الجامع لسيرة الإمام ابن قيم الجوزية
(٦٩١ - ٧٥١)
خلال ستة قرون
جمع وتحقيق
علي بن محمد العمران
مؤلفات الإمام ابن قيم الجوزية
نسخها الخطية وطبعاتها
إعداد
محمد عزير شمس
стр. 2
تقديم
الحمد لله على تمام نعمه، وسابغ فضله، نعمًا تستوجب شكرًا، وشكرًا يقتضي حمدًا، وحمدًا لا ينفد أبدًا. ثم صلِّ يا رب على مصطفاك، وسلِّم على مجتباك، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداك.
أما بعد، فيطيب لـ «عطاءات العلم» - وهي بيت خبرة في تطوير المشاريع العلمية الشرعية وتمكين العاملين فيها - أن تقدِّم لأهل العلم وشداته هذا السِّفر النفيس المختصَّ بترجمة الإمام العلامة صاحب التواليف البارعة: محمد بن أبي بكر بن أيوب شمس الدين ابن قيم الجوزية (٧٥١ هـ) ﵀، والمشتمل بين دفَّتيه على: «الجامع لسيرة الإمام ابن قيم الجوزية»، و «مؤلفات الإمام ابن قيم الجوزية: مخطوطاتها ومطبوعاتها».
وهذا الكتاب هو خاتمة إصدارات السلسلة المباركة «آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال»، والعنوان الأخير في ديوانها البالغ (٣٥) عنوانًا والمطبوعة في (٦٥) مجلدًا (١)، وبإصداره ينتهي العمل في واحد من أكبر مشاريع نشر التراث العلمي في العقدين الأخيرين.
ظهرت باكورة المشروع في سنة ١٤٢١ من الهجرة بإصدار المجموعة الأولى من سلسلة «آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال»، وتوالى نشرها حتى بلغ عدة ما طبع من هذه السلسلة (٢٢) عنوانًا في (٣١)
стр. 3
مجلدًا (١). ثم جاءت «آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي» في سنة ١٤٢٦ حاوية (١٢) عنوانًا في (٢١) مجلدًا. تلتها «آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي» في سنة ١٤٣٢ مشتملة على (٢١) عنوانًا في (٢٥) مجلدًا.
فإذا ضممنا إليها أجزاء هذه السلسلة التي بين أيدينا من آثار الإمام ابن القيم كانت عدة هذه المعلمة السلفية العظيمة (٩٠) عنوانًا صدرت في (١٤٢) مجلدًا، لأربعة من أئمة المسلمين الأعلام، بحمد الله تعالى.
والشأن في مثل هذه الأعمال ذوات العدد والمدد أن تنقطع في منتصف الطريق ولمَّا تبلغ القصد، ما لم تتصل بحبل من الله: إعانة وتوفيقًا، وحبل من الناس: رعاية وإنفاقًا.
وقد وجَّه الله همَّة الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀ ليكون سببًا في بَعْث هذا المشروع من فكرته، والسعي في تمويله، والتأليف من أجله، والإشراف عليه. كما سخَّر لتمويله الكامل طيلة هذه المدة الوجيه السَّريَّ الشيخ سليمان بن عبد العزيز الراجحي ذا البذل الجزيل في وجوه الخير والإحسان ومؤسسته الخيرية الرائدة.
وهذه - والذي برأ النسمة - مفخرة عظيمة، ومكرمة أثيرة ساقها الكريم إلى هذين الرجلين العالم والنبيل، واختصهما بها.
فلا غرو أن تكون هذه المعلمة المباركة بسلاسلها الأربع غرَّة في جبين
стр. 4
الدهر، ومفخرة لأهل هذا العصر، وأنموذجًا يحتذى في عمق أثرها، وامتداد نفعها، وانتشارها في الخافقين، بما تهيَّأ لها من عوامل النجاح وأسباب القبول: وضوح المنهج، وسلوك الجادَّة، وحسن الإدارة، وكفاءة العاملين، والدعم السخي، وسلامة القصد فيما نحسب، والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحدًا.
ولئن انتهت أعمال النشر العلمي الجديد في هذه المشروع فإن أعمال «عطاءات العلم» ستسمر في إعادة الطبع والنشر والتطوير وتلقي ملاحظات القرَّاء ومقترحاتهم حول إصدارات هذا المشروع.
فرحماتٌ سابغاتٌ وتحياتٌ زاكياتٌ على الأئمة الأعلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والأمين الشنقيطي والمعلمي، ومغفرةٌ ورضوانٌ لصاحب السبق والبدار بكر أبو زيد، ودعواتٌ بالغاتٌ وبركاتٌ طيباتٌ لصاحب البذل والعزيمة سليمان بن عبد العزيز الراجحي، والقائمين على مؤسسته الخيرية الرائدة، ولكافة من ضرب فيه بسبب، أو أسهم فيه بعلم، ممن أدار هذا العمل وأشرف عليه، ومَن حقَّق ونسَخ وصفَّ وراجع وصحَّح وحكَّم، وطبع ونشر، وأفاد ونصح.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
عطاءات العلم
info@ataat.net
١٨/١١/١٤٤١
стр. 5
مقدمة
الحمد الله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد.
والحمد لله في البدء والختام، وله الفضل والمنّة وحده على ما يسّر ووفق وأعان على إتمام العمل في تحقيق ما انتهى إلينا خبره من مؤلفات الإمام العلامة المتفنن محمد بن أبي بكر الزُّرَعي الحنبلي المعروف بابن قيِّم الجوزية رحمه الله تعالى.
وبعد، فهذا المجلد الذي بين يديك يحوي كتابين:
- الجامع لسيرة الإمام ابن قيم الجوزية.
- مؤلفات الإمام ابن قيم الجوزية ــ نسخها الخطية وطبعاتها.
وتأتي أهمية الأول في إثراء ترجمة ابن القيم، وجَمْع ما تفرّق في المصادر في صعيد واحد، ونَشْر مصادر جديدة لم تُنشر من قبل.
وأهمية الكتاب الثاني في الكلام على مؤلفاته مخطوطها ومطبوعها، والكلام على الخدمات الأخرى التي حظيت بها من الاختصار والشرح والترجمة وما إلى ذلك.
والله الموفق والمعين.
وكتب
علي بن محمد العمران
١٧/رجب/١٤٤١
Aliomran@hotmail.com
стр. 6
الجامع
لسيرة الإمام ابن قيِّم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)
خلال ستة قرون
جمع وتحقيق
علي بن محمد العمران
стр. 7
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد، فهذا هو (الجامع لسيرة الإمام ابن قيم الجوزية) رحمه الله تعالى، جمعناه على غرار ما صنعنا في «الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية»، الذي طبع قبل أكثر من عشرين سنة.
وفكرتُه هي ضمُّ جميع تراجم ابن القيم المودعة في كتب التاريخ والتراجم والسِّيَر، مِن أول مَن ترجم له من المصنفين إلى رأس سنة ١٣٠٠. ووقفنا عند رأس القرن الرابع عشر باعتبار أن ما يأتي بعده لن يأتي بجديد، وأيضًا لكثرة الكتابات في القرنين الرابع عشر والخامس عشر وانتشارها.
وقد ضممنا في هذا الجامع من كتب التاريخ والتراجم على مدى ستة قرون: تسعًا وأربعين ترجمة، منها المطبوع ومنها المخطوط.
وثمار هذا الجمع عديدة، ذكرنا طرفًا منها في مقدمة «الجامع لسيرة ابن تيميّة» (١) ولا مانع من ذِكْرها ملخصة هنا:
* أنه يقدم للباحث ثبتًا كاملًا بكل الترجمات المتفرقة في المصادر، مما يُغْنيه عن الرجوع إلى عشرات الكتب المطبوعة والمخطوطة، فيوفر عليه الجهد والوقت.
стр. 8
* نشر عددٍ من الترجمات المخطوطة، وهي تُعَدُّ من المصادر المهمة في ترجمته.
* أن هذا الجمع يُظهر لنا الكتب الأصيلة التي قدمت لنا معلومات موثقة ومستوعبة، ويُظهِر التراجم الأخرى التي لا تعدو أن تكون اختصارًا أو انتقاءً أو تَكْرَارًا لما في المصادر الأصيلة.
* أن هذا الجمع يُعطي الباحث الفرصة السانحة والمجال الأرحب للمقارنة بين هذه المصادر، والكشف عن مقدار اقتباس المتأخر من المتقدم.
* أنه يعطي الباحث ــ أيضًا ــ فرصةَ اعتبار المعلومات في هذه التراجم فيميز الموثق منها والمزيف، وما تفرَّدت به بعض المصادر، وما حُكي في البعض الآخر على الاحتمال وجُزِم به في مكان آخر، وما رُوي مُجملًا في مصدر، وفُصِّل في مصدرٍ آخر، وهكذا.
* أنه يعطي الباحث فرصة لتكوين صورة صادقة متكاملة عن المترجَم له، وكيف كان ينظر إليه المؤرخون وإلى آرائه؛ على اختلاف مذاهبهم، ومشاربهم، وعصورهم، وثقافاتهم.
* أنه يمكّننا من دراسة كتبه وآثاره، وتوثيق نسبتها إليه، ويقرّب إمكان حصرها بدقة.
* أنه يُصحِّح كثيرًا من الأخطاء والتصحيفات الواقعة في كثير من الكتب لتكرر المعلومات وتشابهها.
стр. 9
تقويم تراجم هذا الجامع:
أهم الترجمات على الإطلاق في هذا الجامع هي ما كتبه تلاميذه وأصحابه ثم معاصروه، وتتفاوت أهميتها أيضًا في هذا النطاق بحسب ما يوليه المترجم من العناية والتوسُّع، وكانت أهم ترجمة هي: ترجمة تلميذه شهاب الدين أحمد ابن رجب الحنبلي ت ٧٧٣، في «معجم شيوخه - المنتقى»، ثم ترجمة ابنه الحافظ عبد الرحمن ابن رجب ت ٧٩٥ في «الذيل على طبقات الحنابلة»، وعصريّه الصفدي ت ٧٦٤ في كتابيه «أعيان العصر» و «الوافي بالوفيات»، ثم الذهبي في «المعجم المختص»، وابن كثير في «البداية والنهاية».
وكان يتوقع من ابن شاكر الكتبي ت ٧٦٤ باعتباره معاصرًا له ومحبًّا لشيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته، وتعرض مع ابن القيم للأذى في بعض ما جرى للشيخين (١) = أن يأتي بجديد في ترجمته في «عيون التواريخ ــ مخطوط»، لكنه اقتصر على النقل من ابن كثير.
وتأتي مراتب المصادر التي لم تعاصر الشيخ كالتالي: كتاب «الدرر الكامنة» لابن حجر، و «الرد الوافر» لابن ناصر الدين، ثم الكتب الناقلة ككتاب «الشذرات» لابن العماد مادته من «الذيل» لابن رجب. و «البدر الطالع» للشوكاني مادته من «الدرر الكامنة». و «أبجد العلوم» للقنوجي مادته من الشوكاني. وليس في هذه الكتب إضافة تذكر من حيث المعلومات، وإنما
стр. 10
في التعليق على قضايا مثارة في ترجمته والانتصار له وتخريج بعض ما قيل في ترجمته من نقد.
وبقيّة التراجم إما مقتضبة في أسطر قليلة، وإما منقولة برمّتها من المصادر الأصيلة السالف ذكرها. ومع ذلك فلا تخلو هذه الكتب من فائدة إما مباشرة كزيادة معلومة، أو غير مباشرة كتصحيح نص في المصادر الأخرى.
طريقة العمل:
- استخرجنا تراجم ابن القيم من كتب التواريخ والسير من سنة ٧٠٠ - ١٣٠٠.
- رتبناها على سنة وفاة مؤلفيها.
- صححنا النص المطبوع ولم نعتمد على الطبعة، فقد وقع في طبعات الكتب الكثير من التحريف والتصحيف، فما جزمنا بكونه تصحيفًا صححناه دون إشارة أو بإشارة إذا اقتضى الأمر ذلك، وما لم نجزم به تركناه على حاله ونبّهنا في الهامش عليه.
- والمخطوطات نسخناها وضبطنا نصها.
- نذكر معلومات نشر الكتاب أو مكان حفظ المخطوط الذي اعتمدناه في الهامش عند ذكر العنوان.
- لم يكن من همنا تعقب المصادر في المعلومات الواردة والآراء الخاصة بمؤلفيها إلا في مواضع معدودة لمقتضٍ معتبر.
- بعض المؤلفين توفي بعد سنة ١٣٠٠، لكنه ألف كتابه قبل ذلك كما هو الحال في القنوجي (١٣٠٧) ونعمان الألوسي (١٣١٧) وغيرهما.
ولا يفوتني في ختام هذا التقديم أن أشكر المشايخ الكرام الذين
стр. 11
تواصلت معهم وجادت أنفسهم ببذل الفائدة من مخطوط أو معلومة، وهم: حسين بن عكاشة رمضان، ومصطفى القباني أبو جنة الحنبلي، وأبو عمر عادل العوضي.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
وكتب
علي بن محمد العمران
٧/ربيع الأول/ ١٤٤١
стр. 12
نماذج من المخطوطات
стр. 13
دستور الأعلام لابن عزم - الحرم المكي
стр. 14
عيون التواريخ لابن شاكر- أحمد الثالث
стр. 15
مختصر الذيل على طبقات الحنابلة ــ بايزيد
стр. 16
عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان - دار الكتب المصرية
стр. 17
المنتهى في وفيات أولي النهى للحسيني ــ نسخة ليبزج
стр. 18
منتخب شذرات الذهب - تشستربيتي
стр. 19
الجامع
لسيرة الإمام ابن قيِّم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)
خلال ستة قرون
جمع وتحقيق
علي بن محمد العمران
стр. 20
المعجم المختص (١)
لشمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨)
(ابن قيّم الجَوزيَّة)
محمد بن أبي بكر بن أيُّوب، الفقيه الإمام المُفتِي المُتفنِّن النَّحوي شمس الدين أبو عبد الله الدمشقي، إمام الجوزية.
ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة.
وسمع من الشيخ شهاب الدين العابر ومن القاضي تقي الدين وبنت البطائحي وطائفة. وعُني بالحديث متونه ورجاله، وكان يشتغل في الفقه ويُجيد تقريرَه وفي النحو ويدريه وفي الأصلين.
وقد حُبِس مُدَّة وأوذي لإنكاره شدّ الرحال إلى قبر الخليل، والله يصلحه ويوفّقُه، سمع معي من جماعة، وتصدّر للاشتغال ونشر العلم، ولكنّه مُعجبٌ برأيه، جرى عليه أمور (٢). غفر الله له.
* * *
стр. 21
«الوافي بالوفيات» (١)
لخليل بن أيبك الصفدي (ت ٧٦٤)
الشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية.
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزُّرَعي. الشيخ الإمام العلامة شمس الدين الحنبلي المعروف بابن قيّم الجوزية.
مولده سابع صفر سنة إحدى وتسعين وستمائة.
سمع على الشهاب العابر وجماعةٍ كثيرةٍ منهم سليمان بن حمزة الحاكم، وأبو بكر بن عبد الدائم، وعيسى المطعِّم، وأبو (٢) نصر محمد بن عماد الدين الشيرازي، وابن مكتوم، والبهاء ابن عساكر، وعلاء الدين الكندي الوداعي، ومحمد بن أبي الفتح البعلبكّي، وأيوب بن نعمة الكحال، والقاضي بدر الدين بن جماعة، وجماعة سواهم.
وقرأ العربية على ابن أبي الفتح البَعلي، قرأ عليه «الملخَّص» لأبي البقاء، ثم قرأ «الجرجانية»، ثم قرأ «ألفيّة ابن مالك»، وأكثر «الكافية الشافية»، وبعض «التسهيل»، ثم قرأ على الشيخ مجد الدين التونسي قطعةً من «المقرّب». وأما الفقه فأخذه من جماعة منهم الشيخ إسماعيل بن محمد الحراني قرأ عليه «مختصر أبي القاسم الخِرَقي» و «المُقْنِع» لابن قُدامة. ومنهم ابن أبي الفتح البعلي، ومنهم الشيخ الإمام العلامة تقي الدين ابن تيمية؛ قرأ
стр. 22
عليه قطعة من «المحرَّر» تأليف جدّه، وأخوه الشيخ شرف الدين. وأخذ الفرائض أوَّلًا عن والده وكان له فيها يدٌ، ثم على إسماعيل بن محمد، ثم على الشيخ تقي الدين ابن تيمية. وأما الأصول فأخذها عن جماعة منهم الشيخ صفي الدين الهندي، وإسماعيل بن محمد قرأ عليه أكثر «الروضة» لابن قدامة، ومنهم الشيخ تقي الدين ابن تيمية قرأ عليه قطعة من «المحصول»، ومن كتاب «الإحكام» للسيف الآمدي. وقرأ في أصول الدين على الشيخ صفي الدين الهندي أكثر «الأربعين» و «المحصّل»، وقرأ على الشيخ تقي الدين ابن تيمية قطعة من الكتابين وكثيرًا من تصانيفه.
واشتغل كثيرًا وناظر واجتهد وأكبّ على الطلب، وصنّف، وصار من الأئمة الكبار في علم التفسير والحديث والأصول فقهًا وكلامًا والفروع والعربية. ولم يخلّف الشيخ العلامة تقي الدين ابن تيمية مثله.
ومن تصانيفه: «زاد المَعاد في هدي دين (١) العباد» أربعة أسفار، «مفتاح دار السعادة» مجلد كبير، «تهذيب سُنَن أبي داود وإيضاح عِلَله ومشكلاته» نحو ثلاثة أسفار، «سَفَر الهجرتين وطريق السعادتين» سفر كبير، «كتاب رفع اليدين في الصلاة» سفر متوسط، «معالم الموقعين عن رب العالمين» سفر كبير، «كتاب الكافية الشافية لانتصار الفرقة الناجية» وهو نظم نحو ثلاثة آلاف بيت (٢)، «الرسالة الحلبية في الطريقة المحمدية»، «بيان الاستدلال على بطلان محلّل
стр. 23
السباق والنضال»، «التحبير بما يحل ويحرم لبسه من الحرير»، «الفروسية المحمدية»، «جلاء (١) الأفهام في أحكام الصلاة والسلام على خير الأنام»، «تفسير أسماء القرآن»، «تفسير الفاتحة» مجلد كبير، «اقتضاء الذكر بحصول الخير ودفع الشر»، «كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء»، «الرسالة الشافية في أسرار المعوذتين»، «معاني الأدوات والحروف»، «بدائع الفوائد» مجلد كبير.
أنشدني من لفظه لنفسه:
بُنيُّ أبي بكر كثير ذنوبُهُ ... فليس على مَن نال من عرضه إثمُ
بُنيُّ أبي بكر جَهولٌ بنفسه ... جهول بأمر الله أنَّى له العلمُ
بُنيُّ أبي بكر غدا متصدرًا ... يعلّم علمًا وهو ليس له علمُ
بُنيُّ أبي بكر غدا متمنّيًا ... وصالَ المعالي والذنوبُ له همُّ
بُنيُّ أبي بكر يروم ترقّيًا ... إلى جنَّة المأوى وليس له عزمُ
بُنيُّ أبي بكر يرى الغُنْم (٢) في الذي ... يزول ويفنى والذي تركه الغُنْمُ
بُنيُّ أبي بكر لقد خاب سعيُه ... إذا لم يكن في الصالحات له سهم
بُنيُّ أبي بكر كما قال ربّه ... هَلوعٌ كنودٌ وصفه الجهل والظلمُ
بُنيُّ أبي بكر وأمثاله غدوا ... بفتواهُم هذي الخليقةُ تأتمُّ
وليس لهم في العلم باع ولا التقى ... ولا الزهد، والدنيا لديهم هي الهمُّ
فوالله لو أن الصحابة شاهدوا ... أفاضلهم قالوا: هم الصُمّ والبُكمُ
стр. 24
وتوفي ﵀ في ثالث شهر رجب الفرد سنة إحدى وخمسين وسبعمائة.
* * *
стр. 25
«أعيان العصر وأعوان النصر» (١)
خليل بن أيبك الصّفَدي (ت ٧٦٤)
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حَريز الزُّرَعي، الشيخ الإمام الفاضل المفتن شمس الدين الحنبلي المعروف بابن قيّم الجوزية.
سمع على الشهاب العابر وجماعة كبيرة منهم سليمان بن حمزة الحاكم، وأبو بكر بن عبد الدائم، وعيسى المطعِّم، وأبو نصر محمد بن عماد الدين الشيرازي، وابن مكتوم، والبهاء ابن عساكر، وعلاء الدين الكندي الوداعي، ومحمد بن أبي الفتح البعلبكي، وأيوب بن نعمة الكحّال، والقاضي بدر الدين بن جماعة، وجماعة سواهم.
وقرأ العربية على ابن أبي الفتح البعلي، قرأ عليه «الملخص» لأبي البقاء، ثم قرأ «الجرجانية»، ثم قرأ «ألفية بن مالك»، وأكثر «الكافية الشافية» وبعض «التسهيل»، ثم قرأ على مجد الدين التونسي قطعة من «المقرّب».
وأما الفقه فأخذه عن جماعة منهم الشيخ مجد الدين إسماعيل بن محمد الحراني، قرأ عليه «مختصر أبي القاسم الخِرَقي» و «المقنع» لابن قدامة، ومنهم ابن أبي الفتح البعلي، ومنهم الشيخ تقي الدين ابن تيمية، قرأ عليه قطعة من «المحرر» تأليف جدّه، وأخوه الشيخ شرف الدين.
وأخذ الفرائض أولًا عن والده، وكان له فيها يد. ثم اشتغل على إسماعيل بن محمد، قرأ عليه أكثر «الروضة» لابن قدامة، ومنهم الشيخ تقي
стр. 26
الدين بن تيمية، قرأ عليه قطعة من «المحصول» ومن كتاب «الإحكام» للآمدي.
وقرأ في أصول الدين على الهندي أكثر «الأربعين» و «المحصَّل (١)»، وقرأ على الشيخ تقي الدين ابن تيمية قطعة من الكتابين، وكثيرًا من تصانيفه.
وكان ذا ذهن سيّال، وفكر إلى حل الغوامض ميّال، قد أكبّ على الاشتغال، وطلب من العلوم كلَّ ما هو نفيس وغالٍ، وناظر وجادل وجالد الخصوم وعادل، قد تبحّر في العربية وأتقنها، وحرَّر قواعدها ومكّنها، واستطال بالأصول، وأرهف منها الأسنة والنُّصُول، وقام بالحديث وروى منه، وعرف الرجال وكلَّ من أخذ عنه.
وأما التفسير فكان يستحضر من بحاره الزخّارة كلَّ فائدة مُهمَّة، ومن كواكبه السيارة كل نيّر يجلو حَنَادس الظلمة.
وأمّا الخلاف ومذاهب السلف فذاك عُشّه الذي مَنه دَرَج، وغابُه الذي ألفه لَيْثُه الخادر ودخل وخرج.
وكان جريء الجنان ثابت الجأش لا يُقعقع له بالشنان، وله إقدام وتمكُّن أقدام، وحظّه موفور، وقبوله كلُّ ذنب معه مغفور، وكان يسلك طريق العلامة تقي الدين ابن تيمية في جميع أحواله، ومقالاته التي تفرّد بها والوقوف عند نص أقواله.
وتوجه إلى الحجاز مرات، وحازَ ما هناك من المبرات.
ولم يزل على حاله إلى أن دخلت تحت رَزَّة الرزيّة، وعدم الناس منه لذة
стр. 27
الحلوى السكرية، وإن كانت نسبته إلى الجوزية.
وتوفي ــ رحمه الله تعالى ــ ثالث عشر شهر رجب الفرد سنة إحدى وخمسين وسبع مائة.
ومولده سنة إحدى وتسعين وست مائة.
وكان محظوظًا عند المصريين من الأمراء، يعطونه الذهب والدراهم، وَهَبهُ الأمير بدر الدين بن البابا مبلغ اثني عشر ألف درهم، والأمير سيف الدين بشتاك أعطاه في الحجاز مئتي دينار.
وكان قد اعتقل مع الشيخ تقي الدين بن تيمية في قلعة دمشق بسبب «مسألة الزيارة»، ولم يزل إلى أن توفي الشيخ تقي الدين، فأفرج عنه في ثالث عشري الحجة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وما جمع أحدٌ من الكتب ما جمع، لأن عمره أنفقه في تحصيل ذلك. ولما مات شيخنا فتح الدين (١) اشترى من كتبه أمهات وأصولًا كبارًا جيّدة، وكان عنده من كل شيء في غير ما فن ولا مذهب، بكل كتاب نسخٌ عديدة، منها ما هو جيد نظيف، وغالبها من الكرندات (٢). وأقام أولاده شهورًا يبيعون منها غير ما اصطفوه لأنفسهم.
واجتمعت به غير مرة، وأخذت من فوائده، خصوصًا في العربية والأصول. وأنشدني من لفظه لنفسه:
بُنيُّ أبي بكر كثير ذنوبُهُ ... فليس على مَن نال من عرضه إثمُ
стр. 28
بُنيُّ أبي بكر جَهولٌ بنفسه ... جهول بأمر الله أنَّى له العلمُ
بُنيُّ أبي بكر غدا متصدرًا ... يعلّم علمًا وهو ليس له علمُ
بُنيُّ أبي بكر غدا متمنّيًا ... وصالَ المعالي والذنوبُ له همُّ
بُنيُّ أبي بكر يروم ترقّيًا ... إلى جنَّة المأوى وليس له عزمُ
بُنيُّ أبي بكر يرى الغُنْم في الذي ... يزول ويفنى والذي تركه غُنْمُ
بُنيُّ أبي بكر لقد خاب سعيُه ... إذا لم يكن في الصالحات له سهم
بُنيُّ أبي بكر كما قال ربّه ... هَلوعٌ كنودٌ وصفه الجهل والظلمُ
بُنيُّ أبي بكر وأمثاله غدوا ... بفتواهُم هذي الخليقة تأتمُّ
وليس لهم في العلم باع ولا التقى ... ولا الزهد، والدنيا لديهم هي الهمُّ
فوالله لو أن الصحابة شاهدوا ... أفاضلهم قالوا هم الصُمّ والبُكمُ
ومن تصانيفه: «زاد المَعاد في هدي خير العباد» أربعة أسفار، «مفتاح دار السعادة» مجلد كبير، «تهذيب سُنَن أبي داود وإيضاح عِلَله ومشكلاته» نحو ثلاثة أسفار، «سَفَر الهجرتين وطريق السعادتين» سفر كبير، «كتاب رفع اليدين في الصلاة» سفر متوسط، «معالم الموقعين عن رب العالمين» سفر كبير، كتاب «الكافية الشافية لانتصار الفرقة الناجية» وهو نظم [نحو] ستة آلاف بيت، وهذا الكتاب لمّا وقف عليه شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي أنكره وتطلّبه أيامًا، «الرسالة الحلبية في الطريقة المحمدية»، «بيان الاستدلال على بطلان محلّل السباق والنضال»، «التحبير بما يحل ويحرم لبسه من الحرير»، «الفروسية المحمدية»، «جلاء (١) الأفهام في
стр. 29
أحكام الصلاة والسلام على خير الأنام»، «تفسير أسماء القرآن»، «تفسير الفاتحة» مجلد كبير، «اقتضاء الذكر بحصول الخير ودفع الشر»، «كشف الغطاء عن حكم سماع الغناء»، «الرسالة الشافية في أسرار المعوذتين»، «معاني الأدوات والحروف»، «بدائع الفوائد» مجلد.
* * *
стр. 30
«عيون التواريخ» (١)
لابن شاكر الكُتُبي (ت ٧٦٤)
وفيها توفي الشيخ الإمام العالم العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرَعي، المعروف بابن قيّم الجوزية.
وصلي عليه ثالث عشر رجب بالجامع الأموي، ودُفن عند والده بمقابر الباب الصغير، ولد في سنة إحدى وتسعين وستمائة. وسمع الحديث، واشتغل بالعلم، وبرع في علوم متعددة لا سيما علم الحديث والتفسير والأصلين.
ولما عاد الشيخ تقيّ الدين ابن التيمية من الديار المصرية في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة لازمه إلى أن مات الشيخ، فأخذ عنه علمًا جمًّا مع ما سلف له من الاشتغال، فصار فردًا في علوم شتى، مع كثرة الطلب ليلًا ونهارًا.
وكان كثير الصلاة والابتهال والقراءة، حسن الخلق، كثير التودد، لا يحسد أحد (٢) ولا يؤذيه ولا يستغيبه ولا يحقد عليه.
وكان يطيل الصلاة جدًّا ويمدّ ركوعها وسجودها.
وله من التصانيف الكبار والصغار شيء كثير، وكتب بخطه أشياء كثيرة، واقتنى من الكتب ما لم يتهيّأ لغيره تحصيلُه من كتب السلف والخلف،
стр. 31
وبالجملة كان قليل النظير في مجموعه وأموره وأحواله، والغالب عليه الخير والأخلاق الصالحة.
وكان متصدّيًا للإفتاء بمسألة الطلاق التي اختارها الشيخ تقيّ الدين ابن التيمية، وجرت له بسببها فصول مع قاضي القضاة تقي الدين السبكي وغيره.
وكانت جنازته حافلة، شهدها القضاء والأعيان والصالحون والعامة، وتزاحم الناسُ على نعشه، وكمل من العمر ستون سنة. رحمه الله تعالى.
* * *
стр. 32
«ذيل العِبَر» (١)
لأبي المحاسن الحسيني (ت ٧٦٥)
فيها مات الشيخ الإمام العلامة ذو الفنون، شمس الدين أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرَعي الدمشقي الحنبلي المشهور بـ (ابن قيم الجوزية).
تفقَّه بشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيميَّة، وكان من عيون أصحابه، وأفتى، ودرَّس، وناظر، وصنَّف، وأفاد. وحدَّث عن شيخه [المعبّر] (٢) وغيره.
ومصنَّفاتُه سائرة مشهورة، توفي في رجب.
* * *
стр. 33
«البداية والنهاية» (١)
لعماد الدين إسماعيل ابن كثير (ت ٧٧٤)
وفي ليلة الخميس ثالث عشر رجب وقت أذان العشاء توفي صاحبنا الإمام الشيخ العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرَعي، إمامُ الجوزية، وابنُ قَيِّمِها، وصُلِّي عليه بعد صلاة الظهر من الغد بالجامع الأموي، ودُفنَ عند والدته بمقابر الباب الصغير، ﵀.
وُلِد في سنة إحدى وتسعين وستمائة، وسمع الحديث، واشتغل بالعلم فبرع في علوم متعددة، لاسيما علم التفسير والحديث والأصلين، ولمَّا عاد الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الديار المصرية في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة لازمه إلى أن مات الشيخ، فأخذ عنه علمًا جمًّا مع ما سلف له من الاشتغال، فصار فريدًا في بابه في فنون كثيرة، مع كثرة الطلب ليلًا ونهارًا، وكثرة الصلاة والابتهال.
وكان حسَنَ القراءة والخُلُق، كثير التودُّد، لا يحسد أحدًا ولا يؤذيه، ولا يستعيبه (٢) ولا يحقد على أحد، وكنت من أصْحَبِ الناس له وأحَبِّ الناس إليه، ولا أعرف من أهل العلم في زماننا أكثر عبادةً منه، وكانت له طريقة في الصلاة يطيلها جدًّا ويمدُّ ركُوعَها وسجُودَها، ويلومه كثير من أصحابنا في بعض الأحيان، فلا يرجع ولا ينزع عن ذلك، ﵀.
стр. 34
وله من التصانيف الكبار والصغار شيء كثير، وكتبَ بخطِّه الحسَن شيئًا كثيرًا، واقتنى من الكتب ما لا يتهيأُ لغيره تحصيل عُشْرِه من كتب السلف والخلف.
وبالجملة، كان قليل النظير، بل عديم النظير في مجموعه وأموره وأحواله، والغالب عليه الخير والأخلاق الصالحة، سامحه الله ورحمه.
وقد كان متصدِّيًا للإفتاء بمسألة الطلاق التي اختارها الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀، وجرت له بسببها فصول يطول بسطها مع قاضي القضاة تقي الدين السبكي وغيره.
وقد كانت جنازته حافلة، ﵀، شهدها القضاة والأعيان والصالحون من الخاصة والعامة، وتزاحم الناس على حمل نعشه، وكمَلَ من العُمْر ستون سنة، ﵀.
* * *
стр. 35
«المنتقى من معجم شيوخ شهاب الدِّين ابن رجب» (١)
عبد الرحمن بن أحمد بن رجب (ت ٧٩٥)
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حَريز الزُّرَعي الأصل، ثم الدمشقي الحنبلي، الشيخ الإمام العلامة شمس الدين أبو عبد الله المعروف بابن قيم الجوزية.
أحد الأعلام، نادرة المفسرين أوحد المحققين، سمع من التقيِّ سليمان والشهاب العابر وعيسى المطعِّم والبهاء ابن عساكر والحجَّار وخلق، وأفتى وبرع واشتهر وبعُدَ صيتُه، وساد أهل وقته علمًا وعملًا أصولًا وفروعًا، مع الخشوع والعبادة الطويلة والتواضع والصبر، وقد أُوذِي وامتُحن مرات، وتفقّه بابن تيمية.
ومن مصنفاته: «الهدي النبوي» أربع مجلدات لم يُسبق إلى مثله، وكتاب «صفة الجنة» (٢) في مجلدة، وكتاب «مفتاح دار السعادة»، وكتاب «اجتماع الجيوش الإسلامية على الجهمية»، وكتاب «أعلام الموقعين عن رب العالمين»، وكتاب «مصايد الشيطان»، وكتاب «الطرق الحكمية»، وكتاب «الصواعق المرسلة على المعطلة» مجلدات، وكتاب «الداء والدواء» شكي إليه المحبة فصنفه، وكتاب «نزهة المشتاقين وروضة المحبين» في الرد
стр. 36
على وجوب العشق، و «فضل العلم» مجلد، و «تفضيل مكة على المدينة» مجلد، و «نكاح المحرم» مجلد، و «رفع اليدين» مجلد، وكتاب «اختلاف (١) أهل الملل» مجلدان، وكتاب «الصبر» مجلد (٢)، وكتاب «الصلاة» مجلد، وكتاب «الكبائر»، وكتاب «بدائع الفوائد» مجلدان، و «الشافية الكافية في الانتصار للفرقة الناجية»، و «فتاوى» سُئل عنها تبلغ مجلدات. ونقلتُ من خطه في إجازة قال: تبلغ في تنوعها عدة أسفار.
قال: ومن جملة التواليف كتاب «تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته والكلام على ما فيه من الأحاديث المعلولة» مجلد، وكتاب «سفر الهجرتين وباب السعادتين» مجلد ضخم، وكتاب «مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين» مجلدان، وكتاب «عقد محكم (٣) الإخاء بين الكلم الطيب والعمل الصالح المرفوع إلى رب السماء» مجلد ضخم، وكتاب «أسماء الكتاب العزيز» مجلد، وكتاب «زاد المسافرين إلى منازل السعداء في هدي خاتم الأنبياء» مجلد، وكتاب «جلاء الأفهام في ذكر الصلاة والسلام على خير الأنام وبيان أحاديثها وعللها» مجلد، و «بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل» مجلد، و «نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول» مجلد، و «بطلان الكيمياء من أربعين وجهًا» مجلد، و «حقيقة المحبة» مجلد، و «الفرق بين الخُلة والمحبة ومناظرة الخليل لقومه» مجلد، و «حكم إغمام هلال رمضان»، وكتاب «نور المؤمن وحياته»
стр. 37
مجلد، و «الرسالة المصرية»، و «الرسالة المكية والقدسية والماردانية»، و «التحرير فيما يحل ويحرم من لباس الحرير»، و «جواب عابدي الصلبان وما هم عليه من دين الشيطان»، وغير ذلك من الأجوبة.
سمع عليه شهاب الدين ابن رجب بعضَ مصنفاته، قال: وحصل لنا مجالسته من النفع والحضور والذِّكْر خير كثير وبركة، فجزاه الله خيرًا.
مولده سنة إحدى وتسعين وستمائة، وتوفي ليلة الخميس ثالث عشر رجب سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وصُلِّيَ عليه عقيب صلاة الظهر بالجامع الأموي [ثم] (١) بجامع جراح، وكانت جنازته مشهودة، ودفن بمقبرة الباب الصغير عند والده، وطاب الثناء عليه، ورئيت له الرؤيا الحسنة ﵀، ولم يخلف بعده مثله، ومن شعره:
لَئِن كانَ تجسيمًا ثُبوتُ صِفاتِهِ ... تَعالى فإني (٢) اليومَ عَبْدٌ مُجَسِّمُ
ودُفن إلى جانبه ولده جمال الدين عبد الله أعجوبة زمانه، في رجب سنة ست وخمسين وسبعمائة ﵀.
* * *
стр. 38
«الذيل على طبقات الحنابلة» (١)
لعبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥)
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حَريز الزُّرَعي ثم الدمشقي، الفقيه الأصولي، المفسر النحوي، العارف، شمس الدين أبو عبد الله ابن قيِّم الجوزية، شيخنا.
ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة.
وسمع من الشهاب النابلسي العابر، والقاضي تقي الدين سليمان، وفاطمة بنت جوهر، وعيسى المطعِّم، وأبي بكر بن عبد الدايم، وجماعة.
وتفقه في المذهب، وبرع وأفتى، ولازم الشيخ تقي الدين وأخذ عنه. وتفنن في علوم الإسلام. وكان عارفًا بالتفسير لا يجارى فيه وبأصول الدين، وإليه فيهما المنتهى؛ وبالحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك؛ وبالفقه وأصوله وبالعربية، وله فيها اليد الطولى، وبعلم الكلام وغير ذلك. وكان عالمًا بعلم السلوك وكلام أهل التصوف وإشاراتهم ودقائقهم، له في كل فن من هذه الفنون اليد الطولى.
قال الذهبي في «المختص»: عُني بالحديث ومتونه، وبعض رجاله. وكان يشتغل في الفقه ويجيد تقريره، والنحوِ ويدريه، وفي الأصلين. وقد حُبس مدة لإنكاره شدَّ الرحيل إلى قبر الخليل. وتصدى للإشغال، وإقراء العلم ونشره.
стр. 39
قلت: وكان ﵀ ذا عبادة وتهجد، وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتألُّهٍ ولهَجٍ بالذكر، وشغف بالمحبة، والإنابة والاستغفار، والافتقار إلى الله، والانكسار له، والاطراح بين يديه على عتبة عبوديته، لم أشاهد مثله في ذلك، ولا رأيتُ أوسع منه علمًا، ولا أعْرَف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس هو بالمعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله. وقد امتحن وأوذي مرات، وحُبِس مع الشيخ تقي الدين في المرة الأخيرة بالقلعة، منفردًا عنه، ولم يُفرَج عنه إلا بعد موت الشيخ.
وكان في مدة حبسه مشتغلًا بتلاوة القرآن بالتدبر والتفكر، ففُتِح عليه من ذلك خير كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، وتسلط بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف، والدخول في غوامضهم، وتصانيفه ممتلئة بذلك.
وحج مرات كثيرة، وجاور بمكة. وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة وكثرة الطواف أمرًا يتعجب منه. ولازمتُ مجالسه قبل موته أزيد من سنة، وسمعت عليه: «قصيدته النونية» الطويلة في السنَّة، وأشياء من تصانيفه، وغيرها.
وأخذ عنه العلم خلق كثير من حياة شيخه وإلى أن مات، وانتفعوا به، وكان الفضلاء يعظمونه، ويتتلمذون له، كابن عبد الهادي وغيره.
وقال القاضي برهان الدين الزُّرَعي عنه: ما تحت أديم السماء أوسع علمًا منه.
ودرَّس بالصدرية. وأمَّ بالجوزية مدة طويلة. وكتب بخطه ما لا يوصف
стр. 40
كثرة.
وصنف تصانيف كثيرة جدًّا في أنواع العلم. وكان شديد المحبة للعلم وكتابته ومطالعته وتصنيفه، واقتناء الكتب، واقتنى من الكتب ما لم يحصل لغيره.
فمن تصانيفه: كتاب «تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته والكلام على ما فيه من الأحاديث المعلولة» مجلد، كتاب «سفر الهجرتين وباب السعادتين» مجلد ضخم، كتاب «مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين» مجلدان، وهو شرح «منازل السائرين» لشيخ الإسلام الأنصاري، كتاب جليل القدر، كتاب «عقد محكم الإخاء (١) بين الكلم الطيب والعلم الصالح المرفوع إلى رب السماء» مجلد ضخم، كتاب «شرح أسماء الكتاب العزيز» مجلد، كتاب «زاد المسافرين إلى منازل السعداء في هدي خاتم الأنبياء» مجلد، كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» أربع مجلدات، وهو كتاب عظيم جدًّا، كتاب «جلاء الأفهام في ذكر الصلاة والسلام على خير الأنام وبيان أحاديثها وعللها» مجلد، كتاب «بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل» مجلد، كتاب «نقد المنقول والمحكّ المميز بين المردود والمقبول» مجلد، كتاب «أعلام الموقعين عن رب العالمين» ثلاث مجلدات، كتاب «بدائع الفوائد» مجلدان، «الشافية الكافية في الانتصار للفرقة الناجية» وهي القصيدة النونية في السنة مجلد، كتاب «الصواعق المنزلة على الجهمية المعطلة» في مجلدات، كتاب «حادي الأرواح إلى بلاد