Полный текст (526 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وإن كانت مثل زبد البحر تحط عن الشخص بسبب إيش؟ سبحان الله وبحمده مائة مرة في دقيقة ونصف، والله المستعان.
يقول: "فلا تجوز روايته لأحدٍ من الناس إلا على سبيل القدح فيه ليحذره من يغتر به من الجهلة والعوام والرعاع" لا سيما وأن الوضاعين تفننوا في العبارات، وهولوا بعض الأمور فقبل الناس منهم هذه الموضوعات، وأولعوا بها.
والواضعون أقسام: منهم زنادقة يريدون إفساد الدين على أهله، وهؤلاء أمرهم واضح ومكشوف، لكن الإشكال فيمن بعدهم، ولذا هم شرُّ أصناف الوضاعين، قومٌ متعبدون يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، يضعون أحاديث فيها ترغيب وترهيب، في فضائل الأعمال ليعمل بها، حسبة، فالناس لثقتهم بهم، الناس عموماً يثقون فيمن يميل إلى العبادة عموماً، عموم الناس يثقون به، وهو أهلٌ للثقة إذا كان على الجادة، فهؤلاء المتعبدون وضعوا أحاديث في فضائل القرآن؛ لأنهم رأوا الناس انصرفوا إلى فقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق وتركوا كتاب الله، فوضعوا في فضائل السور سورة سورة، فلمكانتهم وعبادتهم وثق الناس بموضوعاتهم وتداولوها، ومن المؤسف جداً أن يتداولها بعض المفسرين، نقلوها، الواحدي، البيضاوي، والزمخشري ذكروا هذه الأحاديث، في نهاية كل سورة يذكرون فضل هذه السورة من هذا الخبر الموضوع الطويل في فضائل السور، ولا شك أنهم أخطئوا في هذا، ويزداد الخطأ حينما تذكر هذه الأحاديث ويبرر لها، كما صنع -صاحب فتح البيان- صاحب (روح البيان) فتح البيان غير، روح البيان لإسماعيل حقي البروسوي، له تفسير كبير اسمه: (روح البيان)، أما (فتح البيان) لصديق غير، كتاب طيب، وتفسيرٍ نظيف في الجملة، لكن روح البيان لإسماعيل حقي، تفسير صوفي، فيه ألفاظ بغير العربية، وفيه ذكر هذه الأحاديث، وقد برر لذكره إياها، يقول: إن صحت بها ونعمت، وإن لم تثبت فقد قال القائل: إنا لم نكذب عليه، فلم نقع في الوعيد الذي ذكره في قوله ﵊: ((من كذب علي متعمداً)) هم ما كذبوا عليه، لكل قومٍ وارث، هذا القول قيل به من قبل.
стр. 177
"وهؤلاء الطائفة من الكرامية وغيرهم، وهم من أشر ما فعل هذا" أو من فعل هذا، الأصل من فعل هذا، "لما يحصل بضررهم من الغرر على كثيرٍ ممن يعتقد صلاحهم، فيظن صدقهم، وهم شرٌ من كل كذاب في هذا الباب"، نعم لركون الناس إلى روايتهم، ثقة الناس بهم "وقد انتقد الأئمة كل شيء فعلوه من ذلك، وسطروه عليه في زبرهم عاراً على واضع ذلك في الدنيا، وناراً وشناراً في الآخرة، قال رسول الله ﷺ : ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) وهذا متواتر"، وهذا مما تواتر لفظه ومعناه، وهو من طرق، ومن جمع غفير من الصحابة.
مما تواتر حديث من كذب ... ومن بنى لله بيتاً واحتسب
وأهل العلم قاطبة يحكمون عليه بالتواتر، وهو مقطوعٌ بالنسبة إليه ﵊، ومثل به شيخ الإسلام للمتواتر اللفظي في منهاج السنة، ومثل بفضائل أبي بكر وعمر للمتواتر المعنوي، وتحدث عن الآحاد في مواطن، وذكر أنها تفيد العلم بالقرائن، وأكرر هذا الكلام؛ لأنه يتردد كثيراً أن تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد من صنع المتكلمين، ولا ينبغي أن يعتمد، ولا يؤخذ به، فالله المستعان.
стр. 178
"قال بعض هؤلاء الجهلة: نحن ما كذبنا عليه، وإنما كذبنا له، وهذا من كمال جهلهم، وقلة عقلهم، وكثرة فجورهم وافترائهم، فإنه ﵇ لا يحتاج في كمال شريعته وفضلها إلى غيره" يعني الدين صفائه ونقائه ووضوحه ليس بحاجة إلى ترويج، الدين في المشرق والمغرب في الغالب انتشر من غير الجهاد، نعم أدخل الناس، وأرغموا على الدخول في دين الله، لكن كثيرٌ منهم دخل من غير جهاد، ولولا أولئك الأشرار الذين يصدون عن دين الله ما يتصور بعد أن جرب الناس وعانوا من الانحلال والخواء الفكري الذي يعيشه الناس الذي أدى إلى عددٍ كبير منهم إلى الانتحار، لو يعرض الإسلام عرض صحيح، ويطبق تطبيق صحيح في واقع الناس ما بقي على الأرض -والله أعلم- شخص لا يدخل في دين الله، وقد وجد من يدخل في دين الله من غير دعوة، الآن من غير دعوة، يبحثون عن المسلمين يعلنون إسلامهم، وقد جاء شخص إلى مكتب من مكاتب الدعوة في الهند وأعلن إسلامه، وقال: هو مسلم، ما السبب؟ وهو هندوسي، السبب في ذلك قال: إنه ذهب ليحرق أمه فأشعل النار فأكلت النار الكفن، وبقت الأم عارية أمام الناس، ما مستها النار، فبادر بجمع حطبٍ كثير فأحرقها تبعاً لديانتهم المعتقدة، لكن يرى أمه أمام الناس عارية، ويرى المسلمين ماذا يصنعون بموتاهم؟ يعني في حال الموت مؤثر فضلاً عن حال الحياة، فالإسلام ليس بحاجة إلى ترويج، ينشر الإسلام الصحيح فيسلم الناس، الإسلام دين العدل، دين الإنصاف، والله المستعان.
стр. 179
"وقد صنف الشيخ أبو الفرج بن الجوزي كتاباً حافلاً في الموضوعات غير أنه أدخل فيه ما ليس منه، وخرج منه ما كان يلزمه ذكره، فسقط عليه، ولم يهتدِ إليه" ابن الجوزي صنف كتاب الموضوعات وهو كتابٌ حافل، لكنه أدخل فيه ما لا يصل إلى حد الوضع، بل فيه الضعيف الكثير، وفيه الحسن، ويوجد الصحيح وإن كان قليلاً، بل فيه ما هو في صحيح مسلم، وفيه حديث ذُكر أنه في صحيح البخاري من رواية حماد بن شاكر، يعني ما هو. . . . . . . . . الروايات المشهورة، لكن في رواية حماد بن شاكر، والذي أوقعه في ذلك أنه يحكم على الحديث بمجرد ما يوجد في سنده مَن اتهم بالكذب أو كذاب، فيحكم على الحديث بأنه موضوع وإن كانت له أسانيد أخرى، وأما الضعيف فهو كثيرٌ جداً، ولذا يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
وأكثر الجامع فيه إذ خرج ... لمطلق الضعف عنى أبا الفرج
استدرك عليه أحاديث ينبغي أن تذكر في الموضوعات، فاستدرك السيوطي في اللآلئ وذيل اللآلئ، ومن جاء بعدهم كصاحب تنزيه الشريعة وصاحب الفوائد المجموعة، وغيرها من الكتب في الموضوعات.
"وقد حكي عن بعض المتكلمين إنكار وقوع الوضع بالكلية" يقول: ما يمكن يكون الحديث موضوع، هذا لا عناية له بعلم الحديث، فقال: إنه لا يوجد حديث موضوع، لا يمكن أن يتصور مسلم يكذب على النبي ﵊، والسنة من الوحي، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [(٣ - ٤) سورة النجم] والوحي محفوظ، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [(٩) سورة الحجر] ما يمكن أن يكذب عليه ﵊.
стр. 180
يقول: "وقد حكي عن بعض المتكلمين إنكار وقوع الوضع بالكلية، وهذا القائل إما أنه لا وجود له أصلاً -هذا كلام ابن كثير- أو أنه في غاية البعد عن ممارسة العلوم الشرعية، وقد حاول بعضهم الرد عليه بأنه قد ورد في الحديث أنه ﵇ قال: ((سيكذب علي)) فإن كان هذا الخبر صحيحاً فسيقع الكذب عليه لا محالة، وإن كان كذباً -فهو رد عملي-، ... حصل المقصود"، يقول ابن كثير: "فأجيب عن الأول بأنه لا يلزم وقوعه إلى الآن" يعني إلى أن قال هذا المتكلم ما قال، فهو نفى وجود الكذب إلى عصره، وقوله: ((سيكذب علي)) ما يلزم .... من الآن، في هذه السنة أو التي قبلها، أو في هذا العصر أو في الزمن الذي قبله، إلى وجوده ما وجد، "إذ بقي إلى يوم القيامة أزمانٌ يمكن أن يقع فيها ما ذكر".
على كل حال الحديث يصلح للرد، وإن قال الحافظ ابن كثير: "وهذا القول والاستدلال عليه والجواب عنه من أضعف الأشياء عند أئمة الحديث وحفاظهم، الذين كانوا يتضلعون من حفظ الصحاح، ويحفظون أمثالها وأضعافها من المكذوبات خشية أن تروج عليهم، أو على أحدٍ من الناس ﵏ ورضي عنهم-".
شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في المنهاج، في مناهج السنة في الجزء السابع صفحة (٦١) يقول: "نحن نعلم بالضرورة أن فيما ينقل الناس عنه وعن غيره صدقاً وكذباً، وقد روي عنه أنه قال: ((سيكذب علي)) فإن كان هذا الحديث صدقاً فلا بد أن يكذب عليه، وإن كان كذباً فقد كذب عليه"، هذا كلام الشيخ ﵀، وكلام ابن كثير ما سمعتم.
الشيخ في المنهاج في الجزء السابع صفحة (٦١) يقول: "نحن نعلم بالضرورة أن فيما ينقل الناس عنه وعن غيره صدقاً وكذباً، وقد روي عنه أنه قال: ((سيكذب علي)) فإن كان هذا الحديث صدقاً فلا بد أن يكذب عليه، وإن كان كذباً فقد كذب عليه"، الرد حاصل حاصل على الوجهين.
يمدينا نأخذ المقلوب، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه لا هو طويل المقلوب، وفيه ما فيه، معرفة من تقبل روايته نقف عليه، نأخذ المقلوب؟ ها يا أحمد؟ إيه نأخذ المقلوب، لا بأس، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 181
إيش فيه؟ نعم من يتعمد الكذب على النبي ﵊ على خطرٍ عظيم، مرتكب كبيرة، موبقة من عظائم الأمور، متوعد بالنار، فليتبوأ مقعده من النار، لكنه لا يكفر عند جماهير العلماء، وإن قال أبو محمد الجويني -والد إمام الحرمين- بأنه يكفر، ونقل الحافظ الذهبي عن ابن الجوزي أنه إن كذب في تحليل حرام أو تحريم حلال أنه يكفر، على كل حال هو على خطرٍ عظيم، ومن كذب مرةً واحدة ردت أخباره كلها، وسقط الاحتجاج به، ولبث العار في الدنيا والآخرة، نسأل الله العافية، والخلاف عند أهل العلم على ما سيأتي في قبول توبته، والخلاف في قبول توبته، وليس معنى هذا أنه إذا تاب التوبة النصوح بشروطها أنه يتحتم عذابه في الآخرة، لا، هذا بينه وبين ربه، لكن معاملته في الدنيا إذا تاب هل يقبل خبره أو لا يقبل؟ نظيره من تاب من القذف ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ حكمهم الجلد ثمانين جلدة ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [(٤ - ٥) سورة النور]، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فالاستثناء إذا تعقب جمل يعود إليها كلها أو إلى الأخيرة منها؟ مسألة خلافية عند أهل العلم، تأتي الإشارة إليها -إن شاء الله تعالى- في حكم توبة الكذاب، وفي قبولها، وخلاف أهل العلم في قبول توبته، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
والله ما أدري، أنا أشوف المقلوب إن كان أسعف وإلا .. ، لأن نريد أن نقف على معرفة من تقبل روايته ومن ترد، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه ما يخالف إذا في وقت ... ، تدري العفش في السيارة، نعم هات، نعم يا أحمد.
شرح: النوع الثاني والعشرون: المقلوب:
стр. 182
النوع الثاني والعشرون: المقلوب، وقد يكون في الإسناد كله أو بعضه، فالأول كما ركب مهرة محدثي بغداد للبخاري حين قدم عليهم إسناد هذا الحديث على متن حديثٍ آخر, وركبوا متن هذا الحديث على إسناد آخر, وقلبوا مثاله ما هو من حديث سالم عن نافع، وما هو من حديث نافع عن سالم، وهو من القبيل الثاني، وصنعوا ذلك في نحو مائة حديث أو أزيد, فلما قرءوها عليه رد كل حديث إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه, ولم يرج عليه موضع واحد مما قلبوه وركبوه, فعظم عندهم جداً، وعرفوا منزلته من هذا الشأن فرحمه الله، وأدخله الجنان.
وقد نبه الشيخ أبو عمرو هاهنا على أنه لا يلزم من الحكم بضعف سند الحديث المعين الحكم بضعفه في نفسه; إذ قد يكون له إسناد آخر, إلا أن ينص إمام على أنه لا يروى إلا من هذا الوجه.
قلتُ: يكفي في المناظرة تضعيف الطريق التي أداها المناظر وينقطع، إذ الأصل عدم ما سواها حتى يثبت بطريقٍ أخرى، والله أعلم، قال: ويجوز رواية ما عدا الموضوع في باب الترغيب والترهيب والقصص والمواعظ ونحو ذلك إلا في صفات الله ، وفي باب الحلال والحرام، قال: وممن يرخص في رواية الضعيف فيما ذكرناه ابن مهديٍ وأحمد بن حنبل -رحمهم الله تعالى-.
قال: وإذا عزوته إلى النبي ﷺ من غير إسناد فلا تقل: قال النبي ﷺ كذا وكذا، وما أشبه ذلك من الألفاظ الجازمة، بل بصيغة التمريض، وكذا فيما يشك في صحته أيضاً.
يقول ﵀: المقلوب: هو اسم مفعول من القلب، وهو تحويل الشيء عن وجهه، تقول: قلبت الرداء إذا حولته، وجعلت أعلاه أسفله، وكلامٌ مقلوب أي مصروفٌ عن وجهه، فالمقلوب هو المصروف عن وجهه. وعرف في الاصطلاح: بأنه الحديث الذي أبدل في سنده أو في متنه لفظٌ بآخر بتقديم أو تأخير ونحوه عمداً أو سهواً.
والقلب قد يكون في الإسناد كله أو في بعضه، كعب بن مرة يجعل مرة بن كعب، نصر بن علي يجعل علي بن نصر، هذا في بعضه، قد يقلب الإسناد كله فيجعل رواة بدل رواة، الحديث عن نافع يجعل عن سالم وهكذا، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 183
تعريف اصطلاحي؟ نعم هو الحديث الذي أبدل في سنده أو في متنه لفظ بآخر، هو الحديث الذي أبدل في سنده أو في متنه لفظ بآخر بتقديم أو تأخير ونحوه عمداً أو سهواً.
стр. 184
قد يكون القلب في الإسناد، وقد يكون في المتن، فالأول -القلب في الإسناد- مثل له بقصة البخاري مع محدثي بغداد، البخاري ﵀ اشتهر أمره، وذاع صيته قبل دخول بغداد، فلما أراد دخول بغداد اجتمعوا فأرادوا أن يبينوا منزلة هذا الإمام، وأن يعرفوا مقدار علمه، فركب هؤلاء إسناد بعض الأحاديث على المتون الأخرى وعكسوا، فجعلوا إسناد هذا الحديث على متنٍ آخر، وركبوا متن هذا الحديث على إسنادٍ آخر، وقلبوا عليه ما هو حديث سالم عن نافع، وما من حديث نافع عن سالم، وصنعوا ذلك في نحو مائة حديث أو أزيد، ووزعوها على عشرة أشخاص، كل واحد عشرة أحاديث، فألقى الأول العشرة التي معه كل ذلك ساكت، ثم الثاني، ثم الثالث وهو ساكت ﵀، إلى أن تم العاشر، فالجهال قالوا: عجز الرجل وبان عجزه، وظهر ضعفه، أما الفهماء قالوا: فهم الرجل، ما بادر، استعجل، لما انتهوا التفت إلى الأول قال: حديثك الأول قلت: كذا، وصوابه كذا، والثاني قلت: كذا، وصوابه كذا إلى ثمانمائة حديث، فاعترف الناس بفضله، وهذه القصة مروية عند الخطيب البغدادي في التاريخ، الحافظ ابن كثير البداية والنهاية، وهدي الساري للحافظ ابن حجر، كتب المصطلح كلها، وهي مروية أيضاً عند ابن عدي في جزءٍ له في شيوخ البخاري، ويرويها ابن عدي عن جمعٍ من شيوخه لم يسمهم، فالذين طعنوا في مثل هذه القصة قالوا: إن شيوخ ابن عدي مجهولون، والذين صححوها وأثبتوها قالوا: وإن كانوا مجهولين إلا أنهم جمع يجبر بعضهم بعض، والقلب للامتحان قد يحصل، ويجوز فعله على أن لا يستمر، يختبر الشيخ تلميذه، فيقلب عليه إسناد، ثم في الحال إن أجاب الطالب وإلا قال الشيخ: الصواب كذا؛ لئلا ينقل عنه على الخطأ، فاستعماله من أجل امتحان الطالب لا بأس به، وهذه طريقة مسلوكة، أحياناً يسكلها من يختبر الطلاب بطريقة الصح والخطأ، لكن على أن لا يتفرق الناس ويروها عن الشيخ على الخطأ، لا بد من البيان، وعلى كل حال هذه القصة لا مانع من إثباتها باعتبار أن شيوخ ابن عدي جمع يجبر بعضهم بعضاً، واستفاضت على ألسنة العلماء، وتداولوها، والإمام أهلٌ لذلك، وقد قلب أحاديث على الدارقطني ﵀ وامتحن فرده، وعلى الحافظ المزي،
стр. 185
وعلى جمع من أهل العلم، المقصود أن هذه طريقة مسلوكة، وليس في متنها ما يستغرب أبداً، وهي متداولة عند أهل العلم.
مما قُلب من الأحاديث في متنه حديث في صحيح مسلم: ((حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)) وحديث وإن كان عاد فيه نظر حديث: ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه)) قالوا: إنه مقلوب، صوابه: ((وليضع ركبتيه قبل يديه)) قيل بقلبه، أنه انقلب على الراوي، وإلا ويش (يبرك)؟ ينهى عن البروك كما يبرك البعير، ويضع يديه قبل ركبتيه؟ البعير يضع يديه قبل ركبتيه، فيكون أول الحديث يناقض آخره والعكس، لكن هذا الكلام ليس بصحيح، فالحديث آخره يشهد لأوله، وليس فيه تناقض بين أوله وآخره بوجه، فقوله ﵊: ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير)) يعني لا يلقي بنفسه على الأرض بقوة كما يفعل البعير؛ لأنه إذا قالوا: برك البعير، وحصحص البعير إذا فرق الحصى، وأثار الغبار يقال: برك، ولذا قال: ((وليضع يديه قبل ركبتيه)) يضع وضع، ما يرمي بنفسه على الأرض بقوة كما يفعل البعير، ولذا فرق بين أن تضع المصحف على الأرض، وأن تلقيه على الأرض، الأول يجوز، والثاني خطرٌ عظيم، فلا يبرك كما يبرك البعير، لا يرمي بنفسه على الأرض بقوة بحيث يفرق الحصى، ويثير الغبار والأتربة، كما يفعل البعير، ((وليضع)) يضع يديه قبل ركبتيه، فبمجرد الوضع ليس ببروك.
стр. 186
الحديث الذي في الصحيح -في صحيح مسلم- يعني المتفق عليه، ((حتى لا تعلم)) حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ((رجلٌ تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفقه يمينه)) هذه رواية الأكثر، وهي في الصحيحين، وهي ماشية على الجادة؛ لأن الإنفاق إنما يكون باليمين، فرواية: ((حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)) هذا مما انقلب، مثل به للمقلوب، لكن لو قال قائل حمايةً للصحيح، وصيانةً له، يقول: إن هذا الرجل ينفق بكثرة، ومن كثرة إنفاقه يعطي أحياناً بيمينه، وأحياناً بشماله، وأحياناً بيديه كلتاهما، صيانة للصحيح لما بعد، وإن كان عاد فيه بعد، التأويل هذا فيه بعد، لكن لا شك أن للصحيحين منزلة، ولا نفترض ونتصور في الرواة أنهم معصومون في الخطأ، لا، لكن لو قيل بهذا حينئذٍ لا بأس -إن شاء الله تعالى-، وإن مثلوا به للمقلوب.
هنا نبه ابن الصلاح على أمور وهي: أنه لا يلزم من الحكم بضعف سند الحديث المعين الحكم بضعفه في نفسه، إذ قد يكون له إسناد آخر، يعني الحكم على سند خاص بأنه ضعيف لا يعني الحكم على المتن، إذ قد يثبت المتن بطرق أخرى، اللهم إلا أن ينص إمام مطلع على أنه لا يروى إلا من هذا الوجه، فإذا كان الخبر لا يروى إلا من هذا الوجه، وهذا الوجه ضعيف جزمنا بأن المتن ضعيف، وإذا حكمنا على سند بأنه صحيح، السند صحيح هل يلزم من ذلك صحة المتن؟ لا، لأن قد يكون فيه علة أو شذوذ، إذ شروط الصحة منها ما يرجع إلى المتن، ومنها ما يتعلق بالإسناد، فقد يكون الإسناد صحيحاً لكن متن الحديث فيه مخالفة، وفيه علة خفية تقدح فيه، على كل حال لا تلازم بين الحكم على الإسناد والحكم على المتن، قد يضعف الإسناد ويصح المتن بطرقٍ أخرى والعكس.
стр. 187
يقول الحافظ ابن كثير: "يكفي في المناظرة تضعيف الطريق التي أبداها المناظر وينقطع، إذ الأصل عدم ما سواها حتى يثبت من طريقٍ أخرى" هذا كلام مستغرب من الحافظ ابن كثير ﵀، إيش معنى هذا الكلام؟ يقول: إذا كان في مناظرة بين اثنين تناظرا في مسألة، فأبدى المناظر حجته بحديث، يقول: خصمه له أن يبطل الحجة بأن يقدح في سند هذا الخبر، يأتي بحديث يحتج به المناظر، فيقول: الحديث الذي أوردته في سنده فلان، لكن إذا كان هذا الخصم يعرف أن له طرق أخرى يثبت بها يصوغ له أن يقول مثل هذا الكلام؟ ((الدين النصيحة)) وعلى المسلم لا سيما من ينتسب إلى العلم أن ينشد الحق، سواءً كان على لسانه أو على لسان خصمه، فمثل هذا الكلام يستغرب من الحافظ ابن كثير ﵀.
والقول الذي يدعمه الكتاب، وما صح من السنة هو مقصد الجميع، قد يقول قائل: إن الحافظ ابن كثير يرى أن مثل هذه المناظرات بين سني ومبتدع مثلاً، وجاء هذا المبتدع بما يؤيد بدعته من عمومات النصوص، وخفي عليه أضعاف ما جاء به، وما جاء به فيه ضعف، الشخص من الخوارج مثلاً فيأتي بحديث فيه وعيد، وله نظائر، وهو يريد أن يقطع حجة هذا الخصم المبتدع، والحق ثابت ما يخفى على أحد، لكن المسألة آنية، يريد أن يهدم حجة هذا المبتدع ويكتفي بذلك، فيقول: حديثك الذي أوردته فيه فلان، ويسكت عما يؤديه من الأحاديث الأخرى التي جاءت بمعنى هذا الحديث، وإن كانت محمولة عند أهل السنة على وجهٍ صحيح، يعني لو صارت مناظرة بين سني وشيعي، ثم جاء هذا الشيعي بما يبين فضل علي ﵁ يعني في باب المناظرة جاء بحديث فيه ضعف، نقول: حديثك الذي أوردته ضعيف من أجل إسكات الخصم فقط، وإلا ففضائل علي ثابتة، لا يماري فيها أحد، لكن حينما يريد الخصم أن يتطاول على الشيخين على أبي بكر وعمر لا شك أن الحق لا بد أن يوضح ويبين.
стр. 188
على كل حال كلام ابن كثير ﵀ فيه ما فيه؛ لأن الحق لا بد من بيانه سواءً جاء على لسان الموافق أو المخالف، وإمامه -الإمام الشافعي ﵀ إمام الحافظ ابن كثير لأنه شافعي المذهب يقول: والله إنه لا يبالي أن يكون الحق على لسانه أو على لسان خصمه، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه المسلم المتجرد الذي ينشد الحق.
يقول: "ويجوز رواية ما عدا الموضوع في باب الترغيب والترهيب، والقصص والمواعظ ونحو ذلك إلا في صفات الله ، وفي باب الحلال والحرام" الرواية شيء والعمل شيء، لكن عموم من كتب في علوم الحديث يرون العمل بالحديث الضعيف في باب الترغيب والترهيب والقصص والمواعظ، ولا يرون ذلك في الأحكام من الحلال والحرام والعقائد، ورخصوا في ذلك ونقلت عنهم عبارات تدل على ذلك، بل نقل النووي الإجماع على العمل في الضعيف في الفضائل في مقدمة الأربعين، وفي الأذكار، وفي غيرها من كتبه، وفي شرح المهذب في مواضع نقل الإجماع، والنووي كما نعرف متساهل في نقل الإجماع، والمخالف موجود، وإذا وجد الخلاف بين المتقدمين في الحسن فلأن يوجد في الضعيف من باب أولى.
стр. 189
والفضائل إن كانت مما يترتب على فعله ثواب دون تركه فهي من الأحكام، هي من الأحكام؛ لأن من الأحكام الخمسة المندوب، وعين الفضائل من المندوبات، إذا رتبنا على فعلها الثواب ولم نرتب على تركها شيء فهي المستحبات، هذا حد المندوب، والمندوب حكم من الأحكام التكليفية الخمسة، ولذا نستطيع أن نجمل الخلاف في العمل بالضعيف نقول: بالنسبة للعقائد والحلال والحرام محل اتفاق أنه لا يجوز العمل بالضعيف، بالنسبة للفضائل والقصص والمواعظ والترغيب والترهيب، وما أشبه ذلك، والتفسير أيضاً ألحقوه بها والمغازي كلها جمهور العلماء على العمل بالضعيف في هذه الأبواب بشروط: أن يكون الضعف غير شديد، وأن يندرج الحكم تحت أصلٍ عام، وألا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط، وزاد بعضهم شروطاً أخرى وصلت إلى العشرة، ويصعب تطبيقها على الواقع، والمسألة مفصلة بشروطها، وذكر من قال بذلك من أهل العلم بالتفصيل، ذكر الأقوال والموازنة بينها في رسالة اسمها: الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به، مسألة الاحتجاج استغرقت أكثر من سبعين صفحة، على كل حال الوقت لا يسعف، ويكفينا أن نعرف أن مذهب الجمهور هو الاحتجاج بالضعيف في الفضائل، والترغيب والترهيب والقصص والمواعظ والمغازي والسير والتفسير وما أشبه ذلك، يبقى مسألة الحلال والحرام والعقائد يشترط لها الصحة والحسن على أقل تقدير ومنهم من يرى أنه يحتج بالضعيف أيضاً في الحلال والحرام أيضاً، وهذا قولٌ ضعيف عند أهل العلم، والمسألة مبسوطة بالتفصيل في الكتاب الذي أشرت إليه، وعلى كل حال المسألة طويلة الذيول، ولن تنحسم بكلامٍ يسير، فلا شك أن قول الجمهور -جمهور العلماء- له قيمته، وله وزنه، لكن إذا نظرنا إلى حججهم وما أدلوا به، وما احتج به لهم لا يسلم من أخذ ورد، ولذا كان المرجح عند صاحب الكتاب المذكور أنه لا يعمل بالضعيف مطلقاً؛ لأن الفضائل من الأحكام، وإذا قلنا: بأن الفضائل التي أمرها أيسر من تفسير كلام الله بحديثٍ يغلب على الظن عدم ثبوته، أو قراءة آية فإذا كانت الآية لا تثبت إلا بما تواتر عند بعضهم أو صح سنده عند قومٍ آخرين فلئلا تثبت بالضعيف من باب أولى.
стр. 190
ابن القيم ﵀ يرى -وإن كان لا يرى العمل بالضعيف في الفضائل كشيخ الإسلام وقوله صريح في هذا- يرى أنه يمكن أن يرجح بين الأقوال بالضعيف، يعني إذا وجد قولان متعادلان من كل وجه، ووجدنا حديثٌ ضعيف يؤيد أحد القولين يمكن أن يرجح به، وهذا في تحفة المودود في أحكام المولود، حينما رجح بخبرٍ ضعيف المراد بـ .... ، على كل حال المسألة مبسوطة في الكتاب المذكور، وكلام ابن القيم في تحفة المودود ظاهر، لكن الآن نسيته.
يقول: وإذا. . . . . . . . .
ها؟
طالب:. . . . . . . . .
أصحاب المذاهب يخفى عليهم درجة الحديث، درجة الخبر قد تخفى عليهم، ويتوارثون أحاديث في كتب متقدميهم لكونهم ليسوا من أهل الصناعة، فيستدلون بأحاديث ضعيفة، بل فيها ما هو شديد الضعف، وقد وجد في أدلتهم بعض الموضوع، يوجد عند بعض الفقهاء لبعدهم عن هذه الصناعة، وإن كان أئمتهم يشددون في هذا الباب.
قال: "وإذا عزوته إلى النبي ﷺ من غير إسناد فلا تقل: قال رسول الله ﷺ كذا، وما أشبه ذلك من الألفاظ الجازمة، بل بصيغة التمريض" يروى كذا، يذكر كذا عنه ﵊، "وكذا فيما يشك في صحته أيضاً" لا يجزم بنسبته إلى النبي فيقال: قال رسول الله ﷺ ، إنما يقال: يذكر، يروى، وإن نبه على درجته فهو أولى؛ لأن الناس لا يدركون، إذا قلت: يروى عن النبي ﵊ أنه قال: افعلوا كذا، تعرف أنه خبر ضعيف؟ عند عامة الناس ما تبرأ ذمتك، حتى تقول: وهو حديثٌ ضعيف لا يثبت؛ لأن هذه الصيغة لا يميز بينها كثيرٌ من الناس، وإذا كان كثيرٌ من الفقهاء يجزم بأن النبي ﵊ قال كذا في خبرٍ ضعيف، ويغفلون عن هذا، تنبيه العوام على ذلك من باب أولى.
والكلام ترون أنه أجمل إجمالاً لضيق الوقت، ولأن ورانا سفر بعد صلاة المغرب مباشرة، والأسئلة كثيرة، لكن في هذه الساعة المباركة، آخر ساعة من يوم الجمعة، وهي ساعة الإجابة عند جمع من أهل العلم، علينا أن ندعو بإخلاص وبصدق لجأ إلى الله ، وبتقديم التوبة والندم على ما سلف، أن ندعو الله -جل وعلا- وأن نضرع إليه بأن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، ويرفع شأن هذه الأمة التي حل بها من المحن والمصائب والكوارث ما لا يخفى على أحد ...
стр. 191
شرح كتاب اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير (٨)
شرح: النوع الثالث والعشرون: "معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل"
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
... وبيان الجرح والتعديل، المقبول الثقة الضابط لما يرويه، وهو المسلم العاقل البالغ, سالماً من أسباب الفسق، وخوارم المروءة, وأن يكون مع ذلك متيقظاً غير مغفل, حافظاً إن حدث من حفظه، فاهماً إن حدث على المعنى, فإن اختل شرط مما ذكرنا ردت روايته، وتثبت عدالة الراوي باشتهاره بالخير، والثناء الجميل عليه, أو بتعديل الأئمة, أو اثنين منهم له, أو واحد على الصحيح، ولو بروايته عنه في قول.
قال ابن الصلاح: وتوسع ابن عبد البر فقال: كل حامل علم معروفُ العناية به فهو عدلٌ محمولٌ أمره على العدالة حتى يتبين جرحه، لقوله ﵊: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)) قال: وفيما قاله اتساعٌ غير مرضي، والله أعلم، قلت: لو صح ما ذكره من الحديث لكان ما ذهب إليه قوياً، ولكن في صحته نظر قوي، والأغلب عدم صحته، والله أعلم.
بركة، بركة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
النوع الثالث والعشرون: يقول الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل" يعني من ترد روايته، "وبيان الجرح والتعديل"، وهذا النوع من أهم الأنواع، ينبغي أن يعتني به طالب الحديث، ولا يستغني عنه بحال؛ لأنه لا يتمكن من تصحيح الأحاديث وتضعيفها إلا بمعرفة رواتها، من يقبل منهم ومن يرد، فالمقبول عند أهل العلم "الثقة الضابط لما يرويه" والمراد بالثقة من جمع بين وصفي العدالة والضبط، وتقدم في تعريف الحديث الصحيح: أنه ما رواه عدلٌ تام الضبط، فإذا توافر الشرطان: العدالة والضبط قبل الخبر، وصار صحيحاً، والقبول أعم من الصحة؛ لأنه يشمل الحسن الذي هو أدنى درجات القبول، فمن تقبل روايته.
стр. 192
يقول: "الثقة الضابط لما يرويه" العدالة لا بد منها، والضبط تمامه يشترط لصحة الخبر، ومسماه يشترط لقبوله، وإن نزل عن درجة الصحيح، "وهو المسلم العاقل البالغ سالماً" حال كونه سالماً "من أسباب الفسق وخوارم المروءة" هذا هو العدل، العدل المسلم العاقل البالغ، فالكافر ليس بعدل، غير العاقل لا يقبل خبره؛ لأنه ليس بعدل، لم تتوفر فيه العدالة، وإن لم يتحقق فسقه، البالغ: فلا بد من البلوغ لقبول خبر الراوي، لا بد أن يكون مسلماً، فالكافر لا يقبل خبره؛ لأنه لا يؤمن أن يكذب، والمجنون لا يصح خبره؛ لأنه لا يضبط ما يقول، والقلم قد رفع عنه فلا يؤمن أن يفتري، والبالغ شرطٌ لا بد منه، إذ الصغير لا يقبل خبره؛ لأنه لم يكلف فلا يؤمن أن يكذب.
وكل هذه الشروط إنما تشترط عند الأداء، أما التحمل فيصح تحمل الكافر على ما سيأتي، ويؤيده حديث جبير بن مطعم أنه سمع النبي ﵊ يقرأ في صلاة المغرب بسورة الطور، وهو حينئذٍ كافر لما تحمل الخبر قبل أن يسلم، ثم أداه بعد أن أسلم فقبل منه، فهذه الشروط شروط للأداء، وليست شروطاً للتحمل، ومثله الصبي لو تحمل الصبي خبراً وحفظه وأداه بعد بلوغه قبل منه، لكن يؤديه قبل البلوغ لا يقبل منه.
"سالماً من أسباب الفسق وخوارم المروءة" الفاسق هو الذي يرتكب المحرمات، أو يقصر في أداء الواجبات؛ لأن الفسق خلاف التقوى التي هي التزام الأوامر، واجتناب النواهي، خوارم المروءة يعني ما اعتاد الناس فعله مما تواطئوا عليه، وتعارفوا عليه، بحيث يعد من خرج على فعلهم واتفاقهم على هذا الأمر شاذاً بينهم، فمثل هذا يخرم المروءة، "وأن يكون مع ذلك متيقظاً" منتبهاً لحفظه بحيث يؤديه كما سمعه متى شاء "غير مغفل" فالمغفل لا تقبل روايته؛ لأنه لا يضبط ما يروي "حافظاً إن حدث من حفظه" ضابطاً لما يرويه إن حدث من الحفظ، إن روى باللفظ لا بد أن يكون حافظاً لذلك اللفظ، "فاهماً إن حدث بالمعنى" والرواية بالمعنى جائزة عند جمهور العلماء، شريطة أن يكون الراوي عارفاً بمدلولات الألفاظ، عالماً بما يحيل المعاني، أما إذا لم يكن كذلك فلا تجوز الرواية حينئذٍ بالمعنى، "فإن اختل شرطٌ مما ذكرنا ردت روايته".
стр. 193
أجمع جمهور أئمة الأثر ... والفقه في قبول ناقل الخبر
بأن يكون ضابطاً معدلاً ... أي يقظاً ولم يكن مغفلاً
حافظاً إن حدث حفظاً يحوي ... كتابه إن كان منه يروي
يعلم ما في اللفظ من إحالة ... إن يروِ بالمعنى وفي العدالة
بأن يكون مسلماً ذا عقلِ ... قد بلغ الحلم سليم الفعلِ
من فسقٍ أو خرمِ مروءة ومن ... زكاه عدلان فعدلٌ مؤتمن
إلى آخر كلامه -رحمه الله تعالى-، المقصود أنه يشترط لقبول الراوي أن يكون عدلاً ضابطاً، وعرفنا المراد بالعدالة والضبط.
بم تثبت عدالة الراوي؟ إذا زكاه اثنان من أهل العلم وعدلوه فهو عدل، ويكفي واحد على القول الصحيح إذا كان عالماً بأسباب العدالة يكفي، يعني لو قال الإمام أحمد ﵀ فلان عدل، أو فلان ثقة، أو قاله البخاري، أو ابن معين، أو ابن المديني أو غيره من أهل العلم فإنه يكفي ولو واحد.
أو يشتهر ويستفيض، يستفيض أمره ويشتهر بالعدالة حينئذٍ لا يحتاج إلى تزكية، أو واحد على الصحيح ولو بروايته عنه في قول، يعني إذا روى العدل عن راوي هل يعد تعديلاً له أو لا بد أن يصرح بتعديله؟ يعني لو روى البخاري عن راوي نقول: يكفي، نحكم بعدالته لأن البخاري خرج له؟ نعم، رواة الصحيحين جازوا القنطرة، مسلم كذلك لا سيما إذا كان الخبر مما يدور عليه، أما إذا رواه غيره ولو اشترط الصحة، لو روى ابن حبان في صحيحه عن راوي، ولم يصرح بتوثيقه لا يكفي، لو روى من صرح بأنه لا يروي إلا عن ثقة كشعبة ويحيى بن سعيد القطان وغيرهما من أهل العلم فإنه لا يكفي، لا يكفي أن يروي عنه لوجود رواية هؤلاء الذين صرحوا بأنهم لا يروون إلا عن الثقات روى عن بعض الضعفاء.
طالب:. . . . . . . . .
لا، لو قال: جميع أشياخي ثقة، أو قال: حدثني الثقة فلا يكفي، لا بد أن يصرح باسمه ويوثقه، لا بد أن يصرح باسمه ويوثقه، والتعديل على الإبهام لا يكفي.
طالب:. . . . . . . . .
لو قال. . . . . . . . . عن حديث إمام من أئمة الحديث ...
طالب:. . . . . . . . .
стр. 194
هذا الحديث رواته ثقات يقتضي أن كل واحدٍ منهم ثقة، بخلاف ما لو قال: هذا الحديث صحيح، لو قال: رواته ثقات أو رجاله ثقات توثيق لهؤلاء الرواة، ولا يلزم منه تصحيح المتن، قد يشتمل المتن على علة أو شذوذ، مخالفة لمن هو أوثق من هؤلاء، لكن لو قال: هذا الحديث صحيح يقبل المتن ولا يلزم منه توثيق الرواة؛ لاحتمال وروده من أكثر من طريق، فلا يلزم أن هؤلاء الرواة ثقة، لكن لو قال: هذا الحديث صحيح ولا يروى إلا من هذا الطريق فإنه توثيق لرواته.
. . . . . . . . . ومن ... زكاه عدلان فعدلٌ مؤتمن
وصحح اكتفاؤهم بالواحدِ ... جرحاً وتعديلاً خلاف الشاهدِ
وأما من اشتهر واستفاض أمره على العدالة فإنه لا يحتاج فيه إلى توثيق أحد.
وصححوا استغناء ذي الشهرة عن ... جج تزكيةٍ كـ (مالكٍ) نجم السنن
يعني لو ورد اسم مالك في سند من الأسانيد ما يحتاج إلى أن نبحث في كتب الرجال ماذا قال الأئمة عن الإمام مالك؟ ومثله لو ورد اسم الإمام الشافعي أو أحمد في إسناد حديث ما يحتاج أن نقول: ماذا قال عنه فلان؟ وماذا قيل فيه؟ هل جرح أو لم يجرح؟ لا.
وصححوا استغناء ذي الشهرة عن ... تزكيةٍ كـ (مالكٍ) نجم السنن
فلا يحتاج مثل هؤلاء إلى تزكية، ابن عبد البر أبو عمر ابن عبد البر ﵀ توسع في التعديل، فقال: "كل حاملِ علمٍ معروف العناية به فهو عدلٌ، محمولٌ أمره على العدالة حتى يتبين جرحه؛ لقوله ﵊: ((يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله)) " قال: "وفيما قاله اتساعٌ غير مرضي"، قال ابن الصلاح قال: "وفيما قاله اتساعٌ غير مرضي، والله أعلم".
стр. 195
ابن كثير ماذا يقول: "قلتُ: لو صح ما ذكره من الحديث لكان ما ذهب إليه قوياً، ولكن في صحته نظر قوي، والأغلب عدم صحته" أولاً: هل الحديث صحيح؟ الحديث ضعيف عند جمهور العلماء، ضعفه جمعٌ من أهل العلم، وإن حسنه بعضهم، لكن حكم الإمام أحمد بضعفه وجمع غفير من أهل العلم على أنه ضعيف، لو صح الخبر لا ينبغي حمله على أنه خبر؛ لأنه مخالف للواقع لوجود من يحمل هذا العلم وهو ليس بعدل، فيكون معناه الحض للثقات العدول أن يحملوا هذا العلم، ويتأيد ذلك برواية: ((ليحمل)) اللام: لام الأم ((ليحمل هذا العلم من كلِّ خلفٍ عدوله)) فهو حض وحثٌ للثقات أن يتصدوا لحمل العلم الشرعي، ولا يتركوا مجالاً لمن يدخل فيه من الأدعياء الذين لا يعملون به؛ لأن العلم في الحقيقة هو العمل، والعلم الذي لا يحمل صاحبه على العمل ليس بعلمٍ على الحقيقة؛ لأن العلم حقيقته ما نفع، أما العلم الذي لا ينفع فوجوده مثل عدمه.
يقول: "وفيما قاله اتساعٌ غير مرضي" ابن كثير ﵀ علق القول به على صحته، وقال: لو صح ما ذكره -يعني ابن عبد البر- لكان ما ذهب إليه قوياً، وعلى فرض صحته مع أن جمهور العلماء على ضعفه يكون فيه أمر وحث للثقات أن يحملوا هذا العلم، ويكون المعنى: "ليحمل" كما جاء في بعض الروايات، وليس المراد به الخبر أن كل من حمل العلم الشرعي يكون ثقة، لا، الواقع يشهد بخلاف ذلك، وخبر الله وخبر رسوله لا يتغير، لا بد من مطابقته للواقع، لوجود من يحمل هذا العلم وهم غير ثقات.
قلت: ولابن عبد البر كل من عني ... بحمله العلم ولم يوهنِ
فإنه عدلٌ بقول المصطفى ... يحمل هذا العلم لكن خولفا
خولف ابن عبد البر، خولف ابن عبد البر في قوله هذا، ولا شك أن ما قاله اتساعٌ غير مرضي، نعم.
قال ﵀: "ويعرف ضبط الراوي بموافقة الثقات لفظاً أو معنى، وعكسه عكسه، والتعديل مقبولٌ من غير ... "
بمَ يعرف ضبط الراوي؟ يعرف بعرض أحاديثه ومروياته على روايات الثقات، فإن وافقهم فهو ضابط، إن خالفهم فهو غير ضابط.
ومن يوافق غالباً بالضبطِ ... فضابطٌ أو نادراً فمخطِ
стр. 196
يعني إذا خالفهم وكثرت المخالفات عنده فليس بضابط، أما إذا عرضت أحاديثه على أحاديث الثقات فوجد موافقاً لهم في الغالب والمخالفة نادرة فإنه حينئذٍ يحكم بأنه ضابط.
والتعديل مقبولٌ من غير ذكر السبب؛ لأن تعداده يطول، فقبل إطلاقه بخلاف الجرح فإنه لا يقبل إلا مفسراً؛ لاختلاف الناس في الأسباب المفسقة فقد يعتقد ذلك الجارح شيئاً مفسقاً فيضعفه، ولا يكون كذلك في نفس الأمر أو عند غيره، ولهذا اشترط بيان السبب في الجرح.
قال الشيخ أبو عمرو: وأكثر ما يوجد في كتب الجرح والتعديل فلان ضعيف أو متروكٌ أو نحو ذلك، فإن لم نكتفِ به انسد بابٌ كبيرٌ في ذلك، وأجاب بأنا إذا لم نكتفِ به توقفنا في أمره لحصول الريبة عندنا بذلك.
قلت: أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن فينبغي أن يؤخذ مسلماً من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم واطلاعهم واضطلاعهم بهذا الشأن، واتصافهم بالإنصاف والديانة والخبرة والنصح، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل أو كونه متروكاً أو كذاباً أو نحو ذلك، فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفةٌ في موافقتهم لصدقهم وأمانتهم ونصحهم، ولهذا يقول الشافعي في كثير من كلامه على الأحاديث: لا يثبته أهل العلم بالحديث، ويرده ولا يحتج به بمجرد ذلك، والله أعلم.
стр. 197
الجرح الذي يطلقه الأئمة، والتعديل الذي يطلقونه بإزاء بعض الرواة، فإذا قالوا: فلان ثقة، أو قالوا: فلان ضعيف، هل يقبل هكذا؟ أو لا بد من بيان السبب؟ فالجمهور على أنه لا بد من بيان سبب الجرح، لا بد أن يكون الجرح مفسراً، أولاً لسهولة ذلك، فالجرح يثبت بأمرٍ واحد، الأمر الثاني: أنه ربما استفسر عن سبب جرحه فذكر ما لا يجرح، ذكر ما لا يجرح، كما جرح شعبة فيما لا يجرح، لم ضعفت فلان؟ قال: رأيته يركض على برذون، لم ضعفت فلان؟ قال: ذُكر عند فلان فامتخط، هذا ما يلزم أن يكون الجرح مقبولاً، ولأن بيان الجرح أمرٌ يسير سهل؛ لأن الجرح يثبت بأمرٍ واحد، يكفي أن يقال: فلان ضعيف لأنه يفعل معصية كذا، أو يخل بالواجب كذا، لا يصلي مع الجماعة، أو يفطر في رمضان، أو يشرب الخمر، أو يسرق، أو ما أشبه ذلك؛ لأن الجرح يثبت بواحد، وأما التعديل فيكفي فيه الإطلاق من غير ذكر سببه؛ لأن ذكر أسبابه يطول، وتعدادها يكثر، يلزم المعدل أن يقول: فلان عدل؛ لأنه يصلي ويزكي ويصوم ويحج ويبر والديه، ولا يفعل ولا يفعل من المحرمات، فيعد كل الواجبات، ويعد كل المحرمات، وهذا يطول.
стр. 198
فالجمهور على أنه لا بد من بيان سبب الجرح دون التعديل، ومنهم من عكس يقول: الجرح يكفي أن يذكر من غير بيان، والتعديل لا بد من ذكر سببه؛ لأن الإنسان قد يغتر بشخص فيعدله بناءً على ما ظهر من حاله فلا بد من أن يبين سبب العدالة، فلان عدل لماذا؟ لا يغتر به كما اغتر الإمام مالك بابن أبي المخارق، قال: غرني بكثرةِ مكثه في المسجد، وهذا نعم أمارة ودلالة على أنه صاحب خير، لكن ما يكفي لقبول الرواية، فلا بد من ذكر العدالة، وأما الجرح فيكفي من غير ذكر سببه، وهذا قولٌ لبعض أهل العلم، وهو عكس القول الأول قول الجمهور، ومنهم من يقول: لا بد من بيان السبب في الجرح والتعديل؛ لأن أسباب العدالة يكثر التصنع فيها، فلا بد من ذكر سببها، والجرح قد يجرح المجرح بغير جارح، وحينئذٍ لا بد من بيان سببه، وهذا القول يلزم ببيان السبب في الأمرين معاً، والقول الرابع: وهو المقابل لهذا أنه لا يلزم بيان السبب لا في الجرح ولا في التعديل، فإذا قال الإمام: فلان ضعيف يكفي، فلان ثقة يكفي، ما يحتاج ضعيف لماذا؟ أو ثقة لماذا؟
ابن الصلاح لما ساق كلام الجمهور، ومال إليه، واستروح إليه، قال: أكثر ما يوجد في كتب الجرح والتعديل فلان ضعيف، وفلان متروك، ونحو ذلك، يعني من غير بيانٍ للسبب، كتب الجرح والتعديل ليس فيها بيانٌ للسبب في غالب الأحوال، فعلى هذا يلزم عليه تعطيل هذه الكتب، إذا لم نعتمد ما فيها من الجرح فماذا نصنع؟ يلزم عليه تعطيل هذه الكتب، لكن أجاب ابن الصلاح بأنا إذا لم نكتفِ به توقفنا في أمره، قال ابن معين: فلان ضعيف، نقول: لماذا يا ابن معين على قول الجمهور؟ لماذا فلان ضعيف؟ من يجيب عن ابن معين؟ في كتب الجرح والتعديل فلان ضعيف.
стр. 199
يقول ابن الصلاح: لا نعتمد هذا القول، لكن قول ابن معين أو قول غيره من الأئمة يوجد ريبة عندنا يلزم منها التوقف في الراوي، ومن ثم التوقف في قبول خبره، يقول: توقفنا في أمره لحصول الريبة عندنا في ذلك، لكن إلى متى؟ ما هي بمسألة راوي أو راويين أو مائة، لا، جمعٌ غفير من الرواة، وهذا التوقف يوجب التوقف في كثيرٍ من الأخبار، فالتوقف ليس بحل، ولذا رأى ابن كثير -رحمه الله تعالى- في كلامه قلت: أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن فينبغي أن يؤخذ مسلماً من غير ذكر أسباب، ويستوي في ذلك الجرح والتعديل، إذا كان المعدل أو المجرح إمام معتدل، يعني ليس بمتشدد في التجريح ولا في التعديل، ولا متساهل، عرف بالتوسط في أموره، عارف بأسباب الجرح والتعديل، لماذا نتوقف في قبول من يعدله مثل هذا؟ أو في رد من يضعفه مثل هذا؟ ولذا يقول: "أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن فينبغي أن يؤخذ مسلماً من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم واطلاعهم واضطلاعهم في هذا الشأن" يعني إذا لم نقبل أقوال هؤلاء الذين عرفوا الرواة، وعرفوا المرويات، وقارنوا بين روايات الثقات، وعرضوا أحاديث بعضهم على بعض، وعرفوا بعضهم بالأعيان، وعاملوهم وعاصروهم وعاشروهم، وحفظوا أحاديثهم، إذا لم نكتفِ بأقوال هؤلاء فمن يحل الإشكال بعدهم؟ من يأتي بعد الرواة لا يستوي من عاش بين الرواة وعرفهم بأعيانهم، وعاصرهم وعاشرهم وبين من جاء بعدهم، يعني إذا لم ينحل الإشكال من قول الإمام أحمد، توقفنا في قوله، توقفنا في قول يحيى بن معين وهكذا، من يحل الإشكال الذي أورده، واستروح إليه، ومال إليه ابن الصلاح وهو التوقف؟ إلى متى؟
стр. 200
ابن كثير -رحمه الله تعالى- يقول: "واتصافهم بالإنصاف" يعني ما يتوقع أن الإمام أحمد يجرح راوي لشحناء بينه وبينه، أو لمخالفة بينه وبينه، أو لاختلاف بينه في أمور الدنيا، حاشاهم عن ذلك، ولا ندعي العصمة لهم، ومثله بقية الأئمة، "واتصافهم بالإنصاف والديانة والخبرة والنصح، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل" يعني مقتضى قول الجمهور أنهم لو أجمعوا على تضعيف راوٍ نقول: لماذا؟ لماذا ضعفوه؟ لا بد أن يبين السبب، يقول: "لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل أو كونه متروكاً أو كذاباً أو نحو ذلك" إذا أطبقوا لا يخالج الإنسان أدنى شك، ولا يساوره أدنى ريب في أنه ضعيف أو ثقة، لكن إذا اختلفوا، فيما إذا تعارض، تعارضت أقوالهم، فعدله بعضهم، ووثقه آخرون، وهذه مسألة تعارض الجرح والتعديل، والمسألة ترد قريباً -إن شاء الله تعالى- "فالمحدث الماهر يقول: لا يتخالجه في مثل هذا وقفةٌ في موافقتهم لصدقهم وأمانتهم ونصحهم، ولهذا يقول الشافعي في كثيرٍ من كلامه على الأحاديث: لا يثبته أهل العلم بالحديث" يكل الأمر إلى أهله، لا يثبته أهل العلم بالحديث، طيب أنت إمام يا شافعي لماذا لا تنظر أنت؟ العمر لا يستوعب الاجتهاد في كل شيء، قد يجتهد في وسيلة، في توثيق راوي أو تضعيفه، ثم مع مجموع الرواة، يجتهد في تصحيح حديث، ثم بعد ذلك يجتهد في النظر في الأحاديث في المسألة الواحدة، ويخلص إلى القول الراجح، هذه اجتهاد في الوسائل وفي الغايات لكن دونها الخرط والقتاد في كل مسألة مسألة، فالإنسان قد يجتهد في إثبات الخبر، لكن لا يتيسر له الاجتهاد في الحكم والعكس، فالشافعي حينما يجتهد في الحكم يعتمد في إثبات الخبر ونفيه على أهل الشأن، ولذا كثيراً ما يقول: لا يثبته أهل العلم بالحديث، وكثيراً ما يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي، ويرده ولا يحتج به بمجرد ذلك، ما يقال: لماذا لم يثبته أهل الحديث؟ الشافعي وهو إمام لا يقول: لماذا لا يثبته أهل الحديث؟ هل الجرح مفسر أو غير مفسر؟ لا يقول هذا لا الإمام الشافعي ولا غير الإمام الشافعي.
стр. 201
فالذي يظهر -والله أعلم- أن الأئمة الموصوفين بالخبرة والاطلاع والإحاطة بالمرويات، ومعرفة أحوال الرواة مع الاتصاف بالديانة والإنصاف والاعتدال في الرأي أنهم يقبل قولهم في الجرح والتعديل من غير ذكرٍ للسبب، والله أعلم.
طالب:. . . . . . . . .
هذا يقول: الذي. . . . . . . . . سبر أحاديث الراوي. . . . . . . . . أحاديثه ومروياته. . . . . . . . . فهل هذا نقول له أو نعيب عليه؟
لكن هل مروياته وسبرها يكفينا في إثبات عدالة الراوي وضبطه؟ نعم إذا كفى في إثبات الضبط، وعرفنا أنه يوافق الرواة عددناه ضابطاً، لكن عدالته؟ لا بد من أن ينص عليها أهل العلم، وأهل الخبرة به، فلا يكفي أن يقال: لا يمكن الاستغناء بحال عن معرفة أقوال أهل العلم في كل راوٍ راوٍ على حدة، لا يمكن أن يستغني أحدٌ عن معرفة أقوال أهل العلم، فبواسطتهم نعرف أحوال الرواة، نعم.
قال: أما إذا تعارض جرحٌ وتعديل فينبغي أن يكون الجرح حينئذٍ مفسراً، وهل هو المقدم أو الترجيح بالكثرة أو الأحفظ؟ فيه نزاعٌ مشهور في أصول الفقه وفروعه وعلم الحديث، والصحيح أن الجرح مقدمٌ مطلقاً إذا كان مفسراً، والله أعلم.
إذا تعارض الجرح والتعديل من أكثر من إمام، فحكم بعدالته وثقته أئمة، وحكم بضعفه آخرون، لو حكم بعدالة الراوي أئمة، وحكم به آخرون هذه مسألة، المسألة الأخرى: فيما إذا تعارض قول الإمام الواحد، فعدله في بعض أقواله، وجرحه في قولٍ آخر له، ما الذي يقدم؟ أما إذا كان الجرح مفسراً فلا تردد في تقديمه؛ لأن مع الجارح زيادة علم خفيت على المعدل، فإذا قال أحمد: فلان ثقة، وقال يحيى بن معين: ضعيف؛ لأنه يشرب الخمر، أو قال علي بن المديني: ضعيف لأنه يروي مناكير، جرح مفسر، حينئذٍ نقدم الجرح لأنه مفسر، ومع الجارح زيادة علم خفيت على المعدل، الجارح يوافق المعدل فيما يقول ويزيد عليه، أما المعدل فقد يخفى عليه من أمره ما عرفه الجارح.
стр. 202
إذا عرف المعدل ما جرحه به الجارح ونفاه بعينه، قال أحمد: ثقة، وقال ابن معين: ضعيف، لماذا يا ابن معين؟ لأنه قتل فلان يوم الخميس، قال أحمد: هذا الكلام ليس بصحيح أنا رأيته صلى معنا يوم الجمعة فكيف تقول: مقتول؟ فنفى الجرح بعينه، نعم روى حديثاً منكراً أثبته ابن معين، نفاه غيره من الأئمة، إما أن يكون نفى النكارة لوروده من طرق أخرى، أو أثبت أن الراوي لهذا الحديث المنكر غير الراوي الذي ألصق به، وكم من راوي زعم فيه التعدد والعكس، كم من شخص جعله بعضهم اثنين، وكم من رواة جعلهم بعض أهل العلم واحد، وينفع في هذا الباب كتاب الخطيب البغدادي ﵀ (موضح أوهام الجمع والتفريق) فإذا قال ابن معين: فلان بن فلان ضعيف لأن حديثه منكر، قال له غيره من أهل العلم: لا، فلان الذي زعمت أنه هو الراوي لهذا الحديث غيره ثاني، فحينئذٍ يقدم التعديل؛ لأن السبب الذي جرح به نفي، فلا يقبل الجرح ولو كان مفسراً بالإطلاق.
يقول: "وهل هو المقدم أو التجريح بالكثرة أو الأحفظ؟ " لا شك أن من أهل العلم من يرجح بالكثرة، ومنهم من يرجح أهل الحفظ على من دونهم في الحفظ.
وقدموا الجرح لكن إن ظهر ... من عدّلَ الأكثرَ فهو المعتبر
الأصل أن المقدم الجرح إذا كان مفسراً، إن ظهر المعدلون أكثر من الجارحين فإنهم يقدمون عند قوم، وبعضهم قال: يقدم الجارح ولو واحد على الجمع من المعدلين للعلة التي ذكرت قبل، وبعضهم يقول: يقدم الأحفظ، هذا أعرف بالرواة وأحفظ وأكثر حفظاً للحديث فيقدم قوله ولو كان تعديلاً في مقابل قول من جرح.
стр. 203
إذا كان التعارض من إمامٍ واحد، إمام واحد مرةً قال: فلان ضعيف، ومرة قال: فلان ثقة، فهذا مرده إلى تغير الاجتهاد نعم إن عرف المتأخر من قوليه فهو المعتمد وإلا ينظر فيه على أساس أنه تعدد اجتهاد، غير اجتهاده، فيعتبر كل من قوليه قول من أقوال أهل العلم فيضم التعديل إلى أقوال المعدلين، ويضم التجريح إلى أقوال المجرحين، فعلى سبيل المثال: ابن لهيعة ضعفه ثلاثة عشر إماماً من أئمة الحديث، وعدله ثلاثة، وتوسط في أمره آخرون، وقبله بعضهم في حالٍ دون حال، في رواية العبادلة دون غيرهم، لكن كيف نصنع بتضعيف ثلاثة عشر إماماً؟ واضطربت فيه أقوال المتأخرين، فالحافظ ابن حجر نص على ضعفه في مواطن من الفتح، وقال في التقريب: "صدوقٌ يخطئ، أو له أوهام"، و. . . . . . . . . سنداً في المسند جاء من طريقه، فعلى كل حال اضطرب فيه قول الحافظ، وما دام جمهور الأئمة على تضعيفه فهو ضعيف، ثلاثة عشر إماماً من الأئمة الكبار كلهم على تضعيفه فهو ضعيف، خلافاً لأحمد شاكر الذي وثقه مطلقاً، وثق ابن لهيعة مطلقاً، فكيف يصنع بقول ثلاثة عشر إماماً كلهم يتدين بقوله: ضعيف؟ لأن الكلام في الرجال أمره خطير، وأبيح على خلاف الأصل؛ لأن الأصل في هذا الباب المنع، فأجازه أهل العلم، بل أوجبوه نصحاً للأمة، وصيانة للملة، إذ لولا ذلك لما عرف صحيح الأحاديث من ضعيفه، على كل حال الراجح في حاله أنه ضعيف، وإن عدله بعضهم، نعم.
"ويكفي قول الواحد ... "
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
حتى في رواية العبادلة عنه، هي أمثل من غيرها يكون ضعفها أخف، لكن هي ضعيفة، حتى رواية العبادلة، وعلى كل حال ضعفه محتمل، يعني يقبل الانجبار إذا ورد من طريقٍ آخر، لكن بمفرده خبره لا يثبت، نعم.
"ويكفي قول الواحد بالتعديل والتجريح على الصحيح، وأما رواية الثقة عن شيخٍ فهل يتضمن تعديله ذلك الشيخ أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال: ثالثها: إن كان لا يروي إلا عن ثقة فتوثيقٌ وإلا فلا، والصحيح أنه لا يكون توثيقاً له حتى لو كان ممن ينص على عدالة شيوخه، ولو قال: حدثني الثقة لا يكون ذلك توثيقاً له على الصحيح؛ لأنه قد يكون ثقةً عنده لا عند غيره، وهذا واضحٌ، ولله الحمد".
стр. 204
يقول: "يكفي قول الواحد في التعديل والتجريح على الصحيح" سبق أن ذكرنا أن التزكية لا بد فيها من اثنين عند جمع من أهل العلم.
. . . . . . . . . ومن ... زكاه عدلان فعدلٌ مؤتمن
كالشهادة، كالشاهد لا بد أن يزكيه اثنان، لكن الصحيح عند أهل العلم أنه يكفي واحد إذا كان عارفاً بأسباب الجرح، معتدلاً في أقواله، وجزم بأنه عدل يكفي.
وصحح اكتفاؤهم بالواحد ... جرحاً وتعديلاً خلاف الشاهدِ
أما الشاهد فلا بد من اثنين؛ لأن حقوق العباد مبنية على المشاحة، ولا يؤمن أن يوجد من يكذب فيها، والكذب على النبي ﵊ ليس كالكذب على غيره، فالأصل في المسلم أن يهاب الكذب على النبي ﵊، فما دام يكفي في قبول الخبر واحد فيكفي في تزكية راويه واحد أيضاً.
رواية الثقة عن شيخ: إذا روى شيخٌ ثقة عن شيخ، هل يعني هذا أن الشيخ لثقته بهذا الراوي يروي عنه؟ أو لأنه لم يقف عليه إلا من طريق هذا الراوي فخرجه عنه ولو كان غير ثقةٍ عنده؟ فيه ثلاثة أقوال: منهم من يرى أنه توثيق؛ لأن المسألة ديانة وأمانة، ولو عرف فيه ما يجرحه لبينه وما اكتفى بالرواية عنه، والقول الثاني: أنه ليس بتوثيق مطلقاً؛ لأن الواقع يرد القول بأنه توثيق؛ لأن كبار الأئمة يروون عن الضعفاء، رووا عن الضعفاء إذا لم يجدوا الحديث إلا من طريقهم فيذكرونه، وذكر الراوي، وذكر السند من قبل الإمام يخرجه من العهدة ويبرئه منها، وثالث الأقوال: إن كان لا يروي إلا عن ثقة فتوثيق، إذا ذُكر في المسألة ثلاثة أقوال ثالثها كذا، معروف الأول والثاني متقابلان، يجوز مطلقاً، ولا يجوز مطلقاً، يقبل مطلقاً، أو لا يقبل مطلقاً، والثالث الذي فيه التفصيل، كما قال بعضهم في "إن وأن والثالث أصلان"، "إن وأن والثالث أصلان" إيش نفهم من هذا؟ هذا غاية الاختصار، "إن وأن والثالث أصلان" إيش معنى هذا؟ نعم؟ "إن وأن والثالث أصلان" في النحو؟ يعني هل الأصل (إن) بكسر الهمزة وتفتح في مواضع؟ أو الأصل (أن) وتكسر في مواضع؟ قيل بهذا، وقيل بهذا، والقول الثالث: أنهما أصلان، كل واحد أصل برأسه.
стр. 205
يقول: "والصحيح أنه لا يكون توثيقاً له حتى ولو كان ممن ينص على عدالة شيوخه"، يعني ولو قال: "جميع أشياخي ثقات" لوجود الرواية عن الضعفاء فيمن نص على ثقة شيوخه، ولو قال: "حدثني الثقة" فإنه لا يكفي، بل لا بد أن يبين الاسم؛ لأنه قد يكون ثقة عنده وليس بثقةٍ عند غيره، ويقول الإمام الشافعي: "حدثني الثقة"، "حدثني من لا أتهم"، ويقصد بذلك إبراهيم بن أبي يحيى، إبراهيم بن أبي يحيى جماهير العلماء على ضعفه، بل ضعفه شديد، لكن قد يقول قائل: أنا ما دمت أقلد الإمام الشافعي في الأحكام، وفي الفروع وأوافقه في اجتهاده من غير نظرٍ في دليله لماذا لا أقلده في مثل هذا؟ نعم المقلد له أن يقلد ما ترجح عنده من أقوال الأئمة؛ لأنه فرضه التقليد، فإذا قال إمامك الشافعي: "حدثني ثقة" اقبل كلامه، كما أنه لو قال لك: هذا العمل حلال أو حرام تقبل قوله من غير دليل، أما أهل النظر الذي يستطيع أن ينظر ويوازن بين الأقوال لا يسوغ له أن يقلد أحداً ولو وثق على الإبهام، ولذا يقول الناظم -رحمه الله تعالى-:
ومبهم التعديل ليس يكتفي ... به الخطيب والفقيه الصيرفي
بل لا بد أن ينص على فلان بن فلان وأنه ثقة؛ لأنه قد يكون ثقةً عنده لا عند غيره، وهذا واضح، ولله الحمد، نعم.
قال: وكذلك فتيا العالم أو عمله على وفق حديث لا يستلزم تصحيحه له، قلتُ: وفي هذا نظر إذا لم يكن في الباب غير ذلك الحديث، أو تعرض للاحتجاج به في فتياه أو حكمه، أو استشهد به عند العمل بمقتضاه، قال ابن الحاجب: وحكم الحاكم المشترط العدالة تعديلٌ باتفاق، وأما إعراض العالم عن الحديث المعين بعد العلم به فليس قادحاً في الحديث باتفاق؛ لأنه قد يعدل عنه لمعارض أرجح عنده مع اعتقاد صحته.
стр. 206
فتيا العالم إذا سئل عن مسألة فأفتى بمضمون حديث، أو عمل بمضمون حديث من غير ذكرٍ لهذا الحديث، قيل له: ما حكم كذا؟ قال: لا يجوز، وفي الباب حديثٌ يوافق هذه الفتيا، هل يعد تصحيح لهذا الحديث؟ ومثله لو قال: لا يجوز، وفي الباب حديث هل يعتبر تضعيف لهذا الحديث؟ يقول: "لا يستلزم تصحيحه له، قلت: وفي هذا نظر إذا لم يكن في الباب غير ذلك الحديث، أو تعرض للاحتجاج به" قال: لا يجوز لقول النبي ﵊ كذا، يكون استدلاله بالخبر وذكره إياه وجزمه بنسبته إلى النبي ﵊ بعد ذكر الحكم يقتضي تصحيحه إياه، "أو استشهد به عند العمل بمقتضاه" رآه أحدٌ يعمل عملاً يقدم ركبتيه فقال: في حديث أبي هريرة كان النبي ﵊ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، فهمنا أنه يقوي هذا الحديث، قواه بفعله، واستشهد به، ولو قواه بفعله فقط، فعله من دون استحضار هذا لا يعتبر تصحيح، وكذلكم لو استشهد أو عمل بحديث أو عمل بحكم وفيه مجموع أحاديث لا يقتضي حكمه أو عمله أو فتياه بمقتضى هذه الأحاديث تصحيح كل حديث حديث من هذه الأحاديث، بل قد يكون عمل بمجموع هذه الأحاديث.
"قال ابن الحاجب: "وحكم الحاكم المشترط العدالة تعديلٌ باتفاق" القاضي حينما يؤتى له بشاهد أو بشاهدين يحكم بموجب شهادتهما، هذا القاضي هل يتصور أنه يجرح هذين الشاهدين وقد عمل بمقتضى شهادتهما؟ لا، تعديل، هذا تعديل من القاضي لقبول شهادتهما؛ لأنه لا يتصور أن يغفل عن حالهما وهما أمامه، مع إمكانه أن يعرف ويستخبر لو كان يجهل فيطلب المزكين، "وأما إعراض العالم عن الحديث المعين بعد العلم به فليس قادحاً في الحديث باتفاق"، يعني كون العالم لا يعمل بحديث هل يقتضي هذا تضعيف ذلك الحديث؟ لا؛ لأنه قد يعتقده منسوخاً، أو معارض بما هو أرجح منه وإن كان صحيحاً؛ لأنه عند التعارض إنما يقدم الأرجح والأصح، فيعمل بالأصح ويترك الثاني المعارض وإن كان صحيحاً.
стр. 207
مسألة: مجهول العدالة ظاهراً وباطناً لا تقبل روايته عند الجماهير، ومن جُهلت عدالته باطناً ولكنه عدلٌ بالظاهر وهو المستور فقد قال بقبوله بعض الشافعية، ورجح ذلك سُليم بن أيوب الفقيه، ووافقه ابن الصلاح، وقد حررت البحث في ذلك في المقدمات والله أعلم، فأما المبهم الذي لم يسمَ أو من سُمِّي ولا تعرف عينه فهذا ممن لا يقبل روايته أحدٌ علمناه، ولكنه إذا كان في عصر التابعين والقرون المشهود لهم بالخير فإنه يستأنس بروايته ويستضاء بها في مواطن، وقد وقع في مسند الإمام أحمد وغيره من هذا القبيل كثير، والله أعلم.
قال الخطيب البغدادي وغيره: وترتفع الجهالة عن الراوي بمعرفة العلماء له، أو برواية عدلين عنه، قال الخطيب: لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه، وعلى هذا النمط مشى ابن حبان وغيره، بل حكم له بالعدالة لمجرد هذه الحالة، والله أعلم.
قالوا: فأما من لم يرو عنه سوى واحد مثل عمرو بن ذي مر، وجبار الطائي، وسعيد بن ذي خدان تفرد بالرواية عنه أبو إسحاق السبيعي، وجري بن كليب تفرد عنه قتادة، قال الخطيب: والهزهاز بن ميزن تفرد عنه الشعبي، قال ابن الصلاح: وروى عنه الثوري، وقال ابن الصلاح: وقد روى البخاري لمرداس الأسلمي، ولم يروِ عنه سوى قيس بن أبي حازم، ومسلمٌ لربيعة بن كعب، ولم يروِ عنه سوى أبي سلمة بن عبد الرحمن.
قال: وذلك مصير منهما إلى ارتفاع الجهالة برواية واحد، وذلك متجه كالخلاف في الاكتفاء بواحد في التعديل، قلتُ: توجيهٌ جيد لكن البخاري ومسلم إنما اكتفيا في ذلك برواية الواحد فقط؛ لأن هذين صحابيان، وجهالة الصحابي لا تضر بخلاف غيره، والله أعلم.
стр. 208
المجهول، الراوي المجهول، الجهالة ضد المعرفة والخبرة، فالجهالة عدم العلم بحال الراوي، وهي على مراتب ودرجات، أغرقها في الجهالة وأشدها جهالة الذات، ويدخل في هذا الراوي المبهم الذي لم يسم، مجهول، حدثني رجلٌ، حدثني بعضهم، هذا في غاية الجهالة، لكن إذا عرف اسمه، وعرفت ذاته، حدثني محمد بن إسماعيل ابن فلان الأنصاري أبو عبد الله مثلاً، اسمه واسم أبيه ونسبته وكنيته كلها معروفة، هذا معروف الذات، لكن هو مقل من الرواية بحيث لم يروِ عن سوى واحد، راوٍ واحد، هذا مجهول الإيش؟ مجهول العين، مجهول العين، إذا عرف اسمه كاملاً، ولم يروِ عنه إلا راوٍ واحد لكونه مقل، هذا يسميه أهل العلم مجهول العين، إذا لم يروِ عنه أحد ولا واحد إيش يصير؟ ماذا يكون؟ هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
يبحث مثل هذا؟ يستحق يبحث مثل هذا اللي ما روى عنه أحد؟
طالب:. . . . . . . . .
ما روى عنه أحد هين واحد مجهول العين، إذا لم يروِ عنه أحد ما يبحث إطلاقاً، لا يستحق ولا اسم الجهالة، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب: غير موجود.
هذا غير موجود، لا يبحث أصلاً مثل هذا، أما إذا روى عنه واحد فقط فهو مجهول العين، إذا روى عنه اثنان فأكثر لكنه خلا عن التعديل ظاهراً وباطناً فهو مجهول الحال، وإن كان معروف العدالة ظاهراً دون الباطن فهو أيضاً مجهول قسم من أقسام جهالة الحال، ويعبر عنه بالمستور، أما مجهول الذات لا يقبله أحد ولم يقل أحد بقبوله، اللهم إلا إن كان من الصحابة، حدثني رجلٌ صحب النبي ﵊ هذا مقبول؛ لأن جهالة الصحابي لا تضر.
إذا كان من التابعين والقرون المفضلة المشهود لهم بالخير فإنه يستأنس بروايته، ويستضاء بها في مواطن فيما قاله ابن الصلاح، إذا كان ممن تقادم العهد بهم، إذا كان -هذا مجهول الذات- مجهول العين من روى عنه واحد فقط هو مردود عند جماهير العلماء، وأما المستور وهو مجهول الحال ظاهراً وباطناً، أو باطناً فقط على الخلاف بينهم في ذلك، فمنهم من يطلق المستور بإزاء مجهول الحال مطلقاً في الظاهر والباطن، ومنهم من يطلق المستور بإزاء مجهول الحال باطناً فقط دون الظاهر، وإن عرفت عدالته الظاهرة.
стр. 209
أما مجهول الحال ظاهراً وباطناً ولو روى عنه أكثر من واحد مثل هذا الأكثر على رد خبره كمجهول العين؛ لأنه لا بد من التزكية، لا يعرف بجرحٍ ولا تعديل، لا بد أن تعرف حاله من قبل أهل العلم، هذا إذا كان مجهول العدالة ظاهراً وباطناً، أما إذا كان مجهول العدالة باطناً فقط وظاهره على العدالة فقال بقبوله بعض الشافعيين، ورجحه سُليم بن أيوب الرازي، ووافقه ابن الصلاح، وهو القول الراجح -إن شاء الله تعالى-، مثل هذا إذا عرفت عدالته الظاهرة .. ؛ لأننا إنما كلفنا بالبحث عن الظاهر، وأما السرائر فموكولٌ أمرها إلى الله .
يقول الخطيب: "ترتفع الجهالة عن الراوي بمعرفة العلماء له" هل يمكن أن يقال: فلان مجهول مع أن العلماء يعرفونه؟
طالب:. . . . . . . . .
إذا عرف الرجل بغير العلم، ما عرف فيه قول لأحدٍ من أهل العلم بالتوثيق ولا التجريح، روى عنه أكثر من واحد، وعرف بغير العلم، عرف بالشجاعة، عرف في مواطن الجهاد، ما إن يعلن عن جهاد إلا ويخرج، عرف بالكرم، اشتهر أمره بغير العلم، ترتفع عنه الجهالة؟ لا شك أن الجهاد مما يؤيد عدالته، لكن الكرم ما يلزم منه العدالة، استُعمل أمير أو قاضي لا سيما إذا كان الذي استعمله من أهل التحري، شخص ما فيه لا جرح ولا تعديل، روى عنه أكثر من واحد واستعمله عمر بن عبد العزيز على القضاء مثلاً، يوثق وإلا ما يوثق؟ تقبل روايته وإلا ما تقبل؟ ما في شك أن النفس تميل إلى قبول رواية مثل هذا، ولو لم ينص على تعديله.
"ترتفع الجهالة عن الراوي بمعرفة العلماء له" ترتفع جهالة الحال بمعرفة العلماء له، وترتفع جهالة العين برواية عدلين عنه، لكن هل يثبت له حكم العدالة بهذا؟ برواية اثنين؟ لا، ولا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه، وإن مشى ابن حبان على ارتفاع الجهالة عنه، وحكم بأن له حكم العدالة بمجرد هذه الحالة، يعني مجرد رواية عدول، ولا عرف .. ، ما جرح الرجل، ولا روى ما ينكر، فإنه يدخله في الثقات.
стр. 210
نعود إلى مسألة الجهالة في كلامٍ مهم، هل الجهالة جرح في الراوي أو عدم علم بحاله؟ هل الجهالة جرح يجرح بها الراوي؟ فإذا بحثنا في كتب الجرح والتعديل وجدنا أن فلان من رواته مجهول، هل نقول: الحديث ضعيف لأن من رواته فلان وهو مجهول؟ أو نقول: فيه فلان مجهول، لا نعرف حاله، نتوقف في الحكم على الخبر حتى نتبين حال هذا الراوي؟ فهل الجهالة جرح أو عدم علم بحال الراوي؟ والفرق بين الأمرين ظاهر، يعني إذا كانت جرح قلنا: الحديث ضعيف، إذا كانت عدم علم بحال الراوي ما نقول: ضعيف، بل نتوقف في أمره حتى نعرف حاله.
طالب:. . . . . . . . .
عدم العلم بحال الراوي هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
يعني ليست جرح؟
طالب: يعني ليست جرح وهو مضعف ...
لا إذا ضعف بسببه صارت جرح.
طالب:. . . . . . . . .
إيه، السبب الذي يورد مثل هذا الإشكال أو التردد في حال الجهالة، الحافظ ابن حجر في النخبة قال: "ومن المهم معرفة أحوال الرواة تعديلاً أو تجريحاً أو جهالة" فجعل الجهالة قسيم للجرح والتعديل، فليست بجرح ولا تعديل، فعلى هذا هي إيش؟ عدم علمٍ بحال الراوي توجب التوقف، لكن يشكل على هذا أنه أورد لفظ مجهول في ألفاظ الجرح، في مراتب الجرح، أورد المجهول في مراتب الجرح، في السابعة والثامنة من مراتب التقريب، فعلى هذا يجرح بها الراوي، ويضعف بسببها الخبر.
стр. 211
أبو حاتم الذي هو أكثر من يطلق هذا اللفظ يسأل عن الراوي فيقول: مجهول، وصرح في مواطن كثيرة من كتابه أو فيما سأله عنه ابنه قال: فلان مجهول، أي لا أعرفه، فالجهالة على هذا عدم علم بحال الراوي، وإذا قال أبو حاتم في عدد من الصحابة: مجهول، بل قال في بعضهم من السابقين الأولين: مجهول، فهي عدم علمٍ بحاله في كثيرٌ من الرواة؛ لأنه يقول: مجهول أي لا أعرفه، أو يشير بها إلى قلة رواية هذا الراوي، والحافظ الذهبي في الميزان إذا أطلق على الراوي مجهول فإنه يقلد في ذلك أبا حاتم، ولا يلزم أن ينص عليه، كل من قال فيه: مجهول فإنما قلد فيه أبا حاتم، أبو حاتم اصطلاحه يختلف عن اصطلاح المتأخرين في المجهول، فإذا وجدنا في الميزان: فلان مجهول، وحكمنا على الراوي بالضعف، ورددنا الخبر بسببه أصبنا وإلا ما أصبنا؟ الذهبي قلد أبا حاتم، أبو حاتم يرى الجهالة جرح وإلا لا؟ يقول: لا أعرف، يعرفه غيره، إذا ما عرفه أبو حاتم يعرفه غيره، مجهول أي لا أعرفه، كل راوي لا يعرفه أبو حاتم ضعيف؟ نعم؟ يلزم من هذا، بل يجرؤ بعضهم، يجرؤ بعض الباحثين أن يحكم بضعف الخبر وجهالة الراوي إذا لم يطلع على قول لأهل العلم في الراوي، يبحث فيما بين يديه من الكتب ما يجد فيه قول فيقول: مجهول، من أنت؟ نعم أبو الحسن بن القطان حكم بالجهالة لبعض الرواة؛ لأنه لم يقف فيه على كلام لأهل العلم، لكن من يصف نفسه في مصف أبي الحسن بن القطان؟
طالب من طلاب العلم سواءً كان في المراحل الدنيا أو العليا، ولو باحث ماجستير أو دكتوراه ما وجد، ما وجد في كلام أهل العلم يسوغ له أن يقول: مجهول؟ الجهالة لا بد أن ينص عليها من أهل العلم، أما عدم وجودك لهذا الراوي وعدم وقوفك على أقوال أهل العلم فيه، نعم توقف في الحكم حتى تجد ما يقوي أمره أو يضعفه.
فننظر في اصطلاح من أطلق اللفظ، من أطلق اللفظ، فهل هذا الذي أطلق اللفظ يرى الجهالة جرح؟ يعني لو وجدنا مجهول في التقريب فلان مجهول، ووجدنا مجهول في الميزان نحكم بحكم واحد؟ نعم؟ في التقريب وضع المجهول من ألفاظ الجرح، فهي جرحٌ عنده، في الميزان قلد أبا حاتم في المجهول، والجهالة عنده تختلف عن الجهالة عند غيره.
стр. 212
"قالوا: فأما من لم يروِ عنه سوى واحد مثل عمرو بن ذي مر، وجبار الطائي، وسعيد بن ذي حدان تفرد بالرواية عنهم أبو إسحاق، وجري بن كليب تفرد عنه قتادة، قال الخطيب: والهزهاز بن ميزن تفرد عنه الشعبي، قال ابن الصلاح: وروى عنه الثوري" هؤلاء من المجاهيل؛ لأنه لم يروِ عنهم سوى واحد، لكن استدرك على ابن الصلاح، وأثبت .. ، أثبتت الرواية عن هؤلاء عن غير من ذكر عنهم، "وقال ابن الصلاح: وقد روى البخاري لمرداس الأسلمي ولم يروِ عنه سوى قيس بن أبي حازم" مرداس الأسلمي صحابي، فهو ثقة، ولو لم يروِ عنه سوى واحد، ولا نحتاج فيه إلى كثرة الرواة، ولا إلى كثرة المرويات، ولا إلى تعديل أحد كائناً من كان، روى مسلم لربيعة بن كعب وهو كذلك لم يروِ عنه سوى أبي سلمة بن عبد الرحمن، وقد أثبت الأئمة رواية غير هذين عن هذين الصحابيين، "قال: وذلك مصيرٌ منهما إلى ارتفاع الجهالة بواحد وذلك المتجه كالخلاف بالاكتفاء بواحد في التعديل، قلتُ توجيهٌ جيد، لكن البخاري ومسلم إنما اكتفيا في ذلك برواية الواحد فقط؛ لأن هذين صحابيان، وجهالة الصحابة لا تضر، بخلاف غيره، والله أعلم".
لو افترضنا أن البخاري خرج لراوي ممن دون الصحابة لم يروِ عنه سوى واحد، شخص ما روى عنه سوى واحد، تابعي أو تابع تابعي أو دونه، ووثقه من روى عنه، أو أنضاف إلى رواية واحد توثيق لبعض الأئمة، أو خرج له في كتابٍ التزمت صحته، هل يطعن بمجرد رواية واحد عنه فقط؟ أو نقول: تخريج حديثه في الصحيح تقوية لشأنه وأمره؟ توثيق الإمام مع رواية واحد توثيق له؟ كل هذا يقوي أمره، ولو لم يروِ عنه سوى واحد، نعم.
طالب:. . . . . . . . .
إيش هو؟
طالب:. . . . . . . . .
الذهبي في الميزان نبه في المقدمة أنه إذا قال عن راوٍ: مجهول فهو قول أبي حاتم.
تحرير معنى الجهالة الباطنة والظاهرة:
стр. 213
عرفنا أن الراوي المجهول أقسام، من لم يذكر اسمه مجهول ذات، وإن لم ينص على أنه مجهول ذات، لكن هذه حقيقته كالمبهم، من ذكر اسمه كامل رباعي أو خماسي، ذكرت نسبته ونسبه وكنيته، لكن لم يروِ عنه إلا واحد فهو مجهول العين، روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق هذا مجهول الحال، عرفت عدالته الظاهرة، شخص يتعامل مع الناس ولا لاحظوا عليه شيء، يصلي مع الناس، يشهد المناسبات مع الناس، يتعامل مع الناس ما شهدوا عليه بشيء، لكن أحواله الباطنة ما يدرى عنه، عمر ﵁ لما زكي عنده شخص، قال للمزكي: سافرت معه؟ عاملته؟ بعت معه واشتريت؟ قال: لا، قال: ما تعرفه.
هل نحتاج إلى مثل هذا في الرواة؟ نقول: هل المزكي عرفه؟ عرف حاله الباطنة؟ هل تعامل معه؟ نسأله هل تعامل معه؟ هل سافر معه ليعرف خفاياه؟ أو نقول: إنه مجرد ما يعرف حاله يصلي مع الناس، ويزكي مع الناس، يشهد المناسبات، ويتعامل مع الناس بصدق، هذه عدالته، وحال المسلمين كله مبني على هذا، ولا يلزم أن تعرف حاله الباطنة، ما يلزم إذا أردت أن تزكي شخص أن تسكن معه، أو تسافر معه لتعرف خبرته الباطنة، ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾ [(٨١) سورة يوسف] ما أمرنا أن ننقب عن بواطن الناس، فالعدالة الباطنة لم نؤمر بها، بل يكفي في ذلك العدالة الظاهرة، نعم.
مسألة: المبتدع إن كفر من بدعته فلا إشكال في رد روايته، وإذا لم يكفر فإن استحل الكذب ردت أيضاً، وإن لم يستحل الكذب فهل يقبل أم لا؟ أو يفرق بين كونه داعية أو غير داعية؟ في ذلك نزاعٌ قديم وحديث، والذي عليه الأكثرون التفصيل بين الداعية وغيره، وقد حكي عن نصٍ للشافعي وقد حكى ابن حبان عليه الاتفاق، فقال: لا يجوز الاحتجاج به عند أئمتنا قاطبة، لا أعلم بينهم فيه خلافاً، قال ابن الصلاح: وهذا أعدل الأقوال وأولاها، والقول بالمنع مطلقٌ بعيد، مباعدٌ للشائع عن أئمة الحديث، فإن كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة، وفي الصحيحين من حديثهم بالشواهد والأصول كبير، والله أعلم.
стр. 214
قلتُ: وقد قال الشافعي: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، فلم يفرق الشافعي في هذا النص بين الداعية وغيره، ثم ما الفرق في المعنى بينهما؟ وهذا البخاري قد خرج لعمران بن حطان الخارجي مادح عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي، وهذا من أكبر الدعوة إلى البدعة، والله أعلم.
نعم المبتدع، يعني من ارتكب البدعة، والبدعة المراد بها: ما أحدث في الدين على وجه التقرب إلى الله ، من ارتكب بدعة فلا تخلو هذه البدعة: إما أن تكون مكفرة مخرجة عن الملة، أو غير مكفرة، إن كانت البدعة مكفرة فلا إشكال، فالكافر لا تصح روايته قولاً واحداً، لكن يختلف مثل هذا عن الكافر الأصلي، أن هذا يدعي أنه مسلم، ويأتي ببعض شعائر الإسلام، بل قد يأتي بالشعائر كلها، ويرتكب مع ذلك ما يخرجه عن الدين، أو قد يعتقد ما حكم أهل العلم بكفر معتقده، افترضنا أن شخصاً حلولياً أو مجسماً أو نافي للرؤية، أو قائلٌ بخلق القرآن، أو ما أشبه ذلك من البدع المغلظة، العلماء كفروا الجهمية، افترضنا أن جهمي يروي الحديث، أو رافضي من الروافض الغلاة، فما حكم روايته للحديث؟ الجمهور على أن من كفر ببدعته لا تقبل روايته، والذي رجحه ابن حجر أنه لو حكم بكفره بسبب هذه البدعة أن روايته مقبولة، ما لم ينكر أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، يقول: لأن كل طائفة تدعي فسق الطائفة الأخرى، وقد تبالغ فتكفر الطائفة الأخرى، لكن العبرة بالطائفة المعتدلة التي دينها الكتاب والسنة، تدور معهما حيث ما دارا، أما كوننا لا نقبل الجهمية؛ لأننا نكفرهم، وهم يكفروننا إذاً لا نقْبَل منهم، هذا الكلام ما هو بصحيح، العبرة بأهل السنة الذين هم أهل الكتاب والسنة.
يقول: "فلا إشكال في رد روايته، وإذا لم يكفر فإن استحل الكذب ردت أيضاً" لأن استحلال الكذب عمدة الرواية الصدق، فإذا كان الراوي ممن يكذب أو يستحل الكذب، فهذا مردود اتفاقاً، يخالف مقتضى الرواية، فهذا لا وجه لقبوله، وإن لم يستحل الكذب، إذا عرف بالكذب، كذب على النبي ﵊ ولو مرة واحدة، أو يتعاطى الكذب في حديثه مع الناس، فإن هذا أيضاً مردود الرواية.
стр. 215
أو يفرق بين كونه داعية أو غير داعية؟ الجمهور على أن الداعية لا يقبل، وغير الداعية يقبل، ونقل ابن حبان عليه الاتفاق، اتفاق أئمتهم، والخلاف في المراد بأئمتهم هل هم المحدثون؟ أو الشافعية؟ على كل حال رد الداعية قول الجمهور، وقال بعضهم بقبول روايته لوجود رواية بعض الدعاة في الصحيح، وأشار الحافظ ابن كثير إلى عمران بن حطان، وهو من الدعاة إلى قول الخوارج، الخوارج القعدية من رؤوس الخوارج، وقد مدح قاتل علي، وهذه دعوة، والحافظ ابن حجر يدافع عن تخريج البخاري لعمران بن حطان أنه ما المانع من قبول روايته وقد عرف بصدق اللهجة؟ ومعروف أن الخوارج من أصدق الناس لهجةً؛ لأنهم يرون الكذب كبيرة، ومرتكب الكبيرة كافر، إذاً لا يكذبون، وأشار إلى ذلك شيخ الإسلام في مواضع، وأن الخوارج من أصدق الناس لهجة، وبهذا أجاب ابن حجر عن رواية البخاري وتخريجه لحديث عمران بن حطان، والعيني تعقبه بقوله: "وأيُّ صدقٍ في لهجة مادح قاتل علي" تعقب في مكانه، في محله، فالذي يمدح قاتل علي أي صدقٍ في لهجته؟ لكن إذا عرفنا أنه يعتقد مثل هذا الكلام، فمثل هذا صدق بالنسبة له، وابن حزم يرجح الداعية على غير الداعية، يقول: الداعية أولى بالقبول من غير الداعية، لماذا؟ لأن هذا الداعية ينصر ما يراه الحق، ينصر ما أداه إليه اجتهاده، وأنه هو الحق، علماً بأن من أهل العلم من يرد المبتدعة مطلقاً، وهو قولُ الإمام مالك، لكن رد المبتدعة مطلقاً، وعدم قبول روايتهم من غير تفصيل هذا قولٌ مباعد عن الشائع عن استعمال أهل العلم، فروايات المبتدعة كتب السنة طافحة بها، بما في ذلك الصحيحين، فكتب السنة مشحونة بالرواية عن المبتدعة، لكن غير من كبرت بدعته أو من غلظت بدعته، والحافظ الذهبي ﵀ في مقدمة الميزان قسم البدع إلى بدع كبرى وبدع صغرى، بدع مغلظة مثل هؤلاء لا تقبل رواية من اتصف بها، وأما البدع الصغرى فمثل هؤلاء تقبل رواياتهم.
следующие страницы →