Полный текст (526 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد عليه وعلى آله أفضل الصلوات وأتم التسليم، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمنا الله وإياه والمسلمين أجمعين-:
موطأ مالك "تنبيه": قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵀: "لا أعلم كتاباً في العلم أكثر صواباً من كتاب مالك"، إنما قاله قبل البخاري ومسلم، وقد كانت كتب كثيرة مصنفة في ذلك الوقت في السنن، لابن جريح، وابن إسحق -غير السيرة- ولأبي قرة موسى بن طارق الزبيدي، ومصنف عبد الرزاق بن همام، وغير ذلك، وكان كتاب مالك، وهو الموطأ، أجلها وأعظمها نفعاً، وإن كان بعضها أكبر حجماً منه وأكثر أحاديث، وقد طلب المنصور من الإمام مالك أن يجمع الناس على كتابه، فلم يجبه إلى ذلك، وذلك من تمام علمه واتصافه بالإنصاف، وقال: "إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها".
وقد اعتنى الناس بكتابه الموطأ، وعلقوا عليه كتباً جمة، ومن أجود ذلك كتابا: (التمهيد – والاستذكار) للشيخ أبي عمر بن عبد البر النَّمَري القرطبي ﵀، هذا مع ما فيه من الأحاديث المتصلة الصحيحة والمرسلة والمنقطعة والبلاغات اللاتي لا تكاد توجد مسندة إلا على ندور.
لما تقدم الكلام على الصحيحين وأنهما أصح الكتب بعد كتاب الله ذكر المؤلف الحافظ ﵀ قول الشافعي وأنه لا يعلم كتاباً في العلم أكثر صواباً من موطأ مالك، قد يقول قائل: كيف تقولون: أن الصحيحين أصح الكتب والشافعي يقول كذا؟ مقالة الشافعي كانت قبل وجود الكتابين، هناك كتب مصنفة وهناك موطئآت، وهناك سنن، وهناك مصنفات لمن قبل الإمام مالك وعاصر من معاصريه، لكن لم يكتب لها من الشهرة ما كتب لموطأ الإمام مالك، كما أن من شيوخ الإمام مالك من لم يكتب له من الشهرة ما كتب للإمام مالك نجم السنن، فهذا العلم إنما يكتب له البقاء بالإخلاص، وكل ما كان الإخلاص فيه أكثر كان أبقى وأنفع؛ لأن من دل على خير فله مثل أجر فاعله، فكم استفاد من موطأ الإمام مالك من شخص من المالكية وغيرهم، وللإمام مالك مثل أجورهم، وهكذا بقية المصنفين.
стр. 37
كتاب الإمام مالك هو أجلّ هذه الكتب المتقدمة وأعظمها نفعاً بلا شك، فيه الأحاديث الصحيحة المسندة، وإن كان الكتاب ليس بالكبير، فيه البلاغات والمنقطعات والمراسيل، ولا يستدرك على الإمام مالك في ذلك؛ لأنه يرى حجية المرسل، وهذه البلاغات وصلها ابن عبد البر ﵀ في التمهيد سوى أربعة أحاديث، كما هو معروف، اعتنى أهل العلم بالموطأ عناية فائقة لإمامة مؤلفه، ولعظم نفعه، ولاختصاره أيضاً يعني شرحه متيسر، فابن عبد البر ﵀ النمَري بفتح الميم نسبة إلى النمر بكسرها، والقاعدة أن ما كسر ثانيه يفتح في النسبة، النمِر نمَري، سلِمة سلَمي، ملِك ملَكي، وهكذا.
كتابا (التمهيد والاستذكار) لابن عبد البر من أنفس ما كتب في شروح الأحاديث، والإمام ابن عبد البر ﵀ مكث ثلاثين سنة في تأليف التمهيد، ولذا جاء على هذا الوضع المتقن المحرر، وهو يعتني في هذا الكتاب بالمعاني، معاني الأحاديث وأسانيدها والروايات، وكتابه الآخر (الاستذكار) وهو أيضاً من أجود ما كتب في فقه السنة، وعناية المؤلف فيه بالفقه، وأقوال فقهاء الأمصار، هناك شروح أخرى للموطأ جيدة ونفيسة، (المنتقى) للباجي، (أوجز المسالك) للكندهلوي، كتاب طيب مطبوع متداول، (تنوير الحوالك) كتاب مختصر للسيوطي، شرح الزرقاني شرح متوسط، وهناك شرح لولي الله الدهلوي اسمه (المسوى شرح الموطأ) وله شرح آخر اسمه (المصفى) لكنه بالفارسية، أما (المسوى) هو بالعربية كتاب نافع على اختصاره الشديد.
فالمسألة مفترضة في موطأ الإمام مالك وهو مالكي، ففيه أقوال الإمام مالك وفقه الإمام مالك، أضاف إليه قول الحنفية والشافعية، وأهمل المذهب الرابع وهو مذهب الإمام أحمد، فلا شك أنه يستفاد منه في أقوال الشافعية والحنفية، إضافةً إلى قول مالك، وأما مذهب الإمام أحمد فيعلق على الكتاب من كتب الحنابلة، وهي موجودة ومتداولة، وفيه لفتات وتنبيهات لطيفة.
(إطلاق اسم الصحيح على الترمذي والنسائي)
стр. 38
وكان الحاكم أبو عبد الله والخطيب البغدادي يسميان كتاب الترمذي: الجامع الصحيح، وهذا تساهل منهما فإن فيه أحاديث كثيرة منكرة، وقول الحافظ أبي علي بن السكن، وكذا الخطيب البغدادي في كتاب السنن للنسائي: إنه صحيح، فيه نظر، وأن له شرطاً في الرجال أشد من شرط مسلم غير مسلَّم، فإن فيه رجالاً مجهولين: إما عيناً أو حالاً، وفيهم المجروح، وفيه أحاديث ضعيفة ومعللة ومنكرة، كما نبهنا عليه في (الأحكام الكبير).
السنن الأربعة لأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة تأتي في المرتبة الثانية بعد الصحيحين، ويأتي بعد ذلك المسانيد، وكونها في المرتبة الثانية لاشتمالها على الصحيح وهو كثير، والحسن وهو أكثر، وفيها الضعيف، وإن كان من أهل العلم من أطلق عليها الصحاح، كالحافظ السلفي وغيره، الحاكم والخطيب يسميان كتاب الترمذي: الجامع الصحيح، وسمي كتاب النسائي صحيح النسائي.
ومن عليها أطلق الصحيحا ... فقد أتى تساهلاً صريحا
كيف يقال: الصحيح وفيه أحاديث ضعيفة كثيرة، هذا تساهل بلا شك، ففيها الأنواع الثلاثة، من الصحيح والحسن والضعيف، يأتي بعد ذلك المسانيد كمسند الإمام أحمد، والطيالسي، وغيرها، وهي في الرتبة دون السنن، ولذا يقول الحافظ العراقي:
ودونها في رتبةٍ ما جعل ... على المسانيد فيدعى الجفلا
كمسند الطيالسي وأحمدا ... وعده للدارمي انتقدا
والسبب أن المصنف في السنن يترجم بأحكام، جواز كذا، تحريم كذا، ثم يذكر تحت الترجمة أقوى ما يجد من الأحاديث، أما صاحب المسند فإنه يترجم بأسماء الصحابة فيذكر من أحاديثهم ما وقع له كيفما اتفق، ولذا صارت رتبتها دون السنن، ولذا يقول:
ودونها في رتبةٍ ما جعل ... على المسانيد فيدعى الجفلا
والكلام في مسند الإمام أحمد، وكلام شيخ الإسلام عليه كثير، وأنه أجود من شرط أبي داود، أو هو المساوي لشرط أبي داوود.
(مسند الإمام أحمد)
стр. 39
وأما قول الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني عن مسند الإمام أحمد: إنه صحيح: فقول ضعيف، فإن فيه أحاديث ضعيفة بل موضوعة، كأحاديث فضائل مرو، وشهداء وعسقلان، والبِرث الأحمر عند حمص، وغير ذلك، كما قد نبه عليه طائفة من الحفاظ، ثم إن الإمام أحمد قد فاته في كتابه هذا -مع أنه لا يوازيه كتاب مسند في كثرته وحسن سياقاته- أحاديث كثيرة جداً، بل قد قيل: إنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريباً من مائتين.
مسند الإمام أحمد من أعظم دواوين الإسلام، ومن أكبر كتاب السنة وأجلها، وفيه من الأحاديث ما يقرب من ثلاثين ألف، وإن قيل كما نبهنا أمس أنه فيه أربعين ألف، هذا المسند إطلاق الصحيح عليه لا شك أنه قول ضعيف، فيه أحاديث ضعيفة كثيرة، وفي هذا لا تتجاوز النسبة فيه النسبة التي في السنن، ففيه أحاديث ضعيفة بل فيه موضوعة، يقول: كحديث فضائل مرو، وعسقلان، والبرث الأحمر عند حمص، الأرض اللينة السهلة هذا البرث، وغير ذلك وقد نبه عليه طائفة من الحفاظ.
الحافظ العراقي صنف في موضوعات المسند، وذكر فيه تسعة أحاديث، والحافظ ابن حجر أيضاً ذكر هذه الأحاديث وذيل عليها، والسيوطي كذلك، والمدراسي أيضاً له زيادات، قد تصل الأحاديث إلى أربعين حديثاً كلها موضوعة، ودافع الحافظ ابن حجر عن المسند دفاعاً طيباً من مثله، وهو حافظ من حفاظ السنة، وذكر هذه الأحاديث وأجاب عنها واحداً واحداً، في كتابه (القول المسدد في الذب عن المسند) وذكر أن دفاعه عن المسند إنما هو دفاع عن السنة، لا لشخص الإمام أحمد؛ لأن الدفاع عن مثل هذا الكتاب الكبير قربة إلى الله ، وهو دفاع عن السنة، فما بالكم بالدفاع عن الصحيحين الذين هما أصح الكتب المصنفة، إذا تطاول عليهم أحد فما دونهما من باب أولى، وقد امتدت بعض الأيدي إلى الصحيحين بالتصحيح والتضعيف، والبخاري ومسلم ليسا بمعصومين، وجد عندهم بعض الأحاديث التي تكلم عليها بعض الحفاظ وهي نادرة، يسيرة، بالنسبة لما اشتمل عليه الصحيحان من الأحاديث الصحيحة، والغالب أن الصواب مع الشيخين، مما يدرك من مظانه.
стр. 40
المقصود أن الدفاع عن المسند للحافظ بن حجر كتاب نفيس، ينبغي الإطلاع عليه، اسمه (القول المسدد في الذب عن المسند) له ذيل للسيوطي، وله ذيل آخر لصبغة الله المدراسي، ذكروا فيه الأحاديث المنتقدة في المسند، وأجابوا عن بعضها حسب الإمكان.
يقول: "ثم إن الإمام أحمد قد فاته في كتابه هذا مع أنه لا يوازيه مسند –نعم اللهم إلا أن كان مسند بقي بن مخلد- في كثرته وحسن سياقاته" نعم، الإمام أحمد ممن يعتني بالألفاظ سواء كانت في المتون والأسانيد، وممن يفرق بين صيغ الأداء، فهو نظير الإمام مسلم في هذا، فيه أحاديث كثيرة جداً، أو فاته أحاديث كثيرة جداً، "بل قد قيل: أنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريباً من مائتين" هذا الكلام ليس بصحيح، فاته من الصحابة نزر يسير، قليل.
(الكتب الخمسة وغيرها)
وهكذا قول الحافظ أبي طاهر السِّلَفي في الأصول الخمسة، يعني البخاري ومسلماً وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، إنه اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب، تساهل منه، وقد أنكره ابن الصلاح وغيره، قال ابن الصلاح: وهي مع ذلك أعلى رتبة من كتب المسانيد، كمسند عبد بن حُميد، والدارمي، وأحمد بن حنبل، وأبي يعلى، والبزار، وأبي داود الطيالسي، والحسن بن سفيان، وإسحاق بن راهويه، وعبيد الله بن موسى، وغيرهم، فإنهم يذكرون عن كل صحابي ما يقع لهم من حديثه.
نعم هي مع ذلك أعلى رتبة، يعني كتب الخمسة في السنن، الكتب الخمسة يعني الصحيحين مع السنن، والخلاف في السادس عند أهل العلم معروف والأكثر على أنه ابن ماجة لكثرة زوائده، وأما ابن الأثير فجعل الثلاثة الموطأ، ومنهم من جعل الدارمي بدل الموطأ، "وهي مع ذلك أعلى رتبة من كتب المسانيد كمسند عبد بن حميد والدارمي" الدارمي سنن مرتبة على الأبواب وليس على المسانيد، نعم له مسند، لكن هذا المسند مفقود من قبل ابن الصلاح، ولذا يقول الحافظ العراقي ﵀:
ودونها في رتبةٍ ما جعل ... على المسانيد فيدعى الجفلا
كمسند الطيالسي وأحمدا ... وعده للدارمي اُنتقدا
انتقد عليه، عده للدارمي مع المسانيد لأنه سنن.
(التعليقات التي في الصحيحين)
стр. 41
وتكلم الشيخ أبو عمرو على التعليقات الواقعة في صحيح البخاري، وفي مسلم أيضاً، لكنها قليلة، قيل: إنها أربعة عشر موضعاً، وحاصل الأمر: أن ما علقه البخاري بصيغة الجزم فصحيح إلى من علقه عنه، ثم النظر فيما بعد ذلك، وما كان منها بصيغة التمريض فلا يستفاد منها صحة ولا تنافيها أيضاً؛ لأنه وقع من ذلك كذلك وهو صحيح، وربما رواه مسلم، وما كان من التعليقات صحيحاً فليس من نمط الصحيح المسند فيه؛ لأنه قد وسم كتابه بـ (الجامع المسند الصحيح المختصر في أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه).
فأما إذا قال البخاري: "قال لنا" أو "قال لي فلان كذا"، أو "زادني" ونحو ذلك، فهو متصل عند الأكثر، وحكي ابن الصلاح عن بعض المغاربة أنه تعليق أيضاً، يذكره للاستشهاد لا للاعتماد، ويكون قد سمعه في المذاكرة، وقد رده ابن الصلاح بأن الحافظ أبا جعفر بن حمدان قال: إذا قال البخاري: "وقال لي فلان" فهو مما سمعه عَرْضاً ومناولة، وأنكر ابن الصلاح على ابن حزم رَدَّه حديث الملاهي حيث قال فيه البخاري: "وقال هشام بن عمار"، وقال: أخطأ ابن حزم من وجوه، فإنه ثابت من حديث هشام بن عمار.
قلت: وقد رواه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه، وخرجه البرقاني في صحيحه، وغير واحد مسنداً متصلاً إلى هشام بن عمار وشيخه أيضاً، كما بيناه في كتاب (الأحكام) ولله الحمد.
التعليقات أو المعلقات وحقيقة المعلق: ما حذف من مباديء إسناده من قبل المصنف راوٍ أو أكثر، إن حذف الشيخ فقط هذا معلق، إن حذف الشيخ وشيخه أيضاً معلق، حذف جميع الإسناد معلق، اختصر على الصحابي فقط معلق، وهكذا، يقولون: إنه مأخوذ من تعليق الجدار والطلاق، رجح ابن حجر أخذه من تعليق الطلاق، وشيخه البلقيني على خلافه، يعني رجح أنه من تعليق الجدار، إيش معنى تعليق الجدار؟ هل المقصود تعليق الجدار أو التعليق على الجدار؟ مأخوذ من تعليق الجدار؟
طالب: التعليق على الجدار.
стр. 42
لكن هو رجح أن يكون مأخوذ من تعليق الجدار، ابن حجر رجح أن يكون مأخوذ من تعليق الطلاق، وأقول: لا هذا ولا ذاك، بل هو مأخوذ من تعليق المرأة، إيش معنى تعليق الطلاق؟ إن فعلت كذا فأنتِ طالق وهكذا، لكن تعليق المرأة التي قال الله عنها: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [(١٢٩) سورة النساء] معلقة ليس ذات زوج، وليست مطلقة، نعم، أنه أخذ من هذا صحيح، مثل الشيء المعلق الذي لا يعتمد على الأرض، بل بينه وبين الأرض فراغ، وهو أيضاً يمكن أخذه من التعليق على الجدار، ليس من تعليق الجدار، ﴿فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [(١٢٩) سورة النساء] يعني ليست بذات زوج ولا مطلقة، لعل المراد بتعليق الطلاق هذا، كما أنه لعل المراد من قوله: تعليق الجدار التعليق على الجدار.
стр. 43
يقول: "تكلم الشيخ أبو عمرو على التعليقات الواقعة في صحيح البخاري ومسلم أيضاً، لكنها قليلاً، قيل: أنها أربعة عشر موضعاً" معلقات مسلم لا داعي لبحثها، لماذا؟ لأنها كلها موصولة بالصحيح نفسه، في صحيح مسلم كلها موصولة، أولاً: هي قليلة أربعة عشر حديث، وكلها موصولة في الصحيح نفسه إلا واحد، وهذا الواحد موصول في صحيح البخاري، إذاً نحتاج إلى بحث معلقات صحيح مسلم، ما نحتاج إلى بحث؟ الكلام في معلقات صحيح البخاري، وعدتها ألف وثلاثمائة وأربعين أو واحد وأربعين حديث، وكلها موصولة في الصحيح نفسه عدا مائة وستين، أو مائة وتسعة وخمسين، والكلام في هذا القدر بمائة وتسعة وخمسين أو مائة وستين، لأن ما وصل في الصحيح لا داعي للكلام فيه، الكلام فيما لم يوصل من معلقات البخاري، وهي قليلة بالنسبة لحجم الكتاب، وهذه تنقسم إلى قسمين، منها: ما صدر بصيغة الجزم، قال فلان، ذكر فلان، حكى فلان، قالوا: هذه صحيحة إلى من علقت عنه، وقال مالك عن نافع عن ابن عمر، هذا معلق عن مالك، في واسطة بين البخاري ومالك، لكن إذا جزم نقول: هذا صحيح إلى مالك، يبقى النظر فيمن أبرز، النظر في مالك لا يحتاج، كذلك نافع وابن عمر، لكن لو قال البخاري يروى عن مالك عن نافع عن ابن عمر، هذه يسمونها صيغة التمريض، وهذه لا يستفاد منها لا صحة ولا ضعف، بل وجد منها ما هو صحيح، ووجد منها ما هو ضعيف ضعف منجبر، وأما الضعيف الضعف الذي لا ينجبر، فإن الإمام البخاري يبينه، مثل قول البخاري: "ويذكر عن أبي هريرة رفعه: ((لا يتطوع الإمام في مكانه)) ولم يصح"، الضعيف الذي ضعفه لا ينجبر يتعقّبه البخاري -رحمه الله تعالى-، يقول: "حاصل الأمر أن ما علقه البخاري بصيغة الجزم فهو صحيح إلى من علقه عنه ثم النظر فيما بعد ذلك، ومنها ما كان بصيغة التمريض فلا يستفاد منه صحة ولا تنافيها؛ لأنه قد وجد ما صدر بصيغة التمريض وهو صحيح" نعم وجد ما علق بصيغة التمريض وهو مخرج في صحيح مسلم، يقول: "وما كان من التعليقات صحيح فليس من نمط الصحيح المسند فيه -يعني مما لم يوصل في الصحيح- لأنه قد وسم كتابه بالجامع المسند -يعني الذي ذكرت فيه الأسانيد- المختصر في أمور رسول الله -صلى الله عليه
стр. 44
وسلم- وسننه وأيامه. أما إذا قال البخاري: قال لنا" أو قال، إذا عزا لشيخه بقال، قال محمد بن بشار، وهو شيخه، قال هشام بن عمار، وهو شيخه، روى عنه أحاديث بصيغة التحديث، قال: حدثنا هشام بن عمار في خمسة مواضع، الأكثر على أنه موصول متصل، وإن (قال) مثل (عن) محمولة على الاتصال بالشروط المعروفة عند أهل العلم، ولذا يقول الحافظ العراقي ﵀:
. . . . . . . . . ... عنعنةٍ كخبر المعازفِ
أما الذي عزا لشيخه بقال فكذي ... لا تصغ لابن حزم المخالفِ
فغاية هذه الصيغة أنها مثل عن، وإن قال بعضهم أنه معلق؛ لأنه لو كان رواه عن شيخه مباشرة لقال: حدثنا كالجادة، ولذا علّم الحافظ المزي على حديث المعازف بعلامة التعليق (خ ت)، وعلى كل حال لو قلنا: أنه معلق وقد جزم به إلى هشام بن عمار، قال هشام بن عمار فهو صحيح أيضاً، وهو مخرج في سنن أبي داود وغيره من كتب السنة، بأسانيد صحيحة.
طالب:. . . . . . . . . يصبح موصول؟
هو موصول بلا شك، سواء عند البخاري أو غيره، فعلى القول بأنه معلق هو معلق بصيغة الجزم.
طالب:. . . . . . . . .
صحيح، على كل حال الحديث صحيح، ولذا قال:
. . . . . . . . . ... لا تصغ لابن حزم المخالفِ
ابن حزم حكم على جميع الأحاديث الواردة في الغنا بأنها موضوعة، وهذا تأييداً لرأيه وقوله في إباحة الغناء، المقصود أن بعضهم قال: إذا قال البخاري: قال لنا، أو قال لي فلان أو زادني في ذلك فهو متصل، وبعضهم يزعم أن البخاري لا يقول ذلك إلا فيما سمعه في حال المذاكرة، لا على جهة التحديث، إذا سمع من شيخه خبراً مذاكرة، لا على سبيل التحديث فإنه يقول: قال لنا، لكن الحافظ ابن حجر وغيره يقولون: لا يوجد ما يدل على هذا، أبو جعفر بن حمدان يرى أن البخاري إذا قال: قال لي فلان فإنما هو مما سمع عرضاً ومناولة، العرض القراءة على الشيخ، وهي من طرق التحمل المعتبرة المجمع عليها، عرضاً ومناولة إيش معنى عرضاً ومناولة؟
طالب: كونه يقرأ الطالب على الشيخ ثم يعطيه الكتاب.
من الذي يعطي الكتاب؟
طالب: الطالب يعطي الشيخ الكتاب.
стр. 45
فيه العرض وفيه المناولة، الشيخ يعطي الطالب الكتاب هذه مناولة، العرض أن يقرأ على الشيخ، الطالب يقرأ على الشيخ، يعرض عليه ما عنده.
طالب: الشيخ يعطي للطالب كتابه ليصوب أيضاً بعد القراءة يصوب كتاب الشيخ؟
لكن هناك نوع اسمه عرض المناولة، يعني الطالب يأتي بالكتاب ويعرضه على الشيخ ويقول -يناوله الشيخ- فيقول: هذا من مرويك فيقول: نعم، فيرده عليه، هذا عرض المناولة، على كل حال ستأتي -إن شاء الله- في طرق التحمل.
يقول: "وأنكر ابن الصلاح على ابن حزم رده حديث الملاهي حيث قال فيه البخاري: وقال هشام بن عمار وقال: أخطأ ابن حزم فيه من وجوه، فإنه ثابت من حديث هشام بن عمار" ابن القيم ﵀ في إغاثة اللهفان أطال في تصحيح الحديث وذكر شواهده، وقال في ذلك أن (قال) مثل (عن) يشترط فيها براءة الراوي من وسمة التدليس، وقال أن البخاري أبعد خلق الله عن التدليس، مع أنه لو قال: من أبعد خلق الله عن التدليس لكان أولى، أبعد خلق الله عن التدليس مبالغة، مع أنه قيل في ترجمته من الخلاصة في ترجمة الذهلي قالوا: روى له البخاري ويدلسه، ويأتي في مبحث التدليس -إن شاء الله تعالى-.
ثم حكى أن الأمة تلقت هذين الكتابين بالقبول، سوى أحرف يسيرة، انتقدها بعض الحفاظ كالدارقطني وغيره، ثم استنبط من ذلك القطع بصحة ما فيها من الأحاديث؛ لأن الأمة معصومة عن الخطأ، فما ظنت صحته ووجب عليها العمل به، لا بد وأن يكون صحيحاً في نفس الأمر، وهذا جيد، وقد خالف في هذه المسألة الشيخ محيي الدين النووي وقال: لا يستفاد القطع بالصحة من ذلك.
قلت: وأنا مع ابن الصلاح فيما عوَّل عليه وأَرْشَد إليه، والله أعلم.
стр. 46
حاشية: "ثم وقفت بعد هذا على كلام لشيخنا العلامة ابن تيمية، مضمونه: أنه نقل القطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول عن جماعات من الأئمة: منهم القاضي عبد الوهاب المالكي، والشيخ أبو حامد الاسفراييني والقاضي أبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحق الشيرازي من الشافعية. ابن حامد، وأبو يعلى بن الفراء، وأبو الخطاب، وابن الزاغوني، وأمثالهم من الحنابلة. وشمس الأئمة السرخسي من الحنفية قال: "وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم: كأبي إسحاق الاسفراييني، وابن فورك قال: وهو مذهب أهل الحديث قاطبة ومذهب السلف عامة"، وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح استنباطاً، فوافق فيه هؤلاء الأئمة.
الصحيحان البخاري ومسلم تقدمت الإشارة إلى أنهما أصح الكتب بعد كتاب الله، والأمة تلقت هذين الكتابين بالقبول، حتى قال جمع من أهل العلم: أنه لو حلف شخص بالطلاق أن جميع ما في البخاري ومسلم صحيح لما حنث، فالأمة تلقت الكتابين بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى من كثرة الطرق، قال: سوى أحرفٍ يسيرة، سوى أحاديث يسيرة في الكتابين، ما يقرب من مائتي حديث انتقدها الحافظ الدارقطني وغيره، والغالب أن الصواب مع الشيخين، وقد دافع عن الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري، الحافظ ابن حجر في المقدمة في الباري، والنووي دافع أيضاً باختصار في شرحه على صحيح مسلم عما انتقده الدارقطني في صحيح مسلم، وأكثر الأحاديث المنتقدة في لا سيما في مسلم في بعض الطرق التي أخرج الإمام مسلم من الطرق ما يشهد بصحتها، فعلى هذا هذه الأحاديث اليسيرة المنتقدة وهي مجال للبحث عند أهل العلم الصواب فيها مع الشيخين، هذه خارجة عن إفادة القطع؛ لأن ابن الصلاح يريد أن يقرر أن ما رواه البخاري ومسلم مفيد للقطع، للعلم؛ لأن الأخبار تنقسم إلى أقسام، منها: ما يفيد العلم، ومنها: ما يفيد الظن، ومنها: ما يفيد الشك، ومنها: ما يفيد الوهم.
стр. 47
على كل حال هذه تقسيمات معروفة عند أهل العلم فالذي يفيد القطع العلم اليقيني الضروري هو المتواتر عند أهل العلم، وفي السنة المتواتر، هذا مفيد للقطع ولا كلام فيه، يبقى الآحاد بأقسامه الثلاثة: المشهور والعزيز والغريب، في الأصل تفيد الظن، هذا في الأصل لماذا؟ لأن الراوي مهما بلغ من الحفظ والضبط والإتقان إلا أن نسبة الخطأ والنسيان موجودة وإن قلت، إيش معنى القطع؟ معناه أن الخبر لا يحتمل النقيض، صواب مائة بالمائة، الظن يحتمل النقيض على ضعف، لو افترضنا أن الخبر صحيح بنسبة ٩٩% أو ٩٥% أو ٩٠% قلنا: أفادنا الظن ما أفادنا القطع؛ لأنه يحتمل النقيض، ننتبه لهذه المسألة؛ لأنها هولت من الطرفين، الذي ينفي والذي يثبت، وتشبث بذيولها بعض المبتدعة، فخبر الواحد إذا صح هل يفيد القطع أو الظن؟ الأصل فيه أنه لا يفيد إلا الظن، لماذا؟ لأن الراوي مهما بلغ، مالك نجم السنن، ضبطت عليه أوهام، الراوي مهما بلغ من الحفظ والضبط والإتقان إلا أن خبره يحتمل النقيض ولو بنسبة واحد بالمائة، ما دام الخبر ما صل إلى نسبة مائة بالمائة فهو ظن، احتمال راجح، هذا قول، وهو قول الأكثر، أنه في الأصل لا يفيد إلا الظن.
منهم من قال: أن الخبر الواحد بمجرده يفيد القطع، حسين الكراديسي وداود الظاهري وجمع، يقولون: يفيد القطع، يعني مجرد ما تسمع خبر ممن تثق به، زيد من الناس تثق به، ثقة عندك، يقول: حضر فلان، تحلف على هذا أنه حضر فلان، يفيد القطع عندك مائة في المائة، ألا يحتمل أن يأتي زيد بعد ساعة أو ساعتين قال: أخطأت، رأيت شخصاً ظننته فلاناً، ما حصل هذا كثير؟ يحصل هذا، المقصود أن الأكثر على أنه لا يفيد بمجرده بمفرده إلا الظن، منهم من يرى أنه يفيد القطع.
стр. 48
والقول الوسط أنه يفيد القطع إذا احتفت به قرينة، لماذا نحتاج إلى هذه القرينة؟ لكي تكون في مقابل الاحتمال المرجوح، فإذا وجدت هذه القرينة أفادنا القطع، وهذا ما قرره شيخ الإسلام ﵀ في مواضع من كتبه، وقرره ابن القيم في الصواعق، والحافظ ابن حجر في شرح النخبة، وجمع من أهل العلم من أهل التحقيق يرون أن خبر الواحد إذا احتفت به قرينة أفاد القطع؛ وإلا فالأصل أنه لا يفيد إلا الظن، والعلة في ذلك ما سمعتم، الذين قالوا: أنه يفيد القطع من غير نظرٍ إلى القرائن يريدون أن يقطعوا الطريق على المبتدعة الذين يقولون: ما دام خبر الواحد لا يفيد إلا الظن فإنه لا تثبت به العقائد، فخبر واحد لا تثبت به العقائد؛ لأنه لا يفيد إلا الظن، نقول: لا يفيد إلا الظن وتثبت به العقائد كما تثبت به الأحكام، ولا نلتزم بما إلتزمه المبتدعة، من القرائن التي ذكروها مما يحتف بها الخبر، أن يكون الحديث مخرجا ً في الصحيحين أو في أحدهما؛ لأن تلقي الأمة بالقبول لهذين الكتابين قرينة، كون الحديث مروي بطرق متعددة، متباينة، سالمة من القوادح أيضاً قرينة على أن الحديث ضبط، كون الحديث تداوله الأئمة فرواه إمام عن إمام عن إمام، قرينة أيضاً؛ لأنه لو قدر أن الإمام مالك أخطأ يتابعه الشافعي على خطئه؟ لا، لو أخطأ الشافعي يتابعه أحمد على خطئه؟ لا، فهذه قرائن تدل على أن الخبر ضبط وأتقن، فالخبر إذا احتفت به قرينة أفاد القطع.
هنا يقول: "وقد خالف في هذه المسألة محي الدين النووي وقال لا يستفاد القطع بصحةٍ من ذلك" نحكم له بالصحة فإن احتفت به قرينة أفادنا القطع، وإلا فالأصل أنه لا يفيد إلا الظن، وهذا ما رجحه النووي.
واقطع بصحة لما قد أسندا ... كذا له وقيل ظناً ولدى
محققيهم قد عزاه النووي ... وفي الصحيح بعض شيء قد روي
стр. 49
المقصود أن النووي خالف ابن الصلاح فيما ذهب إليه، وأظن الخلاف لفظي؛ لأن ابن الصلاح نظر إلى خبر الواحد المحتف بالقرينة كما قرره شيخ الإسلام، ولا يمكن أن يقول ابن الصلاح: أن أي خبر يأتي به ثقة يقطع به من غير نظر إلى قرينة، النووي نظر إلى الخبر مجرد، والنظر إلى الخبر مجرد لا يفيد إلا الظن، ومن نظر إليه مع القرائن التي احتفت به قال: أنه يفيد القطع.
أما ما ذهب إليه داود الظاهري وحسين الكرابيسي من أنه يفيد القطع مطلقاً فلا وجه له لما عرفنا، شيخ الإسلام ﵀ يقول الحافظ ابن كثير: "وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه، وأرشد إليه -يعني تابع ابن الصلاح في ذلك- ثم وقفت بعد هذا على كلام شيخنا العلامة ابن تيمية مضمونه أنه نقل القطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول" هذه قرينة عن جماعات من الأئمة منهم القاضي عبد الوهاب المالكي، شيخ الإسلام صرح في مواطن كثيرة من منهاج السنة أن الخبر الذي تحتف به قرينة يفيد القطع "مضمونه أنه نقل القطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول عن جماعاتٍ من الأئمة منهم القاضي عبد الوهاب المالكي والشيخ أبو حامد الاسفراييني، القاضي أبو الطيب الطبري، ابن اسحق الشيرازي، -هؤلاء من أئمة الشافعية- وابن حامد وأبو يعلى، وابن الخطاب وابن الزاغوني من الحنابلة، السَّرَخسي -أو السَّرْخسي يجوز هذا وذاك- من الحنفية، قال: وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم ... ".
стр. 50
يقول: "وهو مذهب أهل الحديث قاطبة، ومذهب السلف عامةً" ومراد شيخ الإسلام ﵀ بالخبر الذي احتفت به قرينة، "وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح استنباطاً فوافق فيه هؤلاء الأئمة" ابن الصلاح أطلق لكنه أطلقه فيما رواه الشيخان، وتخريج الشيخين قرينة على أن الخبر ضبط وأتقن، وهو أيضاً مستمد من تلقي الأمة بالقبول، هذه قرينة، وهو الذي نص عليه شيخ الإسلام هنا أنه نقل وقطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول، فلا نقول: أن خبر الواحد يفيد القطع مطلقاً، ولو صح، لو جاءنا مالك عن نافع عن ابن عمر، يعني في غير الصحيحين، مالك يهم حصلت له أخطاء وإن كان نجم السنن، ولا يحتاج إلى تزكية، من مشاهير أهل العلم في الضبط والإتقان والحفظ، ومن أهل الانتقاء والتحري والتثبت، لكن ضبطت عليه أوهام ﵀، فهذه المسألة يطول البحث فيها، وخلاصة القول أن فيها ثلاثة أقوال: أنه يفيد القطع مطلقاً، أنه يفيد الظن مطلقاً، أنه لا يفيد القطع إلا بقرينة، وهذا هو أعدل الأقوال.
وأما قول من يقول: أنه يفيد القطع مطلقاً خشيةً من تشبث أهل البدع بمثل هذا القول، وأنه إذا كان لا يفيد إلا الظن لا تثبت به عقائد، كلامهم طويل في هذا، نقول: لا، لا نلتزم باللازم وننتهي من الإشكال، نقول: نثبت الإحكام بخبر الواحد إذا صح ولو احتمل النقيض؛ لأن الأحكام مبنية على غلبة الظن، نثبت العقائد بخبر الواحد إذا صح؛ لأن الشرع واحد، فما تثبت به الأحكام تثبت به العقائد.
يقول: هناك من يقول: أن التقسيم إلى متواتر وآحاد أمر حادث قال به أهل البدع لرد الأحاديث، ولهذا لم يعرف عن السلف هذا التقسيم فما رأيك؟
стр. 51
لو قلنا: أن كل هذه التقسيمات ما وجدت عند السلف، ابحث عن كلام الصحابة في الصحيح والضعيف والحسن تجد شيء؟ تجد؟ تجد عن ابن عمر قال: هذا الحديث حسن أو عن عمر؟ لا ما في كلام السلف شيء من هذا، هذه التقسيمات اصطلاحية، المتواتر وإفادته القطع، لا أحصي ما ذكره شيخ الإسلام ﵀، ومثّل للمتواتر بأحاديث، وقسم المتواتر إلى لفظي ومعنوي، كل هذا موجود من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الذي تصدى لأهل البدع، إذا وجد هذا الكلام، نعم لو لم يلفظ به إلا مبتدع اجتنبناه، لكنه موجود في كلام أهل السنة، وسواء سميناه متواتر أو آحاد أو لم نسمه، الحقيقة حقيقة، الأخبار متفاوتة، هل الأخبار على حدٍ سواء؟ الخبر الذي يأتيك من طريق عشرة مثل الخبر الذي يأتيك عن طريق واحد؟ لا، في تفاوت، فالأخبار متفاوتة، والخلاف لفظي، والتسمية اصطلاحية، ولا مشاحة في الاصطلاح، وإذا عرفنا أن شيخ الإسلام ﵀ نطق بالمتواتر، وأن في السنة المتواتر، وأنه يفيد القطع، وأن منها المتواتر اللفظي، وأن منها المتواتر المعنوي، وش بقي؟
стр. 52
لا نلتزم باللازم، نقول: العقائد تثبت بالآحاد كالأحكام وينتهي الإشكال، المبتدعة يريدون شيء حينما يقسمون إلى متواتر وآحاد يريدون أن يثبتوا أن المتواتر هو المفيد للقطع، والآحاد لا يفيد إلا الظن، يريدون أن ينفوا كثير مما يثبته أهل السنة في أمور الاعتقاد بهذه الطريقة، لا نلتزم بلازمهم، أما كونهم يقولون بشيء وهو صحيح وحق، الحق يقبل ممن جاء به، لكن باطلهم يرد عليهم، لا يحملنا الحماس والدفاع إلى أن ننفي الحقائق، أو نثبت ما لم يثبت عن الله ولا عن رسوله، يصير مثل واحد يقول: اليهود نفوا صلب المسيح وقتل المسيح، فقام واحد من جهال المسلمين، قال: لا، اليهود قتلوه، هو يزعم أن اليهود يتقربون إلى النصارى في كلامه هذا من أجل كسب القضية، وهو يريد أن يكسب القضية من طرفٍ آخر، لا قتلوه، يفرق بين ... ما سويت شيء، كذبت القرآن، ماذا فعلت؟ فأحياناً الحماس من بعض طلاب العلم يوقع في حرج، ينفي ما هو موجود، مثبت، الأخبار متفاوتة، منها: ما يفيد العلم، يعني بمجرد سماعه تجزم بأنه صحيح، ومنها: ما يفيد إلا الظن، يعني لو جاءك شخص وقال: هناك مدينة اسمها بغداد، وأنت ما شفت بغداد، تقول: لا اصبر خليني أشوف معجم البلدان؟ ما يحتاج، لكن لو قال لك: هناك قرية اسمها: طهب الطيب، إيش تقول؟ انظر في معجم البلدان، عرف بها .... الأخبار متفاوتة، منها: ما يلزم بتصديقه من سماعه، ومنها: ما يحتاج إلى نظر واستدلال، يحتاج إلى مقدمات، على كل حال الكلام في هذا الموضوع يطول، والله المستعان.
هنا سؤال: يذكر الإخوان أنه مهم، أما البقية تترك للغد؛ لأننا تأخرنا إلى أكثر من اللازم.
يقول: نلاحظ بعض الناس ردوا حديث الآحاد حتى في الأحكام إذا خالف العقل؟
стр. 53
أولاً: العقل الصريح السليم لا يمكن أن يخالف النص الصحيح، لكن العقل الملوث بالشبهات والشهوات لا بد أن يخالف ما يعارض شهواته وشبهاته، العقل لا ينكر أنه يميز ويدرك الحسن ويدرك القبيح؛ لكنه لا يستقل بذلك، وشيخ الإسلام ﵀ قرر هذه المسألة في إفاضة في كتبه لا سيما كتاب (درء تعارض العقل والنقل) وقرر ﵀ أنه لا يمكن أن يوجد نص صحيح يعارض العقل الصريح، يعارض العقل السليم، القلب السليم الخالي من الشبهات والشهوات، لكن قلب تراكمت عليه الشهوات والشبهات، وران عليه ما كسب مثل هذا القلب، مثل هذا العقل لا بد أن يعارض ويخالف، لكن مثل هذا لا عبرة به، يعني حينما يرد حديث: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) يقال: الواقع يشهد بخلاف ذلك، شوف إندي رغاندي، وشوف تاتشر، وشوف كلدمائير التي هزمت العرب، ذا عقل هذا؟ بالله هذا عقل سليم؟ الذي يرد النصوص بمثل هذه السذاجة؟ لا، العقل الذي يسير مع الكتاب والسنة حيثما سار لا يمكن أن يجد أدنى أشكال في النصوص الصحيحة، والله المستعان.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هذا سؤال يقول: هناك كتب باسم الجمع بين الصحيحين، وباسم اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، فما معناهما وما موضوعهما؟ وما أفضل الطبعات؟
الجمع بين الصحيحين للحميدي وللصاغاني ولغيرهما من أهل العلم ممن حاول أن يجمع الصحيحين في كتابٍ واحد مع حذف المكررات، وكتاب الحميدي كتاب جميل ونفيس، طبع أخيراً، إلا أنه أحياناً لا أقول: دائماً، لا ينقل من الأصول مباشرةً، لا ينقل من الصحيحين مباشرة، بل قد يعتمد على المستخرجات، ولذا تجدون في ألفاظه ما يخالف ما في الصحيحين أحياناً، مع أنه يبيّن ويميزّ اللفظ الذي في الصحيحين، وما زاده من المستخرجات غالباً، لا أقول: دائماً، ولا أقول: بما قاله من كتب في المصطلح أن الحميدي لم يميز، كما يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
. . . . . . . . . ... وليت إذ زاد الحميدي ميزا
стр. 54
الحميدي ميّز؛ لكنه ليس على قاعدة مضطردة، قد يفوته بعض الشيء، أما بالنسبة لما اتفق عليه الشيخان، فهناك كتاب اسمه (زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم) إلا أن ترتيبه فيه شيء من الصعوبة، وأجود منه ما جاء في السؤال (كتاب اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان) لمحمد فؤاد عبد الباقي، أما بالنسبة لطبعات هذه الكتب فالجمع بين الصحيحين لا أعرف أنه طبع إلا مرة واحدة، أخيرة أيضاً، أما (اللؤلؤ والمرجان) فطبعة الحلبي الأولى طيبة جداً.
يقول: هناك طبعة للصحيح فيها تعليقات مطبوعة عام ١٣٥٨ فيما أظن صورتها دار اشبيليا في ثلاث مجلدات في تسعة أجزاء، وهي مطبوعة أصالةً في دار الطباعة الفاخرة، فهل لها علاقة باليونينية؟
الذي أعرف أنها مطبوعة في الخمسينات، خمسة وخمسين أو ستة وخمسين هي طبعة الحلبي، وهي مأخوذة من الطبعة السلطانية فيها إشارة إلى الفروق بالحاشية، لكنهم أغفلوا بعض الفروق، الطبعة في الجملة جيدة، إلا أن من صورها فيما بعد وقف على مقالٍ للشيخ أحمد شاكر في إحدى المجلات عن البخاري وعن عناية اليونيني به، وأن أصل هذه الفروق، فصور هذا المقال وأرفقه بهذه الصورة زاعماً أن هذه الصورة بتقديم الشيخ أحمد شاكر، وهذا الكلام ليس بصحيح، إنما هو للترويج، الشيخ أحمد شاكر لا علاقة له بطبعات الصحيح.
هذا يسأل عن الدروس والأشرطة؟
هذه ممكن يسأل عنها الإخوان الذين يحضرون الدروس، والدروس معلنة.
هذا يقول: لو جعل الخمس الدقائق الأخيرة للأسئلة؟
هذا ما ينضبط، في الأخير ما ينضبط.
يقول: هل تحبذ في هذا الزمان القراءة على من عنده أسانيد متصلة إلى الأئمة البخاري ومسلم وغيره؟ وهل وقع لكم أسانيد متصلة إلى أصحاب هذه الكتب؟
стр. 55
أنا لا أهتم بالأسانيد كثيراً، نعم عندنا إجازة من الشيخ حمود التويجري ﵀ والعناية بها على حساب التحصيل والفهم والدراية مضيعة للوقت؛ لأنها لا يترتب عليها تصحيح ولا تضعيف، نعم إذا حصلت من غير تعب، من غير تضييع لوقت لا بأس؛ لأنها محافظة على خصيصة هذه الأمة، وإلا فلا أثر لها في الواقع لأنه ما الذي يستفيد حديث في صحيح البخاري مروي في البخاري ترويه بإسناد صحيح أو ضعيف؟ لا قيمة لك لا أنت ولا إسنادك، لكن إبقاء سلسلة الإسناد من خصائص هذه الأمة، تنبغي المحافظة عليه، لكن لا يكون على حساب التفقه في الأحاديث، ومعرفة صحيحها من ضعيفها.
هل يوجد في زماننا من له أسانيد توصي طلبة العلم بالأخذ عنهم؟
يوجد، لكن الشيخ حمود ﵀ أجاز جمع من طلبة العلم، فيؤخذ عنهم لا بأس، لكن لا يكون على حساب فهم الأحاديث وتثبيتها وتصحيحها وتضعيفها.
هل البخاري يشترط ثبوت اللقاء؟
في أكثر من سؤال، وهذا يأتي في السند المعنعن -إن شاء الله تعالى-.
يقول: هل صحيح أنه يوجد أحاديث في صحيح البخاري لم تبلغ مرتبة الحسن؟
البخاري أصح الكتب بعد كتب الله ، وهو كتاب تلقته الأمة بالقبول، وقد أشرنا إلى ذلك سابقاً، وفيه بعض الأحاديث الذي انتقدها بعض الحفاظ كالدارقطني وغيره، وهي أحاديث يسيرة، مع أن هذا الانتقاد قابل للنقاش، والغالب أن الصواب مع البخاري غالباً، وفي ملاحظات الدارقطني ما له وجه، ولكن البخاري لا يقتصر على إيراد الحديث من طريقٍ واحد أو من وجهٍ واحد، إنما قد يذكر في بعض الطرق ما فيه كلام غير معتمدٍ عليه، ولا يعتمد على هذا الطريق إنما يذكره لتصريحٍ بسماعٍ ونحوه أو لعلوٍ في إسناد، المقصود أن المتون ثابتة.
يقول: هل هناك شرح مختصر للبخاري غير فتح الباري؟ ومسلم غير النووي؟
стр. 56
أما بالنسبة للنووي فلا يوجد أخصر من شرح النووي، وهو شرح مختصر وجامع ونفيس، فلا ينبغي أن يبحث عما هو أخصر منه، أما بالنسبة لفتح الباري فهو شرح فيه طول بلا شك لكنه نافع ومفيد، هناك ما هو أخصر منه كالكرماني وهو قبل ابن حجر، وفيه أوهام تعقبها الحافظ وغيره، وهناك إرشاد الساري وهو أخصر أيضاً من فتح الباري، وفيه فوائد وفيه ضبط، إتقان للصحيح.
يقول: الطبعة العامرة لصحيح مسلم وهل هي معتمدة أم لا؟
نعم، الطبعة العامرة في صحيح مسلم طبعة جيدة، وهي أجود من طبعتهم لصحيح البخاري، الطبعة العامرة التي من اسطنبول لصحيح مسلم معتنىً بها ومتقنة في الجملة، يعني لا يوجد عليها ملاحظات إلا نادراً جداً، بخلاف طبعتهم لصحيح البخاري، طبعتهم لصحيح البخاري عليها ملاحظات كثيرة، وفيها سقط بعض الأحاديث، وإن زعموا أنهم أخذوا هذه الطبعة من إرشاد الساري.
المقصود أن الطبعة العامرة لصحيح مسلم طبعة جيدة، علماً بأن الطبعة الموجودة مع شرح النووي، في الطبعة البهية وما صوّر عنها مأخوذة من الطبعة العامرة بحروفها؛ لكن من قارن بين هذه الطبعة، الطبعة العامرة، وبين الطبعة التي على هامش إرشاد الساري، وجد بعض الفروق، لا سيما في صيغ الأداء، وفي أنساب بعض الرواة، يجد بعض الفروق.
طالب:. . . . . . . . .
هو يقول: أشبيلية تسعة أجزاء، والعامرة ثمانية.
طالب:. . . . . . . . .
.... إيه ثمانية، البخاري ومسلم كلاهما ثمانية في العامرة.
يقول: ما رأيك بحفظ مختصر مسلم ثم حفظ مفردات البخاري؟ وهل هذا يغني عن حفظ الصحيحين الأصل؟
стр. 57
هذا حسب الحافظة قوةً وضعفاً، إن كانت لديه الحافظة القوية التي تسعفه لحفظ المتون والأسانيد فالأصول لا يعدل بها شيء، لكن إذا كانت الحافظة لا تسعف، ويريد أن يحفظ ما صح عن النبي ﵊ من الأحاديث وسلك هذه الطريقة بدءً بحفظ المتفق عليه (اللؤلؤ والمرجان) مثلاً، ثم يحفظ مفردات البخاري ثم مفردات مسلم، وإذا اعتنى بمختصر الزبيدي للبخاري وأضاف إليه مفردات مسلم، وإن قال: أن مسلم أكثر عناية بالألفاظ وقدم مختصره على مختصر البخاري وحفظ زوائد البخاري، فهو على خير على كل حال. لكن ينبغي أن نعرف كيف نبدأ؟ ما نبدأ بالكتب الطويلة قبل المختصرات، لا نصعد إلى السطح من غير سلم، نبدأ بالمتون الصغيرة المعتمدة على أهل العلم، ولا بد قبل ذلك أن تحفظ الأربعين مثلاً، أحاديث قواعد كلية، إذا حفظتها، وقرأت عليها بعض الشروح، حفظت العمدة والبلوغ، لك أن تحفظ ما شئت من الكتب، أما أن تحفظ بأسانيد أو متون مجردة عن الأسانيد فهذا خاضع لقوة الحافظة وضعفها، علماً بأن طالب العلم لا بد أن يحفظ السلاسل المشهورة التي يروى بها أكبر قدر من الأحاديث، وهذا يعينه على الحفظ، والله المستعان.
стр. 58
شرح كتاب اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير (٣)
النوع الثاني: الحسن - تعريفاته، ومظانه، النوع الثالث: الحديث الضعيف - النوع الرابع: المسند
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمدٍ عليه وعلى آله أفضل الصلوات وأتم التسليم، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمنا الله وإياه والمسلمين أجمعين-:
(النوع الثاني: الحسن)
وهو في الاحتجاج به كالصحيح عند الجمهور، وهذا النوع لما كان وسطاً بين الصحيح والضعيف في نظر الناظر، لا في نفس الأمر، عسر التعبير عنه وضبطه على كثير من أهل هذه الصناعة، وذلك لأنه أمر نسبي شيء ينقدح عند الحافظ، ربما تقصر عبارته عنه، وقد تجشم كثير منهم حده، فقال الخطابي: هو ما عرف مَخْرَجُه واشتهر رجاله، قال: وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء.
قلت: فإن كان المعرف هو قوله: ما عرف مخرجه واشتهر رجاله" فالحديث الصحيح كذلك، بل والضعيف وإن كان بقية الكلام من تمام الحد، فليس هذا الذي ذكره مسلَّماً له، أن أكثر الحديث من قبيل الحسان، ولا هو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء.
يقول -رحمه الله تعالى-: النوع الثاني الذي بعد الصحيح الحسن، والحسَن صفة مشبهة باسم الفاعل، والحسْن في اللغة ما تشتهيه النفس وتميل إليه، وهو في الاحتجاج به كالصحيح عند الجمهور، جمهور العلماء يحتجون بالحديث الحسن، ويدخل في ذلك الحسن لذاته، والحسن لغيره، حجة عند جمهور العلماء.
стр. 59
نسب إلى الإمام البخاري كما قال ابن الوزير وغيره أنه لا يحتج بالحسن في الحلال والحرام، وهو ظاهر كلام أبي الحسن بن القطان لا سيما في الحسن لغيره، وقال بذلك أبو حاتم الرازي فيما يظهر من كلامه على بعض الرواة أنه قال في بعضهم: وحسن الحديث، قيل له: أتحتج به؟ قال: لا، وفي بعض الرواة قال: هو صدوق، قيل: وهل تحتج به؟ قال: لا، وإن كان عنده الصدوق حديثه من قبيل الضعيف؛ لأن اللفظ لا يشعر بشريطة الضبط، على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في ألفاظ الجرح والتعديل، ابن العربي في (عارضة الأحوذي) رجح هذا الاحتجاج بالحديث الحسن.
المقصود أنه محل نظر، وإن كان الجمهور على قبوله، والسبب في الخلاف، منشأ الخلاف أن راوي الحسن خفّ ضبطه قليلاً عن راوي الصحيح، فمن نظر إلى أصل الضبط احتج به، ومن نظر إلى أن هذا الضبط قد خف، والأخبار ينبغي أن يتثبت فيها، ويحتاج لها، قال: إنه لا يحتجّ به، وعلى كل حال المعتمد عند أهل العلم الاحتجاج به، وأنه كالصحيح في الحجية، بالنسبة لتعريف الحسن اختلفت أقوال العلماء فيه، وتباينت أنظارهم، وما من تعريف من تعاريفه إلا وعليه ما يلاحظ، حتى جزم بعض الحفاظ أنه لا مطمع في تمييزه، والسبب في ذلكم أنه في مرتبة متوسطة بين الصحيح والضعيف، فمتى يقرب من الصحيح؟ ومتى يقرب من الضعيف؟ هذه منزلة متأرجحة بين أمرين سببت كثرة طول الخلاف في تعريفه وتمييزه، وهو أيضاً كما أشار الحافظ -رحمه الله تعالى- أنه شيء ينقدح عند الحافظ ربما تقصر عبارته عنه، كما قالوا في الاستحسان، شيء ينقدح في ذهن المجتهد لا يستطيع التعبير عنه، وهنا يحكم على هذا الراوي الذي كلام لأهل العلم أن حديثه من قبيل الحسن، ويحكم على هذا الحديث الذي اختلف فيه العلماء من مصحح ومضعف بأنه أو ينقدح في ذهنه أنه حسن.
يقول: "وقد تجشم كثير منهم حده" تجشّم، التجشّم إنما يكون في الأمور الصعبة، فدل على أن حد الحديث الحسن وتمييزه أمر صعب، "فقال الخطابي -يعني في مقدمة معالم السنن- هو ما عرف مخرجه، واشتهر رجاله" انتهى الحد وبقي الحكم؟ أو ما زال الحد ناقص؟ "ما عرف مخرجه، واشتهر رجاله" إن كان الحد قد انتهى كما يراه الحافظ العراقي ﵀:
стр. 60
حسن معروف مخرجاً وقد ... اشتهرت رجاله بذاك حد
حمد ... انتهى التعريف، وقال الترمذي ما سلم .. الخ
إن كان هذا هو التعريف: "ما عرف مخرجه، واشتهر رجاله" فالأمر كما قال الحافظ ابن كثير ﵀ الصحيح كذلك، عرف مخرجه، واشتهر رجاله، والضعيف أيضاً كذلك، عرف مخرجه، قد يكون من أخرجه معروف، والمخرج المراد به مكان الخروج، والمراد به المصدر هنا، الراوي، الضعيف قد يكون مما عرف مخرجه، واشتهر رجاله بالضعف مثلاً، وإن كان بقية الكلام من تمام الحد: "وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء" يخرج الصحيح، لأنه يقبله جميع العلماء، ويخرج أيضاً الضعيف؛ لأنه لا يقبله جماهير العلماء، وإن كان فيه خلاف طويل ستأتي الإشارة إليه -إن شاء الله تعالى-.
يقول: "وإن كان بقية الكلام من تمام الحد فليس هذا الذي ذكره مسلماً، إن أكثر الحديث من قبيل الحسان"، أكثر الأحاديث من قبيل الصحاح أو الضعاف؟ الإمام البخاري يحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح، فدل على أن الأحاديث الضعيفة كثيرة جداً، نعم على قاعدة ابن الصلاح وانقطاع التصحيح والتضعيف، وأن الحديث الذي يخرجه إمام ولم يقف ضده أحد بتصحيحه يتوسط فيه، كأحاديث السنن والبيهقي والمستدرك وغيره يتوسط فيه، فلا يقال: صحيح ولا ضعيف، بل من قبيل الحسن، فتكثر نسبة الحسن حينئذٍ، ويستعمله عامة الفقهاء، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء، عامة الفقهاء يستعملون الصحيح كما يستعملون الحسن، وقد يستعملون الضعيف، وإن كان الاتفاق يكاد أن يوجد على عدم الاحتجاج في الأحكام على ما سيأتي.
(تعريف الترمذي للحديث الحسن)
قال ابن الصلاح: وروينا عن الترمذي أنه يريد بالحسن: أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون حديثاً شاذاً، ويروى من غير وجه نحو ذلك، وهذا إذا كان قد روي عن الترمذي أنه قال: ففي أي كتاب له قاله؟ وأين إسناده عنه؟ وإن كان قد فُهم من اصطلاحه في كتابه الجامع، فليس ذلك بصحيح، فإنه يقول في كثير من الأحاديث: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
стр. 61
تعريف الترمذي ذكره ابن الصلاح، ونقله الحافظ ابن كثير متابعة، وإن لم يقف عليه من كلامه، وهو موجود في علل الجامع المطبوعة في آخر جامع الترمذي، وهي التي شرحها الحافظ ابن رجب ﵀ تتميماً لشرحه على جامع الترمذي، والشرح كله مفقود، وبقي شرح العلل، فعلى هذا كلام الحافظ ابن كثير: "وهذا إذا كان قد روي عن الترمذي أنه قال: ففي أي كتاب له قاله؟ " قاله في علل الجامع، وانتهى الإشكال، وانتهى التردد، إن كان قاله، وإن كان فهم من كلامه، هو قاله صراحة.
يقول: "روينا عن الترمذي أنه يريد بالحسن أن لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون حديثاً شاذاً، ويروى من غير وجه" يعني أن الإمام الترمذي يشترط لتسمية الحديث حسناً أن يشتمل على ثلاثة شروط: ألا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون شاذاً، وأن يروى من غير وجه، لكن مجرد انتفاء التهمة بالكذب تكفي ليكون الحديث حسناً؟ قد يكون ضعيفاً ضعف أخف من الاتهام بالكذب، فعلى هذا تعريف الترمذي غير جامع ولا مانع، فهو غير جامع لنوعي الحسن، وغير مانع لدخول أنواع الضعيف كالمنقطع مثلاً، هو لم يشترط الاتصال، وأيضاً غير مانعٍ لما كان بعض رواته فاسق مثلاً، بغير الاتهام بالكذب كما أشرنا، وهو أيضاً غير مانع لدخول الصحيح، فالصحيح لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون شاذاً، ويروى من غير وجه، وإن قال بعضهم دفاعاً عن الترمذي أن الصحيح لا يدخل؛ لأن نفي الاتهام بالكذب يشعر بأنه قاصر عن درجة الصحيح؛ لأنه يؤميء إلى أن الراوي قد تكلم فيه بغير اتهام بالكذب، وعلى كل حال هو متعقب، فالضعيف الذي ضعفه من غير جهة الاتهام بالكذب يدخل فيه.
"ويروى من غير وجه نحو ذاك" حكم على أحاديث كثيرة بأنها حسنة مع قوله: "لا نعرفه إلا من هذا الوجه" كيف يشترط لكون الحديث حسناً أن يروى من غير وجه ويقول: حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه؟ وإن كانت الأجوبة كثيرة على ما سيأتي في جمعه بين الصحيح والحسن -إن شاء الله تعالى-.
ولهذا يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
وقال الترمذي ما سلم ... من الشذوذ مع راوي ما اتهم
بكذب ولم يكن فرداً ورد ... قلت وقد حسن بعض من فرد
стр. 62
هناك تعريفات أخرى للحسن، كتعريف ابن الجوزي مثلاً، وتعريف ابن الصلاح وتقسيمه، على كل حال التعريفات كثيرة للحسن، نقتصر على ما ذكره المؤلف اختصاراً للوقت.
(تعريفات أخرى للحسن)
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀: وقال بعض المتأخرين: الحديث الذي فيه ضعف قريب مُحتمل، هو الحديث الحسن، ويصلح العمل به، ثم قال الشيخ: وكل هذا مستبهم لا يشفي الغليل، وليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن عن الصحيح، وقد أمعنت النظر في ذلك والبحث، فتنقح لي واتضح أن الحديث الحسن قسمان: أحدهما: الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلاً كثير الخطأ، ولا هو متهم بالكذب، ويكون متن الحديث قد روي مثله أو نحوه من وجه آخر، فيخرج بذلك عن كونه شاذاً أو منكراً، ثم قال: وكلام الترمذي على هذا القسم يُتنزل.
قلت: لا يمكن تنزيله لما ذكرناه عنه، والله أعلم.
قال: القسم الثاني: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، ولم يبلغ درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان، ولا يُعد ما ينفرد به منكراً، ولا يكون المتن شاذاً ولا معللاً، قال: وعلى هذا يتنزل كلام الخطابي، قال: والذي ذكرناه يجمع بين كلاميهما.
قال الشيخ أبو عمرو: ولا يلزم من ورود الحديث من طرق متعددة كحديث ((الأذنان من الرأس)) أن يكون حسناً؛ لأن الضعف يتفاوت، فمنه ما لا يزول بالمتابعات، يعني لا يؤثر كونه تابعاً أو متبوعاً، كرواية الكذابين أو المتروكين ونحوهم، ومنه ضعف يزول بالمتابعة، كما إذا كان راويه سيء الحفظ، أو روي الحديث مرسلاً فإن المتابعة تنفع حينئذٍ، وترفع الحديث عن حضيض الضعف إلى أوج الحسن أو الصحة، والله أعلم.
ذكر الحافظ ﵀ ابن كثير نقلاً عن الشيخ أبي عمرو بن الصلاح تعريف ابن الجوزي، وهو موجود في مقدمة الموضوعات لابن الجوزي، لكن هو اعتنى بكتاب ابن الصلاح فلم يرجع إلى الأصول مباشرة، ولذا خفي عليه موضع كلام الترمذي على ما تقدم، بعض المتأخرين يريد به أبا الفرج بن الجوزي في مقدمة الموضوعات حدّ الحديث الحسن: بأنه الذي فيه ضعف قريب محتمل.
وقيل: ما ضعف قريب محتمل ... قلت: وما بكل ذا حدٍ حصل
стр. 63
يعني ذكر تعريف الخطابي وتعريف الترمذي وتعريف الجوزي قال: (وما بكل ذا حد حصل)
ولذا قال: "وكل هذا مستبهم، لا يشفي الغليل" ابن الجوزي كلامه منتقد، الضعف القريب المحتمل ليس مضبوط بضابط يميّّز به القدر المحتمل من غيره، وإن قلنا: أن بقية كلامه "ويصلح للعمل به" أنه من تمام الحد لزم عليه الدور؛ لأنه عرفه بصلاحيته للعمل، وذلك يتوقف على معرفة كونه حسناً، فيلزم على هذا الدور وهو ممنوع، إذا كنا لا نعرف الحسن إلا بصلاحيته للعمل ولا نعمل إلا بما كان حسناً أو صحيحاً، هذا الدور الممنوع.
لولا مشيبي ما جفا ... لولا جفاه لم أشب
ما ينتهي الأمر، فعلى كل حال القدر المحتمل غير منضبط وغير متميز، وليس له حد يعرف به أوله وآخره، ولذا ذكر ابن الصلاح أن كل هذا مستبهم لا يشفي الغليل، يقول: "وليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن عن الصحيح" على ما تقدم، ثم بعد ذلك يقول ابن الصلاح: "وقد أمعنت النظر في ذلك والبحث فتنقّح لي أن الحديث الحسن قسمان".
وقال: بان لي بإمعان النظر ... أن له قسمين كل قد ذكر
قسماً وزاد كونه ما عللا ... ولا بنكرٍ أو شذوذٍ شملا
... الخ كلامه.
стр. 64
التقسيم الذي يراه ابن الصلاح هو الذي استقر عليه الاصطلاح، وهو أن الحسن ينقسم إلى قسمين، حسن لذاته، وحسن لغيره، فالحسن لذاته الذي لا يخلو رجال إسناده –هذا كلام الترمذي- القسم الثاني هو الحسن لذاته، والقسم الأول الحسن لغيره، "أحدهما: الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستورٍ لم تتحقق أهليته غير أنه ليس مغفلاً كثير الخطأ" يعني شديد الضعف، إنما ضعفه خفيف محتمل يقبل الانجبار، "ولا هو متهم بالكذب" يعني ليس بشديد الضعف، "ويكون متن الحديث قد روي مثله أو نحوه من وجهٍ آخر، فيخرج بذلك عن كونه شاذاً أو منكراً"، ثم قال: " وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزّل" وهو ما عرف عند المتأخرين بالحسن لغيره، يقول الحافظ ابن كثير، "قلت: لا يمكن تنزيله لما ذكرناه عنه" يعني عن الترمذي من قوله: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، كيف ننزل كلام الترمذي على الحسن لغيره؟ والحسن لغيره لا بد أن يروى من طرق يرتقي بها من الضعف إلى الحسن، وهو يقول: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه؟
فللعلماء أجوبة عن ذلك، أما أن يكون غريب بالنسبة لهذا الراوي، وأنه روي عن غيره، غريب بهذا اللفظ وإن روي بألفاظٍ أخرى إلى أقوال كثيرة، كل هذا لتوجيه كلام الترمذي، وعدم إهداره، وإلا فما قعّده لا ينطبق على جامعه، وما حكم عليه من الأحاديث الحسان.
القسم الثاني: يقول: "أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة ولم يبلغ درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان -يعني خف ضبطه- ولا يعدّ ما ينفرد به منكراً، ولا يكون المتن شاذاً ولا معللاً، وعلى هذا يتنزّل كلام الخطابي" وهو قريب من قولهم: حسن لذاته.
وقال: بان لي بإمعان النظر ... أن له قسمين كل قد ذكر
قسماً وزاد كونه ما عللا ... ولا بنكرٍ أو شذوذٍ شملا
فكلام الخطابي يتنزل على الحسن لذاته، وكلام الترمذي يتنزل على الحسن لغيره، على أنه استقر عند المتأخرين تعريف الحسن لذاته بأنه: ما رواه عدل حف ضبطه بسندٍ متصل غير معلل ولا شاذ، والحسن لغيره: هو الضعيف على ما سيأتي في حده القابل للانجبار إذا تعددت طرقه.
стр. 65
ابن جماعة له تعريف في (المنهل الروي) كأنه يريد أن يجمع قسمي الحسن في حدٍ واحد، يرى أنه جامع مانع يقول: "ما اتصل سنده وانتفت علله، في سنده مستور له به شاهد أو مشهور غير متقن" مستور له شاهد حسن لغيره، مشهور غير متقن يعني خفّ ضبطه فنزل عن درجة الحفظ والضبط والإتقان، ويدخل في هذا الحسن لذاته.
قال الشيخ أبو عمر: "لا يلزم من ورود الحديث من طرق متعددة كحديث ((الأذنان من الرأس)) " يعني أنه ليس كل حديث ضعيف يمكن أن يرتقي إلى درجة الحسن؛ لأن من الضعف ما يقبل الانجبار، ومنه ما لا يقبل الانجبار، فأحاديث الكذابين هؤلاء مهما بلغ عددهم لا ترتقي بل لا يزداد إلا سوءً، إذا كان الخبر متداول على ألسنة الكذابين ولو كثر، المتهمين بالكذب، يعني من اشتد ضعفهم لا ترتقي أحاديثهم ولا تنجبر، حديث: ((الأذنان من الرأس)) لا يرتقي، ولو روي من طرق، حديث: ((من حفظ على أمتي أربعين حديثاً)) لا ينجبر وإن كثرت طرقه، وعمل به بعض أهل العلم.
يقول: "لأن الضعف يتفاوت، فمنه ما لا يزول بالمتابعات" يعني لا يؤثر كونه تابعاً أو متبوعاً، كرواية الكذابين أو المتروكين، "ومنه ضعف يزول بالمتابعة، لا سيما إذا كان راويه سيء الحفظ" ضعف الراوي ناشئاً عن خفة ضبطه، إذا كان الضعف ناتج عن سوء الحفظ، "أو روي الحديث مرسلاً فإن المتابعة تنفع حينئذٍ وترفع الحديث عن حضيض الضعف إلى أوج الحسن أو الصحة" وهذه مسألة مهمة، الضعيف القابل للانجبار إذا جاء من طريق آخر مثله يرتقي إلى الحسن لغيره، لو جاء من طريق ثالث ورابع وخامس وسادس كلها ضعيفة بمقابل الانجبار يرتقي درجة واحدة إلى الحسن لغيره؟ أو إلى الصحة؟ وإذا روي الحديث الضعيف بسندٍ قابل للانجبار وله شواهد تقويه صحيحة أو له متابعات صحيحة يرتقي وإلا ما يرتقي؟ يرتقي، لكن إلى الحسن؟ يرتقي درجة واحدة أو أكثر؟ المسألة خلافية بين أهل العلم، منهم من يقول: أنه ضعيف لا يرتقي إلا إلى الحسن لغيره، مهما كانت متابعته وشواهده، ولو كانت في الصحيح.
стр. 66
وهذه لفتة لطيفة من الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-، يقول: "ويرفع الحديث عن حضيض الضعف إلى أوج الحسن أو الصحة" أكثر من يزاول التخريج ودراسة الأسانيد لا يرقي الحديث أكثر من درجة، لو قلنا: أن هذا صنيع الأكثر ما بعد؛ لكن هل يرتقي الضعيف إلى الصحيح؟ فيتجاوز أكثر من درجة؟ أقول: إذا كان الشاهد صحيح، أو المتابع في الصحيح إيش المانع؟ لأن المقصود الحكم على المتن، المراد الحكم على المتن، لأنك حكمت على هذا الإسناد بأنه ضعيف، وارتقى بشواهده ومتابعاته الصحيحة إلى الصحيح، فالمتن محفوظ صحيح.
إذا روي الضعيف شديد الضعف من طرق كثيرة ومتباينة، وجزمنا بأنهم لم يتواطئوا ولم يتفقوا على تلقي هذا الخبر مثلاً، أو يكون مصدرهم واحد، نقل الخبر من طريق رواته ضعاف شديدي الضعف، لكن طرقهم متباينة، لا شك أن الكذاب قد يصدق، وقد قال ﵊: ((صدقك وهو كذوب)) فهل نستطيع أن نرقي الحديث شديد الضعف إلى الحسن بتعدد طرقه، طرق متباينة جاءت من جهات؟ الجمهور لا، طريقة السيوطي وأشار إليها في ألفيته أنه يمكن، إيش المانع؟ حتى قال:
وربما يكون كالذي بذي ... . . . . . . . . .
يعني كالحسن لغيره، وعمل الشيخ ناصر الألباني –ناصر الدين الألباني ﵀ أحياناً يؤيد هذا القول، لكن المعتمد عند جماهير العلماء أن شديد الضعف لا ينجبر حديثه، وأن وجود روايته مثل عدمها.
(الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن)
قال: وكتاب الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نوه بذكره، ويوجد في كلام غيره من مشايخه، كأحمد والبخاري، وكذا من بعده كالدارقطني.
стр. 67
نعم الترمذي هو الذي شهر الحديث الحسن، هو الذي شهره في كتابه، في جامعه، لا يكاد حديث من الحكم عليه بالحسن أو بالصحة مع الحسن غالباً، قد يفرد الصحة، المقصود أن غالب الأحاديث محكوم عليها بالحسن إما مفرداً أو مضموماً إلى الصحة، شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يقول: "أول من عُرف أنه قسم هذه القسمة أبو عيسى الترمذي، ولم تعرف هذه القسمة عند أحدٍ قبله"، يعني ذكر الحديث وتقسيمه إلى صحيح وحسن وضعيف، يقول: "وأما من قبل الترمذي من أهل العلم فيقسمونه إلى صحيح وضعيف، والضعيف عندهم نوعان: ضعيف ضعفاً لا يمتنع العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي، وضعيف ضعف يوجب تركه وهو الواهي" الخلاف لفظي، هو قال: أن الحسن ما يعرف؟ وهو معروف من قبل الترمذي كأحمد والبخاري وعلي بن المديني ويعقوب بن شيبة، وجمع من أهل العلم حتى الشافعي أشار إليه، الاسم موجود، التسمية موجودة، لكن هل الحقيقة الحقيقة؟ ما دام اللفظ موجود ومطلق والخلاف. . . . . . . . . لأن شيخ الإسلام ﵀ يرى أن الضعيف قسمين، ضعف لا يمتنع العمل به، لماذا لا نسميه حسن؟ وهو يشبه، شيخ الإسلام له مقصد، وله هدف، وإن كان هذا سابق لأوانه لكن لا بد من بيانه، شيخ الإسلام يريد أن يدافع عن الإمام أحمد، وأن الإمام أحمد ﵀ أحتج بالضعيف في الفضائل، يقول: إن مراد الإمام أحمد من قوله الاحتجاج بالضعيف في الفضائل لا يريد به الضعيف الذي لا يقبل، الذي نزل عن درجة الاحتجاج، إنما يريد به النوع الأول من الضعيف الذي ذكره الشيخ، وهو الضعف الذي لا يمتنع العمل به، وهو الحسن في الاصطلاح، لكن كلام الشيخ ﵀ متعقب، أولاً: إطلاق الحسن موجود من قبل الترمذي من طبقة شيوخه وشيوخهم، الأمر الثاني: أنه يلزم منه أن الإمام أحمد لا يحتج بالحديث الحسن في الأحكام؛ لأنه لا يحتج بالضعيف في الأحكام، يحتج بالضعيف في الفضائل، والضعيف عند شيخ الإسلام ﵀ الذي اصطلح عليه فيما بعد بأنه هو الحسن، إذاً الإمام أحمد لا يحتج بالضعيف في الأحكام، وهذا خلاف المعروف في مذهب الإمام أحمد، على كل حال يأتي في الحديث الضعيف كلام طويل حول هذه المسألة، لكن هذه إشارة.
стр. 68
(أبو داود من مظان الحديث الحسن)
قال: ومن مظانه سنن أبي داود، روينا عنه أنه قال: ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهن شديد بيَّنته، وما لم أذكر شيئاً فهو صالح، وبعضها أصح من بعض، قال: وروي عنه أنه يذكر في كل باب أصحَّ ما عرف فيه.
قلت: ويروى عنه أنه قال: وما سكتُّ عنه هو حسن.
قال ابن الصلاح: فما وجدناه في كتابه مذكوراً مطلقاً وليس في واحد من الصحيحين، ولا نصَّ على صحته أحد، فهو حسن عند أبي داود.
قلت: الروايات عن أبي داود بكتابه (السنن) كثيرة جداً، ويوجد في بعضها من الكلام بل والأحاديث ما ليس في الأخرى، ولأبي عبيد الآجري عنه أسئلة في الجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل كتاب مفيد، ومن ذلك أحاديثُ ورجال قد ذكرها في سننه، فقوله: وما سكت عنه فهو حسن: ما سكت عليه في سننه فقط؟ أو مطلقاً؟ هذا مما ينبغي التنبيه عليه والتيقظ له.
стр. 69
من مظان الحديث الحسن، لما ذكر الحديث الحسن والحد والتعريف والحكم ذكر من مظانه وذكر جامع الترمذي وسنن أبي داود؛ لأن أبا داود قال في رسالته إلى أهل مكة: "ذكرت فيه الصحيح، وما يشبهه ويقاربه" فالذي يشبه الصحيح ويقاربه هو الحسن، قال: "وما كان فيه وهن شديد بيّنته، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصح من بعض، قال: وروي عنه أنه يذكر في كل باب أصح ما عرف فيه" ابن كثير ﵀ يذكر أنه وقف على رواية من رسالته إلى أهل مكة أنه: "وما سكت عنه فهو حسن" وهذا يوافق اختيار ابن الصلاح، ابن الصلاح الذي يجعله يتوسط في الأحاديث التي لا يذكر فيها كلاماً لا يتعقبها، بل يسكت عنها ولا يوجد نص على صحة الخبر، والحديث غير مخرج في الصحيحين أن المتوسط في أمره ويحكم عليه بالحسن، هذا من باب التوسط في الحكم، وهذا الذي أفرزه رأي ابن الصلاح في انقطاع التصحيح والتضعيف، وإلا فالأصل أن السنن وغيرها من الكتب حاشا الصحيحين مما ينبغي أن تدرس أسانيده ويحكم على كل حديثٍ بما يليق به، كما تقدم في كلامه عن مستدرك الحاكم، يقول ابن الصلاح: "فما وجدناه في كتابه مذكوراً مطلقاً وليس في واحد من الصحيحين، ولا نصَّ على صحته أحد، فهو حسن عند أبي داود" اعترض على هذا الكلام؛ لأن فيما سكت عنه أبو داود الصحيح، وفيما سكت عنه أبو داود الحسن وهو كثير، وفيما سكت عنه الضعيف؛ لأن مقتضى لفظه: "وما كان فيه وهن شديد بينته" معناه أن الوهن والضعيف الغير شديد لا يبينه، إذاً فيه الضعيف، وأيضاً واقع الكتاب يشهد بأنه سكت عن أحاديث ضعيفة، بل شديدة الضعف، فكيف نقول: أن ما سكت عنه أبو داود هو حسن؟ وهذا المسلك يسلكه النووي كثيراً، الحديث الذي خرجه أبو داود وسكت عنه فهو حسن، يسلكه المنذري أيضاً في الترغيب، سكت عنه أبو داود، المقصود أن هذا قول مسلوك، لكنه مرجوح، لماذا؟ لأنه وجدت الأنواع فيما سكت عنه، ففيما سكت عنه الصحيح والحسن والضعيف، والأولى أن يتصدى للكتاب وغيره من الكتب التي لم يلتزم مؤلفوها الصحة، أو التزموا واشترطوا لكن لم يفوا أن يحكم على كل حديث بما يليق به.
стр. 70
كلام أبي داود على الحديث، هل نقول: أن ما أشار إليه هنا كله موجود في السنن؟ يعني ما سكت عنه في السنن فقط؟ أو في كتبه الأخرى؟ سؤالات الآجري، أو يتكلم على راوي من الرواة في موضع ينسحب هذا على جميع الكتاب؟ المقصود أن هذا غير منضبط، فلا بد من الحكم على كل حديث حديث، نعم إذا كان الحديث مخرج في الصحيحين أو في أحدهما لا كلام، لكن الشأن فيما عدا ذلك، والروايات عن أبي داود كثيرة، الكتب لها روايات، والبخاري مروي بروايات متعددة، في بعضها ما لا يوجد في بعضها، مسلم كذلك وإن كان أقل، أبو داود كذلك وهو أكثر من مسلم في هذا، هناك رواية اللؤلؤي، ورواية ابن داسة، ورواية ابن العبد، ورواية ابن الأعرابي في سنن أبي داود، وفي بعضها ما لا يوجد في بعض، وإن كان قليل لكنه موجود، فقد يوجد الكلام في بعض الروايات دون بعض، "ويوجد في بعضها من الكلام بل وأحاديث ما ليس في الأخرى، ولأبي عبيد بن الآجوري عنه أسئلة في الجرح والتعديل" طبع قسم منها "والتصحيح والتعليل كتاب مفيد، ومن ذلك أحاديث وسؤالات قد ذكرها في سننه، فقوله: وما سكت عليه فهو حسن، ما سكت عليه في سننه فقط أو مطلقاً؟ "
стр. 71
نقول: هذا مما ينبغي التنبيه عليه والتيقظ له، لكن كل هذا الكلام أفرزه رأي ابن الصلاح في انقطاع التصحيح والتضعيف، وإلا ما دام الآلة موجودة، والشخص متأهل للحكم فلا ينتظر لا كلام أبي داود ولا سكوت أبي داود؛ لأن كلام أبي داود ككلام غيره من أهل العلم، كلام الترمذي أصرح من كلام أبي داود، ينص صراحة على أن هذا الحديث صحيح، لكن هل يلزم من ذلك أن الحديث صحيح بالفعل؟ ما يلزم، الجمهور يرون أن الترمذي متساهل في التصحيح والتحسين، وإن زعم بعضهم أنه تصحيحه معتبر، وإن زاد الشيخ أحمد شاكر في ذلك ورأى أن تصحيحه معتبر وتوثيق لرجاله، يعني إذا قال: هذا حديث صحيح أو حسن صحيح، فالرجال هؤلاء كلهم ثقات، هذا كلام ليس بصحيح، وكم من حديث صححه الترمذي وفيه نظر، كم من حديث حسنه الترمذي وفيه أنظار، قول أبي داود ﵀: "ذكرت فيه الصحيح، وما يشبهه ويقاربه" فابن سيد الناس يرى أن كلام أبي داود مثل كلام الإمام مسلم حينما قسم الرواة إلى طبقات، فخرج لأهل الطبقة الأولى المعروفين بالضبط والحفظ والإتقان، وخرج عمن دونهم ممن ليسوا كذلك، يقول: ما في فرق بين كلام الإمام مسلم وتقسيمه الرواة إلى طبقات، ونزوله إلى أحاديث الطبقة الثانية بل والثالثة أحياناً، ما في فرق بينه وبين قول الإمام أبي داود: "ذكرت الصحيح، وما يشبهه ويقاربه" ولذا يقول الحافظ العراقي ﵀:
وللإمام اليعمري إنما ... قول أبي داود يحكي مسلما
حيث يقول: جملة الصحيح لا ... توجد عند مالكٍ والنبلاء
فاحتاج أن ينزل في الإسنادِ ... إلى يزيد بن أبي زيادِ
مسلم نزل عن الدرجة الأولى، عن الطبقة الأولى في الحفظ والضبط والإتقان، لكنه التزم الصحة ووفى بها، وإذا نزل؟ نزل إلى من خفّ ضبطه وارتفعت هذه الخفة بمتابعة غيره من أهل الضبط والإتقان، فرق بينما نزل إليه الإمام مسلم وبينما سكت عنه أبي داود، فرق كبير، وواقع الكتابين يشهد للفرق، وإن قال ابن سيد الناس هذا الكلام.
يقول هذه السائل وهذه من الأسئلة: ألا يقال عن تصحيح الترمذي أو تحسينه لبعض الأحاديث توثيق فعلي لرجل من رجال الإسناد عنده وإن لم يكن عند غيره؟
стр. 72
متى يكون توثيق فعلي؟ إذا كان الحديث يدور عليه، لكن إذا قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وفي الباب عن فلان وفلان وفلان؟ ما يحتمل أن يكون توثيق فعلي، لكن إذا خرج البخاري عن شخص مدار الحديث عليه قلنا: توثيق فعلي، أما إذا خرج الحديث ثم حكم عليه بالصحة وفي الباب غيره؟ نظر إلى المجموع، معروف طريقة الترمذي التصحيح المجموع كما هو معروف.
يقول: ما هو قول الراجح في الحسن لغيره، هل يحتج به في العقائد والأحكام؟ وهل يخصص القرآن والأحاديث المتواترة والآحاد؟
المقصود: إذا قلنا: أن الحسن حجة كالصحيح، على الخلاف في ذلك وما ذكر من الخلاف بين قسميه، هل يحتج بالحسن لذاته أو الحسن لغيره إذا ارتقى؟ ما دام اقتنعنا أن الحديث وصل إلى رتبة الحسن، والحسن حجة فهو حجة، والشرع متساو الأقدام يستوي في ذلك العقائد والأحكام والفضائل وغيرها، كما ستأتي الإشارة إليه -إن شاء الله تعالى- في الضعيف.
(كتاب المصابيح للبغوي)
قال: وما يذكره البغوي في كتابه (المصابيح) من أن الصحيح ما أخرجاه أو أحدهما، وأن الحسن ما رواه أبو داود والترمذي وأشباههما: فهو اصطلاح خاص، لا يعرف إلا له، وقد أنكر عليه النووي ذلك، لما في بعضها من الأحاديث المنكرة.
البغوي الإمام حسين بن مسعود البغوي له كتاب اسمه: (المصابيح، مصابيح السنة) مطبوع مشهور متداول وله شروح كثيرة، ورتبه التبريزي في المشكاة وزاد عليه، المقصود أنه كتاب مشهور، لكن البغوي سلك مسلك غريب، فإذا ذكر الباب ذكر من الصحاح، ويقصد بذلك ما خرج في الصحيحين أو في أحدهما، ثم يقول بعد ذلك من الحسان ويقصد بذلك ما رواه أهل السنن، من الصحاح لا إشكال، لكن من الحسان؟ هل هو حكم منه على هذه الأحاديث التي خرجت في السنن بأنها حسان؟ ولو صحت أسانيدها ولو ضعفت أسانيدها؟ وهل لقائلٍ أن يقول: أن كلام البغوي مستدرك ويشاحح في اصطلاحه، أو نقول كما يطلق أهل العلم: لا مشاحة في الاصطلاح؟
والبغوي قسم المصابحا ... إلى الصحاح والحسان جانحا
أن الحسان ما رووه في السنن ... عيب عليه إذ بها غير الحسن
стр. 73
المقصود هل يشاحح البغوي في اصطلاحه، أو نقول: أنه بيّن اصطلاحه في المقدمة وهو يكفي؟ أهل العلم كثيراً ما يقولون: لا مشاحة في الاصطلاح، لكن هذا الكلام لا ينبغي أن يؤخذ على إطلاقه وعلى عواهنه، فهناك من الاصطلاح ما يشاحح فيه، ومن الاصطلاح ما لا مشاحة فيه، لو اصطلح شخص لنفسه أن يسمي والد الزوجة عم، والناس يقولون: خال، نقول: لا أنا بسميه عم، يشاحح في الاصطلاح؟ لا يشاحح، لأنه اصطلاح لا يترتب عليه حكم، لكن لو قال: عمي ويقصد بذلك أخا والده، الناس يسمونه عم، إخواني كلهم يسمونه عم أنا بسميه خال؟ يشاحح في الاصطلاح وإلا ما يشاحح؟ يشاحح، يترتب عليه حكم شرعي، يرث وإلا ما يرث، والمسألة معروفة.
لو قال: أنا أصطلح لنفسي أن أقول: الشرق غرب والغرب شرق، والشمال جنوب والعكس، والسماء تحت والأرض فوق، أنا ببين في المقدمة وهذا اصطلاح، نقول: لا، لكن إذا كان لا يغير هذا الاصطلاح من الواقع شيء، الخارطة بدل ما تكون الشمال فوق اجعل تحت تقلب الخارطة لا بأس، الحكم ما يتغير، ابن حوقل في صورة الأرض يجعل الجنوب هو الذي فوق، وما يتغير شيء من الحكم، لكن ((شرقوا أو غربوا)) في الحديث، تقول: لا أنا الشرق عندي جنوب والجنوب ... نقول: لا، فالاصطلاح الذي يترتب عليه حكم ويخالف هذا الاصطلاح لا بد من مشاحته، فيشاحح البغوي على هذا الاصطلاح ويناقش، فحكمه على أحاديث السنن بأنها حسان مردود عليه، رد عليه إذ بها غير الحسن، بلا شك لأن فيها الصحيح وفيها الضعيف.
يقول: "وما يذكره البغوي في كتابه المصابيح من أن الصحيح ما أخرجاه أو أحدهما، وأن الحسن ما رواه أبو داود والترمذي وما أشبههما، فهو اصطلاح خاص لا يعرف إلا به، وقد أنكر عليه النووي ذلك لما في بعضها من الأحاديث المنكرة " وعرفنا أن الاصطلاح الذي يخالف ما تقرر في علم من العلوم استقر عليه أهل الفن لا بد من المشاحة فيه، واحد نصف الاثنين، يقول، واحد ربع الاثنين يطاع؟ لا، ما يمكن.
стр. 74
وهناك قواعد يطلقها أهل العلم لا بد من تقييدها، مثل هذه القاعدة لا مشاحة في الاصطلاح، ومثل قولهم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، أحياناً يحتاج إلى خصوص السبب عند التعارض، ومثل قولهم: الخلاف شرط، هذه أمور يطلقونها ولا بد من تقييدها، لو تواطأ كثير من الناس على ارتكاب محرم تقول له: الخلاف شر أو ترك واجب تقول له: الخلاف شر، لكن ما يسعه فيه الخلاف نعم الخلاف شر، المقصود أن البغوي يشاحح في اصطلاحه؛ لأنه خالف ما تقرر في هذا العلم.
(صحة الإسناد لا يلزم منها صحة الحديث)
قال: والحكم بالصحة أو الحسن على الإسناد لا يلزم منه الحكم بذلك على المتن، إذ قد يكون شاذاً أو معللاً.
الحكم على السند لا يعني أو لا يلزم منه الحكم على المتن، فإذا حكمنا على إسناد بأنه ضعيف لا يلزم من ذلك ضعف المتن لوروده من طرق أخرى يرتقي بها، كما أننا إذا قلنا: هذا حديث صحيح الإسناد لا يلزم منه صحة المتن، لوجود المخالف مثلاً، المخالف الراجح، بحيث يكون شاذ أو منكر، أو يشتمل المتن على علة، هناك أحاديث جاءت بأسانيد صحيحة، لكنها أحاديث معلة.
والحكم للإسناد بالصحة أو ... بالحسن دون الحكم للمتن رأوا
لكن إن أطلقه من اعتمد قوله، قال الإمام أحمد: صحيح الإسناد، أو قال البخاري: الحديث صحيح الإسناد يقبل لأنه ما يتصور أن الإمام أحمد يصحح الإسناد وفي متنه علة ويسكت، أو البخاري أو إمام معتبر من أهل الحديث.
واقبله إن أطلقه من يعتمد ... ولم يعقبه بضعفٍ منتقد
نعم إذا كان آحاد الباحثين وأفرادهم ممن لا يدرك العلل، بل يحكم على ما بين يديه من الأسانيد لا يلزم منه لا الصحة ولا الضعف، نعم الإسناد الذي بين يديك صحيح، لكن متنه هل جمع جميع الطرق الحديث؟ والباب إذا لم تجمع طرقه لا يتبين خطؤه، حكم على الحديث بأنه ضعيف، قد يرد ويروى من طرق أخرى ينجبر بها فيكون المتن حينئذٍ صحيحاً.
(قول الترمذي حسن صحيح)
قال: وأما قول الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، فمشكل؛ لأن الجمع بينهما في حديث واحد كالمعتذر، فمنهم من قال: ذلك باعتبار إسنادين حسن وصحيح.
قلت: وهذا يرده أنه يقول في بعض الأحاديث: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه،
стр. 75
ومنهم من يقول: هو حسن باعتبار المتن، صحيح باعتبار الإسناد، وفي هذا نظر أيضاً، فإنه يقول ذلك في أحاديث مروية في صفة جهنم، وفي الحدود والقصاص، ونحو ذلك.
والذي يظهر لي: أنه يشرب الحكم بالصحة على الحكم بالحسن كما يشرب الحسن بالصحة، فعلى هذا يكون ما يقول فيه: حسن صحيح، أعلى رتبة عنده من الحسن، ودون الصحيح، ويكون حكمه على الحديث بالصحة المحضة أقوى من حكمه عليه بالصحة مع الحسن، والله أعلم.
هذه المسألة مشكلة بلغت الأقوال فيها إلى بضعة عشر قولاً لأهل العلم، والإشكال باقي؛ لأن الترمذي ﵀ ليست له قاعدة بينة في هذا، ولذا اضطربت أقوال أهل العلم في مراد الترمذي بقوله: "حديث حسن صحيح" والسبب في ذلك أن الحسن قاصر عن الصحيح، والصحيح مرتفع، فكيف يحكم على خبرٍ واحد بأنه قد بلغ درجة من الضبط والإتقان ثم يحكم عليه بما هو أقل من هذه الدرجة؟
لتوضيح الصورة، لو قلت لولدك: نجحت؟ قال: نعم، تقول: وش تقديرك؟ قال: جيد جداً ممتاز، إيش معنى جيد جداً ممتاز؟ اللهم إلا إذا انفكت الجهة، يعني جيد جيداً التقدير العام، وممتاز التقدير الخاص، أما مع اتحاد الجهة فلا يمكن، التمس أجوبة كثيرة عن هذا منهم من يقول: إن كان الحديث مروي بأكثر من طريق فمراد الترمذي بأنه صحيح من طريق وحسن من طريق، فعلى هذا يكون حكمه بأن الحديث حسن صحيح أقوى من قوله: صحيح فقط، وإذا كان الحديث غريباً ليس له إلا طريق واحد فقالوا: أنه صحيح عند قوم، وحسن عند آخرين، وعلى هذا يكون حكمه بأنه حسن صحيح أقل من كونه صحيح فقط.
ومنهم من يقول المراد بحسن صحيح حسن الإسناد صحيح المتن، إلى غير ذلك من الأقوال الكثيرة التي لا يكفي لاستيعابها الوقت.
следующие страницы →