Полный текст (137 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 76
قوله: وحياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم ثابتة عند أهل السنة بأدلة كثيرة.
أقول: هب أنّ حياة الأنبياء ﵈ ثابتة، ولكنها حسب اعتراف صاحب الرسالة ليست مثل الحياة الدنيوية، فلا يتفرع عليها جواز التوسل كما يتفرع على الحياة الدنيوية.
قوله: فإن قال قائل: إنّ شبهة هؤلاء المانعين للتوسل أنهم رأوا بعض العامة يأتون بألفاظ تُوهم أنهم يعتقدون التأثير لغير الله تعالى، ويطلبون من الصالحين أحياء وأمواتاً أشياء جرت العادة بأنها لا تطلب إلا من الله تعالى، ويقولون للولي: افعل لي كذا وكذا، وأنهم ربما يعتقدون الولاية في أشخاص لم يتصفوا بها، بل اتصفوا بالتخليط وعدم الاستقامة، وينسبون لهم كرامات وخوارق عادات وأحوالاً ومقامات وليسوا بأهل لها ولم يوجد فيهم شيء منها، فأراد هؤلاء المانعون للتوسل أن يمنعوا العامة من تلك التوسعات دفعاً للإيهام وسداً للذريعة، وإن كانوا يعلمون أن العامة لا يعتقدون تأثيراً ولا نفعاً ولا ضراً لغير الله تعالى ولا يقصدون بالتوسل إلا التبرك، ولو أسندوا للأولياء شيئاً لا يعتقدون فيهم تأثيراً.
فنقول لهم: إذا كان الأمر كذلك وقصدتم سد الذريعة، فما الحامل لكم على تكفير الأمة عالمهم وجاهلهم وخاصهم وعامهم؟ وما الحامل لكم على منع التوسل مطلقاً؟ بل كان ينبغي لكم أن تمنعوا العامة من الألفاظ الموهمة لتأثير غير الله تعالى، وتأمروهم بسلوك الأدب في التوسل.
أقول: أولاً: إن تقرير دليل المانعين نوع تحريف مقصود، وأصل تقريرهم هكذا: إنا نرى كثيراً من العامة وبعض الخواص يأتون بألفاظ دالّة دلالة مطابقة على أنهم يعتقدون التأثير لغير الله تعالى، ويطلبون من الصالحين أحياءً وأمواتاً أشياء لا يقدر عليها إلا الله، وينذرون لهم النذور وينحرون لهم النحائر ويقربون إليهم نفائس الأموال، ويجعلونهم وسائط يدعونهم ويسألونهم جلب المنافع، بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملوك أو لكونهم أقرب إلى الملك.
وبعد ملاحظة أصل تقريرهم وجه التكفير ظاهر، فإن اعتقاد تأثير غير الله كفر صريح، والدعاء والنذر والنحر عبادة، وعبادة غير الله شرك وكفر.
وثانياً: أنا معاشر أهل التوحيد لا نكفِّر الأمة كلهم عالمهم وجاهلهم وعامهم وخاصهم، هذا افتراء علينا، بل نكفّر من وُجد فيه موجبات الكفر من اعتقاد التأثير لغير الله واعتقاد أنه يضر وينفع، ودعاء غير الله والنذر له والنحر له وغيرها.
ثالثاً: أنّ مجرد عدم اعتقاد التأثير لغير الله لا يكفي للبراءة من الشرك كما تقدم، بل لابد فيها من إخلاص العبادة لله تعالى، بأن يكون الدعاء والاستغاثة والنذر والنحر وسائر أقسام العبادة كلها لله تعالى ...
стр. 79
و (الثاني) أنه لو كان مناط الإسناد المجازي اعتبار التسبب والكسب كما زعم هذا الزاعم لزم أن لا يكون إنسان حقيقة مؤمناً ولا كفاراً ولا براً ولا فاجراً، ولا مصلياً ولا مزكياً ولا صائماً ولا حاجاً ولا مجاهداً ولا زانياً ولا سارقاً، ولا قاتلاً، ولا كاذباً، فيبطل الجزاء والحساب، وتلغى الشرائع والجنة والنار، وهذا لا يقول به أحد من المسلمين
و (الثالث) أن دعوى كون الأنبياء والصالحين سبباً للغوث وكاسباً له محتاج إلى إقامة الدليل ودونه لا تسمع، وبالجملة فهذه شبهة داحضة ووسوسة زاهقة، تنادي بأعلى نداء على صاحبها بالجهل والسفه.
قوله: ومنه ما في صحيح البخاري في مبحث الحشر ووقوف الناس للحساب يوم القيامة: «بينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد ﷺ » فتأمل تعبيره ﷺ بقوله: «استغاثوا بآدم» فإن الاستغاثة به مجازية، والمستغاث به حقيقة هو الله تعالى.
أقول: هذا ليس مما نحن فيه، فإن الاستغاثة بالمخلوق على نوعين:
(أحدهما) أن يُستغاث بالمخلوق الحي فيما يقدر على الغوث فيه، مثل أن يستغيث المخلوق بالمخلوق ليعينه على حمل حجر أو يحول بينه وبين عدوه الكافر، أو يدفع عنه سبعاً صائلاً أو لصاً أو نحو ذلك، ومن ذلك طلب الدعاء لله تعالى من بعض عباده لبعض، وهذا لا خلاف في جوازه.
والاستغاثة الواردة في حديث المحشر من هذا القبيل، فإن الأنبياء الذين يستغيث العباد بهم يوم القيامة يكونون أحياء، وهذه الاستغاثة إنما تكون بأن يأتي أهل المحشر هؤلاء الأنبياء يطلبون منهم أن يشفعوا لهم إلى الله سبحانه، ويدعوا لهم بفصل الحساب والإراحة من ذلك الموقف، ولا ريب أن الأنبياء قادرون على الدعاء، فهذه الاستغاثة تكون بالمخلوق الحي فيما يقدر على الغوث فيه.
و (الثاني) أن يستغاث بمخلوق ميت أو حي فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، وهذا هو الذي يقول فيه أهل التحقيق إنه غير جائز.
стр. 83
﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ردٌّ على الذين يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا عنده زلفى، وعلى القائلين إن الصالحين الذين نذهب إلى قبورهم ونستجير بهم ونستغيث- وإن لم يكونوا مُلاكًا ولا ظُهراء ولا شركاء- فهم أصحاب رتب ومقامات عند الله فهم شفعاء، فقال: ﴿وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، فكيف لنا معرفة من أذن له؟ فإن نهاية ما ثبت من ذلك شفاعة النبي ﷺ ، والأنبياء والملائكة والصالحين يوم القيامة بعد الإذن، وبعد أقوال الأنبياء: نفسي نفسي ما عدا النبي ﷺ ، ولم يثبت أنهم يشفعون في كلٍ مهم، بل الخلاف واقع في سماعهم النداء وعدمه, وأيضًا من أخبرنا بأنهم أحباب الله؟
على أنّ الاستشفاع ليس ممن تشافهه ويجيبك بأني أشفع لك، ومع ذلك لو قال: أشفع، لا ندري هل تقبل شفاعته أم لا؟ والدعاء مقبول قطعًا إما في الدنيا أو تعوض عنه في الآخرة.
على أنه من القواعد الشرعية أنّ من أطاع شيئًا أو عظّمه بغير أمر الله ذمَّه الله وغضب عليه كما سنقرره.
وأيضًا من التوحيد الذي يحتاج فيه إلى الرسل تخصيصه بالعبادة والدعاء قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، ﴿أَمَرَ أَلَاّ تَعْبُدُوا إِلَاّ إِيَّاهُ﴾، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ﴾، ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، وعن ابن عباس ﵁ قال: كنت خلف النبي ﷺ يومًا فقال: «ياغلام، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه الحافظ ابن كثير بأطول من ذلك.
فمن دعا غير الله مستعينًا به أو طالبًا منه كمن قال: يا شيخ فلان أغثني، على سبيل الاستمداد منه فقد دعا غير الله، وهذا الدعاء منع عنه الشارع؛ إذ لا يُستعان إلا بالله ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
واعلم أن مَن أطاع مَن لم يأمر الله بطاعته أو من أمر بطاعته من وجه دون وجه فأطاعه مطلقًا، فإن الله سمَّى ذلك المطيع عابدًا لذلك المطاع ومتخذه ربًّا، قال الله تعالى: ﴿أَن لَاّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾، ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾، ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾.
فإذن ليس لأحد أن يَعبد غير الله، ولا أن يدعوه، وليس العبادة إلا نهاية الخضوع، والدعاء مخ العبادة.
стр. 98
وقال أيضًا: " الاستغاثة والاستعانة بالمخلوق قسمان:
أحدهما: ما يكون بين الناس من طلب التعاون والمساعدة في الأمور الكسبية: كاستغاثة مَن أَشْرَفَ على الغرق أو تردى في بئر أو حفرة بمن ينقذه مثلاً, وكاستعانة مَن وَقَعَ حِمْلُ دابته بمن يساعده على رفعه.
فهذا القسم مشروع في كل عمل مشروع من الواجبات والمستحبات والمباحات.
ثانيهما: ما يكون فيما وراء الأسباب التي هي من كسب الناس مما يخالف سنن الله تعالى في خلقه، كالاستغاثة بالموتى والاستعانة بهم وبالأحياء فيما ليس من مقدورهم وكسبهم كإنزال المطر, وشفاء المرضى بغير تداوٍ.
فهذا القسم خاص بالله تعالى لا يطلب من غيره، وهو المراد بقوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ومعناه نستعينك وحدك ولا نستعين غيرك, كما أن معنى قوله تعالى قبله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ نعبدك ولا نعبد غيرك.
فاستعانة غير الله تعالى بهذا المعنى كفر وشرك كعبادة غيره, ومن أمر بذلك كان آمرًا بالكفر بالله ومخالفة ما كُلَّف جميع عباده أن يخاطبوه به في كل ركعة من صلواتهم, فهل صار المسلمون في درجة من الجهل بدينهم يؤمّهم بها في صلاتهم, ويتولى وعظهم في مساجدهم مَن يأمرهم بهذا؟!
وإذا لم تكن هذه الاستعانة هي الخاصة بالله تعالى بنص هذه الآية في أشهر سورة من كتاب ربهم, يحفظها كل مسلم ومسلمة فما هيه؟
على أن العباد يتحرون اجتناب الاستعانة بالمخلوقين وسؤالهم حتى في الأمور الكسبية التي أقام الله تعالى بها نظام هذا العالم, ... وقد بايع النبي ﷺ جماعة من أصحابه على ألا يسألوا أحدًا شيئًا منهم الصديق وأبو ذر وثوبان ﵃، فكان أحدهم يسقط سوطه أو خطام ناقته من يده وهو راكب, فلا يسأل أحدًا أن يناوله إياه.
أقول: وهذه درجة كمال لا يقدر عليها إلا أفراد الرجال, وأما الأولى فيكلفها كل مؤمن؛ لأن تركها ينافي الإيمان, وفي المسألة أحاديث أخرى في الصحاح وآثار عن كبار الصحابة والتابعين ومَن دونهم من الصالحين.
والاستغاثة في هذا الباب مثل الاستعانة، بل أخص لأنها عبارة عن الضراعة في الدعاء عند شدة الضيق, التي وصف الله تعالى مشركي العرب بأنهم لا يدعون غيره عندها, وإنما يشركون به بعد أن ينجيهم منها والآيات في ذلك متعددة. وقد استغاث المسلمون اللهَ تعالى يوم بدر, ولم يستغيثوا النبي ﷺ , بل كان - بأبي هو وأمي - إمامهم وقدوتهم في الاستغاثة, كما أنزل الله عليه ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ إلخ, وذلك أنهم كانوا قد قاموا بكل ما قدروا عليه, ولم يبق إلا ما لا يناله كسبهم من أسباب النصر, فسألوا الله تعالى مستغيثيه, فاستجاب لهم ونصرهم.