← Акыда

Акыда · id 233

المجموع الثمين في حكم دعاء غير رب العالمين

محمد بن عبد الله المقشي

Полный текст (137 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولو قلنا: إن الألفاظ لا عبرة بها، وإنما العبرة للاعتقاد لأمكن لكل من تكلّم بكلام يحكم على قائله بالردة اتفاقاً أن يقول: لِمَ تحكمون بردتى؟! فيذكر احتمالاً ولو بعيداً، يخرج به عما كفر فيه، ولما احتاج إلى توبة ولا توجّه عليه لوم أبداً. وهذا ظاهر البطلان، ولساغ لكل أحد أن يتكلم بكل ما أراد، فتنسد الأبواب المتعلقة بأحكام الألفاظ" (١). وقال أيضًا: "ومن نظر بعين الانصاف، وتجنب سبيل الاعتساف، ونظر إلى ما كان عليه الأولون، وعرف كيف كان شركهم، وبماذا أرسل إليهم النبي ﷺ ، وكيف التوحيد، وما معنى الإله والتأله، وتبصّر في العبادات وأنواعها، تحقّق أن هذا الالتجاء والتوكل والرجاء بمثل طلب الشفاعة هو الذى نهى عنه الأولون، وأُرسل لأجل قمعه المرسلون، وبذلك نطق الكتاب، وبينه لنا خير من أوتي الحكمة وفصل الخطاب، سيما إذا استغيث بهم لدفع الشدائد والملمات، ولرفع الكرب المهمات، مما لا يقدر على دفعه إلا خالق الأرض والسماوات. وقد كان الأولون إذا وقعوا في شدة دعوا الله مخلصين له الدين، فلما نجاهم إذا هم يشركون. ومن فعل هذا بحالتي الشدة والرخاء، بل في قسمي المنع والعطاء فقد غلا وتجاوز حدّه" (٢). وقال أيضاً: "المراتب في هذا الباب ثلاثة: أحدهما: أن الدعاء لغيره تعالى سواء كان المدعو حياً أو ميتاً، وسواء كان من الأنبياء أو غيرهم، بأن يقال: يا سيدي فلان أغثني، أو أنا مستجير بك، أو نحو ذلك. فهذا شرك بالله تعالى، وهو مثل عبادة الأصنام في القرون الماضية" (٣). وقال أيضًا: "ثم إذا جاز أن يقول الضال: إنه يطلب من مخلوق كل ما يطلب من الخالق من كشف الشدائد، فكذلك يطلب منه ما يطلب من الخالق من إعطاء الفوائد فحينئذ يجوز أن يطلب من المخلوق كل ما يطلب من الخالق مطلقاً. وهذا الكفر شر من كفر عباد الأصنام، فإن أولئك لم يكونوا يطلبون من الأوثان كل ما يطلبون من الرحمن، بل لهم مطالب لا يطلبونها إلا من الله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾، فبيّن أنه إذا جاء عذاب الله أو أتت الساعة لا يدعون إلا الله، فلا يطلبون كشف الشدائد، وإنزال الفوائد إلا منه. فمن جوَّز طلب ذلك من المخلوق كان أضل من هؤلاء المشركين، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَاّ إِيَّاهُ﴾، وقال ﵊ لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ... » الحديث. وقول القائل: لكونهم أسباباً ووسائل فكلام مجمل، فإن أراد أنهم وسائط، والداعي يزعم أنهم شفعاء، فالآيات متضافرة على منعه. وإن أراد أن الداعي لا يطلب منهم، ولكن يطلب من الله تعالى بحرمتهم وجاههم فهذا لا يسمى استغاثة بالمسؤول به. وما زلت أبحث عن هذه المسالة وأكشف ما أمكنني من كلام السلف والأئمة والعلماء - هل يجوز أحد منهم التوسل بالصالحين في الدعاء، أو فَعَلَ أحدٌ منهم ذلك، فما وجدته" (٤).

стр. 72

وقال أيضًا: "وإذا علمت هذا، فاعلم أنّ الاستغاثة بالشيء طلب الإغاثة والغوث منه، كما أن الاستعانة بشيء طلب الإعانة منه. فإذا كانت بنداء من المستغيث للمستغاث كان ذلك سؤالاً منه، وظاهر أن ذلك ليس توسلاً به إلى غيره، بل طلب منه، إذ قد جرت العادة أن من توسل بأحد عند غيره أن يقول لمستغاثه: أستغيثك على هذا الأمر بفلان، فيوجِّه السؤال إليه ويقصر أمر شكواه عليه، ولا يخاطب المستغاث به ويقول له: أرجو منك، أو أريد منك، أو أستغيث بك، ويقول: إنه وسيلتي إلى ربي، فإنّ هذا غير معروف. وإن كان كما يقول: فما قدّر عظم المتوسَّل إليه حق قدره وتعظيمه، وقد رجا وتوكل والتجأ إلى غيره. كيف واستعمال العرب يأبى عنه، فإن من يقول: صار لي ضيق فأستغيث بصاحب القبر فحصل الفرج، يدل دلالة جبلّية على أنه قد طلب الغوث منه، ولم يفد كلامه أنه توسل به عند غيره، بل إنما يراد هذا المعنى إذا قال: توسلت أو أستغيث عند الله تعالى بفلان، أو يقول لمستغاثه وهو الله سبحانه: أستغيث إليك بفلان، فيكون حينئذ مدخول الباء متوسّلاً به، ولا يصح إرادة هذا المعنى إذا قلت: استغثت بفلان، وتريد التوسل به، وسيما إذا كنت داعيه وسائله، بل قولك هذا نصٌّ على أنّ مدخول الباء مستغاث وليس بمستغاث به. والقرائن التي تكشفه من الدعاء له، وقصر الرجاء عليه شهود عدول، ولا محيد عما شهدت به ولا عدول. فهذه الاستغاثة، وتوجّه القلب إلى المسؤول بالسؤال والإبانة، محظور على المسلمين، لم يشرعها لأحد من أمته رسولُ رب العالمين. قال الشيخ محمد الأمين السويدي الشافعي: ولا يجوِّز ذلك إلا من جهل آثار الرسالة، ولهذا عمت الاستغاثة بالأموات عند نزول الكربات، يسألونهم ويتضرعون إليهم، فكان ما يفعلونه معهم أعظم من عبادتهم واعتقادهم في رب السماوات اهـ" (١). • وقال العلامة علي بن أحمد باصبرين صاحب كتاب هداية العبيد إلى خالص التوحيد (توفي في العشر الأول من القرن العشرين): " (التاسعة) مما يحرم ما يقال عند إقبال الزائرين إلى المزور: (يا وليّ الله جئنا إليك، وحططنا الذنب بين يديك" (٢).

стр. 73

وقال أيضًا: "مجرد دعاء غيره تعالى لا يوجب الكفر الجلي، وإنما فيه تفصيل يرجع إلى الداعي والمدعو إليه، فإن سلمت عقيدة الداعي كما ذكرنا نُظر إلى المدعو إليه، فإن كان مما جرت العادة فيه أنّ لغير الله فيه - بحسب الظاهر- دخلاً، كأن قال عطشان: يا فلان أسقني، أو عاجز عن الركوب يا فلان احملني على دابتي، ... جرت فيه الأحكام الخمسة لا الكفر الجلي. وإن كان مما لا دخل فيه لغير الله كـ يا فلان وفقني، أو اغفر لي ذنوبي، ... فهذا كله ونحوه كأجرني من الله أو من عذاب الله، أو أسعدني مما يحرم التفوه به مطلقًا، وهو الشرك الخفي، ولا يخرج من الدين، ويزجر ويعزّر مرتكبه، هذا مع سلامة عقيدته الباطنة (١)، وإلا فهو كافر مطلقًا (٢) ". • وقال الشيخ محمد عبده (المتوفى: ١٣٢٣): "فالإشراك اعْتِقَاد أَنّ لغير الله أثرا فَوق مَا وهبه الله من الْأَسْبَاب الظَّاهِرَة، وَأَن لشيء من الْأَشْيَاء سُلْطَانا على مَا خرج عَن قدرَة المخلوقين، وَهُوَ اعْتِقَاد من يعظم سوى الله مستعينا بِهِ فِيمَا لَا يقدر العَبْد عَلَيْهِ كالاستنصار في الْحَرْب بِغَيْر قُوَّة الجيوش، والاستشفاء من الْأَمْرَاض بغير الأدوية الَّتِي هدَانَا الله إِلَيْهَا، والاستعانة على السَّعَادَة الأخروية أَو الدُّنْيَوِيَّة بِغَيْر الطّرق وَالسّنَن الَّتِي شرعها الله لنا، هَذَا هُوَ الشّرك الذى كَانَ عَلَيْهِ الوثنيون وَمن ماثلهم، فَجَاءَت الشَّرِيعَة الإسلامية بمحوه وردّ الْأَمر فِيمَا فَوق الْقُدْرَة البشرية والأسباب الكونية إِلَى الله وَحده" (٣). وقال أيضًا: "إنّ من تتبع استعمال العرب في كلامهم يجد أنهم لا ينطقون لفظ العبادة على الخضوع والتذلل للملوك والأمراء مهما بولغ فيهما، ولا يسمون تذلل العاشق المستهتر لمن يعشقه عبادة وإن غلا فيه أشد الغلو. وإنما يخصون لفظ العبادة بالتعظيم الناشئ عن الشعور بأن للمعظَّم سلطة غيبية وأسرارًا معنوية وراء الأسباب الظاهرة، وخلاف ما يُعهَد من سائر الخلق. وللعبادة صور كثيرة أشهرها وأعمها الدعاء وطلب قضاء الحوائج التي تتعاصى على الأسباب المكتسبة، فيتعذر أو يتعسر الوصول إليها، ولذلك اجتمع المفسرون على تفسير ألفاظ الدعاء بالعبادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ وقوله: ﴿وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾، وفي الحديث المشهور «الدعاء مخ العبادة».

стр. 74

وأصل الدعاء النداء والطلب مطلقًا، أو مع ملاحظة استعلاء المنادى المطلوب منه، وإذا لوحظ معه تعظيم المدعو، واعتقاد أن له سلطة غيبية وراء الأسباب الظاهرة، أو طُلب منه ما لا يُنال بالكسب كان عبادة، سواء كان اعتقاد السلطة له لذاته أو لأنه واسطة بين الداعي وبين الله تعالى يقربه إليه زلفى. ولا يخرجه عن معنى العبادة تسميته باسم آخر كالتوسل والاستشفاع كما هو المتبادر من القرآن الكريم واللغة، والعبرة بالحقائق لا بالأسماء والاصطلاحات، ولا بالوساوس والخيالات" (١). وقال أيضًا: "فَالشِّرْكُ أَنْوَاعٌ وَضُرُوبٌ، أَدْنَاهَا مَا يَتَبَادَرُ إِلَى أَذْهَانِ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ الْعِبَادَةُ لِغَيْرِ اللهِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَهُ، وَأَشَدُّهَا وَأَقْوَاهَا مَا سَمَّاهُ اللهُ دُعَاءً وَاسْتِشْفَاعًا، وَهُوَ التَّوَسُّلُ بِهِمْ إِلَى اللهِ وَتَوْسِيطُهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ تَعَالَى، فَالْقُرْآنُ نَاطِقٌ بِهَذَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ السِّيَرِ وَالتَّارِيخِ، فَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ أَشَدُّ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ، وَأَقْوَى مَظَاهِرِهِ الَّتِي يَتَجَلَّى فِيهَا مَعْنَاهُ أَتَمَّ التَّجَلِّي، وَهُوَ الَّذِي لَا يَنْفَعُ مَعَهُ صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا عِبَادَةٌ أُخْرَى. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا الشِّرْكَ قَدْ فَشَا فِي الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ، وَأَوْرَدَ شَوَاهِدَ عَلَى ذَلِكَ عَنِ الْمُعْتَقِدِينَ الْغَالِينَ فِي الْبَدَوِيِّ شَيْخِ الْعَرَبِ وَالدُّسُوقِيِّ وَغَيْرِهِمَا لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ. وَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِينَ يُؤَوِّلُونَ لِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا يَتَكَلَّفُونَ الِاعْتِذَارَ لَهُمْ لَزَحْزَحَتِهُمْ عَنْ شِرْكٍ جَلِيٍّ وَاضِحٍ إِلَى شِرْكٍ أَقَلَّ مِنْهُ جَلَاءً وَوُضُوحًا، وَلَكِنَّهُ شِرْكٌ ظَاهِرٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الشِّرْكِ الْخَفِيِّ الَّذِي وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ، الَّذِي لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ إِلَّا الصِّدِّيقُونَ" (٢). • وقال الفقيه المحدث محمد بشير بن محمد بدر الدين السهسواني الهندي (المتوفى: ١٣٢٦): "قوله [أي: دحلان]: لأنا معشر أهل السنة لا نعتقد تأثيراً ولا خلقاً ولا إيجاداً ولا إعداماً ولا نفعاً ولا ضراً إلا لله وحده لا شريك له، ولا نعتقد تأثيراً ولا نفعاً ولا ضراً للنبي ﷺ ولا لغيره من الأموات، فلا فرق في التوسل بالنبي ﷺ وغيره من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وكذا بالأولياء والصالحين، لا فرق بين كونهم أحياء وأمواتاً، لأنهم لا يخلقون شيئاً، وليس لهم تأثير في شيء، وإنما يتبرك بهم لكونهم أحباء الله تعالى، وأما الخلق والإيجاد والإعدام والنفع والضر فإنه لله وحده لا شريك له.

стр. 75

أقول: فيه كلام من وجوه: (الأول): أنه يعتقد كثير من العوام وبعض الخواص في أهل القبور وفي المعروفين بالصلاح من الأحياء أنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا الله ﷻ ، ويفعلون ما لا يفعله إلا الله ، حتى نطقت ألسنتهم بما انطوت عليه قلوبهم، فصاروا يدعونهم تارة مع الله، وتارة استقلالاً ... و (الثاني): أنّ مجرد عدم اعتقاد التأثير والخلق، والإيجاد والإعدام، والنفع والضر إلا لله لا يبرئ من الشرك، فإن المشركين الذين بَعث اللهً الرسل إليهم أيضاً كانوا مقرين بأن الله هو الخالق الرازق، بل لابد فيه من إخلاص توحيده وإفراده، وإخلاص التوحيد لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله لله، والنداء والاستغاثة والرجاء واستجلاب الخير واستدفاع الشر له ومنه لا بغيره ولا من غيره ... و (الثالث): أن مجرد كون الأحياء والأموات شركاء في أنهم لا يخلقون شيئاً وليس لهم تأثير في شيء لا يقتضي أن يكون الأحياء والأموات متساوين في جميع الأحكام حتى يلزم من جواز التوسل بالأحياء جواز التوسل بالأموات، وكيف وليس معنى التوسل بالأحياء إلا التوسل بدعائهم وهو ثابت بالأحاديث الصحيحة، وأما التوسل بدعاء الأموات فلم يثبت بحديث صحيح ولا حسن. قوله: وأما الذين يفرقون بين الأحياء والأموات، فإنهم بذلك الفرق يتوهم منهم أنهم يعتقدون التأثير للأحياء دون الأموات، ونحن نقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. فهؤلاء المجوّزون التوسل بالأحياء دون الأموات أو المعتقدون تأثير غير الله هم الذين دخل الشرك في توحيدهم؛ لكونهم اعتقدوا تأثير الأحياء دون الأموات. أقول: هذا كلام تقشعر منه الجلود، أما يعلم هذا القائل الصنديد، والمتفوه العنيد، أنّ الفارقين بين الأحياء والأموات هم الذين يمنعون مما هو دون اعتقاد تأثير الله بمراحل ويصرحون بكونه شركاً؟! فكيف يتوهم منهم أنهم يعتقدون تأثير غير الله؟! سبحانك هذا بهتان عظيم. على أن مناط الفرق بين الأحياء والأموات ليس اعتقاد التأثير للأحياء دون الأموات كما زعم هذا المتقوّل على الموحدين، إنما مناطه ثبوت التوسل بالأحياء بالأحاديث الصحيحة دون الأموات. قوله: فالتوسل والتشفع والاستغاثة كلها بمعنى واحد، وليس لها في قلوب المؤمنين معنى إلا التبرك بذكر أحباء الله تعالى، لما ثبت أن الله يرحم العباد بسببهم سواء كانوا أحياء أو أمواتاً. أقول: هذا الحصر غير مسلم، ... (١). قوله: فالمؤثر والموجد حقيقة هو الله تعالى، وذِكْرُ هؤلاء الأخيار سبب عادي في ذلك التأثير، وذلك مثل الكسب العادي فإنه لا تأثير له. أقول: كون ذكر هؤلاء الأخيار سبباً عادياً في ذلك التأثير من أين عُلم؟ وأي دليل عليه؟ ولو سُلِّم فالسببية لا تستلزم المشروعية، ألا ترى أنّ كثيراً من العقود الفاسدة سبب لتحصيل المنافع وليست بمشروعة.

стр. 76

قوله: وحياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم ثابتة عند أهل السنة بأدلة كثيرة. أقول: هب أنّ حياة الأنبياء ﵈ ثابتة، ولكنها حسب اعتراف صاحب الرسالة ليست مثل الحياة الدنيوية، فلا يتفرع عليها جواز التوسل كما يتفرع على الحياة الدنيوية. قوله: فإن قال قائل: إنّ شبهة هؤلاء المانعين للتوسل أنهم رأوا بعض العامة يأتون بألفاظ تُوهم أنهم يعتقدون التأثير لغير الله تعالى، ويطلبون من الصالحين أحياء وأمواتاً أشياء جرت العادة بأنها لا تطلب إلا من الله تعالى، ويقولون للولي: افعل لي كذا وكذا، وأنهم ربما يعتقدون الولاية في أشخاص لم يتصفوا بها، بل اتصفوا بالتخليط وعدم الاستقامة، وينسبون لهم كرامات وخوارق عادات وأحوالاً ومقامات وليسوا بأهل لها ولم يوجد فيهم شيء منها، فأراد هؤلاء المانعون للتوسل أن يمنعوا العامة من تلك التوسعات دفعاً للإيهام وسداً للذريعة، وإن كانوا يعلمون أن العامة لا يعتقدون تأثيراً ولا نفعاً ولا ضراً لغير الله تعالى ولا يقصدون بالتوسل إلا التبرك، ولو أسندوا للأولياء شيئاً لا يعتقدون فيهم تأثيراً. فنقول لهم: إذا كان الأمر كذلك وقصدتم سد الذريعة، فما الحامل لكم على تكفير الأمة عالمهم وجاهلهم وخاصهم وعامهم؟ وما الحامل لكم على منع التوسل مطلقاً؟ بل كان ينبغي لكم أن تمنعوا العامة من الألفاظ الموهمة لتأثير غير الله تعالى، وتأمروهم بسلوك الأدب في التوسل. أقول: أولاً: إن تقرير دليل المانعين نوع تحريف مقصود، وأصل تقريرهم هكذا: إنا نرى كثيراً من العامة وبعض الخواص يأتون بألفاظ دالّة دلالة مطابقة على أنهم يعتقدون التأثير لغير الله تعالى، ويطلبون من الصالحين أحياءً وأمواتاً أشياء لا يقدر عليها إلا الله، وينذرون لهم النذور وينحرون لهم النحائر ويقربون إليهم نفائس الأموال، ويجعلونهم وسائط يدعونهم ويسألونهم جلب المنافع، بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملوك أو لكونهم أقرب إلى الملك. وبعد ملاحظة أصل تقريرهم وجه التكفير ظاهر، فإن اعتقاد تأثير غير الله كفر صريح، والدعاء والنذر والنحر عبادة، وعبادة غير الله شرك وكفر. وثانياً: أنا معاشر أهل التوحيد لا نكفِّر الأمة كلهم عالمهم وجاهلهم وعامهم وخاصهم، هذا افتراء علينا، بل نكفّر من وُجد فيه موجبات الكفر من اعتقاد التأثير لغير الله واعتقاد أنه يضر وينفع، ودعاء غير الله والنذر له والنحر له وغيرها. ثالثاً: أنّ مجرد عدم اعتقاد التأثير لغير الله لا يكفي للبراءة من الشرك كما تقدم، بل لابد فيها من إخلاص العبادة لله تعالى، بأن يكون الدعاء والاستغاثة والنذر والنحر وسائر أقسام العبادة كلها لله تعالى ...

стр. 77

قوله: مع أنّ تلك الألفاظ الموهمة يمكن حملها على المجاز من غير احتياج إلى التكفير للمسلمين، وذلك المجاز مجاز عقلي شائع ومعروف اهـ. أقول: فيه نظر من وجوه: (الأول) أن لفظ "الموهمة" في هذا المقام وفيما تقدم لا يخلو عن تدليس وتلبيس، فإنّ تلك الألفاظ دالّة دلالة مطابقة على تأثير غير الله تعالى، فما معنى الإيهام؟ (والثاني) أنه لو سُلِّم هذا الحمل لاستحال الارتداد، ولَغَاب باب الردة الذي يعقده الفقهاء، فإن المسلم الموحّد متى صدر منه قول أو فعل موجب للكفر يجب حمله على المجاز العقلي، والإسلام والتوحيد قرينة على ذلك المجاز. (والثالث) أنه يلزم على هذا أن لا يكون المشركون الذين نطق كتاب الله بشركهم مشركين، فإنهم كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق الرازق الضار النافع، وأن الخير والشر بيده، لكن كانوا يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى، فالاعتقاد المذكور قرينة على أنّ المراد بالعبادة ليس معناها الحقيقي، بل المراد هو المعنى المجازي، أي التكريم مثلاً، فما هو جوابكم هو جوابنا. (الرابع) أنكم هؤلاء أوّلتم عنهم في تلك الألفاظ الدالة على تأثير غير الله تعالى، فما تفعلون في أعمالهم الشركية من دعاء غير الله واستغاثة والنذر والنحر؟ فإنّ الشرك لا يتوقف على اعتقاد تأثير غير الله، بل إذا صدر من أحد عبادة من العبادات لغير الله صار مشركاً سواء اعتقد ذلك الغير مؤثراً أم لا" (١). • وقال أيضاً: "قوله: فالمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، وأما النبي ﷺ فهو واسطة بينه وبين المستغيث، فهو مستغاث به حقيقة، والغوث منه بالخلق والإيجاد، والنبي ﷺ مستغاث به مجازاً، والغوث منه بالكسب والتسبب العادي. أقول: وهكذا كان المشركون السابقون الذين بعث الله الرسل إليهم، فإنهم كانوا يعلمون أن الله تعالى هو الخالق الموجد، وأما الأصنام فيقولون إنها أسباب ووسائل عادية، فمن أجل ذلك كانوا يدعونهم ويستغيثون بهم ويعبدونهم.

стр. 78

وهذا هو دأب عبدة الصالحين، والقبور في هذا الزمان، يدعونهم ويستغيثون بهم، وينحرون لهم وينذرون لهم، والدعاء والاستغاثة والنحر والنذر كلها من أقسام العبادة على معناها المجازي، فكذلك فليحمل لفظ العبادة الواقع في كلام المشركين الأولين الذي حكاه الله تعالى عنهم حيث قال : ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ فما وجه الفرق (١)؟ قوله: وبالجملة فإطلاق لفظ الاستغاثة لمن يحصل منه غوث باعتبار الكسب أمر معلوم لا شك فيه لغة ولا شرعاً، فإذا قلت: أغثني يا الله، تريد الإسناد الحقيقي باعتبار الخلق والإيجاد، وإذا قلت: أغثني يا رسول الله، تريد الإسناد المجازي باعتبار التسبب والكسب والتوسط بالشفاعة. أقول: هكذا كان مشركو الجاهلية حذو النعل بالنعل، كانوا يدعون الصالحين والأنبياء والمرسلين طالبين منهم الشفاعة عند رب العالمين، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. على أن القول بأن إسناد الغوث إلى الله تعالى إسناد حقيقي باعتبار الخلق والإيجاد، وإلى الأنبياء والصالحين إسناد مجازي باعتبار التسبب والكسب، بديهي البطلان، بيانه من وجوه: (الأول) أنه لو كان مناط الإسناد الحقيقي اعتبار الخلق والإيجاد كما توهم صاحب الرسالة لزم أن يكون إسناد أفعال العباد كلها إلى الله تعالى حقيقياً، فإن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الخالق لأفعال العباد هو الله تعالى، وهذا يقتضي أن يتصف الله تعالى بالإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وصلة الرحم، وغير ذلك من الأعمال الحسنة، وكذلك يتصف حقيقة بالأعمال السيئة من الكفر والشرك والفسق والفجور والزنا والكذب والسرقة والعقوق وقتل النفس وأكل الربا وغيرها، فإنه تعالى هو الخالق لجميع الأفعال حسنها وسيئها، والتزام هذا فعل من لا عقل له ولا دين له، فإنه يستلزم اتصاف الله تعالى بالنقائص وصفات الحدوث واجتماع الأوصاف المتضادة بل المتناقضة.

стр. 79

و (الثاني) أنه لو كان مناط الإسناد المجازي اعتبار التسبب والكسب كما زعم هذا الزاعم لزم أن لا يكون إنسان حقيقة مؤمناً ولا كفاراً ولا براً ولا فاجراً، ولا مصلياً ولا مزكياً ولا صائماً ولا حاجاً ولا مجاهداً ولا زانياً ولا سارقاً، ولا قاتلاً، ولا كاذباً، فيبطل الجزاء والحساب، وتلغى الشرائع والجنة والنار، وهذا لا يقول به أحد من المسلمين و (الثالث) أن دعوى كون الأنبياء والصالحين سبباً للغوث وكاسباً له محتاج إلى إقامة الدليل ودونه لا تسمع، وبالجملة فهذه شبهة داحضة ووسوسة زاهقة، تنادي بأعلى نداء على صاحبها بالجهل والسفه. قوله: ومنه ما في صحيح البخاري في مبحث الحشر ووقوف الناس للحساب يوم القيامة: «بينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد ﷺ » فتأمل تعبيره ﷺ بقوله: «استغاثوا بآدم» فإن الاستغاثة به مجازية، والمستغاث به حقيقة هو الله تعالى. أقول: هذا ليس مما نحن فيه، فإن الاستغاثة بالمخلوق على نوعين: (أحدهما) أن يُستغاث بالمخلوق الحي فيما يقدر على الغوث فيه، مثل أن يستغيث المخلوق بالمخلوق ليعينه على حمل حجر أو يحول بينه وبين عدوه الكافر، أو يدفع عنه سبعاً صائلاً أو لصاً أو نحو ذلك، ومن ذلك طلب الدعاء لله تعالى من بعض عباده لبعض، وهذا لا خلاف في جوازه. والاستغاثة الواردة في حديث المحشر من هذا القبيل، فإن الأنبياء الذين يستغيث العباد بهم يوم القيامة يكونون أحياء، وهذه الاستغاثة إنما تكون بأن يأتي أهل المحشر هؤلاء الأنبياء يطلبون منهم أن يشفعوا لهم إلى الله سبحانه، ويدعوا لهم بفصل الحساب والإراحة من ذلك الموقف، ولا ريب أن الأنبياء قادرون على الدعاء، فهذه الاستغاثة تكون بالمخلوق الحي فيما يقدر على الغوث فيه. و (الثاني) أن يستغاث بمخلوق ميت أو حي فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وهذا هو الذي يقول فيه أهل التحقيق إنه غير جائز.

стр. 80

فإن قلت: هؤلاء المستغيثون بالأموات أو الغائبين أيضاً يطلبون منهم أن يشفعوا لهم إلى الله تعالى ويدعوا لهم بقضاء حاجاتهم وهم قادرون على ذلك فتكون استغاثتهم هذه من قبيل النوع الأول. قلتُ: في هذا التقرير خلل من وجوه: (الأول) أن فيه ذهولاً عن قيد الحي، والمراد بالحياة الدنيوية لا البرزخية. و (الثاني) أن ظاهر ألفاظهم مثل: يا رسول الله اشف مريضي واكشف عني، وهب لي ولداً ورزقاً واسعاً ونحو ذلك، دال على أنهم لا يطلبون منهم الشفاعة، بل يطلبون شفاء المريض وكشف الكربة وإعطاء الولد والرزق، وظاهر أنهم غير قادرين على تلك الأمور. و (الثالث) أن هؤلاء المستغيثين بالأموات والغائبين يدعونهم ويستغيثون من أماكن مختلفة ومواضع بعيدة معتقدين أن الأموات والغائبين يعلمون استغاثتهم ويسمعون دعاءهم من كل مكان وفي كل زمان، ولا ريب أن هذا إثبات لعلم الغيب لهم الذي هو من الصفات المختصة بالله تعالى فيكون شركاً" (١). وقال أيضًا: "وتحقيق القول في ذلك الباب أنا لا ننكر المجاز العقلي، ولكن لابد هناك من التفصيل، وهو أنه إذا وُجد في كلام المؤمنين إسناد شيء مما يقدر عليه العبد لغير الله تعالى يجب حمله على الحقيقة، ولا يصح حمله على المجاز العقلي كما في الأمثلة المذكورة. وإذا وُجد في كلام المؤمنين إسناد شيء مما لا يقدر عليه إلا الله مثل فلان شفاني وفلان رزقني وفلان وهب لي ولداً يجب حمله على المجاز العقلي، ولكن لا مطلقاً، بل متى لم يصدر من ذلك المتكلم شيء من الألفاظ والأعمال الكفرية مما هو كفر بواح، وشرك قراح، وأما إذا صدر منه شيء من تلك الألفاظ والأعمال فلا يحمل كلامه على المجاز العقلي، إذ المؤمن بهذا اللفظ والعمل قد انسلخ من الإيمان فلم يبق مؤمناً، فلا وجه لهذا الحمل، ولا ريب في أنّ عبدة الأنبياء والصالحين يصدر منهم من الألفاظ والأعمال ما هو كفر صريح كالسجدة والطواف والنذر والنحر ونحو ذلك.

стр. 81

على أنا نقول: إذا قال أحد من عبدة الأنبياء والصالحين: يا فلان اشف مريضي فما مراده؟ إن كان المراد الإسناد الحقيقي فلا ارتياب في كونه كفراً وشركاً. وإن كان المراد الإسناد المجازي بمعنى يا فلان كن سبباً لشفاء مريضي (١) أي ادع الله تعالى أن يشفي مريضي، فإن كان ذلك المدعو حياً حاضراً فليس هذا من الشرك في شيء، ولكنه لما كان موهماً للإسناد الحقيقي الذي هو شرك صريح كان حقيقاً بالترك، فإن الله تعالى قد نهانا عن استعمال اللفظ الموهم كما تقدم. وإن كان ذلك المدعو حياً غير حاضر، أو ميتاً وينادى من مكان بعيد من القبر، فهذا أيضاً شرك، فإن فيه إثبات علم الغيب لغير الله تعالى وهو من الصفات المختصة به تعالى. وإن كان ذلك المدعو ميتاً وينادى عند قبره، فهذا ليس بشرك ولكنه بدعة، فعلى كل حال ينبغي للمؤمن أن يجتنب دعاء غير الله، وذلك هو القول الذي لا إفراط فيه ولا تفريط" (٢). • وقال الشيخ أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي (المتوفى:١٣٢٩): "ومن أقبح المنكرات وأكبر البدعات وأعظم المحدثات ما اعتاده أهل البدع من ذكر الشيخ عبد القادر الجيلاني ﵀ بقولهم: يا شيخ عبد القادر الجيلاني شيئاً لله، والصلوات المنكوسة إلى بغداد، وغير ذلك مما لا يعد. هؤلاء عبدة غير الله ما قدروا الله حق قدره، ولم يعلم هؤلاء السفهاء أن الشيخ ﵀ لا يقدر على جلب نفع لأحد ولا دفع ضر عنه مقدار ذرة، فلِم يستغيثون به ولم يطلبون الحوائج منه؟! أليس الله بكاف عبده؟! اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك أو نعظم أحداً من خلقك كعظمتك. قال في "البزازية" وغيرها من كتب الفتاوى: "من قال: إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر". وقال الشيخ فخر الدين أبو سعد عثمان الجياني بن سليمان الحنفي في رسالته: "ومن ظن أنّ الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقد بذلك كفر. كذا في البحر الرائق". وقال القاضي حميد الدين ناكوري الهندي في "التوشيح": "منهم الذين يدعون الأنبياء والأولياء عند الحوائج والمصائب باعتقاد أن أرواحهم حاضرة تسمع النداء وتعلم الحوائج، وذلك شرك قبيح وجهل صريح، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾.

стр. 82

وفي البحر: لو تزوج بشهادة الله ورسوله لا ينعقد النكاح، ويكفر لاعتقاده أن النبي ﷺ يعلم الغيب، وهكذا في فتاوى قاضي خان والعيني والدر المختار والعالمكيرية وغيرها من كتب العلماء الحنفية. وأما في الآيات الكريمة والسنة المطهرة في إبطال أساس الشرك، والتوبيخ لفاعله فأكثر من أن تحصى، ولشيخنا العلامة السيد محمد نذير حسين الدهلوي في رد تلك البدعة المنكرة رسالة شافية" (١). • وقال العلامة جمال الدين القاسمي: "اتخذ العامةُ وكثير من المتعالمين وصفَ الوجاهة للأنبياء ذريعة المطلب والرغبة منهم، مما لا ينطبق على عقل ولا نقل، ولا يصدق على المعنى اللغويّ بوجه ما" (٢). • وقال الشيخ الأديب الشاعر إلطاف حسين الحالي (المتوفى:١٣٣٣): "هل يُعقل أنّ من عبد الصنم يكون كافرا، وأن من اتخذ لله ولدا يكون كافرا، وأن من سجد للنار يكون كافرا، وأن من رأى التصرف في الكواكب يكون كافرا! ولكن القبورية الذين ينتمون إلى الإسلام قد فتحت لهم الطرق كلها، وهم أحرار في أن يعبدوا من شاؤوا من دون الله، وهم مع ذلك لا يكفرون؟! وفي أن يرفعوا النبي ﷺ إلى منزلة الله تعالى، وهم مع ذلك لا يكفرون؟! وفي أن يرفعوا الأئمة فوق منزلة النبي ﷺ في التحليل والتحريم، ومع ذلك لا يكفرون؟! وفي أن ينذروا للقبور نذورا، وهم مع ذلك لا يكفرون؟! وفي أن يستغيثوا بالشهداء، ويطلبوا منهم الحاجات، وهم مع ذلك لا يكفرون؟! سبحان الله! لا يكفرون؟، ولا يقع الخلل في توحيدهم؟ ولا يختل إسلامهم؟، ولا يذهب إيمانهم؟! " (٣). • وقال العلامة محمد طيب المكي (المتوفى: ١٣٣٤): "فقد نفى الله معاونة غيره له، حيث قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ﴾ لا هبة كما تزعمه كفار قريش حيث يقولون: لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك، ولا كما تزعمه المعتزلة من أنّ العبد أُعطي قدرة يخلق بها أفعاله، ولا كما تزعمه غلاة المنهمكين في الأولياء من أن لهم التصرف، وأن الله أعطاهم تصرفًا في العالم وأنهم يولون ويعزون ويذلون ... ، ولا أصالة ولا قائل به. ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ﴾ بخلق شيء من أجزاء العالم، وفيه رد أيضًا على المعتزلة؛ إذ العبد لو خلق فعله لكان له في العالم شرك في الجملة. ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ ردٌّ على الفلاسفة القائلين بتوسط العقول وعلى كل من يرى مثل ذلك الرأي.

стр. 83

﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ردٌّ على الذين يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا عنده زلفى، وعلى القائلين إن الصالحين الذين نذهب إلى قبورهم ونستجير بهم ونستغيث- وإن لم يكونوا مُلاكًا ولا ظُهراء ولا شركاء- فهم أصحاب رتب ومقامات عند الله فهم شفعاء، فقال: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، فكيف لنا معرفة من أذن له؟ فإن نهاية ما ثبت من ذلك شفاعة النبي ﷺ ، والأنبياء والملائكة والصالحين يوم القيامة بعد الإذن، وبعد أقوال الأنبياء: نفسي نفسي ما عدا النبي ﷺ ، ولم يثبت أنهم يشفعون في كلٍ مهم، بل الخلاف واقع في سماعهم النداء وعدمه, وأيضًا من أخبرنا بأنهم أحباب الله؟ على أنّ الاستشفاع ليس ممن تشافهه ويجيبك بأني أشفع لك، ومع ذلك لو قال: أشفع، لا ندري هل تقبل شفاعته أم لا؟ والدعاء مقبول قطعًا إما في الدنيا أو تعوض عنه في الآخرة. على أنه من القواعد الشرعية أنّ من أطاع شيئًا أو عظّمه بغير أمر الله ذمَّه الله وغضب عليه كما سنقرره. وأيضًا من التوحيد الذي يحتاج فيه إلى الرسل تخصيصه بالعبادة والدعاء قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، ﴿أَمَرَ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاهُ﴾، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾، ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، وعن ابن عباس ﵁ قال: كنت خلف النبي ﷺ يومًا فقال: «ياغلام، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه الحافظ ابن كثير بأطول من ذلك. فمن دعا غير الله مستعينًا به أو طالبًا منه كمن قال: يا شيخ فلان أغثني، على سبيل الاستمداد منه فقد دعا غير الله، وهذا الدعاء منع عنه الشارع؛ إذ لا يُستعان إلا بالله ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. واعلم أن مَن أطاع مَن لم يأمر الله بطاعته أو من أمر بطاعته من وجه دون وجه فأطاعه مطلقًا، فإن الله سمَّى ذلك المطيع عابدًا لذلك المطاع ومتخذه ربًّا، قال الله تعالى: ﴿أَن لَاّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾، ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾، ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. فإذن ليس لأحد أن يَعبد غير الله، ولا أن يدعوه، وليس العبادة إلا نهاية الخضوع، والدعاء مخ العبادة.

стр. 84

وأما من قال: أتوسل، أو: بحق، فالعلماء منهم من يحرم ذلك مطلقًا، ومنهم من يجعله مكروهًا كما نص عليه في الهداية، ومنهم من يجيز التوسل بالأحياء دون الأموات كما فعله عمر رضى الله عنه، ومنهم من يخصه بالنبي صلي الله عليه وسلم، ومنهم من يجيزه، وعلى كلٍ فهو لم يطلبه الشارع منا، وقد وقع فيه شبهة فتركه أولى من هذه الحيثية وسدًّا للذرائع؛ لأنّ الجهلة لا يفرقون بين التوسل والاستشفاع، والطلب من المتوسَّل به، مع أن الاستشفاع لا يكون إلا في يوم مخصوص، والطلب من غير الله لا يجوز. ولو تأملت الأدلة الواردة بالتجويز مع ضعفها فإنها لا تفيد إلا جوازه بالنبي ﷺ ، فهو الوسيلة المقطوع بقربه من الله تعالى، وأما غيره فما يدرينا به، ومن العجب أن يترك التوسل بالنبي ﷺ ويتوسل بغيره. جعلنا الله وإياكم من المتبعين لا من المبتدعين" (١). • وقال الشيخ محمود شكري الآلوسي حفيد المفسر (المتوفى:١٣٤٢): "والرسول ﷺ أبطل دين المشركين، ومداره على الاستغاثة والالتجاء إلى غيره، وهي كانت عبادة الوثنيين، وكالذبح والنذر، غير أنهم كانوا عند النوائب يستغيثون بالله سبحانه، بخلاف عباد القبور في عصرنا" (٢). وقال أيضًا: "وإن أراد ما يعتقده عُبّاد القبور في معبوداتهم من الصالحين وغيرهم، وأنّ لهم قدرة على إجابة المضطر، وإغاثة الملهوف، وقضاء حوائج السائلين؛ فهذا شرك في الربوبية لم يبلغه شرك المشركين من أهل الجاهلية، بل هو قول غلاة المشركين الذين يرون لآلهتهم تصرفاً وتدبيراً. وإن أراد أنهم يُدْعَوْنَ ويُسْأَلُونَ ويُستغاث بهم والله يُعطي لأجلهم، فهذا هو قول الجاهلية من الأميين والكتابيين. وتقدمت الآيات الدالة على ذلك، وتقدم ما حكاه الشيخ من قول النصارى: يا والدة الإله اشفعي لنا إلى الإله. فهم طلبوا منها الشفاعة والجاه ليس إلا، وهذا من كفرهم وشركهم مع ما هم عليه من القول في عيسى وأمه- قاتلهم الله-، فإن كان هذا الزائغ أراد هذا الثاني فهو شرك غليظ، وقد تقدم له التصريح بذلك وعبارته هنا توهم الأول، وهو الغالب على عباد القبور في هذه الأزمان، نسأل الله العفو والعافية.

стр. 85

وأما كون الأولياء والصالحين في حال مماتهم كحال حياتهم يدعون لمن قصدهم ويتسببون في إنقاذه فهذا جهل عظيم، وقول على الله بلا علم، لم يرد به كتاب ولا سنة، ولا قاله ولا فعله أحد يعتد به ويقتدى به من أهل العلم والإيمان، وقد مضت القرون الثلاثة المفضلة ولم يعهد عن أحد منهم أنه قال ذلك أو فعله، وعندهم أشرف القبور على الإطلاق ولم يعرف عن أحد منهم أنه سأل الرسول ﷺ أو دعاه ولا غيره من الصالحين، وخبر العتبي سيأتي الكلام عليه، وأنّ فاعل ذلك أعرابي ليس مما يُقتدى به ويُحْتَجُّ بقوله، وإن كان بعض المتأخرين احتج بحكاية الأعرابي فهو احتجاج مدخول، وقد نازعهم من هو أقدم منهم وأجل من الأكابر والفحول" (١). وقال أيضًا: "ومن ذهب إلى مشاهد أهل البيت وغيرهم من الأولياء في بغداد في موسم الزيارات تحقق ما ذكرناه، واستقل بالنظر إلى فعل هؤلاء ما كان يفعله المشركون عند آلهتهم كاللات والعزى، وقد رأيت والله بعيني رأسي من سجد للأعتاب معرضا عن رب الأرباب، ولا أقول: إن العوام فقط على هذا المنوال، فكم قد رأينا وسمعنا عمن يدعي العلم قد فعل هذه الفعال" (٢). وقال أيضًا بعد الاستدلال بقوله تعالى ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾: "انظر هذا الاستفهام وحسن موقعه بعدما تقدم من الاستفهامات التي هي حجج وآيات على ما بعدها تعرف به فحش ما جاء به عباد القبور من دعاء آلهتهم والاستغاثة بهم في الملمات والشدائد المذهلات، وأن أهل الجاهلية كانوا يخلصون في الشدائد ويعترفون بأنه المختص بإجابة المضطر وكشف السوء، وهؤلاء يشتد شركهم عند الضر ونزول الشدائد" (٣). وقال أيضا: "وأما قوله [أي: النبهاني] في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ فإن قال قائل: هذا في الحي وله قدرة. قلنا: لا يجوز نسبة الأفعال إلى أحد حي أو ميت على أنّه الفاعل استقلالاً من دون الله. فهذا الكلام أورده بناء على أن النزاع في دعوى الاستقلال، وبزعمه أنه إذا لم يعتقد الاستقلال فالأسباب العادية كغيرها، ودعاء الأموات والغائبين يجوز عنده إذا لم يعتقد الاستقلال، هذه دعواه كرّرها مراراً واحتج بها.

стр. 86

والدعوى تحتاج لدليل لا تصلح هي دليلاً، لاسيما هذه الدعوى الضالة الكاذبة الخاطئة، والله سبحانه حكى استغاثة المخلوق الحي الحاضر فيما يقدر عليه من نصره على عدوه، وهذا جائز لا نزاع فيه، واعتقاد الاستقلال من دون الله وأن العبد يخلق أفعال نفسه هذه مسألة أخرى لم يقل بها إلا قدرية النفاة، والناس مختلفون في تكفيرهم بهذا القول. وبالجملة؛ فالنزاع في غير هذه المسألة، وإنما هو في دعاء الأموات والغائبين، وإن لم يستقل بذلك المطلوب من دون الله. ومن بلغت به الجهالة والعماية إلى هذه الغاية، فقد استحكم على قلبه الضلال والعناد، ولم يعرف ما دعت إليه الرسل سائر الأمم والعباد، ومن له أدنى نهمة في العلم والتفات إلى ما جاءت به الرسل يعرف أنّ المشركين من كل أمة في كل قرن ما قصدوا من معبوداتهم التي عبدوها مع الله تعالى إلا التسبب والتوسل والتشفع ليس إلا، ولم يدَّعوا الاستقلال والتصرف لأحد من دون الله" (١). وقال أيضًا: "ولا يخفى أن جُلّ شرك المشركين في حق من عبدوه مع الله تعالى إنما هو بدعائه وسؤاله قضاء حاجاتهم وتفريج كرباتهم" (٢). وقال أيضًا: " ... فمن المستحيل شرعًا وفطرة وعقلاً أن تأتي هذه الشريعةُ المطهرةُ الكاملةُ، وغيرُها بإباحة دعاء الموتى والغائبين والاستغاثة بهم من الملمات والمهمات كقول النصراني: "يا والدة المسيح اشفعي لنا إلى الإله"، أو "يا عيسى أعطني كذا"، أو" افعل بي كذا". وكذلك قول القائل: "يا علي، أو يا حسين، أو يا باس، أو يا عبد القادر، أو يا عيدروس، أو يا بدوي، أو يا فلان، ونحو ذلك من الألفاظ الشركية التي تتضمن العدل بالله، والتسوية به تعالى وتقدس، فهذا لا تأتي شريعة ولا رسالة بإباحته قط، بل هو من شعب الشرك الظاهرة الموجبة للخلود في النار ومقت العزيز الغفار، وقد نص على ذلك مشايخ الإسلام حتى ذكره ابن حجر في الإعلام مقررا له" (٣). وقال أيضا: "ومن ذلك عند الناس شيء كثير، من أحجار وآبار، وصخور وأشجار، يزعمون منها شفاء الأمراض وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات. ولو بسطت الكلام في ذلك- مما يستعمله الرجال والنساء، أو يختص بالنساء، من أشياء يعلقنها عليهن، ويبين خواصها وتأثيراتها في أزواجهن، ويسمينها بأسماء لو رجعت الجاهلية الأولى لعجزت عن أقل القليل من هذه الجهالات وسوء الاعتقادات- لاحتمل مجلدات، والويل كل الويل لمن أنكر ذلك، أو تكلم بأدنى شيء ينجي من تلكم المهالك" (٤).

стр. 87

• وجاء في البيان المفيد فيما اتفق عليه علماء مكة ونجد من عقائد التوحيد: "ونعتقد أنّ عبادة غير الله شرك أكبر، وأنّ دعاء غير الله من الأموات والغائبين، وحبّه كحب الله، وخوفه ورجائه، ونحو ذلك شرك أكبر، وسواء دعاه دعاء عبادة أو دعاء استعانة في شدة أو رخاء، فإنّ الدعاء هو العبادة، وسواء دعاه لجلب النفع، أو دفع الضر، أو دعاه لطلب الشفاعة، أو ليقربه إلى الله، أو دعاه تقليدًا لآبائه أو أسلافه أو لغيرهم، والأدلة على ذلك في كتاب الله كثيرة جدا، منها: قوله تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ الآية. وإنّ اعتقاد أنّ لشيء من الأشياء سلطانًا على ما خرج عن قدرة المخلوقين شرك أكبر، وأنّ مَن عظَّم غير الله مستعينًا به فيما لا يقدر عليه إلا الله كالاستنصار في الحرب بغير قوة الجيوش، والاستشفاء من الأمراض بغير الأدوية التي هدانا الله لها، والاستعانة على السعادة الأخروية أو الدنيوية بغير الطرق والسنن التي شرعها الله لنا يكون مشركا شركا أكبر" (١). وجاء فيه أيضًا: "ونعتقد أنّ الشفاعة ملك لله وحده ولا تكون إلا لمن أذن الله له ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، ولا يرضى الله إلا عمن اتبع رسله، فنطلبها من الله مالكها، فنقول: اللهم شفّع فينا نبيك مثلاً، ولا نقول: يا رسول الله اشفع لنا، فذلك لم يرد به كتاب ولا سنّة ولا عمل سلف، ولا صدر ممن يوثق به من المسلمين، فنبرأ إلى الله أن نتخذ واسطة تقربنا إلى الله أو تشفع لنا عنده، فنكون ممن قال الله فيهم وقد أقروا بربوبيته وأشركوا بعبادته ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ " (٢). • وقال الأديب مصطفى المنفلوطي (المتوفى: ١٣٤٣): "أي عين يجمل بها أن تستبقي من شؤونها قطرة لا تريقها أمام هذا المنظر المؤثر، منظر أولئك المسلمين وهم ركّع سجّد على أعتاب قبر ميت، ربما كان بينهم من هو خير منه في حياته، فأحرى أن يكون كذلك بعد مماته! أي قلب يستطيع أن يستقر بين جنبي صاحبه ساعة واحدة فلا يخفق وجدًا أو يطير جزعًا حينما يرى المسلمين أصحاب دين التوحيد أكثر المشركين إشراكًا بالله، وأوسعهم دائرة في تعدد الآلهة وكثرة المعبودات!. لماذا ينقم المسلمون التثليث من المسيحيين؟! ولماذا يحملون لهم في صدورهم تلك الموجدة وذلك الضغن؟! وعلام يحاربونهم وفيم يقاتلونهم، وهم لم يبلغوا من الشرك بالله مبلغهم، ولم يغرقوا فيه إغراقهم؟!

стр. 88

يدين المسيحيون بآلهة ثلاثة, ولكنهم كأنهم يشعرون بغرابة هذا التعدد وبُعده عن العقل, فيجملون فيه يقولون: إنّ الثلاثة في حكم الواحد، أما المسلمون فيدينون بآلاف من الآلهة أكثرها جذوع أشجار وجثث أموات وقطع أحجار من حيث لا يشعرون كثيرًا ما يُضمر الإنسان في نفسه أمرًا وهو لا يشعر به، وكثيرا ما تشتمل نفسه على عقيدة وهو لا يحس باشتمال نفسه عليها، ولا أرى مثلا لذلك أقرب من المسلمين الذين يلجؤون في حاجاتهم ومطالبهم إلى سكان القبور، ويتضرعون إليهم تضرعهم للإله المعبود، فإذا عتب عليهم في ذلك عاتب قالوا: إنا لا نعبدهم وإنما نتوسل بهم إلى الله، كأنهم لا يشعرون أنّ العبادة ما هم فيه، وأنّ أكبر مظهر من مظاهر الإله المعبود أن يقف عباده بين يديه ضارعين إليه يلتمسون إمداده ومعونته، فهم في الحقيقة عابدون لأولئك الأموات من حيث لا يشعرون" (١). وقال أيضًا: "والله لن يسترجع المسلمون سالف مجدهم، ولن يبلغوا ما يريدون لأنفسهم من سعادة الحياة وهنائها إلا إذا استرجعوا قبل ذلك ما أضاعوه من عقيدة التوحيد، وإنّ طلوع الشمس من مغربها وانصباب ماء النهر في منبعه أقرب من رجوع الإسلام إلى سالف مجده ما دام المسلمون يقفون بين يدي الجيلاني كما يقفون بين يدي الله, ويقولون للأول كما يقول للثاني ﷻ : "أنت المتصرف في الكائنات، وأنت سيد الأرضين والسموات". إنّ الله أغير على نفسه من أن يُسعد أقوامًا يزدرونه ويحتقرونه ويتخذونه وراءهم ظهريًا، فإذا نزلت بهم جائحة أو ألمت بهم ملمة ذكروا الحجر قبل أن يذكروه، ونادوا الجذع قبل أن ينادوه ... يا قادة الأمة ورؤساءها، عذرنا العامة في إشراكها وفساد عقائدها، وقلنا: إنًّ العامي أقصر نظرا وأضعف إدراكا من أن يتصور الألوهية إلا إذا رآها ماثلة في النصب والتماثيل والأضرحة والقبور، فما عذركم أنتم وأنتم تتلون كتاب الله, وتقرؤون صفاته ونعوته, وتفهمون معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللَّهُ﴾ وقوله مخاطبا نبيه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ , وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾؟! إنكم تقولون في صباحكم ومسائكم وغدوكم ورواحكم: "كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف" فهل تعلمون أنّ السلف الصالح كانوا يجصِّصون قبرا أو يتوسلون بضريح؟! وهل تعلمون أنّ أحدًا منهم وقف عند قبر النبي ﷺ أو قبر أحد من الصحابة وآل بيته يسأله قضاء حاجة أو تفريج كربة؟! وهل تعلمون أنّ الرفاعي والدسوقي والجيلاني والبدوي أكرم عند الله وأعظم وسيلة إليه من الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين؟!

стр. 89

وهل تعلمون أنّ النبي ﷺ حينما نهى عن إقامة الصور والتماثيل نهى عنها عبثًا ولعبًا أم مخافة أن تُعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى؟! وأي فرق بين الصور والتماثيل وبين الأضرحة والقبور ما دام كل منها يجر إلى الشرك, ويفسد عقيدة التوحيد؟! والله ما جهلتم شيئًا من هذا ولكنكم آثرتم الدنيا على الآخرة, فعاقبكم الله على ذلك بسلب نعمتكم، وانتقاض أمركم، وسلط عليكم أعداءكم يسلبون أوطانكم، ويستعبدون رقابكم، ويخربون دياركم، والله شديد العقاب" (١). • وسئل العلامة عبد القادر بن أحمد بن بدران الدمشقي (المتوفى: ١٣٤٦) عمن يقف عند قبر صالح ويقول: يا سيدي فلان أغثني. فرّج كربي. اشف ولدي. مدد يا سيدي. أهذا دعاء شرعه الله وعمِل به أصحاب رسول الله، أم هو شيء لم يشرعه؟ وإذا لم يكن مشروعًا أهو كفر أم محرّم أم مباح؟ فأجاب بما نصّه: "إن كان ذلك القائل يعتقد أنّ سيده فلان هو الذي يغيثه ويفرّج كربه ويشفي ولده ويمدّه بالمدد من عنده فقد كفر باتفاق المؤمنين العارفين بشرع سيد المرسلين إلا عند من هو على شاكلة ذلك القائل ممن يجعل ما سوّله الشيطان دينًا فاتخذ له أربابًا يعبدهم من دون الله مقلدا قول القائل: "اعل هبل". فليس غياث المستغيثين ومفرّج الكروب والشافي من الأسقام والأمراض وممدّ العوالم كلها إلا الله وحده لا شريك له في أفعاله وفي ذاته وفي صفاته، فمن وصف مخلوقًا ونسب إليه شيئا من أفعال الربوبية وصفاتها فقد جعل لله شريكًا، وكان سبيله سبيل المشركين الذين كانوا يقولون في التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. وإن كان قصده مجرد الدعاء فذلك غير جائز، وتلك الفرقة أصعب شيء إرجاعها إلى الحق، وإذا خاطبت أحدًا منهم تأول وتمحل وأرغى وأزبد ورمى الناصح بكل نقيصة زورًا وبهتانًا ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا﴾ " (٢).

стр. 90

• وقال القاضي العلامة عقيل بن يحيى الإرياني (المتوفى: ١٣٤٦): ولله فاخلص بالعبادة وحده ... فليس سواه للأنام يدبِّرُ سميعٌ عليم شاهد غير غائب ... لطيف خبير رازق متكبر سماعاً عباد الله مني نصيحة ... هي الحق فاصغوا وانصتوا وتدبروا نصحتكم أبغي الفلاح لكم غداً ... وحقُّ الذي يولي النصيحة يُشكر ألا نزهوا أوطانكم ونفوسكم ... عن الشرك والأوثان كي تتطهروا فهذي قبور الأوليا بينكم لها ... يُحج ويُستسقى لديها ويُنحر وها هي كالأصنام بين ظهوركم ... إليها لدى وقع الشدائد يُجأر جعلتم برب العالمين مشاركاً ... فيا ويح مَن مِن بعدِ الايمان يكفر أتدعون ميْتاً زاعمين بأنه ... .يجيب الذي يدعو ويُغني ويفقر ومن بعد قلتم إنهم شفعاؤكم ... إلى الله فهو الخالق المتجبر وأُقسم بالرحمن جلّ بأنه ... نظير مقال الجاهلية فاحذروا كما قلتمُ قالوا، فسيقت إليهم ... خيول متينات الأعنّة ضمّر دعاؤكم مخُّ العبادة فاعلموا ... كما قال طه الصفوة المتخير وكم منكم يدعو "ابن علوان" قائلاً ... دعوتك مضطرًا فجاهك أكبر أيا حابس الحنشان والفيل، بل ويا ... مقيِّد كل الجان، أنت المسخِّر دعوتك أرجو أن تلبّي دعوتي ... وأيقنت أنّ النجح لا يتعسر فأنت الذي في كل وقت تجيبنا ... إذا ما إجابات الإله تؤخّر فهذا هو الشرك الصريح الذي له ... تكاد السماوات العلى تتفطر (١).

стр. 91

• وقال العلامة أبو بكر محمد عارف خوقير الكتبي المكي مفتي الحنابلة بمكة في وقته (المتوفى: ١٣٤٩ هـ): "فالطامة الكبرى هو دعاء غير الله الذي يسميه علماء السوء توسلاً واستغاثة؛ فإنّ الدعاء عبادة خاصة به تعالى، لا يجوز صرفه لغيره كالسجود والذبح وغيرهما، ولم يرد في نوع من أنواع الكفر والردة من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير الله بالنهي عنه، والتحذير من فعله والوعيد عليه، فكم فيه من آيات صريحة، ... ولو لم يكن في القرآن إلا مجرد طلبه من خلقه لكان ذلك كافيًا في كونه عبادة، فكيف إذا انضم إلى ذلك النهي عن دعاء غيره تعالى، وقد توعد خلقه على الاستكبار عن الدعاء، كما جعل جزاءه الإجابة لما أمرهم فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، والاستكبار هو تركه؛ لأنّ الدعاء هو اعتراف بالعبودية والذلة والمسكنة، فإن تاركه إنما تركه لأجل أن يستكبر عن العبودية، ولا يتحقق الدعاء إلا إذا كان الداعي معولاً بقلبه على تحصيل مطلوبه، فمن دعا الله وفي قلبه ذرة من الاعتماد على ماله أو جاهه أو أقاربه أو أصدقائه أو جِدّه أو اجتهاده أو وليه فهو في الحقيقة ما دعا الله إلا بلسانه، أما بالقلب فهو معوّل على تحصيل ذلك المطلوب على غير الله تعالى، فهذا العبد ما دعا الله كما قال ذلك بعض المفسرين. فلا شك أن الدعاء من أجل الطاعات وأعظم العبادات بجميع معاني العبادة الاصطلاحية واللغوية، فإنها نهاية الخضوع والتذلل ... فمن صرف هذه العبادة لغير الله بأن دعا ميتًا أو غائبًا طالبًا منه ما لا يقدر عليه إلا الله من قضاء حاجة أو تفريج كربة فقد أشرك " (١). وقال أيضًا: "فعلى هذا من يعتقد فيمن يدعوه النفع، وأنه له قدرة على إجابة المضطر وإغاثة الملهوف، وقضاء حوائج السائلين، يكون قد أشركه في الربوبية، وذاك لم يبلغه شرك المشركين من أهل الجاهلية من الأميين وأهل الكتاب، بل هو قول غلاة المشركين الذين يرون لآلهتهم تصرفًا وتدبيرًا. فإلى الله المشتكى من أناس يُدخلون في باب التوسل دعاء غير الله مما يجري على ألسنة العامة، ويدافعون بالمكابرة، ويكذبون الوجدان والمحسوس، ويخدعون أنفسهم، ويغررون بخلق الله" (٢). وقال أيضًا: "فالشرك تشبيه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية التي تفرد بها . وبعبارة أخرى: اعتقاد أنّ لغير الله أثرًا فوق ما وهبه الله من الأسباب الظاهرة، وأنّ لشيء من الأشياء سلطانًا عما خرج عن قدرة المخلوقين" (٣).

стр. 92

• وقال العلامة محمد محمود خطاب السبكي (المتوفى: ١٣٥٢ هـ): "ومن المنكر ما يقع من بعض من لا خلاق لهم من اعتقادهم في قبور الصالحين والأولياء وبعض الأشجار والأولياء وبعض الأشجار والأبواب أنها تنفع أو تضر أو تقرب إلى الله تعالى أو تقضي الحوائج بمجرد التشفع بها إلى الله تعالى، يطوفون بها طواف الحجاج بيت الله الحرام، ويخاطبون الميت بالكلمات المكفّرة كقولهم: "أَقْصم ظهره يا سيد، وخذ عمره، وتصرف فيه يا إمام" ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد. ولكل جهة رجل ينادونه، فأهل مصر يدعون الشافعي والبدوي والبيومي، وأهل العراق والهند والشام يدعون عبد القادر الجيلي، وأهل مكة والطائف يدعون ابن عباس. وينذرون لهم النذور، ويذبحون لهم الذبائح، ويوقدون لهم السرج، ويضعون الدراهم في صناديقهم. ولا ريب أن هذا من أعمال الجاهلية ومخالف لدين الله تعالى ورسوله وما كان عليه سلفنا الصالح رضي الله تعالى عنهم" (١). • وقال العلامة محمد بن عثمان الشاوي (المتوفى: ١٣٥٤): "فإنا لم نكفّر بالعموم، ولا نكفّر إلا من قام الدليل القاطع على كفره، بصرفه حق الله لغيره، ودعائه، والتجاءه إلى ما لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا عن غيره" (٢). • وقال الشيخ محمد رشيد رضا (المتوفى:١٣٥٤): "ومن الناس من يسمّون أنفسهم موحّدين، وهم يفعلون مثلما يفعل جميع المشركين، ولكنهم يفسدون في اللغة كما يفسدون في الدين، فلا يسمون أعمالهم هذه عبادة، وقد يسمونها توسلا أو شفاعة، ولا يسمون من يدعونهم من دون الله أو مع الله شركاء، ولكن لا يأبون أن يسموهم أولياء وشفعاء، وإنما الحساب والجزاء على الحقائق لا على الأسماء، ولو لم يكن منهم إلا دعاء غير الله ونداؤه لقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، لكفى ذلك عبادة له هو وشركًا بالله ، فقد قال النبي ﷺ : «الدعاء هو العبادة» ... ومن تأمل تعبير الكتاب العزيز عن العبادة بالدعاء في أكثر الآيات الواردة في ذلك وهي كثيرة جدًا يعلم -كما يعلم من اختبر أحوال البشر في عباداتهم- أنّ الدعاء هو العبادة الحقيقية الفطرية التي يثيرها الاعتقاد الراسخ من أعماق النفس ولا سيما عند الشدة" (٣). وقال أيضًا: "وعبدةُ هذه القبور يعتقدون أنّ المدفونين فيها أحياء يقضون حاجات من يدعونهم ويستغيثونهم، وعلماء الخرافات يقولون لهم: إن عملهم هذا شرعي" (٤).

стр. 93

وقال أيضًا: "والآيات المنكرة على المشركين دعاء غير الله وكونه عبادة لهم وشركًا من الله كثيرة. ولكن المضلين للعوام من المسلمين يقولون لهم: لا بأس بدعائكم للأولياء والصالحين عند قبورهم، والتضرع والخشوع عندهم، فإنّ هذا توسّل بهم إلى الله ليقربوكم منه بشفاعتهم لكم عنده لا عبادة لهم. وهذا تحكّم في اللغة وجهلٌ بها، فأهل اللغة كانوا يسمون ذلك عبادة، والوسيلة في الدين هي غاية للعبادة، فإن معناها القرب منه تعالى، والتوسل طلب ذلك، فهو التقرب منه بما يرتضيه، وإنما يكون بما شرعه من عبادتك له دون عبادة غيرك ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. والذين عبدوا الملائكة والأنبياء والأولياء كانوا يقصدون بدعائهم أن يقربوهم إلى الله زلفى وأن يشفعوا لهم عنده، ويعتقدون أنهم لا يملكون نفعهم ولا كشف الضر عنهم بأنفسهم، بل ذلك هو الله الذي يجير ولا يجار عليه، وآيات القرآن صريحة في ذلك. نعم إنّ طلب الدعاء من المؤمنين مشروع من الأحياء دون الأموات، ويسمى في اللغة توسلا إلى الله لأنه قد شرعه، ومنه توسل عمر والصحابة بالعباس، بدلا من النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام، وإنما كان ذلك بصلاة الاستسقاء وما يشرع بعدها من الدعاء. فإذا قيل لهم هذا قالوا إنّ ما ورد من ذمّ دعاء غير الله والتقرب به إلى الله خاص بالمشركين، وما يعاب من المشركين لا يعاب من المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فأنتم تحملون الآيات في المشركين على المؤمنين. وهذا القول جهلٌ فاضح منهم، فإنّ الله تعالى ما ذم الشرك إلا لذاته، وما ذم المشركين إلا لأنهم تلبسوا به، وإن الذين أشركوا من أهل الكتاب ما كانوا إلا مؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولكن ما طرأ عليهم من الشرك أحبط إيمانهم، وكذلك يحبط إيمان من أشرك من المسلمين بدعاء غير الله، أو بغير ذلك من عبادة سواه، وإن لم يشرك بربوبيته، بأن كان يعتقد أنه هو الخالق المدبر لأمر العباد وحده، فهذا الإيمان عام قلّ من أشرك فيه، فتوحيد الإلهية هو إخلاص العبادة لله والتوجه فيها له وحده دون غيره من الأولياء والشفعاء المسخرين بأمره ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ " (١).

стр. 94

وقال أيضًا: "المعروف عند عامة أهل عصرنا من معنى التوسل أن يعتمد المرء في قضاء حاجاته من جلب نفع أو كشف ضر أو نجاة في الآخرة من عذاب الله أو فوز بنعيم الجنة على أشخاص الأنبياء والصالحين وسؤالهم ذلك، أو سؤال الله تعالى بأشخاصهم أن يعطيه إياه، دون العمل بما جاء به الرسل عن الله من علم اعتقادي وعمل صالح وهو ما كان الصالحون صالحين باتباعهم فيه. وهذا التوسل مخالف لأصول الإسلام وهداية القرآن، وجار على قواعد الوثنية" (١). وقال أيضًا: "ولهذا أمر الله تعالى رسوله أن يحتج على النصارى في عبادتهم للمسيح ﵇ بقوله: ﴿قلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وهذه حجة على عبدة القبور وعلى أصحاب العمائم الذين يتأولون لهم عبادتهم بما يظنون أنه يبعدهم عن عباد الأصنام، بقولهم: إن هؤلاء الأولياء أحياء عند ربهم كالشهداء فهم يضرون وينفعون لا كالأصنام. ولكن الله تعالى يقول للنصارى: إن المسيح لا يملك لهم ضرا ولا نفعا بعبادتهم له على ما آتاه من المعجزات. وإنّ هؤلاء الدجالين من الشيوخ يؤمنون بأن المسيح أفضل من البدوي والحسين والسيدة زينب وغيرهم ممن يزعمون أنهم يملكون الضر والنفع لمن يطلبه منهم، وحياته لا تزال في اعتقادهم حياة عنصرية، وحياتهم برزخية، ومعجزاته قطعية، وكراماتهم غير قطعية، كذلك أمر الله تعالى رسوله خاتم النبيين وأفضلهم أن يخبر الناس بنفي ملكه لضر الناس ونفعهم وهو حيّ" (٢). وقال أيضًا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾: "فمن توجّه قلبه في عبادة من العبادات، ولا سيما مخّ العبادة وروحها وهو الدعاء إلى غير الله فهو عابد له مشرك بالله، وأكده بالنهي عن ضده معطوفا عليه فقال: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أصحاب الديانات الوثنية الباطلة، الذين يجعلون بينهم وبين الله تعالى حجابا من الوسطاء والأولياء والشفعاء، يوجهون قلوبهم إليهم عند الشدة تصيبهم والحاجة التي تستعصي على كسبهم، ووجوههم وجملتهم إلى صورهم وتماثيلهم في هياكلهم، أو قبورهم في معابدهم، ويدعونهم لقضاء حوائجهم إما بأنفسهم وإما بشفاعتهم ووساطتهم عند ربهم. ثم بين هذا بالإشارة إلى سببه عند المشركين والنهي عن مثله معطوفا عليه فقال: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ أي: ولا تدع غيره تعالى دعاء عبادة، -وهو ما فيه معنى القربة والجري على غير المعتاد في طلب الناس بعضهم من بعض-، لا على سبيل الاستقلال، ولا على سبيل الاشتراك بوساطة الشفعاء ﴿مَا لَا يَنفَعُكَ﴾ إنْ دعوته لا بنفسه ولا بوساطته، ﴿وَلَا يَضُرُّكَ﴾ إنْ تركت دعاءه ولا إن دعوت غيره (فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ) أي فإن فعلت هذا بأن دعوت غيره فإنك أيها الفاعل في هذه الحال من طغامة الظالمين لأنفسهم الظلم الأكبر، وهو الشرك الذي فسر به النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؛ فإنه لما كان دعاء الله وحده هو أعظم العبادة ومخها - كما ورد في الحديث - كان دعاء غيره هو معظم الشرك ومخّه ...

стр. 95

والآيات في هذا المعنى كثيرة متفرقة في السور، كُرّرت لأجل انتزاع هذا الشرك الأكبر من قلوب الجمهور الأكبر، وقد انتزع من قلوب الذين أخذوا دينهم من القرآن، وكان جلّ عبادتهم تكرار تلاوته بالغدو والآصال، والليل والنهار. ثم عاد بقضّه وقضيضه إلى الذين هجروا تدبر القرآن وهم يدّعون الإسلام، وأكثرهم يتلقون عقائدهم من الآباء والأمهات والمعاشرين، وأكثر هؤلاء من الخرافيين الأميين الجاهلين، وأكثر القارئين منهم على قلّتهم يأخذونها من كتب مقلدة متأخري المتكلمين الجدلية والمتصوفة الخرافية، ولا يكاد مسجد من مساجدهم يخلو من قبر مشرف مشيّد، توقد عليه السرج والمصابيح، وقد لعن الرسول ﷺ فاعليها، ويتوجه إليه الرجال والنساء في كل صباح ومساء، يدعون من دون الله من يعتقدون أنهم أحياء يقيمون فيها، ويتقربون إليهم بالهدايا والنذور من الأميين، وبعرائض الاستغاثة والدعاء من المتعلمين، ليكشفوا عنهم الضر، ويهبوا لهم ما يرجون من النفع. ومِن أمامهم وورائهم عمائم مكورة، ولحى طويلة أو مقصرة، يسمّون شركهم الأكبر توسلا، واستغاثتهم استشفاعًا، ونذورهم لغير الله صدقات مشروعة، وطوافهم بالقبور المعبودة زيارات مقبولة، ويتأولون هذه الآيات الكثيرة، بل يحرّفونها عن مواضعها، بزعمهم أنها خاصة بعبادة الأصنام، والنذور للأوثان، والتعظيم للصلبان، كأن الإشراك بالله جائز من بعض الناس ببعض المخلوقات دون بعض" (١). وقال أيضًا: "وشر أنواع الاعتداء في الدعاء التوجه فيه إلى غير الله ولو ليشفع له عنده؛ لأنّ الحنيف من يدعو الله تعالى وحده، فلا يدعو معه غيره، كما قال: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدً﴾ أي لا ملكًا ولا نبيًا ولا وليًا. ومن دعا غير الله فيما يعجز هو وأمثاله عنه من طريق الأسباب كالشفاء من المرض بغير التداوي وتسخير قلوب الأعداء والإنقاذ من النار ودخول الجنة وما أشبه ذلك من المنافع ودفع المضار فقد اتخذه إلهًا؛ لأن الإله هو المعبود، والدعاء هو العبادة كما قال الرسول ﷺ " (٢). وقال أيضًا: "وهل يكابر أحدٌ في دعاء الألوف والملايين من عامتنا للموتى من الصالحين، إلا إذا كان لا يخجل من إنكار المحسوسات؟! ألا إنهم لا ينكرونه ولكنهم يؤولونه لهم: بأنهم لا يقصدون به العبادة، وإنما يقصدون التوسل! ألفاظ يلوكونها ولا يفهمونها، الرسول ﷺ يقول: «الدعاء هو العبادة» أي: هو الفرد الأعظم من أفرادها، والركن الأكمل من أركانها، كقوله: «الحج عرفة»، فتجويز دعاء غير الله كتجويز الصلاة لغير الله بدعوى عدم قصد العبادة، وتسميتها توسلاً أو ما يشاء أهل التأويل من الأسماء" (٣).

стр. 96

وقال أيضًا عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾: "وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ كَائنينَ مِنْ دُونِ اللهِ، أَوْ حَالَ كَوْنِكُمْ مُتَجَاوِزِينَ بِذَلِكَ تَوْحِيدَ اللهِ وَإِفْرَادَهُ بِالْعِبَادَةِ. فَهَذَا التَّعْبِيرُ يَصْدُقُ بِاتِّخَاذِ إِلَهٍ أَوْ أَكْثَرَ مَعَ اللهِ تَعَالَى وَهُوَ الشِّرْكُ، فَإِنَّ عِبَادَةَ الشِّرْكِ الْمُتَّخَذِ غَيْرُ عِبَادَةِ اللهِ خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، سَوَاءٌ اعْتَقَدَ الْمُشْرِكُ أَنَّ هَذَا الْمُتَّخَذَ يَنْفَعُ وَيَضُرُّ بِالِاسْتِقْلَالِ وَهُوَ نَادِرٌ، أَوِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَنْفَعُ وَيَضُرُّ بِإِقْدَارِ اللهِ إِيَّاهُ وَتَفْوِيضِهِ بَعْضَ الْأَمْرِ إِلَيْهِ فِيمَا وَرَاءَ الْأَسْبَابِ، أَوْ بِالْوَسَاطَةِ عِنْدَ اللهِ، أَيْ بِحَمْلِهِ تَعَالَى بِمَا لَهُ مِنَ التَّأْثِيرِ وَالْكَرَامَةِ عَلَى النَّفْعِ وَالضَّرِّ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مُشْرِكُو الْعَرَبِ عِنْدَ الْبَعْثَةِ كَمَا حَكَى الله عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ " (١). وقال أيضًا: "وأما مشركو العرب في زمن البعثة فلم يكونوا يجهلون أنّ هذا [أي: دعاء غير الله والاستشفاع به] كله يسمى عبادة؛ لأن اللغة لغتهم، ولم يكن لهم عرف ديني مخصص لعموم العبادة اللغوي، ولا باعث على التأويل أو التحريف، فكانوا يصرحون بأنهم يعبدون أصنامهم ويسمونها آلهة; لأن الإله هو المعبود وإن لم يكن ربا خالقا، ويقولون كما أخبر الله عنهم ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ﴾ ويسمونهم أولياء أيضًا ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ الآية. وقد فعل أهل الكتاب ومن اتبع سننهم من المسلمين مثل ذلك ولكن سموه توسلا، وأنكروا تسميته عبادة، والتسمية لا تغير الحقائق، وكذلك تغيير المعبودات من البشر والملائكة وما يذكر بها من صورة وتمثال أو قبر أو تابوت كالتابوت الذي يتخذه بعض أهل الهند للشيخ الصالح عبد القادر الجيلاني، فكل تعظيم ديني لهذه الأشياء أو الأشخاص بما ذُكر أو غيره مما لم يرد به شرع عبادة لها، وإشراك مع الله من حيث ذاته، ومن حيث كونه شرعا لم يأذن به الله" (٢). وقال أيضًا: "فمن دعا إلى عبادة نفسه فقد دعا الناس إلى أن يكونوا عابدين له من دون الله وإن لم ينههم عن عبادة الله، بل وإن أمرهم بعبادة الله. ومن جعل بينه وبين الله واسطة في العبادة كالدعاء فقد عبد هذه الواسطة من دون الله; لأنّ هذه الوساطة تنافي الإخلاص له وحده. ومتى انتفى الإخلاص انتفت العبادة، ولذلك قال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾، فلم يمنع توسلهم بالأولياء إليه تعالى أن يقول: إنهم اتخذوهم من دونه.

стр. 97

ويدل عليه أيضا قوله ﷺ : «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»، وفي رواية «فأنا منه بريء، هو للذي عمل له» رواه مسلم وغيره، وقوله ﷺ : «إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه، نادى مناد من أشرك في عمل عمله لله أحدًا فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك» رواه أحمد. والوجه الثاني: أنّ من يتوجه بعبادته إلى غير الله تعالى على أنه وسيلة إليه ومقرّب منه وشفيع عنده، أو على أنه متصرف بالنفع ودفع الضر لقربه منه، فتوجهه هذا إليه عبادة له مقدرة بقدرها، فهو عبد له في هذا القدر من التوجه إليه من دون الله، وهذا الوجه معقول في نفسه، والأول أقوى لأنّ النصوص مؤيدة له، وقد غفل عنه من أجازوا للعامة اتخاذ أولياء يتوجهون إليهم بالدعاء وطلب الحاجات ويسمون ذلك توسلا بهم إلى الله إنما هو عبادة لهم من دون الله" (١). وقال أيضًا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ﴾: "وفي هذا الجواب من أصول الدين أنّ شؤون الرب وسائر ما في عالم الغيب توقيفي لا يعلم إلا بخبر الوحي، ومنه اتخاذ الوسطاء عند الله مما ذكر وأنه عين الشرك. ولكن من علماء الأزهر من يثبتون هذه الوساطة بالرأي، ويحرّفون ما ينقضها من الآيات المحكمات والأحاديث المتفق عليها كأنها هي الأصل، حتى إنهم يبيحون دعاء الموتى واستغاثتهم عند قبورهم. ويحتجون على ذلك بأنهم أحياء فيهم" (٢). وقال أيضًا: "مدار العبودية على توجه العباد إلى المعبود فيما يرجون من نفع ويخافون من ضر، فاستعمل اللفظان في التنزيل في بيان أن الرب المستحق للعبادة هو من يملك الضر والنفع، غير خاضع ولا مقيد بالأسباب العادية، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً﴾، وقوله في عجل بني إسرائيل: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً﴾ وقوله: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً﴾ " (٣). وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾: "أمرهم ﵇ بالتوحيد الخالص، وقفّى عليه بالتحذير من الشرك، والوعيد عليه، ببيان أن الحال والشأن الثابت عند الله تعالى هو أن كل من يشرك بالله شيئًا مّا من ملك أو بشر أو كوكب أو حجر أو غير ذلك، بأن يجعله ندا له، أو متحدا به، أو يدعوه لجلب نفع أو دفع ضر أو يزعم أنه يقربه إلى الله زلفى، فيتخذه شفيعا، زاعما أنه يؤثر في إرادة الله تعالى أو علمه، فيحمله على شيء غير ما سبق به علمه، وخصصته إرادته في الأزل، من يشرك هذا الشرك ونحوه فإن الله يحرم عليه الجنة في الآخرة، بل هو قد حرمها عليه في سابق علمه، وبمقتضى دينه الذي أوحاه إلى جميع رسله، فلا يكون له مأوى ولا ملجأ يأوي إليه إلا النار دار العذاب والهوان، وما لهؤلاء الظالمين لأنفسهم بالشرك من نصير ينصرهم، ولا شفيع ينقذهم ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ﴾ ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾، فالنافع رضاه ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾، وشر أنواعه الشرك" (٤).

стр. 98

وقال أيضًا: " الاستغاثة والاستعانة بالمخلوق قسمان: أحدهما: ما يكون بين الناس من طلب التعاون والمساعدة في الأمور الكسبية: كاستغاثة مَن أَشْرَفَ على الغرق أو تردى في بئر أو حفرة بمن ينقذه مثلاً, وكاستعانة مَن وَقَعَ حِمْلُ دابته بمن يساعده على رفعه. فهذا القسم مشروع في كل عمل مشروع من الواجبات والمستحبات والمباحات. ثانيهما: ما يكون فيما وراء الأسباب التي هي من كسب الناس مما يخالف سنن الله تعالى في خلقه، كالاستغاثة بالموتى والاستعانة بهم وبالأحياء فيما ليس من مقدورهم وكسبهم كإنزال المطر, وشفاء المرضى بغير تداوٍ. فهذا القسم خاص بالله تعالى لا يطلب من غيره، وهو المراد بقوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ومعناه نستعينك وحدك ولا نستعين غيرك, كما أن معنى قوله تعالى قبله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ نعبدك ولا نعبد غيرك. فاستعانة غير الله تعالى بهذا المعنى كفر وشرك كعبادة غيره, ومن أمر بذلك كان آمرًا بالكفر بالله ومخالفة ما كُلَّف جميع عباده أن يخاطبوه به في كل ركعة من صلواتهم, فهل صار المسلمون في درجة من الجهل بدينهم يؤمّهم بها في صلاتهم, ويتولى وعظهم في مساجدهم مَن يأمرهم بهذا؟! وإذا لم تكن هذه الاستعانة هي الخاصة بالله تعالى بنص هذه الآية في أشهر سورة من كتاب ربهم, يحفظها كل مسلم ومسلمة فما هيه؟ على أن العباد يتحرون اجتناب الاستعانة بالمخلوقين وسؤالهم حتى في الأمور الكسبية التي أقام الله تعالى بها نظام هذا العالم, ... وقد بايع النبي ﷺ جماعة من أصحابه على ألا يسألوا أحدًا شيئًا منهم الصديق وأبو ذر وثوبان ﵃، فكان أحدهم يسقط سوطه أو خطام ناقته من يده وهو راكب, فلا يسأل أحدًا أن يناوله إياه. أقول: وهذه درجة كمال لا يقدر عليها إلا أفراد الرجال, وأما الأولى فيكلفها كل مؤمن؛ لأن تركها ينافي الإيمان, وفي المسألة أحاديث أخرى في الصحاح وآثار عن كبار الصحابة والتابعين ومَن دونهم من الصالحين. والاستغاثة في هذا الباب مثل الاستعانة، بل أخص لأنها عبارة عن الضراعة في الدعاء عند شدة الضيق, التي وصف الله تعالى مشركي العرب بأنهم لا يدعون غيره عندها, وإنما يشركون به بعد أن ينجيهم منها والآيات في ذلك متعددة. وقد استغاث المسلمون اللهَ تعالى يوم بدر, ولم يستغيثوا النبي ﷺ , بل كان - بأبي هو وأمي - إمامهم وقدوتهم في الاستغاثة, كما أنزل الله عليه ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ إلخ, وذلك أنهم كانوا قد قاموا بكل ما قدروا عليه, ولم يبق إلا ما لا يناله كسبهم من أسباب النصر, فسألوا الله تعالى مستغيثيه, فاستجاب لهم ونصرهم.

стр. 99

ولكنك تجد الألوف من المسلمين الأميين والمتعلمين يعارض هذه الأصول القطعية من التوحيد بشبهات تلقّاها بعضهم من بعض بالتسليم والتقليد الجهلي, وهي إن ما ثبت في الكتاب من حياة الشهداء, وما عليه جمهور أهل السنة من إثبات كرامات الأولياء يقتضيان جواز دعائهم ودعاء سائر الصالحين, واستعانتهم على قضاء الحاجات وكشف السوء والنصر على الأعداء, وسائر ما نعجز عنه من طريق الأسباب وسنن الله في الخلق؛ وهذه الشبهة باطلة من وجوه شرحناها في التفسير وباب الفتوى وغيره من المنار مرارًا, ومن أخصها أن حياة الشهداء من أمور عالم الغيب, وكرامات الأولياء من خوارق العادات عند مثبتيها, وقد أجمعوا على أن كُلاًّ منها يُؤخذ ما صح منه بالتسليم, فليس للمجتهد أن يقيس عليه ولا أن يستنبط منه حكمًا شرعيًّا, ولو لم يكن معارضًا لنصوص الكتاب والسنة كاستعانة غير الله تعالى, فكيف إذا كان كذلك وكان المستنبط مع هذا غير مجتهد ولا عالم كهؤلاء الجهال, وإن كان فيهم معمّمون كثيرون" (١). وقال أيضًا: "ولا شك أن الاستعانة بالأموات على قضاء الحوائج ليس من الأسباب التي سنها الله تعالى لذلك، ولم يقل أحد من أئمة الدين ولا من العقلاء بسببيته. أما نبذ العقل له فظاهر. وأما رفض الشرع له فيدل عليه الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح، وأكتفي الآن من الكتاب العزيز بقوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فهو نص صريح في أنه لا يستعان إلا بالله تعالى، ومن السنة بخبر «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله». وأما سيرة السلف الصالح فلم يُنْقَل عن الصحابة والتابعين أنهم كانوا يأتون قبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويقبلون عتبة الحجرة ويقولون: يا رسول الله أهلك فلانًا عدوي، وانتقم من فلان ظالمي، وأهلك الدود من زرعي، واشف داء قريبي، وقرّب وصال حبيبي، كما نراه ونسمعه من جهة العوام عند قبر السيد البدوي وقبر الإمام الحسين رضي الله تعالى عنهما. بل إن المطالب التي تصدر من هؤلاء تتجاوز هذا الحد، فإنهم يطلبون من الأولياء المستحيلات العقلية، والمنكرات الشرعية التي لا يجوز أن تطلب من الله تعالى، وقد أدى بهم الإهمال وعدم اشتداد العلماء بالإنكار إلى مروق بعضهم من الدين، كما يمرق السهم من الرمية" (٢). • وقال العلامة محمد بن أحمد العبدي الكانوني المالكي (المتوفى: ١٣٥٦): "ولعمري إنه لو كان ينزل الوحي من السماء بعد النبي سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ لنزل فينا أكثر من الأمم الماضية؛ لارتكابنا أقبح الأفعال وأشنعها من غير خوف من الله ولا وجل. أليس الذي ينسب إلى الولي أنه يعطي المال والولد والوظائف وكل شيء قد اتخذ مع الله إلها؟! أليس الذي تقول له: احلف لي على حقي، يحلف لك ما شئت من المرّات، وإذا ذكرت له الحلف بالولي الفلاني فإنه يقف حائرًا لما وقر في قلبه من ذلك الولي؟! أليس إنه خاف من الولي أكثر من خوفه من الله، وعظّمه أشد من تعظيم الله؟! وهذا معنى الربوبية. بل يجب على من له معرفة بقدر الواجب الملقى على عاتقه في حق أمته أن يقوم بالتعليم والإرشاد، وبيان العقيدة الصحيحة، والفرق بين الرب والولي، لنخرج من هذه الهوة السحيقة والمفازة المهلكة التي أوقعنا فيها الجهل بديننا، والخروج عن تعاليمه النقية، وقد صار سلفنا على منهاجه حتى بلغوا قمة المجد، ودانت لهم البلاد والعباد، ونشروا رواق العدالة والنور على أمم الأرض التي كانت أبعد الناس عن ذلك" (٣).

стр. 100

• وقال العلامة علي محفوظ الحنفي المصري (المتوفى: ١٣٦١ هـ): "المسألة الثانية: الاستغاثة بالمخلوق وكذا الاستعانة به إن كان ذلك فيما يقدر عليه نحو الحيلولة بينه وبين عدوه، ودفع الصائل عنه من لص أو سبع كأن يحمل معه متاعه أو يعلف دابته ونحو ذلك مما يجري فيه التعاون والتعاضد بين الناس، فلا ريب في جوازهما إذا كان ذلك مع اعتقاد أن لا مغيث ولا معين على الإطلاق إلا الله تعالى، وإذا حصل شيء من ذلك على يد غيره فالحقيقة له سبحانه. وأما ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فلا يستغاث فيه إلا به كغفران الذنوب، والهداية، وشفاء المريض، وإنزال المطر كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ اللّهُ﴾ ... وبما ذُكر علمت أنّ الاستغاثة بمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى لا تجوز؛ فإنها دعاء، والدعاء عبادة، بل مخّ العبادة، وغير الله تعالى لا يُعبد" (١). وقال أيضًا: "وبما تقدم يتضح لك أن المستغيث بإنسان طالبٌ منه سائلٌ له، بخلاف المتوسَّل به فليس مطلوبًا منه ولا مسؤولاً، وإنما يُطلب به، وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به" (٢). وقال أيضًا بعد أن ذكر أنّ لفظ التوسل يراد به معان ثلاثة وهي التقرب إلى الله بطاعته، والتوسل إلى الله بشفاعة ودعاء نبيه ﷺ ، والتوسل بمعنى الإقسام على الله بذات رسوله، وذكر أن هذا الثالث لم يقع من الصحابة لا في حياته ولا بعد موته، وأن ما يروى في ذلك فضعيف لا يصلح حجة في باب العقائد: "ومن هذا تعلم أنّ المقصود في كل ذلك هو الله ، وغيره شفيع فقط إذا أذن الله له، وقد يغفل عن هذا العوام فتراهم إذا نزل بهم أمر خطير وخطب جسيم في بر أو بحر تركوا دعاء الله تعالى ودعوا غيره فينادون بعض الأولياء كسيدي أحمد البدوي وسيدي إبراهيم الدسوقي والسيدة زينب ﵃، معتقدين أنهم يتصرفون في الأمور، ولا تسمع منهم أحدًا يخص مولاه بتضرع ودعاء، وقد لا يخطر له على بال أنه لو دعا الله وحده ينجو من تلك الشدائد" (٣). وقال أيضًا: "ويزعم كثير من قصار النظر أنّ الأولياء يتصرفون بعد وفاتهم بنحو شفاء المريض وإنقاذ الغريق والنصر على الأعداء ورد الضائع وغير ذلك مما يكون في عالم الكون والفساد على معنى أن الله تعالى فوّض إليهم ذلك لما لهم عنده من الجاه الأعلى والمقام الرفيع الأسمى فلهم ما يشاءون، ومَن قصدهم لا يخيب. وتراهم لهذا يرفعون لهم شكواهم في عرائض مكتوبة يضعونها في الأضرحة، وربما كان صاحب هذا الضريح في حال حياته لا يستطيع الأخذ بناصر المظلوم، ولكن الناس بعد الممات يجعلون له التصرف في الملك والملكوت. وقد قال عيسى ﵇: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ " (٤).

стр. 101

• وقال العلامة مبارك بن محمد الميلي المغربي المالكي (المتوفى: ١٣٦٤): "فإذا كان الدعاء عبادة وجب أن يختص بالله، وأن يحترز فيه من الوقوع في الشرك أو فيما هو ذريعة إليه" (١). وقال أيضًا: "دعاء غير الله ... فهو شرك صريح وكفر قبيح، وله نوعان: أحدهما: دعاء غير الله مع الله، كالذي يقول: يا ربي، ويا شيخي، يا ربي وجدي، يالله وناسه، يالله وسيدي عبد القادر ... وإطلاق الشرك على هذا النوع واضح؛ لأنّ الداعي عطف غير الله على الله بالواو ثابتة أو محذوفة، وهي تقضي مشاركة ما بعدها لما قبلها في الحكم، والحكم المشترك فيه هنا هو عبادة الدعاء. النوع الثاني: دعاء غير الله من دون الله، كالذي يقول: يا رجال الدالة، يا ديوان الصالحين. وإطلاق الشرك على هذا النوع باعتبار أن الداعي وإن اقتصر على المخلوق في اللفظ لم ينكر الله ولم يبرأ منه في العقد، فكأن الله في كلامه مضمر" (٢). وقال أيضًا: "ولقد فشا في المسلمين دعاء غير الله على شدة إنكار كتابهم له وتحذير نبيهم منه، حتى صار الجهلة ومن قرب منهم يؤثرونه على دعاء الله وحده" (٣). وقال أيضًا: "التصرف في الكون خاص بالله سبحانه، وكل لفظ فيه نسبة الفعل للمخلوق لا يخلو من ثلاث حالات: إحداها: أن تكون النسبة على معنى التأثير في الفعل من دون الله. ثانيتها: أن تكون على معنى التأثير بجعل الله وتفويضه. ثالثتها: أن تكون على معنى الإخبار عن عادة أجراها الله من غير تأثير ذاتي أو جعلي. والحالتان الأوليان هما المحكيتان عن وثنيي الكلدانيين ...

стр. 102

والحالة الثالثة ليست كفرًا، ولكن يمنع منها ما فيه من إيهام كما صرح بذلك الباجي في المنتقى (١). ومَن وقف على مقاصد الكثير من عوامنا في نسبة الأفعال إلى الأولياء وتصرفهم في الكون، لم يشك في انطباق الحالة الثانية عليهم؛ إذ يعتقدون أنّ الأولياء أعزاء على الله، وقد فوّض إليهم التصرف، وأنابهم عنه فيه، فما قضوه للناس وافقهم الله عليه" (٢). وقال أيضًا: "والدعاء بهذا المعنى يصدق بالاستعاذة والاستعانة والاستغاثة وغيرهن مما فيه معنى الطلب ... فإذا طلبت العوذ أو العون أو أمرًا آخر من المخلوق القادر عليه عادة لم يكن طلبك عبادة، فلم يختص بالله ولم تكن به مشركًا. وكذلك إذا نسبت شيئا لغير الله لكونه سببًا عاديًا فتقول: استعذت بالحاكم من الظالم، واستغثت بالجيران على اللصوص، واستصرخت ذا الغيرة على المغير، ... وإذا كان المطلوب لا يقدر عليه إلا من له قوة غيبية، وهو فوق الأسباب العادية، كان الطلب عبادة تختص بالله تعالى، ويكون طلب غيره حينئذ شركًا بالله" (٣). وقال أيضًا: "توحيد الله متناول لتوحيد التوجّه إليه والاستعانة به فيما لم ينصب له سببًا عادياً، وابن آدم - بلغ فضله ما بلغ- ليس له إلا التصرف المعتاد ما دامت روحه بجسده في عالم الشهادة، ولا تأثير للأرواح التي في عالم الملكوت في شيء من عالم الملك" (٤). وقال أيضًا: "ومرّ نهيه ﷺ عن جعل قبره وثنًا. واتخاذ القبر وثناً بأن يُطلب من صاحبه ما لا يُطلب إلا من الله" (٥).

стр. 103

• وقال العلامة التراد بن العباس الفاضلي الشنقيطي (المتوفى: ١٣٦٥): ولا تقل في شدة وكربة ... يا سيدي وشيخنا وحزبه مبتهلا وداعيًا غير الإله ... مستغرقًا عن الإله في سواه فلا تقل: يا سيدي جئت إليك ... أريد حاجي واتكاليَّ عليك حاشاك أن تردّني صفر اليدين ... وأنت ذو التمكين غوث الثقلين فبعضهم بذا المقال كفّرا ... وبعضهم لنحو ذا قد أنكرا • وقال الداعية الشهير حسن البناء (المتوفى: ١٣٦٩) في الأصول العشرين في الأصل الرابع عشر: "وزيارة القبور أيّاً كانت سنة مشروعة بالكيفية المأثورة. ولكن الاستعانة بالمقبورين أيّاً كانوا، ونداؤهم لذلك، وطلب قضاء الحاجات منهم عن قرب أو بعد، والنذر لهم، وتشييد القبور وسترها وإضاءتها، والتمسح بها، والحلف بغير الله، وما يلحق بذلك من المبتدعات كبائر تجب محاربتها، ولا نتأول لهذه الأعمال سدّاً للذريعة" (١). • وقال العلامة أحمد بن مصطفى المراغي (المتوفى: ١٣٧١): "ومن جعل بينه وبين الله واسطة في العبادة كالدعاء، فقد عبد هذه الواسطة من دون الله، لأنّ هذه الواسطة تنافى الإخلاص له وحده، وحين ينتفى الإخلاص تنتفى العبادة، ومن ثم قال تعالى: «فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ الآية. فتوسّلهم بالأولياء جعله تعالى يقول إنهم اتخذوا من دونه أربابًا" (٢).

стр. 104

وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى ﴿وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: "ومعنى قوله ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي متجاوزين بذلك توحيد الله وإفراده بالعبادة، وذلك إما أن يكون باتخاذ إله أو أكثر مع الله تعالى وهو الشرك، إذ عبادة الشريك المتخذ غير عبادة الله خالق السموات والأرض، سواء اعتقد المشرك أن هذا الشريك ينفع ويضر استقلالا، أو اعتقد أنه ينفع ويضر بإقدار الله إياه وتفويضه بعض الأمر إليه فيما وراء الأسباب، أو بالوساطة عند الله أي بما له من التأثير والكرامة على النفع والضر، وهذا هو الأكثر الذي كان عليه مشركو العرب عند البعثة، كما حكاه الله عنهم في قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى﴾. والخلاصة- إن اتخاذ إله من دون الله يراد به عبادة غيره سواء أكانت خالصة لغيره أو شركة بينه وبين غيره ولو بدعاء هذا الغير والتوجه إليه ليكون واسطة عنده" (١). وقال أيضًا: "وفي ذلك إيماء إلى أنه لا ينبغي أن نوجّه وجوهنا شطر قبور الأولياء والصالحين ونشد الرحال إلى من بعد منهم، ونتقرب إليهم بالنذور ونطوف بهم كما يطوف الحاج بيت الله الحرام، داعين متضرعين خاشعين نطلب منهم ما عجزنا عنه بكسبنا من دفع ضر أو جلب نفع، وكيف نتذكر هذه الآيات وأمثالها التي تجعل العبادة خاصة به تعالى، وما الدعاء إلا مخ العبادة وروحها وأجلى مظاهرها كما جاء في الأثر «الدعاء مخ العبادة». لكن أكثر العلماء وجمهرة الناس يتأولون هذه العبادة ويسمونها توسلا واستشفاعًا، والأسماء لا تغير من قيمة الحقائق شيئًا، فذلك بعينه هو ما كان يدّعيه المشركون وأهل الكتاب ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى﴾ " (٢).

стр. 105

وقال أيضًا: "الأنداد هم الذين خضع الناس لهم وقصدوهم في قضاء حاجاتهم، وكان مشركو العرب يسمون ذلك الخضوع عبادة، إذ لم يكن عندهم شرع ينهاهم عن عبادة غير الله. وأهل الكتاب الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أندادًا وأربابًا كانوا يتحاشون هذا اللفظ، فلا يسمون ذلك الاتخاذ عبادة ولا أولئك المعظمين آلهة وأندادا، بل يسمون دعاءهم غير الله والتقرب إليه توسلا واستشفاعًا" (١). • وقال العلامة محمد فريد وجدي مدير مجلة الأزهر ورئيس تحريرها (المتوفى: ١٣٧٣): "أما ما وراء ذلك من دفن الصالحين في مدافن خاصة، ورفع القباب عليهم، وإيقاد السرج بجانب أضرحتهم، وترتيب الخدم لهم، ونذر النذور بأسمائهم، وتقريب القرابين إليهم، والاستغاثة في الملمات بهم، والتمسح بمقاصيرهم، وإعلاء قبورهم، ووضع العمائم والبراقع فوقهم، فمن أشد مناهي الشرع، وهي مما لم يحدث في الإسلام إلا بعد الصدر الأول بقرون عديدة، وهي من أفظع البدع التي بدّل المسلمون بها أكرم أصول هذا الدين المحفوظ في الكتاب والسنة" (٢). • وقال العلامة عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف علامة حضرموت ومفتيها الأكبر في وقته (المتوفى: ١٣٧٥): "ومَن طَلب منهم [أي: الأولياء] ما لا يطلب إلا من جبار السموات، أو اعتقد أنّ لهم تأثيرًا من دون الله فقد وقع في صريح الإشراك، وما لنا وللتناول من بعيد وبين أيدينا الكتب التي نماسيها ونغاديها لوقائع أحوال السائلين، ففي البغية عن الكردي ... إلخ فتوى الكردي السابقة (٣). • وقال الشيخ محمد جميل الشطي الحنبلي (المتوفى: ١٣٧٩): "ونزور الصالحين أحياءً وأمواتًا، ولا نزيد في زيارة قبورهم على قراءة المشروع، وإن شئنا زيادة فالدعاء والسؤال من الله تعالى والتوسل بحقهم عليه وجاههم لديه، ولا نطلب منهم ما لا يطلب إلا من الله كالشفاء والرزق، فإن فعل ذلك مع اعتقاد التأثير كفر وشرك، وبدونه غير مشروع" (٤).

стр. 106

• وقال العلامة محمد سلطان المعصومي الخجندي الحنفي (المتوفى: ١٣٧٩): "يا أيها المسلم العاقل الصحيح الإسلام، تدبّر وتفكر هل ثبت أن أحداً من الصحابة ﵃ نادى النبي ﷺ في حياته أو بعد مماته من بعيد واستغاث به؟ ولم يثبت عن أحد منهم أنه فعل مثل ذلك، بل قد ورد المنع من ذلك كما سأذكره إن شاء الله تعالى ... وها أنا أذكر من نصوص المذهب الحنفي من الكتب المعتبرة والفتاوى المشهورة، ففي شرح القدوري: إن من يدعو غائباً أو ميتاً عند غير القبور، وقال: يا سيدي فلان ادع الله تعالى في حاجتي فلانة، زاعماً أنه يعلم الغيب، ويسمع كلامه في كل زمان ومكان، ويشفع له في كل حين وأوان، فهذا شرك صريح، فإنّ علم الغيب من الصفات المختصة بالله تعالى. وكذا إن قال عند قبر نبي أو صالح: يا سيدي فلان اشف مرضي، واكشف عني كربتي، وغير ذلك، فهو شرك جلي؛ إذ نداء غير الله طالباً بذلك دفع شر أو جلب نفع فيما لا يقدر عليه الغير دعاء، والدعاء عبادة، وعبادة غير الله شرك. وهذا أعم من أن يعتقد فيهم أنهم مؤثرون بالذات، أو أعطاهم الله تعالى التصرفات في تلك الأمور، أو أنهم أبواب الحاجة إلى الله تعالى، وشفعاؤه، ووسائله. وفيه اعتقاد علم الغيب لذلك المدعو، وهو شرك، نسأل الله الحفظ والعصمة عن الشرك والكفر والضلال ... قال العلامة السيد أحمد الطحطاوي في حاشية الدر المختار: "من ظن أن الميت يعلم الغيب أو يتصرف في الأمور دون الله تعالى واعتقد ذلك فقد كفر. واعلم أنّ بيان الأحكام الشرعية مما يجب على العلماء، وليس في ذلك تنقيص الولي، ولو كان حيًا وسئل عن ذلك لأجاب بالحق، وأغضبه نسبة التأثير إليه إلخ". • وقال العلامة مفتي الثقلين خير الدين الرملي الحنفي في فتاويه بعد نقل ما مرّ عن العلامة قاسم الحنفي: "وأنه إن ظن أن الميت يتصرف في الأمور كفر. قال في البحر: والحاصل أن من تكلم بكلمة الكفر عامدًا كفر عند الكل كما في فتاوى قاضيخان" انتهى. قال خاتمة المحققين المولوي عبد الحي اللكنوي في فتاويه في نظم البيان قال الشيخ فخر الدين أبو سعيد عثمان بن سليمان الجياني الحنفي ناقلاً عن الفتاوى البزازية وغيرها من كتب الفتاوى: من قال: إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر ... " (١).

стр. 107

وقال أيضًا بعد أن ضرب عدة أمثلة للاستغاثات التي يأتي بها بعض الناس: "اعلموا أيها المسلمون، يا أيها الحنفيون، هداني الله وإياكم، أنَّ هذه الكلمات كلُّها شرك وكفر وضلال في الدين الإسلامي، والشرع المحمدي، والمذهب الحنفي، بل والمذاهب الأربعة إجماعًا، وقائلها مشرك لا تصحّ صلاته، ولا صيامه، ولا حجّه، ولا إمامته، إلَاّ إذا تاب وآمن وأعلن توبته كما أشهر شركه. ولا شك أن كون تلك الكلمات شركًا وكفرًا وضلالاً ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأئمة من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين، كما هو مصرّح به في الكتب الحنفية المعتبرة كافة، وكذا معتبرات مذهب الشافعية والمالكية والحنابلة. لا شك أنّ نداء الميت سواء كان قريبًا أو بعيدًا ولو نبيًا يستلزم اعتقاد سماع الميت نداء المنادي وخصوصًا البعيد النائي. وطلب الإمداد منه يستلزم اعتقاد أنه يعلم الغيب، وأنه يقدر على التصرف، والدفع والمنع، وخصوصًا إذا كرّر وأكّد النداء والطلب، فإنه لا يبقى للتأويل محل. وذلك كفر صريح وشرك قبيح. والمتصرف والقادر على كل شيء وعالم الغيب هو الله تعالى وحده لا شريك له، والله هو الرب وحده، وأما سائر المخلوقات إنسيًا وجنيًا ووليًا ونبيًا فكلهم مخلوق ومربوب ومحتاج إلى تربية الرب الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، فإياه نعبد وإياه نستعين، فالاستعانة من الأموات وأهل القبور والأرواح - أيًا كان المستعان به ولو نبيًا- من شعائر المشركين من المجوس والبراهمة والبوذيين والصابئة والمنجمين" (١). وقال أيضًا: "والمسلم لا يطلب حاجته من غير الله، فإن من طلب حاجته من ميت أو غائب فقد فارق الإسلام، وممن صرّح بهذه المسألة من علمائنا الحنفية صاحب الفتاوى البزازية، والعلامة صنع الله الحلبي المكي، وصاحب البحر الرائق، وصاحب الدر المختار، وصاحب ردّ المحتار، والعلامة قاسم بن قطلوبغا، والعلامة بير علي البركوي صاحب الطريقة المحمدية، وأبو سعيد الخادمي، ومولوي عبد الحي اللكنوي في فتاويه كما أسلفته، وغيرهم من المحققين يرحمهم الله تعالى أجمعين وجعلنا من زمرتهم آمين. وكذا ممن صرّح به من علمائنا الحنفية العلامة السيد أحمد الطحطاوي في حاشيته على الدر المختار، ومنهم العلامة أحمد الرومي الأقحصاري فإنه صرّح في رسالة القبور كما في المفيد ...

стр. 108

وقال ابن الرومي في شرح المختار: قد قرّر الشيطان في عقول الجهال: أن الإقسام على الله بالولي، والدعاء به أبلغ في تعظيمه، وأنجح لقضاء حوائجه، فأوقعهم بذلك في الشرك. وبالجملة فإن المحققين من علماء الحنفية سلفًا وخلفًا متفقون على هذه المسألة كما بيّنت نبذة منها" (١). وقال أيضًا بعد أن ذكر أنّ مَن دعا غير الله من الأموات وطلب الحوائج منه، واعتقد أنه يعلم الغيب فقد كفر: "وقد اتفق جميع أهل العلم في هذا التكفير، ولا أعلم أحدًا من أهل السنة والجماعة على خلافه" (٢). • وقال العلامة علوي بن طاهر الحداد (المتوفى: ١٣٨٢): "وأما الغلو في الأولياء فسببه الجهل وقلة المعرفة بعقائد الدين، وقد ينتهي ببعض الناس إلى أن يُثبت لهم القدرة على الضر والنفع كما يثبت لله ، وهذا انتكاس على أمّ الرأس وفقد لحقيقة الإيمان والإسلام. قال الإمام العارف بالله محيي الطريق وداعي الفريق الحبيب عبدالله بن علوي الحداد العلوي: التصرف الحقيقي الذي هو التأثير والخلق والإيجاد لله تعالى وحده لا شريك له، ولا تأثير للولي ولا غيره في شيء قط لا حياً ولا ميتاً، فمن اعتقد أن للولي أو غيره تأثيراً في شيء فهو كافر بالله تعالى. انتهى" (٣).

стр. 109

• وقال العلامة المحدث ذهبيُّ العصر عبد الرحمن المعلمي (المتوفى: ١٣٨٦): "ومن الأعمال التي عدّها القرآن شركًا دعاء غير الله " (١). وقال أيضًا: "قال الله ﵎: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، فكلمة "إنّ" في مثل هذا تفيد التعليل على ما صرّحبه أهل الأصول وغيرهم، وذلك يقتض أن الدعاء عبادة، كأنه قال: ادعوني، فإن الدعاء عبادة، ومن استكبر عن عبادتي سيدخل جهنم. وقد أخرج الإمام أحمد والترمذي وأبو داود وغيرهم عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قال: «إن الدعاء هو العبادة» ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ... وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَاّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلَاّ شَيْطَاناً مَّرِيداً﴾ فجعل الدعاء شركًا، والشرك عبادة غير الله " (٢). وقال أيضًا: "لقائل أن يقول: قد علمنا أنّ السؤال من الله تعالى والرغبة إليه يسمى دعاء وأنه عبادة، وأنّ القرآن قد أثبت أنّ المشركين يدعون آلهتهم من دون الله، وثبت أنّ دعاءهم آلهتهم هو السؤال منها والرغبة إليها، وإن ذلك عبادة لها وشرك بالله ، ولكن ما هو السؤال الذي إذا وقع لغير الله كان دعاء وعبادة للمسؤول وشركًا بالله تعالى؟ فالجواب: أمر الله عباده أن يدعوه في صلاتهم قائلين ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ولا نزاع أن المعنى: نعبدك وحدك لا نعبد غيرك، ونستعينك وحدك لا نستعين غيرك، والاستعانة هنا عامة ... «وإذا استعنت فاستعن بالله» ... وقد نظرت في وجوه السؤال فوجدته على أقسام: القسم الأول: ما هو من باب سؤال الإنسان حقًا له عند المسؤول، كأن يكون لك دين عند إنسان فتطلبه منه. الثاني: ما جرت به العادة بالتسامح به على نية المكافأة، كقول التلميذ لزميله ناولني الكتاب. الثالث: سؤال الإنسان ما ليس بحق له، ولا جرت العادة بالتسامح به على نية المكافأة، وذلك كقول من يجد الكفاف من العيش لغني لا حق له عليه: أعطني دينارا. ومن هذا القسم سؤال الإنسان من ربه تعالى، لأنه لا حق له على ربه تعالى.

стр. 110

فأما الأول فلا يسمى استعانة، ولا يلزمه التذلل والخضوع. وأما الثاني فإنه وإن سمى استعانة، لكن لا يلزمه التذلل والخضوع إلا أنّ فيه رائحة مّا من ذلك. وأما الثالث فهو الذي يلزمه التذلل والخضوع. وقد يكون السؤال من القسم الأول ولكنه يصحبه تذلل مّا فيما يظهر، وذلك كسؤال الناس أنبيائهم عن أمور دينهم، وكذلك سؤال العامة علماءهم عن أمور الدين، وكذلك سؤال المحتاج العاجز حاجته من الغني" (١). ثم قال: "ومن القسم الثالث: سؤال العبد من ربه ، وهو المسمى دعاء، ومنه كما صرح به القرآن سؤال الملائكة، وسماه القرآن دعاء. وقد تأملنا الفرق بينه وبين سؤال الناس بعضهم بعضًا، فوجدنا الفرق أن السؤال من الملائكة فيه تذلل لهم وتعظيم يتدين به، أي: يطلب به نفع غيبي. وقد قدمنا أن كل ما كان كذلك فهو عبادة، فإن لم ينزل الله تعالى سلطانا بالأمر أو الإذن به فهو عبادة لغيره. وأما سؤال الناس بعضهم من بعض ما جرت العادة بقدرتهم عليه فمنه ما تذلل فيه، ومنه ما كان فيه تذلل ولكن لا يطلب به نفع غيبي" (٢). وقال أيضًا: "والحاصل أن الخطاب فيه [أي: في قولنا في التشهد: السلام عليك أيها النبي] ليس على بابه، وإنما هو على التنزيل، أي تنزيل الغائب منزلة الحاضر للدلالة على استحضاره في الذهن، كأن ذلك تنبيه للمصلي على تحري متابعة النبي ﵌ في أقواله وأفعاله، وهذا التحري يحمل على استحضار النبي ﵌ في الذهن حتى كأنه حاضر يرشد إلى أعمال الصلاة والمصلي يتابعه. وقد كان الصحابة يقولون ذلك في حياته ﵌ سرًا بحضرته أو غائبين عنه، وإنما عدل عنه من عدل بعد وفاته ﵌ لئلا يظن الجهال أنه خطاب حقيقي ...
следующие страницы →