على وجوب العشق، و «فضل العلم» مجلد، و «تفضيل مكة على المدينة» مجلد، و «نكاح المحرم» مجلد، و «رفع اليدين» مجلد، وكتاب «اختلاف (١) أهل الملل» مجلدان، وكتاب «الصبر» مجلد (٢)، وكتاب «الصلاة» مجلد، وكتاب «الكبائر»، وكتاب «بدائع الفوائد» مجلدان، و «الشافية الكافية في الانتصار للفرقة الناجية»، و «فتاوى» سُئل عنها تبلغ مجلدات. ونقلتُ من خطه في إجازة قال: تبلغ في تنوعها عدة أسفار.
قال: ومن جملة التواليف كتاب «تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته والكلام على ما فيه من الأحاديث المعلولة» مجلد، وكتاب «سفر الهجرتين وباب السعادتين» مجلد ضخم، وكتاب «مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين» مجلدان، وكتاب «عقد محكم (٣) الإخاء بين الكلم الطيب والعمل الصالح المرفوع إلى رب السماء» مجلد ضخم، وكتاب «أسماء الكتاب العزيز» مجلد، وكتاب «زاد المسافرين إلى منازل السعداء في هدي خاتم الأنبياء» مجلد، وكتاب «جلاء الأفهام في ذكر الصلاة والسلام على خير الأنام وبيان أحاديثها وعللها» مجلد، و «بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل» مجلد، و «نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول» مجلد، و «بطلان الكيمياء من أربعين وجهًا» مجلد، و «حقيقة المحبة» مجلد، و «الفرق بين الخُلة والمحبة ومناظرة الخليل لقومه» مجلد، و «حكم إغمام هلال رمضان»، وكتاب «نور المؤمن وحياته»
стр. 37
مجلد، و «الرسالة المصرية»، و «الرسالة المكية والقدسية والماردانية»، و «التحرير فيما يحل ويحرم من لباس الحرير»، و «جواب عابدي الصلبان وما هم عليه من دين الشيطان»، وغير ذلك من الأجوبة.
سمع عليه شهاب الدين ابن رجب بعضَ مصنفاته، قال: وحصل لنا مجالسته من النفع والحضور والذِّكْر خير كثير وبركة، فجزاه الله خيرًا.
مولده سنة إحدى وتسعين وستمائة، وتوفي ليلة الخميس ثالث عشر رجب سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وصُلِّيَ عليه عقيب صلاة الظهر بالجامع الأموي [ثم] (١) بجامع جراح، وكانت جنازته مشهودة، ودفن بمقبرة الباب الصغير عند والده، وطاب الثناء عليه، ورئيت له الرؤيا الحسنة ﵀، ولم يخلف بعده مثله، ومن شعره:
لَئِن كانَ تجسيمًا ثُبوتُ صِفاتِهِ ... تَعالى فإني (٢) اليومَ عَبْدٌ مُجَسِّمُ
ودُفن إلى جانبه ولده جمال الدين عبد الله أعجوبة زمانه، في رجب سنة ست وخمسين وسبعمائة ﵀.
* * *
стр. 38
«الذيل على طبقات الحنابلة» (١)
لعبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥)
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حَريز الزُّرَعي ثم الدمشقي، الفقيه الأصولي، المفسر النحوي، العارف، شمس الدين أبو عبد الله ابن قيِّم الجوزية، شيخنا.
ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة.
وسمع من الشهاب النابلسي العابر، والقاضي تقي الدين سليمان، وفاطمة بنت جوهر، وعيسى المطعِّم، وأبي بكر بن عبد الدايم، وجماعة.
وتفقه في المذهب، وبرع وأفتى، ولازم الشيخ تقي الدين وأخذ عنه. وتفنن في علوم الإسلام. وكان عارفًا بالتفسير لا يجارى فيه وبأصول الدين، وإليه فيهما المنتهى؛ وبالحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك؛ وبالفقه وأصوله وبالعربية، وله فيها اليد الطولى، وبعلم الكلام وغير ذلك. وكان عالمًا بعلم السلوك وكلام أهل التصوف وإشاراتهم ودقائقهم، له في كل فن من هذه الفنون اليد الطولى.
قال الذهبي في «المختص»: عُني بالحديث ومتونه، وبعض رجاله. وكان يشتغل في الفقه ويجيد تقريره، والنحوِ ويدريه، وفي الأصلين. وقد حُبس مدة لإنكاره شدَّ الرحيل إلى قبر الخليل. وتصدى للإشغال، وإقراء العلم ونشره.
стр. 39
قلت: وكان ﵀ ذا عبادة وتهجد، وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتألُّهٍ ولهَجٍ بالذكر، وشغف بالمحبة، والإنابة والاستغفار، والافتقار إلى الله، والانكسار له، والاطراح بين يديه على عتبة عبوديته، لم أشاهد مثله في ذلك، ولا رأيتُ أوسع منه علمًا، ولا أعْرَف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس هو بالمعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله. وقد امتحن وأوذي مرات، وحُبِس مع الشيخ تقي الدين في المرة الأخيرة بالقلعة، منفردًا عنه، ولم يُفرَج عنه إلا بعد موت الشيخ.
وكان في مدة حبسه مشتغلًا بتلاوة القرآن بالتدبر والتفكر، ففُتِح عليه من ذلك خير كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، وتسلط بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف، والدخول في غوامضهم، وتصانيفه ممتلئة بذلك.
وحج مرات كثيرة، وجاور بمكة. وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة وكثرة الطواف أمرًا يتعجب منه. ولازمتُ مجالسه قبل موته أزيد من سنة، وسمعت عليه: «قصيدته النونية» الطويلة في السنَّة، وأشياء من تصانيفه، وغيرها.
وأخذ عنه العلم خلق كثير من حياة شيخه وإلى أن مات، وانتفعوا به، وكان الفضلاء يعظمونه، ويتتلمذون له، كابن عبد الهادي وغيره.
وقال القاضي برهان الدين الزُّرَعي عنه: ما تحت أديم السماء أوسع علمًا منه.
ودرَّس بالصدرية. وأمَّ بالجوزية مدة طويلة. وكتب بخطه ما لا يوصف
стр. 40
كثرة.
وصنف تصانيف كثيرة جدًّا في أنواع العلم. وكان شديد المحبة للعلم وكتابته ومطالعته وتصنيفه، واقتناء الكتب، واقتنى من الكتب ما لم يحصل لغيره.
فمن تصانيفه: كتاب «تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته والكلام على ما فيه من الأحاديث المعلولة» مجلد، كتاب «سفر الهجرتين وباب السعادتين» مجلد ضخم، كتاب «مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين» مجلدان، وهو شرح «منازل السائرين» لشيخ الإسلام الأنصاري، كتاب جليل القدر، كتاب «عقد محكم الإخاء (١) بين الكلم الطيب والعلم الصالح المرفوع إلى رب السماء» مجلد ضخم، كتاب «شرح أسماء الكتاب العزيز» مجلد، كتاب «زاد المسافرين إلى منازل السعداء في هدي خاتم الأنبياء» مجلد، كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» أربع مجلدات، وهو كتاب عظيم جدًّا، كتاب «جلاء الأفهام في ذكر الصلاة والسلام على خير الأنام وبيان أحاديثها وعللها» مجلد، كتاب «بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل» مجلد، كتاب «نقد المنقول والمحكّ المميز بين المردود والمقبول» مجلد، كتاب «أعلام الموقعين عن رب العالمين» ثلاث مجلدات، كتاب «بدائع الفوائد» مجلدان، «الشافية الكافية في الانتصار للفرقة الناجية» وهي القصيدة النونية في السنة مجلد، كتاب «الصواعق المنزلة على الجهمية المعطلة» في مجلدات، كتاب «حادي الأرواح إلى بلاد
стр. 41
الأفراح» وهو كتاب «صفة الجنة» مجلد، كتاب «نزهة المشتاقين وروضة المحبين» مجلد، كتاب «الداء والدواء» مجلد، كتاب «تحفة المودود في أحكام المولود» مجلد لطيف، كتاب «مفتاح دار السعادة» مجلد ضخم، كتاب «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية» مجلد، كتاب «مصايد الشيطان» مجلد، كتاب «الطرق الحكمية» مجلد، «رفع اليدين في الصلاة» مجلد.
كتاب «نكاح المحرم» مجلد، «تفضيل مكة على المدينة» مجلد، «فضل العلماء» مجلد، «عدة الصابرين» مجلد، كتاب «الكبائر» مجلد، «حكم تارك الصلاة» مجلد، كتاب «نور المؤمن وحياته» مجلد، كتاب «حكم إغمام هلال رمضان»، «التحرير فيما يحل ويحرم من لباس الحرير»، «جوابات عابدي الصلبان، وأن ما هم عليه دين الشيطان»، «بطلان الكيمياء من أربعين وجهًا» مجلد، «الفرق بين الخلة والمحبة، ومناظرة الخليل لقومه» مجلد، «الكلم الطيب والعمل الصالح» مجلد لطيف، «الفتح القدسي»، «التحفة المكية»، كتاب «أمثال القرآن»، «شرح الأسماء الحسنى»، «أيمان القرآن»، «المسائل الطرابلسية» ثلاث مجلدات، «الصراط المستقيم في أحكام أهل الجحيم» مجلدان، كتاب «الطاعون» مجلد لطيف.
توفي ﵀ وقت عشاء الآخرة ليلة الخميس ثالث عشر (١) رجب سنة إحدى وخمسين وسبعمائة. وصُلي عليه من الغد بالجامع عقيب الظهر، ثم بجامع جراح. ودفن بمقبرة الباب الصغير، وشيَّعه خلقٌ كثير، ورئيت له
стр. 42
منامات كثيرة حسنة، ﵁.
وكان قد رأى قبل موته بمدة الشيخَ تقيَّ الدين ﵀ في النوم، وسأله عن منزلته؟ فأشار إلى علوها فوق بعض الأكابر. ثم قال له: وأنت كدت تلحق بنا، ولكن أنت الآن في طبقة ابن خزيمة ﵀.
وقرئ على شيخنا الإمام العلامة أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ــ وأنا أسمع ــ هذه القصيدة من نظمه في أول كتابه «صفة الجنة»:
وما ذاك إلا غيرة أن ينالها ... سوى كُفئها، والرب بالخلق أعلم
وإن حُجِبت عنا بكل كريهة ... وحُفّت بما يؤذي النفوس ويؤلم
فللّه ما في حشوها من مسرة ... وأصناف لذات بها يتنعَّم
ولله ذاك العيش بين خيامها ... وروضاتها والثغر في الروض يبسم
ولله واديها الذي هو موعد المـ ... ـزيد لوفد الحب لو كنت منهم
بذيَّالك الوادي يهيم صبابة ... محب يرى أن الصبابة مَغْنَم
ولله أفراح المحبين عندما ... يخاطبهم من فوقهم ويسلِّم
ولله أبصار ترى اللهَ جهرةً ... فلا الضيم يغشاها، ولا هي تسأم
فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة ... أمن بعدها يسلو المحب المتيم
ولله كم من خَيرة إن تبسمت ... أضاء لها نور من الفجر أعظم
فيا لذة الأبصار إذ هي أقبلت ... ويا لذة الأسماع حين تكَلَّم
ويا خجلة الغصن الرطيب إذا انثنت ... ويا خجلة البحرين (١) حين تبسم
فإن كنتَ ذا قلب عليل بحبها ... فلم يبق إلا وصلها لك مرهم
стр. 43
وذكر أبياتًا، ثم قال:
فيا خاطب الحسناء إن كنتَ باغيًا ... فهذا زمان المهر فهو المقدَّم
وكن مبغضًا للخائنات لحبها ... فتحظى بها من بينهن وتنعم
وكن أيِّمًا ممن سواها، فإنها ... لمثلك في جنات عدن تأيَّم
وصم يومك الأدنى لعلك في غد ... تفوز بعيد الفطر والناس صُوَّم
وأقدم، ولا تقنع بعيشٍ منغَّصٍ ... فما فاز باللذات من ليس يُقْدِم
وإن ضاقت الدنيا عليك بأسرها ... ولم يك فيها منزل لك يعلم
فحيّ على جنات عدن، فإنها ... منازلك الأولى، وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو، فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلَّم؟
وقد زعموا أن الغريب إذا نأى ... وشطت به أوطانُه فهو مُعدم
وأي اغتراب فوق غربتنا التي ... لها أضحت الأعداء فينا تحكَّمُ؟
وحيّ على السوق الذي فيه يلتقي الـ ... ـمحبُّون (١)، ذاك السوق للقوم معلم
فما شئت خذ منه بلا ثمن له ... فقد أسلف التجار فيه وأسلموا
وحيّ على يوم المزيد الذي به ... زيارة رب العرش، فاليوم موسم
وحيّ على واد هنالك أفيح ... وتربته من أذفَرِ المسك أعظم
منابر من نور هناك وفضة ... ومن خالص العقيان لا تتفصم
وكثبان مسك قد جُعِلن مقاعدًا ... لمن دون أصحاب المنابر يعلم
فبيناهمُ في عيشهم وسرورهم ... وأرزاقهم تُجرَى عليهم وتُقْسَم
إذا هم بنور ساطع أشرقت له ... بأقطارها الجنات لا يتوهم
стр. 44
تجلى لهم رب السماوات جهرة ... فيضحك فوق العرش ثم يكلم
سلام عليكم، يسمعون جميعهم ... بآذانهم تسليمَه إذْ يُسلّم
يقول: سلوني ما اشتهيتم، فكل ما ... تريدون عندي، إنني أنا أرحم
فقالوا جميعًا: نحن نسألك الرضا ... فأنت الذي تولي الجميل وترحم
فيعطيهم هذا ويشهد جمعهم ... عليه، تعالى الله، والله أكرم
فيا بائعًا هذا ببخس معجَّل ... كأنك لا تدري، بلى، سوف تعلم
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري، فالمصيبة أعظم
* * *
стр. 45
«الذيل على ذيل العبر» (١)
لزين الدين العراقي (ت ٨٠٦)
وفي شهر رجب: الشيخ الإمام محمد بن أبي بكر بن أيوب الحنبلي، ابن قيّم الجوزية، أحد أصحاب ابن تيميّة.
توفي كهلاً، وكان سمع من الشهاب العابر وغيره، وحدّث.
وله تصانيف عديدة لولا ما فيها ما شذّ فيه شيخُه ابن التيمية عن جماعةِ العلماء (٢).
* * *
стр. 46
«إيضاح بُغية أهل البصارة في ذيل الإشارة» (١)
لتقي الدِّين الفاسي (ت ٨٣٢)
وبدمشق العلامة الكبير شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزُّرَعي الدمشقي الحنبلي، المعروف بابن قيّم الجوزية، صاحب «الهَدْي» وغيره من المؤلفات ــ في رجب كهلًا.
تفقه بالشيخ تقي الدين ابن تيمية، وأخذ عنه فنونًا من العلم، وكان من جملة (٢) أصحابه، وتأذّى ابنُ تيمية بسببه، لأنه أعلن عن ابن تيمية بكثير من المسائل المنتقدة عليه، وأوذي هو بسببها أيضًا.
درّس وناظر وأفتى، وصنف كثيرًا.
من تصانيفه: كتاب «الهَدْي»، أي هديه ﵇، أحاديث نبوية في مجلدات. و «مفتاح دار السعادة»، يعني الجنة، أحاديث نبوية، مجلد. و «حواشي على سنن أبي داود»، أظنه كمل بها على حواشي الحافظ عبد العظيم المنذري، مجلدة. و «الرد على الجهمية»، مجلد. و «مدارج السالكين في شرح منازل السائرين».
سمع من الشهاب العابر وحدّث.
стр. 47
وذكر ابن شاكر أنه توفي في ليلة ثالث عشر رجب سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، قال: ومولده سنة إحدى وتسعين وستمائة.
سمع من الشهاب المعبِّر، وأخذ العلم عن ابن تيمية، ولازمه من سنة اثنتي عشرة إلى أن مات.
* * *
стр. 48
«تعريف ذوي العُلا بمن لم يذكرهم الذهبي في النبلا» (١)
لتقي الدِّين الفاسي (ت ٨٣٢)
شمس الدين ابن قيم الجوزية.
الشيخ شمس الدين، محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرَعي ثم الدمشقي الحنبلي، المعروف بابن قيّم الجوزية.
* * *
стр. 49
«توضيح المشتبه» (١)
لابن ناصر الدِّين الدمشقي (ت ٨٤٢)
الإمام العلامة أبو [عبد الله] (٢) محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حَريز الزُّرَعي، ثم الدمشقي الحنبلي، ابن قيم الجوزية، صاحب التصانيف المنوعة، منها «الهدي النبوي»، ومنها «تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته والكلام على أحاديثه المعلة» في مجلد.
سمع من القاضي سليمان بن حمزة، وعيسى المطعِّم، والقاسم ابن عساكر، وطبقتهم. وأخذ عنه جماعة، منهم أبو العباس أحمد بن رجب عبد الرحمن (٣) بن الحسن بن محمد بن أبي البركات مسعود البغدادي المقرئ، وقال فيما وجدته بخطه في «مشيخته»: ساد علمًا وعملًا، مع الخشوع والعبادة والتواضع، وقد أوذيَ وامتُحن مرات، ومولده في سنة إحدى وتسعين وست مئة، وتوفي ليلة الخميس ثالث عشر رجب، سنة إحدى وخمسين وسبع مئة ﵀. انتهى.
* * *
стр. 50
«الرد الوافر على من زعم:
أن من سمَّى ابن تيمية «شيخ الإسلام» كافر» (١)
لابن ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢)
الشيخ الإمام العلامة شمس الدين أحد المحققين، علم المصنفين، ونادرة المفسرين، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزُّرَعي الأصل ثم الدمشقي، ابن قيم الجوزية، وتلميذ الشيخ تقي الدين ابن تيمية، له التصانيف الأنيقة، والتآليف التي في علوم الشريعة والحقيقة.
مولده سنة إحدى وتسعين وستمائة.
سمع من القاضي سليمان بن حمزة، وعيسى المطعِّم وطبقتهما، ولازم الشيخ تقي الدين ابن تيمية وأخذ عنه علمًا جمًّا.
وكان ذا فنون من العلوم، وخاصة التفسير والأصول من المنطوق والمفهوم. ومن مصنفاته: «زاد المعاد في هدي خير العباد ﷺ » في أربع مجلدات، وكتاب «سفر الهجرتين وباب السعادتين» مجلد.
حدَّث عنه الشيخ زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب وغيره.
توفي ليلة الخميس ثالث عشر شهر رجب سنة إحدى وخمسين وسبعمائة. ودفن بمقبرة الباب الصغير من دمشق عند والديه رحمهما الله، وكانت جنازته مشهودة.
قال شيخنا الحافظ أبو بكر محمد بن المحبّ فيما وجدته بخطه: قلتُ
стр. 51
أمام شيخنا المزي: ابن القيم في درجة ابن خزيمة؟ فقال: هو في هذا الزمان كابن خزيمة في زمانه.
ترجم شيخَه غيرَ ما مرة بشيخ الإسلام، منها ما تقدم قريبًا، ومنها قوله: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
قال: وكان إذا صلى الفجر يجلس مكانه يذكر الله تعالى حتى يتعالى النهار جدًّا، وكان إذا سئل عن ذلك يقول: هذه غدوتي ولو لم أتغد هذه الغدوة سقطت قواي.
وكان يقول: لما خلق الله حَمَلة العرش قالوا: ربنا لم خلقتنا؟ قال: خلقتكم لتحملوا عرشي، قالوا: ربَّنا ومن يطيق حمل عرشك وعليه عظَمَتُك؟ قال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وكان يكثر أن يقول:
أنا المُكَدِّي وابن المُكَدِّي ... وهكذا كان أبي وجدي
وكان يقول: بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين.
وكان يقول: لابدّ للسالك إلى الله من همة تسيّره وترقيه، وعلم يبصّره ويهديه.
وقال: العارف يسير إلى الله عزَّوجل بين مشاهدة المنّة، ومُطالعة عَيْبِ النفس.
وكان يتمثلُ كثيرًا:
стр. 52
عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئب إذ عوى ... وصوَّت إنسانٌ فكدتُ أطير
وكان يتمثل أيضًا:
وأخرجُ من بين البيوتِ لعلَّني ... أحدِّثُ عنكِ النفسَ في السر خالياً
* * *
стр. 53
«السلوك لمعرفة دول الملوك» (١)
لتقي الدين أحمد بن علي المقريزي (ت ٨٤٥ هـ)
وتوفي العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب، المعروف بابن قيِّم الجوزية الزُّرَعي الدمشقي بدمشق، في ثالث عشر رجب.
مولده سنة إحدى وتسعين وستمائة.
برع في عدّة علوم، ما بين تفسير وفقه وعربية، وغير ذلك.
ولزم شيخَ الإسلام تقي الدين أحمد ابن تيمية بعد عوده من القاهرة سنة اثنتي عشرة وسبعمائة حتى مات، وأخذ عنه علمًا جمًّا، فصار أحد أفراد الدنيا، وتصانيفه كثيرة؛ وقدم القاهرة غير مرّة.
* * *
стр. 54
«مختصر الذيل على طبقات الحنابلة» (١)
لابن نصر الله الحنبلي (ت ٨٤٦)
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزُّرَعي، ثم الدمشقي الفقيه الأصولي، المفسر النحوي، العارف، شمس الدين أبو عبد الله ابن قيِّم الجوزية، شيخنا.
ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة.
وسمع من الشهاب النابلسي العابر، والقاضي تقي الدين سليمان، وفاطمة بنت جوهر، وعيسى المطعِّم، وأبي بكر بن عبد الدايم، وجماعة.
وتفقه في المذهب، وبرع وأفتى، ولازم الشيخ تقي الدين وأخذ عنه. وتفنن في علوم الإسلام. وكان عارفًا بالتفسير لا يجارى فيه، وبأصول الدين، وإليه فيه المنتهى. وبالحديث ومعانيه وفقهه، ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك، وبالفقه وأصوله وبالعربية، وله فيها اليد الطولى، وبعلم الكلام وغير ذلك، وعالمًا بعلم السلوك، وكلام أهل التصوف وإشاراتهم ودقائقهم. له في كل فن من هذه الفنون اليد الطولى.
قال الذهبي في «المختص»: عُني بالحديث ومتونه، وبعض رجاله. وكان يشتغل بالفقه ويجيد تقريره، والنحو ويدريه، وفي الأصلين. وقد حبس مدة لإنكاره شد الرحيل إلى قبر الخليل، وتصدى للإشغال، وإقراء العلم ونشره.
قلت: وكان ﵀ ذا عبادة وتهجد، وطول صلاة إلى الغاية القصوى،
стр. 55
وتألُّهٍ ولهج بالذكر، وشغف بالمحبة، والإنابة، والافتقار إلى الله تعالى، والانكسار له، والاطراح بين يديه على عتبة عبوديته، لم أشاهد مثله في ذلك، ولا رأيت أوسع منه علمًا، ولا أعرف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه، وليس هو المعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله. وقد امتحن وأوذي مرات، وحبس مع الشيخ تقي الدين في المرة الأخيرة بالقلعة، منفردًا عنه، ولم يفرج عنه إلا بعد موت الشيخ.
وكان في مدة حبسه مشتغلًا بتلاوة القرآن بالتدبر والتفكر، ففتح عليه من ذلك خير كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجد الصحيحة، وتسلط بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف، والدخول في غوامضهم، وتصانيفه ممتلئة بذلك.
وحج مرات كثيرة، وجاور بمكة. وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة وكثرة الطواف أمرًا يتعجب منه. ولازمت مجالسه قبل موته أزيد من سنة، وسمعت عليه: «قصيدته النونية» الطويلة في السنة، وأشياء من تصانيفه، وغيرها.
وأخذ عنه العلم خلق كثير من حياة شيخه وإلى أن مات، وانتفعوا به، وكان الفضلاء يعظمونه، ويتتلمذون له، كابن عبد الهادي وغيره.
وقال القاضي برهان الدين الزُّرَعي عنه: ما تحت أديم السماء أوسع علمًا منه.
ودرس بالصدرية. وأمَّ بالجوزية مدة طويلة. وكتب بخطه ما لا يوصف كثرة.
وصنف تصانيف كثيرة جدًّا في أنواع العلم. وكان شديد المحبة للعلم،
стр. 56
وكتابته ومطالعته وتصنيفه، واقتناء الكتب، واقتنى من الكتب ما لم يحصل لغيره.
فمن تصانيفه: كتاب «تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته والكلام على ما فيه من الأحاديث المعلولة» مجلد، كتاب «سفر الهجرتين وباب السعادتين» مجلد ضخم، كتاب «مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين» مجلدان، وهو شرح «منازل السائرين» لشيخ الإسلام الأنصاري، كتاب جليل القدر، كتاب «عقد محكم الإخاء بين الكلم الطيب والعلم الصالح المرفوع إلى رب السماء» مجلد ضخم، كتاب «شرح أسماء الكتاب العزيز» مجلد، كتاب «زاد المسافرين إلى منازل السعداء في هدي خاتم الأنبياء» مجلد، كتاب «زاد المعاد في هدي خير العباد» أربع مجلدات، وهو كتاب عظيم جدًا، كتاب «جلاء الأفهام في ذكر الصلاة والسلام على خير الأنام وبيان أحاديثها وعللها» مجلد، كتاب «بيان الدليل على استغناء المسابقة عن التحليل» مجلد، كتاب «نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول» مجلد، كتاب «أعلام الموقعين عن رب العالمين» ثلاث مجلدات، كتاب «بدائع الفوائد» مجلدان، «الشافية الكافية في الانتصار للفرقة الناجية» وهي «القصيدة النونية في السنة» مجلد، كتاب «الصواعق المنزلة في الجهمية المعطلة» في مجلدات (١)، كتاب «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» وهو كتاب «صفة الجنة» مجلد، كتاب «نزهة المشتاقين وروضة المحبين» مجلد، كتاب «الداء والدواء» مجلد، كتاب «تحفة
стр. 57
المودود في أحكام المولود» مجلد لطيف، كتاب «مفتاح دار السعادة» مجلد ضخم، كتاب «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية» مجلد، كتاب «مصايد الشيطان» مجلد، كتاب «الطرق الحكمية» مجلد، «رفع اليدين في الصلاة» مجلد، كتاب «نكاح المحرم» مجلد، «تفضيل مكة على المدينة» مجلد، «فضل العلم» مجلد، «عدة الصابرين» مجلد، كتاب «الكبائر» مجلد (١)،
«حكم تارك الصلاة» مجلد، كتاب «نور المؤمن وحياته» مجلد، كتاب «حكم إغمام هلال رمضان»، «التحرير فيما يحل ويحرم من لباس الحرير»، «جوابات عابدي الصلبان، وأن ما هم عليه دين الشيطان»، «بطلان الكيمياء من أربعين وجهًا» مجلد، «الفرق بين الخلة والمحبة، ومناظرة الخليل لقومه» مجلد، «الكلم الطيب والعمل الصالح» مجلد لطيف، «الفتح القدسي»، «التحفة المكية»، كتاب «أمثال القرآن»، «شرح الأسماء الحسنى»، «أيمان القرآن»، «المسائل الطرابلسية» مجلدات (٢)، «الصراط المستقيم في أحكام أهل الجحيم» مجلدان، كتاب «الطاعون» مجلد لطيف.
توفي رحمه الله تعالى وقت عشاء الآخرة ليلة الخميس ثالث عشر رجب سنة إحدى وخمسين وسبعمائة. وصلي عليه من الغد بالجامع [عقيب] الظهر، ثم بجامع جراح. ودفن بمقبرة الباب الصغير، وشيعه خلق كثير، ورئيت له منامات كثيرة حسنة، ﵁.
стр. 58
وكان قد رأى قبل موته بمدة الشيخ تَقيَّ الدين ﵀ في النوم، وسأله عن منزلته؟ فأشار إلى علوها فوق بعض الأكابر. ثم قال له: وأنت كدت تلحق بنا، ولكن أنت الآن في طبقة [ابن خزيمة].
وقرئ على شيخنا الإمام العلامة أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ــ وأنا أسمع ــ هذه القصيدة من نظمه في أول كتابه «صفة الجنة»:
وما ذاك إلا غيرة أن ينالها ... سوى كُفئها، والرب بالخلق أعلم
وإن حجبت عنا بكل كريهة ... وحفت بما يؤذي النفوس ويؤلم
فللّه ما في حشوها من مسرة ... وأصناف لذات بها يتنعم
ولله ذاك العيش بين خيامها ... وروضاتها والثغر في الروض يبسم
ولله واديها الذي هوموعد الـ ... ـمزيد لوفد الحب لو كانت منهم
بذيَّالك الوادي يهيم صبابة ... محب يرى أن الصبابة مَغْنَم
ولله أفراح المحبين عندما ... يخاطبهم من فوقهم ويسلم
ولله أبصار ترى الله جهرة ... فلا الضيم يغشاها، ولا هي تسأم
فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة ... أمن بعدها يسلو المحب المتيم
ولله كم من خَيرة إن تبسمت ... أضاء لها نور من الفجر أعظم
فيا لذة الأبصار إذ هي أقبلت ... ويا لذة الأسماع حين تكلم
ويا خجلة الغصن الرطيب إذا انثنت ... ويا خجلة البحرين (١) حين تبسم
فإن كنت ذا قلب عليل بحبها ... فلم يبق إلا وصلها لك مرهم
وذكر أبياتًا، ثم قال:
стр. 59
فيا خاطب الحسناء إن كنت باغيًا ... فهذا زمان المهر فهو المقدم
وكن مبغضًا للخائنات لحبها ... فتحظى بها من بينهن وتنعم
وكن أيِّما ممن سواها، فإنها ... لمثلك في جنات عدن تأيَّم
وصم يومك الأدنى لعلك في غد ... تفوز بعيد الفطر والناس صوم
وأقدم، ولا تقنع بعيش منغص ... فما فاز باللذات من ليس يقدم
وإن ضاقت الدنيا عليك بأسرها ... ولم يك فيها منزل لك يعلم
فحي على جنات عدن، فإنها ... منازلك الأولى، وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو، فهل ترى ... نعود إلى أوطاننا ونسلم؟
وقد زعموا أن الغريب إذا نأى ... وشطت به أوطانه فهو مُعدم
وأي اغتراب فوق غربتنا التي ... لها أضحت الأعداء فينا تحكُّم؟
وحي على السوق الذي فيه يلتقى الْـ ... ـمحبُّون، ذاك السوق للقوم معلم
فما شئت خذ منه بلاء ثمن له ... فقد أسلف التجار فيه وأسلموا
وحي على يوم المزيد الذي به ... زيارة رب العرش، فاليوم موسم
وحي على واد هنالك أفيح ... وتربته من أذفَرِ المسك أعظم
منابر من نور هناك وفضة ... ومن خالص العقيان لا تتفصم
وكثبان مسك قد جُعِلن مقاعدًا ... لمن دون أصحاب المنابر يعلم
فبيناهمُ في عيشهم وسرورهم ... وأرزاقهم تُجرى عليهم وتُقسَم
إذا هم بنور ساطع أشرقت له ... بأقطارها الجنات لا يتوهم
تجلى لهم رب السماوات جهرة ... فيضحك فوق العرش ثم يكلم
سلام عليكم، يسمعون جميعهم ... بآذانهم تسليمه إذْ يُسلّم
стр. 60
يقول: سلوني ما اشتهيتم، فكل ما ... تريدون عندي، إنني أنا أرحم
فقالوا جميعًا: نحن نسألك الرضا ... فأنت الذي تولي الجميل وترحم
فيعطيهم هذا ويشهد جمعهم ... عليه، تعالى الله، والله أكرم
فيا بائعًا هذا ببخس معجَّل ... كأنك لا تدري، بلى، سوف تعلم
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري، فالمصيبة أعظم
* * *
стр. 61
«تاريخ ابن قاضي شُهبة» (١)
لابن قاضي شُهبة (ت ٨٥١)
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حَريز، الشيخ الحافظ، ذو الفنون، شمس الدين، أبو عبد الله الزُّرَعي الدمشقي المعروف بابن قيِّم الجوزية.
وُلِدَ سنة إحدى وتسعين وستمائة، وسمع من الشهاب النابلسي العابر، والقاضي التقي سليمان، وعيسى المطعِّم، وأبي بكر بن عبد الدائم وجماعة، وتفقه على مذهب أحمد، وبرع وأفتى ودرَّس، ولازم ابن تيمية وأخذ عنه، وتفنن في العلوم، وصنف تصانيف كثيرة حسنة مشهورة، وقد امتحن وأوذي مراتٍ، وحُبِس مع شيخه في المرة الأخيرة بالقلعة منفردًا عنه؛ ولم يفرج عنه إلا بعد موت شيخه، وكان يكثر العبادة، ويفتي بمسألة الطلاق التي اختارها شيخه، وجرت له بسببها فصولٌ يطول ذكرها مع القاضي تقي الدين السبكي وغيره، وقد نال منه علماء العصر ونال منهم.
قال الذهبي في (المعجم المختص): «عُني بالحديث ومتونه وبعض رجاله، وكان يشتغل في الفقه ويجيد تقريره، وفي النحو ويدريه، وقد حُبس مرةً لإنكاره شد الرحل إلى قبر الخليل ﵇، وتصدر للإشغال ونشر العلم، ولكنه معجبٌ برأيه، جرى عليه أمور».
توفي في رجب بدمشق ودفن بمقبرة باب الصغير.
стр. 62
«الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة» (١)
لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢)
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حَريز الزُّرَعي الدمشقي، شمس الدين ابن قيم الجوزية الحنبلي.
ولد سنة ٦٩١ هـ، وسمع على التقي سليمان، وأبي بكر بن عبد الدائم، والمطعِّم، وابن الشيرازي، وإسماعيل ابن مكتوم، والطبقة.
وقرأ العربية على ابن أبي الفتح والمجد التونسي، وقرأ الفقه على المجد الحراني وابن تيمية، ودرَّس بالصدرية، وأم بالجوزية، وكان لأبيه في الفرائض يدٌ فأخذها عنه، وقرأ في الأصول على الصفي الهندي، وابن تيمية.
وكان جريء الجنان، واسع العلم، عارفًا بالخلاف ومذاهب السلف، وغلب عليه حب ابن تيمية حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله بل ينتصر له في جميع ذلك، وهو الذي هذَّب كتبَه ونشرَ علمه. وكان له حظ عند الأمراء المصريين. واعتقل مع ابن تيمية بالقلعة بعد أن أهين وطيف به على جمل مضروباً بالدِّرَّة، فلما مات أفرج عنه. وامتحن مرة أخرى بسبب فتاوى ابن تيمية، وكان ينال من علماء عصره وينالون منه.
قال الذهبي في «المختص»: حبس مرة لإنكاره شد الرحال لزيارة قبر الخليل، ثم تصدر للاشتغال ونشر العلم، ولكنه معجب برأيه، جريء على الأمور.
وكانت مدة ملازمته لابن تيمية منذ عاد من مصر سنة ٧١٢ إلى أن مات.
стр. 63
وقال ابن كثير: كان ملازمًا للاشتغال ليلًا ونهارًا، كثير الصلاة والتلاوة، حسن الخلق، كثير التودد، لا يحسد ولا يحقد. ثم قال: لا أعرف في زماننا من أهل العلم أكثر عبادة منه، وكان يطيل الصلاة جدًّا، ويمدّ ركوعها وسجودها. إلى أن قال: كان يُقصَد للإفتاء بمسألة الطلاق حتى جرت له بسببها أمور يطول بسطها مع التقيّ (١) السبكي وغيره.
وكان إذا صلى الصبح جلس مكانه يذكر الله حتى يتعالى النهار، ويقول: هذه غدوتي، لو لم أقعدها سقطت قواي. وكان يقول: بالصبر والفقر واليقين (٢) تنال الإمامة في الدين. وكان يقول: لابد للسالك من همة تسيره وترقيه، وعلم يبصره ويهديه (٣).
وكان مغرًى بجمع الكتب؛ فحصل منها ما لا يحصر حتى كان أولاده يبيعون منها بعد موته دهرًا طويلًا سوى ما اصطفوه منها لأنفسهم.
وله من التصانيف: «الهدي»، و «أعلام الموقعين»، و «بدائع الفوائد»، و «طرق السعادتين»، و «شرح منازل السائرين»، و «القضاء والقدر»، و «جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام»، و «مصايد الشيطان»، و «مفتاح دار السعادة»، و «الروح»، و «رفع اليدين»، و «الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة»، وتصانيف أخرى. وكل تصانيفه مرغوب فيها بين
стр. 64
الطوائف، وهو طويل النفَسِ فيها، يتعانى الإيضاح جهده، فيسهب جدًّا، ومعظمها من كلام شيخه يتصرف في ذلك، وله في ذلك ملَكَة قوية، ولا يزال يدندن حول مفرداته وينصرها، ويحتج لها. ومن نظمه قصيدة تبلغ ستة آلاف بيت سماها «الكافية في الانتصار للفرقة الناجية» وهو القائل:
بُنيُّ أبي بكر كثير ذنوبُهُ ... فليس على مَن نال من عرضه إثمُ
بُنيُّ أبي بكر غدا متصدرًا ... يعلّم علمًا وهو ليس له علمُ
بُنيُّ أبي بكر جَهولٌ بنفسه ... جهول بأمر الله أنَّى له العلمُ
بُنيُّ أبي بكر يروم ترقّيًا ... إلى جنَّة المأوى وليس له عزمُ
بُنيُّ أبي بكر لقد خاب سعيُه ... إذا لم يكن في الصالحات له سهم
بُنيُّ أبي بكر كما قال ربّه ... هَلوعٌ كنودٌ وصفه الجهل والظلمُ
بُنيُّ أبي بكر وأمثاله غدت ... بفتواهُم هذي الخليقة تأتمُّ
وليس لهم في العلم باع ولا التقى ... ولا الزهد، والدنيا لديهم هي الهمُّ
بني أبي بكر غدا متمنيًا ... وصال المعالي والذنوب له هم
جرت له محن مع القضاة، منها في ربيع الأول، طلبه السبكي بسبب فتواه بجواز المسابقة بغير محلل فأنكر عليه، وآل الأمر إلى أنه رجع عما كان يفتي به من ذلك. ومات في ثالث عشر شهر رجب سنة ٧٥١ هـ، وكانت جنازته حافلة جدًّا ورئيت له منامات حسنة، وكان هو ذكر قبل موته بمدة أنه رأى شيخه ابن تيمية في المنام، وأنه سأله عن منزلته فقال: إنه أنزل منزلة فوق فلان وسمى بعض الأكابر، قال له: وأنت كدت تلحق بنا، ولكن أنت في طبقة ابن خزيمة.
стр. 65
«تجريد الوافي بالوفيات» (١)
لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢)
محمد بن أبي بكر بن سعد الزُّرَعي، شمس الدين ابن قيم الجوزية.
الإمام المشهور الحنبلي، شهرته تغني عن طرقه (٢)، ومصنفاته كاسمه شهرة، لم يخلف ابن تيمية مثله. مات سنة إحدى وخمسين وسبعمائة.
* * *
стр. 66
«عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان» (١)
بدر الدين العيني (ت ٨٥٥)
العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرَعي، المعروف بابن قيِّم الجوزيّة.
وله تصانيف جمّة الفوائد، ولازم الشيخَ تقيَّ الدين ابن تيميّة لما رجع من الديار المصرية إلى الديار الشامية.
وكان متصدّيًا للإفتاء بمسألة الطلاق التي اختارها الشيخ تقيُّ الدين ابن تيمية، وجرى له بسبب ذلك فصول يطول شرحها مع قاضي القضاة تقي الدين السبكي وغيره.
مات بدمشق في الثالث عشر من رجب. ﵀.
* * *
стр. 67
«النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» (١)
لابن تغري بردي (ت ٨٧٤)
توفي الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرَعي الدمشقي الحنبلي، المعروف بابن قيم الجوزية بدمشق، في ثالث عشر شهر رجب، ومولده سنة إحدى وتسعين وستمائة.
وكان بارعًا في عدة علوم، ما بين تفسير وفقه وعربية ونحوٍ وحديث وأصول وفروع. ولزم شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية بعد عوده من القاهرة في سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، وأخذ منه علمًا كثيرًا، حتى صار أحد أفراد زمانه. وتصدى للإقراء والإفتاء سنين، وانتفع به الناس قاطبةً، وصنّف وألّف وكتب.
وقد استوعبنا أحوالَه ومصنّفاته وبعض مشايخه في ترجمته في «المنهل الصافي» كما ذكرنا أمثاله.
* * *
стр. 68
«المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي» (١)
لابن تغري بردي (ت ٨٧٤)
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حَريز، العلامة شمس الدين الزُّرَعي الحنبلي، المعروف بابن قيم الجوزية.
مولده في سابع صفر سنة إحدى وتسعين وستمائة.
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي: سمع على الشهاب العابر وجماعة كثيرة، منهم: سليمان بن حمزة الحاكم، وأبو (٢) بكر بن عبد الدائم، وعيسى المطعِّم، وأبو (٣) نصر محمد بن عماد الدين الشيرازي، وابن مكتوم، والبهاء بن عساكر، وعلاء الدين الكندي الوداعي، ومحمد بن أبي الفتح البعلبكي قرأ عليه «الملخص» لأبي البقاء، ثم «الجرجانية»، ثم قرأ «ألفية ابن مالك»، وأكثر «الكافية الشافية»، وبعض «التسهيل»، ثم قرأ على الشيخ مجد الدين التونسي قطعة من «المقرب».
وأما الفقه فأخذه عن جماعة منهم: الشيخ إسماعيل بن محمد الحراني، قرأ عليه «مختصر أبي القاسم الخِرَقي»، و «المقنع» لابن قدامة، ومنهم ابن أبي الفتح البعلبكي، ومنهم الشيخ الإمام العلامة تقي الدين ابن تيمية قرأ عليه قطعة من «المحرر» تأليف جده، وأخوه الشيخ شرف الدين، وأخذ الفرائض أولًا عن والده كان له فيها يد، ثم على إسماعيل بن محمد، ثم على
стр. 69
الشيخ تقي الدين بن تيمية. وأما الأصول فأخذها عن جماعة منهم: الشيخ صفي الدين الهندي، وإسماعيل بن محمد قرأ عليه أكثر «الروضة» لابن قدامة، ومنهم الشيخ تقي الدين بن تيمية قرأ عليه قطعة من «المحصول» ومن كتاب «الإحكام» للسيف الآمدي، وقرأ في أصول الدين على الشيخ صفي الدين الهندي أكثر «الأربعين» و «المحصل»، وقرأ على الشيخ تقي الدين بن تيمية قطعة من الكتابين وكثيرًا من تصانيفه، واشتغل كثيرًا وناظر واجتهد، وأكب على الطلب، وصنف، وصار من الأئمة الكبار في علم التفسير والحديث والأصول فقهًا وكلامًا والفروع والعربية، ولم يخلف الشيخ تقي الدين بن تيمية مثله.
ومن تصانيفه: «زاد المعاد في هدي دين (١) العباد» أربعة أسفار، و «مفتاح دار السعادة» مجلد كبير، و «تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته» نحو ثلاثة أسفار، و «سفر الهجرتين وطريق (٢) السعادتين» سفر كبير، وكتاب «رفع اليدين في الصلاة» سفر متوسط، و «معالم الموقعين عن رب العالمين» سفر كبير، وكتاب «الكافية الشافية لانتصار الفرقة الناجية» وهو نظم نحو ستة آلاف بيت، و «الرسالة الحلبية في الطريقة المحمدية»، و «بيان الاستدلال على بطلان محلل السباق والنضال»، و «التحبير بما يحل ويحرم لبسه من الحرير»، و «الفروسية المحمدية»، و «جلاء الأفهام في أحكام الصلاة والسلام على خير الأنام»، و «تفسير أسماء القرآن»، و «تفسير الفاتحة» مجلد كبير، و «اقتضاء الذكر بحصول الخير ودفع الشر»، و «كشف
стр. 70
الغطاء عن حكم سماع الغناء»، و «الرسالة الشافية في أحكام المعوذتين»، و «معاني الأدوات والحروف»، و «بدائع الفوائد» مجلد كبير.
أنشدني من لفظه لنفسه:
بُني أبي بكر كثيرٌ ذنوبه ... فليس على مَن نال من عرضه إثم
بُني أبي بكر جَهُولٌ بنَفْسِهِ ... جَهُولٌ بأمر الله أَنَّى له العلمُ
بُني أبي بكر غدَا مُتَصَدِّرًا ... يُعلّم علمًا وهو ليس له عِلْمُ
بُني أبي بكر غدَا مُتَمنيًا ... وصالَ المعالي والذنوبُ له همُّ
بُني أبي بكر يروم ترقِّيًا ... إلى جَنَّةِ المَأْوى وليس له عزمُ
بُني أبي بكر يرى الغُنْمَ فِي الذي ... يَزُولُ ويفْنَى والذي تركه الغُنْم
بُني أبي بكر لقد خَابَ سَعْيُه ... إذا لم يكن في الصالحاتِ لَهُ سَهْمُ
بُني أبي بكر كما قال رَبُّهُ ... هلوعٌ كنودٌ وَصْفُهُ الجَهْلُ والظُّلْمُ
بُني أبي بكر وأمثَالُهُ غدوا ... بفتواهُمُ هذي الخليقة يأتموا
وليس لهم في العلم باعٌ ولا التُّقَى ... ولا الزهد، والدنيا لديهم هي الهمُّ
فوالله لو أنَّ الصحابةَ شاهدوا ... أفاضِلَهُمْ قالوا: همُ الصُّمُّ والبُكْمُ
انتهى كلام الصفدي.
قلت: وتوفي « ........... » (١)
* * *
стр. 71
«الدليل الشافي على المنهل الصافي» (١)
لابن تغري بردي (ت ٨٧٤)
محمد بن أبي بكر بن أيوب، العلامة شمس الدين الزُّرَعي الحنبلي، يعرف بابن قيّم الجوزية. مولده في سابع صفر سنة إحدى وتسعين وستمائة.
* * *
стр. 72
«المنتهى في وفيات أولي النُّهى» (١)
لحمزة بن أحمد بن علي الحُسيني (ت ٨٧٤)
ابن قيم الجوزية، الدمشقي الحنبلي، العلَم صاحب التصانيف، شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب، مات سنة ٧٥١.
* * *
стр. 73
«المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد» (١)
برهان الدين ابن مفلح (ت ٨٨٤)
محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزُّرَعي ثم الدمشقي، الفقيه الأصولي المفسر النحوي العارف، شمس الدين، أبو عبد الله، ابن قيِّم الجوزية.
سمع من القاضي تقي الدين سليمان، وفاطمة بنت جوهر، وعيسى المطعِّم، وأبي بكر بن عبد الدايم وجماعة، وتفقه في المذهب، وأفتى، ولازم الشيخ تقي الدين، وأخذ عنه، وتفنن في علوم الإسلام.
كان عارفًا بالتفسير وبأصول الدين والفقه، وله اعتناء بعلم الحديث، والنحو، وعلم الكلام والسلوك. وقد أثنى عليه الذهبي ثناءً كثيرًا. وقال ابن (٢) برهان الدين الزُّرَعي: ما تحت أديم السماء أوسع علمًا منه. ودرّس بالصدرية وغيرها، وأوقف (٣) كتبًا حسانًا في علوم شتى.
وتوفي ليلة الخميس ثالث عشر (٤) رجب سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وصلي عليه من الغد بالجامع الأموي، ودُفن [من] الغد بمقبرة باب الصغير، وشيّعه خلقٌ كثير، ورئيت له منامات حسنة ﵀.
стр. 74
«دستور الأعلام» (١)
لابن عزم التونسي (ت ٨٩١)
ابن قيّم الجوزية، الزُّرَعي الدمشقي الحنبلي، العلَم صاحب التصانيف، أحد أصحاب ابن تيميّة. شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز. ٧٥١.
* * *
стр. 75
«وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام» (١)
لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي (ت ٩٠٢)
العلامةُ الحجةُ المتقدِّم في سَعة العلم ومعرفة الخلاف وقوة الجنان: الشمس محمد بن أبي بكر بن أيوب الدمشقي الحنبلي، ابن قيِّم الجوزية.
رئيس أصحاب ابن تيمية، بل هو حسنة من حسناته، والمُجمع عليه بين المُخالف والموافق، وصاحب التصانيف السائرة والمحاسن الجَمَّة، انتفع به الأئمة، ودرَّس بأماكن.
وقال فيه ابن كثير: لا أعرف في زماننا مِن أهل العلم أكثر عبادة منه. وكانت وفاته في رجب بدمشق.
وهو القائل مما هو مسبوقٌ بنحوه:
بُنيُّ أبي بكر كثير ذنوبُهُ ... فليس على مَن نال من عرضه إثمُ
بُنيُّ أبي بكر غدا متصدرًا ... يعلّم علمًا وهو ليس له علمُ
بُنيُّ أبي بكر جَهولٌ بنفسه ... جهول بأمر الله أنَّى له العلمُ
بُنيُّ أبي بكر يروم ترقّيًا ... إلى جنَّة المأوى وليس له عزمُ
بُنيُّ أبي بكر لقد خاب سعيُه ... إذا لم يكن في الصالحات له سهم
بُنيُّ أبي بكر كما قال ربّه ... هَلوعٌ كنودٌ وصفُه الجهلُ والظلمُ