Полный текст (422 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
نعم، كلامك له حظ من النظر، يعني إذا نظرنا إلى كلام ابن حجر: لم يهذب ولم يرتب بالنسبة لمن جاء بعده، يعني إذا قارنا (معرفة علوم الحديث) بـ (علوم الحديث) لابن الصلاح وجدنا أن المعرفة ما رتب مثل ترتيب ابن الصلاح، رتبه وإن كان أيضاً يلاحظ عليه بالنسبة لمن جاء بعده أن ابن الصلاح لم يرتب، جاء بعده من هو أدق منه في الترتيب، وكلام ابن خلدون: إنه أول من هذب ورتب بالنسبة لمن قبله، ابن الصلاح جاء بعدهم، أبو نعيم قبله وضع مستخرج على المعرفة للحاكم، ثم جاء القاضي عياض فألف (الإلماع) وهو كتابٌ لطيف لكنه في بابٍ خاص من هذا العلم وهو (أصول الرواية وتقييد السماع في التحمل والأداء) ثم جاء ابن الصلاح فنظر في هذه الكتب، بل قبله وقبل القاضي عياض الخطيب البغدادي الذي ألف (الكفاية في قوانين الرواية) وألف (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) وألف في غالب أنواع علوم الحديث، كل نوع من أنوع علوم الحديث وضع فيه مصنف خاص، ابن الصلاح جاء بعدهم فنظر في هذه المؤلفات واعتنى بتآليف الخطيب فأخرج (الكتاب وعلوم الحديث) ثم بعد ذلك سار الناس بسير ابن الصلاح وداروا في فلكه، وعنوا بكتابه، كما قال الحافظ: "فلا يحصى كم شارح له ومختصر .. ، كم ناظمٍ له ومختصر، ومستدركٍ عليه ومنتصر وإيش؟ ومعارض له ومنتصر، المقصود أن الناس داروا في فلكه، فلا تحصى مختصراته، ونظم من قبل جمعٍ من أهل العلم، شرح من قبل جمعٍ غفير، حشي، وضعت عليه النكت، المقصود أن الناس عنوا به، وكأنه ألغى ما قبله من الكتب، لكن هي الأصول، تبقى أصول، هو جمع هذه الأصول وتبقى الأصول أصول، ولذا يقول:
وزاد من جا بعدهم عليها ... بحسب احتياجهم إليها
وما زال الناس يكتبون في علوم الحديث، والباب ما زال بحاجة، الأمثلة التي تتكرر في كتب المصطلح يمكن تغير، يمكن يضاف إليها، يمكن أن ينظر إليها من وجهات أخرى، المقصود أن هذا العلم ما زال حياً، وما زال التأليف فيه باقياً، والمسألة ما هي بمسألة نص لا يحتاج إلى تقديم ولا تأخير ولا إعادة نظر، هذه مسألة صناعة قابلة للتطوير، والعمدة في ذلك على ما قاله المتقدمون، مجرد أن ينظر في كلامهم ويجمع كلامهم ويصاغ ويقدم للمتعلمين.
стр. 37
وكل بحث أهل هذا الفن ... في حال إسناد وحال المتن
نعم ما في غير هذا، أهل هذا الفن الذين هم أهل الحديث، أهل مصطلح الحديث بحثهم في أمرين: هما موضوع هذا العلم السند والمتن، هل غير السند والمتن؟ لا يوجد غير سند ومتن عندنا، وتقدم تعريف السند وتعريف المتن، وذكره المؤلف هنا في البيت الذي يليه فقال:
عنوا بالإسناد الطريق الموصلة ... للمتن عمن قاله أو فعله
الإسناد الطريق الموصل للمتن، حكاية طريق المتن، سلسلة الرجال أو الرواة الذين يذكرهم المحدث ابتداءً من شيخه وانتهاءً برسول الله ﷺ .
عنوا بالإسناد الطريق الموصلة ... للمتن عمن قاله أو فعله
يعني سواءً المنقول بهذا الإسناد قول أو فعل، "عمن" و (من) هذه من صيغ العموم فتشمل من قاله، سواءً كان النبي ﵊ في المرفوع، أو الصحابي في الموقوف، أو التابعي فمن دونه في المقطوع على ما سيأتي بيان ذلك كله -إن شاء الله تعالى-.
والمتن ما إليه ينتهي السند ... من الكلام والحديث ..
عطف على الإسناد، وإن شئت أن تستأنف لطول الفصل قلت: "والحديث ما ورد".
المتن ما ينتهي إليه السند من الكلام، أو هي الألفاظ الغايات من هذه الأسانيد، الأسانيد مجرد وسائل لمعرفة هذه الألفاظ التي هي المتون.
стр. 38
" ... والحديث ما ورد ... عن النبي .. " الحديث ما ورد عن النبي ﵊، ومنهم من يطلق الحديث بإطلاقٍ أعم، فيشمل به ما روي عنه ﵊، وما روي عن الصحابة والتابعين بالمعنى الأعم؛ لأن الحديث في الأصل ما يتحدث به، كلام المعاصرين حديث بهذا المعنى، المعنى الأعم كل ما يتحدث به حديث، لكن أهل العلم خصصوا الحديث بما يضاف إلى النبي ﵊ المرفوع، ومنهم من أدخل معه كلام الصحابة والتابعين مما يشمله اسم الأثر، ولذا لو قيل لك في مكتبة: هذه الجهة هذه جهة كتب الحديث، وهذا قسم التفسير، وهذا قسم الفقه، لك أن تقول: لا يا أخي هذا التقسيم ما له أصل، كله حديث، كله مما يتحدث به، كله كلام، نقول: لا، نعم الإطلاق الأعم يشمل كل شيء، الحديث ما يتحدث به، لكن العرف والاصطلاح خصوه بما يروى عن النبي ﵊، وإن جعله بعضهم مرادف للخبر.
وقد يقولون الخبر ... كما أتى عن غيره كذا الأثر
فيقولون: ما جاء عن النبي ﵊ الحديث، وما جاء عن غيره خبر، ولذا يقولون: من ينتسب إلى حديث محدث أو حديثي، ومن ينسب إلى الخبر إخباري نسبةً إلى المصدر، فإن قلت: أَخباري فهو نسبة إلى الجمع جمع الخبر، وأهل العلم يقررون أن النسبة إلى الجمع شاذة.
"كما أتى عن غيره" الخبر عنه وعن غيره ﵊، وعرفنا أن الحديث بالمعنى الأعم يرادف الخبر عنه وعن غيره ﵊، "كذا الأثر" الأثر أعم، الأثر عام، فكل ما يدلك على شيء فهو أثر، كتابتك هذه أثر، نطقك أثر، مشيك على الأرض أثر فهو أعم، لكن من أهل العلم من يطلق الأثر على الموقوف، والخبر على المرفوع كالحديث، وهذا منسوب لبعض الفقهاء من الخرسانيين، وإن كان كثيرٌ من أهل العلم ينتسب إلى الأثر لعنايته بالسنة، من يعتني بالسنة ينسب إلى الأثر، ويريدون بذلك المأثور عن نبي الله ﷺ ، وعن صحابته، من يعتني بالأحاديث وأقوال الصحابة يقال له: أثري، وانتسب إلى الأثر جماعة من أهل العلم بحق وبغير حق بمجرد دعوى، في مطلع الألفية ألفية العراقي:
يقول راجي ربه المقتدرِ ... عبد الرحيم بن الحسين الأثرِ
стр. 39
وما زال الاسم مطروق عند المتقدمين والمتأخرين.
وهاك تلخيص أصولٍ نافعة ... لجل ما قد أصلوه جامعه
يقول: خذ ملخص لما كتبه أهل العلم في هذا الباب أو في هذا الفن؛ لأنا عرفنا أنهم ابتدأوه ثم كل من جاء زاد، ولذا قال: "وزاد من جاء بعدهم عليها" الشيخ نظر -رحمة الله عليه- فيما كتبوه وأصلوه فلخص هذه الأصول.
وهاك تلخيص أصولٍ نافعة ... لجل ما قد أصلوه جامعه
لكثير مما ذكروه في كتبهم المطولة والمختصرة جمعه في هذه الأبيات القليلة، صفحات يسيرة تجمع جل ما أثروه بنظمٍ سلسل ماتع نافع جامع -فرحمه الله وأكرم مثواه-، نعم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين برحمتك يا أرحم الراحمين، أما بعد:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
وَلْتُحْفَظَ اَلأَنْوَاعُ مِنْهُ مُجْمَلَةْ ... مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخُوضَها مُفَصَّلَةْ
قُلْ مُتَوَاتِرٌ وَآحَادٌ شُهِرْ ... عَزِيزٌ فَرْدٌ وَغَرِيبٌ اُعْتُبِرْ
مُتَابِعٌ وَشَاهِدٌ لَهُ اِنْجَلَى ... ثُمَّ صَحِيحٌ حَسَنٌ قَدْ قُبلاَ
وَمُحْكَمٌ مُعَارَضٌ وَمُخْتَلِفْ ... وَنَاسِخٌ قَابَلَ مَنْسُوخًا عُرِفْ
وَالرَّاجِحُ اَلْمَرْجُوحُ ثُمَّ اَلْمُشْكِلُ ... مُعَلَّقٌ وَمُرْسَلٌ وَمُعْضَلُ
مُنْقَطِعٌ مُدَلَّسٌ قَدْ اِحْتَمَلْ ... مَوْضُوعٌ مَتْرُوكٌ وَمَوْهُومٌ مُعَلْ
وَمُنْكَرٌ مُقَابِلٌ مَعْرُوفَهُمْ ... وشاذٌّ قَابَلَ مَحْفُوظاً لَهُمْ
مُدْرَجٌ مَقْلُوبٌ مَزِيدٌ مُضْطَّرِبْ ... مُصَحَّفٌ مُحَرَّفٌ قَدْ اُكْتُتِبْ
مَجْهُولُ عَيْنٍ ثُمَّ مَسْتُورٌ وُجِدْ ... مُخْتَلِطٌ سَيِّئُ حِفْظٍ اِنْتُقِدْ
مَرْفُوعٌ مَوْقُوفٌ وَمَقْطُوعٌ أَتَى ... وَمُسْنَدٌ مُتَّصِلٌ قَدْ ثَبَتَا
مَعْرِفَةُ اَلصَّحْبِ وَتَابِعِيهِمْ ... وَطَبَقَاتِهِمْ وَمَنْ يَلِيهِمْ
عَالٍ وَنَازِلٌ وِفَاقٌ وبَدَلْ ... تَصَافُحٌ كَذَا التِّسَاوِي لا جَدَلْ
وَسَابِقٌ وَلاحِقٌ أَكَابِرُ ... عَنْ اَلأَصَاغِرْ وَبِعَكْسٍ يَكْثُرُ
أَقْرَانُهُمْ ثُمَّ مُدَبَّجٌ عُلِمْ ... وَإِخْوَةٌ وَالأَخَوَاتُ قَدْ فُهِمْ
стр. 40
وَصِيَغُ الأَدَا وَالأَسْمَا وَالْكُنَى ... أَلْقَابُهُمْ أَنْسَابُهُمْ لِلاعْتِنَا
مُتَّفِقٌ مُفْتَرِقٌ وَالْمُهْمَلُ ... مُؤْتَلِفٌ مُخْتَلِفٌ قَدْ سَجَّلُوا
مُشَبَّهٌ وَالطَّبَقَاتُ بَالْوَلاَ ... جَرْحٌ وَتَعْدِيلٌ وَأَقْسَامُ الْوَلا
سِنُّ تَحَمُّلٍ مَعَ اَلتَّحْدِيثِ ... وُحْدَانُهُمْ وَسَبَبُ اَلْحَدِيثِ
كَذَا تَوَارِيخُ اَلْمُتُونِ جَمْعَا ... وَأَدَبُ اَلطَّالِبِ وَالشَّيْخِ مَعَا
كِتَابَةُ اَلْحَدِيثِ والمُقَابَلَهْ ... سَمَاعُهُ إِسْمَاعُهُ اَلرِّحْلَةُ لَهْ
تَصْنِيفُهُ فَهَذِهِ أَلْقَابُ مَا ... يُشْهَرُ مِنْهُ وَالْجَمِيعُ قُسِّمَا
وَسَأُعِيدُ اَلْكُلَّ فِي مَوَاضِعِه ... فِي اَلنَّظْمِ إِجْمَالاً وَتَفْصِيلاً فَعِهْ
مُبَيِّناً أَنْوَاعَهُ مُعْتَبِرَا ... جِهَاتِ تَقْسِيمِهِ مُحَرِّرَا
فَلا يُمِلَّنَّكَ مَا تَكَرَّرَا ... لَعَلَّهُ يَحْلُو إِذَا تَقَرَّرَا
يكفي يكفي.
المؤلف -رحمه الله تعالى- بعد المقدمة ذكر فهرساً يجمع الأنواع، يجمع سرد الأنواع التي سوف يتحدث عنها في كتابه، ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- ذكر في مقدمة الكتاب الأنواع السبعة والستين التي فصلها فيما بعد، والمؤلف هنا ذكر هذه الأنواع على سبيل الإجمال، ثم تحدث عنها تفصيلاً واحداً تلواً الآخر، وهذا ما يعرف عند أهل العلم باللف والنشر، تذكر الأقسام أو ما يراد الحديث عنه على سبيل الإجمال، ثم بعد ذلكم تنشر وتفصل، فإن كانت على نفس الترتيب ترتيب النشر والتفصيل على نفس ترتيب الإجمال سمي اللف والنشر المرتب، وإن كان فيها شيءٌ من الاختلاف من التقديم والتأخير سمي اللف والنشر غير المرتب، وقد يقول أهل البلاغة: المشوش، لف ونشر مشوش، وكونه مشوش هذا ليس بعيب، ليس بعيب إذا قدم في النشر ما أخر في الإجمال لمصلحة فهذا ليس بعيب، فقد جاء في أفصل الكلام اللف والنشر المرتب وغير المرتب كلها موجودة في القرآن وفي استعمالات العرب، في السنة أيضاً.
стр. 41
في القرآن اللف والنشر المرتب في سورة هود: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ .. ﴾ [(١٠٥ - ١٠٦) سورة هود] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ﴾ [(١٠٨) سورة هود] ترتيب النشر على نفس ترتيب اللف، التفصيل مرتب على نفس ترتيب الإجمال، وجاء في سورة آل عمران: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ .. ﴾ [(١٠٦) سورة آل عمران] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [(١٠٧) سورة آل عمران] هذا غير مرتب والأول مرتب.
على كل حال الشيخ أجمل الأنواع ثم تحدث عن هذه الأنواع واحداً بعد الآخر، ولسنا بحاجة إلى أن نقرأ ما قرأه؛ لأنه مجرد قراءة، وشرح هذه الأنواع سيأتي تفصيلاً فلا داعي إلى أن نعيد ما قرئ إجمالاً؛ لأنه إن وقفنا عنده إن وقفنا عند كل كلمة كلمة، ماذا بقي للتفصيل، وإذا كان مجرد ذكر النوع ما في فائدة، وستأتي تفصيلاً -إن شاء الله تعالى-.
الحافظ ابن حجر ترتيبه لكتابه: (النخبة) ترتيبٌ بديع مبتكر، يختلف عن ترتيب من تقدمه ممن كتب في هذا العلم، على هذه الطريقة اللف والنشر المرتب، لكن هذا لف للعناوين يعني كما فعل ابن الصلاح، وذاك لفٌ للأنواع، يعني ذاك لف للأنواع، ذاك يشبه السبر والتقسيم، وهذا جاء بهذه الأنواع بأسمائها وذاك جاء بالأسماء وحصرها في أنواع وتقسيمها إلى أنواع متجانسة ثم تحدث عن هذه الأنواع بالتفصيل.
أحياناً يذكر النشر قبل اللف، استعمله الحافظ في النخبة أحياناً يتحدث عن النوع ثم الذي يليه ثم الثالث ثم الرابع ثم يقول: فالأول كذا والثاني كذا والثالث كذا، إن كان كذا فالأول كذا والثاني كذا والثالث .. إلى آخره، يعني سواءً جئنا باللف ثم النشر أو العكس، يعني أقرب ما يكون في الصورة التنظير عندنا صنيع أهل اللغة فإن قدمنا اللف وأخرنا النشر كل المعاجم التي تبحث في متن اللغة على هذه الطريقة، مبنية على تقديم الألفاظ، عكسه أن يكون عندك النشر وتبحث عن لفه عن عنوانه عن .. ، هذا يسمى فقه اللغة، وهذا مجرد تنظير وإلا يوجد اختلاف في عمل هؤلاء وعمل هؤلاء من جهة أخرى، ولذا قال:
стр. 42
. . . فهذه ألقابُ ما ... يشهر منه والجميع قسما
(وسأعيد الكل في مواضعه .. ) سأعيد، سوف يعيد هذه الأسماء في مواضعها.
وسأعيد الكل في مواضعه ... في النظم إجمالاً وتفصيلاً فعه
يعني انتبه، الماضي وعَى، والمضارع يَعي، والأمر إيش؟ نعم عِ عين مفردة مثل "قِ" من الوقاية، قِ نفسك النار، الأمر بالحرف المفرد، لكن إن وقفت عليه جئت بهاء السكت كما هنا "فعه" لفلان كلامٌ جميل في كتاب كذا فره يعني انظر إليه.
مبيناً أنواعه معتبراً ... جهات تقسيماته محرراً
فلا يملنك ما تكررا ... لعله يحلو إذا تقررا
стр. 43
بعض الناس يمل من التكرار، ويود أن كل ما يوجد من تكرار في الكتب يحذف، ويتمنى أنه في جميع العلوم يقتصر على الصافي، يؤلف كتاب ما فيه مكررات، ثم يؤتى للكتاب الآخر وتذكر زوائده والثالث كذلك والرابع كذلك، فيجمع مكتبة حديثية مكتبة فقهية مكتبة .. ، في كل العلوم تحدث المكررات، وبدلاً من أن تكون الكتب في بعضها ما في البعض الآخر تطويل بغير طائل، نقول: لا يا أخي، هذا التكرار مفيد، ومقصود لأهل العلم، فأنت إذا درستَ متناً باعتبارك مبتدئاً، وهذا المتن يشتمل على خمسمائة مسألة مثلاً، ثم لما انتهيت منه انتقلت إلى المتن الذي يليه، نصور ذلك بعمدة الفقه مثلاً التي ألفها الموفق للمبتدئين، انتهيت من هذا الكتاب تنتقل إلى المرحلة التي تليها المقنع للإمام الموفق وقد ألفه للطبقة الثانية، هل من الحسن أن يقال: لا تنظر في جميع الكتاب المسائل التي مرت عليك بالعمدة اتركها؟ ضياع وقت، يعني هل وصل بالمسلم من الحرص على وقته أن يستضيق بمثل هذه الأمور؟ أهل العلم رتبوا هذه الأمور، وجعلوا بعضها يتركب أو مرتبٌ على بعض لترسخ هذه العلوم، كي ترسخ هذه العلوم، أنت إذا قرأت المسألة في كتاب ثم قرأتها في كتابٍ آخر بشكلٍ أوسع لا شك أن هذه المسألة تثبت عندك، ولذا المطالبة من بعض الناس أن تكون العلوم متكاملة، هذه دعوى، يعني اللي تدرسه في الحديث لا تدرسه في الفقه، واللي تدرسه في الفقه لا تدرس في التفسير إن مر عليك، هذه دعاوى تضيع يا أخي، يعني مسألة تمر عليك مرة واحدة تضبط هذه المسألة، تمر عليك في كتاب فيها شيء من الاستغلاق، تمر عليك في كتابٍ آخر صحيح مكررة لكن مبسوطة بأسلوبٍ أوضح، وإلا كان يلغى التأليف بعد المتقدمين، خلاص الفقه لسنا بحاجة.
стр. 44
لماذا ابتدأ مسلم تأليف كتابه ابتداءً وفيه ما يتفق مع ما في البخاري الشيء الكثير، ما اقتصر على زوائد؛ لئلا يتكرر العمل، بل البخاري نفسه لماذا كرر الأحاديث ثلاثة أضعاف في صحيحه أو أكثر من ثلاثة أضعاف؟ إذا تكرر ورود الكلام عليك العلم على ذهنك لا شك أن بعضه يوضح بعضاً، بعض المواضع يكون مستغلق، بعض المواضع يكون أوضح، أيضاً التكرار بدلاً من أن تقرأ المسألة عشر مرات اقرأها في هذه الكتب وإذا انتهيت ضبطت هذه المسائل، ولذا قال:
فلا يملنك ما تكررا ... لعله يحلو إذا تقررا
كم من مسألة قرئت مراراً فإذا وجدت بعد ذلك في كتابٍ بأسلوبٍ أوضح وبدراسة أوعب يطرب لها الإنسان، ما يقول: والله مليت، البخاري حينما كرر الأحاديث -رحمة الله عليه-، هو بالمكرر أكثر من سبعة آلاف، وبدون المكرر ألفين وخمسمائة ثلاثة أضعاف، هل تظنون أن هذا التكرار لا فائدة فيه لنعتمد على المختصرات؟ لا يا إخوان، البخاري -رحمة الله عليه- لا يكرر الحديث الواحد في موضعين بإسناده ومتنه من غير زيادة فائدة سواءً كانت في المتن أو في الإسناد إلا في نحو عشرين موضع فقط، وإذا اقتصرنا على ما لا تكرار فيه، يعني حذفنا كل المكررات ماذا يبقى للأبواب اللاحقة؟ إذا قلنا: والله هذا الحديث مر في كتاب الطهارة فلسنا بحاجة إلى أن نذكره في كتاب بدء الخلق مثلاً ماذا يبقى للأبواب الأخيرة من أبواب الدين؟
نضرب مثال واحد، وهذه مسألة ينبغي أن يوليها طلاب العلم عناية فائقة، يعني كثير من الناس يعمد إلى زوائد كذا زوائد كذا، نعم الحفظ شيء ودراسة الكتب شيء آخر، كتاب الرقاق من صحيح البخاري، وقد أبدع الإمام -رحمة الله عليه- في هذا الكتاب، سواءً كان في انتقاء المرويات، سواءً كان في سياق المتون والأسانيد، سواءً في تراجم أبواب هذا الكتاب، أو فيما يختاره من الآثار، كتاب الرقاق يقرب من مائتي حديث، وترجم على كل حديث بترجمة فقه من الإمام -رحمة الله عليه-، لو رجعنا إلى المختصرات، كم في مختصر الزبيدي في كتاب الرقاق من حديث؟ الأصل مائة وثلاثة وتسعين المختصر كم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 45
كم نصف؟ مائة؟ خمسين؟ سبعة أحاديث! كم يفوت طالب العلم إذا اقتصر على المختصر من فوائد أودعها الإمام وأبدع فيها في هذا الكتاب، ولا شك أن التكرار مفيد، يفيد طالب العلم، يعني إذا جئ لك بالفائدة على جهة ثم أوتي بها على جهة أخرى، جمعت المسائل استنبطت قاعدة، نظرت في قاعدة استدللت لها بمسائل فرعية، سواءً هذا أو ذاك كله نافع، كل هذا من وسائل تحصيل العلم الميسرة للعلم المحببة للعلم، لكن افترض أن البخاري اقتصر على ألفين حديث بدون تكرار ولا شيء، الملل يأتي هنا، يا أخي تقرأ حديث الأعمال بالنيات، لتحفظه تقراه عشر مرات، لكن اقرأه في سبعة مواضع من البخاري، وكل موضع فيه زيادة فائدة يعني خير عظيم يا أخي، أنت تريد أن تقرأ في المختصر تبي تقرأه عشر مرات علشان تحفظ، يا أخي بدل من أن تقرأه عشر مرات اطلع عليه في مواضعه السبعة، وفي كل موضع فائدة زائدة، ثم يقول قائل: إن التكرار هذا ممل ويضيع الوقت، وليتنا –والله- نختصر، وليتنا .. ، اختصار الكتب آفة، آفة اختصار الكتب، والاختصار لا ينفع إلا المختصر نفسه، ولذا نقول: قيام طلاب العلم باختصار الكتب للنفع للانتفاع الشخصي من وسائل التحصيل، ما يمنع أنك أنت تطلع بنفسك وتقرأ هذه المكررات وتقتصر على أكثرها فائدة ما يمنع، لكن كم بيحرم الذي يقرأ في مختصرك من الفوائد، أنت استفدت لأنك اطلعت على المواضع، لكن الذي يأتي بعدك؟
خلونا ننظر بمسائل حية، جاء طالب في الجامعة مثلاً كتاب كبير مائتين صفحة ثلاثمائة صفحة، فجاء وتبرع واحتسب أحد الطلاب واختصره لزملائه بخمسين صفحة، وكلهم قالوا: جزاك الله خير، هو تصور مسائل الكتاب وفهم الكتاب وهضم الكتاب، ويمكن أنه حذف مسائل مهمة، وقد يأتي أسئلة فيما حذف، كم جنى على زملائه بطريقته باسم التيسير والتسهيل؟!
وأقول: القراءة في هذه الكتب لا يملها طالب علم ولو كان فيها تطويل، لو كان فيها مكرر، يبقى أن علم السلف له فضله وله مزيته، كتب بنوايا صالحة خالصة؛ ولذا بقي نفعه، فنعود إلى كلام الناظم -رحمة الله عليه-:
فلا يملنك ما تكررا ... لعله يحلو إذا تقررا
стр. 46
إذا تقرر وفهمت المسألة وأتقنتها ولو كانت من أعقد المسائل لا شك أنها تحلو إذا فهمتها وتقررت في ذهنك، ولذا تجدون النحو وأصول الفقه -وهذه أمثلة- عند بعض الناس أثقل من جبل، وعند آخرين أخف من ريش صحيح، يعني اللي ما يفهم وجد الحاجز واستثقل ووضعت الحواجز النفسية دون فهم هذا العلم يكره هذا العلم، لكن إذا دخل في العلم وتيسر أمره، وفهم مسألة ثم مسألة يطرب ويحلو، يحلو له العلم ويتوغل فيه، وهكذا سائر العلوم، لكن بالنسبة للنحو وأصول الفقه الناس فيهما على طرفي نقيض.
أما شخص يديم النظر في هذه الكتب لأنها فتحت له مغاليقها فولج، وآخر وجدت الحواجز والسدود فاستثقله واستصعبه.
ونقول: هذه الاستطرادات لعلها تقوم في الوقت تقابل الأبيات التي طويناها، نعم.
اِعْلَمْ بِأَنَّ أَهْلَ هَذَا اَلشَّأنِ ... . . . . . . . . .
خفف، خفف، سهل، سهل.
اِعْلَمْ بِأَنَّ أَهْلَ هَذَا اَلشَّانِ ... . . . . . . . . .
يعني كالتبيان إيش تسوي له؟
اِعْلَمْ بِأَنَّ أَهْلَ هَذَا اَلشَّانِ ... قَدْ قَسَّمُوا اَلأَخْبَارَ بِالتِّبْيَانِ
لِذِي تَوَاتُرٍ يُفِيدُ اَلْعِلْمَ لاَ ... بِنَظَرٍ بَلْ بِالضَّرُورَةِ انْجَلاَ
وَهْوَ اَلَّذِي جَمْعٌ رَوَاهُ اِتَّفَقُوا ... أَحَالَتِ اَلْعَادَةُ أَنْ يَخْتَلِقُوا
عَنْ مِثْلِهِمْ رَوَوْا بِلاَ اِمْتِرَاءِ ... مِنْ اِبْتِدَا اَلإِسْنَادِ لاِنْتِهَاءِ
وَاسْتَنَدَ اِنْتِهَاؤُهُمْ لِلْحِسِّ لاَ ... مَحْضِ اِقْتِضَاءِ اَلْعَقْلِ وَانْضَافَ إِلَى
ذَلِكَ أَنْ يَصْحَبَ ذَاكَ اَلْخَبرَا ... إِفَادَةُ اَلْعِلْمِ اَلْيَقِينِيْ لاَ مِرَا
فَقَدْ يَجِيْ فِي لَفْظِهِ اَلتَّوَاتُرُ ... وَجَاءَ فِي مَعْنَاهُ وَهْوَ اَلأَكْثَرُ
أَمَّا اَلْقُرْآنُ فَهْوَ قَدْ تَوَاتَرَا ... لَفْظًا وَمَعْنًى كُلُّهُ لاَ يُمْتَرَى
يكفي، يكفي.
стр. 47
بعد سرد الأنواع والعناوين شرع المؤلف -رحمه الله تعالى- في الكلام على هذه الأنواع تفصيلاً، فبدأ بالقسم الأول وهو: المتواتر، جرياً على طريقة المتأخرين في تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد، وأنكر بعضهم وجود المتواتر، وأنه لا يمكن أن يبحث في علوم الحديث، وشنع بعضهم يعني لا سيما من المتأخرين تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد، وأن طريقة المتكلمين ويقصدون بذلك أن الآحاد فيه ما فيه، وسيأتي الكلام فيه -إن شاء الله تعالى-، وأنا أقول: لا ضير أن تقسم الأخبار بما يحصرها ويتمكن طالب العلم من ضبطها، وشيخ الإسلام وهو شيخ الإسلام ابن تيمية لم يخشَ هذا المحذور الذي ذكروه فقسم الأخبار إلى متواتر وآحاد، وهو من أشد الناس على البدع والمبتدعة، فلا مانع من أن يعتنى بالتنسيق الذي يذكره أهل العلم في كل فنٍ حسب اصطلاحهم على أن لا نلتزم وننساق وراء مبتدعٍ سواءً بقصد أو بغير قصد فنلتزم باللوازم التي يلتزمونها، والمحاذير التي يرتكبونها، لا، لا مانع أن نجري على الاصطلاح، لكن لنا نظرنا المستقل في هذه الاصطلاحات.
стр. 48
شيخ الإسلام ابن تيمية يقسم الأخبار إلى متواتر وآحاد، يقسم المتواتر إلى لفظي ومعنوي، يعني على طريقة أهل العلم في هذا، ولا توجد عنده أدنى حساسية، ولا يختلف اثنان في أن الأخبار متفاوتة، من الأخبار يلزمك سماعه بتصديقه، مجرد ما تسمعه خلاص صدق بحيث لا تبحث عنه، يفيدك العلم الضروري، ومن الأخبار ما يفيد ظن، ومنها ما يفيد علم نظري، منها ما يفيد علم ضروري، مجرد ما تسمعه يقال لك: جاء فلان من بغداد، جاء فلان من مصر، جاء فلان من الشام، هل تقول: ما أدري والله ويش الشام؟ بأروح أبحث في معجم البلدان علشان أشوف هل هناك شام وإلا ما شام؟ يحتاج إلى هذا؟ علم ضروري ما يحتاج، لكن لو قال لك: والله جيت أنا .. ، أو ذكر أن في قهب الطير كذا وإلا كذا خبر، يقول: جاء فلان من قهب الطير هذا بلد،. . . . . . . . . الموجود حقيقةً الذي يرى بالعين يفيد العلم، الذي مر على هذه البلدة ورآها بعينه أفاده العلم، الذي سمع عنها أفاده علم إذا تواتر الخبر عنها، وهو علمٌ نظري، لماذا؟ لأنك لن تصدق بها مباشرة، لا بد أن تبحث ويش البلد هذه؟ وكم من بلدٍ ذكر اسمه ومصحف، ذكر البلد مصحف عنده استمر على هذا؛ لأنه ليس من البلدان التي يلزم تصديقها بسماعها، فأنت إن احتجت إلى نظر واستدلال أفادك علم لكنه نظري، إن لم تحتج إلى نظر ولا استدلال أفادك العلم لكنه ضروري.
إذا قيل: كم نصف الاثنين؟ قيل هذا الكلام لصبي صغير، لشيخٍ كبير لمتوسط لعالم عامي، هل نقول: انتظر، انتظر يا أخي خلي المحلات تفتح نروح نشتري آلة نقسم نحتاج إلى هذا؟ ما نحتاج، هذا ضروري ملزمٌ بتصديقه بمجرد سماعه، لكن لو قال لك واحد: ثلاثة عشر ألف وتسعمائة وستة وأربعين كم سبعهن؟ كم السبع؟ تحتاج إلى نظر واستدلال، تبي تطلع القلم وتقسم وإلا بآلة وإلا بشيء، لكن إذا استقر عندك، خرجت القسمة ضربت المقسوم على المقسوم عليه وطلعت النتيجة صحيحة تقسم عليه تحلف صار علم، نتيجته مائة بالمائة، هذا علم لكنه نظري، والأول علم لكنه ضروري.
стр. 49
قلنا: إن شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يقسم الأخبار إلى متواتر وآحاد، ويقسم المتواتر إلى لفظي ومعنوي، ويمثل للمتواتر اللفظي بحديث: ((من كذب .. )) ويمثل بالتواتر المعنوي في كل مقام ما يناسبه، ففي منهاج السنة مثلاً يمثل للمتواتر المعنوي بأي شيء؟ فضائل أبي بكر وعمر متواترة تواتراً معنوياً، ويذكر الآحاد ويتكلم عن الآحاد، وما يفيد خبر الواحد على ما سيأتي، المقصود أن مثل هذه الأمور اصطلاحات لا تغير من الواقع شيء، وهنا نقول: لا مشاحاة في الاصطلاح، يعني كون الاسم لا يوجد عند المتقدمين لكن إذا كانت تسنده لغة العرب، ويسوده الواقع، ولم ينص المتقدمون على ما يخالفه ويعارضه لا مانع من اعتماده.
إذا كان أهل العلم جروا على اصطلاحات فيها ما يخالف بعض النصوص، وتواطؤا عليها واستعملوها من غير نكير، اصطلحوا على أن المكروه ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، لكن لو استعرضنا النصوص ماذا تعني؟ ما معنى المكروه في النصوص الشرعية؟ كثير من النصوص تدل على أن المكروه محرم، بل من المحرمات الشديدة ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [(٣٨) سورة الإسراء] وفيه ما فيه من العظائم، ولذا الإمام أحمد من ورعه يستعمل ما جاءت النصوص بأنه مكروه على الكراهة.
بعض الاصطلاحات درج خيار الأمة وعلماء الأمة وأتباعهم على ما يُرى في بادئ الرأي أنه معارض للنص "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان" فرض هذا كلام الصحابي، يقول الحنفية: زكاة الفطر واجبة وليست بفرض، على اصطلاحهم الذي قعدوه.
стр. 50
هناك اصطلاحات تواطأ عليها أهل العلم، نعم ما يخالف النصوص يشاحح فيه، لكن ما لا يعارض نصاً وتسنده لغة العرب، ودرج عليه أهل العلم ما المانع من استعماله؟ المتقدمون ما يذكرون المتواتر، وينازع بعضهم في وجود المتواتر، إيش معنى وجوده؟ يعني هل ينازع أحد بأن حديث: ((من كذب .. )) يروى عن سبعين صحابي، وكل صحابي يرويه عنه جماعة، وبمجرد ما تسمعه يقر في قلبك بمعنى أنك لا تتردد في قبوله؟ نعم؟ هم يقولون: لا وجود له، يعني أن هذا الحديث لا يبحثونه متواتر، لماذا؟ يحتاج لبحث، أهل الحديث بحثهم في الأسانيد والمتون من أجل معرفة ما صح وما لم يصح، المتواتر هل يحتاج إلى بحث؟ يحتاج إلى بحث المتواتر؟ هل ننظر هل يثبت أو ما يثبت؟ ما يحتاج إلى بحث، إذاً وجوده في كتب المصطلح نادر، يوجد في كتب المتأخرين تتميماً للقسمة، وإلا فالأصل أن المتواتر ما يحتاج له بحث، ولذا لا يشترط فيه ثقة الرواة إذا وصل إلى حد التواتر، لا ينظر في رجاله بالشروط التي ذكرها أهل العلم، ولا أريد أن أطيل عليكم بمثل هذا الكلام، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هذا يقول: هل الأفضل فيمن أراد أن يحفظ مختصر الصحيحين أن يبدأ بالبخاري أم بمسلم؟ نريد مثالاً لطالب العلم في تطبيقه على الحديث تصحيحاً وتضعيفاً؟
من أراد أن يحفظ مختصراً يعني وهو مبتدئ عليه أن يبدأ بالأربعين فإنها من جوامع الكلم، ثم بعد ذلك بالعمدة في أحاديث الأحكام من الصحيحين في الجملة، ثم ببلوغ المرام كما هو معتاد، وهي الجادة عند أهل العلم، وإن أراد أن يبدل البلوغ بالمحرر فالأمر فيه سعة؛ لأن الكتابين متشابهان.
إذا أراد أن يحفظ في الأصول ومعلومٌ أن حفظ الأصول الكبار مثل البخاري ومسلم فضلاً عن بقية الكتب حفظ الأسانيد المكررة والمتون المكررة قد يصعب على كثيرٍ من طلاب العلم، والهدف الأصلي المتون، المتون المرفوعة هذا هو الهدف من تأليف هذه الكتب، وما عدا ذلك فهو وسائل.
стр. 51
لا مانع أن يحفظ ما تفرد به البخاري من متون ثم يضيف إليه ما زاده مسلم، يحفظ البخاري بدون مكرر، يحفظ البخاري من غير تكرار، وليعتمد على أحد المختصرات، ثم يضيف إليه زوائد مسلم.
وبعض طلاب العلم يرجح أن يحفظ مسلم قبل، يعني من غير تكرار، ثم تؤخذ زوائد البخاري، وحجتهم في ذلك أن الإمام مسلماً -رحمه الله تعالى- يعتني ببيان ألفاظ الشيوخ، والبخاري لا يلتفت إلى مثل هذا، يقول مسلم: حدثنا فلان وفلان وفلان واللفظ لفلان، البخاري يقول: حدثنا فلان وفلان ولا يبين صاحب اللفظ، نعم عرف بالاستقراء من صنيعه أن اللفظ للثاني للأخير، لكن عناية مسلم بهذا أشد، وهو في هذا أدق، لكن إذا قال الإمام مسلم: حدثنا قتيبة بن سعيد وإسحاق وأبو بكر بن أبي شيبة واللفظ لقتيبة، هذا محل عناية الإمام مسلم، هل يعني أن لفظ قتيبة هو اللفظ النبوي أو أن هذا لفظ قتيبة من بين الرواة الثلاثة؟ وما دام قتيبة وأبو بكر وإسحاق كلهم من شرطه، كلهم عرف بالحفظ والضبط والإتقان ...
стр. 52
شرح نظم (اللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون) (٣)
الكلام على: المتواتر والآحاد (المشهور والعزيز).
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
كلهم عرف بالحفظ والضبط والإتقان، وكلهم ممن جوز له جمهور أهل العلم أن يروي الحديث بالمعنى، هل يهمنا أو يؤثر على لفظ الحديث أن يكون لقتيبة أو لإسحاق أو لأبي بكر بن أبي شيبة؟ يعني لو كان مسلم يُعنى باللفظ النبي ودون ذلك خرطُ القتاد؛ لأن بينه وبين النبي ﵊ وسائط، وجمهور أهل العلم جوزوا رواية الحديث بالمعنى، إذاً الصحابي يجوز له أن يروي الحديث بالمعنى، لا نجزم بأن هذا اللفظ النبوي، التابعي إذا تلقى الحديث من الصحابي يجوز له أن يروي الحديث بالمعنى، من بعده يجوز له أن يروي الحديث بالمعنى بالشرط المعتبر عند أهل العلم، ما هي المسألة فوضى لا، هناك شروط وضوابط لمن يجوز له الرواية بالمعنى، فهل لبيان الإمام مسلم لصاحب اللفظ أثر على اللفظ النبوي؟ بمعنى أننا نجزم أن هذا هو اللفظ النبوي لنعنى به، يعني ما الفائدة في أن نعنى بلفظ قتيبة دون لفظ أبي بكر أو العكس لنقدم صحيح مسلم في هذا الباب على صحيح البخاري؟ أنتم عرفتم حجة من يقدم مسلم في هذا الباب ويقول: يحفظ مسلم ثم تحفظ زوائد البخاري، وقد سلك هذا في التطبيق عند جمعٍ من الإخوان؛ لأن مسلم يعتني بالألفاظ بألفاظ شيوخه، لكن هل يعنى باللفظ النبوي؟ اللفظ النبوي عناية من فوقه من شيوخ شيوخه ومن فوقهم من الصحابة، وقد جوز للجميع أن يرووا بالمعنى بشرطه، إذاً لا نجزم بأن هذا اللفظ الذي نص على أنه لفظ قتيبة أنه هو اللفظ النبوي، ويستوي في ذلك أن يكون اللفظ لقتيبة أو لإسحاق أو لأبي بكر بن أبي شيبة ولو لم ينبه على ذلك، المقصود أن كلهم ممن اتصف بالحفظ والضبط والإتقان مع تمام العدالة.
стр. 53
الإشكال فيما لو روى الإمام عن ثقة وغير ثقة، هنا لا بد أن يبين ما رواه الثقة مما رواه غير الثقة، لماذا؟ لأن غير الثقة لا يدخل فيمن تجوز روايته بالمعنى، وأيضاً روايته لا تقبل، فلا بد من تمييز ما يرويه الثقة، إذا كان بعض الحديث عن واحد والبعض الآخر عن الثاني، أما إذا كان الحديث كامل مروي عن الثقة، وكامل مروي عن الضعيف ما يضر، العمدة في ذلك الثقة ولا التفات للضعيف وجوده كعدمه، ولذا يجوز إبهامه وعطفه على الثقة، يجوز أن يروي البخاري عن مالك وغيره إذا كان مالك إذا كان الحديث كاملاً عند مالك يجوز، وليس هذا من تدليس التسوية؛ لأن عمدته في ذلك على الثقة دون الضعيف، فنحفظ البخاري نبدأ بالبخاري.
فلا شك أن من عنده فضل حفظ ويحفظ الكتاب على وضعه وأسانيده ومتونه وموصولاته ومعلقاته بصيغ الأداء بتراجم الإمام هذا نورٌ على نور، قد يقول قائل: هذا مستحيل، نقول: ليس بمستحيل، إذا وجد في الأمة من يحفظ المستدرك والبيهقي على طول أسانيدها فحفظ البخاري سهل، إذا وجد من بين المسلمين من يكون من فضول محفوظاته كتاب الأغاني حفظ البخاري سهل.
المقصود أنه صعب على كثيرٍ من الناس، يعني لا ينكر هذا أن كثير من الناس صعب عليهم، فالذي لا يستطيع أن يحفظ الكتاب كما هو يحفظ المتون من غير تكرار، ويضيف إليها زوائد مسلم، ثم زوائد أبي داود على الطريقة المتبعة عند الإخوان -وفقهم الله-، ولا شك أن هذه سنة حسنة، من سنها له أجرها وأجر من عمل بها، وكان الناس إلى وقتٍ قريب يرون أن هذا من المستحيلات، بل ضربٌ من الخيال، وإذا قرؤوا في تراجم المتقدمين وسمعوا محفوظاتهم ظنوه مبالغة، لكن هذا موجود.
يقول: نريد مثالاً لطالب العلم في تطبيقه على الحديث تصحيحاً وتضعيفاً؟
مسألة دراسة الأسانيد، وتصحيح الأحاديث وتضعيفها لا شك أنه في البداية نظري له قواعده التي سيأتي ذكرها -إن شاء الله تعالى-، لكنه في الجملة عملي أكثره تطبيقي عملي، ولا يثبت ولا يرسخ ولا يتبين وجهه على حقيقته إلا بالعمل والتطبيق.
يقول: ما رأيكم في تضعيف بعض المتأخرين بعض حديث في صحيح البخاري؟
стр. 54
صحيح البخاري أصح الكتب بعد كتاب الله ، وما رواه البخاري على ما سيأتي فيما يفيده خبر الواحد عند ابن الصلاح ومن يقول بقوله، وسيأتي تفصيل المسألة مقطوعٌ بصحته، مفيدٌ للعلم سوى أحرف يسيرة تكلم فيها بعض الحفاظ كالدارقطني، ثمانين حديث في البخاري تكلم فيها الدارقطني وأجيب عنها، استدراكات الدارقطني أجيب عنها، الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح وفي أثنائه وغيره من الأئمة أجابوا عن هذه الاستدراكات، ويبقى أن صحيح البخاري أصح الكتب.
لكن ماذا عما لو ضعف أحدٌ حديث لم يسبق إلى تضعيفه؟ نقول: ما في صحيح البخاري مما لم يسبق لتضعيفه من الأئمة الكبار مفيدٌ للعلم، وكونه يفيد العلم حكمه حكم ما لو سمعتَ النبي ﵊ تكلم بهذا الحديث، كأنك رددت قول النبي ﵊ مباشرة، وهذا أمرٌ في غاية الخطورة، هذا إذا لم يسبق إلى تضعيفه ممن يعتد بقوله من أهل العلم، على أن من يعتد بقوله كالدارقطني من أهل العلم في تضعيفهم لبعض الأحاديث بالصحيحين لا شك أنه في الغالب مردودٌ عليه، والصواب مع الإمام -رحمة الله عليه-، وبقي أن يلفت نظر طلاب العلم أن لا يتجرؤوا ويهجموا على هذه الكتب تصحيحاً وتضعيفاً؛ لأنه إذا تطاول طالب العلم على البخاري فماذا يبقى للأمة من مستند ومعتمد؟ إذا كان جمعٌ من أهل العلم يقولون: لو أن شخصاً حلف بالطلاق أن جميع ما في صحيح البخاري صحيح أنه لا يحنث ولا تبين منه امرأته، هذا الكلام لا شك أنه إجمالي؛ لأن في بعض المعلقات التي نبه البخاري على ضعفها، البخاري نفسه نبه على ضعفها.
المقصود أن من يهجم على هذه الكتب ويتطاول عليها لا يخدم إلا الأعداء، لا يخدم إلا الأعداء، قد يوجد من أهل العلم المتأهلين من هو متأهل، وينظر، ويؤديه اجتهاده إلى أن هذا حديث كيف صححه البخاري؟ يعني قد يخفى عليه وجه تصحيح البخاري، لكن المعول في هذا على تصحيح الإمام -رحمه الله تعالى-، ولم يكتسب ذلك يكتسب هذه القوة من الإمام وحده وإنما لأن الأمة تلقت الكتاب بالقبول، هذا التلقي وحده كما يقول ابن حجر وغيره أولى بالاعتماد من مجرد كثرة الطرق، فالحذر الحذر أن يتطاول الناس على هذه الكتب.
стр. 55
يقول: دار بيني وبين متخصص أو شبه متخصص في علوم السنة حوار حول تعريف الحسن عند المتقدمين؟
على كل حال بيجي تعريفه -إن شاء الله-.
هذا يسأل عن فتح الباري الذي طبع معه البخاري برواية أبي ذر؟
أما بالنسبة للشرح فالنسخة التي صورت أسوأ الطبعات؛ لأنها صورت على الطبعة الثانية والثالثة الطبعة السلفية، الطبعة السلفية الثانية والثالثة هما واحد يعني سموها ثالثة وهي صورة عن الثانية، وفيها أسقاط كثيرة.
وهذا يسأل عن أي نسخ فتح الباري أفضل ليقتنيها طالب العلم وخاصة إذا كان لا يستطيع ... ؟
إن استطاع أن يعتني أو يقتني طبعة بولاق أو صورة منها، ويخدمها أيضاً، ينقل عليها التعليقات، الملاحظات التي لوحظت على الشارح، ويرقم الأحاديث، ويذكر الأطراف، وهذا أشير به على بعض دور النشر، ووعدوا أنهم يفعلون ذلك -إن شاء الله تعالى-.
إذا لم يتمكن طالب العلم من صورة لطبعة بولاق فالطبعة السلفية الأولى أفضل ما يوجد الآن، الطبعة السلفية الأولى على أن يقوم طالب العلم بتصحيح جداول الخطأ والصواب في آخر كل مجلد، إذا صحح الخطأ والصواب في آخر كل مجلد تكون أمثل الطبعات.
هذا يقول: هل يستفاد من مختصرات أهل العلم لمن أراد أن يجعل له مختصراً معتمداً، أو معتمِداً على مختصر العالم الذي قد يزيد عليه ما يراه .. ؟
المقصود أن المختصرات إنما يلجأ إليها عند الحاجة عند الحاجة، وإلا فالأصل العلم في المتون، وقد يترك المختصر شيء يراه لا يهم طالب العلم، أو يرى أنه بالنسبة لما ذكره غير مهم، بينما هو في غاية الأهمية من وجهة نظر آخر، قد يترك شيئاً أنت بأمس الحاجة إليه، وهو تركه وطواه لأنه ورد على ذهنه مراراً فصار من البدهيات فيظنه كذلك عند الناس كلهم وهو من الضروريات عند بقية الناس.
المقصود أن الأصل أن يقتنى الأصول ويعتنى بها، فإذا قام الشخص باختصار الأصل فيكون على اطلاعٍ مما حذف واطلاعٍ مما أبقي.
يقول: تعريف الناظم للسند والمتن أليس يلزم منه الدور؟
стр. 56
تعريف الناظم للسند والمتن أليس يلزم منه الدور؟ الدور ترتيب الشيء على شيء مترتب عليه، السند حكاية طريق المتن، والمتن غاية ما ينتهي إليه السند من الكلام، الفاصل موجود، الفاصل موجود بينهما، ماذا يقول الشيخ عن تعريف السند؟
عنوا بالإسناد الطريق الموصلةْ ... للمتن عمن قاله أو فعله
الطريق الموصلة للمتن، فإذا افترضنا أن هذا هو الطريق ينتهي هنا، والمتن ما بعد ذلك "والمتن ما إليه ينتهي السند" ينتهي إلى هنا إلى آخره، فلا يلزم عليه دور، الدور ترتيب شيء مترتب عليه، ترتيب الشيء على شيء مترتب عليه، ترتيب الشيء على شيء مترتب عليه، يعني كما في قولهم:
لولا مشيبي ما جفا ... لولا جفاه لم أشب
يعني رتب الجفا على الشيب ورتب الشيب على الجفا هذا الدور، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
يقول:
لولا مشيبي ما جفا ... لولا جفاه لم أشب
هذا يلزم عليه الدور بلا شك، وسيأتي في المتواتر الآن بيان كيفية الدور، الآن أيهما الذي بدأ؟ من الذي يلام في هذا؟ في البيت؟ ما السبب في الجفا؟ السبب في الجفا هو الشيب، والسبب في الشيب هو الجفا، إذاً هذا مترتب على هذا وذا مترتب .. ، يمكن أن يوجد مثل هذا؟ يمكن؟ ما يمكن أن يوجد؛ لأن المسألة لا بد فيها من بداية، ثم شيء يرتب على هذه البداية، لكن إذا رجعت البداية ورتبت على ما ترتب عليها صار الدور.
لكن التسلسل، التسلسل غير الدور، هذه البيضة من هذه الدجاجة، لكن لو كانت هذه الدجاجة من هذه البيضة نفسها لزم عليه الدور، ولا يمكن أن يكون هذا، لكن هذه البيضة من هذه الدجاجة وهذه الدجاجة من بيضةٍ أخرى والبيضة من دجاجة ثانية وهكذا هذا تسلسل، لكن لو كانت هذه البيضة من هذه الدجاجة وهذه الدجاجة من هذه البيضة صار دور، فترتيب المؤلف لا يظهر فيه أبداً الدور.
стр. 57
بدأنا بالأمس في تقسيم الأخبار من حيث كثرة الطرق إلى متواتر وآحاد، وقلنا: إن هذا التقسيم معتبر عند أهل العلم، وإن لم يكن موجوداً في كلام المتقدمين إلا أنه يفيد طالب علم تسنده اللغة من جهة، واعتنى به أهل العلم ولا محظور فيه شرعاً، لا يخالف نص ولا محذور فيه، نعم المحذور الذي رتب على خبر الآحاد وأنه لا يفيد إلا الظن سيأتي بحثه -إن شاء الله- في موضعه، لكن اعتمد هذا التقسيم الكبار من أهل التحقيق كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن رجب وجمع غفير من أهل العلم.
يقول بأن ...
طالب:. . . . . . . . .
إيه انتهينا، والذي روى تعريف ...
يقول:
اعلم بأن هذا الشانِ ... قد قسموا الأخبار بالتبيانِ
لذي تواترٍ يفيد العلم لا ... بنظرٍ بل بالضرورة انجلا
طيب، المتواتر يفيد العلم، ولا بد من بيان معنى العلم ومعنى الظن؛ لأننا نحتاج هذه الأمور في هذا الباب وفي باب خبر الواحد، فالعلم عندهم الذي لا يحتمل النقيض، العلم هو ما لا يحتمل النقيض، بل نتيجته مائة بالمائة، ما يحتمل النقيض بوجهٍ من الوجوه، هذا من الأخبار.
الظن: هو الاحتمال الراجح، الشك: الاحتمال المساوي، الوهم: الاحتمال المرجوح الاحتمال المرجوح.
طالب:. . . . . . . . .
إذا أخبرك جمعٌ من الثقات جمعٌ من الثقات بأن زيداً قدم لا محيد ولا مفر من تصديق هذا الخبر، وحينئذٍ يكون هذا الخبر أفادك العلم؛ لأنه لا يخطر ببالك أنه بمجموعهم كذبوا عليك، أو وقع منهم الخطأ بمجموعهم، لكن لو أخبرك واحد أو اثنين أو ثلاثة بأن زيداً قدم وهم ثقات عندك، وجاء شخص رابع وقال: زيدٌ لم يقدم، خبر الثلاثة وكلهم ثقات أفادك علم وإلا .. ؟ لو جاء الرابع مؤيداً لهم بأن زيداً قدم وخامس وسادس وعاشر وعشرين خلاص أفادك العلم، فلا يؤثر فيه أن يأتي شخص يقول: لم يقدم زيد، لكن إذا قال ثلاثة: زيد قدم ثم جاء رابع قال: لم يقدم زيد، كلام الثلاثة راجح إذاً هو ظن، كلام الرابع مرجوح إذاً هو وهم من حيث الحكم هذا من حيث الحكم، لو جاءك ثلاثة قالوا: زيدٌ قدم وثلاثة قالوا: زيدٌ لم يقدم وكلهم بمنزلة واحد هذا يورث عندك الشك وهو الاحتمال المساوي.
стр. 58
. . . يفيد العلم لا ... بنظرٍ بل بالضرورة انجلا
وعرفنا الفرق بين العلم النظري والعلم الضروري، العلم الضروري لا يحتاج إلى نظر ولا استدلال، ولا يحتاج إلى مقدمات، بينما العلم النظري يحتاج إلى مقدمات حتى تصل إليه، فإذا وصلت إليه صار مثل الضروري في النتيجة لا يحتمل النقيض وضربنا أمثلة بالأمس.
ثم قال معرفاً المتواتر: والمتواتر مأخذ من التواتر وهو التتابع، وهو مجيء الشيء دفعات، تقول: جاءت الإبل متواترة أي دفعات ما جاءت دفعة واحدة، فهؤلاء ما دخلوا عليك المكان وقالوا: جاك زيد ثم جاك عمرو ثم جاء بكر ثم جاء كذا هذا الأصل.
"وهو الذي جمعٌ رواه" لا بد أن يكون من رواية جمع ليفيد التواتر، وهذا الجمع لا حصر له على القول الصحيح لا حصر له، لا يحصر بأربعة ولا بعشرة ولا بعشرين ولا بسبعين ولا بأربعين، وإن قيل بذلك، لكن لا حصر له، إذا كان العدد هذا لا حصر له كيف نعرف أن هذا الجمع بلغ حد التواتر؟ قد يبلغ التواتر وهم عشرين، قد يبلغ التواتر وهم عشرة، كيف نعرف أن هذا الجمع قد بلغوا حد التواتر أو القدر المقبول في التواتر؟ هؤلاء الجمع لا بد أن تحيل العادة تواطئهم على الكذب أو يحصل منهم اتفاقاً، أولاً: لا بد أن يرويه جمع من غير حصر عن مثلهم في جميع الطبقات جمعٌ عن جمعٍ عن جمع، وأن تحيل العادة تواطئهم على الكذب، ولا يحصل منهم ولا من غير تواطؤ ولا اتفاق، وأن يسندوا خبرهم إلى الحس إلى شيء محسوس لا إلى شيء معقول، زاد بعضهم: وأن يفيد العلم، وإفادة العلم شرطٌ لنعرف أن هذا العدد قد بلغ الحد المطلوب، ولذا يقول:
وهو الذي جمعٌ رواه اتفقوا ... أحالت العادة أن يختلقوا
"عن مثلهم رووا -هذا الشرط الثالث- بلا امتراءِ"
. . . . . . . . . ... من ابتدا الإسناد لانتهاءِ
يعني من أن يبتدئ إلى أن ينتهي.
جواستند انتهاؤهم للحس لا ... محض اقتضاء العقل وانضاف إلى
ذلك أن يصحب ذاك الخبرا ... إفادة العلم اليقيني لا مرا
стр. 59
هذه شروط المتواتر أن يرويه جمعٌ تحيل العادة تواطئهم على الكذب، جمع تحيل العادة عن جمعٍ مثلهم، وأن يستندوا في خبرهم إلى الحس، يعني من مشاهدة من سماع بإحدى الحواس الخمس، يعني تكون إدراك الخبر بإحدى الحواس الخمس لا بالعقل، يعني لو جاءنا أمة تقول وقد وجد أعداد هائلة عن مثلهم ممن يقول بقدم العالم مثلاً، نقول: هذه مسألة عقلية مهما كثروا، ومهما تواطئوا لا يفيد خبرهم العلم، تواطأ النصارى على القول بالتثليث لا يفيد العلم؛ لأنهم لم يستندوا في ذلك إلى الحس.
ما يشاع من الأخبار وسيلة من وسائل نقل الأخبار إما مرئية أو مسموعة أو مقروءة مما يثق الناس به بعض الآلات يوثق بها من قبل عموم الناس؛ لأنها جربت تأتي بأخبار جديدة وغريبة، وفي الغالب يعني دقيقة، أشاعت خبر ثم تناقلته جميع وكالات الأنباء، وتحدث الناس به في مجالسهم، نقول: هذا وإن نقله الكافة إلا أن نقله عن جهة واحدة ما رووه عن مثلهم، فهذه إشاعة، ولذا في الصحيح في البخاري عمر ﵁ لما دخل المدينة وجد الناس يتناقلون أن النبي ﵊ طلق نساءه، فجاء إلى المسجد فوجد الناس مجتمعين حول المنبر ويسألهم قالوا: نعم طلق النبي ﵊ نساءه، النبي ﵊ آلاء من نسائه شهراً واعتزل في المشربة، وصاحب ذلك شيء من احتجابه ﵊، وعدم استقباله للناس، فتوقع شخص أن النبي ﵊ طلق نساءه فأشاعه، والأرضية موجودة لقبول الخبر كما يفعل الآن عن ترويج بعض الأخبار، يوطن الناس، وتوجد الإرهاصات ثم يذكر هذا الخبر، فتجد الناس يقبلونه، يمكن شخص من المنافقين أشاع والإشاعات النفوس عموماً جبلت عليها، لكن على الإنسان أن يلتزم بآداب الشرع وتعاليم الشرع، لا يقبل مثل هذه الإشاعات، ولهذا يقول الحافظ في شرح الحديث: الإشاعات ولو كثر ناقلوها فإنها لا تفيد العلم، ما لم تستند إلى الحس، وبعض الناس يكون فيه شيء من التغفيل بحيث يوطن لقبول خبر يلقى إليه مرة مرتين على وجوه وعلى صيغ من قبل شخص ويدفع إليه آخر ثم كذا فيصير يفيد العلم عنده، وهو في الأصل لا أصل له.
стр. 60
فالإشاعات لم تستند إلى حس، يعني ما نطق بها صاحب الشأن، ولذا لما استأذن عمر على النبي ﵊ مرة مرتين ثلاثة ثم أذن له ودخل سأله سأل النبي ﵊: أطلقتك نساءك؟ قال: لا، والناس كلهم يتحدثون بالمدينة أن النبي ﵊ طلق نساءه، فمثل هذه الإشاعات لا تفيد علماً ولو كثر ناقلوها، ولو تناقلتها وكالات الأنباء، وبثتها الصحف والقنوات وتحدث بها الناس كلهم، فالأمة متبوعة لا تابعة، عندنا أصول نعتمد عليها، عندنا قواعد وضوابط نمحص بها الأخبار.
وعلم مصطلح الحديث كفيل بضبط أمور الناس في هذا الباب لو طبق كما هو، قواعد لقبول الأخبار، قواعد لقبول نقلة الأخبار، قواعد لقبول من ينقد النقلة، والآن تجد الإشاعات على أشدها، وتمشي على كثيرٍ من الناس، وتجد ناس يعدلون ويجرحون وليسوا بأهل، وتجد آحاد طلاب من ينتسب إلى العلم يقعون في الكبار من متقدمين ومتأخرين ولا يردعهم رادع ولا ورع ولا شيء، ينصبون أنفسهم حكام على خلق الله ، فلا بد أن تتوافر هذه الشروط.
وعرفنا أنه لا بد أن يرويه جمع تحيل العادة تواطئهم على الكذب وأن يحصل ذلك منهم اتفاقاً عن مثلهم في جميع طبقات الإسناد وأسندوه إلى شيء محسوس، وزاد ابن حجر وأورده الناظم -رحمة الله عليه- أن يكون خبرهم مفيداً للعلم؛ لأنهم قد يأتون بكثرة لكن خبرهم ما يفيد العلم، كما ذكرنا عن الإشاعات، وأن يكون مفيداً للعلم، هنا يأتي الإشكال: إذا اشترطنا إفادة خبرهم العلم جاء الإشكال، جاء الدور الذي أشار إليه السائل، نحن لا نعرف أن هذا العدد اكتمل العدد المفيد للتواتر عدد العدد المطلوب المشترط للتواتر لا نعرف أنه بلغ الحد المطلوب إلا إذا أفاد خبرهم العلم، وخبرهم لا يفيد العلم حتى يكتمل العدد، ظاهر الدور وإلا ما هو بظاهر؟ نعيد؟ طيب يعاد:
стр. 61
هؤلاء الجمع الذين يروون هذا الخبر قلنا: إنه من غير حصر، يعني لو قلنا: سبعين مثلاً أو أربعين انتهى الإشكال، عندنا عدد مهما بلغ خمسين ستين سبعين خلاص قف هذا تواتر، أفاد علم وإلا ما أفاد علم هذا شيء آخر، ما فيه إشكال، لكن هم يقولون: جمع بلا حصر، لكن متى نعرف أنه اكتمل العدد الذي نريده للتواتر؟ إذا رأينا أنفسنا تلزمنا بتصديقه، إذا لزمنا تصديقه عرفنا أن العدد المطلوب اكتمل، ومتى يفيدنا خبرهم العلم؟ في بداية الأمر أو إذا اكتمل العدد؟ نعم يا الإخوان؟ إذا اكتمل العدد، يلزم الدور وإلا ما يلزم الدور؟ أنتم معنا وإلا ما انتم معنا يا الإخوان؟ نعم يعاد؟ يعاد.
هنا ما قال الشيخ: "وهو الذي جمعٌ رواه" طيب كم يا شيخ؟ عشرة؟ يقول: من غير حصر، هو وغيره يقولون: من غير حصر على الصحيح، من غير حصر، يعني الأربعة جمع، إذا قلنا: الثلاثة مشهور، قلنا: الأربعة جمع، الخمسة جمع، الستة جمع، إلى متى؟ يكفي أربعة خمسة ستة عشرة أو ما يكفي؟ يقولون: من غير حصر، تبقى المسألة عائمة بهذا الشكل أو لا بد من حد نقف عنده؟ إذا أفادنا العلم، إذا اكتمل العدد إذا عرفنا أنه جاءنا واحد اثنين ثلاثة نقول: خلاص بتعرف من نفسك، يعني لو واحد طرق عليك الباب قال: قدم فلان، ثم طرق ثاني قدم فلان، ثالث قدم فلان، رابع قدم فلان، عاشر قدم .. ، أنت الآن تجد نفسك ملزم بتصديق هذا الخبر؛ لأنه جاء من طرق متباينة، شخص جاءك من العلية، واحد من الشفة، واحد من النسيم، واحد من العريجة، جاءوك من كل الجهات، يعني لو جاؤوا من جهة واحدة قلت: هؤلاء متفقين على شيء، الآن هذا جمع من غير حصر، هذا الجمع من غير حصر متى عرفت أن العدد اكتمل المطلوب؟ لما وجدت نفسك ملزم بالتصديق، هذه إفادة العلم، لكن متى أفادك هذا الخبر العلم هل هو من مجرد طرق الشخص الأول؟ الثاني؟ الثالث؟ الرابع؟ إلى أن انتهوا؟ إلى أن وصل العدد الذي تريد أفادك العلم، والعدد ما حصل العدد المطلوب حتى أفادك العلم، إذاً يلزم عليه دور، إفادة العلم مبنية على اكتمال العدد، واكتمال العدد مبنيٌ على إفادة العلم، هذا هو الدور، اتضح وإلا ما اتضح؟
стр. 62
الدور يا الإخوان ممنوع، ممنوع الدور، ما هم بيقولون في مسائل الغرقى والهدمى ويرث كل واحد من الآخر عشرة متوارثون كل واحد يرث من الثاني ماتوا جميعاً حادث ما تدري أيهم الأول؟ أو غرقوا في سفينة جميعاً، أو أنهدم عليهم بيت جميعاً ما تدري أيهم الأول من الثاني؟ لأن معروف أن الذي يموت الأول يورث والثاني وارث، لكن ما تدري، يرث كل واحد من الآخر من تلاد ماله لا مما ورثه منه منعاً للدور، لأنك تبي تبلش؛ لأنك تبي تورث هذا من هذا، ثم تورث هذا مما ورثه من هذا، وهذا مما ورثه من هذا. . . . . . . . . ما تنتهي المسألة.
نأتي إلى مسألتنا، وفي فهمها عسر، وفي الإجابة عنها عسرٌ أشد، ويقررون هذا الكلام ويقولون: ولا دور، إيش ولا دور؟ نقول: فيه دور، كيف ندفع هذا الدور؟ أنت الآن لو قلت لواحد: أنا عطشان، طرقت باب شخص وقلت: عطشان، ثم جاء لك بصطلٍ كبير قال: اشرب، إيش تسوي بهذا الماء كثير؟ قال: أنت جربت؟ أنت بطنك ظرف لا تدري أن هذا يرويك حتى يمتلئ، وأنت ما بعد مليته، الآن متى تعرف أن هذا الكوب يكفيك؟ أنت احتمال بطنك يأخذ خمسة أكواب، وأنت إذا عطشت يكفيك كوب، متى عرفت؟ من خلال التجربة شيئاً فشيئاً، أقول: مثل هذه الأمور، مثل أعداد المتواتر مثل نمو الطفل يبلغ شيئاً فشيئاً فشيئاً إلى أن ينمو ويتم من غير أن تشعر، نمو النبات مثلاً، فأنت ما عرفت أن هذا الإناء يكفيك، وهذا الوعاء يشبعك حتى عرفت بالقاعدة المستمرة المستقرة.
في شرح السفارينية، وهذا من العلوم التي دخلت على علم السلف، السفارينية في العقيدة، في بيان عقيدة السلف، وإن كان دخلها لوثة لكنها خفيفة، حينما يقرر أن المتواتر يفيد العلم، يقول: والعلم يحصل عنده لا به، إيش معنى يحصل عنده لا به؟ الشبع يحصل عند الأكل لا به، الري يحصل عند الشرب لا به، الكلام هذا فيه محظور وإلا ما فيه محظور؟
طالب:. . . . . . . . .
من أي وجه؟
طالب:. . . . . . . . .
لا المسألة عقيدة ترى، مسألةٌ عقدية.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 63
نعم، هذا على مذهب الأشاعرة في نفي تأثير الأسباب، أن وجود الأسباب كعدمها لا قيمة لها، ولذلك لو تشرب بئر ما كان ريك به إنما كان ريك عنده، لو تأكل إناء كبير من الطعام وينتفخ بطنك كان شبعك عند الأكل لا به، الأكل سبب، الشرب سبب، والري والشبع حصل عنده لا به، هم يلغون الأسباب، ويجعلون وجودها مثل عدمها، يقابلهم المعتزلة، المعتزلة يرون أن للأسباب تأثيراً مستقلاً، مستقل تأثير الأسباب، وأهل السنة يقولون: إن الأسباب مؤثرة بلا شك، لكنها الله وهو المسبب هو الذي جعل لهذه الأسباب تأثيراً، ولذا قد يتخلف المسبب عند وجود السبب، قد يتخلف المسبب عند وجود السبب لوجود مانع مثلاً، لا سيما في الأسباب المعنوية والحسية أيضاً، قد تلبس في الشتاء مائة ثوب ويدخلك البرد، وقد تغتسل بالماء البارد بثيابك في الشتاء ولا يضرك، لكن لا نقول: إن هذا هو الأصل هو المطرد، نقول: لا هذا خلاف الأصل؛ لأن الله جعل لهذه الأسباب تأثيراً لا على جهة الاستقلال، والمسبب هو الله -جل وعلا-.
يعني الأشاعرة فيهم أصحاب عقول كبار كبار، يعني لو نظرت إلى عقل مثلاً الرازي أو الباقلاني أو غيره من الكبار لكن يقعون في مثل هذه الأشياء، يقول لك: ممكن أن تشوف وأنت كفيف، كفيف جالس في المسجد تشوف اللي يحدث بأمريكا، يعني عباراتهم من كتبهم يقولون: يجوز أن يرى أعمى الصين البقة في الأندلس، يقولون هذا الكلام؛ لأن البصر سبب، يعني في كتبهم هذا يقولون، يعني ما هو بمحض افتراء، أنا لو أقول هنا في الرياض: .... أمريكا قيل: هذا تنظير من عندك، في كتبهم يقولون: يجوز أن يرى أعمى الصين بقة الأندلس، البقة صغار البعوضة، لماذا؟ لأن البصر سبب والأسباب لا قيمة لها، يعني وجودها مثل عدمها.
ولذلك قال السفاريني: ويحصل العلم عنده لا به، وهذه لوثة من مذهب الأشعرية، وأنتم تعرفون أنه يقرر في بداية الكتاب السفاريني أن مذهب أهل السنة ثلاث فرق: الأثرية، وإمامهم أحمد بن حنبل، والأشعرية وإمامهم أبو الحسن، والماترودية وإمامهم أبو منصور.
стр. 64
المقصود أن هذه لوثة ولا يوافق على هذا لا يوافق على هذا، لكن الذي جرنا إلى الكلام عليه وجود هذه المسألة وتكلم عليها، فنقول: إفادة الخبر المتواتر العلم إنما جاءت بالتدريج كنمو الصبي ونمو النبات، وما أشبه ذلك.
عن مثلهم رووا بلا امتراءِ ... . . . . . . . . .
بلا مرية ولا شك.
. . . . . . . . . ... من ابتدا الإسناد لانتهاءِ
يعني من أول الإسناد إلى آخره ما يكون جمعٌ بالصفة المذكورة عن شخصٍ واحد أو اثنين أو ثلاثة لا يتصفون بالوصف المذكور عن غيرهم، لا، لا بد من ابتدا الإسناد لانتهاءِ.
واستند انتهاؤهم للحس لا ... محض اقتضاء العقل وانضاف إلى
ذلك أن يصحب ذاك الخبرا ... إفادة العلم اليقين لا مرا
هذا هو المتواتر.
فقد يجي في لفظه التواترُ ... وجاء في معناه وهو الأكثرُ
الناظم -رحمة الله عليه- في هذا البيت يبين أنهم قسموا المتواتر إلى قسمين، ما تواتر لفظه ومعناه، ومثل له أهل العلم بحديث: ((من كذب)) وما تواتر في معناه فقط بأن يرد نصوص كثيرة من جهات ومن طرق، وعن جمعٍ من الرواة من الصحابة فمن دونهم تقرر شيئاً واحداً بألفاظ مختلفة، وبمناسبات متعددة، كما جاء في الحوض مثلاً، ما جاء في الحوض، حديث الشفاعة متواتر، فضائل أبي بكر، فضائل عمر، فضائل علي ﵁، هناك تواتر قدر مشترك.
مثال حسي: جاء شخص وقال: أعطاني فلان شيك بمائة ألف، ثم جاء ثاني قال: والله أعطاني فلان سيارة جديدة، وجاء ثالث قال: والله أعطاني فلان قطعة أرض هو نفسه، وجاء رابع وقال: والله أعطاني فلان كذا، أعطاهم مبالغ يعني، يعني ألا تجزم النفوس بأن هذا الشخص متصف بصفة الكرم، يعني جاءت هذه الوقائع ما تقرر قضية واحدة، تقرر قضايا متعددة، لكنها بمجموعها مصبها واحدة، فهذا تواتر القدر المشترك، وهو التواتر المعنوي، هذا الذي يقرره أهل العلم في تقسيم المتواتر.
стр. 65
يضيف بعضهم في صاحب: (فيض الباري) محمد أنور الكشميري يضيف يقول: هناك تواتر العمل والتوارث، يعني لو أردت أن تبحث عن أسانيد لأمرٍ توارثه الناس، يعني أسانيد حديث الأذان مثلاً، أسانيد أعداد الصلوات، هي ثابتة الصلاة، والظهر أربع ركعات، والعصر أربع ركعات وكذا، لكن إذا نظرت إلى أسانيدها لا تصل إلى حد التواتر الموجب للعلم عند أهل العلم في الجملة، لكن الأمة تواترت على ذلك، يعني إضافة إلى ورودها بالأسانيد الصحيحة الملزمة الموجبة للعمل أيضاً تواتر الناس على قبولها والعمل بها، وهذا يسمونه تواتر العمل والتوارث.
أما القرآن فهو قد تواترا ... لفظاً ومعنىً كله لا يمترى
القرآن متواتر لفظاً ومعنى، القرآن متواتر لفظه ومعناه، لماذا؟ لأنه أولاً تكفل الله -جل وعلا- بحفظه، نعم في بداية الأمر لما كانت القراءات أو الأوجه السبعة الأحرف السبعة، يعني لا يجوز أن تقرأ بأقبل وهلمَّ وتعال وما أشبه ذلك، لكن لما أجمع الصحابة على ما بقي من القرآن بعد رفع القراءة بالأحرف السبعة واتفقوا على ما كتب بين الدفتين، لو زاد أحدٌ حرف في القرآن أو نقص حرف كفر؛ لأنه تواتر لفظه ومعناه، والقرآن مصون من الزيادة والنقصان، القرآن مصون من الزيادة ولا حرف واحد، ولا زيادة ولا حرف واحد، لا زيادة ولا نقص، فمن ادعى أنه زيد فيه أو نقص منه فهو كافر، ومن ادعى أنه يجوز أن يزاد فيه أو ينقص منه، لو قال قائل: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ فيقال لهم: ﴿أَكْفَرْتُم﴾ [(١٠٦) سورة آل عمران] ويش المانع أن نزيد: فيقال؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
المعنى يقتضي هذا، لكن هل نستطيع زيادتها؟ لا يمكن، من زادها يكفر، لو يقول قائل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [(١) سورة الإخلاص] ما الفائدة من ذكر الأمر قل؟ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [(١) سورة الناس] أنا أقول مباشرة، أنا أمتثل الأمر ليش أكرر الأمر؟ وقد نادى بعض المفتونين بحذف مثل هذا، وهذا كفر -نسأل الله العافية-؛ لأنه تواتر لفظه ومعناه، وأجمعت الأمة عليه.
стр. 66
فالقرآن كما ذكرنا مصون، ولا يستطيع أحد أن يلبس على أحد، ولا يمكن وهذا من حفظ الله لكتابه أن تروج نسخة زيد فيها حرف على المسلمين ولا على عوام المسلمين.
يحيى بن أكثم قاضي في عهد الرشيد، دعوا عنكم ما يذكر في كتب الأدب، لكنه قاضي وعالم من علماء المسلمين، دعا يهودياً إلى الإسلام فرفض رفض اليهودي، وبعد سنة سنة كاملة جاء اليهودي إلى يحيى بن أكثم وأعلن إسلامه، فسأله عن قصته وسبب إسلامه، قال: جئت إلى التوراة فنسخت منها ثلاث نسخ، كل نسخة تختلف عن الثانية، أزيد وأنقص وأقدم وأخر، وذهبت بها إلى اليهود إلى علمائهم فاشتروها راحت، جئت إلى الإنجيل فنسخت منه ثلاث نسخ كل نسخة تختلف عن الثانية، فذهبت بها إلى النصارى نفس الشيء، جئت إلى المصحف فكتبت ثلاث مصاحف وزدت ونقصت، وقدمت شيء لا يذكر أحرف فجئت به إلى سوق الوراقين من المسلمين أعرضه عليهم كل من فتح المصحف لفه في وجهي، يا خبيث هذا محرف، الثاني كذلك، الثالث كذلك، فعرفت أن هذا الدين حق، وأن دستوره مصون محفوظ، القصة عجيبة، حج يحيى بن أكثم فذكر القصة لسفيان بن عيينة قال: هذا منصوص عليه في القرآن، كيف؟! قال: الله يقول في الكتب السابقة: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُواْ﴾ [(٤٤) سورة المائدة] هم استحفظوا وكل الحفظ إليهم فما حفظوا، وقال في القرآن: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [(٩) سورة الحجر] تكفل الله بحفظه.
стр. 67
وبعض المفتونين بعد أن انفتحت أبواب الشرور على المسلمين في هذه القنوات، وصاروا يسمعون كلام الأعداء، والشبه تلقى على المسلمين على عوام المسلمين في بيوتهم يأتيك من يشكك في المصحف وكيفية جمعه، لماذا اتفقوا؟ لماذا حذفوا؟ وكيف فعلوا؟ والقراءات وما .. ، ويشككون في أسانيد وردت في كتاب المصاحف وغيره لابن أبي داود، ويأتون بأحاديث تدل على أن هناك ما نسخ، وأن هناك ما بقي حكمه ولا يوجد في المصحف، المقصود أن .. ، وقد توفي رسول الله ﷺ وهن مما يتلى من القرآن، إذاً تصرف الصحابة، نقول: لا ما تصرفوا، في حديث الرضاع: "عشر رضعات يحرمن" فنسخن بخمس، توفي رسول الله ﷺ وهن مما يتلى من القرآن، إذاً الصحابة تصرفوا وحذفوا، نعم يتلوهن من لم يبلغه النسخ، استمر يتلوها إلى أن عرف أنها منسوخة، منسوخٌ لفظها، لا يمنع أن الإنسان يخفى عليه الناسخ ويعمل بالمنسوخ لعدم علمه بالناسخ، فإذا علم بالناسخ لزمه العمل به وهكذا.
قرأت إلى أين؟ وين قريت؟
طالب: وصلنا إلى الآحاد، الثاني الآحاد.
قرأته؟
طالب:. . . . . . . . .
القراءة وين؟ وين وقفت عليه؟ يالله اقرأ، سم.
اختلقوا بالقاف.
وهو الذي جمعٌ رواه اتفقوا ... أحالت العادة أن يختلقوا
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [(٧) سورة ص] يعني كذب، أحالة العادة أن يكذبوا.
طالب:. . . . . . . . .
نقول: لا بد أن يكون مستند الخبر إلى الحس؛ لأن هنا مسألة لا بد أن يتنبه لها، وهو أنه قد يتلبس الشيطان ويتمثل لبعض الناس في المنام، ولا يمنع أن يتلبس لجمعٍ من الناس من بلدان كثيرة أنه سيحصل كذا، أو أن فلاناً هو كذا، ويتلبس للناس بالمغرب والمشرق والشمال والجنوب، ويأتيك ستين سبعين شخص أن فلاناً مثلاً هو المهدي، طيب ويش مستندك؟ مستندهم رؤى مثلاً، أقول: لا يمنع أن يتلبس الشيطان أو يتراءى لجمع من الناس في آنٍ واحد ويكون ..
طالب:. . . . . . . . .
стр. 68
لكن مستندهم في هذا الخبر على إيش؟ هل استندوا على حس؟ أو استندوا على رؤيا؟ الرؤيا لا يبنى عليه حكم من الأحكام، وهذا حكم من الأحكام، وشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يقرر أن بعض الشياطين تلبس بصورة الشيخ، ولبس على بعض المفتونين وقال: إن شيخ الإسلام يقول كذا، وكذبه شيخ الإسلام، يقول: هذا شيطان تصور بصورتي، فلا بد أن يكون مستند الخبر الحس هذا تنبيه خفيف، نعم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين برحمتك يا أرحم الراحمين، أما بعد:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
وَالثَّاني آحَادٌ فَمِنْهُ مَا اِشْتَهَر ... ْكَذَا عَزِيزٌ ثُمَّ فَرْدٌ قَدْ ظَهَرْ
فَإِنْ أَتَى مِنْ طُرُقٍ ثَلاَثٍ أَوْ ... مِنْ فَوْقِهَا فَذَاكَ مَشْهُورٌ رَأَوْا
وَحَيْثُ عَمَّتْ شُهْرَةٌ كُلَّ اَلسَّنَدِ ... فَالْمُسْتَفِيضُ عِنْدَهُمْ بِدُونِ رَدِّ
وَمَا عَنْ اِثْنَيْنِ رَوَاهُ اِثْنَانِ ... فَهُوَ اَلْعَزِيزُ فَافْهَمَنْ تِبْيَانِ
وَمَا بِهِ اَلْوَاحِدُ قدْ تَفرَّدَا ... فَالْفَرْدُ مُطْلَقًا وَنِسْبِيًّا غَدَا
فَالْمُطْلَقُ الْفَرْدُ بِهِ اَلصَّحَابِي ... عَنْ اَلنَّبِيْ عَنْ سَائِرِ اَلصِّْحَابِ
وَغَيْرُهُ اَلنِّسْبِيُّ مِنْ دُونِ خَفَا ... وَبِالْغَرِيبِ عِنْدَهُمْ قَدْ عُرِفَا
وَبِاعْتِبَارِ مَوْضِعِ اَلتَّفرُّدِ ... أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ فَرْدٍ فَاعْدُدِ
فَمِنْهُ فَرْدٌ مَتْنُهُ وَالسَّندُ ... وَمِنْهُ مَا فِي اَلسِّنْدِ اَلتَّفرُّدُ
وَفَرْدٌ بَعْضُ اَلْمَتْنِ أَوْ بَعْضُ السَّنَدْ ... وَلَمْ تَجِدْ غَرِيبَ مَتْنٍ لاَ سَنَدْ
وَقَيَّد اَلنِّسْبِيَّ أَيْضًا بِثِقَةْ ... كذَا برَاوٍ أَوْ بمِصْرٍ حَقَّقهُ
وَإِنْ تَجِدْ مُتَابِعاً أَوْ شَاهِدًا ... لِخَبَرِ اَلآحَادِ كَانَ عَاضِدًا
زَالَ بِهَا تَفَرُّدٌ عَنْ فَرْدِ ... وَاشْتُهِرَ اَلْعَزِيزُ دُونَ رَدِّ
وَازْدَادَ شُهْرَةً بِهَا اَلَّذِي اِشْتَهَرْ ... وَكَشْفُهُ بِالاِعْتِبَارِ قَدْ ظَهَرْ
فَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَا لِمَنْ سَبَرْ ... طُرْقَ اَلْحَدِيثِ ثُمَّ إِيَّاهُ اِعْتَبَرْ
стр. 69
مِنْ سُنَنٍ وَمِنْ جَوَامِعٍ وَمِنْ ... مَعَاجِمٍ وَمِنْ مَسَانِيدَ فَدِنْ
فَمَا عَلَى مَرْوِيِّهِ قَدْ تَابَعَهْ ... عَنْ ذَا اَلصَّحَابِيْ آخَرُ مُتَابَعَهْ
فَإِنْ تَكُنْ لِنَفْسِهِ (فَوَافِرَةْ) ... أَوْ شَيْخِهِ فَصَاعِدًا (فَقَاصِرَةْ)
وَمَا لَهُ يَشْهَدُ مَتْنٌ عَنْ سِوَى ... ذَاكَ اَلصَّحَابِيِّ (فَشَاهِدٌ) سَوَا
فِي اَللَّفْظِ وَالْمَعْنَى أَوْ اَلْمَعْنَى فَقَطْ ... لَكِنَّمَا مَرْتَبَةُ اَلثَّانِي أَحَطْ
وَهْوَ يُفِيدُ اَلْعِلْمَ أَعْنِي اَلنَّظَرِيْ ... عِنْدَ ثُبُوتِهِ فَبَعْدَ اَلنَّظَرِ
ثَلاثَةٌ أَحْكَامُ نَقْلٍ تُعْرَفُ ... قَبُولُهُ وَالرَّدُّ وَالتَّوَقُّفُ
فَالأَصْلُ فِي اَلْقَبُولِ صِدْقُ مَنْ نَقَلْ ... وَالْكِذْبُ أَصْلُ اَلرَّدِّ يَا مَنْ قَدْ عَقَلْ
وَلِلْتِبَاسِ اَلْحَالِ قِفْ فِيهِ إِلَى ... بَيَانِهِ إِنْ بِالْقَرَائِنِ اِنْجَلاَ
وَأَرْبَعٌ مَرَاتِبِ اَلْمَقْبُولِ ... بَيَّنَهَا أَئِمَّةُ اَلنُّقُولِ
صَحِيحُهُمْ لِذَاتِهِ أَوْ غَيْرِهِ ... وَمِثْلُ ذَيْنٍ حَسَنٌ فَلْتَدْرِهِ
وَكُلُّهَا فِي عَمَلٍ بِهِ اِشْتَرَكْ ... وَبَيْنَهَا تَفَاوُتٌ بِدُونِ شَكْ
يكفي يكفي حسبك.
لما انتهى المؤلف -رحمة الله تعالى عليه- من المتواتر أردف الكلام السابق بالكلام على قسيمه وهو الآحاد؛ لأن الخبر من حيث الطرق إما أن يرد بلا حصر أو مع حصر، فبلا حصر هو المتواتر، ومع الحصر هو الآحاد، وهذا الحصر إما أن يكون بواحد أو باثنين أو ثلاثة فأكثر، فالأول الغريب، والثاني العزيز، والثالث المشهور، والكلام عليها يأتي، ولذا يقول -رحمه الله تعالى-:
стр. 70
"والثاني آحاد" والآحاد: جمع أحد، الآحاد جمع أحد، وإن قال ثعلب وهو من أئمة اللغة الثقات حاشا أن يكون للأحد جمع، هو نظر إلى هذا اللفظ باعتباره من أسماء الله -جل وعلا-، وأسماء الله -جل وعلا- لا تجمع؛ لأنه واحد، وهو الأحد الفرد، يقول: حاشا أن يكون للأحد جمع، لكنه خفي عليه أن لفظ الأحد من المشترك مما يجوز إطلاقه على غير الله -جل وعلا-، فإذا قيل لك: كم في الشهر من أحد؟ أليس عندنا اليوم الذي يلي السبت يوم الأحد؟ كم في الشهر من أحد؟ كم؟ أربعة إيش؟ آحاد، إذاً جمع الأحد: آحاد.
أقول: خفي على هذا الإمام وهو إمامٌ كبير ما هو بشخصٍ عادي يمكن أن يتطاول عليه، لكنه خفي عليه أن هذا اللفظ وهذا الاسم وهو من أسماء الله -جل وعلا- أنه من الأسماء المشتركة التي تطلق على الله وعلى غيره، والتمثيل باليوم ظاهر.
الآحاد: جمع أحد، والأحد هو الواحد، خبر الآحاد وخبر الواحد لا يختلف، يطلق خبر الآحاد ويراد به الخبر الذي لم تتوافر فيه شروط المتواتر، وإن رواه واحد أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة ما لم يبلغ حد التواتر، فما لم يبلغ حد التواتر فهو آحاد وهو خبر الواحد، وهذا مجرد اصطلاح، وإلا فالأصل أن خبر الواحد ما يرويه الشخص الواحد، لكن هم في باب المقابلة إذا قابلوا الآحاد بالمتواتر فيكون الآحاد ما عدا المتواتر، وما عدا المتواتر كل ما يروى من طريقٍ لا يبلغ به أو لا يصل إلى حد التواتر مما لا يفيد العلم على ما سيأتي تقريره مما يرويه الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة إلى آخره.
والثاني آحادٌ فمنه ما اشتهر ... . . . . . . . . .
ما اشتهر هذا هو القسم الأول من أقسام الآحاد (المشهور).
"كذا عزيزٌ" هذا الثاني، "ثم فردٌ" هذا الثالث، "قد ظهر" وعرفنا أن القسمة التي صدرنا بها الكلام، أن الخبر إما أن يروى من طرق أو لا، فإن كان من طرق فإما أن لا تكون هذه الطرق محصورة وهو المتواتر، أو تكون مع الحصر فإن كانت بثلاثة فأكثر فهو المشهور، وإن كانت باثنين فهو العزيز، وإن لم ترد من طرق متعددة فهو الغريب.
فإن أتى من طرق ثلاث أو ... من فوقها فذلك مشهورٌ رأوا
стр. 71
طرق ثلاث أو ثلاثة؟ الطريق مذكر وإلا مؤنث؟ طريق سلكتها أو سلكته؟ أو نقول: هذا الحديث جاء من طريقٍ أخرى أو طريق آخر؟ طريقٍ أخرى أو طريق آخر؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟ كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
يذكر ويؤنث، تجدون في كتب التخريج: جاء من طريقٍ أخرى، يعني هذا غالب كلامهم، ما يقولون: طريق آخر، المقصود أنه يذكر ويؤنث، والدليل على تذكيره .. الاستعمال على التأنيث كثير؛ لأنه خلاف أصل اللفظ، والناس يحبون أن يعتمد ما هو خلاف الأصل، يعني لفظه مذكر، لكن يجوز تذكيره وتأنيثه ﴿طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ﴾ إيش؟ ﴿يَبَسًا﴾ [(٧٧) سورة طه] ما قال: يابسة، وعلى كل حال هو مما يجوز تذكيره وتأنيثه، فمن قال: طريق آخر أو طريق أخرى لا إشكال في ذلك.
(فإن أتى من طرق ثلاث) ما قال: ثلاثةٍ لأنه يجوز (أو ... من فوقها فذاك مشهورٌ رأوا) وعلى هذا فالمشهور ما رواه ثلاثة فأكثر مما لم يصل إلى حد التواتر، ما رواه ثلاثة فأكثر عن ثلاثة فأكثر عن ثلاثة فأكثر .. إلى آخره، يرويه ثلاثة مثلاً عن خمسة عن أربعة عن سبعة نقول: إيش؟ مشهور.
وحيث عمت شهرة كل السند ... فالمستفيض عندهم بدون رد
المستفيض: هو المشهور، المستفيض هو المشهور عند قومٍ، وبعضهم يجعل المستفيض أحد قسمي المتواتر وهذا قول عند الحنفية، فالمستفيض عندهم من قسيم المتواتر، قسم للمتواتر وليس قسيم له، قسم من المتواتر أحد قسمي المتواتر، ومنهم من يقول: المستفيض هو المشهور الذي تتساوى فيه الأعداد، بأن يرويه ثلاثة عن ثلاثة عن ثلاثة عن ثلاثة، أربعة عن أربعة عن أربعة إلى آخره هذا مستفيض، والمشهور: ما يرويه أعدادٌ متفاوتون على أن لا ينقص العدد عن ثلاثة في أي طبقة من طبقات السند، والمعروف عند أهل العلم أن المستفيض والمشهور بمعنىً واحد، والشهرة: من الانتشار والوضوح، ولا شك أن الخبر إذا جاء من طرق انتشر وضح أمره، ومنه قيل للشهر: الشهر، سمي شهراً لوضوحه، هذا هو المشهور، وهذا هو المشهور الاصطلاحي، وهناك مشهور لغوي وليس اصطلاحي، مشهور على الألسنة فقط، يعني الحديث الذي يروى من ثلاثة طرق فأكثر على رأي ابن حجر ثلاثة فأكثر، والناظم على هذا.
стр. 72
ابن الصلاح يرى أنه ما يرويه أكثر من ثلاثة هو المشهور، وأما ثلاثة واثنين هذا عزيز، داخل في حيز العزيز، يقول صاحب البيقونية:
عزيزُ مروي اثنين أو ثلاثة ... مشهور مروي فوق ما ثلاثة
لكن المعتمد هنا عند الناظم وهو الذي يراه ابن حجر أن مروي الثلاثة مشهور، هذا الذي يرويه ثلاثة مشهور اصطلاحي، هناك مشهور لغوي ليس باصطلاحي، يعني منتشر بين الناس، اشتهر على الألسنة ولو لم يكن له إلا طريق واحد أو اثنين أو لا أصل له، لا سند له، تداوله الناس ولاكته الألسنة على أنه مما يروى عن النبي ﵊ هذا مشهور، لكنه مشهور لغوي، وألفت فيه المؤلفات، ومن المشهور اللغوي هذا على الألسنة ما لا أصل له، ما ليس بحديث أصلاً، لكن الناس يتداولونه على أنه حديث، "النظافة من الإيمان"، "المعدة بيت الداء" وغير ذلك أحاديث كثيرة يلوكها الناس ويبثونها فيما بينهم على أنها أحاديث، هذه ليست بأحاديث، ألفت في هذا الكتب؛ لكي يتوقى الناس من الوقوع في مثل هذه الأحاديث، (المقاصد الحسنة)، (الدرر المنتثرة)، (كشف الخفا ومزيل الإلباس) المقصود أن هناك كتب تبين هذه الأحاديث التي اشتهرت على ألسنة الناس، واشتهر على ألسنة الناس أحاديث صحيحة، لا يعني هذا أن كل ما اشتهر على ألسنة الناس ليس بصحيح، اشتهر على ألسنة الناس أحاديث صحيحة، واشتهر وكثر على ألسنتهم أحاديث ليست بصحيحة، فهذا يسمونه مشهور، وهو في الحقيقة قد لا يكون حديثاً أصلاً، وهو مشهور غير اصطلاحي.
وما عن اثنين رواه اثنانِ ... فهو العزيز فافهمن تبيانِ
العزيز: ما رواه اثنان عن اثنين عن اثنين إلى آخره، يعني على أن لا يقل الرواة عن اثنين، يعني يرويه ثلاثة عن أربعة عن اثنين عن خمسة عن سبعة نسميه إيش؟ عزيز، لماذا لا نقول: مشهور اعتباراً بالأكثر؟ نقول: لا، عزيز لماذا؟ لأن العدد الأقل يقضي على الأكثر، هذه قاعدة عندهم، العدد الأقل يقضي على الأكثر، لو رواه مائة عن واحد ثم عن مائة، ثم عن عشرة كذا، نقول: غريب، ولذا كما سيأتي في حديث: (الأعمال بالنيات) يرويه عن يحيى بن سعيد على ما قيل: سبعمائة، ومع ذلك غريب فرد مطلق؛ لأن العدد الأقل يقضي على الأكثر، فالعبرة بالأقل.
стр. 73
فالعزيز: إما من العزة وهي الندرة، أو من كونه عزّ بمجيئه من طريقٍ آخر وقوي، إما لقلته وندرته أو لقوته، لا شك أن العزيز أقوى من الفرد، أقوى من الغريب، فقد قوي بمجيئه من طريقٍ آخر، واصطلاحاً: ما ذكره الشيخ.
وما عن اثنين رواه اثنانِ ... فهو العزيز فافهمن تبيانِ
يعني: ما يرويه ولو في بعض طبقات السند اثنان فهو عزيز، ولا يشترط لصحة الخبر أن يكون عزيزاً، لا يشترط لصحة الحديث أن يكون عزيزاً، ولذا يقول ناظم النخبة لما عرف العزيز قال:
وليس شرطاً للصحيح فاعلمِ ... وقد رُمي من قال بالتوهمِ
وقال في بعض النسخ:
وليس شرطاً للصحيح فاعلمِ ... وقيل: شرطٌ وهو قول الحاكمِ
من أهل العلم من يرى أنه لا بد أن يصل إلى درجة العزيز وإلا فلا يصح، شرطٌ للصحة مطلقاً أو شرطٌ للبخاري في صحيحه، والواقع أنه ليس بشرطٍ لا للصحة مطلقاً ولا للبخاري في صحيحه، وإن كان شرط البخاري قوياً، لكنه لا يشترط التعدد، الذين يشترطون العدد في الرواية وأنه لا يقبل خبر الواحد المعتزلة، لكن المعتمد عند أهل السنة أن خبر الفرد خبر الواحد يصح ولو لم يأتِ إلا من طريقٍ واحد.
يفهم من كلام الحاكم أبي عبد الله أنه لا يصح الخبر حتى يروى من أكثر من طريق، وهذا مجرد فهم من كلامه في المعرفة، وصرح الكرماني الشارح بأن هذا شرطٌ للبخاري في صحيحه، أنه لا يخرج الحديث إلا إذا روي من طريق اثنين عن اثنين إلى آخره، لا يتفرد به شخصٌ واحد، وهذا كما قال أهل العلم: جهلٌ بالكتاب الذي يشرحه، أول حديث في الصحيح فرد، وآخر حديث في الصحيح فرد فكيف نقول: شرط البخاري أن لا يروي إلا ما ثبت عن اثنين عن اثنين إلى آخره، أول حديث في الصحيح وآخر حديث يرد هذه الدعوى، حتى قالوا: إن هذا جهلٌ بالكتاب الذي يشرحه.
ابن العربي في (عارضة الأحوذي) يقول: حديث: ((هو الطهور ماؤه)) حديثٌ صحيح ولم يخرجه البخاري لأنه ليس على شرطه لتفرد راويه به، طيب البخاري خرج حديث: (الأعمال بالنيات) البخاري خرج حديث أبي هريرة: ((كلمتان خفيفتان على اللسان)) .. إلى آخره حديث فرد، فرد مطلق، البيهقي أيضاً يفيد بعض كلامه أنه يشترط لصحة الخبر أن يروى من أكثر من طريق.
стр. 74
وما به الواحد قد تفردا ... فالفرد مطلقاً ونسبياً غدا
الكلام على الغريب والفرد وأقسامه يطول لعلنا نؤجله غداً -إن شاء الله تعالى-.
يقول: هناك مواقع في الإنترنت خاصة في تحريف المصحف الشريف، وإلقاء الشبه، وثبت أنها مواقع من صنع اليهود، فهل يوجب هذا التحذير من الخوض في مواقع الإنترنت بدون توجيه ومراقبة ممن لهم علمٌ بذلك، والاقتصار على المواقع الإسلامية الواضحة المعروفة، وخاصةً مواقع الكبار من أهل العلم؟
أقول: هذه المواقع أنواع، تتنوع أنواعاً، منها: ما هو ضررٌ محض، وشرٌ خالص، فهذه لا يجوز النظر فيها بحال إلا لمن يقدر على التغيير فمثل هذا من أجل التغيير والتأكد من حصول هذه المنكرات التي يجب تغييرها، هناك مواقع فيها شيء من النفع وضررها غالب وحكمها أيضاً التحريم؛ لأنه إذا زادت المفسدة على المصلحة فالمنع عند أهل العلم قاطبة، ومنها: ما هو سجال فيه وفيه، فإن أمكن التمييز بين خيره وشره، نفعه وضرره، وأمكن الانتفاع، ودون ذلك خرط القتاد؛ لأن مثل هذه الأمور تجر الإنسان ولو كان في نيته وقصده طلب الخير، فمثل هذا لماذا يعرض الإنسان نفسه للتأثر بمثل هذه الشرور وليست لديه القدرة على التغيير؟ ومن الذي يأمن على نفسه أن يتأثر؟ ويوجد الآن كبار سن في السبعينات كانوا عمار المساجد والآن لا يشهدون صلاة الفجر مع الجماعة تأثروا بهذه الآلات، ومن قناة إلى أخرى، ومن شبكة إلى أخرى، وموقع إلى آخر، ثم ماذا؟
الذي لا يميز بين الحق والباطل لا يجوز له النظر بحال، والذي يميز إن كان بنية التغير ولديه القدرة على ذلك أو بنية الرد كما في السؤال فهو مأجور -إن شاء الله تعالى-، ولذا نقل الإجماع على تحريم النقل من التوراة والإنجيل، وللسخاوي كتاب اسمه: (الأصل الأصيل في ذكر الإجماع على تحريم النقل من التوراة والإنجيل) وقصة عمر ظاهرة في الموضوع في تحريمه، ونرى بعض أهل العلم ينقلون من بعض الكتب المتقدمة، هل ينقلون هذا الكلام ليعتمدوا عليه أو ليردوا به على من يرى تقديس هذه الكتب؟ أو ليمثلوا به على شناعة تحريف هذه الكتب؟ شيخ الإسلام رد على النصارى ونظر في كتبهم، ورد على الطوائف والفرق ونظر في كتبهم.
стр. 75
وقل مثل هذا في حكم شراء هذه الكتب واقتناء هذه الآلات، الذي يستطيع أن يرد وينكر المنكر هذا يجوز له أن يشتري هذه الكتب بهذه النية، والذي لا يستطيع أن يرد ويخشى عليه من الانحراف بسببها لا يجوز له بحال أن يشتري هذه الكتب أو هذه الآلات، كما أنه لا يجوز بيعها عليه إذا شك في أمره.
هذا يقول: لو أعطيتنا حديث واحد عن المتواتر ومثلت لنا به رواه فلان عن فلان عن فلان؟
ما ينفع هذا في المتواتر، ما ينفع هذا في المتواتر؛ لأن المتواتر يشترط له الكثرة، فيكفينا أن نمثل بحديث: ((من كذب)) وأنه رواه أكثر من سبعين صحابياً، ورواه عن كل صحابي جماعة.
أحاديث الحوض رويت من أكثر من أربعين طريق، هذا المتواتر، لكن الغريب الفرد سهل التمثيل له، التمثيل للغريب سهل، العزيز سهل، المشهور سهل، لكن المتواتر قلنا: بلا حصر كيف تمثل؟ على كل حال:
مما تواتر حديث: ((من كذب)) ... ومن بنا لله بيتاً واحتسب
والمؤلفات في الأحاديث المتواترة متوافرة وموجودة.
هذا يرجو توضيح الأحرف السبعة في القرآن؟
الخلاف فيها طويلٌ جداً بينه أهل العلم، وأفاض الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في مقدمة تفسيره فليرجع إليه.
وهذا يرجو أن توضح عن غرابة المتن من أوله أو من آخره؟
يأتي الغريب -إن شاء الله-.
يقول: هل بلاغات الزهري صحيحة أم ضعيفة؟
البلاغات لا بد لها من مبلغ وهو الواسطة بين من يذكر هذا البلاغ وبين من يرويه عنه، إذا قال: بلغني عن فلان لا بد أن يكون هناك مبلغ واسطة ...
следующие страницы →