إِذَا مَاتَ مِنَّا سَيِّدٌ قَامَ سَيِّدٌ … قَؤولٌ بِمَا قَالَ الكِرَامُ فَعُولُ
وتبدل من الواو بعد كلِّ ألفٍ زائدةٍ في مثل: قائم، وصَائِم، والأصل: قَاومٌ، وصَاوِمٌ.
وتبدل من الواو في مثل: أبناء وآباء، والأصلُ: أبناؤٌ، وآباوٌ، وفي مثل: كِسَاء، وخِبَاء، الأصل: كِسَاوٌ، وخِبَاوٌ، لأنهما من: كَسَوْتُ، وخَبَوْتُ.
وتبدل من الياء في مثل: سائر، وطائر، لأنهما من: يسير، ويطير، وفي مثل: رِداء، وسِقَاء، والأصل: ردَايٌ، وسِقَايٌ.
وتُبْدَلُ من ألفِ التأنيث في مثل: بيضاء، وسوداء، وعُشَراء ونحو ذلك، وفي مثل:
أَنْبِيَاء، وأَوْلِياء، وأَصْدِقاء.
وتبدل الهمزة من الهاء في قولهم: آلٌ، والأصلُ: أَهْلٌ، فأُبدلت الهمزة من الهاء فقيل: أَأْلٌ، ثم خُفِّفَت الهمزة وأبدلت ألفاً فقيل: آل. وتصغير آل: أُهَيْل، على مذهب الجمهور. وقال يونس: تصغير آل: أُوَيْل (١).
إِبْدالُ الطّاء:
تبدَلُ الطَّاء من تاء الافتعال إِذا كان فاء «افتعل» أحدَ الحروف المطبَقَة وهي أربعة:
стр. 72
الصاد، والضاد، والطاء، والظاء، نحو: اصْطَبر، واضْطَرَب، واطّلَع، واظطلم، والأصل:
اصْتَبر، واضْتَرب، واطْتَلع، واظْتَلم، فأُبدلت التّاء من ذلك كلّه طاء، قال زهير (١):
هُوَ الجَوَادُ الَّذِي يُعْطِيكَ نَائلَهُ … حِيناً ويُظْلَمُ أَحْيَاناً فيَظْطَلِمُ
إِبْدالَ المِيم:
تُبْدَلُ الميمُ من النون إِذا كانتِ النُّون ساكنة، وكانت بعدها باء في مثل: عَنْبَر، قَنْبَر، وشَنْبَاء من: شَنَبِ الأَسْنان، فيقال: عَمْبَر، وقَمْبَر، شَمْبَاء، بالميم.
وتُبْدَل من الواو في: فم وأصلُه، فَوْهٌ، على وزن: فَوْز، فحُذِفَتِ الهاءُ وانْقلبتِ الواوُ ميماً، قال الفَرَزْدَق (٢):
هُمَا نَفَثَا في فِيَّ مِنْ فَمَوَيْهِما … على النَّابِحِ العَاوِي أشَدَّ لِجَامِ
قال النحويون: غَلِط الفرزدق في قوله: «فمويهما» لأنَّه جمع بين البدل والمبْدَلِ منه، لأنَّكَ إِذا جمعْتَ الفَمَ قُلْتَ أفْواهٌ، أو صغرته قلت: فُوَيْه.
стр. 73
إِبْدالُ التّاء:
تُبْدل التاءُ من الواوِ في: تُراث، وتُجاه، وتَقِيَّة، وتُخَمة، وتُكَأة وفي: تُكْلان، لأنها من: ورث، وتوكّأ، ومن: الوجه، ومن: وقيتُ، ومن الوخم، ومن: وكيل.
وتبدل من الواو في: بنت، وأخت، لأن الجمع: أخوات، وبنات، ولقولك (١):
الأخوّة، والبنوّة.
وتبدَلُ في: هَنْتٍ (٢) لقولك: هَنَوَات.
وإِذا كانت فاء «افْتَعل» واواً أبْدلَتْ تاءً في مثل: اتَّزَنَ، واتّصَلَ، قال طرفة (٣):
رَأَيْتُ القَوَافِي يَتَّلِجْنَ مَوَالِجاً … تَضَايَقُ عَنْهَا أَنْ تَوَالجَها الإِبَرْ
وكذلك إِذا كانت فاء «افتعل» ياء في مثل قولهم: رجل مُتَّسِرْ، من اليسر، ومُتَّئِس، من اليَأْس، والقياس في ذلك مُطَّرد.
وأبْدلَتِ التاءُ من الياءِ في قولهم: ثنتان، لأنّه من: ثنيت.
стр. 74
(وأبْدلَتِ التاءُ من الدال والسّين في: سِتّ، وأصله: سِدْس، لأنَّ جمعه أسْداس، وتصغيرُه سُدَيْس) (١).
وأبدلتِ التَّاء من اللام في: كلْتاهما، وأصله: كلاهما.
إِبدالُ النُّون:
تبدل النون من الهمزة في النسبة إِلى صنعاء، وبَهراء، فقالوا: صَنعاني، وبَهراني.
وإِنْ شئت قلت: النون بدل من الواو في: صَنْعاوي، وبَهْراوي.
إِبدال الجيم:
تُبدلُ الجيمُ من الياءِ بدلاً لا يقاس عليه في قوله (٢):
يا رَبِّ إِنْ كُنْتَ قَبِلْتَ حَجَّتِجْ … فلا يَزَالُ شَاحِجٌ يَأْتِيكَ بِجْ
يريدُ: حَجَّتِي، ويأتيكَ بي.
وقال آخر (٣):
стр. 75
خَالِي عُوَيْفٌ وأَبُو عَلِجِّ
الْمُطْعِمِان اللَّحْمَ بالعَشِجِّ
وبِالغَدَاةِ فِلَقَ البَرْنِجِّ
وقالَ أبو النَّجم (١):
كَأَنَّ في أَذْنَابِهِنَّ الشُّوَّلِ
مِنْ عَبَسِ الصَّيْفِ قُرُونَ الإِجَّلِ
يريد: الإِيَّل.
إِبْدالُ الدَّال:
إِذا كانَتْ فاءُ «افتعل» دالاً أو ذَالاً أو زَاياً أُبدلَتِ التاءُ دَالاً، نحو: ادَّلَج، وادَّرَأ (٢)، وادَّكَرَ، وازْدَجَر؛ لأنّه من: أَدلج، ودَرِئ، وذكر، وزَجَر، والأصل: ادْتَلَج وادْتَرأ وإِذْتَكَر، وازْتَجر. وأُبْدِلتِ الدالُ من التاء في قولهم: وَدٌّ، وأصله: وَتَدٌ، فأسْكنوا التاءَ ثم أبْدَلوها دَالاً، ثم أَدْغموا الدَّالَ في الدال، قال أبو النجم (٣):
стр. 76
ثُمَّ اضْرِبِي بالْوَدِّ مِرْفَقَيْهَا
إِبدال اللام:
يبدلُ اللامُ من الياء في تصغير: أصيل، فيقال: أصَيلالٌ. قال النابغة:
وقَفْتُ بها أصَيْلالاً أسائلها … أعْيَتْ جواباً وما بالرّبْع من أحَدِ
والأَصْلُ: أصَيَّال، بياء مشدّدة، وليس ذلك بمطَّرِدٍ (١)
إِبْدالُ الهَاء:
تبدلُ الهاءُ من الهمزةِ في قولهم هَرَقْتُ الماءَ، أيْ أَرَقْتُه؛ وفي: هَيْمُ اللّه، أي: أَيْمُ اللّه؛ وفي: هَرَحْتُ الدَّابةَ، أي أَرَحْتُ؛ وفي: هِيَّاكَ، أي إِيَّاك، قال الشاعر (٢):
فَهِيَّاكَ والأَمْرَ الَّذِي إِنْ تَوَسَّعَتْ … مَوَارِدُهُ ضَاقَتْ عَلَيْكَ المَصَادِرُ
وتُبْدَلُ في قولهم: هِنْ فَعلْت، أي: إِنْ فعلت.
стр. 77
وتُبدلُ من الوَاوِ في: هَنَاه، وأصْلُها: هَنَاو، قال امرُؤُ القَيْس (١):
وقَدْ رَابَنِي قَوْلُها يا هَنَا … هُ وَيْحَكَ أَلْحَقْتَ شَرّاً بِشَرّ
وتُبَدلُ الهاء من الياء في: هذي، فيقولون: هذه، وفي: ذي، فيقولون: ذه.
وتبدَلُ أيضاً من الياء في: هُنيْهَة، تصغير: هَنَة، وأصلها الأول، هُنَيْوَة، ثم أبدلوا الياء من الواو فقالوا: هَنَيَّة، ثم أبدلوا الهاء من الياء فقالوا: هُنَيْهَة، لأنها من هَنَوَات، قال الشاعر (٢):
أَرَى ابْنَ نِزَارٍ قَدْ جَفَاني وإِنّني … عَلَى هَنَوَاتٍ شَأْنُها مُتَتَابِعُ
وتُبَدل الهاء من الألف في هُنا، فيقال: هُنَهْ، قال الرَّاجزُ (٣):
قَدْ وَرَدَتْ مِنْ أَمْكِنَهْ
مِنْ هَهُنَا ومِنْ هُنَهْ
وتبدل الهاء من التاء في طلحةَ، ونحوها إِذا وقَفْتَ.
стр. 78
الحَذف
الحذفُ في كلامِ العَرب على وَجْهَين: حَذْفٌ عن عِلّة، والقياس فيه مطَّرِد. وحَذْفُ استخفافٍ لا يَجوزُ فيه القِياس.
فالحذف الذي عن عِلَّة: إِذا كانَ فاءُ الفِعل واواً، وكان على «فَعَلَ يَفْعِلُ» بفَتْح العَيْن في الماضي وكسرها في المستقبل، حُذِفَتِ الواو في المستقبل لوقوعها بين ياءٍ وكَسْرة.
وذلكَ في مِثْل: وَلَدَ يَلِدُ، ووَعَدَ يَعِدُ، ووَصَلَ يَصِلُ، أصلُها: يَوْلِدُ، ويَوْعِدُ، ويَوْصِلُ؛ فحذفت الواو لوقوعها بين ياءٍ وكسرة، قال اللّه تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ (١)، فحذفت الواو في ﴿يَلِدْ﴾، لأنها وقعت بين ياء وكسرة، ولم يحذفها في: ﴿يُولَدْ﴾، لأنها وقعت بين ياء وفتحة. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿لا تَوْجَلْ﴾ (٢). (جمه فأما: يَهَبُ، ويَدَعُ، فَأصلهما: يَوْهِبُ، ويَوْدِعُ بكسر الهاء والدال. ومَنْ قالَ: أصلهما بالفتح فقد أخطأ، لأنه لو كان كما قال لم تحذف الواو، كما لم تحذف في: يولد وتوجل، وإِنما حذفت الواو منهما لوُقُوعها بين ياء وكسرة: ثم فتحا بعد حذفها لأن فيهما حرف من حروف الحلق.
إِلى هـ) (٣).
وكذلكَ حُذفتِ الواوُ في المصْدَر من هذا الباب في: عِدَة، وزِنَة، وصِلَة، ولِدَة، وكان الأصل: وِعْدَة، ووِزْنَة، ووِصْلَة، ووِلْدَة، فاستُثْقِلَتِ الكَسْرةَ على الواو، فنُقِلَت
стр. 79
حركتها إِلى ما بعدَها، وحُذفتِ الواو استخفافاً، كما حُذفتْ في الفعل الذي صدر عنه وهو: يلِد، ويَعِد، ويَصِل، ويَزِن وما شاكل ذلك.
(وكذلك إِذا وقعت الواو بين كسرة وبين أحد حروف المضارعة حُذفتْ أيضاً، كراهية منهم أن يختَلِفَ الفعْلُ المضارع، فأجرَوْه مجرىً واحداً، وإِنْ الأصل الياء والكسرة) (١).
وإِذا كانَ ماضي الفعل على «أَفْعَلَ» حُذفَتْ همزتُه في المضارع، نحو: أَكْرَمَ يُكْرِمُ، وأَطْعَمَ يُطْعِمُ، وكان الأصل: يُؤَكْرِمُ، ويُؤَطْعِمُ، فحُذفَتِ الهمزةُ. وقد جاءت على الأصل في قول الراجز (٢):
فَإِنَّهُ أَهْلٌ لأنْ يُؤَكْرَمَا
وهو شاذٌّ قليل.
ومن الحذف لعلِّة الجزْمِ (٣) على وَجْهَيْن: حَذْفِ حَركة، مثل: لم يَقُمْ، ولم يَقْعُد، ولم يجلسْ. والثاني: حذف حَرْف، مثل: لم يَغْزُ، ولم يَرْمِ، ولم يَخْشَ، والأصل: يغزو، ويرمي، ويخشى، فحُذِفَتْ هذه الأحرف للجَزْمِ.
стр. 80
وأما الحَذْفُ لالتقاء الساكنَيْن فمثل قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ﴾، والأصل: يَكُونُ، فحُذَفَتْ حركةُ النون للجزم، وحُذِفَتْ الواو لالتقاءِ الساكنين، وهما: الواو والنون.
وكذلك: قُلْ، وبِعْ، وخَفْ، أصلُها: قُولْ، وبِيعْ، وخَافْ، فَحُذفت الواو والياء والألف لسكونها وسكون ما بعدها. ومثل ذلك: قاضٍ، وماضٍ، وغازٍ أصلُه: قاضِيٌ، وماضِيٌ، وغازِوٌ، فانقلبت الواو في: غازِو ياءً لانكسار ما قبلها، لأن الكسرة تدل على الياء، فصار: غازِيٌ، ثم استُثْقِلَتِ الضمَّة على الياء فأسْكِنَت ثم حُذِفَتْ لالتقاءِ السَّاكنين، وهما الياء والتنوين. وكانت الياء أولى بالحذف، لأنه قد بقي ما يدل عليها وهي الكسرة، ولو حذف التنوين لم يبق ما يدل عليه، وكذلك ما شاكل ذلك. ومثل ذلك:
هذا قَوْلٌ مَقُولٌ، وفَرَسٌ مَقُودٌ، والأصل: مَقْوول، ومَفْوُود، فاسْتثقلت الضمَّة على الواو، فأسكِنَتْ وحُذفَتْ إِحدى الواوين على اختلافٍ في أيَّتهما المحذوفة.
الحذف الثاني للاستخفاف، وهو الذي لا يقاس عليه.
والحروفُ التي يقَعُ عليها الحذْفُ عشرةٌ، جمعتُها ليسْهُلَ حِفظّها في هذه الكلمات: «أُبيحَ خَوفٌ هُنا». فجاءتْ نِصْفَ بيتٍ من الشعر، وهَذَا تَمامُه:
أُبِيحَ خَوْفٌ هُنَا … قَدْ أَسْهَرَ الأَعْيُنَا
وجِمعتُها أيضاً في هذِه الكلمات: «خفي أَحوابهن».
стр. 81
حَذْفُ الهَمْزَة:
حُذفَتِ الهمزةُ أوّلاً في اسمِ اللّهِ للاستخفافِ وكثرَة الاستعمال. وأصْلُه: إِلَاهٌ، قالَ اللّهُ تعالى: ﴿إِنَّما إِلهُكُمُ اَللّهُ﴾ (١)، وقال الهُذَلي (٢):
حَمِدْتُ إِلهِي بَعْدَ عُرْوَةَ إِذْ نَجَا … خِرَاشٌ وبَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ
فالأَلِفُ واللامُ عِوضٌ منَ الهمزةِ في أحدِ قَوْلَيْ سيبويه (٣). والقَولُ الآخرُ: أنّ أصلُه: لَاهٌ، وهوَ مأخوذٌ من لَاهَ: إِذَا احْتَجب. والأول من الإِلَهة، وهي العِبادَة، وقيلَ من أَلَه: إِذا فَزِعَ وتحيَّر.
وحُذفَتِ الهمزةُ من: أُناس، فقيل: النّاس. وقد جاءَ ذلكَ على الأَصْلِ في قول للشِّاعر (٤):
أُنَاسٌ إِذا مَا أَنْكَرَ الكَلْبُ أَهْلَهُ … أَنَاخُوا فَعَاذُوا بالسُّيُوفِ الضَّوَارِبِ
هذا قَولُ سيبويهِ، ويَحْيَى بنِ زيادٍ (٥) الفَرّاء. وقالَ الكِسائي (٦): «الناسُ، وأُنَاسٌ:
стр. 82
لغتَان بمعْنًى، وليسَتْ إِحْداهما مأخُوذَةً منَ الأخْرى. والدليلُ على ذلكَ أنّكَ إِذا صَغَّرْتَ النَّاسَ قلْتَ: نُوَيْس، ولو كانَ أصْلُه أُنَاساً لقلتَ في تَصْغِيره: أُنَيِّس.
وحُذِفتْ للتّخفيفِ في قَوْلِهم: يا با فلان، أي يا أَبا فلان، قال الأَسْودُ (١):
رُبَّ أَمْرٍ مُعْضِلٍ فَرَّجْتُ بِالْ … مَكْرِ منِّي والدَّهَا يابَا المُغِيرَهْ
وقال شاعر الخوارج (٢) يرثي زيدَ بنَ عليِّ بن الحُسَيْن:
يا با حُسَيْنٍ والأُمُورُ إِلى مَدًى … أَوْلَادُ دَرْزَةَ أَسْلَمُوكَ وطَارُوا
يا با حُسَيْنٍ لَوْ شُرَاةُ عِصَابَةٍ … عَلِقُوكَ كَانَ لِوِرْدِهِمْ إِصْدَارُ
وحُذِفَتِ الهمزَةُ أيضاً في الأمْر من أخَذَ، وأكَلَ، وأمَرَ، فقيل: خُذْ وكُلْ، ومُرْ، الأصلُ اؤخُذْ، واؤْمُرْ، واؤكُلْ، قال اللّه تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ (٣)، وقال: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ (٤). وقد جاء في القرآن على الأصل في قوله تعالى:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ (٥).
стр. 83
وحُذِفَتِ الهمزة أيضاً وَسطاً في الأمر من: سَأَلَ، فقالوا: سَلْ، أي اِسْألْ، قال اللّه تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ﴾ (١)، وقال فيما لم يُحْذَف: ﴿وَسْئَلِ اَلْقَرْيَةَ اَلَّتِي كُنّا فِيها﴾ (٢)، ويقرأ بالتخفيف أيضاً، وهي قراءة أبي عمرو، والكسائي، واختيار أبي عبيد، وقرأ الباقون بالهَمْز.
وحُذِفَتِ الهمزة أيضاً في مُسْتَقْبَل: رَأَيْت، فقالوا: يَرَى، قال اللّه تعالى:
﴿أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ (٣).
وقد جاء على الأَصْل في قول سُرَاقَةَ البارِقيِّ (٤):
أُرِي عَيْنَيَّ ما لَمْ تَرْأَيَاهُ … كِلَانَا عالِمٌ بِالتُّرَّهَاتِ
وحذفت أيضاً عن أبي زيد (٥) في قولهم: سواءٌ سوايَةٌ والأَصْل: سَوَائِيَة، مثل كَرَاهِية.
وحذفت الهمزة أيضاً وسطاً في: أشياء، والأَصْل: أشْيِئَاء، على وزن أَفْعِلَاء مثل:
أنبياء، وأولياء؛ ولو كانتْ على وَزْنِ «أَفْعال» لانْصَرَفَتْ، كأجزاء وأبناء، هذا قول
стр. 84
الأخفش والفراء:
وللعلماء أقوال في: أشياء، قد ذكرناها في موضعها في (باب الشّين والياء).
حَذْفُ الألِف:
حذفُ الألِفِ قليلٌ لخفّتها. وقد حذفها لَبِيدٌ في قوله (١):
وقَبِيلٌ مِنْ لُكَيْزٍ شَاهِدٌ … رَهْطُ مَرْجُومٍ ورَهْطُ ابْنِ المُعَلّ
أراد: ابن المُعَلَّى، فحذف الألف. وقال النَّحويونَ: حُذِفَتِ الألفُ في قوله تعالى:
﴿يا أَبَتِ﴾ (٢)، أراد: يا أَبَتَا، وأنشدوا (٣):
فَلَسْتُ بِمُدْرِكٍ ما فَاتَ مِنِّي … ب «لَهْفَ» ولا ب «لَيْتَ» ولا «لَوَانِّي»
أراد: ب «لَهْفاَ»؛ هذا قولُ أبي حاتِم (٤)، وأبي عُبَيْد، وقُطْرُب (٥). وللعُلماءِ في قوله ﴿يا أَبَتِ﴾ أقوالٌ قد ذكرناها في: باب الهمزة والباء.
стр. 85
حَذْفُ الواو:
حُذفت الواو في قولهم: حَمٌ، لأنهم يقولون: حَمُوكَ، فيُظْهرُونها.
وحُذِفَتْ من قولهم: غَدٌ وأصله: غدْوٌ، وقد جاء على الأَصْل في قول الراجز (١):
لا تَقْلُوَاهَا وادْلُوَاهَا دَلْوَا … إِنَّ مَعَ اليَوْمِ أَخَاهُ غَدْوَا
وحذفت في قولهم: أبٌ، وأخٌ؛ والأصل: أَبَوٌ، وأَخَوٌ، لأنها تظهر في التثنية إِذا قُلتَ: أبَوَان وأَخَوان، وفي قولهم: الأُبُوَّة، والأُخُوَّة.
وكذلك حُذِفَتْ في: ابن، لقولهم: البُنُوَّة، والأصل: بَنَوٌ.
وحُذِفَتْ في: اسم لأنَّ اشتقاقَه من: السُّمُوّ، وأصله: سِمْوٌ (٢)، والجمع: أسْمَاءٌ، كعِضْوٍ وأعْضَاء. وقيل: اشتقاقُه من: السِّمَة، وهي العلامة، وليس ذلك بشيء، لأن ألِفَ الوصْلِ لا يدخُلُ على شيء مِنَ المثالِ حُذِفَتْ فاؤُه، وإِنما تدخلُ عليه هاءُ التأنيث ك:
العِدَة، والزِّنَة، ونحو ذلك.
وحذفت في قولهم: هَنٌ، وهو من الواو، لقولهم: هَنَوَاتٌ.
وحذفت من: كُرَة، وقُلَة، لقولهم: كَرَوْتُ بالكُرَة، وقَلَوْتُ بالقُلَة.
وحذفت من: الثُّبَة، وهي الجماعة من الناس، قال اللّه تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ (٣).
стр. 86
وحذفت من: الظُّبَة، وهي طرف السيف، عن الأخفش (١).
حَذْفُ اليَاء:
حُذِفَت الياء من: دَم، وأصلُه: دَمْيٌ، بسكُونِ الميم، ويُقال: دَمَيٌ، بفتحها لقولهم، في التَّثْنية: دَمَيَان، قال (٢):
ولَوْ أَنَّا على حَجَرٍ ذُبِحْنَا … جَرَى الدَّمَيَانِ بالخَبَرِ اليَقِينِ
ولقَوْلِهم في التَّصغير: دُمَيٌّ، هذا قول الجُمهُور. وبعضُهم يقول: دَمَوَان، وهو قليل. وقالَ بعضُهم: دَمَان، وهو أقل.
وحُذفَتْ من: يد، والأَصْلُ يَدْي، بسُكُونِ الدال، لقولِهم في التَّصغير: يُدَيَّةٌ، وفي الجمع: الأَيْدِي. ولقَوْلِهم: يَدَيْتُ إِلى فُلانٍ مَعْروفاً، أي أَسْديْتُ.
وحُذفَتْ في قولهم: مِئَة، وأصْلُه «مِئْيَة»، لقولهم: أَمْأَى الرَّجل: إذَا دخَلَ في المِئَة.
حَذْفُ البَاء:
حُذِفَتِ البَاء من قَوْلِهم: رُبَ رَجُلٍ رَأيْتُ، بالتَّخفيف أي: رُبَّ رَجُلٍ، قال الهُذَلي (٣):
ومخرَجُ الْغَينِ، والخاء، من أَدْنَى الحَلْق.
ثم أدنى من ذلك مخرج القاف من أقصى اللهاة.
ثم مخرج الكاف من أدنى اللهاة، وهي اللَّحْمَةُ المشرِفَةُ على الحَلْق.
ثم أَدْنَى من ذلكَ مخرَجُ الجِيم، والشّين.
ثم مخرَجْ الضَّاد. وكُلُّها شَجْرِيَّة، مخرَجها من شَجْرِ الفَم، وهو مَفْرَجُه.
ثم أَدْنَى من ذلكَ مخرَجُ الصَّادِ، والسّينِ، والزَّاي، من أَسَلَةِ اللِّسان، وهي مُسْتَدَقُّه.
ثم أَدْنَى من ذلكَ مخرَجُ الطَّاءِ، والدَّالِ، والتَّاءِ، من نِطْعِ اللّسان.
ثم أَدْنَى من ذلكَ مخرَجُ الظّاء، والذَّالِ، والثّاء، من اللِّثَةِ، وهي ما حَوْلَ الأَسْنان.
ثم أَدْنَى من ذلكَ مخرَجُ الرّاءِ.
ثم مخرَجُ اللاّم.
ثم مخرَجُ النُّون، وكلُّها ذَلْقيّة، مخارِجُها من ذَلْقِ اللّسانِ، وهوَ حَدُّه.
ثم أَدْنَى من ذلكَ مخرَجُ الفَاءِ من باطِنِ الشَّفَةِ.
ثم مخرَجُ الباءِ، والميمِ من ظاهِرِ الشَّفَة.
ثم مخرج الواو، والياء، والألف من الهواء بين الشفتين.
وقد قلت في ترتيب هذه الحروف على ما ذكره الخليل بن أحمد رحمه اللّه تعالى في كتاب (العَيْن):
стр. 92
العَيْنُ والجَاءُ ثُمَّ الهَاءُ والخَاءُ … والغَيْنُ والقَافُ ثم الكَافُ أتْلاءُ
والجِيمُ والشِّينُ ثُمَّ الضَّادُ مُعْجَمَةً … والصَّادُ والسِّينُ ثم الزَّايُ والطَّاءُ
والدَّالُ والتَّاءُ ثُمَّ الظَّاءُ مُعْجَمَةً … والذَّالُ مُعْجَمَةً والتَّاءُ والرَّاءُ
واللاَّمُ والنُّونُ ثُمَّ الفَاءُ والبَاءُ … والمِيمُ والوَاوُ ثُمَّ الهَمْزُ واليَاءُ
على مَخارِجِها ب (العَين) قد قُطِرَتْ … كَمِثْلِما قُطِرَتْ في الإِبْل أَنْضاءُ
أَتَى الخَلِيلُ بِعِلْمٍ ما أَتَى أَحَدٌ … بِهِ فَأَضْحَى لَهُ باللَّفْظِ إِحْصاءُ
أَتَى بِمُسْتَعْمَلِ الأَلْفَاظِ ثُمَّ أَتَى … بِمُهْمَلٍ حَقُّهُ رَفْضٌ وإِلْغَاءُ
فَكُلُّ لَفْظٍ صَحِيحٌ أَوْ بِهِ سَقَمٌ … في (العين) قدْ أَوضَحَتْ فِيهِ الأدِلاّءُ
والكُلُّ يَمْتَارُ مِنْ عِلْمِ الخَلِيلِ ومِنْ … دَوَائِهِ يَتَدَاوَى مَنْ بِمهِ داءُ
وإِنَّما جعلَ الخليلُ الهمْزَةَ مع حروف المد واللِّين، لأنها تُليَّن فتُلْحَقُ بها.
واعلَمْ أنَّه إِذا التَقَى حَرْفانِ من جنسٍ واحدٍ أَدْغَمْتَ أحدَهما في الآخر، وهو أن تُسكِّنَ الأوّلَ وتُدْغِمَهُ في الثاني، أي تُدْخِلَهُ فيه، فيصيران حرفاً واحداً مشدَّداً.
وإِذا التقى حرفان متقاربان في المخرج أَدْغَمْتَ الأول منهما أيضاً في الثاني.
فالحَرْفان من جِنْسٍ واحد مثلُ: صَدَّ، وعَدَّ، وشَدَّ، [والأصل: صَدْدَ، وعَدْدَ، وشَدْدَ] (١)، ونحو ذلك.
والمتقارب في المخرج الحروفُ التي تُدْغَمُ فيها لامُ المعرفة، وهي ثلاثَةَ عَشرَ حَرْفاً:
стр. 93
النُّون، والدَّال، والذَّال، والتَّاء، والثَّاء، والسّين، والشّين، والصّاد، والضّاد، والطّاء، والظّاء، والرّاء، والزّاي.
أدْغَمْتَ لامَ المعرفةِ في هذهِ الحروفِ لقُرب مخْرَج لامِ المعرفةِ من مَخارِجها.
ومن ذلِكَ الحروفُ التي يُدْغم فيها النُّون والتَّنْوين، وهي ستَّة يجمعُها قَوْلُكَ:
«يُرْمِلونَ»، كقولك: من يَّراك، ومن رَّآك، ومن مَعَكَ، ومن لَكَ، ومن وَّراءك، ومن نَّفَعَك.
وفي التنوين: زَيْد يَّراك، وزيد رَّآك، وزَيد مَّعك، وزَيد لَّك، وزيد وَّراءك، وزيد نَّفعك.
والحروفُ التي مَخْرَجها من طَرَفِ اللسان والثنايا يُدْغَمُ بعضها في بعض لقُرْبِ مَخارِجِها، وهي تِسعة.
التّاء، والسّين، والثّاء، والدّال، والذّال، والطّاء، والظّاء، والصّاد، والزّاي.
قال الخليل: «لمّا تقارَبَ المخرجان أُدْغمَ الحرفان في مَوْضِعَيْهِما فَثَقَلا على اللسانِ فجُعلا دُفْعةً واحدةً» قال: «وذلك ثقلٌ من قبل اللسان يدفَعُ من مَوْضِعِه ثم يُعادُ فيه بعينه كإِعادة الحديث مرتين».
والحروفُ الحَلْقيّة يظْهَر النون والتنوين معها، كقولك منْ أَمَرَكَ، ومنْ هداك، ومنْ عَلَّمَكَ، ومنْ حاكَمَك، ومنْ غُلامُكَ، ومن خالَفَكَ.
وفي التنوين: زيدٌ أمَرَكَ، وزيدٌ هَدَاكَ، وزيدٌ علَّمك، وزيدٌ حاكَمَكَ، وزيدٌ غُلامُكَ، وزيدٌ خالَفَكَ.
وإِنما ظهرت النون والتنوين مع هذه الحروف الستة لتباعد مخارجها.
وحروف الإِطباق أربعة:
الصَّادُ، والضَّادُ، والطَّاءُ، والظَّاءُ.
стр. 94
وسمّيت مُطْبَقَةً لانطباق اللسانِ على ما حاذاهُ من الحَنَك الأعلى في مخارِجها.
وحروف الزيادة عشرة يَجْمَعُها قولك: سأَلْتَني ما هُو.
وحروفُ البَدَل اثْنا عَشَر يَجْمَعها قولك: جادَ طَويل أمِنْتَه.
والحروفُ التي يقع فيها الحذفُ عشرةٌ يجمعها قولُك: أُبيح خَوْف هنا.
والحروفُ المَهْمُوسة عَشَرَةٌ يَجْمَعها قولُك: سحتٌ كَثُفَ شَخْصُه.
والحروفُ المجْهورةُ تسعَةَ عَشَر حَرْفاً يجمعها قولُك: ضَلّ قُويرظ إِذْ غَزا بجُنْدِ طَمَع.
ومعنى الجهْر: شدة ارتفاعِ الصَّوت. والهَمْس: نقيضُ الجَهْر.
وحروف الاستِعلاءِ سبعةٌ يجمعُها قولُك: قظ ضغط خص. جمع ذلك أبو بكر بن أَشْتَه البغدادي (١) في كتاب (المُحَبَّر). وما عدا ذلك مُسْتَقِلٌّ.
والحروف الشديدة ثمانية يجمعها قولك: أجدكَ قطبت.
والحروف المتوسطة ثمانية يجمعها قولك: يَعْلو مارِن.
والحروفُ الرِّخوةُ ثلاثةَ عشرَ، وهي:
الصَّاد، والضَّاد، والسِّين، والشِّين، والحاءُ، والخاءُ، والثَّاء، والذَّال، والغَين، والهاءُ، والظاءُ، والزَّايُ، والفاءُ.
وهي ما عدا الشديدةَ والمتوسِّطةَ. وكلُّ حرفٍ غير متوسط ولا شديد فهو رخو.
والحروف اللواتي يُدْغَم فيها ولا تُدْغَم ستة يجمعها قولك: من ضرّ شَف.
стр. 95
فصل في أبنية كلامِ العَرَبِ
اعْلَمْ أنَّ جميعَ الكلامِ على ثلاثة أقسام: أسماء، وأفعال، وحروف معان.
ذكر الحروف
نبدأ بالحروف لقلَّتِها. وهي على ثلاثة أبنية: منها ما بُني على حرفٍ واحدٍ. ومنها ما بُني على حرفين، ومنها ما بُني على ثلاثةِ أحرف. ولا تُجاوزُ الثلاثةَ إِلا بحرْف لينٍ، وبضمِّ حرفٍ إِلى حرفٍ فيصيران حرْفاً واحداً، حَطّوا الحرْفَ عن غاية الفِعْلِ درجةً، لأنَّ الفعل أقوى من الحرف، كما حَطّوا الفعل عن غاية الاسم درجة، لأنّ الاسم أقوى من الفعل.
فأما ما بُني من الحروف على حَرْفٍ واحدٍ، فمثْلُ: باءِ القَسَمِ، وتائهِ، وواوه؛ كقولك: باللّهِ، وتاللّهِ، وواللّهِ. ولام التَّمليك، وباءِ الإِلصاق، وواوِ العطف، وكاف التشبيه، ونحوِ ذلك.
وأما ما بُني على حرفَيْن من حُروفِ المعاني، فمثل: هَلْ، وبَلْ، ومِنْ، وقَدْ، وأَمْ [ومُذْ] (١)؛ وما أشبَهَ ذلك.
وأما ما بُني من الحروف على ثلاثة، فمثل: لَيْتَ، وسَوْفَ، وأَجَلْ، ومُنْذُ.
وقد جاءت أحرف رباعية بحرف اللين، وهي: حَتَّى، وإِلاَّ، وأمّا. فأمّا: لَوْلا، ولَعَلَّ، وكأَنّ فحرفانِ ضُمَّ أحدُهما إِلى الآخَرِ وصُيِّرا حرفاً واحداً.
стр. 96
ذكْر الأسماء
الأسماء على وجَهْين: متمكّن، وغير متمكّن.
فالمتمكِّن على وَجْهَيْنِ:
اسْمٍ متمكّنٍ في الاسمية وكلِّ الإِعرِاب، نحو: زَيْد، وعَمْرو، وما جَرَى بجميعِ وجوهِ الإِعْراب.
واسْمٍ متمكّنٍ في الاسْميَّة وبعْضِ الإِعْراب.
وهو على وجهين: مُنْصَرفٍ، وغيرِ مُنْصَرف.
فالمنصرف نحو: قاضٍ، [وماضٍ] (١)، وغازٍ، وما شاكَلَ ذلك.
وغير المنصرف نحو: أحْمَدَ، وأسْعَدَ، وسائر الأسماء التي لا تَنْصَرِفُ.
وأمَّا الأسْمَاء غيرُ المَتمَكِّنة فهي على وجْهَين: مُظْهَرٍ، ومُضْمَر.
فالمظهر نحو: أَيْن، وكَيْفَ، وجميع الأسماء المبنيَّة (لأن هذا النوع عند بعضهم بمنزلة المظهر لما كان يدل على المعاني المختلفة بصيغةٍ واحدة كالمظهرة) (٢).
والمضمر على وجهين: متصل، ومنفصل.
فالمتصل على وجهين:
متصل لا يجوز فيه إِلا الرفع، نحو: تاء المُحَدِّث (٣) عن نفسه، وتاء المخاطب.
стр. 97
ومتصل يجوز فيه الخَفْضُ والنَّصْبُ، ولا يجوز فيه الرَّفْع، نحو: كاف المخاطب، وهاء الغائب، نحو: رأيتُكَ، ومَرَرْتُ بك، ورأيتُهُ، ومَرَرْتُ به. وكذلك التَثْنية، والجَمْع، والتأنيثُ، نحو. رأَيتُكُما، ورأيْتُهما، ورأيتُكُم، ورأيتُهُم، ورأيْتُها، ورأيتُهُنَّ؛ ومَررْتُ بكُما، ومَرَرْتُ بهِما، ومَرَرْتُ بكُمْ، ومَرَرْتُ بِهِم، ومَرَرْتُ بها، ومَرَرْتُ بهنَّ. وكذلك ياء الإِضافَةِ، نحوَ: أكْرَمْتَني، ومَرَرْتَ بي. فإِن اتصل باسم مُظْهَرٍ مرفوعٍ لم يَجُزْ تقديمُه عند عُلماءِ النَحويين، كقول الشاعر (١):
جَزَى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ … جَزَاءَ الْكِلَابِ العَاوِيَاتِ وقَدْ فَعَلْ
وكقول محمد بن زياد الشَّعْثَمِي المأربي (٢) وكان من أفصح شعراء اليمن المشهورين:
زُمَّا الْمَطِيَّ وقَرِّبَا (٣) الأَنْسَاعَا … جُعْنَا وقَلَّ حَيَاؤُهُ مَنْ جَاعَا
стр. 98
ولو قال الشاعر: «جزى ربُّنا عني»، وقال المأرِبي: «حياءُ من قد جاعا» لَسَلِمَا من الخطأ واللحن.
وإِنْ اتصل بمنصوب أو مخفوض جاز، كقول الآخر (١):
ونَادَى ابْنَهُ نُوحٌ أَلا ارْكَبْ فَإِنَّنِي … دَعَوْتُكَ لَمَّا أَقْبَلَ الماءُ طَاغِيَا
وفي المخفوض، كقولهم: «في بَيْتِهِ يُؤْتَى الحَكَم» (٢).
والمُضْمَرُ المنْفصِلُ على ثلاثة:
منْفَصِلٍ لا يجوزُ فيه إِلا الرفع، نحو: أنا، وأنت، وأنتُما، وأنْتُنَّ، وأنتم، ونَحْنُ.
[ومُنْفَصِلٍ يجوزُ فيه الرفعُ والنّصبُ والخفضُ، نحو] (٣): هو، وهُما، وهمْ، وهُنَّ.
ومُنْفَصلٍ لا يجوز فيه إِلا النصبُ، نحو: إِيّاك، وإِيايَ، وإِيّاكُما، وإِيّاكمْ، وإِياكُنَّ.
стр. 99
فصل في أبنية الأسماء
أقَلُّ ما بُني من الأسماء على ثلاثةِ أحرفٍ:
حرف يُبْتَدأ به.
وحرف يُوقَفُ عليه (للحَشْوِ لا للاسْتراحة) (١).
وحرف للحركة والإِعراب، نحو: زَيْدٍ، وعَمْرو، وما شاكَلَ ذلك.
فأما المضاعَفُ مثلُ: رَبٍّ، وجُبٍّ، من الأسْماء، ومَدَّ وشَدَّ، من الأفعال، فكلُّ حرفٍ مشدَّدٍ حرْفان. يدلُّ عليه الجَمْعُ والتَّصْغيرُ، نحو: جُبَيْب، وجُبُوب، وأَرْباب.
ويدلّ عليهِ في الفِعْلِ إِذا اتَّصل بالضَّمير، نحو: شَدَدْتُ، ومَدَدْتُ.
فأما قولهم: يَدٌ، وفَمٌ، وغَد، فأصْلُ غَدٍ: غَدْوٌ، قال الرَّاجز:
إِنَّ مَعَ الْيَوْمِ أَخَاهُ غَدْوَا (٢)
فجأء به على الأَصْلِ.
وأما فَمٌ فأصلُه: فَوْهٌ، على وَزْنِ: فَوْز، لأنَّ الجمعَ: أَفْوَاهٌ، والتصغيرُ: فُوَيْهٌ؛ والميمُ عِوَضٌ منَ الواوِ والهَاء.
وأما: يَدٌ فأصلها: يَدْيٌ، يَدلُّ عليهِ الجمعُ في قولك: الأَيْدِي، والتّصغيرُ في قولِكَ: يُدَيَّةٌ.
стр. 100
وأبنيَةُ الأسْماءِ ثلاثةٌ:
ثُلاثيٌّ مثلُ: زَيْد، وعمرو.
ورُباعي مثل: جَعْفَر، وعَقْرَب.
وخُماسِيٌّ مثل: سَفَرْجَل.
وتدخُلُها الزَّوائدُ مثل: أَحْمَدَ، دخلَتْ عليه الهمزَةُ زائدةً، فصارَ لفظُه لَفْظَ الرُّباعي.
وأبنية (١) الأفْعالِ على وجْهَيْن:
ثلاثيٍّ مثل: جَلَس، وقَعَد.
ورُباعيّ مثل: قَرْمَطَ في عَدْوِه: إِذا قارَبَه. نقَصَتْ عنِ الأسْماءِ بدَرجَة.
وتدخُلُ عليها: الزّوائدُ، مثلِ: يجلِسُ، ويقْعُدُ، ويُقَرْمِطُ ونحو ذلك.
وجميع أبنية (١) الأسْماءِ التي أوْرَدَها سِيبَويْه عَمْروُ بنُ عُثْمان الحارثي ثلاثمائةُ بِناءٍ وثمانيةُ أبْنِيَة. وزادَ النحويُّون بعدَه ثلاثَةَ أبْنِية. وزادَ أبو بكْرٍ محمدُ بنُ الحَسِن الزُّبَيْدي (٢) ثمانِين بناءً بعدَهُم.
وجميعُ أبْنِيةِ الأَفْعالِ التي أوْرَدَها سِيبَوَيْه أَرْبَعةٌ وثَلاثونَ بناءً، وزَادَ أبو بكرٍ ستَّةَ أبنيةٍ.
وقد أَثْبَتُّ ما صَحَّ عِنْدي من هذهِ الأَبْنيَةِ، وأورَدْتُه في هذا الكتاب متجنّباً للإِطَالةِ والإِسْهابِ، مُؤْثِراً من ذلك للفَصِيح المستَعْمَلِ على الحُوْشِيِّ الذي قد صارَ كالمُهْمَل.
стр. 101
فَصْل
قالَ الخليلُ (١) بنَ أحمدَ ﵀: «فإِنْ وردَتْ عليكَ كلمةٌ رُباعيّةٌ أو خُماسيَّةٌ معرَّاةٌ من الحُروفِ الذَّلْقيَّة، أو منَ الحروفِ الشَّفَويَّة، لا يكونُ في تلكَ الكلمةِ من هذهِ الحروفِ حَرفٌ واحدٌ أو اثنانِ أو فوقَ ذلك. فاعْلَمْ أنّ تلكَ الكلمةَ محدَثَةٌ مبْتَدَعَةٌ ليستْ من كلامِ العربَ».
قالَ الليثُ: «فقلتُ للخَليل: كيفَ تكونُ الكلمةُ المولَّدَةُ المبتَدعة؟ فقالَ: تكونُ مثلَ: الخَضَعْثَج، والكَسّعْطج، وأشْباهِ ذلك، فلا تَقْبلنَّ منهُ شيئاً، فإِنَّ النَّحاريرَ منهُم ربّما أَدْخَلوا على النّاسِ ما ليسَ من كلامِ العَرَب إِرادَة اللّبس والتعنُّت».
فكلُّ كلمةٍ رُباعيَّةٍ أو خُماسيَّةٍ ليسَ فيها حرفٌ من الحُروفِ الذَّلْقيَّةِ أو الشَّفويَّةِ فهيَ مولَّدَةٌ مبتدَعَةٌ؛ إِلاّ نحواً من عَشْرِ كلماتٍ جِئْنَ شَواذاً، وهي: العَسْجَد، والعَسَطُوس، والقُدَاحِس، والدُّعْشُوقة، والدَّهْدَعة، والدَّهْدَقَة، والزَّهْزَقة. وإِنّما عرينَ من هذِه الحُروفِ لأنَّ فيها العَيْنَ والقَافَ، ولم يدْخُلا في بناءٍ إِلا حَسَّناه، لأنّهما أَطْلَقُ الحروف.
وكلُّ بناءٍ رُباعيٍّ أو خُماسيٍّ معرّىً منَ الحروفِ الذَّلقية أو الشّفوية، أَوْ أَحَدِ حَرْفي الطّلاقَةِ، أو من الشّين والدّال أَوْ أَحدِهما؛ فليسَ من كلامِ العَرَب. والمعرَّى منَ الذّلقيَّةِ أو الشَّفوية نحو: قَعْسَج، ودَعْثَج، وقبعثج (٢). فهذا لا يُنْسَبُ إِلى العَرَب، ولو جاءَ عن ثقَةٍ لم يُنْكَر، ولكنْ لم يسمَعْ به؛ وإِنَّما ألَّفْناهَ لتعرِفَ صَحيحَ كلامِ العَرَبِ منَ الدَّخيل.
стр. 102
فَصْل في مصادِرِ الأَفْعال
أما «فَعَل» بفَتْح العَيْن منَ الماضِي فمستَقْبَلُهُ على ثلاثةِ أَضْرُب:
«فَعَل يَفْعُلُ»، مثل: قَتَل يَقْتُل قَتْلاً، وخَرَجَ [يَخرُج] (١) خُروجاً؛
و «فَعَل يَفْعِل»، مثل: ضَرَب يضرِبُ ضَرْباً، وجَلَس يجلِس جلُوساً.
و «فَعَلَ يَفْعَل»، مثلُ: مَنَع يَمْنَع مَنْعاً وخَضَع يخْضَع خُضوعاً.
إِلا أنّ مفتوحَ العَيْنِ في الماضِي والمُسْتَقبل لا يصِحُّ إِلا بعلَّةٍ تلْحَقُه وشَرْطٍ يلزَمُه، وهوَ أن يكونَ في موضِع العَيْن أو اللاَّمِ منه حَرْفٌ من حُروفِ الحَلْق، وهي: الهَمْزَةُ، والهَاءُ، والعَيْن، والحَاءُ، والغَيْن، والخاء (٢). إِلا حرفاً واحِداً، وهو قولهم: أَبَى يَأْبَى، وزادَ أبُو عَمروٍ (٣): رَكَنَ يَرْكَن. وزادَ بعضُهم: قَلَى يَقْلَى: إِذا أبغض. وطيّئٌ تُجيزُ ذلكَ فيما خَلا من حُروفِ الحَلْقِ في لُغَتِهم. فيقولونَ: فَنَى يَفْنَى، وبَقَى يَبْقَى، وما شاكَلَ ذلك.
والمصْدَرُ السّالِمُ من جميعِ هذه الأَفْعالِ الثّلاثة على: «الفَعْل» بفَتْحِ الفَاءِ وسُكونِ العَيْن أو «الفُعُول» بضَمّ الفَاءِ والعَيْن: «الفَعْل» للمتعدّي، و «الفُعُول» للاّزم. وقد يَجْتَمِعان معاً، وقد يُبْدَلُ بعْضُهما منَ الآخرَ.
стр. 103
قالَ الفَرّاء: (١) «ما ورَدَ عليكَ من بابِ «فَعَل يفعُل» أو «فَعَلَ يفعِل» مضْمومُ العَيْن في المسْتَقْبَل، أو مكسورها (٢) ولم يُسمَعْ له مَصْدَر، فاجْعلْ مصدرَه على «الفَعْل» أو على «الفُعُول»، «الفَعْل» لغةُ أهْلِ الحِجاز، و «الفُعُول» لُغَةُ أهْلِ نَجْد، مثل قولِهم:
سَكَتَ سَكْتاً وسُكُوتاً، وصَمَتَ صَمْتاً وصُمُوتاً.
وحكَى الخليلُ وسِيبَويه (٣) أنّ كلَّ فعلٍ ثُلاثيّ فَمَصْدَرُهُ «فَعْل» بفَتْحِ الفاء وسكون العين، واستدلاّ على ذلك بأنه إِذَا رَدَدْتَه إِلى المرَّةِ الواحِدَة جاءَ مَفْتوحاً، نحو:
قَام قَوْمةً، وذَهبَ ذَهْبَةً. فإِذا قلتَ: ذَهَب ذَهاباً، وقَام قِياماً، فإِنّما هوا اسمٌ للمصدر.
وقد يأتي «فَعِل» بكَسْرِ العَيْن «يَفْعَل» بفتحِها على «الفَعْل» أو «الفُعُول»، مثل:
جَهِلَ جَهْلاً، ورَكِنَ إِليه رُكوناً.
وكذلكَ «فَعُل يَفْعُل» بالضمّ فيهما يأْتي على «فَعْل». وهو شاذٌّ قَليل، مثلُ: مَجُدَ الرجلُ مَجْداً (ونتُن اللحمُ نَتْناً، ومَحُتَ اليوم مَحْتاً) (٤)؛ ويأتي على «فُعُولة» بالهاء، مثل: شَطُرَ الرجلُ شُطُورةً فهو شاطِر، ونحو ذلك. وهو من مصادر «فعُل يفعُل»، مثل:
حَمُضَ يَحْمُضُ حُمُوضَةً وصَعُبَ الأمرُ صُعُوبةً، ونحوِ ذلك.
وقد يأتِي للأفْعالِ مصادِرُ غيرَ هذه. منها ما يختصُّ به بعضُها دونَ بعضٍ، ومنها ما تشتَرِكُ فيه، وبعضُها أغْلبُ عليهِ من الآخَرِ، وإِنْ كانَ قد جاءَ فيه شاذّاً، ومنها ما جاءَ قلِيلاً شاذّاً في البَعْضِ منها أو في كُلِّها. منها ما ذكَرْناه في هذَا الموضِعِ، ومنها ما ذكرْناهُ في موْضِعِه عندَ ذكرِ البَاب الذي هُوَ له.
стр. 104
فممّا اشتركَتْ فيه «فَعْلَة» بالهاء، مثلُ: نَضَر وجْهُه ينضُرُ نَضْرَةً، أي حَسُنَ، قال اللّه تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ اَلنَّعِيمِ﴾ (١)، ومثلُ: رَجَع يَرْجِعُ رَجْعَةً، ونَكَهَ يَنْكَهُ نَكْهَةً، ورَحِمَ يَرْحَم رَحْمَةً، وبهجَ الشيءُ - أي حَسُنَ - بهْجَةً.
و «فُعْلٍ» بضمّ الفاءِ، مثل: حَكَمَ الحاكِمُ عليه حُكْماً، وجَرَمَ جُرْماً: أي أذنب، ونَصَحَ له نُصْحاً، وغَرِمَ له غُرْماً، وضَعُفَ الشيءُ ضُعْفاً.
وقد جاء على «فُعْلَة» بالهاءِ، مثلُ: خَطَبَ على المِنْبَرِ خُطْبَةً، ورَقَى يَرْقِي رُقْيَةً، وسَخِنَتْ عينُه سُخْنَةً، وهو ضدُّ قَرَّت.
وعلى «فِعْلٍ» بكسْرِ الفاءِ، مثل: صَدَقَ صِدْقاً، ومَلَكَ الشيءَ مِلْكاً، وفَعَلَ فِعْلاً، وحَفِظَ الشيءَ حِفْظاً، وحَلُم عن العُقُوبة حِلْماً.
وعلى «فِعْلةٍ» بالهاء، مثل خَدَمَ خِدْمَةً، وعَصَمَ عِصْمَةً، ومَهَنَ مِهْنَةً أي خَدَم، وفَطِنَ فِطْنَةً.
وعلى «فَعَال»، مثل: ثبَت ثَبَاتاً، وهَلَكَ هَلاكاً، وذهَبَ ذَهاباً، وسَمِعَ سَمَاعاً، وجَمُل جَمَالاً، وَوَفِقَ أمرَه وَفَاقاً.
وعلى «فَعَالَة» بالهاء، مثل: شطُر الرجلُ شَطَارَةً: إِذا أَعْيا أهلَه خُبْثاً، وغَوَى الرجلُ غَوَايَةً: إِذا ضَلَّ، وَجَعَلَ له جَعَالَةً، وكَرِهَهُ كراهَةً، وهي من مصادرِ: «فَعُل يَفْعُل» بالضَّمّ فيهما (٢)، مثل: سَمُجَ سَمَاجَةً، وقَبُحَ قَبَاحَةً، ونحو ذلك.
ويأتي على «فَعَالِيَة» بزيادة ياء، وهي قليلةٌ، نحو: عَلَنَ الشيءُ عَلَانِيَةً، وكَرِهَهُ
стр. 105
كَرَاهِيَةً. قال الفَرَّاء: «هذه الياء لا تلحق من المصادر إِلا ما كان ثالثهُ ألفاً مع فتح أوَّله ولحَاقِ الهاءِ في آخره».
وعلى «فُعال» بضمِّ الفاء، مثل: صَمَتَ صُمَاتاً. وأكثرُ ما يكونُ للأصوات، مثل:
صَرَخَ صُرَاخاً، وبَغَمَ بُغَاماً. وقد جاءَ في «فَعَل يَفْعِل» مثل: نَحَبَ نُحاباً، وبَكَى بُكاءً.
ومثل: لَهَثَ الكَلبُ لُهاثاً، وسَهِدَ سُهاداً: إِذا أرِقَ.
وعلى «فِعَال» بكسر الفاء، مثل: كَتَبَ كِتاباً، ونَزَعَ إِلى أهله نِزَاعاً، إِذا اشتاق، وجَمَح جُمُوحاً وجِمَاحاً، ونَفِسَتِ المرأةُ نِفَاساً، لغة في نُفِسَتْ.
وعلى «فِعَالَة» بالهاء، مثل: حَرسَ حِرَاسَةً، وجَنَى جِنَايَةً، ورَعَى رِعَايَةً (١)، وفَرُسَ الرجل فِرَاسَةً، ووَرِثَ وِرَاثَةً.
وعلى «فُعْلان» بضم الفاء، مثل: بَطَلَ بُطْلاناً، وغَفَرَ غُفْراناً، وطَغَى طُغْياناً، وغَنِيَتِ المرأةُ غُنْيَاناً، إِذا استَغْنَتْ بزوجها.
وعلى «فِعْلان» بكسر الفاء، نحو: كَتَمَ كِتْماناً، وحَرَمَه حِرْماناً، وجَحَدَه جحْداناً، وغَشِيَه غِشْياناً.
وعلى «فَعَلَان» بفتح الفاء والعَيْن، وأكثرُ ما يَجيء إِذا كان بمعنى المجيء والذَّهاب، والحركة، والاضْطِراب، مثل: خَفَقَ القلبُ خَفَقاناً، وعَسَل الذئبُ عَسَلاناً، ولمعَ البَرقُ لَمَعاناً. وقد جاء لغير مَعْنَى المجيء، والذهاب في قولهم: شَنِئَه شَنآناً: إِذا أَبْغَضَهُ، قال اللّه تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ (٢).
стр. 106
وقد يجيءُ على «فَعِيل»، وهو من مصادر «فَعَلَ يَفْعِلُ» بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل، مثل: زحَر زَحِيراً، ودَبَّ دبيباً. وقد جاء في مضموم العَيْنِ في المستقبل، وهو قَليلْ، مثل: خَبَّ الفرسُ خَبِيباً. وقد جاء في «فَعَل يَفْعَل» بالفتح فيهما، مثلُ: نَعَبَ الغُرابُ نَعِيباً وشَحَجَ شَحِيجاً.
وقد يأتي على «فَعِيلَةٍ» بالهاء، مِثل: قطع رحِمَه قَطيعة، ووقع في النّاس وَقِيعَةً، ونحو ذلك.
ويأتي على «فَعَل» بالفتح، وهو من مصادر «فَعِل يَفْعَل» بكسر في الماضي، وفتحٍ في المُسْتَقْبَل، مثل: فَزِعَ فَزَعاً، وطَمِع طَمَعاً. وقد جاء في «فَعُلَ يَفْعُل» بالضمِّ فيهما، مثلُ: شَرُف شَرَفاً، وكَرُمَ كَرَماً.
وقد جاء في «فَعَل» بالفتح «يفعُلُ» بالضم، مثل: طَلَبَ طَلَباً، وهَرَبَ هَرَباً، وسَلَبَ سَلَباً، وحَلَبَ حَلَباً، ونحو ذلك. وقد جاء في مكسور العين من المستقبل قول اللّه تعالى:
﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (١). وقال الفراء (٢): «أصله: غَلَبَةً، بالهاء، فحُذفتِ الهاء، واحتج بقول الشاعر (٣):
إِنَّ الْخَلِيطَ أَجَدُّوا الْبَيْنَ فَانْجِرَدُوا … وأَخْلَفُوكَ عِدَ (٤) الأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا
ومثلُه: السَّرَقُ. حُذفَتْ منهُ الهاءُ، وأصْلُه: السَّرَقَة.
стр. 107
ويأتي على «فَعَلَةٍ» بالهاءِ، وهوَ مما تفرَّد بِه «فَعَل» (١) بالفتح، يَفْعِلُ، بالكَسْر مثلُ: هَلَكَ هَلَكَة، وغَلَبَ غَلَبَةً.
ويأتي على «فَعِل» بفَتْح الفاءِ وكَسْرِ العين مثلِ: كذَب كَذِباً، وسَرقَ سَرِقاً، لُغَةٌ في السَّرَق. وقد جاء في «فَعِلَ» بالكسر يفعَل بالفتح، مثلِ: لَعِبَ لَعِباً، وضَحِكَ ضَحِكاً.
ويأتي على «فِعَل» بِكَسْرِ الفاءِ وفَتْحِ العَيْن، وهو من مَصادِرِ: «فَعُل يَفْعُل» بالضَّمِّ فيهما، مثلُ: ضَخُم، ضِخَماً، وثَقُلَ ثِقَلاً، ونحو ذلك. وقد جاء في «فَعَلَ» بالفتح «يَفْعِلُ» بِالكسر مثل: قَرَاه قِرىً، وقَلَاه قِلًى، وفي «فَعِلَ» بالكَسرِ «يَفْعَل» بالفتح مثل:
شَبِعَ شِبَعاً.
ومما تفرد به «فَعَلَ» بالفتح «يَفْعِل» بالكسر «فُعَل» بضم مثل: هَدَاهُ هُدىً وسَرَى سُرىً.
وممَّا تفرَّدَ به «مَفْعِلَة» بفتح الميم وكسر العين، مثل: المَغْفِرَة والمَعْرِفَة.
وإِذَا أرَدْتَ الموضعَ من مكْسورِ العَيْن في المستقبلِ فهو: «مَفْعِل» بكسر العين، مثل المجلِس، والمنزِل، وما شاكل ذلك. فأما غيرُ هذا البابِ فالمصدرُ منه والموضِعُ مفتوحُ العين، إِلا حُرُوفاً محدودةً جاءَتْ عَنِ العَرَب مكسورة العَيْن، وهي، المَسْكِن، والمَسْجِد، والمَنْبت، والمَنْسِك، والمَطْلِع، والمَفْرِق، والمَجْزِر، والمَسْقِط، والمَشْرِق، والمَغْرب، والمَحْشِر.
وقد فُتحَ بعضُها، قالوا: مَسْكِن ومَسْكَن، ومَنْسِك ومَنْسَك، ومفرِق ومفرَق، ومطلِع ومطلَع. وقد قرئَ بكَسْرِ اللاّم وفتحها في قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ﴾
стр. 108
﴿اَلشَّمْسِ﴾ (١). وقيل: مَطْلِع، بكسرِ اللام: موضِعُ الطلوع، ومطلَع بفتْحِ اللام: هو الطُّلوع.
وربما أتتِ العربُ بفعلٍ ماضٍ وأماتُوا مستقبلَه، كقولهم: أَحْزَنَني الشيء، وقالوا في مستَقبِله: يَحْزُنُني، قال اللّه تعالى: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ (٢) وقال: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ (٣). قيل: إِنْ أصلَه كان: أَحْزَنَ، فأماتوا مستقبلَه كما كانَ أصلُ يَحْزُنُ:
حَزَن، فأماتوا ماضيَه. (وربَّما أتَوْا بمستقْبَلٍ وأماتُوا ماضيَه، مثل: يَذَر، ويَدَع، ونحوِ ذلك.
والنعتُ من الأَبْوابِ الثلاثةِ: «فاعل» سواءٌ في المتعدّي واللازم) (٤).
وأَما «فَعِلَ» بالكَسْرِ «يَفْعَل» بالفتح (٥) فمصدرُه على «فَعَل» بفَتْح الفَاءِ والعَيْن إِذا كان لازماً، مثلُ: خَجِلَ خَجَلاً، وطَرِبَ طَرَباً. وعليه القياسُ إلا الشاذَّ القَليل، مثل: لَبِثَ لُبثا، وحَنِثَ في يمينه حِنْثاً. فإِن كان متعدياً فهو ساكنُ الحَشو كالأبْنيةِ الأُولى، كقولكَ:
جَهِلَ الشيءَ جَهْلاً، وعَلِمَه عِلْماً، إِلا ما شذ منه، كقولهم، رَهِبَه رَهَباً: أي خافَه، ورَهِقَه الدَّيْن رَهَقاً: أي غَشِيَه.
стр. 109
وقد جاءَ في المتعدِّي واللازِم مصادرُ قد ذكَرْناها، نحو: لَزِم الشيءُ لُزُوماً، وسَمِعَ سَمَاعاً، وضَمِنَ ضَماناً، وطَمِع طَمَاعِيَةً، وكَرِه كراهِيَةً، وسَفِه سَفَاهةً، وسَخِيَ سَخَاوَةً، وغَنِمَ غُنْماً، وغَرِمَ غُرْماً، وشَبِعَ شِبَعاً، وسَمِنَ سِمَناً، ونَزِهَ نُزْهَةً، وَسَخِنَتْ عينُه سُخْنَةً، ونحو ذلك.
وما كان متعدياً من هذا الباب فَنَعْتُه على: «فَاعِل»، مثل: لَزِمَ الشيءَ فهو لَازِمٌ، وسَمِعَ القولَ فهو سَامِعٌ؛ وقد يأتي على «فَاعِل» و «فَعِل» بكسر العين (١)، مثل: حَذِرَ الأمرَ فهو حاذِرٌ وحَذِرٌ، وقُرئ في قول اللّه تعالى: ﴿وَإِنّا لَجَمِيعٌ﴾ «حذِرُونَ» (٢) و ﴿حاذِرُونَ﴾، وقال الشاعر (٣):
حَذِرٌ أُمُوراً لا تَضِيرُ وآمِنٌ … ما لَيْسَ مُنْجِيَهُ مِنَ الأَقدارِ
وما كان لازماً فنعتُه على: «فَعِل» بكسر العين، مثلُ: تَعِبَ فهو تَعِبٌ، وطَرِبَ فهو طَرِبٌ. وربّما جاءَ على: «فَاعِل»، مثل: لَبِثَ فهو لَابِثٌ، قال اللّه تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً﴾ (٤)، وقرأَ حمزةُ «لبثين» والباقُون ﴿لابِثِينَ﴾ بالأَلف، وهو رأي أَبي عبيد.
ويأتِي النعتُ منه أيضاً على: «أَفْعَل»، مثل: الأَجْلَح، والأَصْلَع، والأمرد، والأكحل.
ويأتي أيضاً علَى: «فعيل» مثل: سَلِمَ فهو سَلِيمٌ، وعَلِمَ فهو عَلِيمٌ، وغَبِنَ رأيَه فهو
стр. 110
غَبِين الرأي. (وقد يأتي على: «فَعْلَان» مثل: عَطِش فهو عَطْشان، وظَمِئ فهو ظَمْآن، ونحو ذلك) (١).
وأما «فَعُلَ، يفعُلُ» بالضَّمَ فيهما فمصدره (٢) على «فَعَالة» مثل: سَمُح سَمَاحَةً، وفَصُحَ فَصَاحَةً، وشَجُعَ شَجَاعَةً، وقَبُحَ قَبَاحَةً؛ وعلى: «فُعُولة» بالضم، مثل حَمُضَ حُمُوضَة، وجعُد جُعُودةً؛ وعلى: «فِعَل» بكسر الفاءِ وفتح العين، مثل: عظُم عِظَماً، وغَلُظَ غِلَظاً. فأما غيرُ هذه الثلاثةِ المصادِرِ فَشَاذٌّ نحو: كرُم كرماً، وشَرُفَ شَرفاً، ومَجُدَ مَجْداً، ونَتُن نَتْناً، وظَرُف ظُرْفاً، وحَسُن حُسْناً.
وهذا البابُ لازِمٌ للطباع، لم يأت منه متعدياً إِلا كلمة واحدة رواها الخليل، وهي:
رَحُبَتْك الدارُ، والنعت من «فَعُل يَفْعُل» على «فَعِيل» مثل: كرُم فهو كريمٌ، وعليه القياس، و «فَعْل» بسكون العين مثل: صَعُبَ فهو صَعْبٌ. وقد جاء على: «أَفْعَل» مثل:
الأَسْمَر، والأَعْجَف، والأَحْمَق، والأَعْجَم، والأرْعَن؛ وعلى غير ذلك مما هو شاذٌّ على غير قياس.
وأما «فَعِل، يَفْعِل» بالكسر فيهما فهو قليل شاذٌّ لم يأت عليه إِلا عشر كلمات، وهي: وَرِثَ الشيءَ وِراثةً، ووَرِعَ من الوَرَع، ووَبِقَ: أي هَلَك، ووَثِقَ به، ووَفِقَ أمرَه، [ووَمِقَ] (٣)، وَوَرِمَ، ووَرِيَ الزند، وَوَلِيَ الوالي، ويَبِسَ. وقد جاء في بعضها لغة أخرى، قالوا: وَرُعَ، بضم العين في الماضي والمستقبل، ووَبِقَ بكسر الباء يَوْبَق بفتحها، (ووَرَى