Полный текст (422 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
حَتَّى يُؤَدِّيْ مِنْهُ أَيَّ وَقْتِ ... وَسمِّ مَا يَجْمَعُهُ بِالثَّبْتِ
وَالاِتِّصَالُ كَوْنُ كلٍ سَمِعَا ... عَنْ شَيْخِهِ مِنْ اَلرُّوَاةِ وَوَعَى
وَمَا لشَّاذِّ مِنَ اَلتَّعْرِيفِ ... وَلِلْمُعلِّ يَأْتِ فِي تَعْرِيفِي
وَقَدْ تَفَاوَتْ رُتَبُ اَلصَّحِيحِ ... بِحَسَبِ اَلْمُوجِبِ لِلتَّصْحِيحِ
مِنْ أَجْلِ ذَا قَالُوا أَصَحُّ سَنَدِ ... أَصَحُّ سُنَّةٍ لأَهْلِ اَلْبَلَدِ
وَمَا رَوَى اَلشَّيْخَانِ فِيهِ قَدَّمُوا ... ثُمَّ اَلْبُخَارِيُّ يَلِيهِ مُسْلِمُ
فَمَا عَلَى شَرْطِهِمَا فَمَا عَلَى ... شَرْطِ اَلْبُخَارِيْ، شَرْطُ مُسْلِمٍ تَلاَ
يَعْنُونَ أَنْ يُنْقَلَ عَنْ رِجَالِ ... قَدْ نُقِلاَ لَهُمْ مَعَ اِتِّصَالِ
وَمَا يُمَاثِلْهُ وَكَانَ اَلضَّبْطُ خَفْ ... فَحَسَنٌ لِذَاتِهِ فَإِنْ يُحَفْ
يكفي يكفي.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المؤلف -رحمه الله تعالى- ذكر أن الخبر منه المقبول، ومنه المردود، ومنه ما يتوقف فيه، فالمقبول أربع مراتب كما قال الناظم -رحمه الله تعالى-، وبينها أئمة النقول، وعرفنا المراد بالأربع: الصحيح لذاته، والصحيح لغيره، والحسن لذته، والحسن لغيره.
وأما المردود فهو الضعيف وأقسامه كثيرةٌ جداً، تذكر في موضعها -إن شاء الله تعالى-، بدأ بالأول القسم الأول أو المرتبة الأولى وهو الصحيح لذاته:
صحيحهم لذاته أو غيره ... . . . . . . . . .
هذا الثاني.
. . . . . . . . . ... ومثل ذين حسنٌ فلتدره
حسنٌ لذاته وحسنٌ لغيره.
وكلها في عملٍ به اشترك ... وبينها تفاوتٌ بدون شك
стр. 107
كلها الأقسام الأربعة تشترك في وجوب العمل، الأقسام الأربعة تشترك في وجوب العمل، فيجب العمل بالحديث الصحيح لذاته، ويجب العمل في الصحيح لغيره، كما أنه يجب العمل في الحسن بقسميه في جميع أبواب الدين، فالدين والشرع متساوي الأقدام، عقائده وعباداته ومعاملاته، وكل ما يضاف إليه، كل ما يضاف إلى الدين من أبوابه متساوي الأقدام، خلافاً لمن يفرق بين العقائد والأحكام من جهة، وبين الأحكام والفضائل من جهة أخرى، فلا يقبلون في العقائد إلا ما يوجب العلم، ولا يقبلون في الأحكام إلا ما صح أو حسن على الأقل، ويقبلون في الفضائل وشبهها من التفسير والمغازي يقبلون في ذلك الضعيف على ما سيأتي، المقصود أن جميع ما يمكن أن ينسب إلى الدين من جميع أبوابه لا بد أن يكون مقبولاً، والقبول يشمل المراتب الأربعة والأقسام الأربعة، والحديث إذا صح أو حسن غلب على الظن ثبوته، والعمل بغلبة الظن واجب.
وكلها في عملٍ به اشترك ... وبينها تفاوتٌ بدون شك
لا شك أن الصحيح لذاته أقوى من الصحيح لغيره؛ لأن الصحيح لغيره عبارة عن حسن تعددت طرقه والصحيح لغيره أفضل من الحسن لذاته؛ لأن الصحيح لغيره عبارةٌ عنه وزيادة، يعني حسن لذاته وزيادة، والحسن لذاته أقوى من الحسن لغيره؛ لأنه ضعيف في الأصل تعددت طرقه، ولذا يخالف بعض أهل العلم في الاحتجاج بالحسن، يخالف بعضهم في الاحتجاج بالحسن بقسميه، إلا أنه قصر عن رتبة الصحيح، وبعضهم يخالف في الحسن لغيره على وجه الخصوص، وممن يخالف في قبول الحسن أبو حاتم الرازي وأبو زرعة وأبو الحسن بن القطان وبعض أهل العلم، لكن الجمهور على أن الحسن كالصحيح، بل من أهل العلم من لا يفرق بين الحسن والصحيح.
وهو بأقسام الصحيح ملحقُ ... حجية وإن يكن لا يلحقُ
في الاحتجاج هو ملحق بأقسام الصحيح، وإن كان لا يحلق به من حيث الرتبة، بمعنى أنه لو تعارض حديث صحيح مع حديث حسن قدمنا الصحيح بلا شك، فهو في المرتبة دونه، ثم عرف الصحيح لذاته بقوله:
فما روى العدل عن العدولِ ... وتم ضبط الكل للمنقولِ
متصلاً ولم يشذ أو يعل ... فهو لذاته صحيحٌ قد حصل
هذا تعريف الصحيح لذاته.
فما روى العدل عن العدولِ ... وتم ضبط. . . . . . . . .
стр. 108
العدل من له ملكة، يقول أهل العلم: العدل من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، والملكة هي الهيئة والصفة الراسخة، هذه الهيئة وهذه الصفة وهذه الملكة تحمل هذا الراوي على ملازمة التقوى وهي: فعل الواجبات واجتناب المحرمات، والمروءة وهي: آداب نفسانية تحمل على مجانبة ما يخل بها، ومردها إلى العرف، مرد المروءة إلى العرف، فقد يعد في بلد هذا العمل خرم للمروءة، وفي بلدٍ آخر لا يعد خرم للمروءة، لو خرج شخصٌ حاسراً عن رأسه في بلد انتقد، بينما يحسر عن رأسه في بلدٍ آخر ولا ينتقد، لو أكل في السوق ينتقد في بلد ولا ينتقد في بلد، فالبلد الذي ينتقد فيه يعد قد خرم المروءة، والذي يستخف بمشاعر الناس عند أهل العلم تسقط عدالته.
فما روى العدل عن العدولِ ... . . . . . . . . .
العدل عن العدول، والنظر في الجمع إلى المجموع مجموع الرواة، لا أنه يشترط أن يكون من رواية عدل عن جماعة عدول لا، يكفي في ذلك رواية العدل عن عدلٍ آخر ولو تفرد به.
فما روى العدل عن العدولِ ... وتم ضبط الكل للمنقولِ
لا بد من تمام الضبط ليكون الحديث صحيحاً لذاته، ولذا يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
وأهل هذا الشأن قسموا السنن ... إلى صحيحٍ وضعيفٍ وحسن
فالأول المتصل الإسنادِ ... بنقلِ عدلٍ ضابط الفؤادِ
عن مثله من غير ما شذوذِ ... وعلة قادحة فتوذِ
"وتم ضبط" الضبط: هو الحفظ، الضبط هو الحفظ، وسيأتي تعريفه عند المؤلف -رحمه الله تعالى-.
"وتم ضبط الكل" يعني جميع الرواة الذين تتابعوا في رواية هذا الخبر على اتصاف هذا الوصف، "متصلاً" لا بد أن يكون الإسناد متصلاً، بمعنى أنه يكون كل راوٍ من رواته قد تلقاه ممن فوقه بطريقٍ معتبر من طرق التحمل، هذا الاتصال على ما سيأتي في كلام الناظم -رحمه الله تعالى-.
"ولم يشذ أو يعل" هذا بالنسبة للإسناد يشترط فيه عدالة الرواة، تمام الضبط، الاتصال، والعدالة قيد يخرج رواية الفاسق سواءً كان فسقه بارتكاب عمل أو اعتقاد، أو ترك ما أوجب الله ، إما بفعل عملٍ محرم، أو اعتقادٍ فاسد، أو بترك واجب، هذا مقتضى العدالة.
стр. 109
الضبط قيد يخرج به من خف ضبطه وإن وجد فيه مسمى الضبط؛ لأنه شرط الحسن على ما سيأتي، ويخرج فيه من ضعف ضبطه فيخرج به راوي الصحيح كما يخرج به من باب أولى من فقد منه هذا الوصف.
والاتصال اتصال السند يخرج به الانقطاع، قيد يخرج الانقطاع في السند، سواءً كان الانقطاع ظاهراً أو خفياً، ظاهر يدركه أوساط المتعلمين، ويعرف بالتاريخ، بالمواليد والوفيات، فيشمل الانقطاع والإرسال والإعضال والتعليق، لو كان الانقطاع خفياً بأن لا يدرك من أول وهلة، بل لا يدركه إلا من له عناية بهذا الشأن، ويشمل التدليس والإرسال الخفي.
"ولم يشذ" يعني لم يشتمل على المخالفة، مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، اشترطوا انتفاء الشذوذ، فلماذا لم يشترطوا انتفاء النكارة؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لأن راوي المنكر ضعيف، المسألة مفترضة في راوي صحيح وهو عدل، هذا على ما سيأتي في تعريف المنكر، وأنه رواية الضعيف مع مخالفته للثقات، وفيها أقوالٌ أخرى تأتي في وقتها -إن شاء الله تعالى-.
"ولم يشذ أو يعل" يعني لم يشتمل المتن على علة قادحة، علة قادحة، هناك علل غير قادحة، وهناك علة قادحة، فمن أطلق أراد القادحة، ولذا قال الحافظ العراقي:
. . . . . . . . . ... وعلة قادحة فتوذِ
وليس كل ما يعلل به أهل الحديث المتن يقتضي الرد، كما أنه يوجد في كتب العلل، والأصل في العلة أن تكون سبب خفي غامض يقدح في صحة الخبر، يوجد في كتب العلل ما هو أسباب ظاهرة، وسيأتي هذا -إن شاء الله تعالى- في بحث المعل.
"فهو لذاته صحيح" يعني صحيح لذاته، يعني من غير نظرٍ إلى جابر وعاضدٍ يعضده، وإنما صحته لذاته لا لأمرٍ آخر كما في الصحيح لغيره، "قد حصل" يعني وجود هذا الوصف قد حصل لهذا الخبر الذي اشتمل على هذه الشروط الخمسة: عدالة الرواة، تمام الضبط، اتصال السند، انتفاء الشذوذ، انتفاء العلة.
"والعدل" تعريف العدل.
والعدل من يلزم تقى الخلاقِ ... مجتنباً مساوئ الأخلاقِ
من يلزم التقوى، والمروءة أيضاً؛ لأن مساوئ الأخلاق مخلة بالمروءة.
والعدل من يلزم تقى الخلاقِ ... مجتنباً مساوئ الأخلاقِ
стр. 110
وهذا تقدم بيانه في تعريف العدل، وأنه من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، وعرفنا المراد بالتقوى والمراد بالمروءة.
. . . . . . . . . ... مجتنباً مساوئ الأخلاقِ
والضبط ضبطان بصدرٍ وقلم ... فالأول الذي متى سمعه لم
"ينس"، الضبط ضبطان: ضبط صدر وضبط قلم، ضبط صدر وضبط كتاب، فالأول: ضبط الصدر هو الأصل، الأصل أن الحفظ حفظ الصدور، كما كان عليه الحال في عهد النبي ﵊ مع صحابته الكرام، يلقي إليهم وهم يسمعون ويحفظون ويبلغون، وظهور هذا النوع في الصدر الأول جلي لا خفاء فيه، لا سيما قبل الإذن بكتابة الحديث؛ لأنه جاء النهي عن كتابة الحديث في حديث أبي سعيد في صحيح مسلم: ((لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن، فمن كتب شيئاً غير القرآن فليمحه)) ليعتمد الناس على الحفظ، هذا شيءٌ مجرب، الذي يقيد ينسى يعتمد على هذه الكتابة، بل لا يقصد الحفظ.
كان الناس يحفظون الأرقام، مهما طالت، مهما كثرت، يحفظون النصوص، يحفظون القصائد الطويلة، ثم لما جاءت الكتابة اعتمد الناس عليها فضعفت الحافظة، فلجأ الناس إلى النوع الثاني، وهو ضبط الكتاب، ضبط القلم، وإن خالف بعض أهل التشديد فمنعوا الرواية من الكتاب، بعضهم يمنع الرواية من الكتاب، يقول: الأصل النبي ﵊ يلقي والصحابة يسمعون ويحفظون ويبلغون، والكتابة محدثة، إضافةً إلى أن الكتابة والكتاب وما يدون فيه عرضة لأن يهجم عليه أحدٌ ويحرفه، ولذا يشترطون فيمن يكتب أن يحفظ كتابه، وأن لا يعيره إلا إلى ثقة حافظاً.
ضابطاً إن حدث حفظاً يحوي ... كتابه إن كان منه يروي
لا بد أن يحفظ كتابه، ما يترك الكتاب عرضة للعبث والزيادة والنقصان ثم يروي منه لا، ولذا طعن في بعض ابتلي بمثل هؤلاء، إما ولد يتصرف، أو خادم، أو ربيب، أو ما أشبه ذلك، طعن فيهم.
ضابطاً إن حدث حفظاً يحوي ... كتابه إن كان منه يروي
يعني لا يعيره إلا إلى ثقة.
والضبط ضبطان بصدرٍ وقلم ... فالأول الذي متى سمعه لم
стр. 111
"ينسَ"، إذا سمع النص والمراد هنا الحديث أودعه في حفظه وضبطه، وأداه كما سمعه متى شاء، هذا الذي يقبل لهذا النوع من الحديث، أن يكون من الحزم والحفظ والضبط بحيث يتمكن من أداء ما حفظه متى شاء.
. . . . . . . . . ... فالأول الذي متى سمعه لم
ينس، فحينما يشا أداه ... . . . . . . . . .
متى ما أراد الأداء وتبليغ من بعده هذا الخبر يؤديه كما سمعه.
. . . . . . . . . ... مستحضر اللفظ الذي وعاه
مستحضر اللفظ، ولا شك أن هذا أولى إن أمكن، وإلا فجمهور أهل العلم يجيزون للعارف بما يحيل الألفاظ والمعاني، عارف بمدلولات الألفاظ وما يحيل المعاني أن يروي بالمعنى.
. . . . . . . . . ... مستحضر اللفظ الذي وعاه
"والثاني" يعني ضبط الكتاب من ضبطه ضبط كتاب.
والثاني من سفره قد جمعه ... . . . . . . . . .
في كتابه، في كتابه قد جمعه.
. . . . . . . . . ... وصانه لديه منذ سمعه
يصونه ويحافظ عليه من عبث العابثين، ومن تحريف المحرفين، ولا يعيره لأحد هذا الأصل إلا إلى ثقة، إن كان ولا بد فيعيره إلى ثقة.
والحرص على الكتب ينبغي أن يكون هم طالب العلم؛ لأنها عدته، هي عدة طالب العلم، طالب بدون كتاب كساعٍ إلى الهيجاء بغير سلاح، فعلى طالب العلم أن يعنى بكتبه لا سيما الكتب التي فيها أثره، إما أن يكون قد قرأ الكتاب ووثق نصوصه بالرجوع إلى الكتب وعلق عليه، أو حضر به دروس وعلق عليه وأفاد منه مثل هذا ينبغي أن يعتنى به، عندهم الكتاب شيء آخر، عندهم الكتاب هو الرواية، ولذا من تحترق كتبه خلاص ينتهي، يطعن في فلان احترقت كتبه، انتهى من الوجود؛ لأنه يعتمد عليه اعتماد كلي، ومروياته في هذا الكتاب، لكن هل يؤثر هذا بالنسبة لطالب علم موجود اليوم جمع ألوف الكتب ورصها في الدواليب احترقت كتبه ما الفرق؟ احترقت أو ما احترقت لا فرق؛ لأنه بإمكانه في أيام يجمع كتب غيرها، وعلاقته بكتبه مثل علاقته بكتب الآخرين، ليست له بها رواية، وليست له بها عناية.
مما طعن به ابن لهيعة أن مكتبته احترقت، قد يقول قائل: احترقت مكتبته -الحمد لله- المكتبات مفتوحة، هذا طعن؟ هذا بالنسبة لك، لكن بالنسبة لمن عمدته كتابه لا ما ينفع، وجوده وجود الكتاب، إذا كان ضبطه ضبط كتاب.
стр. 112
حصل من الطرائف في مناقشة طالب في مناقشة طالب، والطالب هذا لما أنهى رسالته احترقت مكتبته بالكامل بما فيها البحث، فأسس مكتبة من جديد وبحث من جديد، وفي رسالته الجديدة يقول: مما طعن به ابن لهيعة أن احترقت كتبه هذا طعن، قلنا: طيب أنت احترقت كتبك إذاً أنت ضعيف، لا بد من إضافة قيد احترقت كتبه وعمدته عليها، هذا معروف عند المتقدمين كتبه مروياته، أما عندنا كلها بدل ما في شيء اسمه: مرويات.
فيختلف الأمر في وقتنا عما كان في وقتهم، الآن التدرج التأريخي للكتب والمؤلفات في أول الأمر سمعنا حديث أبي سعيد النهي عن الكتابة ليعتمد الناس على الحافظة، ثم بعد ذلكم أذن بالكتابة وتداولها الناس من غير نكير، وأجمع عليها، واعتمد عليها كثيرٌ من الناس، فهبطت نسبة الحفظ، وضعفت الحوافظ، والضعف في ازدياد، أذن بالكتابة فصار كل واحد يكتب لنفسه، مروياته يدونها بنفسه، ثم أصيب الناس بالترف فوكلوا نسخ الكتب إلى غيرهم، ووجدت دولة الوراقين، وقامت سوقهم، لكن هناك معاناة معاناة، إما بإعارة أو بإجارة، ثم ينكب على الكتاب وينسخه ويفيد من كتابته أكثر من قراءته عشر مرات، استمر الحال بالنزول إلى أن جاءت المطابع، قد يقول قائل: الكتابة نعمة، نعم الكتابة نعمة، لكن أثر هذه النعمة على حفظ العلم ظاهر، هي نعمة حفظت الدين وإلا ما المتصور لو كانت السنة غير مدونة، والناس في وضعهم الحالي من ضعف وإدبار، استمر الأمر على ذلك إلى أن جاءت المطابع، فأوجس أهل العلم منها خيفة، كيف؟ المطابع يا أخي نعمة، ورقٍ جميل، وحرف جميل، وتيسر لك الكتاب، تفسير الطبري بدل ما تجلس عشر سنين تنسخه بيوم تشتريه، فتح الباري كذلك صار عندك نسخة من فتح الباري بدل ما تجعل تجلس سنين تنسخه.
أوجس أهل العلم خيفة نظير ما وجد في أول الأمر، يعني ألا تفرقون بين شخص ما في جيبه دليل للهاتف، إذا سمع رقم يهمه حفظه، استمر عنده، وشخص إذا سمع رقم كتبه خلاص هذا آخر علمه بهذا الرقم، ثم عاد جاءت الجوالات وتخزين الأرقام وكذا، لو يضيع لو تحترق الشريحة خلاص انتهى، ما عنده ولا رقم من جديد يبني، هذا الإشكال، هذا الاعتماد على هذه الآلات.
стр. 113
جاءت المطابع فأفتى علماء الأزهر بتحريم طبع الكتب الشرعية لما للطبع من أثر على التحصيل، وقد يكون منزعهم إضافة إلى ذلك أن هذه أمور محدثة والمسألة مسألة دين، يعني كما أفتى في أول الأمر جمعٌ من أهل العلم بتحريم المكبرات واستعمالها في العبادات، ومن أهل العلم من مات ولم يستعملها، وآلات التسجيل وغيرها.
أفتى علماء الأزهر بتحريم طباعة الكتب الشرعية مدة، قالوا: لا بأس تطبعون كتب أدب كتب تاريخ لما للطباعة من أثر على حفظ العلم، نعم رضي الناس بالكتابة، وصار لها أثر على الحفظ، لكن نفس المعاناة معاناة الكتابة وسيلة تحصيل، الآن بعض الناس إذا عجز يحفظ مقطع ردده كتابة يكتبه مرتين ثلاث ويحفظه، وسيلة، لكن طباعة اللي يطبع غيرك، واللي يراجع غيرك، واللي يصحح غيرك كيف تحفظ؟ لا بد تبني من جديد، ثم عاد الطباعة فرضت نفسها ما عاد .. ، صار القول بتحريم الطباعة سفه مضحك.
الآن إذا انتشر الشيء فأنكره بعض الناس يستغرب كيف؟ الناس يزاولونه من غير نكير، منكرات لا يستطيع الإنسان إنكارها؛ لأنه استفاض بين الناس فعلها، وعمت بها البلوى فكيف بالمباحات؟ لا يستطيع إنكار، الذي ينكر شيء من بعض المنكرات يعد في عرف كثير من الناس متخلف هذا، الناس يا أخي وين؟ وصلوا وراحوا وجو، واخترعوا وصنعوا وأنت تنكر؟! المقصود أن الناس أعداء لما يجهلون، أول ما يأتي الأمر يستنكر ثم يكون ما في نكير.
جاءت الطباعة وأثرها واضح على التحصيل، ووجد من حصل -ولله الحمد- من الكتب المطبوعة؛ لأنها إعانة، لكن شريطة أن تكون العزم والهمة موجودة، جاءت الآلات الحواسب اللي ضغطت زر بثانية أو أقل من ثانية تحصل على كل ما تريد، تبحث في صحيح ابن حبان الأصل الأنواع والتقاسيم من أجل حديث واحد تبحث شهر؛ لأنه رتبه لهذا الهدف وهذا الغرض، اللي يريد حديث يقرأ الكتاب كله علشان يصل إلى الحديث، ثم بعد ذلك وجدت الفهارس يسرت، وجدت الآلات زر واحد يخرج لك الحديث من عشرين ثلاثين طريق، زر آخر على قرصٍ آخر يجيب لك ما قيل في هذه المسألة عن أهل العلم.
стр. 114
ووجد الآن برامج تؤلف لك كتب، تضرب لك عنوان، أو تطبع لك عنوان حماية البيئة: ما ورد فيها من نصوص وأقوال، اضرب زر يطلع لك كل ما قيل في هذا وغلف ويالله، قيل: جمعه فلان، وبعناية فلان، وتحقيق فلان، زور وبهتان، وإذا طفئ الكهرب يوم من الأيام ترجع عامي.
مشكلتنا مشكلة الآن، وهذه بقدر ما هي نعم يسرت لكنها أيضاً صارت صوارف، المنح يا إخوان أحياناً إذا لم تستغل كما هو المطلوب، أو على الوجه المحمود تنقلب محن، وهي منح في الأصل، فلا بد من استغلال هذه الآلات استغلال مناسب، أولاً: لا يمكن أن يبنى طالب علم ويتخرج على هذه الآلات، لا بد أن يسلك العلم ويؤتى من أبوابه، وعلى الجواد المعروفة عند أهله، فإذا تأهل الإنسان وحصل من العلم ما ستحق أن يسمى من أهله، والوصف المناسب له لا مانع أن يفيد من هذه الآلات، شخص خرج حديث بنفسه من بطون الكتب من طرق متعددة، وأراد أن يختبر عمله هل بقي عليه شيء؟ لا بأس، يستعمل هذه الآلات يشوف، وإلا لو ألغيت الكتب، وصار البحث من طريق هذه الآلات فقط كم يحرم الناس من علم؟! أنت تريد مسألة فتبحث في مظنتها في الكتب كم يمر عليك من مسألة من عشرات المسائل وأنت تبحث بعضها أو كثيرٌ منها أفضل وأهم من المسألة التي تبحث عنها، فهذه بقدر ما هي بنعم وميسرة لكنها صارفة، تصرف كثير من الناس عن التحصيل، نعود إلى مسألة الضبط، وضبط الكتاب، يقول ﵀:
والثان من في سفره قد جمعه ... وصانه لديه منذ سمعه
حتى يؤدي منه أي وقتِ ... وسم ما يجمعه بالثبتِ
عندنا ثبْت بإسكان الباء، وثبَت، ثبْت وثبَت، يقولون في بعض الرواة فلانٌ ثقةٌ إيش؟ ثبْت وإلا ثبَت؟ ثقةٌ ثبْتٌ، يقولون بإزاء الكتب: الفهارس والأثبات، الأثبات: جمع ثبَت، والذي عندنا ها؟
حتى يؤدي منه أي وقتِ ... وسم ما يجمعه بالثبتِ
أو بالثبَت؟ هو يريد أن يصف الكتاب أو يصف الضابط؟ هو يصف الكتاب التي جمعت فيه هذه المرويات أو يريد أن يصف صاحب الكتاب؟ نعم؟
* حتى يؤدي منه أي وقتِ ... وسم ما يجمعه بالثبتِ
ترى الشعراء يعنون بحركات الإيش؟ أواخر الأبيات، التي يسمونها نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم، يقول الحافظ العراقي:
стр. 115
وكثر استعمال (عن) في ذا الزمن ... إجازةً وهي بوصلٍ ما قمَن
بفتح الميم؛ مراعاةً لما جاء في الشطر الأول، وقمَن وقمِن بمعنىً واحد، لكن المستفيض على ألسنة الناس الكسر، ((فإنه قمِنٌ أن يستجاب لكم)).
هنا: مقتضى ذلك أن تكون في:
. . . . . . . . . أي وقتِ ... وسم ما يجمعه بالثبتِ
فإما أن نقول: إن الشيخ أراد من يجمع، وإن كان الأصل أن يقول: "وسمِّ من يجمعه بالثبت" وتأتي (ما) بمعنى (من) والعكس ﴿فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم﴾ [(٣) سورة النساء] أو يكون المراد بالثبَت لكنها سكنت مراعاةً للروي.
والاتصال كون كلٍ سمعا ... . . . . . . . . .
التنوين في (كل) عوض عن المضاف إليه، "والاتصال" معناه: "كون كلٍ" كلٍ أي: كل واحد من رواته قد
. . . . . . . . . سمعا ... عن شيخه من الرواة ووعى
سمعا هل يشترط السماع؟ هل يشترط أن يكون التحمل بطريق السماع؟ أو يكفي أي طريق معتبر من طرق التحمل؟ يكفي أي طريق معتبر من طرق التحمل؛ لأن قوله: "قد سمعا" يقتضي أن يكون طريق التحمل طريق السماع، وعلى هذا يخرج ما روي بطريق العرض القراءة على الشيخ، وما روي بطريق الإجازة، وما روي بطريق المناولة، وغير ذلك من الطرق.
والاتصال كون كلٍ سمعا ... . . . . . . . . .
هم يعبرون بالسماع عن التحمل بأي طريقٍ كان.
. . . . . . . . . ... عن شيخه من الرواة ووعى
يعني أدرك وحفظ ما سمع، وعى، فالراوي يقال له؟ من وعى واعي، ولذا في كتاب الرامهرمزي (المحدث الفاصل بين .. ) إيش؟ (الراوي والواعي) بعض الناس مجرد راوي ينقل لكن ما يفهم ما ينقل، وبعضهم واعي يفهم ما ينقل، وما يسمع، وما يحفظ.
وما لشاذٍ من التعريفِ ... وللمعل يأتِ في تعريفي
يعني يأتي ذكر الشاذ والمعل -إن شاء الله تعالى-، يأتي تعريف الشاذ والخلاف فيه ومثاله، ويأتي تعريف المعل في كلام المؤلف وتعريفه وأقسامه، وأمثلته -إن شاء الله تعالى-.
وقد تفاوت رتب الصحيحِ ... . . . . . . . . .
تتفاوت رتب الصحيح.
. . . . . . . . . ... بحسب الموجب للتصحيحِ
стр. 116
إحنا عندنا أوصاف عدالة وضبط، اتصال، انتفاء شذوذ، انتفاء علة، الرواة ليسوا مثل المصنوعات، تدخلك ألف راوي في مصنع ويطلعهم لك على وتيرة واحدة على مستوىً واحد من الضبط والحفظ والإتقان، زيد ضابط، عدلٌ ضابط، وعمرو عدل ضابط موصوف عند أهل العلم بهذا، وهذا موصوف بهذا، لكن هل هما متساويان من كل وجه؟ نعم؟ لا، ما يمكن، لا بد من التفاوت بين الرواة وإن تساووا في الأوصاف، يوصف فلان بأنه ثقة وفلان بأنه ثقة وبينهما تفاوت، هذا واضح يا الإخوان، يعني هل يوجد إنسان مساوٍ لآخر من كل وجه؟ في الديانة، في العدالة، في الضبط، في الحفظ، في الإتقان؟ يوجد مساوي من كل وجه؟ لا ما يوجد، ما يمكن أن يوجد، هذا التفاوت بين هؤلاء الرواة أوجد تفاوت بين المرويات، التفاوت الذي تصورناه في الرواة لا بد أن يكون أثره على هذه المرويات؛ لأن المروي أثر لذلك الراوي، فإذا وجد الأثر في الراوي فليوجد هذا الأثر في مرويه.
وقد تفاوت رتب الصحيحِ ... بحسْب الموجب للتصحيحِ
أو "بحسَب الموجب للتصحيح" الموجب للتصحيح ما ذكر من الأوصاف: العدالة، الضبط، حتى الأعدل مع العدل قد يعرض لهذا العدل في بعض الأوقات ما يجعله أعدل ممن هو أعدل منه، هذا الأضبط قد يعرض له ما يجعل ضبطه مفوق بالنسبة لمن دونه بالضبط، هذه أمور وإن قالوا: إنها ملكات وصفات وهيئات ثابتة، لكن ثبوتها في الجملة، يعني الإنسان يدرك من نفسه أنه أحياناً يسمع الحديث فلا يحتاج إلى إعادة، وأحياناً يسمع ويكرر؛ لأنه يطرأ هناك عوارض تعترض هذه الأمور، العدالة يطرأ عليها ما يخففها، ويطرأ عليها ما يزيدها تبعاً لزيادة الإيمان ونقصه، الضبط يطرأ عليه الشواغل، يطرأ عليه فراغ البال، يطرأ عليه .. ، المهم أن هذه الأمور متفاوتة للشخص نفسه فضلاً عنه مع غيره، أقول: هذا مدرك.
وقد تفاوت رتب الصحيحِ ... بحسب الموجب للتصحيحِ
من أجل ذا قالوا: أصح سندِ ... أصح سنة لأهل البلدِ
стр. 117
يعني تحدثوا عن أصح الأسانيد؛ لأن هذه الأوصاف متفاوتة، هذه الأوصاف متفاوتة بالنسبة للراوي الواحد وبالنسبة للراوي مع غيره، بالنسبة للراوي الواحد حسب ظروفه وأحواله، وبالنسبة له مع غيره من أقرانه لا بد أن يظهر ذلك على .. ، أثر على مرويه، فالأوثق حديثه أصح، الأوثق حديثه أصح، ولذا قال بعض أهل العلم واختار أهل العلم بعض الأسانيد وقالوا: إنها أصح من غيرها، حديث فلان عن فلان عن فلان أصح الأسانيد، فلان عن فلان عن فلان أصح الأسانيد عند فلان وهكذا، لكن المعتمد عند أهل العلم أنه لا يحكم على سند بأنه أصح مطلقاً لما عرفنا، لا يمكن ضبط هذه الأمور، "والمعتمد .. " كما يقول الحافظ العراقي:
. . . . . . . . . إمساكنا عن حكمنا على سند ... بأنه أصح مطلقاً وقد
خاض به قومٌ فقيل مالكُ ... عن نافعٍ بما رواه الناسكُ
مالك عن نافع عن ابن عمر.
. . . . . . . . . فقيل مالكُ ... عن نافع بما رواه الناسكُ
"مولاه ... : عبد الله بن عمر.
. . . . . . . . . واختر حيث عنه يسندُ ... الشافعي قلت وعنه أحمدُ
هذا القول الأول في أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر، وهذا قول الإمام البخاري، وهذا قول الإمام البخاري.
وجزم ابن حنبلٍ بالزهري ... عن سالمٍ أي عن أبيه البري
وقيل: زين العابدين عن أبه ... عن جده وابن شهاب عنه به
أو فابن سيرين عن السلمانِ ... عنه أو الأعمش عن ذا الشانِ
النخعي عن ابن قيسٍ علقمة ... عن ابن سيرين ولم من عممه
المقصود أن أهل العلم لهم أقوال، كلٌ اختار منهم .. ، كل واحد منهم اختار سند قال: هذا أصح الأسانيد، وهناك كتاب في أحاديث الأحكام يغفل عنه كثير من طلاب العلم اسمه: (تقريب الأسانيد) أحاديثه كلها مروية بهذه الأسانيد التي قال عنها أهل العلم: إنها أصح الأسانيد.
(تقريب الأسانيد) للحافظ العراقي، وشرحه من أنفس الشروح، وإن غفل عنه وأهمله كثير من طلاب العلم اسمه: (طرح التثريب في شرح التقريب)، والشرح مشترك بين الحافظ العراقي وولده الإمام الحافظ بعده، ولده حافظ، أبي زرعة بن الحافظ العراقي.
стр. 118
لو وقفنا عند قول الإمام البخاري في أصح الأسانيد مع قول الإمام أحمد لنرى إمكانية اختيار أصح الأسانيد أو عدم الإمكانية، الإمام البخاري إمام الصناعة بدون منازع، والإمام أحمد جبل، نقارن بين قوليهما، البخاري يقول: مالك عن نافع عن ابن عمر، الإمام أحمد: الزهري عن سالم عن ابن عمر، نبدأ بالصحابة، هل الصحابي ابن عمر أعدل الصحابة على الإطلاق؟ نعم؟ أعدل منه أبوه، هل هو أحفظ الصحابة؟ أحفظ منه أبو هريرة، نأتي إلى الطبقة التي تليها: نافع في قول البخاري وسالم في قول الإمام أحمد، الأكثر على أن سالماً أجل من نافع وأحفظ، ومقدمٌ عليه، نأتي إلى الطبقة الثالثة: مالك مع الزهري، مالك لا يختلف أحد في أنه نجم السنن، والزهري منزلته في الرواية والدراية أمرها معلوم، إمام من أئمة المسلمين في هذا، فكيف نفاضل بين مثل هؤلاء؟ ولذا يقول الحافظ العراقي: "والمعتمد إمساكنا عن حكمنا على سند بأنه" .. إلى آخره.
فالفائدة من معرفة أصح الأسانيد يقولون: الفائدة الترجيح، يعني لو جاءك حديث مروي بسند قال فيه أهل العلم: إنه أصح الأسانيد، وحديث بسندٍ آخر لم يقل أهل العلم: إنه من أصح الأسانيد فترجح هذا على هذا.
لكن لو جاءنا مالك عن نافع عن ابن عمر معارضٌ بحديث الزهري عن سالم عن ابن عمر ما المقدم منهما؟ تريد أن ترجح، أيها الإخوان دون الترجيح خرط القتاد، يعني المسألة مفترضة في حديثين في سنن أبي داود مثلاً أو في مسند أحمد حديثان متعارضان، واحد من طريق الأول والثاني من الطريق الثاني ترجح إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
دعنا من كون الحديث في صحيح البخاري، يعني لو وجدنا في البخاري الزهري عن سالم عن أبيه، ووجدنا في سنن أبي داود مالك عن نافع عن ابن عمر ويش ترجح؟ يعني هذا في صحيح البخاري والذي في سنن أبي داود ترجيح البخاري ويش ترجح؟ يعني ترجح ما في صحيح البخاري ولو لم يقل فيه أحد أنه من أصح الأسانيد؛ لأن الحديث وجد في أصح كتاب، في كتابٍ تلقته الأمة بالقبول، المقصود أن مثل هذه الأمور الترجيح فيها يحتاج إلى قرائن.
. . . . . . . . . ... أصح سنة لأهل البلد
стр. 119
هذا أصح حديثٍ يروى على الإطلاق، ولم يقل أحدٌ في حديث بعينه، اللهم إلا أن يدعى إلا في حديث: ((من كذب)) الذي يروى عن طريق أكثر من سبعين صحابي، وتواتر لفظه ومعناه، يعني لو قيل: إن أصح حديث على وجه الأرض حديث: ((من كذب)) ما بعد.
. . . . . . . . . ... أصح سنة لأهل البلد
يعني لو قيل: أصح عند المدنيين، أصح حديث يرويه المدنيون، يعني أهل العلم كما خاضوا في أصح الأسانيد مطلقاً خاضوا في أصح الأسانيد بالنسبة للبلدان وهذا أسهل، أصح أسانيد المكيين، أصح أسانيد المدنيين، أصح أسانيد البصريين .. إلى آخره، قالوا بهذا، وقالوا أيضاً: أصح حديث يرويه أهل الشام كذا، أجل حديث عند أهل الشام كذا، حديث إيش؟ أجل حديث يرويه أهل الشام؟ حديث أبي ذر ((يا عبادي إن حرمت الظلم على نفسي)) المقصود أن مثل هذا يذكر في الكتب، لكنه عند الترجيح المسألة تحتاج إلى قرائن؛ لأنه قد يعرض للمفوق ما يجعله فائقاً.
وما روى الشيخان فيه قدموا ... ثم البخاري يليه مسلمُ
فما على شرطهما فما على ... شرط البخاري شرط مسلم تلا
يعنون أن ينقل عن رجالِ ... قد نقلا لهم مع اتصالِ
"ما روى الشيخان" إذا أردنا أن نرتب الأحاديث نقول: المتفق عليه يأتي في الدرجة الأولى، ما تفرد به البخاري في الدرجة الثانية، ما تفرد به مسلم في الدرجة الثالثة، ما صح عند غيرهما على شرطهما، ما صح عند غيرهما على شرط البخاري، ما صح عند غيرهما على شرط مسلم، ما صح عند غيرهما مما هو ليس على شرط واحدٍ منهما، فهي سبعة.
وأرفع الصحيح مرويهما ... ثم البخاري ثم مسلم فما
شرطهما حوى بشرط الجعفي ... فمسلمٍ فشرط غيرٍ يكفي
المقصود إنه هذا الترتيب المتفق عليه، ما تفرد به البخاري، ما تفرد به مسلم، ما صح عند غيرهما مما هو على شرطهما معاً، ما صح عند غيرهما مما هو على شرط البخاري، ما صح عند غيرهما مما هو على شرط مسلم، ما صح عند غيرهما مما هو ليس على شرط واحدٍ منهما.
стр. 120
مقتضى هذا أن ما اتفق عليه الشيخان مساوٍ لما رواه الجماعة، يعني هل حديث أخرجه السبعة البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد أفضل من حديث متفق عليه فقط؛ لأنه متفق عليه وزيادة، ولماذا لم يذكر مثل هذا؟ لا يذكرون مثل هذا؛ لأن هذا يتسلسل، لأنك إذا قلت: رواه الجماعة لو أضفت كتاب ثامن الدارقطني يصير أفضل مما رواه الجماعة، لو أضيف البيهقي نقول: أفضل؟ المستدرك، المعاجم وغيرها هذا ما تنتهي المسألة، وإذا وجد الحديث في الصحيحين فوجوده في غيرهما قدرٌ زائد على المطلوب، ولذا يقتصر كثير من أهل العلم في التخريج على الصحيحين إذا وجد الحديث في الصحيحين، يقولون: ما له داعي نطول الحواشي نطول الكلام والحديث متفق عليه، فهو في الذروة الذي في الصحيحين.
"ما رواه الشيخان" وهو ما يقال عنه متفق عليه.
. . . . . . . . . فيه قدموا ... ثم البخاري ثم يليه مسلمُ
هذا يدعونا إلى الكلام إلى المفاضلة بين الصحيحين، الكلام في المفاضلة بين الصحيحين.
أول من صنف في الصحيحِ ... محمدٌ وخص بالترجيحِ
ومسلم بعدُ وبعض الغرب مع ... أبي علي فضلوا ذا لو نفع
هما قولان لأهل العلم، وإن شئت فقل بالتساوي عند قوم ثلاثة أقوال، أكثر أهل العلم على أن البخاري أرجح وأصح من مسلم.
أول من صنف في الصحيحِ ... محمدٌ وخص بالترجيحِ
"ومسلم بعدُ .. " هذا القول الأول وهو قول الجمهور.
القول الثاني: وهو قول أبي علي النيسابوري وبعض المغاربة.
. . . . . . . . . وبعض الغرب مع ... أبي علي فضلوا ذا. . . . . . . . .
فضلوا صحيح مسلم "لو نفع" كلامهم كان طيب لكنه لا ينفع؛ لأن الجمهور على خلافه.
стр. 121
الجمهور أيدوا كلامهم أولاً: الواقع يقتضيه، يعني لو بحثنا في أحاديث الكتابين لوجدنا الواقع كما هو، الإمام البخاري نفسه ومسلم نفسه يعني البخاري لذاته ومسلم لذاته، لو رجحنا بين المؤلفين لما كانت هناك نسبة بين مسلم والبخاري، حتى قالوا: إنه لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء، البخاري إمام الصنعة، ومسلم تلميذه وخريجه، فالبخاري أرجح، قد يقول قائل: إن ترجيح المؤلِف لا يعني ترجيح المؤلَف، بعض الناس عنده علم علم عظيم أعلم من غيره، لكن إذا كتب تجد الكتابات ما هي بعلى مستواه، ولا يعني هذا أن كل كتاب مقرون بفضل مؤلفه، هذا الأصل أن الأثر مقارن للمؤثر، لكن يبقى أن هناك أمور استثنائة المؤلف يضعف فيها عن مستواه العلم، وهذا شيء مشاهد.
هناك أوجه للترجيح؛ لأن مدار الصحة على ثقةٍ الرواة واتصال الأسانيد، والبخاري كتابه أوثق رواة، وأشد اتصال، وبيان ذلك: أن الرواة المتكلم فيهم في صحيح البخاري أقل من الرواة المتكلم فيهم في صحيح مسلم، ولا شك أنه كلما قل العدد ارتفعت الكفة، كلما كثر العدد هبطت الكفة، الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري أقل من الأحاديث المنتقدة في صحيح مسلم وهذا كسابقه.
قالوا: صحيح البخاري أسانيده أشد اتصال، وهذه المسألة التي هي مسألة اشتراط البخاري للقاء، واكتفاء مسلم بالمعاصرة والنزاع الطويل الذي حصل فيها، ويحصل، وما زال يكتب فيه بقوة يأتي تفصيله -إن شاء الله تعالى-.
لكن أهل العلم اعتمدوا على هذا، ورجحوا صحيح البخاري لأنه يشترط هذا الشرط إن ثبت عندهم، وأنا لا أشكك في هذا بقدر ما أترك للمسألة يعني جو يوطنها ويوطئها لبحثها مستقبلاً -إن شاء الله تعالى-، فبهذا رجح صحيح البخاري على صحيح مسلم.
стр. 122
أبو علي النيسابوري وهو إمام من أئمة المسلمين أبو علي النيسابوري إمام من أئمة المسلمين، في ترجمته يقول الحافظ الذهبي: من عرف حال هذا الرجل جزم يقيناً أن المتأخرين على يأسٍ تام من لحاق المتقدمين، أبو علي النيسابوري يقول: لا يوجد كتاب على ظهر الأرض أصح من كتاب مسلم، وبعض المغاربة صرحوا بأن كتاب مسلم أفضل من كتاب البخاري، وبعضهم قال: هو أفضل من كتاب البخاري؛ لأنه لا يوجد فيه بعد الخطبة إلا الحديث السرد، الحديث ما خلط بغيره، ما فيه آثار، وما فيه معلقات إلا أشياء نادرة كلها موصولة.
نقول: كلام أبي علي محتمل لأن يكون مراده أرجح من صحيح البخاري، وأن يكون مراده أنه مساوي، يعني كونه لا يوجد أصح منه لا ينفي أن يوجد كتاب مساوي له، وإن كان العرف المتعارف عليه عند الناس أنه إذا أطلق مثل هذا الأسلوب أن المراد به نفي حتى المساوي.
والمسألة طويلة أوردوا فيها حديث: ((ولا أصدق لهجةً من أبي ذر)) هل معناه أنه أصدق من الصديق أو كذا؟ كلام طويل في هذه المسألة، لكن نقتصر منه على ما يكشف المراد.
حكي التساوي قول ثالث في المسألة، وعلى كل حال المعتمد عند أهل العلم أن البخاري أصح، فإن كان تفضيل المغاربة لصحيح مسلم على صحيح البخاري بأنه لا يخالطه بعد المقدمة شيء، ليس فيه بعد المقدمة إلا الحديث السرد هذا غير راجع إلى الأصحية، فالمقصود البخاري عند الإطلاق الأحاديث الأصول التي اعتمد عليها البخاري، وهنا تكون الملاحظة، مع أن هذا التفضيل إجمالي، يعني صحيح البخاري إجمالاً أصح من صحيح مسلم، ولا يعني هذا أن كل حديث في صحيح البخاري أصح من كل حديث في صحيح مسلم.
"فما على شرطهما" انتهى الوقت وإلا نشرح الشروط؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نخلي الكلام في شرط الشيخين غداً -إن شاء الله تعالى-.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يقول: مسألة ترتيل الآيات أثناء خطبة الجمعة .. يقول: وقد سمعنا أن البعض لا يرى في ذلك بأساً، وفي المقابل فإن البعض قد يشنع على من يفعل ذلك من الخطباء، وينكر عليهم الترتيل، وتحبير الصوت؟
стр. 123
أمرنا بترتيل القرآن، والقرآن سواءً كانت قراءته بقصد التلاوة لذاتها من المصحف أو من حفظ، أو مرت -هي قرآن- خلال خطبة مثلاً هي قرآن، فهي مما أمر بترتيله، وإذا كان صوت الخطيب بالقرآن مؤثراً فكونه يعظ الناس بالقرآن أولى من وعظهم بكلام البشر، وقد أمرنا بتحسين الصوت، وأمرنا بتزيين القرآن بالصوت، وجاء مدح داود ﵇ وأبي موسى الأشعري لتحسين صوتهما بالقرآن.
فنحن مأمورون بتزيين القرآن، ولا شك أن الناس يتأثرون بقراءة القرآن بالصوت الحسن، وقد يشكل فهم هذا على بعض الناس، قد يقول قائل: نسمع الآية أو نسمع السورة من شخص فنتأثر، ونسمعها من آخر فلا نتأثر، إذاً التأثير للصوت وليس التأثير للقرآن، نقول: على الإنسان أن يقرأ القرآن على الوجه المأمور به شرعاً بالترتيل والتدبر، والتأثر بالقرآن المؤدى بالصوت الحسن ...
стр. 124
شرح نظم: (اللؤلؤ المكنون في أحوال الأسانيد والمتون) (٦)
الكلام على: الحسن والمرسل وزيادة الثقة ...
الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
والتأثر بالقرآن المؤدى بالصوت الحسن هو تأثر بالقرآن المؤدى بهذا الصوت، وليس التأثر بالصوت نفسه، بدليل أنه لو قرأ غير القرآن بهذا الصوت ما أثر في الناس، فالتأثير للقرآن وليس للصوت، فعلى الإنسان أن يقرأ القرآن على الوجه المأمور به، وقراءة القرآن على الوجه المأمور به كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "تورث من العلم واليقين والطمأنينة ما لا يدركه إلا من عاناه" يعني فعل هذا الفعل، فعلى الإنسان أن يعنى بقراءة القرآن على الوجه المأمور به.
قد يقول قائل: الذي يقرأ القرآن لا على الوجه المأمور به هل هو محروم من الأجر؟ نقول: لا، له أجر ما رتب على الحروف ولو كان هذّاً، كما جاء في المسند والدارمي أنه يقال لقارئ القرآن: ((اقرأ وارق كما كنت تقرأ في الدنيا)) هذه الرواية بإسناد حسن: ((هذّاً كان أو ترتيلاً)) وهذه في المسند والدرامي، فالذي يقرأ القرآن لتحصيل الأجر المرتب على الحروف يحصل له ذلك، ولا يخفى عليكم أن في القرآن أكثر من ثلاثمائة ألف حرف، وثلاثمائة ألف حرف في عشرة الحد الأدنى في للمضاعفة ثلاثة ملايين حسنة، والمحروم من حرم.
стр. 125
من المؤسف أن يوجد بين طلاب العلم من يسمع النصوص الواردة في فضل القرآن وتعلم القرآن وتعليم القرآن ولا يتصدى لذلك، نجد من ينتسب إلى العلم من كبار وصغار يُقرِئون جميع العلوم إلا القرآن، يعني هل سمعتم بأن شيخ كبير من الكبار المعروفين بالعلم أو أستاذ في الجامعة من الجامعات جلس يُقرئ الناس القرآن؟ لا يتركون هذا لغيرهم ويدرسون الحديث والفقه والتوحيد، ولا يقصد بذلك شخص بعينه، ذكر لي اثنان من الأساتذة في الأحساء لديهم شهادات عليا ويُقرِئون الناس القرآن في المسجد، فشكرت لهم ذلك، فمن كانت لديه أهلية تعليم القرآن على الوجه المأمور به ولو مهما كان موقعه هذا أشرف العلوم ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)) فالمسألة تحتاج إلى إعادة نظر فيما يتعلق بالقرآن، وما يخدم القرآن من علوم، ما أعطي القرآن حظه من العناية حتى ولا التفسير رغم أهميته ما أعطي حظه، تجد اهتمام الناس بالأحكام، تجدهم بالعقائد، هذا كله مطلوب، لكن يبقى أن كلام الله أهم المهمات، وأولى ما تصرف فيه الأوقات، والله المستعان.
يقول: ما حكم من أدخل الموسيقى إلى المسجد، وأسمع المصلين، وأفسد عليهم بالموسيقى؟
أقل ما في ذلك التشويش على المصلين، وشغل المصلين، إضافةً إلى أن الموسيقى حرام، وفتوى اللجنة الدائمة معروفة في هذا، الموسيقى حرام.
مع الأسف الشديد أن تشبه المساجد بالكنائس، يؤدون عباداتهم والموسيقى شغالة، فصرنا نقلدهم، إنسان قد يرتكب محرمات ويتوب ويستغفر، لكن محرمات مضاعفة مركب بعضها على بعض مثل هذا يستمع إلى الموسيقى وهي حرام، ويتعدى ضرره إلى غيره من المصلين، ويحضر ذلك إلى أماكن العبادة، ألا يعلم أن صلاته باطلة عند الظاهرية الذين يرون أن كل نهي يقتضي الفساد، وإن كان عاد بعض الظاهرية لهم رأي في الغناء أصلاً، لكن يبقى أن كل نهي يقتضي الفساد عندهم، فصلاته فاسدة على رأيهم.
المقصود أن الأمر ينبغي الاهتمام به، وحفظ هذه الشعيرة، وحفظ هذه الأماكن موطن العبادات، وحفظ حياة المسلم كلها مما يؤدي إلى غضب الله .
يقول: ((ليكونن من أمتي أقوامٌ يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)) هذه من المعازف، إلى آخر الحديث.
стр. 126
يقول: هل يلزم من تلقي الأمة لصحيح البخاري وصحيح مسلم بالقبول، وأنهما أصح الكتب بعد القرآن أن لا يكون في السنن الأربعة أسانيد أصح من أسانيد البخاري ومسلم أو تساويها؟ وإذا كان لا يلزم فلماذا ... إيش؟ فلماذا رجحت السند في الدرس الماضي عندما قارنت بمجرد وجوده في صحيح البخاري على سندٍ في سنن أبي داود وهما من أصح الأسانيد؟
أولاً: قد يرد الحديث بإسناد بسلسلة معروفة عند أهل العلم في صحيح البخاري، ويرد في سنن أبي داود أو مسند الإمام أحمد بنفس السلسلة على الهيئة المجتمعة، بصيغ الأداء هنا وهناك واحدة، ونقول: ما في صحيح البخاري أرجح، هل هذا تفريق بين المتماثلات؟ لا، قد يكون في هؤلاء الرواة من اختلط وسماعه لمن روى عنه محتمل قبل الاختلاط وبعده، لكن تحري البخاري ومسلم في مثل هذه الأمور، وأن لا يرووا عمن هذه صفته إلا ما ثبت عندهم أنه سمعه منه قبل الاختلاط، وإلا قد يقول قائل: هذا الإسناد بالصورة المجتمعة وصيغ الأداء، وفيه تصريح، لكن كيف؟ لأن من الرواة من اختلط، ومن الآخذين عنه من روى قبل الاختلاط فقط، ومنهم من روى عنه بعد الاختلاط فقط، ومنهم من روى عنه في الحالين، فإذا عرفنا أن هذا الراوي روى عن هذا الراوي المختلط قبل الاختلاط انتهى الإشكال، إذا صرح ونص على ذلك الأئمة، وإذا كان هذا الراوي قد روى عنه بعد الاختلاط أيضاً لا إشكال خبره مردود، إذا كان ممن روى عنه قبل الاختلاط وبعده لا بد من أن يوجد ما يدل على أنه روى عنه قبل الاختلاط، وما في صحيح البخاري ومسلم من هذا النوع، وهذا يأتي الكلام فيه في أول مسألة من مسائل درس اليوم -إن شاء الله تعالى-.
يقول: هل من وصايا لطالب العلم في طريقة مراجعة ما حفظ من الكتاب والسنة والمتون الأخرى؟ يطلب إقامة درس أو دورة في التخريج والأسانيد وجمع الطرق، ويطلب أيضاً إعداد منهجية لطالب العلم في العلوم المختلفة، وثالث ما أطلبه: إعداد وريقات في الكتب المشهورة والمهمة لبيان أحسن الطبعات.
стр. 127
هذا كل سؤال يحتاج إلى درس، لكن باعتبار هذا آخر الدروس وبنهايته نكون قد أنهينا ثلث الكتاب، وقد أبلغت القائم على الدورة -وفقه الله- أنني على استعداد إجابةً لطلب الإخوان أن أكمل الكتاب في الدورة اللاحقة الحادية عشرة، وأن يكون نصيبه أسبوعين بدل أسبوع واحد، وينتهي -إن شاء الله تعالى-؛ لأن هؤلاء المجتمعون ما يمكن جمعهم في مكانٍ آخر إلا في مثل هذه الدورة، وأنا أعدكم -إن شاء الله تعالى-، -إن شاء الله تعالى- أني أكمله في الدورة اللاحقة -بإذن الله-، ما لم يحصل هناك مانع، الموانع -والله المستعان- متوقعة، البشر عرضة.
يسأل عن بعض البنوك والمعاملات .... كثيرة الأسئلة.
أيضاً هذا يسأل عن أصح الأسانيد؟ أفضل متن في أحاديث الأحكام بلوغ المرام والمحرر لابن عبد الهادي، وما الفرق بينهما؟
هما متقاربان، ابن حجر استفاد من المحرر، وابن عبد الهادي لا شك أنه من أهل هذا الشأن، وأشار إلى بعض العلل في نهاية كل حديث، فهو كتابٌ قيم يحتاجه طالب العلم وإشاراته مهمة، لكن كون الكتاب مطروقاً مثل بلوغ المرام ومعتناً به في بلدٍ من البلدان، العناية به أولى لأنه إذا أشكل شيء يجد من يحل له الإشكال من الشروح والأشرطة والدروس والدورات وغير ذلك، أما المحرر نعم بدأت به العناية، نعم قد تكون شهرة بلوغ المرام متلقاة من بلدان أخرى أهلها من الشافعية؛ لأن كل أهل مذهب يعنون بكتبهم، وابن حجر شافعي ويعنى بأدلة الشافعية، وإن كان يذكر أدلة الأقوال الأخرى، وابن عبد الهادي حنبلي يعنى بأدلة الحنابلة، فتنبغي العناية به من هذه الحيثية.
وشروح البلوغ تخدم المحرر، شروح البلوغ تخدم المحرر، وشروح المنتقى أيضاً تخدم المحرر، شروح العمدة تخدم المحرر وهكذا، وإلا فالمحرر لا يوجد له شرح متداول الآن، وإن كانت العناية بدأت به، بدأت به.
يسأل هذا يقول: ما أفضل الشروح المسموعة على نخبة الفكر؟
стр. 128
نعم عليه شروح كثيرة، وفيها خير وبركة ونفع، ويسأل هل لي أنا شخصياً شرح؟ .... شرح يعني في ستة عشر شريطاً، آخر عرضات الكتاب العام الماضي في حائل، وهي التي الاعتماد عليها، وما عداها وما قبلها منسوخة؛ لأن الكتاب شرح قبل عشر سنوات وسجل نصفه، النصف الثاني ما اعتني به وصار فيه .. ، وشرح مراراً لكن العرضة الأخيرة التي في حائل هي المعتمدة.
يقول: قلتم في درسٍ سابق بأن الخوارج قد وضعوا أحاديث؟
الخوارج لا شك أنهم أصدق الناس لهجة .. ، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، لا، هذا النخبة النخبة، إيه، لا شرح البخاري طريقه آخر.
لا شك أن الخوارج من أصدق الناس لهجةً، وبهذا دافع الحافظ ابن حجر عن تخريج الإمام البخاري لعمران بن حطان وهو داعية، وانتقده العيني، وقال: "وأي صدقٍ في لهجة مادح قاتل علي" لعمران بن حطان قصيدة مشهورة مدح فيها ابن ملجم قاتل علي ﵁، لكنه مع ذلك وهو يمدح هو يرى أنه على حق، فهو يمدح ما يراه الحق، بغض النظر هل يوافق أو لا يوافق؟ يعني هذا لا يقدح في صدق لهجته، والشيء المعروف عند أهل العلم قاطبة أن الخوارج يكفرون مرتكب الكبيرة، والكذب كبيرة إذاً لا يكذبون، وهذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، لكن وجد في كتب الموضوعات بعض الأحاديث التي في طريقها من رمي ببدعة الخوارج، وذكر عن بعض الخوارج أنه اعترف بالوضع لما تاب، المقصود أن كون الإنسان يخالف مذهبه لأمرٍ يراه يخدم هذا المذهب هذا أمر معروف في المذاهب كلها، وإن كنا نرى أن الخوارج أبعد الناس عن الكذب لكن لا يمنع هذا أنه يقع منهم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والمستمعين برحمتك يا أرحم الراحمين، أما بعد:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
وَمَا يُمَاثِلْهُ وَكَانَ اَلضَّبْطُ خَفْ ... فَحَسَنٌ لِذَاتِهِ فَإِنْ يُحَفْ
بِمِثْلِهِ صُحِّحَ بِالْمَجْمُوعِ ... وَاكْتَسَبَ اَلْقُوَّةَ بِالْجُمُوعِ
وَيُطْلَقُ اَلْوَصْفَانِ لِلتَّرَدُّدِ ... إِنْ أَطْلَقُوهُمَا مَعَ اَلتَّفَرُّدِ
стр. 129
وَيُطْلَقَانِ بِاعْتِبَارِ اَلطُّرُقِ ... فِي غَيْرِ فَرْدٍ فَادْرِهِ وحقِّقِ
وَاقْبَلْ زِيَادَةً بِهَا تَفَرَّدَا ... رَاوِيهُمَا مَا لَمْ يُنَافِ الأَجْوَدا
وَمَا رَوَى اَلْمَسْتُورُ أَوْ مَنْ دَلَّسَا ... وَالْمُرْسَلُ اَلْخَفِيْ وَمَنْ فِي اَلْحِفْظِ سَا
عِنْدَ اِجْتِمَاعِ اَلطُّرُقِ اَلْمُعْتَبَرَةْ ... فَحَسَنٌ لِغَيْرِهِ فَاعْتَبِرَهْ
وَقَوْلُهُمْ أَصَحُّ شَيْءٍ فِيهِ أَوْ ... أَحْسَنَهْ لَيْسُوا ثُبُوتَهُ عَنَوْا
بَلْ زَعَمُوا أَشْبَهُ شَيْءٍ وَأَشَفْ ... وَأَنَّهُ أَقَلُّ ضَعْفا وَأَخَفْ
وَلَيْسَ فِي اَلْقَبُولِ شَرْطًا الْعَدَدْ ... بَلْ اِشْتِرَاطُ ذَاكَ بِدْعَةٌ تُرَدْ
وَيُقْسَمُ اَلْمَقْبُولُ مِنْ حَيْثُ اَلْعَمَلَْ ... إِلَى مُعَارَضٍ وَمُحْكَمِ اِسْتَقَلْ
فَالمُحْكَمُ النَّصُّ الَّذِي مَا عَارَضَهْ ... نَصٌّ كَمِِثْلِهِ بِحَيْثُ نَاقَضهْ
فَمَنْ أَتتْهُ سُنَّةٌ صَحِيحَةْ ... عِنِ النَّبِيْ ثَابِتةٌ صَرِيحَةْ
فَمَا لَهُ عَنْهَا عُدُولٌ الأَبَدْ ... لاِيِّ قوْلٍ كانَ مِنْ أَيِّ أَحَدْ
وَغَيْرُهُ مَعارَضٌ إنْ أَمْكَنَا ... بَيْنهُمَا الْجَمْعُ فَقَدْ تَعَيَّنَا
كَالأَمْرِ إِنْ عُورِضَ بِالْجَوَازِ فِي ... تَرْكٍ لِمَأْمُورٍ إلَى النَّدْبِ اصْرِفِ
وَمِثْلُهُ النَّهْيُ لِكُرْهٍ صُرِفا ... بِحِلِّ إِتْيانٍ وَحَظْرٍ انْتفَى
وَاخْصُصْ بِمَا خَصَّ عُمُومًا وَرَدَا ... والْمُطلَقَ احْمِلْهُ على ما قُيِّدَا
وَهَكَذَا فَاجْمعْ بِلاَ تَعَسُّفِ ... بَلْ بَيْنَ مَدْلُولَيْهِمَا فأَلِّفِ
وَلاَ يَجوزُ رَدُّكَ الْمُعَارَضَا ... مَا أَمْكَنَ الجَمْعُ بِوَجْهٍ يُرْتَضَى
حسبك، يكي.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- أن للصحيح مراتب حسب تمكن الحديث من الشروط التي سبقت في متنه وإسناده، وذكرنا أن مراتب الصحيح عندهم سبع: المتفق عليه، وما تفرد به البخاري، وما تفرد به مسلم، وما كان على شرطهما، وما كان على شرط البخاري، وما كان على شرط مسلم، وما كان صحيحاً عند غيرهما مما هو ليس على شرطهما.
стр. 130
فما على شرطهما فما على ... شرط البخاري شرط مسلم تلا
ما المراد بشرطهما؟ يقول:
يعنون أن ينقل عن رجالِ ... قد نقلا لهم مع اتصالِ
مسألة شرط الشيخين أو شروط الأئمة عموماً، الشرط واحد الشروط، ويطلق ويراد به ما يلزم من عدمه العدم، لكنه لا يلزم من وجوده وجودٌ ولا عدم، ولذا لا يمكن أن يلزم البخاري ومسلم بإخراج أحاديث استوفت الشروط التي اشترطوها ولم يخرجاها في كتابيهما، فالإلزام ليس بوارد، بل تركا من الصحيح الشيء الكثير خشية الطول كما صرحا بذلك، ولم يصرح لا البخاري ولا واحدٍ من الأئمة بشرطه بالتفصيل، وإنما ظهر ذلك بالاستقراء عند أهل العلم، وكلٌ قال بما أداه إليه اجتهاده، وزعم أنه شرط البخاري أو شرط مسلم، ولذا يختلفون في هذه المسألة اختلافاً كبيراً.
مسلم أودع في مقدمة كتابه بعض ما اشترطه، ووضح شيئاً من منهجه في كتابه، أبو داود في رسالته لأهل مكة ذكر بعض المنهج الذي سار عليه، الترمذي في علل الجامع أشار إلى بعض ما ينفع في هذا الباب، يبقى البخاري والنسائي، ابن ماجه، ما عدا ما ذكر في الكتب الثلاثة التي أشرنا إليها كله استنباط ليس فيه كلامٌ صريح لهم، وصنف في شروط الأئمة كتب، فألف الحازمي شروط الخمسة، وألف أبو الفضل بن طاهر شروط الأئمة الستة.
стр. 131
ما يريد الحازمي بهذه الشروط؟ ما الذي يريده الحازمي بهذه الشروط؟ وما الذي يريده ابن طاهر بهذه الشروط؟ أما بالنسبة لابن طاهر فقال: إن شرط البخاري ومسلم تخريج الأحاديث التي أجمع على ثقة نقلتها، وكأنه لم يعتد بالخلاف الذي أبداه بعضهم في بعض رواة الصحيحين، أما الحازمي فقال: إن شرط كل واحدٍ من الأئمة يبينه التفصيل الآتي: الرواة على طبقات، فمنهم من عرف بالحفظ والضبط والإتقان وملازمة الشيوخ، وهذه هي الطبقة الأولى، الثانية: عرفوا بالحفظ والضبط والإتقان مع خفة ملازمة الشيوخ، والثالثة: عرفوا بملازمة الشيوخ مع عدم السلامة من غوائل الجرح الخفيف، الرابعة: عرفوا بعدم الملازمة للشيوخ مع عدم السلامة من غوائل الجرح، والخامسة قال: نفرٌ من الضعفاء والمجاهيل، ثم عاد بعد هذا البيان إلى تنزيل الكتب عليها، فقال: الطبقة الأولى: هي شرط البخاري، فالبخاري يستوعب أحاديث الطبقة الأولى، وقد ينزل فينتقي من أحاديث الطبقة الثانية، ومسلم يستوعب أحاديث الطبقة الأولى والثانية، وقد ينزل إلى الانتقاء من أحاديث الطبقة الثالثة التي هي شرط أبي داود والنسائي، والرابعة شرط الترمذي، وأما الخامسة .. ، لا شك الترمذي خرج لبعض المجاهيل، بل خرج لبعض المتروكين، وأما ابن ماجه فهو يستوعب أحاديث هذه الطبقات كلها.
يهمنا بالدرجة الأولى الآن ما بين أيدينا من المراد بشرط الشيخين، كلام الحازمي وتفصيله للرواة كلام جميل، لكن هل معنى هذا أنه لا يوجد في صحيح البخاري من أحاديث الطبقة الثالثة شيء؟ ولا يوجد في صحيح مسلم من أحاديث الطبقة الرابعة أو قد يوجد مع الاحتياط لتخريج أحاديث مثل هؤلاء؟ إصدار قواعد عامة كهذه يبقى أنها قواعد أغلبية لا يستدرك عليها براوٍ واحد أو اثنين ولا تخلو قاعدة من شواذ، لكن هذا الغالب، قواعد أغلبية.
هناك قولٌ ثالث في المراد بشرط الشيخين، وهو الذي درج عليه صاحب الكتاب الناظم -رحمه الله تعالى-:
يعنون أن ينقل عن رجالِ ... قد نقلا لهم مع اتصالِ
стр. 132
"شرطهما رواتهما" يعني إذا وجدنا حديث مخرج في مسند الإمام أحمد مثلاً بسندٍ خرج له البخاري ومسلم على الصورة المجتمعة، نقول: الحديث على شرط الشيخين، وإذا وجدنا حديثاً خرج لرواته البخاري دون مسلم قلنا: على شرط البخاري، وهكذا فيما إذا وجد حديث خرج لرواته الإمام مسلم دون البخاري.
ويبقى أن هناك فرق مثل ما أشرنا سابقاً أنه قد يخرج غير الشيخين بسندٍ موجود في الصحيحين على الهيئة المجتمعة وعلى الصورة المذكورة بالترتيب المذكور بالصيغ المذكورة صيغ الأداء، ومع ذلكم تنزل مرتبته عما في الصحيحين؛ لما أشرنا إليه سابقاً، ولا نحتاج إلى إعادته.
نعود إلى القول الأخير، وهو أن شرط الشيخين رواتهما، قالوا: تصرف الحاكم يقوي هذا القول، تصرف الحاكم في مستدركه يقوي هذا القول، وهو الذي شهر هذه المسألة في جميع أحاديثه يقول: صحيحٌ على شرط الشيخين، صحيحٌ على شرط البخاري، صحيح على شرط مسلم، صحيح فحسب يعني ما يقول: على شرطهما، تصرف الحاكم يقوي هذا القول؛ لأنه خرج حديثاً من طريق أبي عثمان التبان، وقال أبو عثمان هذا ليس هو النهدي، ولو كان هو النهدي لقلت: إنه على شرطهما، فدل على أنه يريد بشرطهما رواتهما، هذا ظاهر، وهذا أولى ما يقال في هذه المسألة، لكن يشكل عليه قول الحاكم في خطبة الكتاب خطبة المستدرك يقول: وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات احتج بمثلها الشيخان، وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات احتج بمثلها الشيخان.
حينما نقول: إن شرط الشيخين رجال الصحيحين، والحاكم الذي شهر هذا الكلام وأكثر منه يقول: احتج بمثلها، ما قال: احتج بهم الشيخان، أو قال: احتج بها، وهل مثل الشيء هو الشيء نفسه؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 133
ليس هو، هو غيره، مثل الشيء هو غيره، هذا يشكل على ما رجحه جلُّ المتأخرين، وتصرف الحاكم يقويه، يعني تصرف الحاكم في كتابه يؤيد قول هؤلاء، ويشكل على تصرفه أيضاً ما ذكره في مقدمته، إذاً كيف نجيب؟ ابن حجر ماذا يقول؟ يقول: إن الحاكم في المقدمة استعمل المثلية في أعم من حقيقتها ومجازها، استعملها في المعنيين، فيخرج أحاديث لرجالٍ احتج بهم الشيخان ولرجالٍ احتج بمثلهم الشيخان، متى تكون المثلية على حقيقتها، إذا قلنا: إن الرواة أنفسهم احتج بهم الشيخان؟ لا، هذه مجازية، مثلية مجازية، إنما تكون المثلية حقيقية إذا كان الرواة مثل وليسوا أنفس من احتج بهم الشيخان، إنما مثلهم في الصفات، والمقصود الصفات، ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟ هل يجوز استعمال اللفظ الواحد في معنييه؟ أولاً: مسألة وجود المجاز وإقرار المجاز، وعدم إقراره، إحنا نتكلم على رأي من يجيزه، وهم أهل الشأن أهل الكلام هذا، الذين تكلموا بهذا الكلام يجيزون وجود المجاز، نعم .. ، هل يجوز استعمال اللفظ في معنييه في حقيقته ومجازه؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
تكون متضادين؟ لا ... هو الآن استعمل، الرجل استعمل كيف متضادين؟!
طالب:. . . . . . . . .
الأصل الحقيقة، لكن لو عملنا بهذا الأصل نسفنا كل أحاديث المستدرك وهو قوله: على شرط الشيخين؛ لأنه يقول: بمثلها، شرطه في مقدمته بمثلها، وقد احتج بهم أنفسهم، فهمت؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 134
الحافظ يقول: إنه استعمل المثلية في حقيقتها ومجازها معاً، والجمهور لا يجيزون مثل هذا، لا يجيزون أن يستعمل اللفظ في حقيقته ومجازه، طيب لو كان أمامك رجلٌ شجاع وأبخر، رجلٌ شجاع ورجلٌ أبخر وأسد، ثلاثة أمامك، أسد حقيقي حيوان مفترس، ورجلٌ شجاع، وأبخر، ثم قلت: يا أسد والتفت الثلاثة كلهم، هل أنت في قرارة نفسك تريد الثلاثة كلهم؟ أو تريد واحداً منهم إما الحقيقي الذي هو الأسد، أو المجازي الرجل الشجاع ومجازه هنا قريب من الحقيقة، أو المجاز الثاني البعيد عن الحقيقة؟ لأن الرجال يقال له: أسد لأن الأسد أبخر، أنت إذا قلت: يا أسد إن كنت ممن يجيز إطلاق اللفظ بجميع معانيه أنت تقصد الثلاثة جميعاً بهذا اللفظ، لكن إن كنت ممن لا يجيز وهو الظاهر، ما أنت بتدعو ثلاثة في آنٍ واحد، بل لك حاجة في واحدٍ منهم، على كل حال الشافعية يجيزون استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، والحاكم شافعي وابن حجر شافعي، وجل من تكلم في هذا الباب من الشافعية، والجمهور لا يجيزون.
стр. 135
الحافظ يقول: الحاكم استعمل المثلية في أعم من حقيقتها ومجازها، فاستعملها في حقيقتها إذا خرج الحديث من طريق غير رواة الشيخين، إنما هم مثلهم في الأوصاف، واستعملها في مجازها إذا خرج عنهم أنفسهم، ودعم ذلك بقصة، رأى رجلٌ ثوب مع شخص فأعجبه فقال: اشترِ لي مثل هذا الثوب، كم يسوى هذا الثوب؟ قال: عشرة دراهم، قال: خذ عشرة دراهم واشترِ لي مثل هذا الثوب، جاءه بعد مدة يسيرة بالثوب نفسه قال: هذا الثوب اتفضل، الموكِل كأنه ندم، قال: أنا ما قلت لك: اشترِ لي الثوب نفسه، اشترِ لي مثل الثوب، اشترِ لي مثل هذا الثوب ما قلت لك: اشتر لي الثوب نفسه، فتحاكما عند شريح القاضي فألزمه بأخذ الثوب، قال: الثوب يلزمك، ولا شيء أشبه بالشيء نفسه .. ، لا شيء أشبه بالشيء من الشيء نفسه، أنت تريد مثل هذا الثوب خذ الثوب نفسه؛ لأنه قد يأتي لك بمثل هذا الثوب قد تختل بعض المواصفات وتقبل، وليس الخبر كالعيان، أنت الآن رأيت هذا الثوب بعينك، وأعجبك من جميع الوجوه هل تتصور أنك إذا بتقول: جيب لي مثل هذا الثوب يجيب لك أفضل منه؟ هذا احتمال، لكن الاحتمال الثاني وهو الأقوى أنه قد يكون يشابهه في جل الأوصاف دون جميعها.
فالقول المرجح في هذه المسألة أن شرط الشيخين رجال الشيخين، وعرفنا أن الحاكم هو الذي شهر هذا، وتصرفه في مستدركه يقوي هذا.
стр. 136
مسألة تتعلق بالشرط وحصل فيها نزاع طويل، وكلامٌ شديد من متقدمين ومتأخرين، وهي مسألة السند المعنعن، وحكم الاحتجاج به، والإمام مسلم -رحمه الله تعالى- شنع على من حكم على السند المعنعن بالانقطاع، وعلى من اشترط أكثر من المعاصرة مع إمكان اللقاء، وشدد في المسألة، واستدل بصنيع أهل العلم، وذكر أحاديث أنها لا تثبت على وجه الأرض، ذكر ثلاثة أحاديث لا تثبت إطلاقاً إلا معنعنة، ووجد من يكتب ويذكر أن هذا القول عليه إجماع أهل العلم، وينفي ما نسب إلى الإمام البخاري، من الناحية العملية لا شك أن رأي مسلم عليه العمل، رأي مسلم عليه العمل من الناحية العملية، والقول الثاني وهو اشتراط اللقاء ولو مرة هو اللائق بتحري الإمام البخاري وتثبته، الأحاديث التي ذكرها مسلم وأنها لا توجد عند أحدٍ من الرواة إلا معنعنة هي موجودة في صحيحه بصيغة التحديث، صحيح مسلم نفسه، وللإمام أبي عبد الله محمد بن رشيد بحث نفيس في هذه المسألة اسمه: (السنن الأبين في الخلاف بين الإمامين في السند المعنعن) من أهل العلم من يرى أن السند المعنعن منقطع، ومنهم من يرى أنه متصل بالشرطين المذكورين، وكلٌ على مذهبه في اشتراط اللقاء أو الاكتفاء بالمعاصرة.
وصححوا وصل معنعنٍ سلم ... من دلسة الراوي واللقاء علم
الإمام البخاري وهو من أهل التحري والتثبت نقل عنه وتداول أهل العلم من غير نكير القول باشتراط اللقاء، ونسب أيضاً القول لعلي بن المديني، والإمام مسلم نسبه إلى مبتدع، إلى شخصٍ مبتدع، ورد على هذا المبتدع وشدد وشنع على هذا المبتدع، فالذين يقولون: إنه لا يمكن أن يقول البخاري بهذا القول ويصفه مسلم بالبدعة ويشدد النكير عليه وهو شيخه وهو تلميذه، ولولاه لما راح ولا جاء، ما يمكن أن يكون هذا، وصار سبباً لنفي هذا القول عن الإمام البخاري، نقول: يمكن أن يقول البخاري باشتراط اللقاء، يمكن، وهذا القول تداوله الأئمة من قديم، ونسبوه إلى الإمام البخاري، نعم إذا طالبت بالسند المتصل إلى الإمام البخاري قد لا تجد، كغيره من القضايا التي تداولها أهل العلم، وسلموا بها.
стр. 137
لكن كيف يقول الإمام مسلم في مقدمة صحيحه ويشنع القول، هذا رجل مبتدع، قولٌ مخترع، يريد هدم السنة ويفعل ويترك إلى آخره، يقول مسلم هذا، هل يقصد البخاري؟ نقول: ما يقصد البخاري، يقصد شخص مبتدع، كيف إذاً البخاري يقول بهذا القول؟ علي بن المديني نسب إليه هذا القول، لماذا لا يقصد البخاري؟ نقول: لا يقصد البخاري، البخاري شيخه، ولا يمكن أن يحصل مثل هذا بين البخاري ومسلم، وقد عرف من حال الإمام مسلم وصنيعه بالإمام البخاري ما عرف، لا يمكن أن يوجه له مثل هذا الكلام، إذاً على من يرد مسلم؟ نقول: مسلم يرد على مبتدع يريد أن يستثمر كلام الإمام البخاري واحتياط الإمام البخاري لرد السنة، يريد أن يستغل هذا الاحتياط لرد السنة.
إذا رددنا على الجبائي من المعتزلة أو رددنا على أبي الحسين البصري منهم، وكلٌ منهما يستدل بفعل عمر ﵁، الذي لم يقبل خبر أبي موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد، إذا رددنا على أبي الحسين البصري، أو على أبي علي الجبائي في ردهم السنة استدلالاً بقول عمر هل نحن نرد على عمر؟ لا نرد على عمر، نريد نرد على من يستثمر قول عمر ﵁ في رد السنة، كما أننا نرد على من يفهم من آية غير الفهم الصحيح، ولا نرد على الآية، أو من حديث فهمٍ يناسبه يريد أن يستفيد من هذا الفهم للطعن في الدين نرد عليه بعينه.
يعني إذا رددنا على الخارجي الذي يقول بكفر القاتل، قاتل المؤمن المتعمد، وقد استدل بآية النساء هل معنى هذا أننا نرد الآية؟ أو نرد استدلال هذا الخارجي بهذه الآية التي لها ما يوجهها من نصوص أخرى؟ نعم؟ نرد على الاستدلال، فإذا رددنا على المعتزلة في ردهم خبر الذي يرويه شخص واحد ويريدون بذلك أن يردوا السنة فإننا لا نرد على عمر ﵁ على احتياط عمر، عمر عرف بالاحتياط والتحري، والدين محفوظ، وكون عمر يتثبت في حديث أو حديثين أو عشرة لا يعني أنه يرد كل السنة، وقد عمل عمر بخبر واحد، وعمل قبله أبو بكر بخبر واحد وهكذا، فمن أراد أن يستغل احتياط الإمام البخاري وشدة تحريه لهدم السنة نرد عليه بعينه ولا نرد عمر.
стр. 138
نظير ذلك: لو جاء شخص من شراح الحديث ويقول: قوله ﵊: ((والذي نفسي بيده)) أي روحي في تصرفه، إذا عرفنا من حال هذا الرجل أنه يثبت صفة اليد على ما يليق بجلال الله وعظمته نرد عليه في هذا الموضوع؟ ما في أحد روحه ليست في تصرف الله ، إذا كان ممن عرف بإثبات اليد، لكن إذا كان ممن ينفي اليد نقول: لا، هذا فرار من إثبات الصفة، بل في الحديث دليلٌ على إثبات صفة اليد لله على ما يليق بجلاله وعظمته، فتنزل الأمور منازلها.
فكون أهل العلم تداولوا هذا القول ونقلوه لا يعني أنه قول خاطئ، ولا يعني أن البخاري إذا احتاط لصحيحه أنه يرد الأحاديث التي لم تثبت بهذه الكيفية، بل نقل عنه تصحيح أحاديث .. ، نقل عنه الترمذي وغيره ما هو أخف من هذا الشرط من شرط مسلم، أخف بكثير من شرط مسلم، لكنه يعتني بصحيحه، وينتقي الأحاديث، كونه وجد في البخاري حديث أو حديثين أو ثلاثة أو عشرة يبدو للناظر فيها أنه أخل بشرطه لا يعني أنه لا يشترط هذا، قد يغفل الإنسان، يسهو الإنسان، يجتهد في تطبيق الشرط ولا يستطيع، فلا نشنع على أهل العلم بمثل هذه المناقشات، يعني كون الحديث يصح ولو لم يثبت اللقاء صححه الأئمة، ومشوا عليه، ودرجوا عليه، وأنت إذا درست إسناد ووجد أن المعاصرة موجودة مع إمكان اللقاء خلاص يكفي، لكن كونك تحتاط.
стр. 139
الحافظ عبد الغني لما ألف عمدة الأحكام وقصد أن تتكون أحاديثها من الصحيحين كونه وقع فيها من أفراد أحدهما لا يعني أنه أخل بشرطه بالجملة، ومع ذلكم لا يعني أنه لا يصحح أحاديث عملية في الأحكام غير ما انتقاه، المقصود أن نفهم المراد بالشرط عند أهل العلم، يشترط أهل العلم في الجملة شروط بمعنى أنهم يرسمون منهج، قد يتخلف هذا الشرط ولا يعني أنه يلزم من عدمه العدم كما هو مقرر في تعريف الشرط، قد ينزل عنه للحاجة، قد يتنازل عنه للحاجة، قد يوردون في بعض الأبواب أحاديث ليست على شروطهم؛ لأنه لم يوجد في الباب غيره، كما صنع أبو داود وغيره، المقصود أن مثل هذه المسألة وإن كتب فيها بعض الفضلاء يبقى لهم فضلهم وغيرتهم على السنة، وحرصهم عليها، هذا شيء لا ينكر، ودقتهم واطلاعهم هذا شيء لا ينكر، لكن أيضاً كوننا نستدرك على أهل العلم بهذه الطريقة معناه أنه يتضمن تجهيل لكل من كتب في الموضوع، ودافع وقال شرط البخاري والشراح الذين تتابعوا على هذا، وأنه علم جديد ابتكرناه نرد به على السابقين، ما هو بصحيح، ولا يعني هذا أن كل من تقدم معصوم لا يخطئ، إلا يخطئ، كما أن الإنسان لا يدعي لنفسه العصمة، وإذا أراد أن يناقش مسألة وأين هو من الأئمة الكبار يعرضها عرض بأسلوب مناسب، ويجعلها بحثاً، لعل المراد كذا، لعل كذا، لا يرد بقوة، وبعدين يتبين الخلل في كلامه.
المسألة الخلاف فيها واسع، ولا حجر فيها، وإذا أرادنا أن نتتبع مثل هذه الكلمات بالألفاظ الشديدة التي يفهم منها ما يفهم وقعنا في إشكالات كثيرة.
وما يماثله وكان الضبط خف ... فحسنٌ لذاته فإن يحف
يعني يماثل الصحيح بشروطه السابقة، يكون الرواة عدول، هناك تمام الضبط هنا خف الضبط؛ لأنه يقول:
وما يماثله وكان الضبط خف ... فحسنٌ لذاته. . . . . . . . .
стр. 140
يعني مجرد الاختلاف بين الصحيح لذاته والحسن لذاته الضبط، الضبط خف، وبقية الشروط مشتركة عدالة الرواة، اتصال الإسناد، انتفاء الشذوذ، انتفاء العلة، يبقى الاختلاف في الضبط، يشترط للصحيح تمامه ويتنازل عن تمامه للحديث الحسن، هذا ما يختاره المؤلف، وهو قول ابن حجر، وهو منتزع من كلام الأئمة السابقين، وأهل العلم المتقدمون والمتأخرون يختلفون اختلاف كبير في حد الحسن، حتى أشار الذهبي وغيره إلى أنه لا مطمع في تمييزه، يقول الحافظ -رحمه الله تعالى- العراقي:
والحسن المعروف مخرجاً وقد ... اشتهرت رواته بذاك حَد
(حمدٌ) وقال الترمذي: ما سلم ... من الشذوذ مع راوٍ ما اتهم
بكذبٍ ولم يكن فرداً ورد ... قلتُ: وقد حسن بعض ما انفرد
وقيل: ما ضعفٌ قريبٌ محتمل ... فيه وما بكل ذا حدٌ حصل
كل الكلام الذي سمعناه ما له حد، يعني كلها عليها مناقشات وأخذ ورد ولا تحرر الحسن من الصحيح، ولا تفصل الحسن من الضعيف، فالخطابي له تعريف: "الحسن المعروف مخرجاً" عُرف مخرجه، واشتهر رجاله، "بذاك حدٌ حمدٌ" هذا الخطابي، عرف مخرجه، اشتهر رجاله، طيب هل في هذا ما يميز الحسن عن غيره بدقة؟ بمعنى أننا نستطيع أن نميز الحسن من الصحيح، الصحيح اشتهر رجاله، وعُرف مخرجه، الضعيف قد يكون اشتهر رجاله بالضعف، اشتهر رجاله، المقصود أنه ليس في هذا ما يميز الحسن عن غيره، تعريف الترمذي الترمذي اشترط للحديث الحسن شروط ثلاثة:
وقال الترمذي: ما سلم ... من الشذوذ مع راوٍ ما اتهم
بكذبٍ ولم يكن فرداً ورد ... . . . . . . . . .
اشترط ثلاثة شروط، وهناك مناقشات طويلة يعني لا يتسع لها المقام، لكن نتصور هذه التعريفات.
وقيل: ما ضعفٌ قريب محتمل ... . . . . . . . . .
هذا كلام ابن الجوزي.
وقيل: ما ضعفٌ قريبٌ محتمل ... فيه وما بكل ذا حدٌ حصل
стр. 141
هذا الحافظ العراقي، كل التعاريف ما استفدنا منها في تمييز الحسن عن غيره، والسبب في ذلك أن الحسن مرتبة متوسطة بين الصحيح والضعيف، تتباين فيها الوجهات وجهات النظر، تتباين فيها وجهات النظر، من أهل العلم من يرى أن الشروط توافرت فهي بحكم الصحيح، ومنهم من يرى أن هذا الحديث لم تتوافر فينزله إلى الضعيف، ولذا من نتاج هذا البحث يقرر جمعٌ من أهل العلم أن الذي يختلف في تصحيحه وتضعيفه من غير ترجيح أنه يكون من قبيل الحسن.
أو اختلف في الراوي بين توثيقه وتضعيفه من غير ترجيح يكون من رواة الحسن؛ لأن الحسن منزلة متوسطة.
الآن لو يجيء واحد أو عشرة مثلاً يختبرون الإخوان الحاضرين، ويقال لهؤلاء العشرة: ميزوا الحاضرين إلى ثلاثة فئات، ممتاز، وجيد جيداً، وجيد، كلام شفوي ما هو مدون وعليه درجات ومضبوط ومتقن، مع أن المدون تتباين فيه أيضاً الوجهات، لو أعطيت هذه الورقة صححها وأعطى عليها تسعين يأخذها ثاني ويمنحه ثمانين مثلاً أو خمسة وتسعين، من هذا القبيل اختلاف المناقشين للرسائل، إذا خلت اللجنة تجد واحد معطي الطالب خمسة وتسعين والثاني خمسة وثمانين والثالث ثمانين مثلاً، التمييز بالدقة في هذه الأمور فيه صعوبة، وقل مثل هذا في الأحاديث، منزلة متوسطة، يعني لو اختبر جاء عشرة من أهل العلم في هذا الشأن أو في غيره وقال: اختبروهم، أو انتهت الدورة وقيل لعشرة من المشايخ: اختبروا هؤلاء الطلاب وكلٌ حسب اجتهاده، يصنفهم ثلاث فئات، لكن الذي يشهد له الواقع أنهم لن يجعلوا الضعيف جداً مع القوي جداً، لن يجعلوا هذا، هذا ظاهر، يعني شخص راسب يمكن يجي ثاني يصحح له ويعطيه ممتاز؟ هذا ما يمكن، لكن جيد جداً يطلعه إلى الممتاز أو ينزله إلى الجيد هذه كثيرة، وهذا الاحتمال الواقع في ترقية الحسن إلى الصحيح أو إنزاله إلى الضعيف، والتذبذب بين المرتبتين.
стр. 142
ولذا حد الحسن من أصعب ما يدرس، وهو صعبٌ أيضاً في التطبيق، إلا أن صاحب الخبرة والدربة تتكون لديه ملكة تجعله بالقرائن يحكم عليه أنه في مرتبة لا يطلع إلى الصحيح ولا ينزل إلى الضعيف، ولذا تجدون في النقاد من كثر في صنيعه إلحاق الحسان بالصحاح، وجعل لا يميز بين الصحيح والحسن، وفيهم من كثر إلحاق الحسان بالضعيف، ووصف الأول بإيش؟ بالتساهل، ووصف الثاني: بالتشدد، والسبب في ذلك كون الحسن مرتبة متذبذبة.
فطالب العلم يقرأ مثل هذه الأمور للتمرين يتمرن عليها، لكن إذا أكثر من التطبيق تتضح له الصورة، والعلم علمٌ عملي، وذكرني أحد الإخوة بمثالٍ كنت قد قرأته قديماً للشيخ علي الطنطاوي ﵀، قال: لو تحضر كتاب في تعليم السباحة وتعطيه شخص يقرأ هذا الكتاب حفظ كما يحفظ الفاتحة، يحفظه حفظ عن ظهر قلب، وتجي وتحمل هذا الشخص الذي حمل الكتاب وترميه في البحر، فائدته من العلم النظري كبيرة وإلا .. ؟ يمكن يغرق ويموت، يغرق ويموت وهو حافظ للكتاب، هذه العلوم عملية تحتاج إلى مزاولة، فإذا كثر كثرت مزاولة طالب العلم لهذا العلم ومعاناته مع الاطلاع على أعمال أهل العلم في هذا وقراءته تخاريجهم وأحكامهم على الأحاديث -بإذن الله- تتولد إلى ذهنه الملكة، لكن على أن يصحب ذلك سلامة قلب، وإخلاص ونية صالحة، وعفة لسان، لا يلزم أن يكون عرف شيء من علوم الحديث يتهجم على أهل العلم، ويسفه، ويجهل والكبار والصغار، وصحيح وإن ضعفه أحمد، وضعيف وإن .. ، إيش الكلام هذا؟
طالب العلم بحاجة إلى الأدب، بحاجة ماسة إلى أن يتأدب، وهو أولى الناس بأن يكون قدوة لغيره، وإذا أراد طالب العلم أن يتأدب بأدب مناسب يتعامل به مع الكبار فليقرأ مقدمة: (موضح أوهام الجمع والتفريق) للخطيب البغدادي، أو مقدمة معه أيضاً يقرأ مقدمة: (القول المسدد) للحافظ ابن حجر، ويقرأ في: (جامع بيان العلم فضله) للإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر، والجامع لأخلاق الراوي، وكتاب السمعاني في أدب طالب العلم، المقصود أن هناك كتب ألفت في هذا الباب ينبغي أن يكون طالب العلم على علمٍ بها، فيتأدب مع الكبار والصغار، وفي الكتاب ... نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 143
(جامع بيان العلم وفضله)، (جامع بيان العلم) من أنفس ما كتب في الباب، يعني لا يستغني عنه طالب علم، لكن مقدمة الخطيب لـ (موضح أوهام الجمع والتفريق) لأنه بصدد الرد على الكبار، هذه الأوهام حصلت من كبار، فقدم بمقدمة يحتاجها كل طالب علم، وفي هذا الكتاب الذي ندرسه آداب الشيخ والطالب، ويأتي -إن شاء الله- بيانها بالتفصيل.
. . . . . . . . . ... فحسنٌ لذاته فإن يحف
بمثله صحح بالمجموعِ ... . . . . . . . . .
إن يحف الحسن لذاته فإنه يعني إن يضم إليه يحف بطريقٍ آخر بمثله صحح، يعني حسن لذاته مع طريق آخر حسن لذاته يكون المجموع صحيح لغيره.
والحسن المعروف بالعدالة ... والصدق راويه إذا أتى له
طرقٌ أخرى نحوها من الطرق ... صححته كمتنِ: (لولا أن أشق)
إذ تابعوا محمد بن عمرو ... عليه فارتقى الصحيح يجري
المقصود أن الحسن لذاته إذا حف بطرقٍ أخرى نحو هذا الطريق فإنه يرتقي ويكون في الدرجة الثانية من درجات القبول وهو الصحيح لغيره.
. . . . . . . . . صحح بالمجموعِ ... واكتسب القوة بالجموعِ
اكتسب القوة بالجموع؛ لأنك إذا نظرت إلى مفرداته وجدتها لا تصل إلى درجة الصحيح، لكن بمجموعها ترتقي، أنت لو ربطت حبل في هذه السارية قلت: قم يا فلان، اسحب هذا الحبل حتى ينقطع، عجز تأتي بثاني يسحبه معه ينقطع، حصلت هذه القوة بالمجموع ما حصلت بواحد؛ لأنك لو أتيت بالثاني بمفرده ما انقطع هذا، فالقوة إنما تحصل بالمجموع، حسن مع حسن يساوي صحيح، وقل مثل ذلك في الضعيف الذي ضعفه قابل للانجبار يرتقي إلى الحسن لغيره بالمجموع.
ويطلق الوصفان للترددِ ... إن أطلقوهما مع التفردِ
إذا قيل: هذا حديث حسن صحيح الوصفان الحسن والصحة.
ويطلق الوصفان للترددِ ... إن أطلقوهما مع التفردِ
ويطلقان باعتبار الطرقِ ... في غير فردٍ فادره وحققِ
إذا قال أهل العلم وهذا أكثر ما يوجد عند الترمذي: هذا حديثٌ حسن صحيح، أولاً: هل هذا التعبير فيه إشكال وإلا ما فيه إشكال؟ كيف؟ من أي وجه يكون الإشكال؟ الترمذي كثيراً ما يقول: حسن صحيح، وجه الإشكال؟
طالب:. . . . . . . . .
لكن هل المقصود من الكلمة واضح من أول وهلة وإلا لا؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 144
نقول: استشكل الوصف بالصحة والحسن هذا مشكل، كيف مشكل؟
طالب:. . . . . . . . .
حسنٌ صحيح، يعني إذا قلنا: الحديث حسن لوصفان متباينان، إذا قلنا: حسن معناه أنه قصر عن رتبة الصحيح، فإذا أضفنا إلى ذلك صحيح أنه طلع نزل عن رتبة الصحيح ثم طلع إليها، كيف في آنٍ واحد؟
طالب:. . . . . . . . .
صحيح، أو أثبت القصور ثم نفى هذا القصور، يعني نظير ذلك إذا قلت: تخرجت، وقيل: ما تقديرك؟ قلت: جيد جداً ممتاز، تجي وإلا ما تجي؟ تجي؟! مع اتحاد الجهة ما يمكن تجي، تقديرك العام يمكن يصير جيد جداً ممتاز؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه مع اتحاد الجهة ما يمكن يجي، لكن مع انفكاك الجهة تقديرك العام جيد جداً، والتخصص ممتاز، ممكن، وهنا نقول: مع انفكاك الجهة ممكن، لكن مع اتحاد الجهة كيف؟ يعني طالب ينزل عن التسعين ويطلع فوق التسعين يصير؟ ما يمكن إلا ما انفكاك الجهة، وهو نظير ما نحن فيه.
كيف ينزل الحديث عن درجة الصحيح ثم يطلع إليها؟ يعني إثبات للقصور ونفي لهذا القصور، إثبات ونفي في آنٍ واحد، ما يمكن، لكن مع انفكاك الجهة سهل، يمكن الطالب في مواد التخصص يصير ممتاز، وفي التقدير العام جيد جداً، سهل.
وهنا إن كان الحديث مروي من طرق من أكثر من طريق بعضها صحيح وبعضها حسن الأمر ظاهر، مثل التخصص والتقدير العام، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
بعضها صحيح وبعضها حسن، فعلى هذا مع تعدد الطرق هذا إذا تعددت الطرق محمولٌ على أنه ثبت بأسانيد صحيحها وأسانيد حسنة، وغاية ما هنالك أن الإمام حذف حرف العطف، فعليه أن يقول: صحيح وحسن، أو حسنٌ وصحيح، حسنٌ من طريق، وصحيح من طريق.
يرد على هذا أنه إذا لم يعرف إلا من طريقٍ واحد، يعني ما في إلا طريق واحد كيف؟ يعني إذا قلت: جيد جداً ممتاز وهو ما فيه إلا مادة واحدة، كيف تقول: جيد جداً ممتاز؟ نقول: اللجنة اختلفوا واحدٍ قال: صحيح ممتاز، وواحد قال: يستحق جيد جداً، وهنا اختلف العلماء هل يصل إلى درجة الصحيح أو إلى درجة الحسن؟ وغاية ما هنالك أن يقال: إن الإمام حذف حرف التردد، فعليه أن يقول: حسنٌ أو صحيح، يتردد في حكمه؛ لأن النقاد ترددوا، أو الناقد نفسه تردد هل بلغ أو لم يبلغ؟ واضح؟
стр. 145
الكلام في هذه المسألة كثير جداً، بلغت الأقوال بضعة عشر قولاً في هذه المسألة، لكن هذه من أوضح ما يقال مما يناسب الظرف، منهم من يقول: السند لا يصل إلى درجة الصحيح والمتن لورود ما يشهد له يصل، ومنهم من يقول: إن الحديث وهو يسند القول السابق مشرب، الصحة مشربة بحسن، صحته مشربة بحسن، يعني أنه ليس بصحيح بمعنى الإطلاق ولا بحسن في مرتبة بينهما، يعني مثل ما تقول: حامض حلو بين الأمرين، مشرب، ومنهم من يقول: الحسن المراد به الحسن اللغوي، ألفاظه حسنة وجميلة، وصحته من حيث الثبوت، المقصود أن هناك أقوالٌ كثيرة لا نطيل بذكرها.
ويطلق الوصفان للترددِ ... إن أطلقوهما مع التفردِ
يعني إذا مع التفرد ليس له إلا إسناد واحد يطلق تردد، هل بلغ أو لم يبلغ؟ وهذا ذكرناه.
ويطلقان باعتبار الطرقِ ... في غير فردٍ فادره وحققِ
واقبل زيادة بها تفردا ... راويهما ما لم ينافِ الأجودا
هذه مسألة: زيادة الثقة، وهي من المعضلات، زيادة الثقة هل تقبل زيادة الثقة؟ إذا جاءنا هذا الثقة بحديثٍ مستقل تفرد به عن غيره من الرواة يقبل وإلا ما يقبل؟ يقبل؛ لأننا ما نشترط. . . . . . . . .، لكن اشترك الرواة في رواية حديث عشرة، تسعة رووه بدون جملته الأخيرة، رواه واحد باللفظ الذي ذكروه وزاد جملة: ((إن الله يحب التوابين))، ((إنك لا تخلف الميعاد)) زيادة: ((من المسلمين)) في زكاة الفطر، ((جعلت تربتها)) المقصود أن الزيادات في هذا كثيرة، فهل تقبل باعتباره ثقة؟ ولو تفرد بالحديث نقبل فكيف لا نقبل زيادة؟ أو نقول: لو كانت محفوظة تواطأ على روايته التسعة كلهم، لكن لما تفرد بها شككنا، المسألة خلافية، والمتأخرون جروا على قواعد مطردة، منهم من يقبلها مطلقاً؛ لأن من زادها معه زيادة علم، ومنهم من يردها مطلقاً لأن عدمها متيقن، ووجودها مشكوكٌ فيه.
واقبل زيادات الثقات منهمُ ... ومن سواهم فعليه المعظمُ
следующие страницы →