Полный текст (422 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
ـ[شرح اللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون]ـ
مؤلف الأصل: حافظ بن أحمد بن علي الحكمي (المتوفى: ١٣٧٧هـ)
الشارح: عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن حمد الخضير
دروس مفرغة من موقع الشيخ الخضير
[الكتاب مرقم آليا، رقم الجزءهو رقم الدرس - ٨ دروس]
стр. 2
شرح نظم: (اللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون) (١)
شرح مقدمة النظم (الأبيات الأولى)
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فلا يخفى على من حضر فضل العلم الشرعي، وما أعده الله -جل وعلا- من ثوابٍ عظيم لحملته، بل لمن سعى في طلبه ولو لم يدركه، فجاء في الحديث: ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)) مجرد أن يسلك الإنسان الطريق يثبت له إن كان مخلصاً لله هذا الموعود الصادق، فإذا كان العلم يؤثر في الحيوانات، بل في أخسها، فماذا عن مسلم مؤمن يبتغي بهذا العلم وجه الله والدار الآخرة؟! الأمر في غاية الأهمية، ومقابله في غاية الخطورة؛ لأن العلم الشرعي ويراد به ما يعتمد على الوحيين من أمور الآخرة المحضة التي لا تقبل التشريك، فمن تعلم ليقال: عالم هذا مصيره أن يكون أحد الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، ولو قيل: إنه عالم، ولو تبوأ منزلة بين الناس، ولو تبوأ المنازل والمناصب بين الناس؛ ليستوفي حقه في الدنيا، ويدخر له العذاب يوم القيامة، نسأل الله السلامة والعافية، والعلم الذي جاءت النصوص بمدحه ومدح حامليه هو العلم الشرعي، والعلم الشرعي المعتمد على الوحيين، أما ما سواه من العلوم فهو كغيره مما يعانيه الناس من أمور دنياهم، إن احتسب به نفع المسلمين أُجر عليه كما يؤجر الصانع والمزارع وغيرهما، وإن خلى عن النية فلا له ولا عليه، وهذا بخلاف هذا العلم الذي هو في الحقيقة عبادة، بل من أجل العبادات، ولذا يقرر أهل العلم في أبواب صلاة التطوع يرتبون ما يتطوع به العبد بعد الفرائض، ويجعلون العلم وطلب العلم ومدارسة العلم في رأس القائمة، والمراد به علم الوحيين الكتاب والسنة.
وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- يتلقون العلم من النبي ﵊ مباشرة ودون وسائط، فلا يحتاجون إلى وسائل تعينهم على فهم الكتاب والسنة، فلما وجدت الوسائط بين من ينشد العلم ويطلبه وبين مبلغه عن ربه ﵊ احتيج إلى مثل هذه الوسائل.
стр. 3
في القرن الأول والثاني العهد قريب، والقرائح باقية، والفطر على ما كانت عليه، ثم لما وجدت الحاجة إلى أن يؤلف في علوم الوسائل إلى المقصد الأصلي وهو علم الوحيين هذه الحاجة أوجدت هذه العلوم، فألف الناس في العقائد وبيان العقيدة الصحيحة المتلقاة من كتاب الله وسنة نبيه ﵊، وما يبين ذلك من أقوال الصحابة والتابعين لما وجد المخالف في هذا الباب فبينت هذه العقائد ودونت فيها الكتب حمايةً للمسلمين، ورداً على المخالفين.
بَعُد العهد، واختلط العرب بغيرهم، فاحتاجوا إلى ما يعينهم على فهم كلام الله ، فألفت التفاسير، كثرت الوسائط بين الناس وبين النبي ﵊، فاحتيج إلى أن تبحث أحوال هذه الوسائط جرحاً وتعديلاً، واحتيج أن يصنف في قواعد من قبل أهل العلم تضبط ما يقال في هؤلاء الرواة من جرح وتعديل، فالحاجة أوجدت هذه العلوم، والعلماء أدوا ما عليهم في خدمة الكتاب والسنة، وما يعين على فهم الكتاب والسنة، واحتيج أيضاً إلى تدوين أقوال سلف هذه الأمة في القضايا والنوازل ليفاد منها في كيفية التعامل مع نصوص الكتاب والسنة، فألفت كتب الفروع، ووجدت القواعد والضوابط والأصول التي يستعين بها طالب العلم في كيفية التعامل مع النصوص، فألفت بقية العلوم لتخدم الكتاب والسنة.
وهذا العلم أعني علم مصطلح الحديث من هذا النوع، وألف للتوصل به وبواسطته إلى معرفة المقبول والمردود مما ينسب إلى النبي ﵊، فكان موضوعه الأسانيد والمتون الذي نظم فيهما هذا النظم الذي بين أيدينا.
هذا الكتاب الذي معنا كتابٌ جامع متوسط لم يكن اختصاره مخلاً كالبيقونية وغرامي صحيح وغيرهما، ولم يكن مطولاً كالألفيات وغيرها مما زاد عليها.
стр. 4
قد يقول قائل: هذا نظم وجاءت النصوص بذم الشعر فكيف نتقرب إلى الله بما جاء ذمه في النصوص؟ ﴿وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [(٢٢٤) سورة الشعراء]؟ وجاء في الصحيحين: ((لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خيرٌ له من أن يمتلئ شعراً)) هذا ذم للشعر، لكنه محمولٌ عند أهل العلم على من امتلأ جوفه وذهنه وحافظته من هذا النوع من الكلام، وإذا امتلأ إذا امتلأ هذا الظرف وهذا الوعاء فإنه لن يكون لما أمر به من حفظٍ للكتاب والسنة من كلام الله وكلام نبيه ﵊ لن يكون له مكان، فمن كان ديدنه الشعر حتى يمتلئ بحيث لا يستطيع أن يستوعب غيره معه يرد فيه مثل هذا الحديث.
وبعض أهل العلم حمل هذا الحديث، وما جاء في معناه على الشعر المذموم، ولا شك أن الشعر كلام، حسنه حسن، وقبيحه قبيح، وسمع النبي ﵊ الشعر، أنشد العشر بين يديه ﵊، استمع للشعراء، وأمر حساناً بأن يهجو الكفار، فدل على أن الشعر إذا خلى مما ذكر فإنه يكون من قبيل المباح، ثم إذا اشتمل على هذا الشعر على ما ينفع من دفاعٍ عن الإسلام وأهله يرد فيه نحو: ((اهجهم وروح القدس)) أيش؟ ((تؤيدك)) يكون مأموراً به، إذا كان فيه بيانٌ للدين، ودفاعٌ عنه، وردٌ على المخالفين يكون مما أمر به.
كانت البدايات في نظم العلوم ضعيفة، ومقتصرة على التواريخ والأدب، وأنا دونت بعض من نظم في التواريخ من الأوائل:
أبان بن عبد الحميد اللاحقي المتوفى سنة مائتين نظم في الأدب والأخلاق كتاب: (كليلة ودمنة)، ونظم في التاريخ: (سيرة أنو شروان) و (سيرة أردشيه) جاء بعده بشر بن المعتمر الهلالي المعتزلي المتوفى سنة عشرٍ ومائتين فنظم قصيدة يقال: إنها في أربعين ألف بيت، رد فيها على جميع المخالفين لاعتقاده، جاء بعده علي بن الجهم القرشي المتوفى سنة تسعٍ وأربعين ومائتين فنظم أرجوزة تاريخية ذكر فيها تاريخ الخلق منذ آدم ﵇ حتى الخليفة المستعين بالله.
стр. 5
جاء بعد ذلك أبو العباس عبد الله بن المعتز المتوفى سنة ستٍ وتسعين ومائتين فنظم أرجوزته في تاريخ الخليقة، بل في تاريخ الخليفة المعتضد وغيره، وتقع في عشرين وأربعمائة بيت، ثم جاء ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد المتوفى سنة ثمانٍ وعشرين وثلاثمائة فنظم أرجوزة تاريخية في مغازي عبد الرحمن الناصر، ورتبها على السنين، وتقع في خمسةٍ وأربعين وأربعمائة بيت، وأرجوزة أخرى في العروض تقع في ثلاثةٍ وتسعين وثلاثمائة بيت.
استمر الحال على ذلك الضعف إلى أن جاء العصر العباسي الرابع الذي يبدأ من سنة سبع وأربعين وأربعمائة وينتهي بسقوط بغداد بالكارثة الأولى سنة ستٍ وخمسين وستمائة، فتغيرت حال الشعراء عما كانوا عليه، وانصرفت القرائح إلى نظم العلوم الشرعية، فأودعوا علومهم في قصائد طويلة تارةً، وقصيرة تارة أخرى ليسهل حفظها وتذكرها، والأمثلة على ذلك كثيرةٌ جداً.
من أطول هذه القصائد مما وجد قصيدة ابن عبد القوي نظم ابن عبد القوي ﵀ للمقنع المسمى: (عقد الفرائد) وهذه طويلة جداً (عقد الفرائد وكنز الفوائد) مطبوع في مجلدين، تزيد أبياتهما على اثني عشر ألف بيت، وهذه المنظومة لا شك أن فيها ضبط لفقه الحنابلة على طولها، ولا مانع أن يعتني بها طالب العلم كما يعتني بغيرها من كتب الفقه، يقرأها قراءة، فإذا وجد بيتاً يشتمل على فائدة نادرة أو ضابط يمكن أن يحفظه فهو أحسن من النثر.
نونية ابن القيم تذكر في هذا المجال، وهي نونية منظومة نافعة، عظم نفعها، بلغت في عدِّ خمسة آلاف وثمانمائة وعشرين بيت، والألفيات في كل علم أشهر من أن تذكر، هناك ألفية ابن مالك، وهناك ألفية العراقي، وألفية السيوطي، ألفيات كثيرة، ألفية في الفرائض، وألفية في الفقه.
هناك المختصرات، المنظومات المختصرة التي عم نفعها كالرحبية في الفرائض، البيقونية على اختصارها في المصطلح، ونظم الآجرومية، ونظم الورقات وغير ذلك من المنظومات التي لا ينكر نفعها، فهذه منظومات مهمة.
والنظم كما عرفنا يقابل النثر، ومنه نظم العقد، وجمعُ مفرداته في خيطٍ واحد، كما أن النظم نظم الكلام جمعُ كلمات البيت الواحد في عقدٍ واحد وهو البيت، بل في عقود وهي الأبيات.
стр. 6
"اللؤلؤ المكنون" إحنا عندنا العنوان (نظم اللؤلؤ المكنون) جاء في تفسير القرطبي على قوله -جل وعلا-: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾ [(٢٤) سورة الطور] من سورة الطور، يقول: كأنهم في الحسن والبياض لؤلؤ مكنون في الصدف، والمكنون المصون، يقول الكسائي: كننت الشيء سترته، وصنته من الشمس، وأكننته في نفسي أسررته.
وقال أبو زيد: كننته وأكننته بمعنىً في الكنِّ وفي النفس جميعاً تقول: كننت العلم وأكننته فهو مكنون ومكنْ، وكننت الجارية وأكننتها فهي مكنونة ومكنة.
واللؤلؤ: هو الدر، عبارة عن أجسام مستديرة بيضاء لماعة، تتكون في الأصداف من رواسب بعض الحيوانات المائية، واحدتها لؤلؤة، والجمع لؤلؤ ولآليء.
(في أحوال الأسانيد والمتون) يعني في توضيح وبيان أحوال الأسانيد وذكر السند والمتن، سيأتي في النظم لكن وروده هنا في أول مكان يغنينا عن إعادته فيما بعد -إن شاء الله تعالى-.
الأسانيد: جمع سند، وهو لغةً: ما ارتفع من الأرض، وما يليك من الجبل، وما قابلك من الجبل، ما قابلك مما يليك من الجبل، وعلا عن السفح، وكل شيء أسندته إلى شيء فهو مسند وسند، ويقال: أسند في الجبل إذا صعده، كما يقال: فلانٌ سند أي معتمد، فالسند: ما يستند إليه، ويعتمد عليه من متكأٍ ونحوه.
اصطلاحاً: عرفوه بأنه الإخبار عن طريق المتن، قال ابن حجر: حكاية طريق المتن، حكاية طريق المتن يعني الطريق الموصل إلى المتن، والإسناد يأتي بمعنى السند، حديثٌ إسناده حسن، أو سنده حسن لا فرق، وإن كان الأصل الإسناد، وهو المصدر رفع الخبر إلى قائله، أو رفع الحديث إلى قائله.
والسند كما تقدم بعبارةٍ يمكن نصوغها تكون أوضح مما تقدم: هو سلسلة الرواة الذين يذكرهم المحدث ابتداءً بشيخه وانتهاءً بالنبي ﵊.
стр. 7
والمتون: جمع متن، وهو ألفاظ الحديث، ألفاظ الحديث التي هي الغاية من دراسة هذا العلم، وأما دراسة الأسانيد فهي وسيلة، ألفاظ الحديث التي تقوم بها المعاني، مأخوذٌ من المماتنة، وهي المباعدة في الغاية؛ لأن المتن هو غاية السند، أو من المتن وهو ما صلب وارتفع من الأرض؛ لأن المسنِد يقوي المتن بالسند، ويرفعه إلى قائله، أو من تمتين القوس أي شدها بالعصب؛ لأن المسنِد يقوي الحديث ويسنده، أو يقوي الحديث بسنده.
والأسانيد والمتون هي موضوع علوم الحديث، الأسانيد والمتون موضوع علوم الحديث، يعني علوم الحديث موضوعه في الأسانيد والمتون، يقول السيوطي:
علم الحديث ذو قوانين تحد ... يدرى بها أحوال متنٍ وسند
"فذلك الموضوع" يعني موضوع هذا العلم "فذلك الموضوع" وقدم الموضوع على الحد للحاجة إلى شرح عنوان الكتب، وإلا فالأصل تقديم الحد، والمبادئ العشرة معروفة.
إن مبادئ كل علمٍ عشرة ... الحد والموضوع ثم الثمرة
وفضله ونسبة والواضع ... وحكمه ثم إيش؟ وفضله الاستمداد ثم حكم الشارع
وفضله ونسبة والواضع ... والاسم الاستمداد حكم الشارع
على كل حال الذي يعنينا من هذا تعريف علوم الحديث وموضوعه وفضله، بقية المبادئ العشرة بحثها موجود، فعلوم الحديث ويسمونه أصول الحديث، ويسمونه مصطلح الحديث، وهو بمنزلة علوم القرآن وأصول الفقه: القوانين المعرفة بحال الراوي والمروي، يعني بحال السند والمتن، بحال. . . . . . . . .، هذا أخصر ما قيل فيه، وإن كان له تعريفات باعتبار أسمائه، وشهرته في مصطلح الحديث في هذه الكلمة، وهي عبارة عن جزأين ركب أحدهما على الآخر، جزأين متضايفين مصطلح وحديث، وله تعريف باعتبار جزئي المركب، وتعريفه الذي مضى باعتباره علم على هذا العلم.
المصطلح هو العرف الخاص، يعني ما يتعارف عليه أهل علمٍ من العلوم، فإذا كان هذا المصطلح لا يتضمن مخالفةً لما تقرر في أي علمٍ من العلوم فإنه لا مشاحة فيه، وأهل العلم يطلقون لا مشاحة في الاصطلاح مع أنه ينبغي أن تقيد بما لا يخالف نصاً شرعياً، أو ما تقرر في أي علمٍ من العلوم.
стр. 8
يعني لو قال شخص: أنا أصطلح لنفسي أن تكون السماء وهي في مكانها أقول: تحت، والناس يقولون: فوق، والأرض فوق وإن كانت تحت ويش اللي يضر؟ لا مشاحاة في الاصطلاح وأبين، نقول: لا، هذا يخالف ما تقرر عند جميع العقلاء، فليس لك أن تصطلح لنفسك ما يخالف ما تقرر، لو قال: أنا أجعل الشمال جنوب والجنوب شمال، أجعل في اصطلاحي أن اليمن في جهة الشمال، والشام في جهة الجنوب، نقول: لا، هذا يخالف ما اصطلح عليه، لكن لك أن تصطلح لنفسك ولا مشاحاة في الاصطلاح أن تقلب الخارطة، فبدلاً من أن يكون الشام في رأس الخارطة، واليمن في أسفلها اقلب لا بأس، ما في مانع؛ لأن هذا لا يغير من الواقع شيء.
أقول: هذه المسألة التي تطلق على ألسنة أهل العلم هي بحاجة إلى مثل هذا التقييد، ولا نريد أن نسترسل أكثر من هذا، فنأتي إلى التعريف بالمؤلف.
المؤلف -رحمة الله عليه- أشهر من نار على علم، فهو بالنسبة لاسمه:
الشيخ العالم العلامة، وإن صغر سنه، فالعبرة بما حواه من علمٍ وعمل، اسمه: حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، نسبةً إلى الحكم بن سعد العشيرة، ولد -رحمة الله عليه- .. نريد أن نختصر اختصار شديد جداً؛ لأن سيرة الرجل -رحمة الله عليه- العطرة كتب فيها رسائل علمية، ودونت في بطون الكتب ضمن التراجم بإفاضة، استوفيت حياته -رحمة الله عليه-، وشيوخه، تلاميذه، مؤلفاته، شيء من أخباره، المقصود أن هذا مستوفى، لا نستطرد بذكره.
ولد -رحمة الله عليه- سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة وألف، في شهر رمضان بقرية يقال لها: السلام، تابعة لمدينة المظايا، حاضرة قبيلة الحكَّامية أوالحكَامية،. . . . . . . . . أعرف بضبطها، التي ينتسب إليها، ثم انتقل إلى قرية الجاضع التابعة لمدينة سامطة، تعلم مبادئ القراءة والكتابة في الكتاب، حيث ألحقه أبوه بكتاب القرية، حفظ القرآن وبعض المتون العلمية في وقتٍ مبكر جداً، لزم الشيخ عبد الله القرعاوي، الذي انتقل إلى المنطقة هناك في جيزان سنة تسعٍ وخمسين وثلاثمائة وألف في شعبان.
стр. 9
رزقه الله حافظةً قوية، وفهماً ثاقباً، فحصل في مدةٍ يسيرة جداً من العلوم ما لا يدرك في عقود، ومؤلفاته شاهدةٌ على ذلك التي من أشهرها: (سلم الوصول) شرحه (معارج القبول)، (أعلام السنة المنشورة) (دليل أرباب الفلاح) في المصطلح، (المنظومة الميمية في الوصايا والآداب العلمية) أقول: مثل هذه المنظومة لا يستغني عنها طالب علم، أودعها -رحمة الله عليه- وصايا يحتاج إليها كل طالب علم، (النور الفائض في علم الفرائض) وغير ذلك من المؤلفات الشيء الكثير.
توفي -رحمة الله عليه- بعد أن أدى الحج سنة سبعٍ وسبعين وثلاثمائة وألف، وكان عمره خمساً وثلاثين سنة وأشهر، يعني إذا كان النووي -رحمة الله عليه- يضرب به المثل في وجود البركة في عمره ومدته على قصرها، فالشيخ حافظ -رحمة الله عليه- أصغر منه بعشر سنوات مع ما قدمه للأمة من علمٍ محرر محقق، والله المستعان.
سم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين، واعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن برحمتك يا أرحم الراحمين، أما بعد:
قال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي -رحمه الله تعالى- المتوفى سنة سبعٍ وسبعين وثلاثمائة وألف، قال -رحمه الله تعالى- في كتابه: (نظم اللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون):
اَلْحَمْدُ كُلُّ اَلْحَمْدِ لِلرَّحْمَنِ ... ذِي اَلْفَضْلِ وَالنِّعْمَةِ وَالإِحْسَانِ
ثُمَّ عَلَى رَسُولِهِ خَيْرِ اَلأَنَامِ ... وَالآلِ وَالصَّحْبِ اَلصَّلاةُ وَالسَّلامُ
الناظم -رحمه الله تعالى- ابتدأ نظمه بالبسملة والحمدلة اقتداءً بالقرآن الكريم الذي افتتح بهما على ما بين أهل العلم من خلافٍ في البسملة، وهل هي آية من الفاتحة فقط أو من كل سورة أو ليست بآية مطلقاً؟ والإجماع قائم على أنها بعض آية من سورة النمل، وأنها ليست بآية في أول سورة براءة.
على كل حال أجمع الصحابة على كتابة البسملة، والحمدلة من أصل القرآن، فينبغي لمن أراد أن يكتب أن يؤلف كتاباً أن يقتدي بهذا الكتاب العظيم.
стр. 10
النبي ﵊ فيما عرف من عادته المطردة في خطبه يفتتحها بالحمد، وفي مكاتباته يفتتحها بالبسملة، فهل الكتب والرسائل مشبهة للخطب أو للرسائل؟ القرآن كتاب الله فالكتب تشبهه، والنبي ﵊ في مكاتباته ومراسلاته يبتدئ بالبسملة لا يبتدئ بالحمدلة، وفي خطبه يبتدئ بالحمدلة، وعلى كل حال الجمع بينهما اقتداءً بالقرآن؛ لأن الكاتب إنما يؤلف كتاباً، لكن لو بعث رسالة أو خطاب اقتصر على البسملة، وإذا خطب اقتصر على الحمدلة تنزيلاً للنصوص في منازلها، وإيقاعاً لها في مواضعها.
ورد في حديث أبي هريرة وغيره وله طرق: ((كل أمرٍ ذي بال لا يبدأ بحمد الله فهو أبتر)) وفي رواية: ((ببسم الله)) له ألفاظ وطرق كثيرة محكومٌ عليها عند جمعٍ من أهل العلم بالضعف، فلا تقوم بها حجة، وحكم النووي على لفظ: الحمد على وجه الخصوص بالحسن، وقبله ابن الصلاح.
فمن بلغ عنده مرتبة الحسن عمل به، ومن جرى وسار على مذهب جمهور أهل العلم من الاحتجاج بالضعيف في مثل هذا المقام يفتتح به بالبسملة والحمدلة، على كل حال عمدتنا في ذلك القرآن الكريم، وما ثبت عنه ﵊.
"الحمدُ" يعرفه كثيرٌ من أهل العلم بل الأكثر بأنه: هو الثناء على الله ، ابن القيم -رحمه الله تعالى- عرفه في الوابل الصيب بأنه هو الإخبار عن الله بصفات كماله مع محبته والرضا به، والثناء عنده هو تكرير المحامد شيئاً بعد شيء، تكرير المحامد هل هو من الثني أو من التثنية؟ فرقٌ بين ثنّى وثنَى، ثنَى لا يقف العدد عند اثنين، ولذا في حديث ماعز لما اعترف ردده حتى ثنَى عليه الأمر، أو حتى اعترف مراراً، اعترف أكثر من مرتين، أما إذا ثنَّى فهو اثنين فقط.
стр. 11
الثناء: هو تكرير المحامد شيئاً بعد شيء، والتفريق بين الحمد والثناء هو الراجح، وإن فسر أكثر أهل العلم الحمد بأنه الثناء؛ لما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال العبد: الرحمن الرحيم قال الله تعالى: أثنى علي عبدي)) فغاير بينهما في هذا النص الصحيح، والحديث مخرجٌ في صحيح مسلم و (أل) في الحمد للجنس، جنس الحمد مختصٌ بالله ، أو للاستغراق جميع أنواع المحامد لله ، واللام في "للرحمن" للاختصاص كما هي في قوله -جل وعلا-: ﴿الْحَمْدُ للهِ﴾ [(٢) سورة الفاتحة] للاختصاص سواءً بسواء.
و"كل الحمد" تأكيد، تأكيدٌ لاستغراق جميع أنواع المحامد لله -جل وعلا-، واختصاصها بالله .
"ذي الفضل" صاحب الفضل على جميع مخلوقاته حيث أوجدهم من العدم، وأسبغ عليهم النعم.
"والنعمة" يقول الراغب: النعمة الحال الحسنة، وبناءُ النعمة بناءُ الحالة التي يكون عليها الإنسان، يعني بناء هيئة كالجلسة والركبة والذبحة، وما أشبه ذلك، والنَعمة التنعم، وبناؤها بناء المرة كالضربة والشتمة، وما أشبه ذلك، والنعمة للجنس؛ لأنه قال: ذي الفضل والنعمة، هل المراد النعمة الواحدة أو النعم التي لا تعد ولا تحصى؟ فالنعمة (أل) فيها هنا للجنس، فيقال: النعمة للقليل والكثير، كما في قوله -جل وعلا-: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ [(١٨) سورة النحل] هل المراد أن نعد نعمة واحدة؟ نعد نعم، لكننا لا نحصي هذه النعم ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ [(١٨) سورة النحل] ﴿اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [(٤٧) سورة البقرة] ﴿أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [(٣) سورة المائدة] ﴿فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ﴾ [(١٧٤) سورة آل عمران] إلى غير ذلك من الآيات، المقصود أن النعمة تطلق ويراد بها جنس النعم، فتطلق وإن كان لفظها لفظ المفرد إلا أنها تطلق على القليل والكثير.
стр. 12
"والإحسان" الإحسان كما في البصائر للفيروز أبادي: إفعال من الحسن، وهو كلُّ مبهجٍ مرغوب في عقلاً أو حساً، وقد حسُن يحسن ككرُم يكرم، وحسَن يحسن كنَصر ينصر، فهو حاسنٌ وحسَنٌ وحسِينٌ وحُسانٌ وحُسَّان.
والحسنة يعبر بها عن كل ما يسر من نعمةٍ تنال الإنسان في نفسه وبدنه وأحواله، والسيئة تضادها، والإحسان يقع على وجهين: أحدهما الإنعام على الخير، يعني الإحسان المتعدي، أحسن إلى فلان، والثاني: إحسانٌ في فعله، يعني إحسانٌ من الإنسان على نفسه، وذلك إذا علم علماً حسناً وعلَّم علماً حسناً أو عمل عملاً حسناً، والإحسان أعم من الإنعام، وقد ورد الإحسان في التنزيل على ثلاثة عشر وجهاً لا نطيل بذكرها، من أرادها يراجعها في (بصائر ذوي التمييز) للفيروز أبادي.
وعطف الإحسان لأنه قال: والإحسان أعم من الإنعام إذاً يكون عطف الإحسان على النعمة من باب عطف العام على الخاص ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ وإيش؟ ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ [(١٦٣) سورة النساء] من عطف العام على الخاص، وعطف العام على الخاص وعكسه موجود في النصوص كثيراً وفي كلام العرب، وفي كلام أهل العلم كثير للعناية بشأن الخاص والاهتمام به، وإلا لو لم يذكر لدخل في العام.
"ثم على رسوله" ﷺ ، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي المبعوث رحمةً للعالمين.
"خير الأنام" أكرم الخلق وأشرفهم على الله ، سيد ولد آدم، والأنام: الناس كما يذكر عن ابن عباس، وقال الحسن: هم الجن والإنس، وقال الضحاك: كل ما دب على وجه الأرض.
"والآل" اختلف في أصله فقيل أصله: الأهل، ثم قلبت الهاء همزةً فقيل أأل، ثم سهلت الهمزة الثانية فقيل: آل، ولهذا يرجع إلى أصله في التصغير فيقال: أهيل، وضعف ابن القيم هذا القول من ستة أوجه، يراجعها من أرادها في (جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام) وهو كتابٌ بديع فذٌ في بابه.
стр. 13
لو ذهبنا نستطرد ونذكر كل ما قاله أهل العلم، والأيام قليلة، والإخوان كأن بعضهم يمل من زيادة التفصيل، وإن كان بعضهم يريد استطرادات ويريد فوائد تزيد على ما يمكن أن يقال في شرح هذا المتن، في مثل هذا الظرف في دورة علمية، ومن المجزوم به أن المتن لن يكمل في هذه الدورة، ولا في التي تليها، ولا في التي تليها، يمكن يحتاج إلى ثلاث أو أربع دورات، هذا مع الاختصار الشديد، وإلا لو شرحنا الكتاب على طريقتنا في الاستطرادات ولم العلوم كلها بعضها على بعض يحتاج إلى أزمان متطاولة، ولعل هذا يتيسر مثله في مصنف؛ لأن الكتاب اقترحناه على الإخوة باعتباره بكر لم يشرح.
لكن اليوم بعد صلاة العصر بعث إليَّ شرحٌ قام به بعض طلاب العلم من أسرة الشيخ نفسه، اسمه على اسمه حافظ بن محمد بن عبد الله الحكمي، أستاذ مساعد في الجامعة الإسلامية، ولم يتيسر لي الاطلاع على هذا الكتاب؛ لأنه وصلني متأخراً، على كل حال نأتي بالمهمات من المسائل -إن شاء الله تعالى-، ونترك الباقي إما لفطنة القاري لوضوحها، أو لتوفرها في المصادر.
وقيل أصله: أَوْل، وذكره الجوهري في باب الهمزة والواو واللام، قال: وآل الرجل أهله وعياله وأتباعه، وهو عند هؤلاء مشتق من الأول وهو الرجوع، واختلف في المراد بالآل على أربعة أقوال:
الأول: أنهم الذين حرمت عليهم الصدقة ((الصدقة أوساخ الناس لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)) وهم معروفون عند أهل العلم، منهم من يخصهم ببني هاشم، ومنهم من يلحق بهم بني المطلب.
الثاني: أنهم أزواجه وذريته خاصة، اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأزواجه وذريته، المقصود أن هذان القولان كما يقول ابن القيم الأول هو الأصح، ويليه الثاني.
أما الثالث: وهو أنهم أتباعه إلى يوم القيامة، هم يدخلون في الآل دخولاً لغوياً كما نص على ذلك الجوهري في كلامه، قال: وآل الرجل أهله وعياله وأتباعه، لكنهم في النصوص الشرعية هذا القول أتباعه إلى يوم القيامة.
والقول الرابع: أنهم الأتقياء من أمته ﵊، يقول ابن القيم: وأما الثالث والرابع فضعيفان، يعني إذا دخل الأتباع في الآل لغةً فدخولهم في النصوص يكون من باب الدخول اللغوي بالمعنى الأعم.
стр. 14
"والصحب" جمع صاحب كركب وراكب، والمرجح في تعريف الصحابي ما ذكره البخاري في صحيحه: وهو من صحب النبي ﷺ ، أو رآه من المسلمين فهو صاحب، الصحبة شرف ومنزلة تبوأها صدر هذه الأمة، ممن رأى النبي ﵊، ويحتاج إلى زيادة قيد، ولذا يقول المتأخرون: الصحابي من رأى النبي ﵊ مؤمناً به ومات على ذلك، ولو تخلل ذلك ردة، فالذي رآه قبل أن يؤمن، قبل أن يسلم ثم أسلم بعد ذلك ليس بصحابي على هذا، ومن رآه مؤمناً به ثم مات على ردته ليس بصحابي ولا كرامة، المقصود أن من رآه مؤمناً به ومات على ذلك ولو تخلل ذلك ردة ثم عودة إلى الدين فإنه يسمى صحابي على المختار عند كثيرٍ من أهل العلم.
"الصلاة" روى البخاري في صحيحه تعليقاً مجزوماً به عن أبي العالية قال: "صلاة الله -يعني على رسوله ﵊ ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء، وروي عن ابن عباس أنه قال: يصلون يبركون، البخاري يأتي بمثل هذه التفسيرات لكلمات جاءت في القرآن ليستفيد القارئ ما ثبت عن النبي ﵊ وعن غيره مما يعين على فهم كتاب الله ، فهو يعنى بالغريب، فهو يعنى ببيان الغريب، وأحياناً يلتفت الإنسان لمناسبةٍ عن لفظٍ أو للفظٍ ذكره البخاري عرضاً في باب فيصعب عليه إدراك الرابط، فتجد هذه الكلمة التي شرحها البخاري في نصٍ من الكتاب أو من السنة له علاقة بالموضوع، وإن لم تكن العلاقة الكلمة نفسها، لكنها كلمة غريبة وردت في هذا النص فهو يستفيد أكثر من فائدة، أو يفيد أكثر من فائدة، يفيد بيان معنى هذه الكلمة الغريبة، ويفيد لفت نظر القارئ إلى النص التي وردت فيه هذه الكلمة مما يفيد بالباب، فيصلون: يبركون، وهو يشير إلى قوله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ يعني يبركون ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [(٥٦) سورة الأحزاب].
стр. 15
وفي سنن الترمذي يقول: روي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الرب الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار، والسلام هو التحية، ولم يقتصر الناظم -رحمه الله تعالى- على ذكر الصلاة امتثالاً للأمر في قوله -جل وعلا- في الآية آنفة الذكر ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا﴾ فجمع بينهما ليتم الامتثال، وإن وقع في كلام بعض أهل العلم الاقتصار على الصلاة، أو الاقتصار على السلام، كما فعل مسلم في مقدمة صحيحه، وهذه إنما تقع من مثل هؤلاء إذا طال الفصل، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه ثم ينسى وسلم تسليماً كثيراً، لكن لو قرن بينهما وقال: وصلى الله وسلم وبارك ما نسي السلام.
على كل حال النووي -رحمه الله تعالى- في شرحه لكلام مسلم أطلق الكراهة بالنسبة لمن يقتصر على الصلاة دون السلام أو العكس، وخص الحافظ ابن حجر الكراهة فيمن كان ديدنه ذلك، باستمرار يصلي على النبي ﵊، ولا يسلم عليه أو العكس، ومثل هذا لا يتم امتثاله للأمر المذكور في الآية.
على كل حال هو وقع من بعض العلماء ولم يكن ديدناً لهم، ولم يقتصر الناظم -رحمة الله تعالى عليه- على ذكر الآل فأفردهم عن الصحب، وإن دخل الصحب في الآل بالمعنى الأعم؛ لأن بعض طوائف المبتدعة تقتصر على ذكر الآل، ولم يقتصر على ذكر الصحب مخالفةً لمبتدعةٍ آخرين فجمع بينهما، ولا شك أن كل من الآل والصحب لهم حق على الأمة، فالآل وصيته ﵊، الآل وصية النبي ﵊، فمن امتثال هذه الوصية ومن البر به ﵊.
стр. 16
ومما يطلبه من أمته المودة في القربى، فمن تمام الصلاة عليه ﵊ الصلاة على آله، والصحب بواسطتهم نصر الدين في حياته ﵊، ونقل الدين، وبلغ الدين لمن جاء بعده، فلهم أيضاً حق في الصلاة والسلام عليهم تبعاً له ﵊، ولا يعني هذا أن الإنسان إذا لم يصلِّ على الصحب لا يصلِّي على الآل أو العكس، لا، لكن أقول: من تمام الامتثال أن يصلى على الآل والصحب، وليس من باب الأولى أن يقتصر على الآل فقط، أو يقتصر على الصحب فقط؛ لما عرفنا أن الاقتصار على الآل صار شعاراً لطائفة من المبتدعة، كما أن الاقتصار على الصحب صار شعاراً لطائفة آخرين، نعم.
وَبَعْدُ إِنَّ أَشْرَفَ اَلْعُلُومِ ... بَعْدَ كِتَابِ اَلصَّمَدِ اَلْقَيُّومِ
عِلْمُ اَلْحَدِيثِ إِذْ هُوَ اَلْبَيَانُ ... لِمَا بِهِ قَدْ أُنْزِلَ اَلْقُرْآنُ
فَسُنَّةُ الرَّسولِ وَحْيٌ ثَانِ ... عَلَيْهِمَا قَدْ أُطْلِقَ اَلْوَحْيَانِ
وَإِنَّمَا طَرِيقُهَا اَلرِّوَايَةْ ... فَافْتَقَرَ اَلرَّاوِي إِلَى اَلدِّرَايَةْ
بصِحَّةِ اَلْمَرْوِيْ عَنْ الرَّسُولِ ... لِيُعْلَمَ اَلْمَرْدُودُ مِنْ مَقْبُولِ
إن قلتَ: ليُعلم فقل: مردودُ نائب فاعل.
طالب: نعم يا شيخ.
إن قلت: ليُعلم وبنيته للمجهول فارفع المردود ليُعلم المردودُ يكون نائب فاعل، وإن بنيته للمعلوم فقلت ليَعلمَ، والراوي الذي افتقر إلى الدراية ليعلمَ المردودَ من مقبول.
بصِحَّةِ اَلْمَرْوِيْ عَنْ الرَّسُولِ ... لِيُعْلَمَ اَلْمَرْدُودُ مِنْ مَقْبُولِ
لا سِيَّمَا بَعْدَ تَظَاهُرِ اَلْفِتَنِ ... وَلَبْسِ إِفْكِ اَلْمُحْدَثِينَ بِالسُّنَنِ
فَقَامَ عِنْدَ ذَلِكَ اَلأَئِمَّةْ ... بِخِدْمَةِ اَلدِّينِ وَنُصْحِ اَلأُمَّةْ
وَخَلَّصُوا صَحِيحَهَا مِنْ مُفْتَرَى ... حَتَّى صَفَتْ نَقِيَّةً كَمَا تَرَى
ثُمَّ إِلَيْهَا قَرَّبُوا الْوُصُولاَ ... لِغَيْرِهِمْ فَأَصَّلُوا أُصُولاَ
وَلَقَّبُوا ذَاكَ بِعِلْمِ اَلْمُصْطَلَحْ ... حَيْثُ عَلَيْهَا اَلْكُلُّ مِنْهُمُ اِصْطَلَحْ
وَزَادَ مَنْ جَا بَعْدَهُمْ عَلَيْهَا ... بِحَسْبِ اِحْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهَا
стр. 17
وَكُلُّ بَحْثِ أَهْلِ هَذَا اَلْفَنِّ ... فِي حَالِ إِسْنَادِ وَحَالِ اَلْمَتْنِ
عَنَوْا بِـ (الإِسْنَادِ) اَلطَّرِيقَ اَلْمُوَصِلَهْ ... لِلْمَتْنِ عَمَّنْ قَالَهُ أَوْ فَعَلَهْ
وَ (الْمَتْنُ) مَا إِلَيْهِ يَنْتَهِي اَلسَّنَدْ ... مِنْ اَلْكَلامِ وَ (الْحَدِيثِ) مَا وَرَدْ
عَنْ اَلنَّبِيْ وَقَدْ يَقُولُونَ (اَلْخَبَرْ) ... كَمَا أَتَى عَنْ غَيْرِهِ كَذَا (اَلأَثَرْ)
وَهَاك تَلْخِيصُ أُصُولٍ نَافِعَةْ ... لِجُلِّ مَا قَدْ أَصَّلُوهُ جَامِعَةْ
يقول الناظم -رحمه الله تعالى- بعد أن حمد لله -جل وعلا- على نعمه وإفضاله وإحسانه، وصلى على نبيه ﵊ وعلى آله وصحبه يقول:
"وبعد إن أشرف العلوم" (أما بعد) يؤتى بها للانتقال من غرضٍ إلى آخر، ومن أسلوبٍ إلى آخر، ومن الوسائل إلى غايتها، المقصود أنها يؤتى بها للانتقال، وقد ثبتت عن النبي ﵊ في أحاديث تزيد عن الثلاثين في خطبه وفي رسائله، فالإتيان بها سنة، بهذا اللفظ: أما بعد، ولم يحفظ عنه ﵊ أنه قال: وبعد، لكن يقول بعض العلماء أن الواو هذه تقوم مقام (أما) كأنها من باب التسهيل، لكن الامتثال والاقتداء إنما يتم باللفظ المأثور عن النبي ﵊ وهو (أما بعد) و (أما) حرف شرط، و (بعد) ظرف مبني على الضم قائم مقام الشرط، وجواب الشرط ما بعدها مما يقترن بالفاء؛ لأن (أما) لا بد أن يقترن جوابها بالفاء، وهنا ومما يعتذر به للناظم أن النظم قد لا يطاوع، وارتكب في النظم من الضرورات ما لم يرتكب في النثر.
المقصود أن الاقتداء إنما يتم بقولنا: (أما بعد) و (أما بعد) اختلف أهل العلم في أول من قالها على ثمانية أقوال يجمعها قول الناظم:
الخلفُ في أما بعد من كان بادئاً ... بها عدَّ أقوالٌ وداود أقربُ
ويعقوب أيوب الصبور وآدمٌ ... وقسٌ وسحبانٌ وكعبٌ ويعربُ
стр. 18
والأكثر على أن أول من قالها داود ﵇، وهي فصل الخطاب الذي أوتيه، المقصود أنها سنة يسن الإتيان بها في المراسلات وفي الخطب، ولا يقوم غيرها مقامها، ولا تحتاج إلى (ثمَّ) قبلها وإن استفاض على ألسنة بعض من ينتسب إلى طلب العلم حينما يقدم يأتي بالحمدلة والصلاة وكذا (ثم أما بعد) لست بحاجة إلى (ثم) لا يوجد في النصوص هذا العطف، إن احتجتها ثانية للانتقال من أسلوب بدأت بـ (أما بعد) بعد المقدمة إن احتجت إلى الانتقال إلى أسلوب آخر تأتي بـ (ثم) تعطف عليها.
ولا أعرفها في مصنفات المتقدمين إلا في نسخةٍ من تفسير الطبري، نسخة خطية من تفسير الطبري، وإن اعتمدها شاكر الذي .. ، محمود شاكر الذي حقق الكتاب، وهو من كبار المحققين، على كل حال العبرة بما ثبت عن النبي ﵊.
"وبعد إن أشرف العلوم" لا شك أن العلم إنما يشرف بشرف المعلوم، "بعد كتاب الصمد القيوم" يعني بعد كتاب الله الذي هو أشرف الكتب، وفضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، ولسنا بصدد بيان فضل القرآن والعناية بكتاب الله ، ذاك له مناسبات أخرى، ولا يخال أحداً من الحاضرين يخفى عليه ذلك، لكن الكلام فيما بعد كتاب الصمد القيوم، وهو علم الحديث، علم الحديث علم شريف.
علم الحديث إذ هو البيانُ ... . . . . . . . . .
المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد كتاب الله ، علم الحديث الذي هو ما ينسب إلى النبي ﵊ من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ أو وصف، لماذا؟ لأنه هو البيان لكتاب الله .
علم الحديث إذ هو البيانُ ... لما به قد أنزل القرآنُ
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ لإيش؟ ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [(٤٤) سورة النحل] هذه وظيفة النبي ﵊ بيان ما نزل إليه من ربه ، واستقلت السنة بأحكام لا توجد في القرآن؛ لأنها وحيٌ من الله ، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [(٣ - ٤) سورة النجم] فما يأتي به النبي ﵊ هو بيانٌ لما أجمل من قوله -جل وعلا-: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [(٣٨) سورة الأنعام].
стр. 19
علم الحديث إذ هو البيانُ ... لما به قد أنزل القرآنُ
القرآن يشتمل على مجمل بينته السنة، والبيان يأخذ حكم المبين.
فسنة الرسول وحيٌ ثاني ... . . . . . . . . .
كما جاء في قوله -جل وعلا-: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [(٣ - ٤) سورة النجم] والخلاف بين أهل العلم في النبي ﵊ هل له أن يجتهد ويصدر حكماً من تلقاء نفسه لم يتلقَ فيه عن الله خبر أو ليس له ذلك؟ والجمهور على أن له أن يجتهد إلا أنه لا يقر على خلاف الأولى، وقصة فداء الأسرى مثالٌ على ذلك.
فسنة الرسول وحيٌ ثاني ... عليهما قد أطلق الوحيانِ
فالكتاب والسنة هما الوحيان، وإذا قيل: نصوص الوحيين فالمراد بذلك نصوص الكتاب والسنة، وأُلف كتاب اسمه: (تيسير الوحيين بالاقتصار على القرآن مع الصحيحين) فكرة هذا الكتاب أننا لسنا بحاجة إلى أي كتابٍ على وجه الأرض إلا القرآن والبخاري ومسلم، هذا من باب التيسير على المتعلمين، هذا هدف المؤلف، وهذا قصده، وقد عرف بالعلم والعمل إلا أنه في هذه المسألة أخطأ، أخطأ فإنه يصفو من كتب السنة من الصحيح الزائد على الصحيحين الشيء الكثير، وفي صنيعه هذا إهدار لجلّ السنة، وإن كان ابن الأخرم يقول:
. . . . . . . . . لكن قلّما ... عند ابن الأخرم منه قد فاتهما
يعني قليل الذي فات الصحيحين مما لم يذكرها، نقول: لا، ولذا قال الحافظ العراقي:
ورُد -يعني كلام ابن الأخرم-
ورد لكن قال يحيى البرُّ ... لم يفت الخمسة إلا النذرُ
وفيه ما فيه -يعني كلام يحيى الذي هو النووي-
وفيه ما فيه لقول الجعفي ... أحفظُ منه عشر ألف ألفِ
стр. 20
يعني يحفظ مائة ألف، والكتب الخمسة ليس فيها من غير تكرار، ولا ربع هذا المقدار، بل ولا نصف ولا الثمن، المقصود أنه يصفو من صحيح السنة الزائد على الصحيحين الشيء الكثيرة، فهذه الدعوى التي وجهها وألف فيها على أنه مجتهد لكنه أخطأ في اجتهاده، وكل دعوةٍ تظهر على هذه البسيطة لا تخلو من مؤيد، ولذا وجد فرقة طائفة تدعو إلى الاقتصار على القرآن وعلى الصحيحين، لكن مثل ما ذكرنا هذا يهدر أكثر السنة، نعم العناية بكتاب الله لا يناقش فيها أحد، العناية بكتب السنة لا سيما صحيح البخاري ثم صحيح مسلم لا يماري في ذلك أحد، لكن ليس معنى هذا أنك تقف، كمن حديث صحيح في مسند الإمام أحمد لا يوجد في الستة فضلاً عن الصحيحين وغيرها من دواوين الإسلام المعتبرة عند أهل العلم، وأوردنا هذا الكلام لأن هذه الفكرة لها رواج، نعم هي فيها تيسير وفيها حصر للعلم وإدراك للعلم في أقصر مدة، لكن يبقى أن فيها تضييع وإهدار، يعني لو إنسان قال: أنا باقتصر على الصحيحين قراءة ودراسة وإقراءً وفهماً ما يلام، لكن لا يتضمن كلامه هذا إهدار لبقية الكتب.
بالطرف المقابل وهذا أيضاً مما يعاب على بعض المتعلمين شغفهم بالإغراب، فتجد بعض مبتدئ الطلبة يُعنى بأجزاء غير معروفة، معاجم غير مشهورة، مشيخات مسلسلات، نعم فيها طرق لأحاديث أصولها معروفة، ولا يلام من بدأ بالأهم فالمهم كما يقول الشيخ حافظ -رحمه الله تعالى- في قصيدته الميمية:
بالمهم المهم ابدأ لتدركه ... وقدم النص والآراء فاتهمِ
اتهم الآراء، نعم لا تذهب إلى الإغراب تذهب إلى جزء كذا جزء كذا مشيخة كذا، معجم كذا وأنت لا تعرف الصحيحين، هذا خلل في منهجية التحصيل، وقلَّ أن يفلح من يتخبط مثل هذه التخطبات، ويترك الأهم ويذهب إلى ما دونه.
فطالب العلم يوصى بأن يعنى بكتاب الله الذي مجرد تلاوته عبادة، ثم بعد ذلك يثني بأصح الكتب بعد كتاب الله ، وهو صحيح البخاري، ثم يثلث بصحيح مسلم، ثم السنن، ثم المسانيد إلى آخره.
стр. 21
هذا الترتيب الطبيعي للطلب، نعم أما إذا كان مبتدئاً له كتب تناسبُ مستواه العلمي إذا ترقى بعد ذلك إلى الطبقة الثانية له كتب، إلى الثالثة إلى الرابعة هذه جواد مطروقة عند أهل العلم، ليس معنى هذا أننا نقول لأول من بدأ: عليك بكتاب الله واعتنِ به وتفاسيره واقرأ كل شيء يدور حوله، إذا انتهيت من جميع التفاسير انصرف إلى السنة، أو نقول: في بداية الطلب ابدأ في البخاري ثم مسلم قبل المتون التي هي مثل الجواد عند أهل العلم؛ تسهل ما بعدها من متون أكبر منها إلى أن يرتقي طالب العلم على الطريقة المرسومة عند أهل العلم في كل علمٍ من العلوم.
الدهلوي له كلام في ترتيب كتب السنة، والبداءة بها، يقول: ينبغي أن يبدأ طالب العلم بسنن أبي داود والترمذي قبل الصحيحين؛ لأن الفائدة قريبة جداً سهلة منهما، أما صحيح البخاري لا شك أن فيه صعوبة، لكن من اعتاده وتمرن عليه يجد فيه متعة لا يدانيها أي كتاب، حاشا كلام الله ، كلام الله يردده العالم والمتعلم والعامي باستمرار ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وكلما ازداد المسلم فضلاً عن طالب العلم أو العالم قراءةً وتدبراً لكتاب الله ازداد نهماً به وشغفاً، لكن صحيح البخاري بعد كتاب الله كما هو معروف، والمقارنة ليست واردة بين كلام الله وكلام المخلوقين، لكن يبقى أن كتاب البخاري من يعنى به يجد فيه بغيته، ومن يجعله ديدناً له بعد كتاب الله يجد فيه من العجائب ما لا يخطر على باله، ثم بعد ذلك ينصرف بعده إلى صحيح مسلم، ثم الترتيب المعروف السنن، والسنن مرتبتها تلي الصحيحين، والمقصود بذلك السنن الأربعة، ثم بعد ذلكم المسانيد بعد السنن.
ودونها في رتبةٍ ما جعلا ... على المسانيد فيدعى جفلا
المقصود أن الكلام في هذا الباب يطول، وله أوقاته -إن شاء الله تعالى-.
فسنة الرسول وحيٌ ثاني ... . . . . . . . . .
وين فهد؟ فهد موجود؟ انتهى؟. . . . . . . . . يعني كم حد الدرس؟ مدري والله.
طالب:. . . . . . . . .
حد الدرس في قدر محدد وإلا لا؟ الوقت الزمني؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 22
بس أنا لا أريد أن أمل الإخوان؛ لأن هذا آخر درس في اليوم بعد دروس متعددة أخشى أن يملوا، وإلا الأمر الله المستعان .. ، لكن إذا تمت عشر ونصف فالظاهر أنه ساعة ونصف كافية -إن شاء الله-.
فسنة الرسول وحيٌ ثاني ... عليهما قد أطلق الوحيانِ
جوإنما طريقها الروايةْ ... . . . . . . . . .
طريقها طريق العلم والاطلاع والسنة الرواية؛ لأنها لا تدرك بالرأي، ولو كان الإنسان من أذكى الناس وأقواهم حافظة لا يروي السنة بأي طريقٍ معتبر من طرق التحمل المعروفة عند أهل العلم ماذا يدرك من السنة؟ لا بد من .. ، لأن هذا العلم علم رواية وليس علم رأي.
قد يقول قائل: إننا نسمع من يتصدى لإقراء الناس، وتعليم الناس، وإفتاء الناس، والقضاء بين الناس من بضاعته في هذا الباب قليلة أو مزجاة، ومع ذلكم مشت أموره، نقول: هذا اعتمد على الرأي، نعم قد يوجد عند بعض الناس من الذكاء ما يجعله يفهم، وقد تكون حافظته أقل، فهذا في الغالب ينصرف إلى الرأي؛ لأنه يعجزه حفظ المروي، لكن لا شك أن هذا ينقصه نور الوحي، ولذا تجدون البون الشاسع في كلام من يفتي بـ (قال الله وقال رسوله) ومن يفتي بـ (قال فلان وعلان) وذكر فلان في الكتاب الفلاني أو في الجزء الفلاني، هناك بونٌ شاسع.
وإنما طريقها الرواية ... فافتقر الراوي إلى الدراية
راوي لا يفهم، الراوي بأمس الحاجة أن يعرف ما يروي، وأن يعرف كيف يروي؟ وأن يعرف عمن يروي؟ كل هذا بحاجة إلى بيان، وسيأتي هذا مفصلاً في الأنواع والأبواب اللاحقة -إن شاء الله تعالى-.
فافتقر الراوي إلى الدراية ... . . . . . . . . .
الدراية تقابل الرواية، ولذا يقولون: علم رواية الحديث وعلم دراية الحديث، وكأنهم يجعلون الرواية هي النقل بالوسائط عن النبي ﵊، والدراية الفهم، الفهم لهذا المنقول كيف ينقل؟ وما يستنبط منه، وغير ذلك مما يتعلق بدرايته.
بصحة المروي عن الرسولِ ... . . . . . . . . .
كيف يحتج؟ وكيف يستدل من لا يعرف الصحيح من الضعيف؟ كيف يفتي؟ وكيف يعلم من يختلط عليه أمر الصحيح والضعيف؟ لكن نحن في زمنٍ يرعى فيه الهشيم.
ولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوح نبتها رعيا الهشيم
стр. 23
ولولا ذلك ما جلسنا في هذا المكان، لكن زكاة المال منه، إذا كان المال كله رديء فالزكاة تقبل، والله المستعان.
فافتقر الراوي إلى الدراية ... بصحة المروي عن الرسولِ
وجد بعد عصورِ الرواية من همه بعد عصور الأئمة من همه الرواية؛ ليكون أعلى إسناد في الدنيا، أو أكثر مروي، ولا يحسن ولا يتقن ولا يفهم ماذا يروي؟ بمثل هذا حفظ الله خصيصة هذه الأمة التي هي بقاء سلسلة الإسناد، فسلسلة الإسناد بقاؤها من خصائص هذه الأمة، لكن مثل هذا لا يعول عليه في ما عدا ذلك، فوجد، وجد من لا يفرق بين الصحيح والموضوع المكذوب عن النبي ﵊.
الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى- سئل عن حديث فقال: هذا لا أصل له، مكذوب عن النبي ﵊، فقام شخص ممن ينتسب إلى العلم مع الأسف الشديد من الأعاجم فقال: يا شيخ كيف تقول: موضوع مكذوب على رسول الله ﷺ وهو مروي في كتب السنة بالإسناد؟ فقال: جزاك الله خيراً أحضره لنا لننظر في إسناده، فأحضره من كتاب الموضوعات لابن الجوزي، ابن الجوزي يروي هذه الموضوعات بأسانيدها ويبين، فتعجبوا من كونه لا يعرف موضوع الموضوع، والناس يعجبون في أن يوجد من يدرس ومن يقضي ومن يفتي ومن يعلّم وهو ليس لديه بضاعة من هذا العلم العظيم الشريف، لا شك أن أمره معجب، لأن هذا العلم مع كلام الله -جل وعلا- الأصل، فكيف يبنى على غير أصل؟ فعلينا أن نعنى بالكتاب والسنة، وأن نليهما ما يستحقانه من صرفٍ لجهدٍ، ووقتٍ، وحفظٍ، وفهم.
والتكملة غداً وبعده -إن شاء الله تعالى-، ولا أريد أن أطيل عليكم وأشق عليكم، فأنتم حضرتم دروس متتابعة ولا شك أنكم بحاجة إلى الراحة، والليل قصير، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا سؤال تكرر كثيراً يقول: ظهر ما يعرف بعرض كتب المتأخرين في الحديث على المتقدمين، ثم ذكر بعض الأشخاص الذين يدعون إلى ... ، بعضهم يصرح بنبذ كتب المتأخرين والأخذ مباشرة من كتب المتقدمين، أو الاعتماد على قواعد المتقدمين؟
стр. 24
نظير هذه الدعوى وهي صادرة من أناس -نحسبهم والله حسيبهم- من أهل الغيرة على هذا العلم، نظير هذه الدعوى أو الدعوة إلى الاجتهاد والاعتماد على النصوص من الكتاب والسنة ونبذ كتب الفقه، والكتب التي تعين على فهم كتب أهل العلم من باب أولى من كتب أصول الفقه وغيرها.
المتأخرون الذين قعدوا وألفوا في قواعد الحديث ومصطلح الحديث، وفي أصول الفقه، وفي علوم القرآن، وقل مثل هذا في علوم الآلة كلها، إنما اعتمدوا في تقعيدهم على كلام المتقدمين مع تطبيق كلامهم النظري على مواقع استعمالهم العملي، فلم يأتوا بشيء جديد من عندهم.
نعم المتأخرون جعلوا هذه القواعد مطردة، والمتقدمون لا يعرف عنهم قواعد مطردة، لا سيما في المسائل العملية، في تعارض الوصل والإرسال، والوقف والرفع، والحكم بالعلة والشذوذ، وأيضاً زيادة الثقة وغيرها.
المتقدمون يحكمون بالقرائن، والمتأخرون ألفوا في هذا العلم وقعدوا قواعد مطردة، كلٌ على حسب ما ترجح له من كلام المتقدمين، فمنهم على سبيل المثال من يقول: تقبل زيادة الثقة مطلقاً لأنها زيادة، ويؤيد كلامه بكلام المتقدمين، ويذكر لهذا الكلام أمثلة كثيرة من صنيع المتقدمين، ومنهم من يقول: لا تقبل مطلقاً، ويذكر أمثلة يستدل بها من صنيع المتقدمين على ما ذهب إليه.
أقول: الدعوة التي صدرت للتقليل من شأن كتب المتأخرين، أو لإعادة النظر في كتب المتأخرين صدرت من أناس قد تأهلوا، وألقيت هذه الدعوة على مبتدئين، كما قيل قبل ربع قرن أو أكثر من الزمان بنبذ كتب الفقه، والأخذ مباشرة من الكتاب والسنة، كيف نعتمد على أقوال البشر هم رجال ونحن رجال والنصوص عندنا؟ نقول: يا أخي كلامك صحيح، لكن هذا بالنسبة لمن تأهل، واستطاع أن يستنبط مباشرة من الكتاب والسنة، لكن لا يمكن أن يتأهل حتى يمر على كتب المتأخرين، لا يمكن، كيف نقول لشخص مبتدئ: تفقه من الكتاب والسنة وهو لا يعرف العام من الخاص والمطلق ....
стр. 25
شرح نظم: (اللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون) (٢)
شرح أبيات المقدمة والشروع في الكلام على المتواتر.
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
كيف نقول لشخص مبتدئ: تفقه من الكتاب والسنة وهو لا يعرف العام من الخاص، المطلق من المقيد، الناسخ من المنسوخ، المجمل من المبين، ما يعرف شيء كيف نقول له هذا؟ كيف يعمل العامي ومن في حكمه؟ ومعروفٌ أن العامي فرضه سؤال أهل العلم وهو التقليد، وفي حكمه من لم يتأهل من مبتدئي الطلبة هؤلاء فرضهم التقليد وسؤال أهل العلم، وبالنسبة للمتعلمين المبتدئين هؤلاء بدلاً من أن يسألوا أهل العلم في كل مسألةٍ مسألة يقرؤوا في كتبهم، وإذا أشكل عليهم شيء يسألون، وهم في طريقهم إلى التأهل للتفقه من الكتاب والسنة ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [(٤٣) سورة النحل] فإذا كان الطالب المبتدئ يقال له: اجتهد، خذ من الكتاب والسنة، يالله ابدأ بالقرآن، ثم يأتي في أول موضع آية مطلقة ماذا يصنع؟ ولها ما يقيدها، سيأتيه بعد حين يعمل بالمطلق على إطلاقه، إذا واجهه في أول القرآن أو أول البخاري حديث منسوخ أو آية منسوخة ماذا يصنع وهو لم يتأهل؟ صادفت هذه الدعوة قلوباً خالية من أوساط المتعلمين، وهي مثل ما ذكرت هي متعينة بالنسبة للمتأهلين، ونختلف معهم في شيء واحد، وهو أن هذا الكلام يلقى للمبتدئين بس لا أكثر ولا أقل، من تأهل الأصل الكتاب والسنة، عليه أن يتفقه من الكتاب والسنة، لكن إذا قرأ في صحيح مسلم "باب: الأمر بقتل الكلاب" وأخذ المسدس وقد حصل، وكل ما رأى من كلب أفرغ في رأسه رصاصة، ودرس الغد: باب: نسخ الأمر بقتل الكلاب، مثل هذا يقال: اجتهد تفقه من الكتاب والسنة.
стр. 26
نظير هذا ما عندنا، شخص مبتدئ في علم الحديث درس حديثاً روي موقوفاً ومرفوعاً ماذا يصنع؟ حديث رفع اليدين بعد الركعتين والقيام من التشهد الأول ماذا يصنع؟ من يقلد من المتقدمين؟ وبمن يقتدي من المتقدمين؟ المسألة مفترضة في المبتدئ، هل يقول: الحكم للرفع ويقلد في ذلك الإمام البخاري حيث أخرجه في صحيحه مرفوعاً؟ أو يقول: لا، الحكم للوقف لأنه هو المتأكد كما يقول الإمام أحمد؟ إذاً من يقلد من المتقدمين؟ الأئمة الكبار إذا أراد أن يقلدهم وهم الأصل وهم القدوة، وعلى عملهم وكلامه عمدة المتأخرين، لكن من يقلد من هؤلاء المتقدمين؟ هل يقلد شخص بعينه؟ هذا هو التقليد الذي ينفرون منه، هل ينظر باجتهاده؟ ليس من أهل النظر والاجتهاد، هل يوازن بين أقوالهم؟ لم يتأهل لهذا العمل، الواحد من الأئمة الكبار الواحد يعني إذا أراد أن يقلد واحداً منهم وقع في التقليد الذي يحذر منه، اختار مثلاً الإمام أحمد وقلده، الإمام أحمد أحياناً يحكم بوصل وأحياناً يحكم بإرسال لقرائن يدركها الإمام لكن لا يدركها من يقلده.
فأقول: المبتدئ لا بد أن يتمرن على قواعد المتأخرين، وفي الأحكام لا بد أن يدرس الفقه على الجواد المطروقة عند أهل العلم في كتب أهل العلم، ولا يعني هذا أن طالب العلم يستمر على هذه الطريقة لا، إذا حصلت له الأهلية للنظر في النصوص واستطاع أن ينظر في النصوص على مقتضى نظر أهل العلم وحاكاهم، وتأهل للموازنة بين النصوص، وعرف الراجح من الرجوح هذا فرض، لا يقلد في دينه الرجال.
стр. 27
وإذا قيل لطالب علم ادرس عمدة الفقه مثلاً، أو ادرس دليل الطالب أو ادرس زاد المستقنع، هل يعني هذا أن زاد المستقنع قرآن معصوم من الخطأ؟ الزاد خالف المذهب في اثنتين وثلاثين مسألة، وخالف الراجح في كثير من المسائل، لكن يعني هذا أن تتخذ الكتاب أو غير هذا الكتاب مما تختاره من أي مذهب من المذاهب تجعله منهج، منهج بحث، تدرس مسائل هذا الكتاب، تتصور هذه المسائل كمرحلة أولى أو عرضة أولى، تفهم هذه المسائل، تعود إلى الكتاب مرة ثانية تستدل لهذه المسائل؛ لأن الكتاب مجرد من الدليل، تبحث عن أدلة لهذه المسائل، ثم بعد ذلك مرحلة ثالثة أو عرضة ثالثة تنظر من وافق المؤلف من أهل العلم وقد عرفت دليله، ومن خالفه وابحث عن دليله، ثم بعد ذلك تتكون لديك الأهلية أهلية النظر، فإذا تكونت لديك الأهلية على هذه الطريقة نقول: فرضك أن تأخذ من الكتاب والسنة، لا يجوز لك أن تقلد في دينك الرجال، قلنا: إذا أشير بكتابٍ معين فلا يعني أنه أن صاحبه معصوم من الخطأ، وليس بدستور، أقول: ابحث ونقب وتعلم وتدرج في التعلم والتحصيل حتى تتأهل.
ومثله بالنسبة لعلوم الحديث اقرأ في كتب المتأخرين، تخرج عليها، وخرج الأحاديث على مقتضاها، فإذا خرجت مجموعة من الأحاديث تؤهلك للنظر في كلام الأئمة وترجيحاتهم وتكونت لديك الأهلية للعمل بالقرائن هذا فرضك، لا يمكن أن يوجد شخص يعارض كلام ابن حجر بكلام الإمام أحمد أو كلام أبي حاتم أو كلام الدارقطني، لكن المسألة مسألة تمرين، هذه مداخل فإذا ولجت وتأهلت هذه الدعاوى على العين والرأس ما أحد يرده ولا أحد يقف في طريقه، لكن الإشكال أن تطرح على المبتدئين، الإشكال أن تطرح مثل هذه الدعوات على المبتدئين؛ لأن هذا في الحقيقة تضييع لهم، شخص مبتدئ لا يعرف من العلم إلا اسمه، الآن بدأ أو عرف القراءة والكتابة وقرأ كتاب أو شيء من هذا، نقول له: اجتهد من الكتاب والسنة، الكتاب والسنة هناك علوم تعين على فهم الكتاب والسنة هي كالمقدمات، هي وسائل لفهم الكتاب والسنة لا بد من معرفتها.
стр. 28
قد يقول قائل: الصحابة ما قرؤوا لا في أصول الفقه ولا قرؤوا في علوم الحديث ولا .. ، ويبغي يسوي مثلهم، نقول: أنى لك؟ الصحابة عاشروا النبي وعايشوه ﵊، وعرفوا المقاصد وهم عربٌ أقحاح، وأخذوا العلم بالتدريج على حسب التنزيل، والحديث ما جاءهم دفعة واحدة إنما جاءهم مؤقتاً حسب الحاجة، وأفهامهم تختلف عن أفهامنا لكثرة الوسائط، أيضاً هم يأخذون من النبي ﵊ مباشرة، فلا يكلفون بمعرفة الجرح والتعديل وقواعد الجرح والتعديل، وما قيل في الرواة، ليس هناك رواة، إذاً نحن لا بد أن نقرأ في كتب المتأخرين وننظر في مواقع الاستعمال عند المتقدمين، ونوازن، ونكثر من التمرين، ونديم النظر في كتب المتقدمين بعد مرحلة، يعني إذا أنهينا كتاب أو كتابين في علوم الحديث، يعني الذي يقرأ النخبة ويفهمها، ثم يقرأ بعدها اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير، ثم ألفية العراقي، بعد ذلك تأهل خلاص، إذا كان عنده ملكة، إذا تولدت الملكة، والملكة لا يمكن أن تتولد من الكلام النظري إطلاقاً، الملكة لا تتولد إلا من العمل، هذه العلوم عملية.
يعني لو شخص يدرس عمره في مدرسة دله للسيارات كيف يتعلم هذا؟ لكن يمسك المفتاح ويسوق السيارة يومين ثلاثة خمسة عشرة يتعلم، لكن الكلام النظري يقرأ كيف يخرج الحديث على الطرق المعروفة عند .. ؟ ولذا تلاحظون أنه لم يكتب في التخريج طرق التخريج عند المتقدمين شيء، يعني كيف تخرج الحديث من طرفه الأول؟ في كلمة غريبة؟ من صحابيه؟ من كذا من كذا؟ ما ألف فيه شيء إلا إلى وقتٍ قريب يمكن ربع قرن لما احتاجه الناس، وإلا فالأصل أن هذا علم عملي، أنت محتاج إلى حديث تبحث عنه في الكتب ثم تتعلم كيف تخرجه؟ لست بحاجة إلى أن تقرأ في كتاب تخريج لا أبداً هذا علم عملي، مثل ما تأخذ مفتاح السيارة أول يوم ثاني يوم تتعثر ثم بعد ذلك تسلك.
стр. 29
فأنت إذا تأهلت للنظر في .. ، وعرفت ما قاله المتأخرون، وما ذكروه من خلاف، وما استدل به كل واحدٍ منهم فأنت تتأهل -بإذن الله- إذا قارن ذلك العمل التخريج العملي، تعمل وتدرس الأسانيد عملياً، وتجمع الطرق، وتوازن بينها، وتنظر مواضع الوفاق والخلاف، وتعرض نتائجك على كلام المتقدمين وأحكامهم على الأحاديث بذلك تتأهل.
يقول: حصل لكم لقاء في إذاعة القرآن عن مكتبة طالب العلم في حلقتين فهل يمكن إخراج هذا اللقاء بشريط أو كتاب؟
أما بالنسبة للقاء حصل مثل ما ذكر، اثنان وسوف يكون ثالث ورابع وخامس -إن شاء الله-، وأما بالنسبة للقاء الأول والثاني فخلال أسبوع -إن شاء الله- تنزل في الأسواق في شريطين أو ثلاثة أو أربعة ما أدري عاد، يمكن ثلاثة أشرطة، وأما اللقاءات اللاحقة تنزل في وقتها -إن شاء الله تعالى-، عسى أن يكون فيها فائدة.
يقول: إن آية الرجم .. ، ذكر اسم شخص لا نحتاج إلى ذكره، يقول: إن آية الرجم الراجح فيها أنها ليست منسوخة، وذكر بعض التعليلات.
إن كان قصده أنها ليست منسوخة حكماً هذا كلام صحيح، أما إن كان قوله وقصده أنها ليست منسوخة تلاوةً فهذا باطل مردود؛ لأن القرآن مصون محفوظ من الزيادة والنقصان، ولا توجد في المصحف فيما اتفق عليه الصحابة، حكمها باقٍ إجماعاً، وتلاوتها منسوخة إجماعاً.
يقول: لقد قرأت فتاوى وآراء الأولين في الصور بأدلة واضحة صحيحة صريحة عن النبي ﷺ ، وإني أرى علماء اليوم تغيروا تغيراً كلياً عن الصور، وأجد في نفسي شيئاً على كل من أباح الصور، فما رأيك؟
стр. 30
أولاً: ما قرأته عن العلماء المتقدمين في شأن الصور هو ما تتناوله النصوص بغير خلاف، إذا كانت الصورة باليد بصنع الإنسان، أو كانت مجسمة هذا تتناوله النصوص والنصوص فيه بغاية الشدة، هؤلاء الذين تساهلوا من المتأخرين لهم وجهة نظر، وإن كانت من عندي مرجوحة في التصوير الشمسي وأنه عمل الآلة التي صورت الآلة ما هو بالآدمي، الآدمي ضغط الزر والآلة التي صورت، هذه حجتهم، ونقول: هذه الحجة عليلة؛ لأن الذي يضغط زر المسدس ويقتل شخص الذي قتل الذي ضغط الزر، ما نقول: المسدس الذي قتله؛ لأنه شيء في الشرع مقرر في الشريعة أن هناك مباشراً وهناك متسبباً، نعم المباشر للتصوير الآلة، المباشر للقتل المسدس، لكن المتسبب هو الذي ضغط الزر هذا هو المتسبب.
يقول أهل العلم: إن المباشرة تقضي على أثر التسبب، نقول: صحيح إذا كان المباشر يتجه إليه التكليف فالمتسبب لا علاقة له بالقضية إلا من باب أن يعزر لأنه دفع هذا المباشر، لكن إذا لم يكن المباشر مكلف يمكن أن يتجه إليه العقاب؟ فيرجع فيه الأمر إلى المتسبب، لو أن شخصاً ألقى مثقلاً على شخص وقال: إن الحجر الكبير هذا هو الذي قتله أنا ما لي دخل، نقول: أنت السبب في قتله، ما دام المباشر لقتله لا يتجه إليه خطاب يتجه الخطاب إلى المتسبب، ونظير الدعوى بأن التي صورت هي الآلة وليس الشخص نقول: لا، نظيره بالتمام من ضغط زر مسدس، إذا استطاع أن يتنصل الذي يضغط زر المسدس فيقتل مسلم ويقول: قتله المسدس إن وافقوه الناس فليفعل ما شاء في التصوير هذا مثله.
стр. 31
هم ينازعون أيضاً في التصوير المسمى تصوير الفيديو اللي يقولون: إنه مجرد حفظ، وأشبه ما يكون بالإطلالة مع نافذة أو مرآة أو ما أشبه ذلك، نقول: الفرق واضح، الإطلالة مع النافذة لا يمكن إعادتها، وكذلك المرآة، أما إذا حفظت الصورة بشريط يعاد حسب الحاجة، نقول: هذا تصوير، ولذا المتجه تحريم التصوير بجميع صوره وأشكاله وآلاته لذوات الأرواح، لا شمسي لا فيديو وغير ذلك كله، من باب أولى النقوش وما النقوش، ويدخل في ذلك مما أجمع عليه التصوير ذوات الظل، وينازع بعضهم فيما يسمونه بالعرائس ولعب الأطفال في الأسواق، ويقولون: إنها وجدت في عصر السلف، وجاءت بها النصوص، نقول: نعم، وجد في عصر السلف عرائس يتمرن عليها البنات، لكن إيش معنى .. ؟ ويش العرائس؟ العرائس شروحها في كتب الشروح أنها عبارة عن وساد كبير في رأسه وساد صغير، هذا كل الموجود، فهل في هذا شبه أو قرب مما يوجد في أسواق المسلمين من تصوير دقيق لهذه العرائس، إذا أضجعت بكت، إذا أضجعت ثانية غمضت عينيها، إذا أجلست ضحكت، إذا أوقفت دارت ورقصت وغنت، هذه لعب البنات عند المتقدمين؟ وما يدرون أن مثل هذه التساهلات جرت ويلات، وأدخلت محظورات، وأن بعض المفتونين استورد أحجام مناسبة للاستعمال، كله من جراء هذه الفتوى، نسأل الله العافية.
على كل حال إن وجد هذا الكلام من عالم تبرأ الذمة بتقليده فالعامي إذا قلد من تبرأ .. هذا فرضه، لكن يبقى أن للعلماء زلات ليسوا بالمعصومين، لهم زلات، والإشكال أن بعض الناس يأخذ من زلات أهل العلم ما يناسب هواه، هذا آثم إذا كان اقتداؤه لهذا العالم لأن هذه الزلة تناسب هواه، أو تخدم مصلحة من مصالحه، أو رغبة من رغباته، لا لأنه مرتاحٌ لها ومقتنع بصاحبها، الإثم ما حاك في النفس.
نأتي إلى درسنا، والله المستعان.
سم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الأبيات المقروءة أمس استوعبت وإلا بقي منها شيء؟
طالب: إحنا وقفنا على: "وإنما طريقها الرواية".
طيب وأنت قرأت إلى؟
طالب:. . . . . . . . .
وأنت قرأت أمس. . . . . . . . .
طالب:. . . . . . . . .
طيب إذاً نأتي على الأبيات الباقية من درس الأمس ثم نقرأ الجديد -إن شاء الله تعالى-.
стр. 32
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"وإنما طريقها" يعني طريق معرفة الوحيين "الرواية" لأنها لا تدرك برأي ولا استنباط.
"فافتقر الراوي إلى الدراية" لا بد أن يدري ما يروي؟ وكيف يروي؟ وعمن يروي؟
بصحة المروي عن الرسولِ ... ليعلم المردود من مقبولِ
لا بد أن يعرف صحة المروي، ويعرف المقبول من المردود، في عصر الصحابة في أول الأمر ليسوا بحاجة إلى مثل هذه القواعد وهذه الضوابط، وليسوا بحاجة إلى تمييز المقبول من المردود؛ لأنهم يأخذونه مباشرة من النبي ﷺ ، إنما احتيج إلى ذلك بعد أن ظهرت الفرق المبتدعة، وكذبوا على النبي ﵊ وافتروا عليه تأييداً لبدعهم.
ولذا يقول الناظم -رحمه الله تعالى-: "لا سيما بعد تظاهر الفتن" بعد أن وجدت هذه الفتن وهذه الفرق لما وجدت الفتن بعد مقتل عثمان ﵁، وما حصل بين علي -رضوان الله عليه- مع معاوية ﵁، وما حصل بين الصحابة مما شجر بينهم احتاج بعض الضعاف ضعاف الدين بل ضعاف العقول أن يضع بعضهم في تأييد ما يذهب إليه، فوجدت الخوارج وجدت الروافض، وجدت النواصب، وجد القدرية، وكل فرقة تعرف أن دعواها لا تنفق بين الناس إلا بنص، أيدوا بدعهم ببعض المتشابه، ونظروا إلى النصوص بعينٍ واحدة، فنظر الخوارج إلى نصوص الوعيد، ونظر المرجئة إلى نصوص الوعد، وأوغلوا في الكذب على النبي ﵊، ولذا احتيج إلى نقد الرجال "بعد تظاهر الفتن ... ولبس إفك المحدثين بالسنن" هنا جاءت الحاجة إلى معرفة أحوال الرجال؛ لأنه ليس كل أحدٍ يقبل قوله، وليس كل أحد تقبل روايته، ولذا يختلفون في رواية المبتدع، ويؤكدون على رد ما يؤيد بدعته، وسيأتي تفصيل القول في رواية المبتدع -إن شاء الله تعالى-.
فقام عند ذلك الأئمة ... بخدمة الدين ونصح الأمة
стр. 33
ما قصروا، حذروا من الضعفاء، حذروا من الرواية عن المبتدعة، "تثبتوا في قبول الأخبار"، "سموا لنا رجالكم"، "العلم دين فانظر عمن تأخذ دينك"، "الإسناد من الدين"، "بيننا وبين القوم القوائم" يعني الإسناد، المقصود أنهم شددوا في هذا الباب؛ لئلا يدخل في الدين ما ليس منه، واستمر الأمر على بيان أحوال الرواة في أول الأمر الكلام بقدر الحاجة قليل، ثم ازداد لما ازداد عدد الوسائط زاد الكلام، وكثرت أقوال أهل العلم في الرواة جرحاً وتعديلاً، وصنفت في ذلك المصنفات، وألف في السنة، وميز الصحيح من الضعيف، فألفت كتب الصحاح والسنن والمسانيد، والصحاح خصصت لما صح وثبت عن النبي ﵊، والسنن والمسانيد فيها الصحيح والضعيف والحسن من غير بيان اكتفاءً بالأسانيد؛ لأنه إذا أسند برئ من العهدة، والناس في أول الأمر يعرفون الرواة، والعهد قريب، كثيرٌ منهم عاشر الرواة وعاصرهم وعاش بينهم وعاشوا معه، يعرف أن فلان ضعيف، يعرف أن فلان في عدالته كلام، يعرف فلان في ضبطه كلام، لكن بعد ذلك احتيج إلى التصنيف في الجرح والتعديل، وكثر كلام أهل العلم في الرواة حتى أنه ليوجد في الراوي الواحد أكثر من عشرة أقوال، فاحتيج إلى ضبط ذلك بالقواعد، قواعد الجرح والتعديل، شروط الجارح شروط المعدل، متى يقبل الجرح؟ متى يقبل التعديل؟ المقصود أن أهل العلم ما قصروا، وألف في الأحاديث الضعيفة على حدة، ألف في الموضوعات على حدة، المقصود أن ..
فقام عند ذلك الأئمة ... . . . . . . . . .
يعني بالأمر خير قيام، وهذا من حفظ الدين الذي تكفل الله بحفظه.
. . . . . . . . . ... بخدمة الدين ونصح الأمة
وخلصوا صحيحها من مفترى ... . . . . . . . . .
خلصوا صحيح السنة وما نسب إلى النبي ﵊.
. . . . . . . . . من مفترى ... حتى صفت نقيةً كما ترى
أحاديث صحيحة معروفة في الصحيحين وغيرهما، الأحاديث الضعيفة نبه عليها أهل العلم، نبهوا على جميع الرواة جرحاً وتعديلاً، ميزوا الضعيف والموضوع، ألف في الموضوعات وغير ذلك.
وخلصوا صحيحها من مفترى ... حتى صفت نقيةً كما ترى
ثم إليها قربوا الوصولا ... لغيرهم فأصلوا أصولا
стр. 34
المتقدمون كانت عندهم القواعد في الصدور، لا يوجد كتاب في أصول الفقه عند المتقدمين قبل الإمام الشافعي، ولا يوجد في علوم الحديث كتاب مستقل يجمع جميع ما يحتاج إليه المتأخرون، أما ما يحتاجونه فلم يقصروا فيه، والحاجة كلما طال العهد تزداد، ولذا تجدون في كل علمٍ من العلوم في التصنيف فيه يبدأ مختصر حسب الحاجة، ثم يزيد أهل العلم فيه مما يحتاج إليه مما طرأ بعد، ثم يزاد عليه كذلك.
ثم إليها قربوا الوصولا ... لغيرهم فأصلوا أصولا
يعني ضبطوا وضعوا قواعد يستعين بها من جاء بعدهم على معرفة المقبول من المردود.
ولقبوا ذاك بعلم المصطلح ... حيث عليها الكل منهم اصطلح
هناك اصطلاح وهو العرف الخاص عند أهل هذا الشأن هذا يسمونه اصطلاح، فإذا اصطلح أهل الحديث على شيء سمي مصطلح أهل الحديث، واصطلح أهل اللغة على شيء قيل: مصطلح أهل اللغة، اصطلح أهل التجارة على شيء قيل: مصطلح التجار، اصطلح أهل الزراعة على شيء وهكذا ..
ولقبوا ذاك بعلم المصطلح ... حيث عليها الكل منهم اصطلح
وزاد من جا بعدهم عليها ... بحسب احتياجهم إليها
بحسب احتياجهم إليها، نعم يعني لو نظرنا إلى أول ما كتب في المصطلح، سواءً ما وجد مبثوثاً في كتب الإمام الشافعي، أو من خلال سؤالات الأئمة، وما دمج في تواريخيهم، وما كتبه الترمذي في جامعه من بعض القواعد، والدارقطني ومن جاء بعدهم إلى أن جاء الرامهرمزي فصنف كتابه: (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) لكنه لم يستوعب، طبيعي أنه لا يستوعب، يعني أول لبنة توضع في هذا البناء من عمل البشر هل يتصور أن تكون مستوعبة؟ لا يتصور، ولو استوعب الأول انقطعت الأجور عمن جاء بعده خلاص، ليس لمن جاء بعده دور.
стр. 35
وهذا الدين -ولله الحمد- أبواب الخير فيه كثيرة مشرعة مترعة، كل من جاء إلى يوم القيامة يجد له مما يناسبه مما يقربه إلى الله ، فجاء بعد الذي لم يستوعب من استوعب نوعاً ما وبقي أشياء، جاء الحاكم أبو عبد الله فألف المعرفة معرفة علوم الحديث لكنه لم يهذب ولم يرتب، هل يتصور أن التأليف في العلوم في بداية الأمر من الناحية الصناعة من ناحية الصناعة وترتيب المعلومات بعضها على بعض يكون مثل صنيع المتأخرين الذين استفادوا من المتقدمين وتخرجوا على كتبهم، وصاروا عالةً عليهم؟ يعني يصير دور المتأخر شيء من الزيادة مما احتيج إليه وترتيب وتهذيب، والفضل للمتقدم كما قال ابن مالك:
وهو بسبقٍ حائزٌ تفضيلاً ... مستوجبٌ ثنايا الجميلا
فالسابق له فضل على اللاحق؛ لأنه استفاد منه.
ثم بعد الحاكم، الحاكم قال فيه الحافظ ابن حجر: إنه لم يهذب ولم يترب، وقال ابن خلدون في مقدمته: إنه أول من هذب هذا العلم ورتبه، فهل نأخذ بقول ابن خلدون أو بقول ابن حجر؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
نجمع بينهما؟ ماذا نقول؟
طالب:. . . . . . . . .
ابن خلدون رتب وهذب نقيض الدعوى.
طالب:. . . . . . . . .
كثير من طلاب العلم يقولون: نقبل كلام ابن حجر وابن خلدون ما له اعتبار، المسألة نظر، شخص نظر في كتاب وقال: مرتب هذا يحتاج إلى نص؟ نقول: ابن خلدون ما له نظر؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 36
نعم، كلامك له حظ من النظر، يعني إذا نظرنا إلى كلام ابن حجر: لم يهذب ولم يرتب بالنسبة لمن جاء بعده، يعني إذا قارنا (معرفة علوم الحديث) بـ (علوم الحديث) لابن الصلاح وجدنا أن المعرفة ما رتب مثل ترتيب ابن الصلاح، رتبه وإن كان أيضاً يلاحظ عليه بالنسبة لمن جاء بعده أن ابن الصلاح لم يرتب، جاء بعده من هو أدق منه في الترتيب، وكلام ابن خلدون: إنه أول من هذب ورتب بالنسبة لمن قبله، ابن الصلاح جاء بعدهم، أبو نعيم قبله وضع مستخرج على المعرفة للحاكم، ثم جاء القاضي عياض فألف (الإلماع) وهو كتابٌ لطيف لكنه في بابٍ خاص من هذا العلم وهو (أصول الرواية وتقييد السماع في التحمل والأداء) ثم جاء ابن الصلاح فنظر في هذه الكتب، بل قبله وقبل القاضي عياض الخطيب البغدادي الذي ألف (الكفاية في قوانين الرواية) وألف (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) وألف في غالب أنواع علوم الحديث، كل نوع من أنوع علوم الحديث وضع فيه مصنف خاص، ابن الصلاح جاء بعدهم فنظر في هذه المؤلفات واعتنى بتآليف الخطيب فأخرج (الكتاب وعلوم الحديث) ثم بعد ذلك سار الناس بسير ابن الصلاح وداروا في فلكه، وعنوا بكتابه، كما قال الحافظ: "فلا يحصى كم شارح له ومختصر .. ، كم ناظمٍ له ومختصر، ومستدركٍ عليه ومنتصر وإيش؟ ومعارض له ومنتصر، المقصود أن الناس داروا في فلكه، فلا تحصى مختصراته، ونظم من قبل جمعٍ من أهل العلم، شرح من قبل جمعٍ غفير، حشي، وضعت عليه النكت، المقصود أن الناس عنوا به، وكأنه ألغى ما قبله من الكتب، لكن هي الأصول، تبقى أصول، هو جمع هذه الأصول وتبقى الأصول أصول، ولذا يقول:
وزاد من جا بعدهم عليها ... بحسب احتياجهم إليها
وما زال الناس يكتبون في علوم الحديث، والباب ما زال بحاجة، الأمثلة التي تتكرر في كتب المصطلح يمكن تغير، يمكن يضاف إليها، يمكن أن ينظر إليها من وجهات أخرى، المقصود أن هذا العلم ما زال حياً، وما زال التأليف فيه باقياً، والمسألة ما هي بمسألة نص لا يحتاج إلى تقديم ولا تأخير ولا إعادة نظر، هذه مسألة صناعة قابلة للتطوير، والعمدة في ذلك على ما قاله المتقدمون، مجرد أن ينظر في كلامهم ويجمع كلامهم ويصاغ ويقدم للمتعلمين.
стр. 37
وكل بحث أهل هذا الفن ... في حال إسناد وحال المتن
نعم ما في غير هذا، أهل هذا الفن الذين هم أهل الحديث، أهل مصطلح الحديث بحثهم في أمرين: هما موضوع هذا العلم السند والمتن، هل غير السند والمتن؟ لا يوجد غير سند ومتن عندنا، وتقدم تعريف السند وتعريف المتن، وذكره المؤلف هنا في البيت الذي يليه فقال:
عنوا بالإسناد الطريق الموصلة ... للمتن عمن قاله أو فعله
الإسناد الطريق الموصل للمتن، حكاية طريق المتن، سلسلة الرجال أو الرواة الذين يذكرهم المحدث ابتداءً من شيخه وانتهاءً برسول الله ﷺ .
عنوا بالإسناد الطريق الموصلة ... للمتن عمن قاله أو فعله
يعني سواءً المنقول بهذا الإسناد قول أو فعل، "عمن" و (من) هذه من صيغ العموم فتشمل من قاله، سواءً كان النبي ﵊ في المرفوع، أو الصحابي في الموقوف، أو التابعي فمن دونه في المقطوع على ما سيأتي بيان ذلك كله -إن شاء الله تعالى-.
والمتن ما إليه ينتهي السند ... من الكلام والحديث ..
عطف على الإسناد، وإن شئت أن تستأنف لطول الفصل قلت: "والحديث ما ورد".
المتن ما ينتهي إليه السند من الكلام، أو هي الألفاظ الغايات من هذه الأسانيد، الأسانيد مجرد وسائل لمعرفة هذه الألفاظ التي هي المتون.
стр. 38
" ... والحديث ما ورد ... عن النبي .. " الحديث ما ورد عن النبي ﵊، ومنهم من يطلق الحديث بإطلاقٍ أعم، فيشمل به ما روي عنه ﵊، وما روي عن الصحابة والتابعين بالمعنى الأعم؛ لأن الحديث في الأصل ما يتحدث به، كلام المعاصرين حديث بهذا المعنى، المعنى الأعم كل ما يتحدث به حديث، لكن أهل العلم خصصوا الحديث بما يضاف إلى النبي ﵊ المرفوع، ومنهم من أدخل معه كلام الصحابة والتابعين مما يشمله اسم الأثر، ولذا لو قيل لك في مكتبة: هذه الجهة هذه جهة كتب الحديث، وهذا قسم التفسير، وهذا قسم الفقه، لك أن تقول: لا يا أخي هذا التقسيم ما له أصل، كله حديث، كله مما يتحدث به، كله كلام، نقول: لا، نعم الإطلاق الأعم يشمل كل شيء، الحديث ما يتحدث به، لكن العرف والاصطلاح خصوه بما يروى عن النبي ﵊، وإن جعله بعضهم مرادف للخبر.
وقد يقولون الخبر ... كما أتى عن غيره كذا الأثر
فيقولون: ما جاء عن النبي ﵊ الحديث، وما جاء عن غيره خبر، ولذا يقولون: من ينتسب إلى حديث محدث أو حديثي، ومن ينسب إلى الخبر إخباري نسبةً إلى المصدر، فإن قلت: أَخباري فهو نسبة إلى الجمع جمع الخبر، وأهل العلم يقررون أن النسبة إلى الجمع شاذة.
"كما أتى عن غيره" الخبر عنه وعن غيره ﵊، وعرفنا أن الحديث بالمعنى الأعم يرادف الخبر عنه وعن غيره ﵊، "كذا الأثر" الأثر أعم، الأثر عام، فكل ما يدلك على شيء فهو أثر، كتابتك هذه أثر، نطقك أثر، مشيك على الأرض أثر فهو أعم، لكن من أهل العلم من يطلق الأثر على الموقوف، والخبر على المرفوع كالحديث، وهذا منسوب لبعض الفقهاء من الخرسانيين، وإن كان كثيرٌ من أهل العلم ينتسب إلى الأثر لعنايته بالسنة، من يعتني بالسنة ينسب إلى الأثر، ويريدون بذلك المأثور عن نبي الله ﷺ ، وعن صحابته، من يعتني بالأحاديث وأقوال الصحابة يقال له: أثري، وانتسب إلى الأثر جماعة من أهل العلم بحق وبغير حق بمجرد دعوى، في مطلع الألفية ألفية العراقي:
يقول راجي ربه المقتدرِ ... عبد الرحيم بن الحسين الأثرِ
стр. 39
وما زال الاسم مطروق عند المتقدمين والمتأخرين.
وهاك تلخيص أصولٍ نافعة ... لجل ما قد أصلوه جامعه
يقول: خذ ملخص لما كتبه أهل العلم في هذا الباب أو في هذا الفن؛ لأنا عرفنا أنهم ابتدأوه ثم كل من جاء زاد، ولذا قال: "وزاد من جاء بعدهم عليها" الشيخ نظر -رحمة الله عليه- فيما كتبوه وأصلوه فلخص هذه الأصول.
وهاك تلخيص أصولٍ نافعة ... لجل ما قد أصلوه جامعه
لكثير مما ذكروه في كتبهم المطولة والمختصرة جمعه في هذه الأبيات القليلة، صفحات يسيرة تجمع جل ما أثروه بنظمٍ سلسل ماتع نافع جامع -فرحمه الله وأكرم مثواه-، نعم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين برحمتك يا أرحم الراحمين، أما بعد:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
وَلْتُحْفَظَ اَلأَنْوَاعُ مِنْهُ مُجْمَلَةْ ... مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخُوضَها مُفَصَّلَةْ
قُلْ مُتَوَاتِرٌ وَآحَادٌ شُهِرْ ... عَزِيزٌ فَرْدٌ وَغَرِيبٌ اُعْتُبِرْ
مُتَابِعٌ وَشَاهِدٌ لَهُ اِنْجَلَى ... ثُمَّ صَحِيحٌ حَسَنٌ قَدْ قُبلاَ
وَمُحْكَمٌ مُعَارَضٌ وَمُخْتَلِفْ ... وَنَاسِخٌ قَابَلَ مَنْسُوخًا عُرِفْ
وَالرَّاجِحُ اَلْمَرْجُوحُ ثُمَّ اَلْمُشْكِلُ ... مُعَلَّقٌ وَمُرْسَلٌ وَمُعْضَلُ
مُنْقَطِعٌ مُدَلَّسٌ قَدْ اِحْتَمَلْ ... مَوْضُوعٌ مَتْرُوكٌ وَمَوْهُومٌ مُعَلْ
وَمُنْكَرٌ مُقَابِلٌ مَعْرُوفَهُمْ ... وشاذٌّ قَابَلَ مَحْفُوظاً لَهُمْ
مُدْرَجٌ مَقْلُوبٌ مَزِيدٌ مُضْطَّرِبْ ... مُصَحَّفٌ مُحَرَّفٌ قَدْ اُكْتُتِبْ
مَجْهُولُ عَيْنٍ ثُمَّ مَسْتُورٌ وُجِدْ ... مُخْتَلِطٌ سَيِّئُ حِفْظٍ اِنْتُقِدْ
مَرْفُوعٌ مَوْقُوفٌ وَمَقْطُوعٌ أَتَى ... وَمُسْنَدٌ مُتَّصِلٌ قَدْ ثَبَتَا
مَعْرِفَةُ اَلصَّحْبِ وَتَابِعِيهِمْ ... وَطَبَقَاتِهِمْ وَمَنْ يَلِيهِمْ
عَالٍ وَنَازِلٌ وِفَاقٌ وبَدَلْ ... تَصَافُحٌ كَذَا التِّسَاوِي لا جَدَلْ
وَسَابِقٌ وَلاحِقٌ أَكَابِرُ ... عَنْ اَلأَصَاغِرْ وَبِعَكْسٍ يَكْثُرُ
أَقْرَانُهُمْ ثُمَّ مُدَبَّجٌ عُلِمْ ... وَإِخْوَةٌ وَالأَخَوَاتُ قَدْ فُهِمْ
стр. 40
وَصِيَغُ الأَدَا وَالأَسْمَا وَالْكُنَى ... أَلْقَابُهُمْ أَنْسَابُهُمْ لِلاعْتِنَا
مُتَّفِقٌ مُفْتَرِقٌ وَالْمُهْمَلُ ... مُؤْتَلِفٌ مُخْتَلِفٌ قَدْ سَجَّلُوا
مُشَبَّهٌ وَالطَّبَقَاتُ بَالْوَلاَ ... جَرْحٌ وَتَعْدِيلٌ وَأَقْسَامُ الْوَلا
سِنُّ تَحَمُّلٍ مَعَ اَلتَّحْدِيثِ ... وُحْدَانُهُمْ وَسَبَبُ اَلْحَدِيثِ
كَذَا تَوَارِيخُ اَلْمُتُونِ جَمْعَا ... وَأَدَبُ اَلطَّالِبِ وَالشَّيْخِ مَعَا
كِتَابَةُ اَلْحَدِيثِ والمُقَابَلَهْ ... سَمَاعُهُ إِسْمَاعُهُ اَلرِّحْلَةُ لَهْ
تَصْنِيفُهُ فَهَذِهِ أَلْقَابُ مَا ... يُشْهَرُ مِنْهُ وَالْجَمِيعُ قُسِّمَا
وَسَأُعِيدُ اَلْكُلَّ فِي مَوَاضِعِه ... فِي اَلنَّظْمِ إِجْمَالاً وَتَفْصِيلاً فَعِهْ
مُبَيِّناً أَنْوَاعَهُ مُعْتَبِرَا ... جِهَاتِ تَقْسِيمِهِ مُحَرِّرَا
فَلا يُمِلَّنَّكَ مَا تَكَرَّرَا ... لَعَلَّهُ يَحْلُو إِذَا تَقَرَّرَا
يكفي يكفي.
المؤلف -رحمه الله تعالى- بعد المقدمة ذكر فهرساً يجمع الأنواع، يجمع سرد الأنواع التي سوف يتحدث عنها في كتابه، ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- ذكر في مقدمة الكتاب الأنواع السبعة والستين التي فصلها فيما بعد، والمؤلف هنا ذكر هذه الأنواع على سبيل الإجمال، ثم تحدث عنها تفصيلاً واحداً تلواً الآخر، وهذا ما يعرف عند أهل العلم باللف والنشر، تذكر الأقسام أو ما يراد الحديث عنه على سبيل الإجمال، ثم بعد ذلكم تنشر وتفصل، فإن كانت على نفس الترتيب ترتيب النشر والتفصيل على نفس ترتيب الإجمال سمي اللف والنشر المرتب، وإن كان فيها شيءٌ من الاختلاف من التقديم والتأخير سمي اللف والنشر غير المرتب، وقد يقول أهل البلاغة: المشوش، لف ونشر مشوش، وكونه مشوش هذا ليس بعيب، ليس بعيب إذا قدم في النشر ما أخر في الإجمال لمصلحة فهذا ليس بعيب، فقد جاء في أفصل الكلام اللف والنشر المرتب وغير المرتب كلها موجودة في القرآن وفي استعمالات العرب، في السنة أيضاً.
следующие страницы →