٣):
стр. 75
خَالِي عُوَيْفٌ وأَبُو عَلِجِّ
الْمُطْعِمِان اللَّحْمَ بالعَشِجِّ
وبِالغَدَاةِ فِلَقَ البَرْنِجِّ
وقالَ أبو النَّجم (١):
كَأَنَّ في أَذْنَابِهِنَّ الشُّوَّلِ
مِنْ عَبَسِ الصَّيْفِ قُرُونَ الإِجَّلِ
يريد: الإِيَّل.
إِبْدالُ الدَّال:
إِذا كانَتْ فاءُ «افتعل» دالاً أو ذَالاً أو زَاياً أُبدلَتِ التاءُ دَالاً، نحو: ادَّلَج، وادَّرَأ (٢)، وادَّكَرَ، وازْدَجَر؛ لأنّه من: أَدلج، ودَرِئ، وذكر، وزَجَر، والأصل: ادْتَلَج وادْتَرأ وإِذْتَكَر، وازْتَجر. وأُبْدِلتِ الدالُ من التاء في قولهم: وَدٌّ، وأصله: وَتَدٌ، فأسْكنوا التاءَ ثم أبْدَلوها دَالاً، ثم أَدْغموا الدَّالَ في الدال، قال أبو النجم (٣):