← Акыда

Акыда · id 233

المجموع الثمين في حكم دعاء غير رب العالمين

محمد بن عبد الله المقشي

Полный текст (137 стр.). Показаны 106–137 · переход к 111.

стр. 106

• وقال العلامة محمد سلطان المعصومي الخجندي الحنفي (المتوفى: ١٣٧٩): "يا أيها المسلم العاقل الصحيح الإسلام، تدبّر وتفكر هل ثبت أن أحداً من الصحابة ﵃ نادى النبي ﷺ في حياته أو بعد مماته من بعيد واستغاث به؟ ولم يثبت عن أحد منهم أنه فعل مثل ذلك، بل قد ورد المنع من ذلك كما سأذكره إن شاء الله تعالى ... وها أنا أذكر من نصوص المذهب الحنفي من الكتب المعتبرة والفتاوى المشهورة، ففي شرح القدوري: إن من يدعو غائباً أو ميتاً عند غير القبور، وقال: يا سيدي فلان ادع الله تعالى في حاجتي فلانة، زاعماً أنه يعلم الغيب، ويسمع كلامه في كل زمان ومكان، ويشفع له في كل حين وأوان، فهذا شرك صريح، فإنّ علم الغيب من الصفات المختصة بالله تعالى. وكذا إن قال عند قبر نبي أو صالح: يا سيدي فلان اشف مرضي، واكشف عني كربتي، وغير ذلك، فهو شرك جلي؛ إذ نداء غير الله طالباً بذلك دفع شر أو جلب نفع فيما لا يقدر عليه الغير دعاء، والدعاء عبادة، وعبادة غير الله شرك. وهذا أعم من أن يعتقد فيهم أنهم مؤثرون بالذات، أو أعطاهم الله تعالى التصرفات في تلك الأمور، أو أنهم أبواب الحاجة إلى الله تعالى، وشفعاؤه، ووسائله. وفيه اعتقاد علم الغيب لذلك المدعو، وهو شرك، نسأل الله الحفظ والعصمة عن الشرك والكفر والضلال ... قال العلامة السيد أحمد الطحطاوي في حاشية الدر المختار: "من ظن أن الميت يعلم الغيب أو يتصرف في الأمور دون الله تعالى واعتقد ذلك فقد كفر. واعلم أنّ بيان الأحكام الشرعية مما يجب على العلماء، وليس في ذلك تنقيص الولي، ولو كان حيًا وسئل عن ذلك لأجاب بالحق، وأغضبه نسبة التأثير إليه إلخ". • وقال العلامة مفتي الثقلين خير الدين الرملي الحنفي في فتاويه بعد نقل ما مرّ عن العلامة قاسم الحنفي: "وأنه إن ظن أن الميت يتصرف في الأمور كفر. قال في البحر: والحاصل أن من تكلم بكلمة الكفر عامدًا كفر عند الكل كما في فتاوى قاضيخان" انتهى. قال خاتمة المحققين المولوي عبد الحي اللكنوي في فتاويه في نظم البيان قال الشيخ فخر الدين أبو سعيد عثمان بن سليمان الجياني الحنفي ناقلاً عن الفتاوى البزازية وغيرها من كتب الفتاوى: من قال: إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر ... " (١).

стр. 107

وقال أيضًا بعد أن ضرب عدة أمثلة للاستغاثات التي يأتي بها بعض الناس: "اعلموا أيها المسلمون، يا أيها الحنفيون، هداني الله وإياكم، أنَّ هذه الكلمات كلُّها شرك وكفر وضلال في الدين الإسلامي، والشرع المحمدي، والمذهب الحنفي، بل والمذاهب الأربعة إجماعًا، وقائلها مشرك لا تصحّ صلاته، ولا صيامه، ولا حجّه، ولا إمامته، إلَاّ إذا تاب وآمن وأعلن توبته كما أشهر شركه. ولا شك أن كون تلك الكلمات شركًا وكفرًا وضلالاً ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأئمة من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين، كما هو مصرّح به في الكتب الحنفية المعتبرة كافة، وكذا معتبرات مذهب الشافعية والمالكية والحنابلة. لا شك أنّ نداء الميت سواء كان قريبًا أو بعيدًا ولو نبيًا يستلزم اعتقاد سماع الميت نداء المنادي وخصوصًا البعيد النائي. وطلب الإمداد منه يستلزم اعتقاد أنه يعلم الغيب، وأنه يقدر على التصرف، والدفع والمنع، وخصوصًا إذا كرّر وأكّد النداء والطلب، فإنه لا يبقى للتأويل محل. وذلك كفر صريح وشرك قبيح. والمتصرف والقادر على كل شيء وعالم الغيب هو الله تعالى وحده لا شريك له، والله هو الرب وحده، وأما سائر المخلوقات إنسيًا وجنيًا ووليًا ونبيًا فكلهم مخلوق ومربوب ومحتاج إلى تربية الرب الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، فإياه نعبد وإياه نستعين، فالاستعانة من الأموات وأهل القبور والأرواح - أيًا كان المستعان به ولو نبيًا- من شعائر المشركين من المجوس والبراهمة والبوذيين والصابئة والمنجمين" (١). وقال أيضًا: "والمسلم لا يطلب حاجته من غير الله، فإن من طلب حاجته من ميت أو غائب فقد فارق الإسلام، وممن صرّح بهذه المسألة من علمائنا الحنفية صاحب الفتاوى البزازية، والعلامة صنع الله الحلبي المكي، وصاحب البحر الرائق، وصاحب الدر المختار، وصاحب ردّ المحتار، والعلامة قاسم بن قطلوبغا، والعلامة بير علي البركوي صاحب الطريقة المحمدية، وأبو سعيد الخادمي، ومولوي عبد الحي اللكنوي في فتاويه كما أسلفته، وغيرهم من المحققين يرحمهم الله تعالى أجمعين وجعلنا من زمرتهم آمين. وكذا ممن صرّح به من علمائنا الحنفية العلامة السيد أحمد الطحطاوي في حاشيته على الدر المختار، ومنهم العلامة أحمد الرومي الأقحصاري فإنه صرّح في رسالة القبور كما في المفيد ...

стр. 108

وقال ابن الرومي في شرح المختار: قد قرّر الشيطان في عقول الجهال: أن الإقسام على الله بالولي، والدعاء به أبلغ في تعظيمه، وأنجح لقضاء حوائجه، فأوقعهم بذلك في الشرك. وبالجملة فإن المحققين من علماء الحنفية سلفًا وخلفًا متفقون على هذه المسألة كما بيّنت نبذة منها" (١). وقال أيضًا بعد أن ذكر أنّ مَن دعا غير الله من الأموات وطلب الحوائج منه، واعتقد أنه يعلم الغيب فقد كفر: "وقد اتفق جميع أهل العلم في هذا التكفير، ولا أعلم أحدًا من أهل السنة والجماعة على خلافه" (٢). • وقال العلامة علوي بن طاهر الحداد (المتوفى: ١٣٨٢): "وأما الغلو في الأولياء فسببه الجهل وقلة المعرفة بعقائد الدين، وقد ينتهي ببعض الناس إلى أن يُثبت لهم القدرة على الضر والنفع كما يثبت لله ، وهذا انتكاس على أمّ الرأس وفقد لحقيقة الإيمان والإسلام. قال الإمام العارف بالله محيي الطريق وداعي الفريق الحبيب عبدالله بن علوي الحداد العلوي: التصرف الحقيقي الذي هو التأثير والخلق والإيجاد لله تعالى وحده لا شريك له، ولا تأثير للولي ولا غيره في شيء قط لا حياً ولا ميتاً، فمن اعتقد أن للولي أو غيره تأثيراً في شيء فهو كافر بالله تعالى. انتهى" (٣).

стр. 109

• وقال العلامة المحدث ذهبيُّ العصر عبد الرحمن المعلمي (المتوفى: ١٣٨٦): "ومن الأعمال التي عدّها القرآن شركًا دعاء غير الله " (١). وقال أيضًا: "قال الله ﵎: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، فكلمة "إنّ" في مثل هذا تفيد التعليل على ما صرّحبه أهل الأصول وغيرهم، وذلك يقتض أن الدعاء عبادة، كأنه قال: ادعوني، فإن الدعاء عبادة، ومن استكبر عن عبادتي سيدخل جهنم. وقد أخرج الإمام أحمد والترمذي وأبو داود وغيرهم عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قال: «إن الدعاء هو العبادة» ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ... وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَاّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلَاّ شَيْطَاناً مَّرِيداً﴾ فجعل الدعاء شركًا، والشرك عبادة غير الله " (٢). وقال أيضًا: "لقائل أن يقول: قد علمنا أنّ السؤال من الله تعالى والرغبة إليه يسمى دعاء وأنه عبادة، وأنّ القرآن قد أثبت أنّ المشركين يدعون آلهتهم من دون الله، وثبت أنّ دعاءهم آلهتهم هو السؤال منها والرغبة إليها، وإن ذلك عبادة لها وشرك بالله ، ولكن ما هو السؤال الذي إذا وقع لغير الله كان دعاء وعبادة للمسؤول وشركًا بالله تعالى؟ فالجواب: أمر الله عباده أن يدعوه في صلاتهم قائلين ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ولا نزاع أن المعنى: نعبدك وحدك لا نعبد غيرك، ونستعينك وحدك لا نستعين غيرك، والاستعانة هنا عامة ... «وإذا استعنت فاستعن بالله» ... وقد نظرت في وجوه السؤال فوجدته على أقسام: القسم الأول: ما هو من باب سؤال الإنسان حقًا له عند المسؤول، كأن يكون لك دين عند إنسان فتطلبه منه. الثاني: ما جرت به العادة بالتسامح به على نية المكافأة، كقول التلميذ لزميله ناولني الكتاب. الثالث: سؤال الإنسان ما ليس بحق له، ولا جرت العادة بالتسامح به على نية المكافأة، وذلك كقول من يجد الكفاف من العيش لغني لا حق له عليه: أعطني دينارا. ومن هذا القسم سؤال الإنسان من ربه تعالى، لأنه لا حق له على ربه تعالى.

стр. 110

فأما الأول فلا يسمى استعانة، ولا يلزمه التذلل والخضوع. وأما الثاني فإنه وإن سمى استعانة، لكن لا يلزمه التذلل والخضوع إلا أنّ فيه رائحة مّا من ذلك. وأما الثالث فهو الذي يلزمه التذلل والخضوع. وقد يكون السؤال من القسم الأول ولكنه يصحبه تذلل مّا فيما يظهر، وذلك كسؤال الناس أنبيائهم عن أمور دينهم، وكذلك سؤال العامة علماءهم عن أمور الدين، وكذلك سؤال المحتاج العاجز حاجته من الغني" (١). ثم قال: "ومن القسم الثالث: سؤال العبد من ربه ، وهو المسمى دعاء، ومنه كما صرح به القرآن سؤال الملائكة، وسماه القرآن دعاء. وقد تأملنا الفرق بينه وبين سؤال الناس بعضهم بعضًا، فوجدنا الفرق أن السؤال من الملائكة فيه تذلل لهم وتعظيم يتدين به، أي: يطلب به نفع غيبي. وقد قدمنا أن كل ما كان كذلك فهو عبادة، فإن لم ينزل الله تعالى سلطانا بالأمر أو الإذن به فهو عبادة لغيره. وأما سؤال الناس بعضهم من بعض ما جرت العادة بقدرتهم عليه فمنه ما تذلل فيه، ومنه ما كان فيه تذلل ولكن لا يطلب به نفع غيبي" (٢). وقال أيضًا: "والحاصل أن الخطاب فيه [أي: في قولنا في التشهد: السلام عليك أيها النبي] ليس على بابه، وإنما هو على التنزيل، أي تنزيل الغائب منزلة الحاضر للدلالة على استحضاره في الذهن، كأن ذلك تنبيه للمصلي على تحري متابعة النبي ﵌ في أقواله وأفعاله، وهذا التحري يحمل على استحضار النبي ﵌ في الذهن حتى كأنه حاضر يرشد إلى أعمال الصلاة والمصلي يتابعه. وقد كان الصحابة يقولون ذلك في حياته ﵌ سرًا بحضرته أو غائبين عنه، وإنما عدل عنه من عدل بعد وفاته ﵌ لئلا يظن الجهال أنه خطاب حقيقي ...

стр. 111

ورأى الآخرون أنّ توهم الجهال كونه خطابًا حقيقيًا بعيد؛ لأن القرائن العقلية والعادية والشرعية الصارفة عن الحقيقة واضحة، والناس يقولون إلى الآن: "رحمك الله يا فلان"، ويكون فلان قد مات منذ زمان ودفن بعيدًا عن القائل بمراحل، والقائل لا يشك أن فلانًا لا يسمعه، وإنما أراد رحم الله فلانًا، وذكر الله فلانًا بخير، ولكنه أتى بلفظ الخطاب دلالة على شدة استحضاره فلاناً في ذهنه، والقرينة الدالة على أن الخطاب هنا مجاز هي ما عرفه الناس من العادة أنّ الغائب والميت لا يسمع، وذكْرُ الميت بلفظ الخطاب لا تكاد تخلو منه مرثية من مراثي العرب ... بل كثيرًا ما يخاطبون الجمادات والمعاني، وفي الحديث: «يا أرض ربي وربك الله»، وفيه قوله ﵌ لمكة: «والله إنكِ لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله ... » الحديث. وقوله لها: «ما أطيبك من بلد»، وقول عمر للحجر الأسود: «إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ... » الحديث. ومثل هذا لم يكن يشتبه على أحد في القرون الأولى، ولكن حال الحال وترأس الجهال. وإلى الله المشتكى" (١). وقال أيضًا: "وقوله [أي: الأعمى] يا محمد، إن كان خطابًا للنبي ﵌ بحضرته فلا حجة فيه للمخالف. وإن كان علّمه أن يقول ذلك بعيدًا عنه أي بحيث لا يسمعه عادة، فسياق الدعاء ظاهر في أنه لا يراد من ذلك إسماع النبي ﵌، ولا حقيقة الخطاب، وإنما هو من المجاز الذي تقدم ذكره. ومن القرينة على ذلك أنه لم يقع في متن الدعاء طلب شيء من النبي ﵌، فكأن أصل المعنى: اللهم إني أتوجه إليك بمحمد في حاجتي. وإنما عدل إلى الخطاب إشارة إلى أنه ينبغي للداعي بهذا الدعاء أن يكون مستحضرًا لفضيلة النبي ﵌، وكرامته على ربه حق، كأنه حاضر أمامه. وعلى هذا المجاز يحمل ما يروى أن عثمان بن حنيف علّم رجلاً هذا الدعاء في خلافة عثمان، وما يروى من دعاء بعض التابعين بنحوه. وعلى كل حال فليس في الدعاء سؤال شيء من النبي ﵌، وإنما السؤال من الله تعالى. وأما ما فيه من التوسل أي: سؤال الله بنبيه ﵌ فتلك مسألة أخرى ليس فيها سؤال من غير الله . ومن منع هذا التوسل لم يقل إنه عبادة لغير الله تعالى، ولا شرك، وغايته أن يقول هو حرام. وممن منع هذا التوسل سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام الشافعي إلا أنه استثنى النبي ﵌ معلقًا ذلك بصحة الحديث.

стр. 112

وقد التزم بعض العلماء صحة الحديث على أنه توسل بدعاء النبي ﵌ لا بذاته ... " (١). وقال أيضًا: "وأما السؤال من الإنسان الحي الحاضر فإن كان لما جرت العادة بقدرته عليه فليس دعاء، وإن كان لما لم تجر العادة بقدرته عليه فذلك دعاء؛ لأنه حينئذ سؤال لنفع غيبي" (٢). وقال أيضًا: "وهكذا اتفق أهل العلم على أنّ ما أُحدث في الدين وليس منه فهو بدعة، وأنّ إنكار السنة الثابتة بطريق ظني ضلال. ثم اختلف الصحابة فمن بعدهم في أشياء لا تحصى، فقال بعضهم: هي من الدين. وقال بعضهم: ليست منه. ومع ذلك لم يحكم أحد منهم على مخالفة بأنه مبتدع أو ضال، وما ذلك إلا لأنّ كلاً منهم يرى مخالفه معذور. فهكذا نقول في مسألة الدعاء وأمثالها، فنحن وإن قلنا في صورة من صور السؤال ونحوها: إن هذا دعاء لغير الله تعالى، وعبادة وشرك، فليس مقصودنا أنّ كل من فعل ذلك يكون مشركًا، وإنما يكون شركًا من فعل ذلك غير معذور، فأما من فعلها معذورًا فلعله يكون من خيار عباد الله تعالى وأفضلهم وأتقاهم، ولعله يكون مأجورًا على ذلك الفعل نفسه. وقد وقع الناس في هذا الباب على طرفي نقيض، فمنهم من يأخذ قول بعض الأمة وصالحيها كأنه وحي منزل، ويرجع قوله إلى دعوى أن ذلك العالم أو الصالح معصوم كعصمة الأنبياء أو أعظم، فلا يهون عليه أن يسمع قائلاً يقول: لعل هذا العالم أو الصالح أخطأ، وإذا حدثته نفسه بأن ذلك العالم أو الصالح أخطأ رأيته يتعوذ بالله تعالى، ويجتهد في طرد ذلك الخاطر عن نفسه. ومنهم من إذا ظهر له في شيء من الأعمال أنه شرك، أو لم يظهر له ذلك ولكنه سمع شيخه يقول ذلك بادر إلى الحكم على كل مَن فعل ذلك من السلف والخلف بأنهم مشركون، لا فرق بينهم وبين عباد الأوثان. والحق التوسط بين هذين، وأعيذك بالله أن يحملك هذا الكلام على التهاون بمسألة التوحيد فتهجم على شيء من الأعمال التي قد قيل إنها شرك، قائلاً: إن كان في نفس الأمر شركًا فأنا معذور؛ فإن الخطر عظيم، ولعل عذرك لا يكون من القوة بحيث يقبله الله منك، فانظر لنفسك، فإن شككت في شيء فدعه، فلعل الله يقول لك: لِم صنعت كذا وكذا وقد قيل لك إنه شرك، وليس عندك يقين بأنه ليس بشرك، وأنت تعلم أنك لو تركته لما كان عليك إثم ولا حرج" (٣).

стр. 113

وقال أيضًا: "أما مشركوا العرب فإنهم قلّدوا غيرهم من الأمم في الشرك العملي فقط كما تقدم في الآيات، إلا أنهم كانوا عندما يُسألون عن ذلك يتشبثون بالشفاعة فقط، مع تردّد فيها (١)، ولما حاجّهم القرآن لم يبق بأيديهم إلا الشغب حتى أنقذهم الله . وبالجملة فكان شركهم يكاد يكون عملياً فقط. وإذا تأملنا ما وقع فيه عامة المسلمين في القرون المتأخرة وجدناه أشد جداً مما كان عليه مشركو العرب. فإنا لله وإنا إليه راجعون" (٢). • وقال العلامة أمين محمود خطاب السبكي (المتوفى: ١٣٨٧): "ومما تقدم تعلم أن التوسل المشروع بالاتفاق هو التوسل بالعمل الصالح، وبالغير على أنه شفيع وسائل لا مسؤول، بل المسؤول والمقصود هو الله تعالى، لأنه هو النافع الضار المعطي المانع الفعال لما يريد. وأما ما يقع من العوام وأشباههم مخالفاً لذلك، فغير مشروع. ترى أحدهم إذا نزل به أمر خطير، ترك دعاء الله تعالى ودعا غيره، فينادي بعض الأولياء كالشافعي والبدوي والدسوقي والسيدة زينب والرفاعي والبيومي، معتقداً أنهم أرباب التصريف ولا يخطر له على بال دعاء الواحد القدير، الفعال لما يريد، ناسياً قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» أخرجه أحمد والترمذي عن ابن عباس ... وما نشا هذا إلا من الجهل وعمي البصائر. نسأل الله السلامة والوقاية" (٣). • وقال العلامة أحمد بن محمد بن عوض العبَّادي (المتوفى: ١٣٨٨): ومن يقل غير الإله يملك ... ضرًا ونفعًا فهو أيضًا مشرك ومن ينادِ ميتًا أو غائبًا ... ويرتجيه راغبًا وراهبًا في دفع ضرٍ أو حصول نفع ... فذاك شرك عند أهل الشرع كمن ينادي مستغيثًا بأحد ... أو مستعينًا أو رجى منه الولد إذ ذاك في العادة ليس يقدرُ ... عليه إلا الواحد المقتدرُ وكل ما استحال في العادات ... كطلب الأحياء من الأموات فلم يجز لمسلم أن يفعله ... وأنكر الشرعُ على مَن فعله (٤)

стр. 114

• وقال العلامة محمد بن عمر العماري (المتوفى:١٣٩١): "اعلم أنّ حال الشخص الذي يدعو غير الله جهارًا، ويطلب العون والمدد من الموتى كما ذكر السائل: حال المشركين في عصر التنزيل والعهد النبوي. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَاّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَاّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَاّ فِي ضَلَالٍ﴾. وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي يقولون: ما نعبدهم وندعوهم إلا ليصلونا بالله، ويدنونا منه بشفاعتهم لنا، لقربهم منه، وجاههم عنده، لا نريد أكثر من ذلك. فاستعرض أيها العاقل هذه الآيات التي تكشف حال المشركين في عصر النبوة على حال الشخص المذكور في السؤال ومن ضاهاه، ووازن بينهم، فتجدهم قد تأسّوا بهم، فإن القرآن كلام الله الذي قد أحاط بكل شيء علمًا، يعمّ في خطابه الموجودين وقت نزوله، ومن سيوجد بعد، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها" (١). وقال أيضًا: "فإن قال الشخص المذكور: ليس حالنا كحال المشركين؛ لأن المشركين يدعون أصنامهم وهي حجارة، ونحن إنما ندعو صالحين؟ أجيب عنه بأن المشركين كذلك إنما يدعون صالحين، وإنما الأصنام مصوّرة بصورهم لتكون رمزًا لهم؛ فإنه ﷺ لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت حتى تخرج الصور فأُخرجت، ومن تلك الصور صورة إبراهيم وصورة مريم. فإن قال: نحن نصلي ونصوم ونحج ونتصدق ونفعل خيرات كثيرة لله تعالى، أما المشركون فلا يعملون شيئا من ذلك لله تعالى؟

стр. 115

أجيب عنه بأن الشخص المذكور جاهل بحالهم، قال سيدنا عمر بن الخطاب ﵁: «إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية»، لأن من لا يعرف الشرك وما عابه القرآن وذمّه وقع فيه وأقره وهو لا يعرف أن عليه عمل الجاهلية، كما وقع للشخص المذكور وأمثاله، وحينئذ تنقض عرى الإسلام، ويعود المنكر معروفًا والمعروف منكرا، والبدعة سنة والسنة بدعة، ويكفَّر بمحض التوحيد، ويبدَّع بتجريد متابعة الرسول ﷺ ومفارقة الأهواء والبدع. ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانًا، فإن المشركين قبل مجيء صاحب الرسالة ﷺ كانوا يصومون ويتصدقون ويحجون ويعتمرون ويطوفون بالكعبة ويدعون ويتضرعون وينذرون وكانوا يعملون بعض هذه العبادات لله وبعضها لأوليائهم، وهم يعلنون أن صرف بعض هذه العبادات لأوليائهم مما أمرهم الله به، ويزيدهم من الله قربى، وينالون بها شفاعتهم عند الله كما أخبر الله في الكتاب عن حالهم، فأرسل الله محمدًا ﷺ ينهاهم عنها، ويأمرهم بعبادة الله وحده، وترك الالتجاء إلى الأولياء والصالحين ودعائهم، وترك ما كان عليه أسلافهم من الوثنية" (١). وقال أيضًا: "فالآيات التي تُليت عليك وغيرها تنص على أنه لا تجوز عقلاً ولا شرعًا العبادة ومنها - الدعاء - إلا الله الواحد الأحد، المولي لأعظم النعم، من الحياة والوجود وتوابعهما، وأنه إن أراد لك الخير فلا رادّ له، وإن يمسك بضر فلا كاشف له سواه. فلا يسوغ لمن عنده مسكة من العقل أن يخضع لغيره، ولا أن يدعو سواه ، كيف وهو إن فعل دلّ على أنه لا عقل له، وذلك بخضوعه لمن لا يستطيع جلب خير له، ولا دفعه عنه، ولا كشف ضرٍ نزل به، ولا إنزاله به، وهذا شيء ظاهر حتى للعقول الضعيفة التي لا تدرك إلا واضح الأشياء. أفلا يتدبر الشخص الداعي لغير الله، ومن لفّ لفه، فاتحة الكتاب حين يتلو آية ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فإنّ معناها: نخصك يا ربنا وحدك بالعبادة والاستعانة، فلا نعبد غيرك، ولا نستعين بسواك، فالعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة. والاستعانة: هي الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار، مع الثقة به في حصول ذلك. فاجتثت بذلك جذور الشرك والوثنية التي كانت فاشية في الأمم، وهي اتخاذ أولياء من دون الله يُعتقد لهم السلطة الغيبية، ويُدعون لذلك من دون الله، ويستغاث بهم على قضاء الحوائج في الدنيا، ويُتقرب بهم إلى الله زلفى، وجميع ما في القرآن من آيات التوحيد ومقارعة المشركين هو لتفصيل هذا الإجمال.

стр. 116

ومن هنا تعلم أن الذين يستعينون بأصحاب الأضرحة والقبور على قضاء حوائجهم وتيسير أمورهم وشفاء أمراضهم ونماء أموالهم وهلاك أعدائهم عن صراط التوحيد ناكبون، وعن الاهتداء بآيات المثاني معرضون، لأن الاستعانة بما وراء الأسباب الممنوحة للبشر إنما تكون لخالقهم، وهو على كل شيء قدير، كالاستعانة على شفاء المرض بما وراء الدواء، وعلى غلبة العدو بما وراء العدد والعُدّة، فإذا توجه بها إلى غير الله كان نوعًا من أنواع العبادة الوثنية ... وللعبادة صور كثيرة شُرعت لتذكير الإنسان بها، والشعور بالسلطان الإلهي الأعلى الذي هو روح العبادة وسرها، ولكل عبادة صحيحة أثر في تقويم أخلاق القائم بها وتهذيب نفسه، والأثر إنما يكون عن الروح والشعور الذي هو منشأ التعظيم والخضوع" (١). • وقال الشيخ محمد بن سالم البيحاني (المتوفى: ١٣٩١): "ومن ذبح أو حلق أو قصر، أو نذر أو ركع، أو سجد لغير الله، أو حلف بمخلوق يعظمه، أو سأل حاجاته من الميت، كأن يطلب منه الولد، أو دعاه أو ناداه، أو استغاث أو استعان به في أمر لا يقدر عليه فقد أشرك، وجعل لله نداً ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً﴾. والشرك خفي وجلي، ... ومن الجلي ما يقع عند قبور الأنبياء والصالحين من جهلة المسلمين المتأصلة فيهم الجاهلية الأولى من عبادة الأوثان والطواف بالقبور، ودعوة أصحابها في المهمات، والعكوف عليها، والتمسك بها لطلب البركات. وقد أُوذي في الله أقوام بسبب إنكارهم لأعمال يزعم أصحابها أنها من الدين، وتعظيم شعائر الله، وهي مخالفة لأمر رسول الله ﷺ بعبادة الله وحده، وقال المشركون وأصحاب المصالح المستفادة من النذور وما يُهدى إلى القبور، كما قال أصحاب نوح ﵇ ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً﴾ " (٢). وقال أيضًا: "ومن الشرك تعظيم القبور الذي فتن به المسلمون في مختلف الجهات، حتى بنوا عليها القباب، واتخذوا لها الأقفاص والتوابيت، وطافوا بها، وحجوا إليها، ونذروا لأصحابها بجزء معلوم من أولادهم، وأقاموا لها الحفلات والمواسم، وجاءوا إليها متوسلين ومستغيثين، هذا يطلب منهم الولد، وثانٍ يطلب منهم شفاء المريض، وثالث يريد منهم النصرة على الأعداء، وأن ينصفوا له من فلان الظالم، ونسبوا إليهم من الكرامات ما لا يصح أن يكون معجزة لنبي مرسل، وكتبوا عنهم الشطح، والكلام الذي لا يصدر إلا من ملحد في دين الله، أو مدّع أنه شريك لله.

стр. 117

وذكرت من سوء أفعالهم، وقبيح أقوالهم في كتابي الصارم القرآني شيئا كثيرًا، ومن دعا غير الله أو ناداه في مهماته، أو طلب منه ما لا يقدر عليه إلا صاحب القدرة المطلقة فقد أشرك، وكذلك من ركع أو سجد، أو ذبح أو نذر، أو حلق لغير الله، أو حلف بأي مخلوق ولو نبيًا أو ملكًا ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ " (١). وقال أيضًا: "إذا زرتَ قبرًا من قبور الصالحين رأيتَ الناس حوله باكين خاشعين متضرعين، يعرضون عليه حاجاتهم كما يعرضونها على الله، ويخاطبون صاحب الضريح بكلمات يخجل منها وجه الإسلام، ويبكي لها كل من اعتقد أن لا وثنية في الإسلام" (٢). • وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي (المتوفى: ١٣٩٣): "التحقيق في معنى الوسيلة هو ما ذهب إليه عامة العلماء من أنها التقرب إلى الله تعالى بالإخلاص له في العبادة، على وفق ما جاء به الرسول ﷺ ، وتفسير ابن عباس داخل في هذا؛ لأنّ دعاء الله والابتهال إليه في طلب الحوائج من أعظم أنواع عبادته التي هي الوسيلة إلى نيل رضاه ورحمته. وبهذا التحقيق تعلم أنّ ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهال المدعين للتصوف من أنّ المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه، أنه تخبط في الجهل والعمى وضلال مبين وتلاعب بكتاب الله تعالى. واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار، كما صرح به تعالى في قوله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رضى الله وجنته ورحمته هي اتباع رسوله ﷺ ، ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل" (٣). وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَا إِيَّاهُ﴾: "لا يخفى على الناظر في هذه الآية الكريمة أن الله ذم الكفار وعاتبهم بأنهم في وقت الشدائد والأهوال خاصة يخلصون العبادة له وحده، ولا يصرفون شيئاً من حقه لمخلوق، وفي وقت الأمن والعافية يشركون به غيره في حقوقه الواجبة له وحده، التي هي عبادته وحده في جميع أنواع العبادة. ويُعلم من ذلك أن بعض جهلة المتسمين باسم الإسلام أسوأ حالاً من عبدة الأوثان، فإنهم إذا دهمتهم الشدائد، وغشيتهم الأهوال والكروب التجؤوا إلى غير الله ممن يعتقدون فيه الصلاح. في الوقت الذي يخلص فيه الكفار العبادة لله، مع أن الله جل وعلا أوضح في غير موضع أن إجابة المضطر، وإنجاءه من الكرب من حقوقه التي لا يشاركه فيها غيره" (٤).

стр. 118

وقال أيضًا: "اعلم أنه يجب على كل إنسان أن يميز بين حقوق الله تعالى التي هي من خصائص ربوبيته، التي لا يجوز صرفها لغيره، وبين حقوق خلقه كحق النبي ﷺ ، ليضع كل شيء في موضعه، على ضوء ما جاء به النبي ﷺ في هذا القرآن العظيم والسنة الصحيحة. وإذا عرفت ذلك فاعلم أن من الحقوق الخاصة بالله التي هي من خصائص ربوبيته التجاء عبده إليه إذا دهمته الكروب التي لا يقدر على كشفها إلا الله. فالتجاء المضطر الذي أحاطت به الكروب ودهمته الدواهي لا يجوز إلا لله وحده، لأنه من خصائص الربوبية، فصرْفُ ذلك الحق لله وإخلاصه له هو عين طاعة الله ومرضاته، وطاعة رسوله ﷺ ومرضاته، وهو عين التوقير والتعظيم للنبي ﷺ ؛ لأن أعظم أنواع توقيره وتعظيمه هو اتباعه والاقتداء به في إخلاص التوحيد والعبادة له وحده جل وعلا. وقد بين جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه أن التجاء المضطر من عباده إليه وحده في أوقات الشدة والكرب من خصائص ربوبيته تعالى من أصرح ذلك الآيات التي في سورة النمل أعني قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ... ثم قال تعالى وهو محل الشاهد: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾. فهذه المذكورات التي هي إجابة المضطر إذا دعاه، وكشف السوء، وجعل الناس خلفاء في الأرض من خصائص ربوبيته جل وعلا، ولذا قال بعدها: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾. فتأمل قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ مع قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ تعلم أن إجابة المضطرين إذا التجؤوا ودعوا، وكشف السوء عن المكروبين، لا فرق - في كونه من خصائص الربوبية- بينه وبين خلق السماوات والأرض، وإنزال الماء وإنبات النبات، ونصب الجبال وإجراء الأنهار، لأنه جل وعلا ذكر الجميع بنسق واحد في سياق واحد، وأتبع جميعه بقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾. فمن صرف شيئا من ذلك لغير الله توجه إليه الإنكار السماوي الذي هو في ضمن قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ فلا فرق البتة بين تلك المذكورات في كونها كلها من خصائص الربوبية" (١).

стр. 119

وقال أيضًا: "وكون إجابة المضطرين وكشف السوء عن المكروبين من خصائص الربوبية كما أوضحه تعالى في هذه الآيات من سورة النمل، جاء موضحا في آيات أخر، كقوله تعالى مخاطبا نبيه ﷺ : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾. فعلينا معاشر المسلمين أن نتأمل هذه الآيات القرآنية ونعتقد ما تضمنته ونعمل به لنكون بذلك مطيعين لله تعالى ولرسوله ﷺ ، معظمين لله ولرسوله، لأن أعظم أنواع تعظيم رسول الله ﷺ ، هو اتباعه والاقتداء به، في إخلاص العبادة لله جل وعلا وحده. فإخلاص العبادة له جل وعلا وحده، هو الذي كان يفعله ﷺ ويأمر به وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي, فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾. واعلم أن الكفار في زمن النبي ﷺ كانوا يعلمون علمًا يقينًا أن ما ذُكر من إجابة المضطر وكشف السوء عن المكروب، من خصائص الربوبية، وكانوا إذا دهمتهم الكروب، كإحاطة الأمواج بهم في البحر، في وقت العواصف يخلصون الدعاء لله وحده، لعلمهم أن كشف ذلك من خصائصه فإذا أنجاهم من الكرب رجعوا إلى الإشراك، وقد بين الله جل وعلا هذا في آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ, فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ... وقد قدمنا هناك [أي: في سرة الإسراء] أن بعض المتسمين باسم الإسلام أسوأ حالا من هؤلاء الكفار المذكورين لأنهم في وقت الشدائد يلجؤون لغير الله طالبين منه ما يطلب المؤمنون من الله. وبما ذكر تعلم أن ما انتشر في أقطار الدنيا من الالتجاء في أوقات الكروب والشدائد إلى غير الله جل وعلا كما يفعلون ذلك قرب قبر النبي ﷺ وعند قبور من يعتقدون فيهم الصلاح، زاعمين أن ذلك من دين الله ومحبة الرسول ﷺ وتعظيمه، ومحبة الصالحين، كله من أعظم الباطل، وهو انتهاك لحرمات الله وحرمات رسوله؛ لأن صرف الحقوق الخاصة بالخالق التي هي من خصائص ربوبيته إلى النبي ﷺ أو غيره ممن يعتقد فيهم الصلاح مستوجب سخط الله وسخط النبي ﷺ وسخط كل متبع له بالحق.

стр. 120

ومعلوم أنه صلوات الله وسلامه عليه لم يأمر بذلك هو ولا أحد من أصحابه، وهو ممنوع في شريعة كل نبي من الأنبياء، والله جل وعلا يقول: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ, وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، بل الذي كان يأمر به ﷺ هو ما يأمره الله بالأمر به في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. واعلم أنّ كل عاقل إذا رأى رجلاً متدينًا في زعمه مدعيًا حب النبي ﷺ وتعظيمه، وهو يعظم النبي ﷺ ويمدحه بأنه هو الذي خلق السماوات والأرض، وأنزل الماء من السماء وأنبت به الحدائق ذات البهجة، وأنه ﷺ هو الذي جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا، وجعل لها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزا إلى آخر ما تضمنته الآيات المتقدمة، فإن ذلك العاقل لا يشك في أن ذلك المادح المعظم في زعمه من أعداء الله ورسوله المتعدين لحدود الله. وقد علمت من الآيات المحكمات أنه لا فرق بين ذلك وبين إجابة المضطرين وكشف السوء عن المكروبين. فعلينا معاشر المسلمين أن ننتبه من نومة الجهل، وأن نعظم ربنا بامتثال أمره واجتناب نهيه، وإخلاص العبادة له، وتعظيم نبينا ﷺ باتباعه والاقتداء به في تعظيم الله والإخلاص له، والاقتداء به في كل ما جاء به، وألا نخالفه ﷺ ولا نعصيه، وألا نفعل شيئًا يشعر بعدم التعظيم والاحترام، كرفع الأصوات قرب قبره ﷺ ، وقصدنا النصيحة والشفقة لإخواننا المسلمين ليعملوا بكتاب الله، ويعظموا نبيه ﷺ تعظيم الموافق لما جاء به ﷺ ويتركوا ما يسميه الجهلة محبة وتعظيما وهو في الحقيقة احتقار وازدراء وانتهاك لحرمات الله ورسوله ﷺ : ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً, وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾. واعلم أيضا رحمك الله: أنه لا فرق بين ما ذكرنا من إجابة المضطر وكشف السوء عن المكروب، وبين تحصيل المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله، كالحصول على الأولاد والأموال وسائر أنواع الخير. فإن التجاء العبد إلى ربه في ذلك أيضا من خصائص ربوبيته جل وعلا كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ , وقال تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ , وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وفي الحديث: «إذا سألت فاسأل الله».

стр. 121

وقد أثنى الله جل وعلا على نبيه ﷺ وأصحابه بالتجائهم إليه وقت الكرب يوم بدر في قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ , فنبينا ﷺ كان هو وأصحابه إذا أصابهم أمر أو كرب التجؤوا إلى الله وأخلصوا له الدعاء. فعلينا أن نتبع ولا نبتدع" (١). • وقال العلامة حسن مأمون مفتي الديار المصرية (المتوفى: ١٣٩٣): "أصل الدعوة الإسلامية يقوم على التوحيد، والإسلام يحارب جاهداً كل ما يقرب الإنسان من مزالق الشرك بالله، ولا شك أن التوسل بالأضرحة والموتى أحد هذه المزالق، وهي رواسب جاهلية، فلو نظرنا إلى ما قاله المشركون عندما نعي عليهم الرسول ﷺ عبادتهم للأصنام قالوا له: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ فهي نفس التي يسوقها اليوم الداعون للتوسل بالأولياء لقضاء حاجة عند الله أو التقرب منه. ومن مظاهر هذه الزيارات أفعال تتنافى مع عبادات إسلامية ثابتة، فالطواف في الإسلام والتقبيل في الإسلام لم يسن إلا للحجر الأسود، وحتى الحجر الأسود قال فيه عمر وهو يقبّله: «والله لولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما فعلت»، فتقبيل الأعتاب أو نحاس الضريح أو أي مكان به حرام قطعاً. وتأتي بعد ذلك الشفاعة وهذه هي في الآخرة ... غير أن الله قد حدد طريق الشفاعة في الآخرة، فهذه الشفاعة لن تكون إلا لمن يرتضي الله أن يشفعوا، ولأشخاص يستحقون هذه الشفاعة، وهؤلاء أيضاً يحددهم إذن فكل هذا متعلق بإذن الله وحكمه، فإذا نحن سبقنا هذا الحكم بطلب الشفاعة من أي كان، فإن هذا عبث لأننا نستطيع أن نعرف من سيأذن الله لهم بالشفاعة ومن يشفع لهم. وعلى ذلك يتضح أنّ كل زيارة للأضرحة - غير الشرعية - والطواف حولها وتقبيل المقصورة والأعتاب والتوسل بالأولياء وطلب الشفاعة منهم كل هذا حرام قطعاً ومناف للشريعة، أو فيه إشراك بالله" (٢). • وقال العلامة محمد كنون المذكوري مفتي رابطة علماء المغرب (المتوفى: ١٣٩٨) في جوابه عن حكم الاستسقاء كل عام في موعد محدد عند ضريح ولي مع حفلة يسمونها الصدقة: "فقيسوا أعمالكم يا من يقيمون الحفلات عند قبور الأموات التي تذكّر الآخرة لا أفراح الدنيا، على أعمال رسولكم ﷺ ، وأعمال خلفائه الراشدين، والصحابة المهتدين، فحينئذ يظهر أنكم تطلبون القحط لا القطر، حيث تركتم التوجه إلى ربكم الحي الدائم بالخضوع والخشوع، والاستغفار والخنوع إلى قبرٍ الله أعلم بحال صاحبه، غافلين عن قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ " (٣).

стр. 122

• وقال القاضي العلامة عبد الله بن عوض بكير رئيس القضاء الشرعي للدولة القعيطية بحضرموت (المتوفى: ١٣٩٩): "ويجب على المسلم أن لا يسأل إلا الله، وأن لا يدعو إلا الله ... فلا يجوز الركون إلى غير الله، ولا يجوز التعويل على غيره تعالى في شيء من الأمور الدنيوية والأخروية، ومن ثم قال رسول الله ﷺ موصيًا ابن عباس وهو بعموم اللفظ لا بخصوص السبب: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»، أي: إذا أردت سؤال شيء فاسأل الله أن يعطيك إياه، وإذا أردت الإعانة على شيء فاسأل الله أن يعينك عليه قال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ " (١). وقال أيضًا: "فلا يجوز لأحد أن يعتمد على غير الله، أو يدعو غير الله؛ فإن ذلك قد يجرّ إلى الشرك إذا لم يكن شركًا صريحًا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ... وقد فشت في هذه الأزمنة على ألسنة العامة ونحوهم ألفاظ قبيحة تجر إلى الكفر، بل ربما كانت هي الكفر بعينه، والعياذ بالله، فيجب إرشادهم وتحذيرهم من تلك الألفاظ، فمنها قولهم عند وقوع مكروه بهم أو نحو قيام أو قعود: يا الله ويا الوالدين، يا الله ويا أهل السلف، يا الله ويا أهل باعلوي، يا الله وزيا الشيخ فلان، أو السيد فلان، ونحو ذلك، فظواهر الأدلة تنبئ أنّ هذه الألفاظ شرك والعياذ بالله. فيجب التحذير من مثل هذه البوائق القادحة في الإيمان، قال تعالى: ﴿لَاّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً﴾، قال بعض المفسرين: الخطاب إما للنبي ﷺ والمراد غيره، أو لكل مكلف وهو الأولى. والمعنى لا تشرك أيها المكلف غير الله مع الله لا في ظاهرك ولا باطنك، بل خلص قلبك من التعلق بغيره والمحبة لسواه، ولا تجعل الغير في خيالك، فإنه نقص عن مراتب الأخيار" (٢). وقال أيضًا: "ومن بدعهم أنهم إذا أتوا قبر صالح ونحوه ينادونه كنداء الله، فبعضهم يناديه أريد ولدا، وبعضهم يناديه أريد مالا، وبعضهم يطلب منه نصرًا على عدوه، وبعضهم يطلب منه تسهيل طريق السفر، وقبائحهم في هذا كثيرة شهيرة لا تخفى" (٣). وقال أيضًا: "ومن هذا القبيل دعاء غير الله، أو إشراكه مع الله في الدعاء، فهو من التشبه بالمشركين الذين يدعون آلهتهم من دون الله، بل هذا أقبح في الدين ... وهذا إذا كان الداعي معتقدًا أنّ النافع الضار المؤثر في الوجود هو الله تعالى، وأما إذا كان معتقدًا أن المخلوق المدعو له تأثير في شيء ما، أو يعتقد فيه نفعاً أو ضرًا فهو مشرك قطعًا" (٤).

стр. 123

• وقال الشيخ أبو الأعلى المودودي (المتوفى: ١٣٩٩) عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾: "ليس المراد من الشركاء في هذه الآية الشركاء الذين يدعونهم وينادونهم في الكربات وينذرون لهم في البليات، بل المراد من الشركاء في هذه الآية المطاعون الذين جعلوا أفكارهم وعقائدهم وضوابطهم وطرقهم ومذاهبهم شريعة يطاعون فيها بدون إذن من الله تعالى، فهذا العمل لا شك أنه شرك كما أن السجود لغير الله، ودعاء غير الله شرك" (١). • وقال الشيخ غلام الله خان الملقب بشيخ القرآن (المتوفى: ١٤٠٠): "لقد تبين من هذه الآيات أن مشركي مكة لم يكونوا يدعون عند نزول الملمات إلا الله وحده لا شريك له، ومع ذلك كانوا مشركين؛ لأنهم كانوا يدعون غير الله في غير ذلك الوقت، ولكن مشركي اليوم القبورية، قد سبقوا مشركي مكة وتجاوزوا الحد؛ لأنهم يدعون غير الله حتى وقت نزول الملمات بهم" (٢). • وقال العلامة محمد علي بافضل (المتوفى: ١٤٠٤): "قال الله تعالى في سورة غافر: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وقال في سورة الأعراف: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وقال في سورة غافر: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. فهذا الدليل من كلام الله على كون الدعاء عبادة تختص بالله وحده. والدليل من قول رسول الله: «الدعاء هو العبادة»، وقوله: «الدعاء مخ العبادة» أي لبّها الذي هو أفضل شيء فيها. وكيف لا يكون الدعاء مخ العبادة أو هو العبادة وعنده يشعر الإنسان باللذة التي لا تعادلها لذة، والسرور الذي لا يدانيه سرور، وذلك عندما يتوجه في قضاء حاجاته إلى من بيده ملكوت كل شيء ... وكيف لا يكون مخّ العبادة وهو محل الخضوع والتذلل والانكسار والرجاء والافتقار إلى من يجيب المضطر إذا دعاه ... ومن هذا يتبين المنع من دعاء غير الله أو دعائه معه، وإنّ من يُنزل حاجته بعاجز مثله أو يدعوه مع الله سبحانه فقد خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين" (٣).

стр. 124

وقال أيضًا: "ومن الشرك في العبادة: دعاء غير الله عند الشدائد، والالتجاء إلى غير الله في كشف الكربات وقضاء الحاجات، وقد أمر الله بأن تكون وجهة العبد لله وحده لقوله تعالى في سورة الأنعام ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. فالمفهوم من الآية الأولى أنّ من وجّه وجهه فيما لا يقدر عليه إلا الله إلى غير الله فقد أشرك" (١). وقال أيضًا: "إنّ دعاء غير الله مع الله أو دونه شرك وضلال، لا توسل واستشفاع، وما قول الداعين غير الله إنه توسل واستشفاع سوى أثارة شبهة تنطلي على من لا علم له بالأدلة القرآنية والنبوية. أما من فهم الأدلة القاطعة القائلة بأنّ دعاء غير الله شرك وضلال فسوف يلفظ هذا القول ... وكيف نسمي دعوة غير الله توسل واستشفاع مع أنّ الآيات القاطعة تقول بخلاف ذلك كما ورد ذلك في غير ما آية من كتاب الله. والصالح مهما بلغ به صلاحه فلا يخول له صلاحه بأن يُدعى من دون الله أو معه، وهذا بعينه فعل أهل الجاهلية الأولى من المشركين، وهو من الشرك الذي تساهل الناس به ووقعوا فيه بعد مضي خير القرون. فلا يجوز قطعًا أن يُستغاث أو يستعان بغير الله، سواء من الأولياء الغائبين أم من الأموات، لكونه لم يثبت عن الله أو عن رسول الله، أو عن خير القرون بوجه صحيح، وإن وُجد حديث فهو حديث موضوع، أو ضعيف شديد الضعف، أو مؤول لا يسوغ قبوله لمخالفة صريح القرآن ... ولو أنّ هؤلاء الهاتفين بمن يعتقدون صلاحه عند الشدائد تدبروا آيات الله وما تعطيه من معان حول ما هم فيه لما وقعوا في الشرك، ولعادوا إلى التوحيد الخالص، إذ أنّ المسلم المحتاط لدينه لا يرضى لنفسه الكفر" (٢).

стр. 125

وقال أيضًا: "والأصل في الشرك أن يوجه العبد أي نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى، أو يعتقد أن لغير الله أثراً فوق ما وهبه الله من الأسباب الظاهرة، أو أنّ لشيء من الأشياء سلطانًا على ما خرج عن قدرة المخلوقين. ومن أنواعه أن يتخذ من دون الله أندادًا يحبهم كحب الله، وينسب إليهم من التدبير والتصريف ما لا يقدر عليه إلا الله، وأن يلتمس منهم جلب الخير وكشف الضر، ويقف بين أيديهم خاشعًا خاضعًا ذليلاً ضارعًا كما هو مشاهد من ذوي العقائد الزائغة" (١). وقال أيضًا: "أما الاستغاثة بالأموات وبالغائبين فمما لم يسوغه الشرع، ومما لم يأت عليه دليل لا من كتاب ولا من سنة، ويجب أن نستغيث عند الاضطرار ونلجأ عند الحاجة إلى من يسمع ويرى، ومن هو أقرب إلينا من حبل الوريد، وإلى من بيده ملكوت كل شيء، هذا هو الحق، وذلك هو الصواب. كيف وقد نُهينا شرعًا عن دعاء غير الله، وعن الالتجاء إلى سواه، وعن الاعتصام بحبل غيره، في غير ما آية ... وقولُ من يفعل ذلك مع أصحاب القبور: إننا نعتقد أنّ المؤثر هو الله، غير أننا نعتقد فيهم لقربهم من الله، فنفعل ذلك معم كوسطا، فقول هراء باطل، وغرور غرهم به الشيطان، وقولهم هذا مشابه لقول المشركين كما حكي في سورة الزمر: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى﴾، فدل قولهم هذا على أنهم لا يعتقدون فيهم الضر والنفع وغير ذلك، بل هم يعتقدون أن ذلك لله وحده، وإنما جعلوهم وسطاء فقط. أفيرضى المؤمن التشبه بقوم عصوا الله ورسوله! فما داموا يعتقدون أن المؤثر هو الله وحد، وأن المدعوين من دونه لا يملكون نفعًا ولا ضرًا، فحري بهم أن يعدلوا عنهم إلى من يملك لهم ما أرادوا، وهو الله وحده لا غيره، فالله غني عن الوسطاء" (٢). وقال أيضًا: "فالله فرض على عباده إفراده بالعبادة بقوله: ﴿أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ اللّهَ﴾، وإخلاصها بقوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ﴾، وبقوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾. ومن نادى الله ليلاً ونهارًا، سرًا وجهارًا، وخوفًا وطمعًا، ثم نادى معه غيره فقد أشرك في العبادة، فإن الدعاء من العبادة، وقد سماه الله عبادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ بعد قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ " (٣).

стр. 126

• وقال الشيخ محمد طاهر ابن آصف الفنجفيري الماتريدي النقشبندي الملقب عند الحنفية المعاصرين بشيخ القرآن (المتوفى: ١٤٠٧): "وقلما تجد بلدة إلا ولها آلهة تُعبد وتُستغاث بهم ويعتقدون أهلها فيهم أنهم يتصرفون فيها، جعلوهم للنصر، والرزق، والأولاد، ودفع الضر، وينذرون لهم" (١). وقال أيضًا: "وقد زادوا أوصافًا للأولياء الكرام والأنبياء العظام مشركين بالله العظيم، فقالوا: بعلم الغيب لهم، وأن لهم التصرف فيما يختارون ويهبون للناس ما يشاؤون وتقربوا بهم إلى الله العظيم بالوسائل الشركية كالمشركين، الذين كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ويستغيثون بهم في الشدائد ويتضرعون إليهم ويتقبلون أعتابهم، ويطوفون حول قبورهم، وينذرون لهم ويسجدون" (٢). • وقال العلامة محمد نسيب الرفاعي الحلبي (المتوفى: ١٤١٣): "إن الشرع الإسلامي الكريم لا يجيز مخاطبة الأموات والسؤال منهم قضاء الحاجات كالدعاء وغيره؛ لأنه انقطع عملهم بوفاتهم لقوله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له»، وكيف يسألون الأموات قضاء الحاجات والحي القيوم بديع السموات والأرض لا يسألونه، وهو حي باق لا يموت؟! " (٣). وقال أيضًا: "والرسول ﷺ بعد أن توفاه الله هو من الموتى ومن أهل القبور، فثبت أنه لا يسمع دعاء أحد من أهل الدنيا وإن كان هو والأنبياء لا يبلون لأنّ الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء كما جاء في الصحيح، ولكنهم أجساد بلا أرواح، وهم أموات ولا شك، فإن الموت شيء وعدم البلى شيء آخر، فمن كان ميتاً لا يمكن أن يسمع أحداً من أهل الدنيا، فإذا ثبت عدم السماع يثبت عدم الإجابة لأنّ السمع هو همزة الوصل لحصول الجواب" (٤).

стр. 127

• وقال العلامة محمد المكي الناصري (المتوفى: ١٤١٤): "مع أن الميت قد انقطع عمله، ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرًا، فكيف لمن استغاث به أو سأله قضاء حاجته أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، فإن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، واستعانة ذلك الميت وسؤاله لم يجعلهما سبحانه سببًا لإذنه، وإنما السبب في إذنه كمال التوحيد، فجاء هذا بسبب يمنع الإذن، وهو بمنزلة من استعان في حاجته بما يمنع حصولها، على أن الميت محتاج إلى من يدعو له ويترحم عليه ويستغفر له، كما أوصانا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم، ونسأل لهم العافية والمغفرة، فعكس أولئك القبوريون هذا وزاروهم زيارة العبادة لقضاء الحوائج والاستعانة بهم، وجعلوا قبورهم قريبة من أن تصير أوثانًا تعبد، وقد شاع هذا بين المسلمين وذاع، وعم كل ما يستوطنون من البقاع" (١). • وقال العلامة المباركفوري (المتوفى: ١٤١٤) بعد ذكر حديث الأعمى: "وفيه إنّ إحضاره في القلب وتصوّره في أثناء الدعاء والخطاب معه فيه جائز، كإحضاره في أثناء التشهد في الصلاة والخطاب فيه وسيأتي الكلام فيه. وفيه قصر السؤال الذي هو أصل الدعاء على الملك المتعال، ولكنه توسل به ﵊، أي بدعائه كما قال عمر: كنا نتوسل إليك بنبيك ﵊، فلفظ التوسل والتوجه في الحديثين بمعنى واحد، ولذا قال في آخره «اللهم فشفّعه فيّ» إذ شفاعته لا تكون إلا بدعاء ربه قطعًا، ولو كان المراد بذاته الشريفة لم يكن لذلك التعقيب معنى، إذ التوسل بقوله «بنبيك» كاف في إفادة هذا المعنى. وأيضًا قول الأعمى للنبي ﷺ «ادع الله تعالى أن يعافيني» وجوابه ﵊ له «إن شئت دعوتُ وإن شئت صبرت فهو خير لك» وقول الأعمى «فادعه» دليل واضح وبرهان راجح على أن التوسل كان بدعائه لا بنفس ذاته المطهرة ﵊" (٢). • وقال العلامة نقيب أحمد الرباطي الملقب عند الحنفية المعاصرة بجامع المعقول والمنقول: "التوسل الغير الشرعي على أنحاء سبعة حسبما وقع عليه عمل كثير من الناس المفتونين بالقبور والمشاهد:

стр. 128

النحو الأول: أن يأتي قبر نبي أو ولي أو غيرهما ممن يحسن عقيدته عليه، فيقول: يا سيدي فلان اشفني، أو اشف مريضي، أو اكشف كربتي، واقض حاجتي، أو أهلك عدوي، وعليك أن تفعل كذا وكذا، وأنت وكيلي، وأنت كفيلي ... أما النحو الأول فليس من التوسل المباح في شيء، بل هو كفر بواح وإشراك بالله في التصرف والقدرة والدعاء، يجب استتابة المبتدي به، فإن تاب وإلا يقتل، وليس هذا أقل من شرك المشركين الذين أنزل لإصلاحهم القرآن، وبعث لدعوتهم الرسول ﷺ ، بل هو أزيد من شركهم بكثير؛ ذلك لأن مشركي مكة وغيرهم كانوا قائلين بوجود الله تعالى، وأنه خالق السماوات والأرضين، وخالقهم، وخالق آبائهم الأولين، وأن بيده ملكوت السماوات والأرض وأنه يدبر الأمر، وأنه يجير ولا يجار عليه، وأنه سخر الشمس والقمر، وأنه يجري السحاب، وينزل الأمطار، ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. ولم يكن أحد من المشركين يثبت لله شريكا يساويه في العلم والقدرة وسائر الصفات، وهذا مما لم يوجد إلى الآن، وإنما اتخذوا من دون الله أولياء قصدوا بعبادتهم التقرب إلى الله، وقالوا: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وكانوا يحجون، ويعتمرون، ويطوفون بالبيت، ويلبون، ويقسمون بالله، وكانت أصنامهم تماثيل الأنبياء، والملائكة، والجن، والصالحين من عباد الله والكواكب العلوية، وكان مبدأ شركهم هو الغلو في الصالحين" (١). وقال أيضًا: "وإذا أحطت بما ذكرنا علمًا أدركت أنّ كفرَ المشركين من المؤمنين في أمة رسولنا ﷺ من العرب والعجم، أعظمُ من كفر الذين قاتلهم النبي ﷺ ، وقد سمعت أن الله تعالى ذكر عن الكفار أنهم إذا مسهم الضر تركوا غير الله من السادة والقادة والطواغيت، فلم يدعوا أحدا منهم، ولم يستغيثوا بهم، بل أخلصوا لله وحده لا شريك له، وأنت ترى أن المشركين المدّعين للإيمان من المسلمين- وفيهم من يدعي أنه من أهل العلم والفضل، وفيه الصلاح والزهد، والاجتهاد في العبادة- إذا مسه الضرر وأهمه أمر من أمور الدنيا قام يستغيث بغير الله من الأولياء، كمعروف الكرخي والشيخ عبد القادر الجيلاني، وسالار مدار ونحوهم ... ، وأشنع وأفظع وأقبح وأعظم جرما وأطم ضلالة أنهم يستغيثون بالطواغيت، والأجداث، وأهل القبور، والمردة من الجن والشياطين، ويذبحون لهم، وينذرون لهم، ويسافرون إلى أنصابهم، ويفزعون إلى أحبارهم ورهبانهم" (٢). • وقال الشيخ محمد الغزالي (المتوفى: ١٤١٦): "ولماذا نستحي من وصف القبوريين بالشرك؟! مع أن الرسول وصف المرائين به فقال: «الرياء شرك». إنّ واجب العالم المسلم أن يرمق هذه التوسلات النابية باستنكار، ويبذل جهده في تعليم ذويها طريق الحق، لا أن يفرغ وسعه في التمحل والاعتذار! ولست ممن يحب تكفير الناس بأوهى الأسباب، ولكن حرام أن ندع الجهل يفتك بالعقائد ونحن شهود. أي جريمة يرتكبها الطبيب إذا طمأن المريض ومنع عنه الدواء، وأوهمه أنه سليم معافى؟! إن ذلك لا يجوز" (٣).

стр. 129

وقال أيضًا: "وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ﴾ ليس تصريحًا ولا تلميحًا إلى جواز التوسل. والآية ناطقة بأن المجيء للظفر باستغفار الرسول ﷺ ، وذلك بداهة في أثناء الحياة لا بعد الموت. وللصوفية شطحات في هذا الموضع إن صدقوا فيها فهي أحوال توقف عليهم وليس لدين الله بها شأن، ومصادر التشريع معروفة، ولم نعرف من مصادر التشريع أنّ فلانًا الصالح رأى في منامه كذا وكذا، أو أن فلانًا المجذوب خيل إليه في أثناء زيارته للروضة النبوية كيت كيت ... أما ذلك الذي يوجب التوسل ويرى أن تأثير الميت أقوى من الحي فهو رجل مخبول. وزعمه بانتفاء الشرك ما دام الاعتقاد أن الفاعل هو الله كلام فارغ، وقد أبنّا أن المشركين القدماء كانوا يعرفون أن الفاعل هو الله، وأن توسلهم كان من باب ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وأن ندمهم يوم القيامة إنما هو على تسويتهم المخلوق بالخالق ﴿تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهناك عشرات الآيات تؤكد هذا المعنى. سيقول بعض الناس: إن القدماء كانوا يعبدون. أما عوام اليوم فهم يدعون ويسألون فقط، وشتان بين عباده الجاهلين وتوسل المحدثين بأولياء الله. ونقول: هذه مغالطة، فالسؤال والدعاء بنص القرآن والسنة عبادة محضة: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، وفي الحديث «الدعاء مخ العبادة»، فلماذا نتوجه إلى البشر بما هو من خصائص الألوهية؟! وإذا وقع الجهال في تلك الخطايا بغباوتهم، فلماذا لا نسارع إلى إنقاذهم منها، بدل تزوير الفتاوى؟! وقد تذكر في هذا المجال قصة الأعمى الذي توسل إلى الله بنبيه ﷺ ليرد إليه بصره. ومع أن القياس مع الفارق - لو صحت القصة - فهذا الأعمى دعا الله، وأولئك الحمقى يدعون غيره. إلا أن القصة نفسها ليست من قسم الحديث الصحيح، والاحتجاج بالآثار الضعيفة في العقائد والأحكام لا يقبل من صاحبه، ومثل هذه الرواية قد تروج عند الوعظ بفضائل الأعمال. وآيات القرآن ينظر فيها إلى عموم اللفظ لا إلى خصوص السبب، وقد حرم الله الشرك على العرب فهو على غيرهم حرام. فالقول بأن الآيات نزلت في أهل الجاهلية وحدهم جهالة لا نأبه لقائلها، ولا نقيم لها اعتبارًا. رزقنا الله صدق التوحيد، وأحيانا وأماتنا عليه" (١).

стр. 130

• فتوى العلامة عبد الله بن محفوظ الحداد رئيس المجلس العالي للقضاء بالمكلا في أيام الدولة القعيطية (المتوفى: ١٤١٧) عما سأله بعض أهالي تريم عن الاستغاثة بالأموات، وما حكم تلفظ القائل عند حدوث مكروه، مثل سقوط طفل: يا الله يا شيخ سعيد، أو يالله يا محضار، وأحيانا يقول: يا محضار احضر ... إلخ. فأجاب: الحمد لله، والصلاة والسلام على سدنا محمد، إنّ مثل هذه العبارات من العبارات الشركية التي يجب على المسلم أن يتنزه عنها، فقد قال رسول الله ﷺ لمن قال: ما شاء الله وشئت: «أجعلتني لله نداً»، وهذه الاستغاثات ممنوعة؛ لأنها موهمة وتؤدي إلى خلل في العقيد، خصوصا من العامي الذي يعتقد أن لهؤلاء الأولياء تصرفاً، وأنهم يحضرون عند الاستغاثة بهم، وإنما يستغاث بالله ﷻ ، لا بغيره من الملائكة أو الرسل أو الأولياء والصالحين، فكلٌ مما يجب منعه ومحاربته. ومع الأسف فإنّ هذه الألفاظ يكررها العوام، والعلماء يسمعونهم فلا ينهونهم ولا ينبهونهم على خطرها لأنها تتصل بالعقيدة، فالله هو النافع الضار المحيي المميت مالك الملك لا شريك له، ليس لأحد معه شرك ولا تصرف - ثم ذكر فتوى العلامة الكردي (المتوفى: ١١٩٤) السابقة من كتاب بغية المسترشدين، ثم قال-: "قلت: فإن قوله: "الظاهر عدم كفره" (١) أنّ ذلك حرام، لأنه يؤدي إلى الكفر، خصوصاً من العوام الذين أصبحوا يعلنون مثل ذلك في كلامهم وحتى عند الجنائز- فأهل السوق يقولون: يا محضار، وأهل النويدرة يقولون: يا شهاب الدين - وهذا إن لم يكن كفراً صريحاً فهو قريب منه، ويجب على العلماء التنبيه عليه، والتحذير منه، ومنع إعلانه في المجتمعات كالجنائز ونحوها من الحريق وغيره، وليأخذوا بالسبيل القويم الأسلم. وإذا كنا نعذر بعض العلماء مما ورد في أشعارهم لأنهم علماء يعلمون ما يقولون، فإذا نادى ميتًا فإنما لأجل مدحه لا للاستغاثة به، وإن كان فيه استغاثة حملناه على المحمل السليم لعلمه، أما أن نترك العامة يأخذون الألفاظ ويعلنونها كأنها من الأذكار، فهذا ما لا يجوز قطعاً، والساكت عن الحق شيطان أخرس. والله المستعان" (٢).وقال أيضًا: "إن المتوسِّل متوجِّه بطلبه إلى الله، وذكر المتوسَّل به على سبيل التحبب. وأما الاستغاثة فيمكن اعتبارها توسلاً ظنياً لمن يفهم وينوي طلب الدعاء، وإلاّ فإنها ممنوعة، وبالذات للعوام الذين قد يعتقدون في المستغاث به القدرة على تحقيقها استقلالاً، ولهذا فهي محرمة على العوام وعلى إظهارها الفتوى بها، ونعذر العلماء الذين جاءت في أشعارهم لعلمنا بصحة عقيدتهم وأنهم إنما يقصدون التوسل بالمستغاث به وطلب دعائه" (٣).

стр. 131

• وقال الشيخ أبو الحسن الندوي (المتوفى: ١٤٢٠) كما في حاشية رسالة التوحيد للشهيد إسماعيل الدهلوي عند تعليقه على قول الدهلوي السابق "وقد اعتاد بعض الناس إذا عرضت لهم حاجة، أو ألمت بهم ملمة، أن يقرؤوا وِرد "يا شيخ عبد القادر جيلاني شيئا لله" في عدد مخصوص ومدة معينة: "ذهب أكثر فقهاء المذهب ومحققو الصوفية إلى عدم إباحة هذا الورد، ولهم في ذلك مقالات وفتاوى، ... وليت شعري ما ألجأ الناس إلى ذلك، والله أقرب من كل قريب، وأرحم من كل رحيم، وهو القائل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ والقائل: ﴿أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾. وقد جاء في وصية الإمام الشيخ عبد القادر الكيلاني نفسه لابنه الشيخ عبد الوهاب "وكِل الحوائج كلها إلى اللَّه واطلبها منه، ولا تثق بأحد سوى اللَّه ، ولا تعتمد إلا عليه سبحانه، التوحيد، التوحيد، التوحيد" (١). وقال أيضًا مبينًا حالة كثير من المسلمين في عهد شيخ الإسلام ابن تيمية: "كانت العقائد الشركية قد نالت رواجًا بين عامة المسلمين بسبب اختلاطهم مع أصناف من المشركين ونفوذ الدولة الفاطمية الباطنية الإسماعيلية وانتشار الصوفية، فكانوا يحملون من العقائد الشركية في الأولياء والصالحين والمشايخ ما كان يعتقده اليهود والنصارى والمشركون من الطواف حول القبور والاستغاثة بأصحابها، والحج إليها، وبناء المساجد الفخمة عليها وعقد المهرجانات عليها عاما مقامًا، والنذور إلى القبور، وقد عمت وطمت هذه العقائد إلى أن جعلوا الميت كالإله، والشيخ الحي كالنبي، وكانوا قد عزلوا الله تعالى عن أن يتخذوه إلهًا، وعزلوا النبي ﷺ عن أن يكون رسولًا، وارتكبوا ما كان محض دين المشركين والنصارى، وقد وصلوا في عبادة القبور والسجود إليها ودعاء أصحابها وجعل القبور قبلة وكعبة إلى حد كان هؤلاء القبوريون المشركون بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرقة والخشوع والدعاء وحضور القلب ما لا يجده أحدهم في مساجد الله، إلى أن كان الفسقة الفجرة أصحاب الكبائر من هؤلاء القبورية لا يتحاشون الكبائر، ولكن إذا رأوا الميت أو الهلال فوق رأس قبة القبر المعبود خشوا من فعل الفواحش، فيخشون المدفون تحت الهلال ولا يخشون خالق الأكوان، وكانوا يحلفون بالله بالكذب ولا يحلفون بالميت كذبًا، فكانوا في الشرك كما كان قوم إبراهيم حيث قال لهم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ وكان بعضهم يفضِّل شيخه على الأنبياء والمرسلين ويعتقد فيه الإلهية كالنصارى إلى غير ذلك في الكفريات والشركيات التي تدل على أن القبورية الوثنية قد عمت العباد وطمت البلاد إلا من شاء الله تعالى" (٢).

стр. 132

• وقال الشيخ محمد الخضر الناجي الجكني الشنقيطي (المتوفى: ١٤٢٤) عن نقاشه لمتصوفة بلاده أصحاب الطريقة القادرية: "وكنتُ أركز النقاش دائمًا مع هؤلاء المتصوفة على انحرافاتهم في العقيدة، وخاصة توحيد العبادة، حيث أنّ المتصوفة يسيطر عليهم الغلو في مشايخهم الأحياء والأموات إلى حد أنّ كثيراً منهم ينادي هؤلاء المشايخ الذين يسمونهم بالأولياء فيستغيثون بهم، ويطلبون منهم ما هو من خصائص الرب جل وعلا، مثل حصول الولد وشفاء المريض وتفريج الكربات وغير ذلك من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله ، والتي هي من خصائصه . وقد بيّنت لهؤلاء أنّ الدعاء مخ العبادة، ولا يجوز صرفه لغير الله ، وأن هؤلاء المخلوقين ليس بيدهم شيء، ولا يستطيعون أن يعطوا هذه المطالب التي لا يملكون منها حقيرًا ولا نقيرًا" (١). • وقال الشيخ الحسين بن عبد الرحمن الجكني الشنقيطي (المتوفى: ١٤٢٦): "حيث أنّ كثيرًا من المنتسبين للإسلام -وللأسف- ينادون المخلوقين من أحياء وأموات، ويستغيثون بهم، ويطلبون منهم الحوائج التي لا يقدر عليها إلا الله ، مثل حصول الولد، وشفاء المريض، وتفريج الكربات، وصدق الله تعالى حيث يقول: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلَاّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾. وفي هذا الصدد فقد بيّنت أن الدعاء مخ العبادة، والمسلم يجب عليه إفراد الله تعالى وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه الله على لسان خاتم أنبيائه ﷺ ، وأنّ من صرف شيئًا من العبادة لغير الله تعالى فقد أشرك، ذاكرًا الآيات القرآنية الكثيرة التي فيها صريح النهي عن دعاء غير الله " (٢).

стр. 133

• وقال الشيخ مأمون محمد أحمد بن أمينوه الشنقيطي (ولد سنة ١٣٥٠): "ما يفعله كثير من أتباع الطرق الصوفية وغيرهم من عوام المسلمين عند قبور من يسمونهم بالأولياء والصالحين مناف لتوحيد العبادة لله تعالى، حيث يصرفون لأصحاب القبور ما هو من خصائص الرب جل وعلا، ولا يجوز صرفه لغيره من المخلوقين، كالدعاء والذبح والنذر والاستغاثة وغير ذلك. فهذا من الشرك الأكبر المحبط لجميع الأعمال، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ " (١). • وقال العلامة محمد سالم بن عبد الودود الشنقيطي المشهور بعدُّود (المتوفى: ١٤٣٠) في منظومة جملة العقائد على طريق السلف الأماجد: واجتنبوا الشرك الجلي والخفي ... ولو بما فيه اختلاف السلف فأفردوه - جلّ - بالعبادة ... لا تُشركوا في نوعها عبادَه فلا تُسَمُّوا ولدًا عبد علي ... أو تُنذروا لصالحٍ أو لولي ولا تَمسُّوا قبرًا او تمسَّحوا ... ولا تطوفوا حوله أو تذبحوا إلى أن قال: وبالربوبية وحِّدوهُ ... فهو الذي تعنو له الوجوهُ لا تجعلوا إذا دعوتم وُسَطَا ... بينكمُ وبينه فهو خطا (٢)

стр. 134

• وقال العلامة يوسف القرضاوي (وُلد عام ١٩٢٦ م): "ومن الشرك الأكبر نوع خفي، يخفى على كثير من الناس، ومنه دعاء الموتى والمقبورين من أصحاب الأضرحة والمقامات، والاستعانة بهم وطلب قضاء الحوائج منهم من شفاء المرضى وتفريج الكربات، وإغاثة الملهوف، والنصر على العدو، مما لا يقدر عليه إلا الله، واعتقاداتهم بأنهم يضرون وينفعون. وهذا أصل شرك العالم، كما قال ابن القيم. وسبب خفاء هذا الشرك أمران: ١ - أن الناس لا يسمون هذا الدعاء والاستعانة والاستغاثة بأصحاب القبور عبادة، ويظنون أن العبادة إنما تنحصر في الركوع والسجود والصلاة والصيام ونحوها. والحقيقة أن روح العبادة - كما ذكرنا - هو الدعاء، كما جاء في الحديث: «الدعاء هو العبادة». ٢ - أنهم يقولون: نحن لا نعتقد أن هؤلاء الأموات الذين ندعوهم ونستغيث بهم آلهة أو أرباب لنا، بل نعتقد أنهم مخلوقون مثلنا، ولكنهم وسائط بيننا وبين الله، وشفعاء لنا عنده. وهذا من جهلهم بالله ﷻ ، فقد حسبوه مثل الملوك الجبارين والحكام المستبدين، لا يستطاع الوصول إليهم إلا بوسطاء وشفعاء، وهو نفس الوهم الذي سقط فيه المشركون قديمًا وحين قالوا عن آلهتهم وأصنامهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ولم يعتقدوا يوماً أن آلهتهم وأصنامهم تخلق أو ترزق أو تحيي أو تميت، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾، ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. ومع هذا الاعتقاد في الله تعالى أنه خالق السموات والأرض، وأنه الرزاق المدبر المحيي المميت ... والاعتقاد في الأصنام أنها مجرد وسائط وشفعاء لهم عند الله .. مع هذا كله رماهم القرآن بالشرك، وسماهم المشركين، وأمر بقتالهم حتى يتوبوا من الشرك ويقولوا: (لا إله إلا الله) فمن قالها فقد عصم دمه وماله إلا بحق الإسلام" (١).

стр. 135

• وقال العلامة علي سالم سعيد بُكيِّر (وُلد عام ١٣٦١) في رسالته إرشاد المتأمل إلى الفرق بين الاستغاثة والتوسل: "وأما الاستغاثة التي هي نداء العبد غير الله لطلب الغوث منه فيما لا يقدر عليه، أو اتخاذ العبد بينه وبين الله وسائط فهذا لم يقل به كردي (١) ولا نجدي، فضلاً عن الاستغاثة التي هي دعاء المستغاث به استقلالا. ومن قال بجوازه فهو جاهل لم يعرف حقيقة الدين ولا حقيقة التوحيد، وليس هو من أهل العلم في عير ولا نفير، وقد التبس عليه الأمر فلم يعرف الحق لأنه معرض عنه، وليس قوله ولا فعله حجة على الدين، بل هو مردود عليه محجوج به، لأنه ينافي معنى التوحيد، ويصادم معنى (لا إله إلا الله). وهذا هو نفسه ما وقع فيه مشركو قريش عندما دعاهم رسول الله ﷺ من أول يوم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وترك من سواه، فأعرضوا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾. وهنا يجب علينا أن نذكر قبل كل شيء أن هذه القضية قد بين حكمها القرآن قبل أن يفرض الصلاة والزكاة والحج والصيام والجهاد، لأنها أصل الدين، وأساسه المتين، ومن لم يقتنع بالقرآن ولم يهتد به فليس له من هاد ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً﴾ " (٢). • وقال العلامة عبد السلام الرستمي الملقب عند الحنفية المعاصرة بشيخ القرآن والحديث بعد أن ذكر تعريف العبادة، وأنها عبارة عن الاعتقاد والشعور بأن للمعبود سلطة غيبية في العلم والتصرف فوق الأسباب، يقدر بها على النفع والضر، فكل دعاء وثناء وتعظيم ينشأ من هذا الاعتقاد: فهو عبادة. ثم قال: "وهذا التعريف جامع لجميع أفراد العبادات: من الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والذكر، والنذر، والثناء، والدعاء، والعبادات القولية، والبدنية، والمالية جميعًا، فكل من يعبد عبادة، ويعتقد أن للمعبود علي [لعل الصواب: عليه] علمًا بجميع الحالات، وتصرفًا في كل حال. فإن كان يعبد الله فهو عبادة الله، وإن كان يعبد لغير الله بهذا الاعتقاد فهو شرك وعبادة غير الله تعالى" (٣).

стр. 136

وقال أيضًا بعد أن ذكر قوله تعالى ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾: "فمن اجتنب عن عبادة الأحجار والخشب، وابتلي في عبادة القبور فهو منكر هذه الآية، وداخل في حكم المشركين، فعُلم من جميع هذا التفصيل: أن بين المشركين السابقين وبين عابدي القبور في هذا الزمان أو غيره ليس فرق ما، بل فصلنا في هذا الباب تفصيلًا طويلًا، ليوازي كل عابد قبر نفسَه بالمشركين السابقين، ويظهر له باليقين: أن عبادة القبور أيضًا شرك وضلال، فلا يغتر هؤلاء الجهلة بأنا مؤمنون وموحدون، بل صدق عليهم قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ " (١). وقال أيضًا: "فلا يخفى على من تدبر وتفكر أن الناس اليوم أعظم شركا من المشركين السابقين؛ لأنهم كانوا يدعون في الشدائد الإله الحق، وأهل هذا الزمان يدعون في البليات الأولياء، ويقول أهل ناحيتنا: "يا بير بابا، أدركني"، ويقول بعضهم: "يا بهاء الحق، ادفع السفينة وأخرجها"، ومثل هذا، فما هذا إلا شرك أعظم" (٢). وقال أيضًا: "اعلم أنّ الشرك في التفصيل له أنواع كثيرة؛ لأن الإشراك بالله تعالى في كل صفة مختصة به تعالى نوع من الشرك، وكذا الإشراك في كل حق من حقوقه تعالى نوع مستقل، والصفات والحقوق الإلهية كثيرة، فالأنواع للشرك بجنبها كثيرة، لكنها في الأصل ترجع إلى نوعين: شرك اعتقادي، وشرك فعلي. والأول على أربعة أقسام: الشرك في العلم، والشرك في التصرف والاختيار، والشرك في الدعاء، يعني النداء والاستغاثة، والشرك في العبادة" (٣). • وقال العلامة أبو بكر بن محمد الحنبلي المصري (ولد عام ١٣٨٠ هـ): "الشرك الأكبر وهو النوع الذي يوجب الخلود في النار، والخروج عن ملة الإسلام، ومنه أنواع ستة سنطرحها فيما يلي إن شاء الله: ١ - شرك الدعاء: وهو دعاء غير الله من الأنبياء والأولياء والصالحين لطلب الرزق أو شفاء مرض أو غير ذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ ... " (٤).

стр. 137

• فتوى لمجموعة من علماء اليمن المعاصرين ، ونصّ هذه الفتوى: "فالتقرب بالذبائح إلى القبور والأولياء والاستعانة بهم والنذر لهم دائر بين أمرين خطيرين، إما كفر بواح، وإما وسيلة إلى الكفر؛ ذلك أنه إذا صدر هذا الفعل الشنيع ممن نشأ في دار الإسلام عالماً بأحكام الشرع في مثل هذا معتقداً النفع والضر من الولي يكفر فاعله، فتجري عليه أحكام الردة جميعها. وإن كان قريب عهد بالإسلام أو نشأ في غير دار الإسلام، أو في دار الإسلام نائياً عن أماكن المعرفة، فيكون هذا الفعل في حقه وسيلة من وسائل الكفر، فيجب تعليمه وتبيين الأدلة له وإقامة الحجة عليه، فإن انتهى بعد ذلك منها وإلا فحكمه أن يكفر. فعلى كل يجب على ولاة الأمر الردع من مثل هذه الأمور، والأخذ بيد من حديد لكل من يقدم على هذا المنكر الفظيع، ولو أدى ذلك إلى هدم القباب الموضوعة على القبور سداً للذرائع، هذا ما نعتقده في هذا الموضوع والله على ما نقول وكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم" (١).